كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 123-162
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 123-162
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال: وهل يضم إلى المسح التيمم، أي: في الصورة الأولى والثانية؟ فيه قولان، أي: منصوصان في "البويطي"، كما قال البندنيجي وغيره.
والفوراني والإمام والغزالي حكوهما وجهين: وجه المنع: أنه مسح على حائل دون العضو، فاقتصر عليه كالمسح على الخف، وهذا ما نص عليه في القديم، [ونقله] [المزني] إلى "المختصر"، وهو الأظهر في "تلخيص الروياني".
ووجه الوجوب: أن هذه طهارة [ضرورة]؛ فاعتبر الإتيان فيها بأقصى الممكن، ولا كذلك المسح على الخف؛ فإنه رخصة لا يليق بها التشديد.
وبعضهم استدل له بالخبر الذي ورد في المشجوج.
ولا حجة فيه؛ لأنه ثم لا يتمكن من استعمال الماء على الجرح، وهنا هو متمكن منه، لكن المانع فعله: وهو وضع [الجبائر، وهذا ما نص عليه في "الأم"، وهو الصحيح في "النهاية" و"الرافعي"، والأظهر في "الكافي"، والقولان جاريان فيما إذا وضع اللصوق على الجرح؛ صرح به البندنيجي والإمام وغيرهما، حيث قالوا: إن ما ذكرناه في] الجبائر يجري فيما إذا ألقى اللصوق على الجرح حرفاً حرفاً.
وصاحب "الكافي" خص ذلك بما إذا كان لا يخاف من استعمال الماء على الجرح ضرراً، لكنه يخاف من نزع اللصوق، وهو حسن؛ لأنه نظير مسألتنا.
ومن المراوزة من نفي الخلاف في مسألة الجبائر، وقال: النصان محمولان على حالين: فحيث قال: "يتمم"، [أراد] [إذا كان بصفة لو رفع الجبيرة لا يمكنه استعمال الماء؛ فصار كمن كان بعض أعضائه صحيحاً وبعضه جريحاً.
وحيث قال: "لا يتيمم"] أراد به إذا كان بصفة لو رفع الجبيرة يمكنه غسل ما تحتها؛ كذا قاله الرافعي والقاضي الحسين.
وعبارة غيره في [حكاية] هذه الطريقة: أن نصه على وجوب التيمم، محمول

على ما إذا كان تحت الجبائر جرح؛ لأنه لابد من موضع صحيح كان يمكنه أن يغسله فالتيمم لأجله.
ونصه على عدم وجوبه محمول على ما إذا كان ظاهر البدن صحيحاً.
والمشهور طريقة القولين.
وإذا قلنا بالصحيح منهما- وهو وجوب التيمم- فعليه فروع: أحدها: هل يجب تقديم استعمال الماء في الغسل والمسح عليه، أم لا؟ فيه [من] التفصيل [والخلاف ما سلف في الجريح].
[والثاني: يجب [إعادة التيمم] عند كل صلاة، وهذا يؤخذ من كلام الشيخ: "وفي إعادة المسح والغسل ما سلف في الجريح"]؛ صرح به القاضي الحسين وغيره.
الثالث: لو كانت الجبائر على أعضاء التيمم أو بعضها، فهل [يمسح] على ذلك بالتراب؟ فيه وجهان: أصحهما في "الوسيط"، و"الرافعي": لا؛ لأن التراب ضعيف لا أثر له على ساتر، وهذا ما حكاه في "الحاوي" و"الكافي".
والمذكور في "الشامل" و"التتمة" مقابله، قالا: وتجب الإعادة في هذه الصورة قولاً واحداً؛ لأن البدل لا يكون على بدل، وأعجب من صاحب "الكافي"؛ كيف جزم بوجوب إمرار التراب على اللصوق وبعدمه هاهنا مع عسر الفرق؟ تنبيه: الجبائر: جمع جبيرة، وهي الخشبة أو القصبة التي تعد للوضع على الكسر، ويشد عليها؛ لينجبر الكسر.
وكلام الشيخ يقتضي أمرين: أحدهما: أنه يجب استيعاب الجبائر بالمسح، وهو أحد الوجهين؛ لأنه مسح أتى به بدلاً عن الغسل للضرورة؛ فوجب استيعاب الممسوح [به] كالوجه واليدين في التيمم؛ وهذا إليه ميل [كلام] أبي الطيب، والأصح في "الكافي" و"الرافعي".

ومقابله: أن الواجب ما ينطلق [عليه] اسم المسح: كمسح الخف، وهو المختار في "المرشد".
ومن قال بالأول احترز عن ذلك بقوله: "للضرورة"، وفرق بأمر آخر: وهو أنه لا ضرر عليه في الاستيعاب هنا، بخلاف الخف؛ فإن الاستيعاب يبليه وهو ضرر.
الثاني: أنه لا يتأقت المسح على الجبائر، وهو ما ذكره العراقيون والماوردي والقاضي الحسين والصيدلاني والمتولي وصاحب "الكافي".
ومن المراوزة من حكى وجهاً آخر: أنه يتأقت في حق المقيم بيوم وليلة، والمسافر [بثلاثة أيام ولياليهن] كالمسح على الخفين.
وأصل الخلاف في ذلك، وفي استيعاب [المسح على الجبيرة]، ووجوب التيمم: أن المسح على الجبيرة أخذ شبهاً من أصلين: أحدهما: المسح على الخفين؛ لأن ما تحت الجبيرة صحيح يمكن غسله.
والثاني: الجرح إذا خاف من غسله التلف؛ لأنه يخاف هنا من الغسلح بسبب النزع- التلف.
فبعض الأصحاب يغلب شبه المسح على الخفين؛ فيقول بمقتضاه، وبعضهم يغلب شبه الجرح ويطرد حكمه.
وقد استشكل المتأخرون تصوير محل الخلاف في تأقيت المسح؛ من حيث إنه [إن] كان يخاف من نزعها عند انتهاء مدة مسح الخف ما يجوز المسح عليها ابتداء- فلا يجب، بلا خلاف.
وإن كان لا يخشى منه ضرراً، وجب نزعها وغسل المحل، بلا خلاف.
وعليه نص في "الأم"، كما قال البندنيجي.
والإمام صوره بما [إذا] كان يتأتى النزع عقيب كل يوم وليلة، وهذا لا يشفى الغليل؛ لأنه الحالة الثانية.
وبعضهم قال: محل الخلاف إذا كان لا يتأتى النزع بسبب الخوف، وفائدة التأقيت: أنه يعيد ما صلاه بعد المدة.

والذي يظهر لي: أن يكون [محل الخلاف] إذا كان في النزع خوف، وفائدة التأقيت: أنه بعد المدة [لا] يصلي ما لم يجدد المسح؛ تنزيلاً للمسح بعد المدة منزلة التيمم بعد فعل الفريضة.
وإن صح هذا كان في احتياجه إلى تجديد الغسل ما سلف.
[فرع:] إذا توهم الجريح أو الكسير الاندمال، فكشف الجبائر أو اللصوق، فوجده قد برئ- بطلت طهارة ما تحت ذلك وما بعده في الوضوء.
وفي بطلان طهارة ما قبله وبطلان باقي جسده في الغسل- خلاف سبق.
ولو وجده لم يبرأ، لم تبطل طهارته.
نعم، لو كان قد تيمم، ففي بطلان تيممه في هذه الحالة وجهان: أحدهما: نعم؛ كما لو توهم وجود ماء [فطلبه] فلم يجده.
والثاني: لا، وهو المذكور في "تعليق القاضي الحسين" و"الكافي"، والفرق: أن

طلب البرء غير واجب عليه؛ إذ الأصل بقاء المرض وطلب الماء واجب [عليه]؛ إذ الأصل وجوده.
ولو كان الجرح أو الكسر في عضوين: كاليدين [والرجلين]، أو اليد والرجل، فكشف عن أحدهما، فوجده قد برئ دون الآخر- بطلت طهارة ما برئ، ولا يجب عليه نزع ما لم يبرأ، بخلاف ما إذا ظهرت إحدى الرجلين من الخف؛ [فإنه] يجب نزع الآخر؛ لأن لبسهما قبل المسح شرط فيه، ولا كذلك هنا؛ قاله في "التتمة" وغيره.
فرع آخر: قال في "الكافي": إذا خاف من افتصد من إفاضة الماء على محل الفصد فهو كالجريح، ولو كان محل فصده مشدوداً بالعصابة، وخاف من حلها- فكالجبيرة.
والله أعلم [بالصواب].

باب الحيض

هذا الباب مترجم بالحيض، وأودع فيه الاستحاضة والنفاس؛ ليتميز الحيض عنهما.
وأصل الحيض: السيلان، تقول العرب: حاضت الشجرة: إذا خرج صمغها وسال [منها]، وحاض السيل: إذا فاض السيل، وسال من مجتمع الأمطار.
وله ستة أسماء: الحيض، والعراك، والضحك، والإكبار، والإعصار، والطمث.
وفي الحديث: أنه- عليه السلام- قال لعائشة "أَنَفسْتِ؟ "، ومقتضاه: أن يسمى نفاساً أيضاً، وبه صرح الإمام؛ لأجل الخبر.
وهو دم مجتمع في قعر الرحم، ترخيه في سن البلوغ، يدفع على سبيل الصحة من [غير سبب] ولادة، وتعتاده في أوقات معلومة.
قال الجاحظ في كتاب "الحيوان": الذي يحيض من الحيوان أربعة: المرأة، والضبع، والأرنب، والخفاش.
قيل: أول من ابتلي به من النساء أمنا حواء: لما كسرت شجرة الحنطة ودمت الشجرة، قال الله- تعالى-: "وَعِزَّتِي وَجَلاَلي لَأُدمِيَنَّكِ كَمَا أَدْميتِ هَذِهِ الشَّجَرَةَ"

فابتليت به حواء وجميع بنات آدم إلى قيام الساعة.
والاستحاضة: سيلان الدم في غير أوقاته- عن مرض وفساد- من عرف فمه في أدنى الرحم، يسمى: العاذل بكسر الذال المعجمة.
والنفاس سنذكر في الباب تفسيره واشتقاقه، إن شاء الله تعالى.
وما عدا هذه الدماء إذا خرج من الفرج، فهو دم فساد، كالدم الذي يخرج من النساء قبل سن البلوغ.
قال: أقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين؛ كذا دل عليه الاستقراء.
قال الشافعي: أعجل من سمعت من النساء تحيض: نساء "تهامة" تحيض لتسع سنين.
فظاهر كلام الشافعي يقتضي أن الحيض يقع بعد استكمال التسع في العاشرة؛ لأنه الحقيقة.
وكلام الشيخ يقتضي أنها إذا رأت الدم في التسع كان حيضاً؛ لأنه جعل أقل السن وهو التسع ظرفاً للحيض، ولا قائل بأن كل التسع ظرف.
[نعم] ذهب [بعض] أصحابنا إلى أن التاسعة ظرف [له] فإذا رأت الدم فيها عد حيضها، واختاره في "المرشد"، ولعله مراد الشيخ وإن كان لفظه ينبئ عنه.
وبعضهم ذهب إلى أن ما بعد ستة أشهر منها ظرف له، وهو ما حكاه الإمام في كتاب اللعان عن كثير من الأصحاب.
والأصح في "التهذيب" و"الرافعي" وغيرهما ما قلنا: أن ظاهر كلام الشافعي- رضي الله عنه- يقتضيه.
والكلام في السن الذي تبلغ فيه بالاحتلام إذا رأيناه بلوغاً في حقها كالكلام في سن الحيض، والصبي ملحق- عند الشيخ أبي حامد- بالصبية في ذلك.

وغيره فرق: فجعل سن البلوغ في حقه عشر سنين، وقد تقدم الكلام فيه، في باب الحجر.
ثم التسع في حق الصبية تقريب أو تحديد؟ فيه [وجهان:].
فإن قلنا بأنه تقريب وهو ما رجحه الرافعي والروياني فلا يؤثر نقصان اليوم واليومين؛ كما قاله الماوردي فإذا رأت الدم قبله بيوم أو يومين كان حيضاً.
والمتولي [قال:] إن قلنا: إنه تقريب ففائدته: أنها إذا رأته قبله بزمان لا يسع طهراً وحيضاً- يكون حيضاً، دون ما إذا كان يسعهما، وهذا ما أورده الرافعي.
وفي "البحر" حكاية الأمرين.
وإن قلنا: إنه تحديد، قال في "الحاوي" يتغير الحكم بنقصان يوم.
وحكي أن الشافعي- رضي الله عنه- قال: إذا رأت الدم قبل استكمال تسع سنين، فهو دم فساد، ولا يقال له: حيض ولا استحاضة؛ لأن الاستحاضة لا تكون إلا على أثر حيض؛ ولأجل هذا أطلق الجمهور: أنها إذا رأت الدم قبل التسع، فهو دم فساد.
وقال في "البحر" و"التتمة": إنا إذا قلنا إنها تحديد، فلو رأت قبلها يوماً وليلة دماً، وبعدها على الاتصال أقل من يوم وليلة فالكل دم فساد، وإن رأت قبلها أقل من يوم وليلة وبعدها يوماً وليلة فالكل حيض، وإن رأت قبلها وبعدها دماً مجموعه يوم وليلة،

ولا يبلغ واحد منهما أقل الحيض، فهل هو حيض أو استحاضة؟ فيه وجهان.
وقياس قول الشافعي- رضي الله عنه- أن يقال: هل هو حيض أو دم فساد؟ فيه وجهان.
ثم ظاهر كلام الشيخ: أن المرأة إذا رأت الدم فيما ذكره من السن يكون حيضاً سواء في ذلك من هي في البلاد الحارة: كتهامة، أو في البلاد الباردة: كالصين، وهو ما عليه الجمهور.
وعن الشيخ أبي محمد حكاية وجهين، فيما إذا رأت ذلك في البلاد الباردة، التي لا يعهد في مثلها أمثال ذلك.
قال الإمام: وهذا له التفات على أن سن الإياس في الحيض يعتبر فيه بعض نساء العالم، أو نساء القطر والناحية، أو نساء العشيرة؟ قال: وأقل الحيض يوم وليلة، ودليله- أيضاً- الاستقراء.
وروي عن علي أنه قال: أقل الحيض يوم [وليلة] وأكثره خمسة عشر يوماً، وما زاد على ذلك فهو استحاضة، كذا حكاه عنه القاضي الحسين والماوردي.
وعن أبي عبد الله الزبيري من أصحابنا أنه قال: في زماننا من تحيض يوماً وليلة، وفيهن من تحيض خمسة عشر يوماً، وهذا ما نص عليه الشافعي في عامة كتبه.
وقال في كتاب الحيض من "الأم": وأقله يوم؛ كذا حكاه أبو الطيب.
والماوردي قال: إنه نص في "الأم" و"المختصر" على أن أقله يوم وليلة، ونص في كتاب العدد على أن أقله يوم.
فمن الأصحاب من جمع بين النقلين، وأثبت في المسألة قولين، وهي طريقة بعض المتقدمين من الأصحاب، كذا حكاه عنه أبو إسحاق المروزي.
قال البندنيجي: وهي فاسدة؛ لأن هذا إنما يثبت بالعادة، ولا يصح أن يقع عرف

العادة على وجهين.
ومنهم من قال: إنها على قول واحد: أن أقله يوم، وحيث قال الشافعي: "يوم وليلة" كان لم يثبت عنده وجوده يوماً فقط.
وقد روي أنه قال: "رأيت امرأة، ثبت لي عنها: أنها لم تزل تحيض يوماً لا تزيد عليه".
وقال عطاء: "رأيت من النساء من تحيض يوماً، ومن تحيض خمسة عشر يوماً.
وقال الأوزاعي: "كانت عندنا امرأة تحيض بالغداة، وتطهر بالعشي"؛ وهذا ما اختاره في "المرشد"، وقال في "الشامل": إنه قال به أكثر الأصحاب.
ومنهم من قال: إنها على قول واحد، وهو ما ذكره الشيخ، وحيث قال: "أقله يوم" [أراد] بليلته؛ لأن العرب كثيراً ما تفعل ذلك، وهذا ما صححه البندنيجي والماوردي والرافعي والقاضي [الحسين] وعليه تفاريع الحيض، وهذه الطريقة

تعزى إلى المزني وابن سريج.
وقد حكى المرعشي في ترتيب الأحكام عن الشافعي نصاً لا تخريجاً: أن أقله دفعة؛ كما في النفاس وهو غريب.
قال: وأكثره خمسة عشر يوماً، دليله الاستقراء.
قال الشافعي: رأيت نساء أثبت لي عنهن: أنهن لم يزلن يحضن خمسة عشر يوماً، ورأيت امرأة اثبت لي عنها أنها تحيض ثلاثة عشر يوماً.
وروي عن شريك قال: رأيت امرأة تحيض خمسة عشر [يوماً] حيضاً [صحيحاً] مستقيماً.
وما ذكرناه عن [عَلِيَّ] وعطاء يدل عليه.
والقاضي أبو الطيب استدل له بما روي أنه- عليه السلام- قال: "مَا رَأَيْتُ نَاقِصَاتِ عَقْل ودينٍ أَغْلَبَ لِعُقُول ذَوِي الأَلْبَابِ مِنْكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ" قيل: وما نقصان دينهن وعقلهن يا رسول الله؟ قال: "أَمَّا نُقْصَانُ عَقْلِهِنَّ: فَإِنَّ شَهَادَةَ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ بِشَهَادَة رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ: فَإنَّ إِحْدَاهُنَّ تَمْكُثُ شَطْرَ دَهْرِهَا- ورُوِي شَطْر عُمُرِهَا- لاَ تُصَلي" وعبر بذلك عن زمن الحيض.

ثم قال: فإن قيل: هذا حجة على أن أكثره عشرة أيام؛ لأن الغالب من الأعمار ستون سنة، والغالب أن المرأة تمكث خمس عشرة سنة حتى تبلغ؛ فيبقى خمس وأربعون سنة، يمكن أن تكون منها في خمس عشرة سنة حائضاً وثلاثين طهراً، وحينئذ تكون قد مكثت نصف عمرها لا تصلي.
قلنا: النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد التفرقة بينها وبين الرجل في ترك الصلاة، والمدة التي قبل البلوغ لا فرق بينها وبين الرجل فيها؛ فلا يجوز أن يحمل الخبر إلا على ما ذكرناه.
وبالجملة فهذا الخبر لم يذكره أهل الحديث على هذا النحو، وذكروه على [وجه لا] حجة فيه للفريقين؛ فتعين أن يكون دليلنا ما ذكرناه من الاستقراء.
فإن قيل: إذا كان مستندكم في التقدير لأقله وأكثره [الاستقراء] فينبغي إذا

وجد في عصر من الأعصار بسبب تغير الطباع أقل من ذلك أو أكثر أن تتبعوه.
قلت: قد قال به جماعة من المحققين، منهم الأستاذ أبو إسحاق [الإسفراييني] وأبو إسحاق المروزي كما قال في "التتمة" والقاضي الحسين في جواب له، وعليه يدل ما سنذكره من نص الشافعي من بعد.
ومنهم من منع النقصان عما ذكرنا والزيادة عليه، ووجهه بأن الإجماع منعقد على أنها لو كانت تحيض يوماً وتطهر [يوماً] على الاستمرار، لا تجعل كل نقاء طهراً، ولا كل دم حيضاً.
وبعضهم وجهه بأن بحث الأولين أوفى من بحثنا، واحتمال كونه [دم] فساد أقرب من [انحراف العادة] المستمرة.
وعبارة الإمام: أن المعتبر الوجود في اعتدال الأحوال، والحيض ليس من الأمراض والأعراض التي تميل البنية عن الاعتدال، والأمور الصحيحة إذا استمر عليها عصور، ثم بحث الباحثون عن الوجود فيها، فإن فرض نقصان أو زيادة، فهو ميل عن الاعتدال؛ فيحمل على الإعلال لا على الحيض، وهذا ما اختاره الإمام، وعليه تفاريع مسائل الحيض.
ومنهم من قال: إن كان ما رأته قد قال بعض العلماء به- جاز اعتماده؛ لأنه قد بان صحة قوله بالوجود، والشافعي لم يقل به؛ لأنه لم يثبت عنده مستنده من خبر أو استقراء، أو لم يبلغه وإن لم يوافق حيضها قول قائل من الأئمة، فلا التفات إليه؛ لأنه على خلاف الإجماع.

قال: وغالبه ست أو سبع؛ لقوله- عليه السلام- لحمنة بنت جحش: "تحيضي ستة أيام أو سبعة، في علم الله، ثم اغتسلي، فإذا رأيت قد طهرت [واستنقأت]، فصلي أربعاً وعشرين ليلة [أو ثلاثاً وعشرين ليلة] وأيامهن، وصومي؛ فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء، وكما يطهرن، لميقات حيضهن وطهرهن" رواه أبو داود، وكذا الترمذي، وقال:

إنه حسن صحيح.
قال: وأقل طهر فاصل بين الحيضتين خمسة عشر يوماً؛ لأن الشرع قد استقر نصاً بأن الشهر في مقابلة قرء جامع لحيض وطهر، فإنه تعالى جعل ثلاثة أشهر على المؤيسة في مقابلة ثلاثة أقراء في العدة، ولا يخلو ذلك: إما لأن الشهر يجمع أكثر [الحيض] وأقل الطهر، أو أكثر الطهر وأقل الحيض، أو أقل الحيض وأقل الطهر، أو أكثر الحيض وأكثر الطهر، ولا سبيل إلى ما عدا الأول؛ فتعين.
وإنما قلنا: إنه لا سبيل إلى ذلك: أما الأخير؛ فلأن أكثر الطهر غير محدود، وأما الذي يليه؛ فلأنه يكون أقل من شهر، وأما الذي يليهما؛ فلأنه يكون أكثر من شهر، وإذا تعين الأول ثبت به أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً؛ إذ قد دللنا على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً؛ هكذا ذكره الماوردي والجمهور [على] أن مستنده الاستقراء.
وقال في "المهذب": لا أعلم فيه خلافاً ولو صح ما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال [في] النساء: "نَاقِصَات عَقْلٍ وَدِينٍ .. " إلى آخره لكان دليلاً على ذلك، لكني لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقه.
وما قاله من أنه لا يعلم فيه خلافاً لا اعتراض عليه فيه وإن كان الماوردي حكى عن مالك أن أقله عشرة، وعن أحمد [أنه] لا حد لأقله، وحكى ابن الصباغ وغيره عن يحيى بن أكثم أنه قال: أقله تسعة عشر يوماً؛ لأنه لم ينف الخلاف مطلقاً، بل نفاه في علمه.

وشبه ما قاله يحيى أنه يرى أن أكثر الحيض عشرة [أيام] والشهر جامع للحيض والطهر غالباً، لكنه قد يكون تسعة وعشرين [يوماً] فجعل منها عشرة أيام حيضاً وتسعة عشر طهراً.
[فإن قيل]: لو دل الاستقراء على أن أقل الطهر دون خمسة عشر يوماً، هل يجري فيه الخلاف السابق؟ قلت: الظاهر من كلام الأصحاب: إجراؤه؛ إذ لا فرق، لكن نص الشافعي على اتباع الوجود؛ فإن الماوردي قال في كتاب العدد: قال الشافعي: لو علمنا طهر امرأة أقل من خمسة عشر يوماً- جعلنا القول فيه قولها، وذلك بأحد وجهين: إما أن يتكرر طهر المرأة [مراراً متوالية أقلها] ثلاث مرات من غير مرض، فإن تفرق ولم يتوال- لم تصر عادة.
[أو] لو وجد مرة واحدة من جماعة نساء أقلهن ثلاثة، وهل يراعى أن يكون

ذلك في فصل واحد من عام واحد؟ فيه وجهان.
ولا يقبل ذلك إلا ممن تجوز شهادتهن، ولا يقبل خبر المعتدة معهن في حق نفسها، وفي قبوله في حق غيرها وجهان.
تنبيه: احترز الشيخ بقوله: "فاصل بين الحيضتين" عن طهر المبتدأ والآيسة، والمسألة الآتية؛ فإن الطهر عبارة عن النقاء عن الدم.
واحترز به- أيضاً- عما إذا رأت الحامل الدم، وقلنا: إنه حيض، ولم يكن بينه وبين النفاس أقل الطهر، بل دونه، فإنه لا يقدح في كون الدم حيضاً؛ على الأصح.
قال: ولا حد لأكثره؛ لأن من النساء من لا تحيض، ومنهن من تحيض في عمرها مرة ومنهن من تحيض في السنة مرة، وسكت الشيخ عن غالب الطهر؛ اكتفاء بما ذكره من غالب الحيض؛ فإن الشهر منقسم عادة إلى حيض وطهر، فإذا كان غالب الحيض ستاً أو سبعاً، كان غالب الطهر أربعاً وعشرين أو ثلاثاً [وعشرين] وعليه دل خبر حمنة.
قال: وإن رأت المرأة يوماً طهراً، ويوماً دماً ففيه قولان: أحدهما: تضم الطهر إلى الطهر، والدم إلى الدم؛ لأنه [ليس] جعل زمن الطهر حيضاً بأولى من عكسه، ولا صائر إليه ولا إلى أن لكل منهما حكم المنفرد؛ فتعين ضم كل منهما إلى مثله؛ وهذا ما نص عليه الشافعي في آخر كتاب الحيض من "الأم"؛ كما قال أبو الطيب.
وقال القاضي الحسين: إنه غير منصوص عليه، ولكنه أخذه من مناظرة جرت بين الشافعي ومحمد بن الحسن في الأقراء، هل هي الأطهار أو الحيض؟ فقال محمد للشافعي: ما تقول فيما إذا رأت يوماً طهراً ويوماً دماً وهكذا؟ قال: أجعل زمان النقاء طهراً، وزمان الدماء حيضاً، فقال له محمد: يلزمك أن تحكم بانقضاء العدة بمضي ستة أيام، فقال له: لا أحكم بذلك؛ لأن الله إنما حكم بانقضاء العدة بمضي ثلاثة [أطهار] كوامل؛ وهذا طهر واحد مفرق.
والثاني: لا تضم، بل الجمع حيض؛ لأن الله- تعالى- أجرى عادته بأن الدم

لا يسيل في زمن الحيض دائماً، بل يسيل تارة ويمسك أخرى، وحالة إمساكه يسمى: الفترات، وحكم الحيض منسحب عليها اتفاقاً؛ فوجب أن يكون ما زاد عليها كهي في ذلك، ولأن الناس أجمعوا على أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، فلو قلنا: يوم النقاء طهر، أدى إلى أن يكون يوماً، وَلانْقَضَتِ العدةُ بثلاثة أيام، ولا قائل به؛ هكذا قاله [القاضي] أبو الطيب، ونسب هذا القول إلى نصه في عدة مواضع، وصححه، وكذا الجمهور صححوه.
وفي "الشامل" أن بعض أصحابنا قطع به، وقال: ما ذكره الشافعي مع محمد فإنما جرى في مناظرة، وقد ينصر الإنسان مذهب غيره فيها.
والمشهور الطريقة الأولى، وبالأول قال أبو إسحاق المروزي، وصححه الشيخ أبو حامد والبندنيجي وطائفة من العراقيين؛ كما قال الرافعي، ولا جرم اختاره في "المرشد".
وفرق هؤلاء بين ما نحن فيه والفترات بأنها في زمن القراب إذا أدخلت قطنة في الفرج خرجت حمراء وذلك يدل على بقاء الحيض، ومحل ما نحن فيه إذا أدخلت القطنة خرجت بيضاء، وذلك يدل على انعدامه، والإلزامان مندفعان بما قال الشافعي

[لمحمد]، والله أعلم.
والقولان جاريان، كما قال ابن سريج فيما إذا رأت يومين دماً ويومين نقاء، أو ثلاثة وثلاثة أو خمسة وخمسة، أو يوماً دماً وثلاثة عشر يوماً نقاء ثم يوماً دماً، أو ثلاثة عشر يوماً دماً ويوماً طهراً ويوماً دماً، ونحو ذلك قل زمن الدم وكثر زمن النقاء أو بالعكس.
تنبيه: إطلاق ذكر الدم يعرفك أنه لا فرق [فيه] بين الأسود والأحمر والأصفر، وهو كذلك.
نعم، لو رأت يوماً دماً أسود أو أحمر، ويوماً دماً أصفر، قال ابن الصباغ: فهو بمنزلة ما لو رأت الدم والنقاء، وهو ما حكاه البندنيجي عن ابن سريج [والإصطخري]، وصرح [بأنه حكى] القولين، وكذا قال فيما إذا رأت يوماً دماً ويوماً كدرة.
قال ابن الصباغ: لكني ذكرت فيما قبل أن الصفرة في أيام الإمكان حيض عند أكثر الأصحاب [أي]: وقضيته: أن يكون الجميع حيضاً بلا خلاف إذا قلنا به، وبه صرح الرافعي.
قال البندنيجي: لو رأت يوماً دماً أسود ويوماً دماً أحمر، كان الجميع حيضاً؛ لأن الأحمر إلى الأسود أقرب وبالحيض أشبه، بخلاف الصفرة والكدرة؛ لأنها إلى النقاء أقرب، قال: وهذا بخلاف المستحاضة إذا رأت يوماً وليلة أسود، ثم عشرة أحمر، ثم أسود أربعة، ثم أحمر، واتصل فإن ما بعد الأربعة استحاضة، وما قبله من الأسودين حيض دون الأحمر.
نعم، إذا قلنا بالسحب جعلناه حيضاً، وحكاية القول [الأول] في المسألة تعرفك أنها مصورة بما إذا تكرر الدم والطهر؛ إذ لا ضم إلا عند التعدد، على أن قوله: رأت يوماً كذا ويوماً كذا، صيغة مستعملة في التكرار، وحكاية القول الثاني مع ما سلف من أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يوماً تدل على أن المسألة مصورة بما إذا كان مجموع زمن الطهر والدم لا يتجاوز مدة أكثر الحيض، سواء اقتصر عليها أو

نقص عنها؛ وبذلك صرح الأصحاب.
وقوله: رأت يوماً طهراً ويوماً دماً، يعرفك أن الطهر المسحوب عليه حكم الحيض على القول الثاني هو المُحْتَوَش بدمين داخلين في المدة؛ لأن ظاهر [كلامه أن] المسألة مصورة بما إذا كان آخر ما رأته في مدة الحيض هو الدم، وجعله أول ما رأته من الطهر يوماً يقتضي تقدم دم عليه، وإلا لكان الطهر المتقدم أكثر من يوم ضرورة، وإذا كان كذلك صح ما ذكرناه، وقد صرح غيره بأنه شرط بالاتفاق في السحب.
فإن قلت [قد يوجد في بعض النسخ، بل أكثرها وإن رأت يوماً دماً ويوماً طهراً، وهذا ينفي ما ذكره من الجواب.
قلت]: لا بل منه يؤخذ الجواب؛ لأن آخر الأمرين لو كان الطهر، لم يكن الطهر يوماً، بل خمسة عشر يوماً أو أكثر منها؛ لأنه ينضم إلى ما بعده.
وحيث اقتصر على جعله يوماً، دل على أن بعده دماً واحتوش ما سحبنا عليه [حكم الحيض].
وتمثيله باليوم يغني عن التصريح باشتراط ألا ينقص مجموع الدماء في المدة المذكورة عن أقل الحيض وهو يوم وليلة؛ كما ذكره في تصوير المسألة، وكما صرح غيره بأنه الصحيح، ومصرح بأنه لا يشترط على كلا القولين أن يكون الدم الأول أقل الحيض يوم وليلة، وكذا كل دم بعده، وهو أصح الوجهين.
وهذه الإشارات إنما يفهمها المنتهي، ويحتاج المبتدئ إلى بسطها؛ فنقول: ما ذكرناه من الطريقين في المسالة محله بالاتفاق فيما إذا رأت يوماً وليلة دماً، ويوماً وليلة نقاء، أو [يوماً دماً و] يوماً نقاء، وهكذا، ما لم يتجاوز الدم الأخير خمسة عشر يوماً، فلو رأت نصف يوم دماً، ونصف يوم نقاء، وهكذا إلى تمام خمسة عشر يوماً، واستمر الطهر- فالذي ذهب إليه أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق

وعامة أصحابنا- كما قال أبو الطيب- إجراء الخلاف فيها، بل قال الرافعي: إن أبا عبد الله الحناطي حكى طريقة قاطعة بأن هذه الصورة ونحوها محل القولين.
أما إذا كان كل دم رأته قدر أقل الحيض، فالمسألة على قول واحد، وهو الثاني.
والضابط عند هؤلاء في جريان القولين ألا ينقص مجموع ما تراه من الدم في المدة عن أقل الحيض بألا يكون ما انقطع الدم فيه فترة قل زمانه أو كثر، والفرق بين وبين الفترة ما سلف؛ كما نص عليه الشافعي في "الأم"، وبه قال الشيخ أبو حامد وأبو الطيب والمصنف.
والإمام قال: لم ير فيه ضبط، ومنتهى الذكر فيه أن ما يعتاد تخلله بين الدفع فهو من الفترات وما يزيد على المعتاد [و] يكون أكثر منه هو محل الخلاف.
ثم قال: وأنا أقول: الفرق بينهما أن الحيض مجتمع في الرحم، ثم الرحم يقطره شيئاً فشيئاً، وأنه ليس الرحم متنكساً في الخلقة حتى يسيل ما فيه دفعة، فالفترة ما بين ظهور دفعة إلى أن تنتهي أخرى من الرحم إلى المنفذ، والنقاء الذي فيه الخلاف يزيد على ذلك، والطهر الذي يجري عليه حكم الحيض على قول هو المحتوش بدمين: فعلى القول الأول يكون لها في المسألة التي فرضناها من الخمسة عشر يوماً سبعة أيام ونصف حيضاً ومثلها طهراً.
وعلى القول الثاني يكون لها أربعة عشر يوماً ونصف حيضاً ونصف يوم طهراً وهو الأخير؛ لأنه غير محتوش بدمين.
وحكى العراقيون عن بعض الأصحاب أنه لا يجري في هذه الصورة ونحوها من مسألة الكتاب وغيرها القول الأول، ويتعين الثاني، واختلفوا في سببه: فمنهم من قال: لأن شرط جريانه أن يكون أول ما تراه من الدم لا ينقص عن أقل الحيض، وقد نقص.
ومنهم من يقول: لأن شرط جريانه ألا ينقص أول الدم عن أقل الحيض وكذا آخره؛ ليكون ما بينهما تبعاً لهما، ولم يوجد ذلك.
قال ابن الصباغ: وهما فاسدان؛ لأنا إن قلنا: لا تضم، فالنقاء الذي بعد الدم حيض يكمل به [من غيره] وإن قلنا: تضم، فالدم كله حيض واحد، وهو زائد على أقل الحيض.

نعم، لو كان لا يبلغ مجموع الدماء أقل الحيض لم يجز القول الأول ولا الثاني، والدم دم فساد، وذلك يتصور فيما إذا رأت ساعة دماً وخمسة عشر يوماً إلا ساعة نقاء، ثم ساعة دماً ونحو ذلك.
وأبعد بعض الأصحاب، فقال: لا يشترط في جريانهما ألا ينقص مجموع الدماء عن أقل الحيض، لكن إذا قلنا بالضم كان الدم جميعه دم فساد، وإن قلنا بمقابله كان زمن الدماء والنقاء حيضاً وهذا ينطبق عليه ما حكاه المراوزة عن الأنماطي، وقال الرافعي: إنه أظهر الطريقتين.
والصحيح خلافه.
وحكى القاضي الحسين والإمام غيرهما: أن محل جريان القولين ما إذا كانت ترى يوماً وليلة دماً، ومثل ذلك أو دونه نقاء.
أما إذا رأت نصف يوم دماً ونصف يوم نقاء، فقد قال أبو بكر المحمودي: إنهما يجريان أيضاً.
والضابط عنده في إجرائهما ما أسفلناه عن جمهور العراقيين.
وقال غيره: إنه لا يجري القول الثاني، واختلفوا في سببه: فقيل: لأن الشرط ألا ينقص أول دم تراه عن أقل الحيض، فلو كان أول دم أقل الحيض، ورأت بعده نصف يوم دماً ونصف يوم نقاء إلى آخر المدة جرى القولان.
وقيل: لأن الشرط في جريانه أن يكون أول دم أقل الحيض، وكذا آخر دم، ولم يوجد ذلك.
نعم، لو وجد وكان الدم الموجود فيما بين الأول والآخر أقل من أقل الحيض جرى القولان.
ولأن الشرط يوجد فيما تراه من الدم أقل الحيض متوالياً: إما أول دم، أو آخر دم، أو فيما بينهما، ولم يوجد، فلو رأت أقل الحيض متصلاً جرى القولان.
وحيث قلنا: لا يجري القول الثاني، فما بلغ أقل الحيض متواصلاً، كان حيضاً، وما لم يبلغه، كان دم فساد.

التفريع: إن قلنا بالقول الألو في مسألة الكتاب ونحوها- قال ابن سريج: فيجب عليها عند انقطاع الدم الأول: الغسل؛ لأن الدم إذا عاد كان ذلك انتقالاً من بعض الحيض إلى بعض الطهر؛ فوجب الاغتسال؛ كما إذا انتقلت من جميع الحيض إلى بعض الطهر.
قال ابن الصباغ: وعندي أنه لا يجب؛ لأن الدم الأول لم يحكم بأنه يحض، ولا يعلم معاودته، والظاهر عدم عوده؛ وهذا قد حكاه الإمام وجهاً [آخر] في المسألة وقربهما من القولين في أن الناسية هل تؤمر بالاحتياط أم لا؟ كما سنذكره.
ثم قال ابن الصباغ: وإنما يتصور ما قاله ابن سريج في اليوم الثاني وما بعده.
قلت: إن عنى بما قاله أن الغسل يجب في اليوم الثاني وما بعده فصحيح؛ إذ باليوم الثاني وما بعده يمضي أقل الحيض، والأصل بقاء الانقطاع؛ فيجب الغسل.
وإن عنى أن ما علل به ابن سريج يتصور في اليوم الثاني وما بعده فغير مسلم.
نعم، يتصور في الشهر الثاني وما بعده إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة؛ كما هو الصحيح.
أما إذا قلنا: لا تثبت إلا بمرتين، فلا يتصور إلا في الشهر الثالث وما بعده.
وإن قلنا بالوجه البعيد: إن العادة لا تثبت إلا بثلاث مرات؛ فلا يتصور إلا في الشهر الرابع وما بعده.
على أن بعض المراوزة قال إن التقطع لا يثبت عادة، وإن تكرر مراراً، وعلى هذا لا يستقيم ما علل به ابن سريج أصلاً.
وإن قلنا بالقول الثاني فلا يجب عليها الاغتسال لانقطاع الدم الأول بلا خلاف؛ لأنه إن عاد كان النقاء حيضاً، وإن لم يعد كان الدم دم فساد؛ لأنه لم يبلغ أقل الحيض.
وأما الدم الثاني والثالث وما بعده إذا انقطع: فإن كان لا يبلغ بما مضى من الدم والنقاء أقل الحيض فهو كالأول، وإن كان يبلغ [أقل الحيض] فإنها تغتسل عند كل انقطاع قولاً واحداً؛ لأنه يحتمل أن يكون انقطاعاً مبتدأ وقد وجد قبله أقل الحيض.

ولو كانت المرأة ترى يوماً وليلة دماً، وتطهر كذلك أو أقل منه وجب عليها عند انقطاع الدم الأول وما بعده الغسل؛ لاحتمال أن يكون انقطاعاً مبتدأ، وللزوج الوطء في حال النقاء بعد الغسل إن أوجبناه، وقبله إن لم نوجبه، ويجب عليها الصلاة وفعل الصوم عند انقطاع [الدم] الأول، فإذا طرأ الثاني وقلنا بالقول الثاني تبينا أن الصوم لم يصح، وأن الصلاة لم تجب، وأن الوطء لم يكن مباحاً أو حراماً أو محظوراً؛ على اختلاف عبارات الأصحاب، والكل متفقون على أنه لا إثم فيه؛ وهكذا حكم التلفيق إذا لم يزد الدم على مدة أكثر الحيض، فإن زاد فسنذكره.
قال: وفي الدم الذي تراه الحامل قولان: أصحهما: أنه حيض؛ لقوله- عليه السلام- لفاطمة بنت أبي حبيش: "إِنَّ لدَمِ الحَيْضِ عَلاَمَات وَأَمَارَاتٍ: إِنَّهُ الأَسْود المُحتدِمُ، فَإِذَا أَقْبلَتِ الحيضةُ فدعى الصلاة" فوجب اعتبار هذه الصفة في جميع الأحوال، وتعليق الحكم عليها إذا وجدت.
وقد روي أن رجلين تداعيا ولداً، وتنازعا فيه إلى عمر فدعا له القافة، فألحقوه بهما، فدعا بعجائز قريش فسألهن عنه؟ فقلن: إنها حملت به من الأول، وحاضت على الحمل فاستحشف الولد، فلما تزوج بها الثاني انتعش بمائه وأخذ الشبه منه، فقال عمر: الله أكبر، وألحق الولد بالأول.
وكانت هذه قضية شهدها المهاجرون والأنصار، وسمعوا ما جرى فأقروا عليه ولم ينكروه، فدل على إجماعهم [عليه]، ولأنه عارض لا يمنع دم الاستحاضة، فلا يمنع دم الحيض كالرضاع، وتحقيق الجامع: أن الغالب في كل منهما منع الحيض؛ وعلى هذا لا يحرم الطلاق فيه ولا

تنقضي به [عدة صاحب الحمل، وهل تنقضي] به عدة غيره؟ فيه خلاف ستعرفه في العدد.
والثاني: أنه استحاضة؛ لقوله- تعالى-: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ [الرعد: 8] فأخبر أن الحيض يغيض مع الحمل؛ فدل على أن ما ظهر من الدم ليس بحيض، وقوله – عليه السلام-: "أَلاَ لاَ توطَا حَامِل حَتَّى تَضَعَ وَلاَ حَائِلُ حَتَّى تَحيضَ"، ووجه الدلالة منه: أنه جعل براءة الرحم بكل واحد منهما؛ فدل

على تنافي اجتماعهما، ولأنها لا تحبل؛ فلا تحيض كالصغيرة، وهذا هو القديم، [كما حكاه الماوردي في باب اجتماع العدتين].
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه لا فرق على الأول بين أن ترى الدم متصلاً بالولادة في

[عادة أدوارها] أو تراه [قريب الولادة] بحيث لا يبقى بينه وبينها أقل الطهر، أو يبقى، وهو أصح الوجهين في "النهاية".
ومقابله: أنها إذا رأته، ثم اتصل به النفاس، أو رأته ثم طهرت، وولدت قبل مضى مدة أقل الطهر- لا [يكون حيضاً بل دم فساد؛ لأنه لم يستعقب طهراً كاملاً.
ووجه الأول: أن نقصان الطهر] إنما يؤثر فيما بعده، لا فيما قبله، وهنا لم يؤثر فيما بعده؛ لأن ما بعد الولد نفاس بلا خلاف؛ فأولى ألا يؤثر فيما قبله، وهذا ما ذكرنا أن الشيخ احترز عنه بقوله: وأقل طهر فاصل بين الحيضتين خمسة عشر يوماً؛ لأنه هنا فاصل بين حيضة ونفاس.
وقضية كلام الشيخ أيضاً: أن الدم الذي تراه حالة الطلق يكون حيضاً، وصاحب "الإفصاح" حكى وجهاً: أنه نفاس، والجمهور على أنه ليس بنفاس.
قال صاحب "العدة": ولا هو حيض أيضاً.
وأبو عبد الله الحناطي حكاه وجهاً [مع وجه] آخر: أنه حيض على القول الذي عليه يفرع، وأفهم أنه لا فرق على القول الثاني بين أن تراه وقد ظهر الحمل [أو قبله] وهو المشهور.
وقيل: إنه يختص بحالة ظهور الحمل وحركته، والله أعلم.
قال: وإذا انقطع دم المرأة لزمان يصح فيه الحيض، أي: لكونه لم ينقص عن أقله، ولم يزد على أكثره، وكان بينه وبين ما تقدم من حيض- إن كان- خمسة عشر يوماً طهراً فأكثر فهو حيض؛ لأن الظاهر منه حينئذ أنه دم جبلة لا دم علة، وكلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون المرأة مبتدأ مميزة [أو غير مميزة]، لون الدم الذي تراه أسود أو أحمر أو أصفر، أو معتادة وافق ذلك عادتها أو خالفها، ولا خلاف في أنها إذا كانت مبتدأة وما رأته من الدم أسود أنه حيض، أما إذا كان أحمر، فهل هو حيض أو دم فساد؟ فيه وجهان في "الحاوي".
والثاني يجري فيما إذا كان ما رأته دماً أصفر أو كدرة من طريق الأولى، وهو ما

حكاه ابن الصباغ عن الإصطخري؛ حيث قال: لا تكون الصفرة والكدرة [حيضاً] إلا في زمن العادة، والمبتدأ لا عادة لها.
وحكى عن رواية ابن أبي هريرة عن بعض الأصحاب أنه قال: إن تقدم ذلك دم أسود ولو كان بعض يوم كان معه حيضاً، وإلا فلا.
وهذا منسوب في "تعليق القاضي الحسين" إلى الإصطخري؛ فإنه قال: إنه ذهب إلى أن الصفرة والكدرة لا تكون حيضاً إذا انفردت.
نعم، لو تقدمها دم قوي كان حيضاً.
وخرج بعض الأصحاب على مذهبه اشتراط تقدم القوي وتأخره أيضاً؛ ليكون بينهما، واختلفوا [في أن] المتقدم إذا اكتفينا به، أو المتقدم والمتأخر على الرأي الآخر: هل يشترط أن يكون كل منهما أقل الحيض، أو يكفي في ذلك لحظة؟ على وجهين، فإن قلنا بما قاله الإصطخري، قلنا فيما إذا رأت خمسة صفرة، ثم خمسة حمرة، ثم خمسة سواداً: حيضها أيام الأسود فقط، وكذا لو توسط السواد حمرتين؛ بأن رأت خمسة حمرة، ثم خمسة سواداً، ثم خمسة حمرة.
وإن قلنا بمقابله كان الجميع حيضاً، وهو المذهب، ولو انعكس الحال: فرأت خمسة دما أسود، وخمسة دماً أحمر، وخمسة دماً أصفر- فالجميع حيض على المذهب، وعلى أحد وجهي الإصطخري الذي نص عليه دون ما خرج على أصله، وهذا ما حكاه العراقيون والماوردي.
وأما المعتادة إذا جرى الدم على عادتها [فهو حيض، وإن خالف عادتها] بأن كانت ترى خمسة دماً من كل شهر، فرأته في شهر أكثر من ذلك، ولم يزد على خمسة عشر يوماً وهو على لون واحد- فسواء تقدم على وقت عادته أو تأخر أو وجد بعضه في وقت العادة وبعضه قبلها أو بعدها أو قبلها وبعدها.
وما حكيناه عن كلام الإصطخري يقتضي اطراده فيما إذا كان ما رأته صفرة أو كدرة، ولا جرم قال بعضهم: إن تقدم الصفرة [أو الكدرة] دم قوي ولو لحظة في أيام العادة أو غيرها فهو حيض، وإلا فدم فساد.
ولو رأت المعتادة الدم زائداً على قدر عادتها، وهو مخالف في اللون لما اعتادته؛

بأن كانت تراه أحمر خمسة أيام، فرأته أكثر من ذلك ولم يزد على أكثر الحيض وهو أصفر- فخمسة أيام من ذلك حيض، بلا خلاف على المشهور؛ كما لو رأت الخمسة الأيام دماً أصفر فقط، وما زاد على الخمسة التي هي قدر العادة فيه وجهان: الذي [نص] عليه عادة أصحابنا كما قال أبو الطيب والماوردي-: أنه حيض؛ لما روى البخاري عن عائشة أن نساء كن يبعثن إليها بالدرجة فيها الكُرْسُفُ فيه الصفرة، فتقول: لا تَعْجَلْنَ حتى ترين القصَّة البيْضاءَ.
والكُرْسُفُ: القطن، والقصَّةُ البيضاء: شيءُ كالخيط الأبيض يخرج عند انقطاع الدم.
وقال الإصطخري: ما زاد على قدر العادة ليس بحيض؛ لما روى البخاري عن أم عطية، وكانت بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً".

وسبب اختلاف الأصحاب في ذلك: أن الشافعي قال: "والصفرة والكدرة في أيام الحيض [حيض] "، فقال ابن سريج ومن معه: أراد بأيام العادة، الأيام التي يمكن أن تكون حيضاً، وهي الخمسة عشر، وإن تجاوزت أيام العادة.
وقال الإصطخري: أراد أيام العادة نفسها؛ أخذاً بظاهر النص.
وقد كان أبو إسحاق المروزي يقول به فرجع إلى الأول، ولأنه وجد نص للشافعي في العدد على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وسواء كان لها أيام قبل ذلك، أو لم يكن، قال: فلما جعل حكم المبتدأة وذات الحيض سواء دل على ما رجعت إليه، وإن كان خلافه أصح في القياس، وهؤلاء يحملون قول أم عطية على ما بعد الخمسة عشر يوماً على أنه جاء في رواية أبي داود أنها قالت: [كنا] لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً.
قال: وإن عبر الدم الأكثر- أي: بفتح الراء؛ إذ التقدير: عبر الدم أكثر مدة الحيض فجاوز خمسة عشر يوماً، فلا سبيل إلى جعله بجملته حيضاً كما تقدم.
لكن ما يكون منه حيض؟ ينظر كما قال الشيخ: فإن كانت مميزة، وهي التي ترى في بعض الأيام دماً أسود، وفي بعضها دماً أحمر كان حيضها أيام الأسود؛ لقوله- عليه السلام- لفاطمة بنت أبي حبيش: "إِذَا كَانَ دَمُ الحيضِ فَإِنَّهُ دَم أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكي عَنِ الصَّلاَة، وإذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِ، وَصَلِّي؛ فَإنَّما هُوَ عِرْق .. "، أخرجه أبو داود والنسائي.
وأطلق الشيخ القول بأن الحيض الأسود موافق للخبر، وهو محمول على ما إذا اجتمعت شرائط الحيض فيه، أما إذا فقدت أو بعضها، فلا تمييز، وظاهر [كلامه] يقتضي أموراً: أحدها: حصر المميزة في المتصفة بما ذكره، ولا قائل به من الأصحاب، بل هم متفقون في الطريقين على أن المميزة من انقسم دمها إلى قوي وضعيف.
نعم، اختلفوا فيما به الاعتبار في القوة والضعف:

فمنهم من يقول: هو اللون فقط، فالأسود قوي بالإضافة إلى الأحمر، والأحمر قوي بالإضافة إلى الأشقر، والأشقر [قوي بالإضافة إلى] الأصفر والأكدر إذا جعلناهما حيضاً، وهذا ما حكاه الغزالي، وادعى الإمام أنه متفق عليه، وقال: لو رأت خمسة سواداً مع الرائحة المنعوتة في الخبر وخمسة سواداً بلا رائحة فهما دم واحد.
والعراقيون [وغيرهم] يقولون: إن القوة تستفاد بثلاثة أمور: باللون، والثخانة، والرائحة الكريهة؛ لأنه روي عن ابن عباس أنه قال: "دم الحيض [أسود] محتدم بحراني، ذو دفعات، له رائحة تعرف".
قيل: وليس المراد بالأسود: الحالك، بل الذي تعلوه حمرة مع سواد.
والمحتدم: هو الحار، يقال: يوم محتدم؛ إذا كان شديد الحر، ساكن الريح.
والبحراني: الشديد الحمرة، نسب إلى "البحر"؛ لصفاء لونه، بخلاف دم الفساد، فإنه ناصع اللون.
وقيل: نسب إلى البحر؛ لأنه يخرج من قعر الرحم كما يخرج الماء من قعر البحر، حكاه البندنيجي.
وقيل: هو الذي يخرج بسعة دفق وسرعة، كماء البحر.
وعلى هذا فالأسود قوي بالنسبة إلى الأحمر، والأحمر قوي بالنسبة إلى الأشقر والأصفر، كما تقدم، والثخين قوي بالنسبة إلى الرقيق، وما له رائحة كريهة قوي بالنسبة إلى ما دونه.
فلو اجتمع في دم صفتان من الثلاثة، وفي آخر وصف واحد [فما جمع]

الصفتين أقوى، ولو انفرد كل دم بوصف، مثل أن يكون أحدهما أسود رقيقاً، والآخر أحمر ثخيناً فالتمييز بالسبق يحصل، وهذا فيه منازعة تعرفها مما سنذكره.
الثاني: أنه لا فرق في جعل الأسود حيضاً إذا وجد شرطه بين أن يكون مبتدأ به، أو متأخراً، أو متوسطاً، حتى لو رأت خمسة دماً أحمر، وخمسة دماً أسود، ثم أطبق الأحمر، أو رأت خمسة عشر يوماً دماً أسود، أو بالعكس- كان الأسود الحيض، وهو ما ادعى أبو الطيب وغيره أنه المذهب.
وعن ابن سريج: [أنه] يشترط في جعله حيضاً أن يقع مبتدأ به، ولو وقع الابتداء بالأحمر، فلا تمييز.
وحكى الغزالي وجهاً آخر أن النظر إلى ما وقع الابتداء به، فإن وقعبالأسود فهو الحيض، وإن وقع بالأحمر، فهو الحيض إذا [وجد] شرطه.
قلت: وهذا يوافقه قول الشافعي الذي ذكرناه أول الباب: "إن الاستحاضة لا تكون إلا على أثر حيض وللقائلين بالأول أن يقولوا: [إنه] أراد أن لا يكون استحاضة

إلا في زمن الحيض، لا في زمن لا يصلح للحيض، وعليه يدل صدر الكلام.
وعن بعض الأصحاب: أن النظر إلى الأولية معتبر [والنظر إلى القوي معتبر]، فإن أمكن جعلهما جميعاً حيضاً: كما إذا رأت خمسة دماً أحمر، ثم خمسة دماً أسود، ثم أطبق الأحمر-[فعل]، وكان حيضها العشر الأول.
وإن لم يمكن الجمع بينهما بأن زادا على خمسة عشر يوماً، فوجهان حكاهما القاضي الحسين: أحدهما: أن الاعتبار بالقوي وهو الأسود في مثالها.
والثاني: أنها فاقدة للتمييز، وهذا قد حكاه القاضي أبو الطيب احتمالاً لابن سريج أيضاً.
وسلك الماوردي طريقاً آخر، فقال: المبتدأ إذا رأت الدم الأحمر والأسود فحيضها الأسود بلا خلاف، تقدم أو تأخر.
والمعتادة إن تقدم الأسود كان حيضها، وإن تأخر وتقدم الأحمر، فوجهان: أحدهما- وهو قول أبي إسحاق وجمهور المتأخرين-: أن حيضها- أيضاً- الأسود.
والثاني- وهو قول ابن سريج وابن أبي هريرة-: أن حيضها ما تقدم ااسود كان أو أحمر؛ وهذا إذا كان الأسود أو الأحمر قد اجتمعت فيه شرائط الحيض.
ولو كان الأحمر ينقص عن أقل الحيض، وأمكن أن يكون الأسود وحده حيضاً؛ فالأسود- كيف كان- حيض بلا خلاف.
ولو كان الأحمر يصلح أن يكون حيضاً، والأسود ينقص عن أقل الحيض، ولو جمع بينهما لزادا على أكثر الحيض- فالأحمر الحيض كيف كان [بلا خلاف].
أما إذا كان مجموعهما لا يزيد على أكثر [مدة] الحيض، فالكل في حق المعتادة حيض، وفي المبتدأة إذا كان الأحمر مبتدأ به وجهان.
فرع: إذا رأت خمسة دماً أسود، وخمسة دماً أحمر، ودماً أصفر إلى آخر الشهر-

فالحمرة تلحق بالصفرة أو بالسواد؟ فيه وجهان يجريان فيما لو رأت خمسة سواداً وأحد عشرة حمرة، ثم أطبقت الصفرة، لكنها في الصورة الأولى: إذا ضممنا الحمرة إلى السواد، جعلنا حيضها عشرة أيام، وفي هذه الصورة نجعلها فاقدة للتمييز، وقد قطع بعضهم في الصورة الأولى ونحوها بضم الحمرة إلى السواد، وفي الصورة الثانية [بضم] الحمرة إلى الصفرة.
ولو رأت سواداً ثم صفرة ثم حمرة، قال الرافعي: وهذه الصورة تترتب على ما إذا كانت الحمرة متوسطة، فإن ألحقناها بالسواد، فالحكم كما إذا رأت سواداً، ثم حمرة، ثم عاد السواد.
وإن ألحقناها عند التوسط بالصفرة، فالصفرة المتوسطة هنا أولى أن تلحق ما بعدها.
الثالث: أن المرجع إلى التمييز، سواء كانت المرأة مبتدأة أو معتادة.
وقوله- من بعد-: "وإن كانت غير مميزة ولها عادة .. " إلى آخره فهو في المبتدأة مما لا خلاف فيه.
نعم، اشترط صاحب "التتمة" في جعل القوي حيضاً- وراء ما ذكرناه-: ألا يزيد الدم القوي والضعيف على ثلاثين يوماً، فإن زاد سقط حكمه؛ لأنه يؤدي إلى تساوي المقادير فلأن [يكون ذلك] بجعل بعض المقادير حيضاً وطهراً أولى من غيره، وربما ترى في أول أمرها دماً أسود، ثم باقي عمرها دماً أحمر؛ فيؤدي إلى ألا يكون لها حيض أكثر من يوم وليلة مع جريان الدم طول العمر؛ فتعين أن يجعل المرجع شهراً؛ لأن العادة أن للمرأة في كل شهر حيضاً وطهراً؛ فلترد إليه؛ وبهذا تكمل الشرائط خمساً: ألا ينقص القوى عن أقل الحيض، وألا يزيد على أكثر الحيض، ولا ينقص الضعيف عن خمسة عشر يوماً؛ لأنا نجعله الطهر، وأن يكون القوي مبتدأ به على رأي، وألا يزيد مجموع [زمن] القوي والضعيف على ثلاثين يوماً.
وأما المعتادة: فالمذهب فيها ما اقتضاه كلام الشيخ: أنها كالمبتدأة في تحيضها أيام القوي؛ لما أسلفناه من الخبر، ويظهر اعتبار ما قاله في "التتمة" من اعتبار عدم زيادة الدمين على ثلاثين يوماً.
وفي "النهاية" ما ينازع فيه في الصورتين، كما سنذكره.

وعن الإصطخري وأبي علي بن خيران: أنها ترد أولاً إلى العادة، حتى لو كانت عادتها خمسة أيام من أول الشهر، فرأت القوي سبعة، ثم الضعيف بعده، فالمرجع إلى الخمس، ولو كانت المسألة بحالها، لكنها رأت الدم القوي ثلاثة أيام ردت إلى الخمس، ولو كانت بحالها، لكنها رأت القوي خمسة أيام من أول السادس ردت إلى الخمسة الأولى، ووجهه: ما روت أم حبيبة أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدم؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتسِلي وَصَلِّي" رواه مسلم وروت أم سلمة أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لِتَنُظرْ عِدَّة اللَّيالِي والأيام الَّتِي كَانَتْ تَحيضُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يُصِبها الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلاةَ قَدْر ذَلِكَ مِنَ الشَّهْر، فَإِذَا خَلَّفتْ ذَلِكَ فَلْتغْتَسِلْ، ثَمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لتُصَلِّ" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
فعلى هذا لو كانت لها عادة ونسيتها، فحكمها حكم ناسية لا تمييز لها.
وفي "التتمة" حكاية وجه ثالث: [أنه] إن أمكن الجمع بين التمييز والعادة جمع، وجعلنا الزمانين حيضاً، وإن لم يمكن الجمع بأن كان مجموع الدمين يزيد على

خمسة عشر يوماً؛ فيتعارضان ويسقطان ونجعلها كامرأة لا تمييز لها ولا عادة؛ وهذا [لا] وجه له، بخلاف ما قبله؛ فإن حجته الخبر، والقائلون بالمذهب قالوا: ما استدللنا به يترجح بأن التمييز علامة ناجزة، والعادة انقطعت.
ومنهم من يقول: خبر أم حبيبة وأم سلمة محمول على معتادة لا تمييز لها؛ جمعاً بين الأخبار.
وعبارة أبي الطيب: أن أبا إسحاق المروزي قال في "الشرح": جميع ما يثبت في المستحاضة من الأحاديث ثلاثة: حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وحديث المرأة التي استفتت لها أم سلمة، وحديث حمنة بنت جحش.
أما حديث فاطمة: فقد قال إبراهيم الحربي: إنه وارد في التي لها تمييز، لا يختلف قول الشافعي في ذلك.
وأما حديث المرأة فوارد في التي لها عادة، ولا تميز لها هذا قول الشافعي في ذلك.
وأما حديث حمنة: فاختلف فيه قول الشافعي: فقال: يحتمل هذا الخبر تأويلين: أحدهما: أن حمنة كانت مبتدأة؛ فردها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى غالب عادة النساء؛ فيكون في المستحاضة ثلاثة أصول.
والثاني: أنه عليه السلام ردها إلى ست أو سبع؛ لأنها كانت معتادة، ولكن نسيت عادتها، فقال: "تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ الله- إنْ كَانَ [حَيْضاً] فِي عِلْمِ الله – سِتّاً أوْ

سَبْعاً"؛ فعلى هذا يكون في المستحاضة أصلان، ولا سنة في المبتدأة.
فرع: إذا رأت المبتدأة الدم في زمن إمكان الحيض، وجب عليها ترك الصلاة والصوم بمجرد رؤيته، ولا يأتيها الزوج؛ لأن الظاهر أنه دم جبلة لا دم علة.
وقيل: إن كانت قد بلغت بالسن لا يجوز لها ترك الصلاة والصوم حتى تمضي مدة أقل الحيض من أول ما ظهر الدم؛ لأن وجوب ذلك مستيقن، وكونه حيضاً مشكوك فيه؛ فلا يترك اليقين بالشك.
وهذا ما أورده الشيخ أبو علي في "شرح الفروع"، والمذهب الأول.
ثم على كل حال: لو رأت في أول الشهر يوماً وليلة دماً أسود، ثم دماً أحمر، واستمر فإنها تترك الصلاة إلى تمام خمسة عشر يوماً؛ لاحتمال أن ينقطع الدم عليها؛ فيكون الأسود والأحمر حيضاً، فإذا جاوز الأحمر ذلك إلى آخر الشهر قضت أيام الأحمر كلها، فإذا رأت في الشهر الثاني الدم الأسود تركت الصلاة، [فإن دام إلى ثلاثة أيام تركت الصلاة فيها] فإذا انقطع وطرأ الأحمر، اغتسلت وصلت، ولا تقعد إلى تمام خمسة عشر يوماً؛ لأنا تحققنا أنها مستحاضة.
ولو رأت في الشهر الثالث خمسة أيام دماً أسود، ثم طرأ الأحمر- اغتسلت وصلت عند انقطاع الأسود؛ لما ذكرناه، وهكذا الحكم فيما لو دام الأسود خمسة عشر يوماً.
ولو انعكس الحال: فرأت الدم الأحمر ابتداء، فهل تترك الصلاة؟ فيه وجهان سلفا عن الماوردي، فإن قلنا: تتركها وهو المشهور، فإذا استمر إلى تمام خمسة عشر يوماً، وانقطع، وطرأ الدم الأسود، فهل يدوم الترك؟ ينبني على أن الاعتبار بالدم الأول أو بالدم القوي؟ فإن قلنا: إن الاعتبار بالقوي، تركت الصلاة ما دام إلى تمام خمسة عشر يوماً، وهذه امرأة تؤمر بترك الصلاة شهراً كاملاً، ثم ينظر: إن انقطع الدم القوي على خمسة عشر يوماً قضت أيام الأحمر، وإن تعدى الخمسة عشر يوماً، فلا تمييز، وفيما تحيضه من أول الدم الأحمر قولان يأتيان في الكتاب.
وابتداء دورها الحادي والثلاثين على القولين معاً، فإن قلنا: تحيض يوماً وليلة،

أمرت بترك الصلاة أحداً وثلاثين يوماً، وإن قلنا: تحيض ستاً أو سبعاً، أمرت بترك الصلاة ستاً وثلاثين أو سبعاً وثلاثين؛ قاله المتولي.
وإن قلنا: إن الاعتبار بالدم الأول كيف كان فلا تترك الصلاة في زمن الأسود.
وإن قلنا: إن الاعتبار بالأمرين، فالجمع متعذر، وهل تترك الصلاة في زمن الأسود أو لا؟ فيه وجهان، سبق أصلهما، فإن قلنا: تترك، فهي فاقدة للتمييز، وهو ما ذكره أبو الطيب، وفيما تحيض القولان الاثنان، لكن ما ابتداء حيضها، هل من أول الحمرة أو السواد؟ فيه وجهان في "تعليق أبي الطيب" و"الشامل"، قالا والمذهب منهما الأول.
قال: وإن كانت غير مميزة، ولها عادة- أي: مستقرة- تذكرها، مثل: أن كانت تحيض خمسة من أول السادس من الشهر مثلاً، ثم استحيضت- كان حيضها أيام العادة؛ لما ذكرناه من رواية أم حبيبة وأم سلمة.
نعم، لو كانت عادتها أن ترى الدم يوماً والنقاء يوماً، مدة خمسة عشر يوماً، وقلنا بضم الدم إلى الدم والنقاء إلى النقاء، فأطبق الدم حتى جاوز الخمسة عشر لا تلفق أيام الحيض من الخمسة عشر بلا خلاف بين فرق الأصحاب؛ كما قاله الإمام ومن تبعه.
نعم، نحيضها [ما كنا نجعله حيضاً بالتلفيق ولاءً من أول الدم المطبق.
قال الإمام: وللاحتمال فيه أدنى مجال].

ولو كان عادتها أن تحيض في شهر يوماً وليلة، وفي الذي بعده يومين، وفي الثالث ثلاثة أيام، ثم تعود إلى اليوم واليومين على هذا، ثم استحيضت رجعت في شهر الاستحاضة إلى ما تعودت، فإن كان الذي قبله حاضت فيه يوماً كان في شهر الاستحاضة حيضها يومين، وإن كان في الذي قبله يومين كان فيه ثلاثة؛ [وهذا ما حكاه ابن الصباغ لا غير.
وحكى القاضي الحسين معه وجهاً آخر: أنها تحيض ما حاضت فيهالشهر الذي استحيضت فيه، فإن كان حيضها فيه يوماً حيضناها يوماً، وإن كان ثلاثاً حيضناها ثلاثاً، وهكذا أبداً].
ولو كانت تحيض في شهر يوماً، وفي آخر ثلاثة، وفي آخر خمسة، وفي آخر ثلاثة، فإن كان آخر ما رأته تكرر مرتين ردت إليه في شهر الاستحاضة؛ وإلا فقد قال أبو إسحاق المروزي: إنها ترد إلى أقل عادة، وهي في مثالنا يوم وليلة، وحكاه عن الشافعي في كتاب العدد؛ لدخول الأقل في الأكثر.
ومنهم من قال: لا عادة لها؛ فيكون فيما ترد إليه القولان في المبتدأة.
والمذهب كما قال ابن الصباغ والماوردي: أنها ترجع إلى ما حاضته في الشهر الذي قبل الاستحاضة وهذا ما جزم به القاضي الحسين.
وعلى هذا هل يلزمها الاحتياط فيما تأتي به من الصلاة؟ فيه جوابان ينبنيان على الخلاف في المبتدأة، كما سنذكره، وهو جار في القسم قبله، إذا قلنا بالوجه الذي حكاه القاضي.
وحيث قلنا بالاحتياط: فهو من أقل عادتها إلى أكثرها.
مثاله في القسم الأول: إذا كان حيضها قبل شهر الاستحاضة ثلاثة أيام فإذا مضت ثلاثة أيام من شهر الاستحاضة اغتسلت، وقضت الصلاة من أقل عادتها وهي يوم إلى أكثر عادتها- وهي ثلاثة أيام- لاحتمال أن دمها انقطع على يوم، والباقي يكون استحاضة.
ولو كان حيضها في الشهر الذي قبل الاستحاضة يومين، فإذا مضى من شهر الاستحاضة يومان، اغتسلت وصلت وصامت، فإذا مضى يوم بعده تغتسل- أيضاً-

وتصلي وتصوم، وتقضي الصلاة من أقل عادتها إلى أوسط عادتها، ولا تقضي صلاة اليوم الذي صلته؛ لأنها إن كانت حائضاً فلا صلاة عليها فيه، وإن كانت طاهرة فقد صلت.
نعم، تقضي صومه ولا يطؤها زوجها فيه.
ولو كان حيضها في الشهر الذي قبل الاستحاضة يوماً وليلة، فإذا مضى يوم وليلة اغتسلت وصلت وصامت، ثم إذا مضى يومان غيره اغتسلت ثانياً، ولا تقضي شيئاً من الصلوات، وتقضي صوم ثلاثة أيام؛ لاحتمال أن تكون حائضاً إلى تمامها، ولا يصح منها الصوم زمن الحيض، ولا يأتيها زوجها في الثالث؛ لما ذكرناه.
فإن قيل: بماذا ثبتت العادة فيما ذكرتم؟ قلنا: أما العادة في المستحاضة فثبتت بمرة قولاً واحداً؛ لأنها علة مزمنة، إذا وقعت دامت غالباً.
وأما العادة في الحيض فكذلك على الصحيح، وهو المنصوص عليه في "مختصر البويطي"، وبه قال أبو العباس وأبو إسحاق وعامة أصحابنا، كما [ذكره القاضي] أبو الطيب؛ لقوله- عليه السلام-: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتي كَانَتْ تَحِيضُهنَّ قَبْلَ أَنْ يُصِيبُها وَلْتَدَعِ الصَّلاَةَ قَدْرَ ذَلِكَ".
وقيل: لا تثبت العادة فيه إلا بمرتين، ويحكي هذا عن ابن خيران؛ لأن العادة من العود، ولا يحصل بدفعة.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن ذلك اصطلاح من الفقهاء، فكيف يكون حجة يستفاد منها الأحكام الشرعية؟ وقيل: العادة تثبت في حق المبتدأة بالمرة الواحدة، فإذا رأت خمسة أيام دماً وخمسة وعشرين طهراً، ثم أطبق الدم في الشهر [الثاني]- جعلناها حيضاً خمساً.
أما المعتادة إذا تكرر حيضها خمساً، فجاء في شهر سبعاً وباقيه طهراً، ثم أطبق الدم في شهر بعده فلا نردها إلى سبع، بل [إلى] خمس.
نعم، لو تكرر السبع في شهرين رددناها عند الاستحاضة إليها؛ حكاه في "التتمة".
وعن أبي الحسن العبادي حكاية وجه آخر: أن العادة لا تثبت إلا بثلاث مرات

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل