كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 65-78
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

صفحات 65-78
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال: وإن اقتصر، [أي: المستحلف]، على الاسم وحده، جاز، لأن به تنعقد اليمين، يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور:6]، فلم يشترط الزيادة [عليه].
وما روي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: ((والله، لأغزون قريشًا)).
وما روي أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ألبته، فقال: والله، ما أردت إلا واحدةً، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: ((والله، ما أردت إلا واحدة؟)).
وأحلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ابن مسعودٍ في قلته لأبي جهلٍ: ((بالله، إنك قتلته؟))، فاقتصر على الاسم المجرد.
وهكذا الحكم فيما لو اقتصر على الصفة الذاتية مثل: عظمة الله، وجلال الله، وكبرياء الله، وغير ذلك.
قال الماوردي: وقد شذ بعض أصحابنا، فقال: لا يجزئه إحلافه بالله حتى يعظمها بما وصفنا، ليخرج بها عن عادته.
قال الأصحاب: ولا فرق فيما إذا اقتصر على الاسم بين أن يقول: بالله، أو [تالله]، أو والله، كذا قالوه هنا.
وقد حكينا في كتاب الأيمان ما ينازع فيه.
قالوا: وكذا لا فرق بين أن يأتي به معربًا، كقوله: ((والله))، أو غير معرب بأن يأتي به مرفوعًا كقوله: ((والله))، [أو منصوبًا كقوله: ((والله))، سواء] تعمد ذلك أو لا، كما قاله الشافعي في ((الأم))، لأن لك لحنًا لا يغير المعنى، وقال: أحببت أن يعيد حتى يصحح.

قال في ((الحاوي)) في كتاب القسامة: وقد فرق بعض أصحابنا، فقال: إن كان من أهل العربية والإعراب في كلامه، لم يكن يمينًا في حقه، إذا أتى مرفوعًا أو منصوبًا، لأنه يفرقون بين اللحن والإعراب، ولا ينطقون بالكلمة إلا على موضوعها في اللغة، فلا يجعلون ما خرج عن إعراب القسم قسمًا.
وإن كان من غير أهل العربية فهو يمين في حقه، لأنه لا يفرقون بين اللحن والإعراب، ويتكلمون بينهما] على سواء.
وقد حكينا عن القفال في كتاب الأيمان فيما إذا رفع: أنه لا يكون يمينًا إلا أن ينوي به اليمين، ولم يفصل بين من يحسن العربية أو لا.
وقضية ذلك ألا يعتد بيمينه إذا رفع هنا أيضاً، لأن النية لا مطلع عليها.
ولو حذف الحالف حرف القسم من ذكر ((الله)) تعالى، فظاهر ما قاله الأصحاب ها هنا انعقاد اليمين، والاكتفاء بذلك، لأن أبا الطيب والقاضي الحسين والبندنيجي وغيرهم قالوا: ذكر الشافعي في حديث ركانة فائدتين، وأبدى أصحابنا في أكثر من ذلك، وعدها أو الطيب [المثنى] عشرة: ثلاث في اليمين، وهي: جواز الاقتصار على مجرد الاسم.
وألا يعتد باليمين إذا كانت قبل استحلاف الحاكم.
وأنه يجوز حذف حرف القسم، لأنه جاء في بعض ألفاظه: ((والله، ما أردت إلا واحدة؟ فقال: الله، ما أردت واحدة؟)).
وزاد الماوردي والبندنيجي عليها: أن اليمين تدخل في الطلاق ونكاح والرجعة إذا وقع فيه الخلاف والنزاع.
وأن الإنسان يستحلف على نيته إن لم يعلم الأمر [إلا من] جهته.
وثلاث في الرجعة، وهي: جواز الرجعة في بعض المطلقات.
وأن ((ألبتة)) لا تقطع الرجعة.
وأن الرجعة لا تفتقر إلى الاستشهاد.

وزاد غيره أن الرجعة مختصة بالقول.
وأنها تجوز بغير علم الزوجة، لرجعة ركانة بغير علمها.
وسلت في الطلاق، وهي: أن ألبته ليست بصريح في الطلاق الثلاث.
وأن الطلقات الثلاث ليس بجزم.
وأن الكتابة يقع بها الطلاق [مع النية.
وأنه يرجع إلى نتيه في عدده.
وأن الطلقات الثلاث تقع جميعها] وأن إيقاع الثلاث ليس بجزم.
وأن الكناية يقع بها الطلاق مع النية.
وحينئذ يجتمع فيه ست عشرة فائدة، ومن جملتها- كما ذكرنا-: الاعتداد باليمين مع حذف حرف القسم.
وفي ((الحاوي)) في كتاب دعوى الدم: أنه إذا حذف حرف القسم، لم يكن يمينًا على الظاهر من مذهب الشافعي في عموم الناس كلهم، سواء ذكر الاسم مرفوعًا أو مجرورًا أو منصوبًا.
[و] على قول من فرق بين أهل العربية وغيرهم من أصحابه، يجعلها بالنصب من أهل العربية يمينًا، لأنهم إذا حذفوا حرف الجر نصبوا، فصار النصب عوضًا من حرف القسم، فصارت منهم يمينًا، دون غيرهم.
وقد ذكرنا في كتاب الأيمان: أنه إذا حذف حرف القسم، وأطلق- لا يكون يمينًا، لأن اليمين تتعلق بحرف القسم، وليس في هذه حرف قسم، فهو موافق لما ادعاه الماوردي من ظاهر المذهب، وذكرنا ثم وجوهًا أخر.
أما إذا عرض المستحلف على الحالف اليمين مغلظة باللفظ، فأراد الاقتصار على الاسم وحده، فهل يجزئه أم لا، فيعد ناكلًا عن اليمين إن أصر على ذلك؟ الكلام في هذا وفي كل تغليظ رآه الحاكم من المكان والزمان، ينبني على أصل بعد العهد به، وهو أن فعل ذلك واجب على المستحلف أو لا؟ وحاصل ما ذكر في مجموع ذلك أربعة أوجه، أوردها في ((الوسيط)):

أحدها: أن جميع ذلك مستحب، وقد ذكره العراقيون [قولًا، وهو الصحيح]، وعلى هذا: إذا امتنع الحالف من شيء منها، وقد عرضه القاضي [وهو يراه مستحبًا واحتياطًا، لا يجبر عليه، ولا يعد ناكلًا عند العراقيين.
وحكى الإمام والقاضي] الحسين فيه وجهين، أصحهما عند القفال- كما قال في البحر ((البحر)) -: أنه نكول، وطردهما القاضي والشيخ أبو علي فيما إذا عرض عليه وضع المصحف في حجره حالة الحلف، فامتنع، فهل يجعل ناكلًا أم لا؟ لأن فعل ذلك مستحب عندهما، كما ذكرنا.
الثاني: أن ذلك مستحب إلا في المكان، فإنه واجب حتى لا يعتد باليمين في غيره، وهذا ذكره العراقيون [قولا] أيضًا.
وعلى هذا: إذا امتنع من التغليظ بالزمان واللفظ، وقد رآه القاضي احتياطًا- فحكمه ما تقدم.
وإن امتنع من التغليظ بالمكان عد ناكلًا، ولا نظر لكون عليه يمين أنه لا يحلف في ذلك المكان أو لا، كذا قاله الماوردي والإمام والرافعي وغيرهم، وهو قياس قول الأصحاب: إن اليهودي يقسم ببيعته، إذا قلنا: إن التغليظ بالمكان واجب.
لكن البندنيجي والقاضي أو الطيب وغيرهما حكوا عن الشافعي في الأم- كما قاله في ((البحر)) - فيما إذا كان عليه يمين: لا حلف بين الركن والمقام، استحلفه في الحجر، فإن كان عليه يمين: لا حلف في الحجر، حلفه على يمين المقام بين المقام والحجر، فإن كان عليه يمين: لا حلف [في هذا المكان، استحلفه بالقرب من البيت.
وأن الشافعي قال: لو قال قائل إذا كان عليه يمين: لا حلف] بين الركن والمقام، استحلفه فيه، وإن كان فيه حنث فيما كان حلف، كان مذهبًا، كما لو حلف: لا يحلف، فتوجهت اليمين عليه، فإنه يحلف وإن كان فيه حنث فيما كان حلف، كذلك ها هنا.

فقالوا: فقد خرجها على قولين.
قال القاضي أبو الطيب: قال أصحابنا: وهذا على القول الذي يقول: إن التغليظ بالمكان [مستحق، وشرط.
فأما على القول الذي يقول: إن التغليظ بالمكان] ليس بشرط، فلا يحنث في يمينه قولًا واحدًا.
[والبندنيجي قال: فقيه أن يكون القولان إذا قلنا: المكان شرط، فأما إذا قلنا ليس بشرط، لم نحنثه قولًا واحدًا].
ويقرب من ذلك من حكيناه في اليمين المغلظة إذا وجبت على مخدة هل تخرج إلى موضع الاستحلاف، أو ينفذ إليها من يحلفها، ويجعل التخدر عذرًا؟ إذا قلنا [بوجوبه خرجت]، أما إذا قلنا: أنه مستحب، فلا تخرج وجهًا واحدًا.
الثالث: أن ذلك واجب إلا في اللفظ، وقد حكاه الماوردي ها هنا قولًا، وعلى هذا فالفرق بين اللفظ وبينهما- كما قال القاضي الحسين وغيره-: أن قله: ((والله)) يشتمل على جميع الصفات التي يلقنه الحاكم، من قوله: ((لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ...)) إلى آخره، لأن معنى [((الله))] هذا، فلذلك اكتفى به، بخلاف المكان والزمان، فإن اسم الله تعالى لا ينظم فائدتهما.
وعلى هذا قال الماوردي في باب ((ما على القاضي في الخصوم)): لو سأل المدعي تأخير إحلاف المنكر، لتغلظ عليه اليمين بإحلافه بعد العصر، أو في الجامع- كان له ملازمة المنكر، إن استحق تغليظها، ولم يكن [له] ملازمته إن لم يستق تغليظها.
الرابع: أن ذلك مستحق في الجميع، وهذا ما خرجه الإمام لنفسه، والعراقيون قالوا: إن التغليظ باللفظ مستحب قولًا واحدًا، كما ذكره الشيخ هنا.
وفي المسألة وجه خامس: أن التغليظ بالمكان مختص بمكة والمدينة، وفي غيرهما لا يجب قولًا واحدًا، حكاه ابن أبي الدم.
ولا خلاف أن الحاكم لو قال له: قل: والله، فقال: والرحمن، أنه يكون نكولًا.

ولو قال: قل: بالله، فقال: والله- هل يكون نكولًا؟ فيه وجهان حكاهما القاضي والإمام.
ولو قال: قل: بالله، فقال: تالله- فالخلاف جار، والنكول هنا أظهر، لأن تالله بعض الناس يقولون: لا يكون يمينًا.
فرع: لو أحلف القاضي يهوديًا: بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، والنصراني: بالله الذي أنزل القرآن على محمد صلّى الله عليه وسلّم، فامتنع من اليمين بذلك له يصير ناكلًا؟ فيه وجهان، حكاهما ابن أبي الدم عن رواية الشيخ علي عن شيخه القفال.
قال: ومن حلف على فعل نفسه- نفيًا كان أو إثباتًا- حلف على القطع، لإحاطة علمه بحاله، وقد ألحق بذلك إذا ادعي عليه أن بهيمته أتلفت على إنسان مالًا، فأنكر، فإنه يحلف على القطع.
قال الأصحاب: لأن البهيمة لا ذمة لها، والمالك لا يضمن بفعل البهيمة، وإنما يضمن بالتقصير في حفظها، وهذا أمر يتعلق بنفس الحالف.
قال: ومن حلف على فعل غيره، فإن كان على إثبات حلف على القطع، لتيسر الاطلاع عليه.
وحكى الفوراني عن القفال: أن للمدعي للرضاع إذا نكل خصمه عن اليمين على نفي العلم، حلف هو أيضًا على العلم، لأن جواب المدعي يكون على وفق الدعوى والظاهر أنه يحلف على البت.
وإن كان على نفي، حلف على نفي العلم، أي: فيقول: والله ما علمت أنه فعل كذا، لأنه لا طريق [له على القطع في نفي فعل الغير]، فلم يكلف الحلف عليه، كما لا يكلف الشاهد فيما لا طريق [له] إلى معرفته بالقطع- القطع، بخلاف الإثبات.
وقد يستدل لذلك بما روى أبو داود عن الأشعث بن قيس أن رجلًا من كندة، ورجلًا من حضرموت اختصما إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم في أرضٍ من اليمن، فقال

الحضرمي: يا رسول الله، إن أرضي اغتصبها أبو هذا، وهي في يده، قال: هل له بينةٌ؟ قال: [لا]، ولكن أحلفه، والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه، فتهيأ الكندي، يعني: لليمين.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: وفي هذه الحالة، لو حلف على البت والقطع احتسب باليمين، لأن ذلك [يكون] محمولًا على العلم، لأجل أنه لا يمكن الإحاطة به، كما قال الشافعي فيما إذا شهد الشاهدان: أن هذا وارثه، لا وارث له غيره.
قال الرافعي: وكل ما يحلف الإنسان فيه على البت لا يشترط فيه اليقين، بل يجوز ألبت، بناء على ظن مؤكد يشنأ من خطه، أو من خط أبيه، أو نكول خصمه على ما سبق.
وما ذكره من خط نفسه قد حكاه البندنيجي قبيل باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة، وكذا صاحب ((البحر)) [وغيره]، وألحقوا في هذا الموضع إخبار العدل الواحد بذلك.
وقال في ((الحاوي)) فيما إذا رأى ذلك مكتوبًا في حساب يغلب على ظنه صحته، أو أخبره عدل [به]: إنه يجوز له أن يدعي به، وهل يجوز أن يحلف إذا ردت اليمين عليه، أو أقام شاهدًا؟ فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: الجواز، والقائل بخلافه قال: إنه الظاهر من كلام الشافعي، [و] حديث الأنصار مع يهود خيبر في القتل حجة عليه.
وفصل ابن الصباغ، فقال هنا، إذا وجد شيئًا بخط أبيه، أو أخبره عدل به، جاز أن يحلف إذا غلب على ظنه صدق ذلك، وهو ما أورده القاضي أبو الطيب أيضًا.
وقال قبل ((كتاب القاضي إلى القاضي)) بيسير: إن الإنسان إذا وجد بخط نفسه [دينًا] على إنسان، فلا يطالب به، ويحلف عليه حتى يتيقنه، وكأن الفراق: أنه في خط نفسه يمكنه التذكر، بخلاف خط أبيه.

وقد ظهر لك بما ذكرناه: أن ما ادعاه الرافعي، لم يسلم من منازعة.
وكذا ما ذكره من الاعتماد على النكول فيه منازعة، لأن المذهب- كما قال الإمام في كتاب الوديعة فيما إذا ادعى المودع التلف، ونكل عن اليمين-: أن المالك يحلف على نفي العلم، وأن من أصحابنا من يكلفه جزم اليمين، لأن من الممكن أن يطلع على بقاء العين في الوقت الذي ادعى المودع تلفها، وإذا كان هذا ممكنًا، فجزم اليمين ممكن.
ولو لم يغلب على ظنه صدق أبيه فيما كتبه، فإن كان مع غلبة الظن بالكذب لم يجز الإقدام على اليمين، وإن احتمل الصدق والكذب على السواء، فالذي يظهر [أن] يقال: إن الحكم كذلك.
وفي ((النهاية)) في كتاب الوديعة: أن المودع لو ذكر أن الوديعة تلفت في يده، ومات قبل أن يحلف- فالوارث يخلفه في اليمين، إذا غلب على ظنه صدقه، أو علمه.
ولو استوى عنده احتمال الصدق والكذب ففيه خلاف.
ووجه الجواز: اعتضاد اليمين ببراءة ذمة الوارث، وسلامة التركة [له]، وهذا التوجيه لا يحسن في مسألتنا مطلقًا، فلذلك قلت: لا يتجه التحليف.
ومما يؤيد ذلك أن القاضي الحسين قال قبيل باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة-: قال أصحابنا: إنما يحلف [علي] أن له عليه ذلك الذي رآه بخط أبيه، إذا كان لو وجد بخط أبيه: أن لفلان عليه كذا يصدق، ولا يرضى لنفسه أن يحلف على نفيه، وقال: إن القفال قال لأجل ذلك: إذا رأى بخط أبيه: أن لفلان عليه كذا، وكان أبوه من الأمانة عنده بحيث لو رأى بخطه أن له على الغير مالًا يستجيز أن يحلف عليه للاستيفاء- فلا يجوز له في مسألتنا الحلف، وإلا فيجوز.
تنبيه: كلام الشيخ مصرح بأنه إذا حلف على نفي فعل الغير، يحلف على [نفي] العلم، ويقتضي أنه لا فرق في ذلك الغير بين أن يكون موروثًا أو عبدًا له، وهو ما صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ، ولم يحكيا غيره.

وقال في ((البحر)): إن ابن القاص قاله تخريجًا.
وحك المراوزة في نفي فعل عبده وجهين: أحدهما: هذا.
والثاني- وهو الأصح في ((الرافعي)) -: أنه يحلف على البت، لأن عبده ماله، وفعله كفعل نفسه، ولذلك سمعت الدعوى عليه.
وربما بنى الوجهان على أن أرش الجناية يتعلق بمحض الرقبة [أم يتعلق بالرقبة] والذمة معًا حتى يتبع بما فضل بعد العتق؟ فإن قلنا بالأول حلف على ألبت، لأنه يحلف، ويخاصم لنفسه.
وإن قلنا بالثاني، فعلى [نفي] العلم، لأن العبد على هذا له ذمة تتعلق بها الحقول، والرقبة كالمرتهنة بما عليه.
وقضية هذا البناء- إن صح-: أن يكو الصحيح عند الإمام وغيره ما أفهمه كلام الشيخ كما عرفت في باب العاقلة: أن الصحيح عندهم أن ذمة العبد مشتغلة بجنايته.
فروع: أحدهما: إذا ادعى عليه موت قريبه، ليدعي عليه بحق، فأنكره- ففي كيفية يمينه ثلاثة أوجه: أحدها- عن ابن القاص والشيخ أبي عاصم-: أنه يحلف على البت، لأن الظاهر اطلاعه عليه.
وأصحهما- في ((الرافعي))، و ((تعليق)) القاضي أبي الطيب-: أنه يحلف على نفي العلم، كما لو أنكر غصبه وإتلافه، وقد يكون موته في الغيبة، فلا يطلع الوارث عليه.
وثالثها- عن الشيخ أبي زيد-: الفرق بين من عهد حاضرًا أو غائبًا.
[الفرع الثاني:] إذا نصب البائع وكيلًا لقبض الثمن وتسليم المبيع، فقال له المشتري: إن موكلك أذن في تسليم المبيع، وأبطل حق الحبس، وأنت تعلم-[ففيه قولان] عن حكاية ابن القاص: أحدهما: يحلف على نفي العلم، ويديم الحبس إلى استيفاء الثمن.

والثاني- وهو اختيار أبي زيد-: أنه يحلف على البت، لأنه يثبت لنفسه استحقاق اليد [على المبيع].
[الفرع الثالث:] إذا طولب البائع بتسليم المبيع، فادعى حدوث عجز عنه، وقال: إن المشتري عالم به، فأنكر يحلف على البت، لأنه يستبقي بيمينه وجوب تسليم المبيع إليه، كذا حكي عن ابن القاص.
[الفرع الرابع:] إذا مات شخص عن ابن في الظاهر، فجاء آخر، وقال: أنا أخوك، والميراث بيننا، فأنكر- قال ابن القاص: يحلف على البت أيضًا، لأن الأخوة رابطة بينهما، فهو حالف في نفسه.
ونازعه منازعون في الصورتين وقالوا: يحلف على نفي العلم.
قال: ومن توجهت عليه اليمين لجماعة، حلف لكل واحد منهم، لأن لكل واحد منهم يمينًا، فلم تتداخل.
قال: فإن اكتفوا منه بيمين واحدة، فقد قيل: يجوز، كما يجوز أن تثبت بينة واحدة حقوق جماعة، وهذا منسوب إلى الإصطخري في ((تعليق)) القاضي أبي الطيب، في باب ((ما على القاضي في الخصوم)).
وقيل: لا يجوز، وهو الأصح، لأن اليمين حجة في حق كل واحد منهم، والحجة الناقصة] لا تكمل برضا الخصم، كما لو رضي الخصم أن يحكم عليه بشهادة واحد.
ولأن المقصود من اليمين الزجر، وما يحصل من الزجر بالتفريق لا يحصل بالجمع، فلم يجز وإن رضوا به، كما لو رضيت [المرأة] أن يقتصر الزوج في اللعان على شهادة واحدة، هكذا أطلق الأصحاب القول في المسألة.
وفي ((الحاوي)) في كتاب اللعان: أن أبا سعيد الإصطخري قال: استحلف إسماعيل بن إسحاق رجلًا في حق لرجلين يمينًا واحدة، فأجمع فقهاء زماننا على أنه خطأ.

قال الداركي: فسألت أبا إسحاق المروزي عن ذلك، فقال: إن كان قد ادعيا ذلك الحق من جهة واحدة، مثل: أن تداعيا دارًا ورثاها عن أبيهما، أو مال شركة بينهما حلف لهما يمينًا واحدة.
وإن كان الحق من وجهين، حلف لكل واحد على الانفراد.
قال الماوردي: وقول أبي إسحاق صحيح.
قلت: وبه أجاب الغزالي في كتاب النكاح عند الكلام فيما إذا زوجت المرأة من اثنين، واختلفا في السابق إذا كان المدعيان حاضرين وطلبا يمينه.
وقال فيما لو حضر أحدهما، وطلب يمينه، ثم حضر الآخر، وطلب يمينه-: فهي لحلف له ثانيًا إذا كانت صيغة اليمين الثانية مثل الأولى؟ فيه وجهان: [و] في ((البحر)) في باب ((ما على القاضي في الخصوم)): أن بعض أصحابنا بخراسان حكى في مسألة الكتاب وجهًا: أنه يجوز للحاكم أن يحلفه يمينًا واحدة من غير رضا الخصوم، وليس بشيء، وكأنه- والله أعلم- يشير إلى الفوراني، فإن كلامه في كتاب اللعان، وهو أنه لو شهد له شاهد بحق على رجل، وعلى آخر بحق- جاز أن يحلف معه يمينًا واحدة، يذكر فيها الحقين.
وقضية ما ذكره الشيخ وغيره: أن يقال في هذه الصورة بالاحتياج إلى يمينين والله أعلم.

فرع: إذا كانت دعوى الشخص الواحد تشتمل على أنواع، فأراد أن يحلفه على أحدها، ويتوقف عن إحلافه فيما عداه- جاز.
وإن أراد أن يحلفه على كل نوع منها يمينًا، نظر: فإن فرقها في الدعوى، جاز أن تفرق الأيمان.
وإن جمعها في الدعوى، لم يجز أن تفرق في الأيمان، قاله في ((الحاوي)) في باب ((ما على القاضي في الخصوم)).
قال: ومن ادعى عليه غصب، أو بيع، فأجاب بأنه: لا حق [له] عليه لم يحلف إلا على ما أجاب، أي: لا يكلف إلا ذلك، ولا يجب عليه التعرض للغصب والبيع، لأنه قد يكون له غرض صحيح في ذلك، كما بيناه في باب الدعوى.
وهكذا الحكم فيما إذا ادعى عليه دين، فأجاب بمثل ذلك.
ويجوز له إذا كان الدين مؤجلًا أن يحلف: أنه [لا] يلزمه تسليم المال إليه، وكذا إذا كان معسرًا، ولا يجوز أن يحلف: أنه لا شيء [له] عليه، لأنه يكون كاذبًا في يمينه، قاله القاضي الحسين.
[أما إذا أراد أن يحلف على نفي الغصب والبيع، فله ذلك قولًا واحدًا، صرح به القاضي الحسين] والبغوي.
قال: وإن أجاب بنفي ما ادعى عليه- أي: بأن قال: ما غصبت منك، ولا بعتك- حلف على ما أجاب، لأنه لما أجاب بنفي ما ادعى عليه، دل على أنه يمكنه أن يحلف عليه، فحلف عليه، وهذا أظهر عند الرافعي، وقال: إنه منصوص عليه.

وقيل: يحلف: أنه لا حق [له] عليه، أي: ولا يكلف الحلف على نفي الغصب، والبيع، كالمسألة قبلها.
قال: ومن حلف على شيء، ثم قامت البينة على كذبه، قضي بالبينة، وسقطت اليمين، لقول عمر- رضي الله عنه-: ((البينة أحق من اليمين الفاجرة)).
قال الماوردي: ويروى هذا متصل السند إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من طريق لا يثبت، والحجة في قول عمر، لأنه لم يظهر له [فيه] مخالف.
ولأن الشهادة حجة يحكم بها في المال، وهذا أبعد عن التهمة من اليمين، فجاز سماعها بعد اليمين، قياسًا على إقرار المدعى عليه، والله أعلم.
وقد نجز شرح مسائل الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به: أحدها: اليمين عندنا معتبرة بعقيدة القاضي المستحلف، فإذا ادعى حنفي على شافعي شفعة الجوار، والقاضي يرى إثباتها، فأنكر المدعى عليه- فليس له أن يحلف، بناء على اعتقاده في شفعة الجار، بل عليه إتباع القاضي، ولزومه في الظاهر ما التزمه القاضي، وهل يلزمه في الباطن؟ فيه وجهان كالوجهين فقي أن الحنفي إذا حكم [للشافعي] بشفعة الجوار، هل تحل له، [أو هما هما]؟ قال الرافعي: وميل الأكثرين إلى الحل، كما ذكره الغزالي في الباب الثاني من أدب القضاء، وهو الجواب في ((فتاوى)) القفال، ويوافقه ما اتفقوا عليه هنا من ترجيح اللزوم باطنًا.
وعن صاحب ((التقريب)): أن القضاء في المجتهدات ينفذ في حق المقلد ظاهرًا وباطنًا، ولا ينفذ في حق المجتهد باطنًا، حتى لو كان الحالف مجتهدًا، وحلف بموجب اجتهاده- لم يأثم بذلك.

[الفرع الثاني:] إذا استثنى الحالف في يمينه باللسان في مجلس الحكم، فإن سمعه الحاكم نهاه عن ذلك، وأعاد اليمين.
وإن لم يسمعه، أو وصل باللفظ شرطًا بقلبه وبنيته- انعقدت يمينه، ولم يدفع ذلك إثم اليمين الفاجرة عنه.
ورأيت فيما وقفت عليه من ((تعليق)) القاضي الحسين: أنه إذا استثنى بلسانه، ولم يسمعه القاضي- لم تنعقد يمينه، ونفعه فيما بينه وبين الله تعالى في وجوب الكفارة.
وإن استثنى بالعزم، لم ينفعه ذلك، لأنه يؤدي إلى تعطيل الأحكام، بخلاف الاستثناء باللفظ، لأنه يسمع القاضي، وهو ممنوع منه، وإن لم يسمع يكون ذلك نادرًا، ولا عبرة بالنوادر.
[الفرع الثالث:] لا ينبغي أن يحلف القاضي السكران: مدعيًا كان أو مدعى عليه حتى يعلم ما يقوله وما يقال له، وينزجر عن اليمين الفاجرة، [فإن] حلفه في السكر، فعلى الخلاف السابق في أن السكران كالصاحي أو كالمجنون؟ قال الرافعي في كتاب القسامة: [والأظهر الأول].
وعن القاضي أبي حامد والماسرجسي ترجيح الثاني.
وادعى القاضي الحسين: أنه ظاهر، والله أعلم.


فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل