كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ومنها من يبني باللبن والطين، ومنها من يبني بالخشب الوثيق؛ فالمعتبر في كل بلدة عادتها.
وحكى الرافعي أن الروياني قال: إن أكثر الأصحاب عليه، وإنه الذي يختار، وبه أجاب في "المرشد"، وعلى ذلك جرى الشاشي، وقال: إنه حسن صحيح.
وفي "الاستقصاء" أنه ليس بشيء؛ لأن هذا وإن اختلف فلا يقدح فيما ذكرناه.
فرع: إذا أهمل الوصي عقار الطفل، فلم يعمره حتى خرب: فإن كان لإعواز النفقة لم يضمن، وإن كانت النفقة موجودة أثم، وفي الضمان وجهان:
وجه عدم الضمان – كما حكاه في "البحر" -: أنه لم يكن بفعله، ومقتضى هذا التعليل: أن يجري هذا الوجه فيما إذا ترك [الولي] ورق الفرصاد حتى فات وقته.
وقد حكى الرافعي في آخر باب الوديعة عن فتاوي القفال: أنه يضمن.
ولا نزاع في أنه لو ترك الدواب بلا سقي ولا علف حتى تلفت أنه يضمن، وأنه إذا ترك تلقيح الثمرة أنه لا يضمن، ولو ترك إجارة عقاره مع التمكن فهل يضمن؟ فيه وجهان كذا هو في كتاب الوصية من "البحر".
ويقرب منهما ما حكاه الرافعي في كتاب الخلع، فيما إذا خالع السفيه على عين فقبضها بغير إذن وليه، وتركها الولي في يده [حتى تلفت] بعد العلم [بالحال]، فإن في وجوب الضمان على الولي وجهين:
تنبيه: العقار: بفتح العين، قال الأصمعي: هو المنزل والأرض والضِّياع، وهو مأخوذ من: عقر الدابة – بضم العين وفتحها – وهو أصلها.
قال صاحب "المحكم": العقر والعقار – بفتح العين فيهام -: المنزل.
الآجر: فارسي معرب، وهو الطوب المشوي، وفيه ست لغات:
إحداهن: آجر، بالمد وضم الجيم وتشديد الراء.
والثانية: كذلك لكن الراء مخففة.
والثالثة: آجور بالمد.
والرابعة: يأجور.
والخامسة: آجرون.
والسادسة: آجرون، بالمد وفتح الجيم.
وحكى عن الأصمعي في الواحدة: آجرة وأجرة.
والهمزة في "الآجر" فاء الكلمة.
قال: ولا يبيع [العقار عليهما]؛ إذ ليس هو من التي هي أحسن.
قال: إلا لضرورة؛ لأنه إذ ذاك يكون منها، ولا يتجاوز في البيع قدر الحاجة.
صرح به [في] "المرشد"،وستقف في كتاب النفقات على خلاف في كيفية بيع العقار في نفقة القريب، ويتجه أن يجري هاهنا.
ثم الضرورة المجوِّزة للبيع: أن يكون محتاجاً إلى النفقة والكسوة وما لا بد له منه، وكذا إلى عمارة ما انهدم من أملاكه، أو خرب من ضياعه، وليس في العقار ما يفي بالمطلوب، ولا مال له غير العقار، أو كان له مال غائب، أو يحل في المآل ولم يوجد من يقرضه عليه.
وقد ألحق بهذا القسم ما إذا خاف على العقار الخراب بالأسباب التي ذكرناها، وما إذا كان يقبلا لخراج، ولو وجد من يقرضه ما يحتاج إليه بسبب ذلك لم يجز البيع، وكذا يمتنع البيع إذا أبى المقرض أن يقرض إلا برهن، ويتعين الاستقراض إذا كان فيه مصلحة، والرهن عليه، لكن يزيد في المرهون على قيمة المقبوض، ويوضع الرهن تحت يد المرتهن إن كان عدلاً، وإلا فتحت يد عدل، صرح بذلك الماوردي وأبو الطيب والبندنيجي.
ولا يجوز الإقراض في غير هذه الأحوال، ولا فيما هو في معناها، وكما يجوز أن يقترض لهما، ويعطي الرهن – لأجل ما ذكرناه – يجو أن يشتري بثمن مؤجل، ويعطي عليه رهناً يساوي ما اشتراه، سواء كان عقاراً أو غيره.
قال الماوردي: لكن المستحق أن يكون عقاراً.
وفي "الوسيط" التصريح بجواز الرهن إذا كان عقاراً، والسكوت عن غيره.
وحيث تكلمنا في رهن مالهما [فلنقل ما ذكر فيه، وقد قال الأئمة: لا يجوز أن يرهن مالهما]، وكذا مال السفيه إلا بشرط المصلحة والاحتياط.
ومن صورها: أن يشتري لهم ما يساوي مائتين بمائة نسيئة، ويرهن بها ما يساوي مائة؛ فلو لم يرضَ البائع إلا برهن يساوي مائتين فما دونها: لم يجز ذلك.
وروي عن الشيخ أبي محمد أنه جوز رهن البراح من الأرض إذا كان في الشراء غبطة؛ إذ لا يخاف فوته، قال الإمام: وهو منقاس، لكنه خلاف ظاهر المذهب، وما صار إليه الشيخ أبو محمد هو ما حكاه المتولي.
ومن صورها – أيضاً-: إذا كان زمان نهب، وخاف الولي على المال فله أن يشتري عقاراً، [وبرهن بالثمن] شيئاً من ماله إذا لم يتهيأ أداؤه في الحال، ولم يبع صاحب العقار عقاره إلا بشرط الرهن، فإن الإيداع المجرد في مثل هذه الحالة جائز ممن لا يمتد النهب إلى يده، فهذا أولى.
ولو استقر ضلهم مالاً، والحالة هذه بشرط أن يرهن به لم يجز.
قاله الصيدلاني؛ لأنه يخاف التلف على ما يستقرضه خوفه على ما يرهنهز
قال الرافعي: وأنت بسبيل من أن تقول: إذا لم يجد من يأخذه وديعة، ووجد من يأخذه رهناً، وكان المرهون أكثر قيمة من القرض: وجب أن يجوز له الرهن.
قال: أو لغبطة بأن يبيع بأكثر من ثمن المثل بزيادة كثيرة؛ لأن البيع في هذه الحالة من التي هي أحسن، وقد اعتبر بعض الأصحاب – وهو الذي جزم به الإمام –أن يقدر الناظر على ابتياع عقار للطفل أكثر قيمة وريعاً مما يبيعه؛ فلو لم يقدر على تحصيل العقار، فالغالب أن الأخير في بيع العقار، والمراد بالزيادة هاهنا: ألا يستهين بها أرباب العقول، بالإضافة إلى شرف العقار مع الاستمكان من تحصيل عقار الطفل كما ذكرنا، [صرح به الإمام
ولفظ البندنيجي فيما إذا كان لليتيم شريك في العقار، وأراد أن يشتري نصيب اليتيم، وبذل أضعاف نصيب اليتيم لينفرد بالقار؛ فحينئذ يباع عليه.
وحكم أواني المحجور عليه من صُفْر وغيره مما هو معدٌّ للقنية حكم العقار فيما ذكرناه]،صرح به البندنيجي.
وما عدا ذلك من سائر أمواله لا يجوز – أيضاً – بيعه إلا لغبطة أو حاجة، لكن
يجوز لحاجة يسيرة وربح قليل يليق به، بخلاف العقار، وإذا وجد من يشتري ذلك بغبطة، فلم يفعل الولي حتى تلف – قال الجيلي: وجب عليه الضمان كما سبق في عمارة العقار.
ولو لم يعل حتى رخص، وكان يمسكه لتوقع زيادة، فليس ذلك بتعدٍّ.
صرح به الرافعي في [آخر] كتاب الوديعة عن "فتاوى القفال".
قال: فإن بلغ الصبي، واعدى أنه باع العقار من غير غبطة ولا ضرورة، فإن كان الولي أباً أوجدًّا، فالقول قولهما – أي: مع اليمين – وإن كان غيرهما لم يقبل إلا ببينة؛ لما ذكرناه من وفور شفقة الأب والجد المانعة من اتهامهما، ووجود التهمة فيحق غيرهما، وهذا الحكم فيما إذا رفع بيعهم للعقار إلى الحاكم فإنه لا يمضي [بيع غير الأب أو الجد إلا بعد ثبوت الغبطة أو الضرورة، ويمضي] بيع الأب والجد من غير أن يسأل عن ذلك، كما صرح به في "الاستقصاء" وغيره، فضلاً عن ثبوته.
وفي "الشامل": أن القاضي في "المجرد" ذكر وجهاً [في] أن الوصي وأمين الحاكم ملحقان بالأب والجد فيما ذكرناه؛ فيقبل قولهما ويمضي بيعهما.
[ثم] قال: وهذا له عندي وجه؛ لأنه إذا جاز لهما التجارة في ماله فيبيعان ويشتريان، ولا يعترض الحاكم عليهما.
والحكم فيما إذا باع الولي شيئاً من أثاثه الذي للقنية كالحكم في العقار، صرح به البندنيجي، وفي "الرافعي" حكاية طريقة جازمة بأن غير الأب والجد لا يقبل قولهما بالنسبة إلى بيع العقار، وفي غير العقار وجهان.
أظهرهما: أنه كالعقار.
والفرق عسر الإشهاد في كل قليل وكثير يبيعه.
وإن منهم من أطلق وجهين من غير فرق بين ولي وولي، وبين العقار وغيره.
ويتلخص من مجموع ما ذكرته أربعة أقاويل:
أحدها: قبول قول الولي مطلقاً [أباً كان أو وصيًّا، وهو ما جزم به الغزالي في كتاب الوصية].
والثاني: عدم القبول مطلقاً.
والثالث: قبول قول الأب والجد دون من عداهما.
والرابع: قبول قول الأب والجد في كل شيء، وغيرهما لا يقبل قوله في العقار، وفي غيره وجهان، والأصح منهما ما في الكتاب.
فرع: هل يجب على الوصي الإشهاد في بيع مال اليتيم؟ فيه وجهان محكيان في "الرافعي" في آخر كتاب "الوصية" عن "جرجانيات" أبي العباس الروياني.
قال: وإن ادعى الولي – أي: أباً كان أو غيره – أنه أنفق عليه ماله – أي: بالمعروف – أو تلف – أي: كذبه المولى عليه – فالقول قوله؛ لأن ذلك مما يعسر إقامة البينة [عليه] مع كونه مؤتمناً شرعاً.
قال ابن الصباغ: ويخالف دعواه رد المال؛ فإنه لا يتعذر إقامة البينة عليه.
وفرق الماوردي في كتاب "الوكالة" بأن دعوى الإنفاق تستند إلى حالة الحجر، ودعوى رد المال تستند إلى حالة زواله؛ فلم يقبل قوله فيه، وقبل في دعوى الإنفاق، وهذا هو الصحيح، وبه جزم الغزالي، [و] الرافعي في كتاب "الوصية".
وقيل: لا يقبل قول غير الأب والجد في دعوى الإنفاق إلا ببينة؛ كما لا يقبل في رد المال، ولفظ الإمام في كتاب "الوكالة" يقتضي إجراء هذا الوجه في الأب والجد أيضاً؛ فإنه قال: أما ما يدعيه الولي من الإنفاق في حال الصغر، ففي قبول قوله مع يمينه وجهان ذكرهما القاضي، وأصحهما: أنه يقبل.
ولفظ "الولي" إن لم يكن قاصراً على الأب والجد دون من عداهما فلا يخرجهما، وسيظهر لك من كلام الغزالي ما يدل على قصره عليهما، [وإذا قبلنا قول الأب ولجد فذاك مع اليمين، ولكن هي واجبة أو مستحبة؟ فيه وجهان في "الذخائر"]، ولو وافق المولى عليه الولي على أصل الإنفاق [في مدة، لكنه ادعى أنه أسرف فيه – نظر: إن اتفقا على قدر النفقة] نظر فيه، وصدق من يقتضي الحال تصديقه، وإن لم يعينا فالمصدق الوصي؛ لأنه يدعي خيانته، والأصل عدمها، كذا حكاه الرافعي في كتاب "الوصية"، وأن صاحب "التهذيب" حكى أن من الأصحاب من جعل في قبول قوله في قدر ما أنفق وجهين؛ وفي "تعليق" القاضي الحسين في باب "تجارة الوصي
بمال اليتيم": أن الدعوى إن كانت على الأب والجد فالقول قولهما، وإن كانت على الوصي والقيم فوجهان.
ولو اختلفا في قدر المدة التي وقع الإنفاق فيها، فادعى الوصي أنه أنفق عليه منذ مات أبوه، ومدة ذلك عشر سنين، وقال المولى عليه: بل خمس سنين - فالقول قول الوصي عند أبي سعيد الإصطخري، والأصح وبه جزم الغزالي في كتاب "الوصية" أن القول قول المولى عليه؛ لأن إقامة البينة على الموت ممكنة.
قال: وإن ادعى أنه [دفع المال] إليه لم يقبل إلا ببينة، أي: سواءٌ كان الولي أباً أو وصيًّا أو قيماً؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6] [فالأمر بالإشهاد] دال على أن المردود عليه لو جحد لم يصدَّق.
وفي "الحاوي" في كتاب "الوكالة" الجزم بقبول قول الأب فيه، [وكذا الجد]، وفي "الوسيط" في كتاب "الوكالة": أن قول الولي مقبول في الرد على وجه، وهو في "النهاية" منسوب إلى رواية الشيخ أبي علي، وصاحب "التقريب"، والقاضي، ولفظ الغزالي في هذا الموضع يفهم أنه أراد بالولي الأب والجد، وأن هذا الوجه لا يجري في الوصي؛ فإنه قال: [الولي والوصي إذا ادعيا] رد المال على الطفل بعد البلوغ لم يقبل، [وفي الولي وجه]: [أنه يقبل]؛ وفي الرافعي ["والحاوي"] في كتاب "الوكالة" إثباته في حق الوصي والقيم عن رواية ابن المرزبان [وغيره]، [وأعاده] الرافعي مرة أخرى في حق الوصي في كتاب "الوصية"، والقائل به يوشك أن يحمل الأمر في الآية على الإرشاد.
وظاهر المذهب عدم القبول في الجميع، وكذا دعوى كل أمين ادعى الرد على صاحب المال، وهو لم يأتمنه: كالملتقط يدعي الرد على صاحب اللقطة، ومن طير الريح ثوباً إلى داره إذا ادعى الرد على صاحب الثوب لا يقبل قوله فيه على ظاهر المذهب، كما حكاه الإمام في "الوكالة"، وكل من لا يقبل قوله في
الرد له الامتناع من الدفع لعذر الإشهاد، ومن يقبل قوله فيه، هل له الامتناع بعذر الإشهاد كالمودع والوكيل بغير جعل؟ فيه خلاف، ومحل استقصاء الكلام فيه كتاب "الوكالة".
قال: وإن احتاج الوصي أن يأكل من مال اليتيم – أي: الذي تحت يده – شيئاً – أي: لانشغاله بأمر اليتيم عن التكسب وفقره – أكله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6].
[قال المحاملي]: ولأنه يتصرف في مال من لا يمكن موافقته، فجاز له الأخذ منه بغير إذنه، كالعامل على الصدقات، وليقتصر فيما يأخذه على قدر النفقة، كما حكاه الرافعي، وسنذكر من كلام المحاملي ما يقاربه، والمذكور في "الشامل" حكاية عن النص: أنه يأخذ أقل الأمرين من كفايته أو أجرة مثله؛ لأنه يستحق ذلك بالعمل والحاجة فلم يأخذ إلا ما وُجِدا فيه، وهذا ما نسبه الرافعي عن "تعليق" الشيخ أبي محمد، والمذكور في "الحاوي": أنه يأخذ [من] ماله أجرة مثله، ولو كان غير محتاج لم يجز له الأكل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: 6] أي: بماله عن مال اليتيم، وحكى الماوردي وجهاً آخر: أنه يجوز [له] أن يأخذ قدر أجرة مثله؛ لأنه عوض عن قيامه [به]؛ فلم يختص بها فقير دون غني كسائر الأجور، والآية محمولة على الاستحباب.
قال: ورد عليه البدل؛ لأنه أكل مالاً لغيره أبيح له لحاجته؛ فوجب أن يرد بدله كالمضطر؛ فعلى هذا: [يدفع قيمة ما أكله إلى الحاكم إن دامت ولايته إلى وقت يساره؛ لأنه لايبرئ نفسه بنفسه.
قاله القاضي الحسين قبيل باب] "زكاة المعدن".
وعلى هذا] يكون الفقير جوز له الاقتراض من مالهما، وهو قول عمر وانب عباس وجمهور التابعين.
قلت: وقد يتمسك بما ذكرناه من هذا الحكم والتعليل بما يؤيد ما
أطلقه [وغيره]، وإن أنكره ابن يونس.
قال: وقيل: لا يرد [له] البدل؛ لأن الله تعلى أباح له الأكل، ولم يوجب القضاء؛ ولأن [ذلك] جاز له العمل فيه، فلم يلزمه بدله: كالمستأجر، والإمام إذا أكل من بيت المال، وهذا [الخلاف] رواه المحاملي وجهين، وأنه ذكرهما في "الوصايا".
وقال ابن الصباغ: إن الشافعي خرجه على قولين.
تنبيه: إنما عدل الشيخ عن صيغة "احتياج الولي" إلى "احتياج الوصي"؛ لأمرين سأذكرهما:
أحدهما: أنا قد ذكرنا أن لفظ "الولي" يشمل الأب والجد وغيرهما، وما ذكره في هذه المسألة بجملته لا يجيء في الأب والجد؛ لأنهما إذا كانا محتاجين من غير أن يكون لهما نظر في مال الولد كانت نفقتهما فيه، ولا يجب عليهما رد البدل، فكيف بك مع عملهما في المال؟! لو ذكر لفظ "الولي" – كما فعل ابن الصباغ والرافعي – لاندرج فيه الأب والجد.
فإن قيل: الشيخ قد اختار فيما إذا كان الأب أو الجد صحيحاً أن نفقته لا تجب على الولد، وهذا صحيح؛ فاستوى هو الوصي في ذلك.
قلت: إنما لم يجب في هذه الحالة على رأيه، وإن كان غيره قد صحح الوجوب، كما ستقف عليه في موضعه؛ لأنا جعلنا قدرته بالتكسب كقدرته بالمال، وقد تعذر عليه هنا التكسب؛ بسبب حفظ المال والتصرف فيه؛ فصار كما لو لم يكن كسوباً.
الثاني: على تقدير أن يكون حكم الأب والجد في رد البدل كالوصي، فالمراد: التنبيه على أن للوصي أن يستقل بأخذ ما يحتاج إليه من غير مراجعة الحاكم فيه، وإن كان قابضاً من نفسه لنفسه، ومثل هذا في غر هذه الحالة لا يسوغ [له]، بل هذا من مرتبة الأب والجد، فلو ذكر لفظ "الولي" لاحتمل أن
يقال: أراد به الأب والجد، كما قلنا: إن كلام الغزالي يفهم، فأراد نفي هذا الاحتمال.
واعلم أن قول الشيخ: "وإن احتاج الوصي أن يأكل" لفظ "الأكل" ليس المراد حقيقة، بل خصه بالذكر؛ لأنه أعم وجوه الانتفاعات؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء: 10] ويدل على ذلك أن المحاملي قال: "إذا احتاج الوصي أو الأمين الذي نصبه الحاكم إلى شيء من المال الذي يلي عليه، فيجوز أن يأخذه منه، والله أعلم".
فرع: إذا تبرم الأب بحفظ مال الطفل، فله رفع الأمر إلى الحاكم لينصب قيماً بأجرة، وله أن ينصب نفسه، ذكره الإمام في كتاب "النكاح".
ولو طلب الأب من القاضي أن يثبت له أجراً على عمله، قال الرافعي: فالذي يوافق كلام أكثر الأصحاب أنه لا يجيبه إليه، غنيًّا كان أو فقيراً؛ لأنه إذا كان فقيراً ينقطع عن كسبه، فله أن يأكل منه بالمعروف كما ذكرناه، وقد ذكر الإمام أن هذا هو الظاهر، ثم قال: ويجوز أن يقال: ويثبت له أجراً؛ لأن له أن يستأجر من يعمل، وإذا جاز له بدل الأجرة لغيره جاز له طلب الجرة لنفسه، وبهذا الاحتمال أجاب الغزالي في كتاب "النكاح"، ومن قال بهذا قال: لابد من تقدير القاضي، وليس [له] الاستقلال به.
وهذا إذا لم يجد متبرعاً بالحفظ والعمل، فإن وجد متبرعاً وطلب الأب الأجرة فقد أشار في "النهاية" إلى احتمالين أيضاً، أظهرهما: أنه لا يثبت له؛ لحصول المقصود من الأجنبي كما يحصل من الأب، بخلاف الأم [إذا طلبت أجرة الإرضاع] وثم متبرعة على الظاهر؛ لما في ذلك من التفاوت الظاهر.
قال: وإذا بلغ الصبي، وعقل المجنون، وأونس منهما الرشد – انفك الحجر عنهما: أما في الصبي؛ فلقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ
آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، وأما في المجنون فبالقياس عليه.
والمراد بالابتلاء [في الآية: الاختبار] والامتحان؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: 124]، ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ﴾ [البقرة:249] وأراد بجميع ذلك: الاختبار والامتحان.
وبـ"اليتيم": الذي مات أبوه قبل بلوغه ما لم يبلغه، سواء كانت أمه باقية أم لا.
وببلوغ النكاح: البلوغ نفسه، وعبر بالنكاح عنه؛ لأن النكاح هو الجماع، والعادة أن الإنسان لا يشتهي الجماع إلا إذا بلغ؛ فلذلك عبر به عنه.
وبإيناس الرشد: العلم، فوضعه موضعه؛ كما وضعه موضع الإبصار والرؤية في قوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ﴾ [القصص: 29] أي: أبصر، وقال الزهري: إن أصل الإيناس الإبصار [والرؤية]، وإنه مأخوذ من إبصار العين، وهي الحدقة التي يبصر بها.
وبيان الرشد يأتي إن شاء الله تعالى.
ومراد الشيخ بـ"الفك": الإطلاق والإرسال، ومنه: فكَّ رقبةً، أي: أطلقها من العبودية، لكن هذا الإطلاق في المجنون لا يتوقف على مطلق له، أطبق عليه الأئمة في آخر كتاب "التفليس"، وعبارتهم: أنه ينفك بمجرد الإفاقة، والزيادة التي قالها الشيخ لم أرها لغيره؛ فلعلها محمولة على ما إذا جن بعد بلوغه وقبل إيناس الرشد، وفي الصغير هل يتوقف عل مطلق؟ فيه كلام سيأتي.
قال: والبلوغ في الغلام بالاحتلام، والاحتلام – كما قال الماوردي -: إنزال المني الدافق في نوم أو جماع أو غيرهما، بالاختيار أو بدونه، والدليل [على] كونه بلوغاً: قوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ﴾ [النور: 59] وأراد بلوغ
الاحتلام، وقوله صلى الله عليه وسلم: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِمَ" كما رواه الترمذي، وقد روى: "حَتَّى يَبْلُغَ"، وإحدى الروايتين تفسيرُ الأخرى.
وقد اعترض النواوي على الشيخ فقال: "حققة الاحتلام نزول المني في النوم لرؤية جماع أو غيره، وليس البلوغ مختصًّا به؛ فلو قال: والبلوغ في الغلام بالإنزال أو بإنزال المني، لكان أصوب وأصح".
وجوابه: أن الشيخ اتبع في ذلك لفظ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكان أصوب، مع أنا قد ذكرنا عن الماوردي أنه فسر الاحتلام بخلاف ما ذكره، والله أعلم.
ثم السن الذي يحكم بالبلوغ فيه إذا خرج المني من الصبي، فيه أربعة أوجه:
أحدها – وهو الذي رجحه الرافعي، وبه جزم المحاملي والبندنيجي في كتاب "اللعان" وابن الصباغ في كتاب "الإقرار" -: [تسع سنين.
والثاني – وهو الذي جزم به الماوردي، وكذا القاضي الحسين في كتاب "الإقرار"]-: عشر سنين.
فكان مرادهم استكمال ذلك حتى يكون الاحتلام بعد الطعن في السنة التي تليها، وكذلك حكى الوجهين القاضي الحسين في "التعليق".
والثالث – وادعى الإمام في كتاب "الحيض" أنه ظاهر نص الشافعي في كتاب "اللعان" -: مضي ستة أشهر من السنة العاشرة.
والرابع: مضي ستة أشهر من السنة التاسعة، وهو مذكور في باب "ما يلحق من النسب" كما ستقف عليه.
قال: أو استكمال خمس عشرة سنة، أي: من وقت [استكمال] خروجه من الجوف؛ لما روى الدارقطني بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إِذَا اسْتَكْمَلَ الْمَوْلُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كُتِبَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُدُودُ"، والحد لا يقام
إلا على بالغ.
وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال:"عُرِضْتُ عَلَي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ بَدْرٍ وَأَنَا ابْنُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَدَّنِي، وَعُرِضْتُ عَامَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَدَّنِي، وَلمْ يَرَنِي بَلَغْتُ، وَعُرِضْتُ عَامَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي فِي المُقَاتَلَةِ".
وفي "الرافعي": زيادة "فَرَآنِي بَلَغْتُ".
وكذلك في "الذخائر"، وجه الدلالة [فيه] من وجهين:
أحدهما: أنه أجازه في المقاتلة، ولا يجاز فيها إلا بالغ؛ لأنه يتعين عليه حضور الصف والقتال.
والثاني: أنه علل الرد في المرة الثانية [بأنه] لم يره قد بلغ؛ فدل على أنه إنما أجازه في المرة الثالثة؛ لكونه رآه قد بلغ.
فإن قيل: هذا الخبر [لا يصح]؛ لأن محمد بن إسحاق قال: "بين أحد والخندق سنتان"، وخبر ابن عمر يقتضي أن يكون بينهما سنة.
فالجواب أن الزهري قال: كان "بدر" في شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وكان "أحد" في شوال سنة ثلاث، والخندق في شوال سنة أربع، وقول الزهري أثبت من قول محمد بن إسحاق، لا سيما مع رواية ابن عمر، ولأنه يجوز أن يكون العرض في عام أحد وهو في أول سنة أربع عشرة، وعرض [في] عام الخندق، وهو في آخر سنة خمس عشرة؛ صار بينهما سنتان.
ووراء ما ذكره الشيخ وجهان آخران:
أحدهما – رواه المراوزة -: أن البلوغ يحصل بمجرد الطعن في السنة الخامسة عشرة، وزيفوه.
والثاني – رواه الجيلي -: أنه يحصل بمضي ستة أشهر منها.
قال: أو إنبات الشعر الخشن، أي: حول الفرج بحيث يحتاج إلى الموسى، كما ذكره المحاملي.
قال: [على العانة] في أظهر القولين.
لا خلاف في أن الشعر الخشن الذي يحتاج إلى الموسى دون الزغب، والشعر الضعيف إذا نبت على عانة أولاد المشركين عاملناهم معاملة البالغين؛ لما روى النسائي عن عطية القرظي قال: عرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة، فكان من أنبت قُتِلَ، ومن لم ينبت خُلِّي، كنت يمن لم ينبت فخلي سبيلي، وفي "الحاوي": أن [سبي] قريظة نزلوا من حصونهم على حكم سعد بن معاذ الأِهلي، فقال سعد: حكمي أن من جرت عله الموسى قتل، ومن لم تجر عليه استرقَّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هَذَا حُكْمُ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ".
لكن هل ذلك لكون الإنبات بلوغاً في نفسه؟ أو لكونه علماً على البلوغ؟ اختلف نص الشافعي فيه: فقال في "السير": إنه بلوغ.
وهو الذي اختاره في "المرشد".
وقال في "الجزية" ونسبه المحاملي في "المجموع" إلى الجديد: إنه علم على بلوغ المشركين.
وادعى الإمام أنه لا طريق إلى القطع به.
فإن قلنا بالأول كان بلوغاً في حق أولاد المسلمين أيضاً، وهو الذي جعله الشيخ الأظهر.
وإن قلنا بالثاني فقولان حكاهما القاضي أبو الطيب وغيره، ومنهم من رواهما وجهين.
أحدهما: أنه علم في أولاد [المسلمين] أيضاً؛ كالحمل لما كان علماً فيهم
كان علماً في غيرهم، وهذا ما ادعى الجيلي أنه الجديد.
والثاني: أنه لا يكون علماً في أولاد المسلمين، وهو ما ادعى المحاملي والشيخ في "المهذب" والقاضي الحسين أنه ظاهر المذهب، والفرق من وجهين:
أحدهما: أن المسلمين إذا أشكل بلوغهم رجع إلى آبائهم [وأقاربهم؛ لأنهم غير متهمين في ذلك، بخلاف الكفار].
والثاني: أن المسلمين يتهمون في الإنبات؛ فإنهم ربما تداووا بدواء [تنبت] به عانتهم ليكملوا ويشرفوا، ولا يتهم الكفار فيه؛ لأنه إذا نبت عليهم قتلوا وألزموا الجزية؛ فلذلك كان علماً فيهم دون غيرهم.
رع: لو أسر الإمام كافراً مراهقاً قد أنبت، وأراد قتله، فادعى أنه أنبت بنوع معالجة – فإن قلنا – إنه بلوغ، لم يقبل [قوله، وإن قلنا: إنه علم على البلوغ، حكى المتولي عن الشيخ أبي عاصم العبادي أنه تسمع دعواه ويحلف، وإذا حلف ترك قتله.
ولو كان من أولاد أهل الذمة، وأراد الإمام مطالبته بالجزية، فادعى مثل ذلك – لا يسمع [منه]].
تنبيه: احترز الشيخ بقوله: "على العانة" من إنباته على غيرها من لحية وشارب، وتحت الإبط؛ فإن ذلك لا يكون بلوغاً [ولا علماً عليه]، صرح به القاضي أبو الطيب وغيره، ووجهه بأن ذلك يتقدم تارة، ويتأخر أخرى، وربما لا تطلع لحية الإنسان إلى أن يصير شيخاً.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن إنبات اللحية والشارب والإبط يجب أن يجعل بلوغاً؛ لأن اللحية إنباتها أبطأ من العانة [فكانت أولى بالدلالة على البلوغ من العانة]، والإبط أقرب إلى العانة، والشارب أبعد.
واستحسنه الإمام.
وفي "الرافعي" حكاية ما ذكرناه وجهين، وأن الأصح – على ما ذكره المتولي في شعر الإبط – أنه لا أثر له، وأن صاحب "التهذيب" ألحق شعر الإبط بشعر العانة، ولم يلحق به اللحية والشارب، وقد ألحق المتولي ثقل الصوت ونهود
الثدي وانفراق الأرنبة بذلك، وأجرى الخلاف فيه، والجمهور على أنه لا أثر له.
وحيث قلنا بأن شعر العانة علم على البلوغ، فالمراد به البلوغ بالاحتلام، كما أشار إليه المحاملي في "المجموع"، وعلى هذا يكون السن الذي يعتبر فيه خشونة الشعر ونعومته: السن الذي يعتبر فيه البلوغ بالاحتلام، وقد أشار إلى ذلك الرافعي، ثم قال: والاعتماد [فيه على الاستقراء؛ كما في الحيض.
وفي "التتمة": أن الغلام إذا أنزل المني قبل الطعن في العاشرة] لا يكون بلوغاً، وأن الإنبات في السنة التاسعة يجعل بلوغاً.
قال: والبلوغ في الجارية بما ذكرناه، والدليل على حصوله بالاحتلام: ما روي أن أم سليم سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، قال: "إِذَا رَأَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ".
ثم أقل السن الذي يعتد بذلك فيه أقل سن الحيض، والفرق بين الجارية والغلام على رأي: أن الإناث طبعهن أحرُّ؛ فكان بلوغهن أسرع، وقد حكى المراوزة وجهاً: أن احتلام المرأة لا يكون بلوغاً؛ لأنه نادر.
قال الإمام: [وعلى هذا] فظاهر كلام الأصحاب: أنه يجب عليها الغسل منه، والذي يتجه عندي: أنه لا يلزمها الغسل؛ لأنه لو لزم لكان حكماً بأن الخارج مني، والجمع بين الحكم بأنه مني وبين الحكم بأنه لا يحصل البلوغ به متناقض.
قال الرافعي: ولك أن تقول: إن كان التناقض مأخوذاً من تعذر التكليف بالغسل مع القول بعدم البلوغ فنحن لا نعني بلزوم الغسل سوى ما نعنيه بلزوم الوضوء على الصبي إذا أحدث، فبالمعنى الذي أطلقنا ذلك ولا تكليف يطلق هذا، وإن كان غير هذا فلابد من بيانه، والدليل على أن استكمال الخمس عشرة سنة بلوغ في حقها: ما رويناه من الخبر؛ فإن المولود يشمل الذكر والأنثى، وعلى الإنبات: القياس على الرجل.
قال: وبالحيض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ" يعني: بلغت وقت الحيض، [لا أنه أراد كونها حائضاً؛ لأن الحائض لا تصح صلاتها بحال، ولقوله – عليه السلام- لأسماء بنت أبي بكر: "إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْحَيْضَ] لاَ يَصْلُحُ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا"، وأشار إلى الوجه والكفين.
ووجه الدلالة منهما: تعليق وجوب الستر بالحيض، وذلك تكليف؛ فدل على أنه بلوغ يتعلق به التكليف.
قال: وبالحبل، الحبل على المشهور – علم [على] البلوغ في حق المسلمين والكفار، ووجهه القاضي أبو الطيب بأمرين:
أحدهما: أن الله تعالى أجرى العادة أن المرأة لا تحبل حتى يتقدمها حيض.
والثاني: أن الحمل مخلوق من ماء الرجل وماء المرأة؛ قال الله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 5، 6] أي: مدفوق، وقال ابن عباس: "إنه اللزج [يخرج] من بين الصلب والترائب" أي: صلب الرجل وترائب المرأة وهي الصدر.
وقيل: موضع القلادة من الصدر.
ويقال: إن العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: 2] يعني أخلاط.
وإذا كان الولد مخلوقاً من مائهما دل الحمل على تقدم إنزالها، فصار كما لو أنزلت.
ومن هذين التعليلين يظهر [لك] أنه علامة على أي نوع من أنواع البلوغ، وفي "الحاوي": أن بعض أصحابنا وَهِمَ فجعله بلوغاً في نفسه.
وعلى كل حال: إن كانت المرأة ذات زوج حكم ببلوغها قبل أن تضع بستة أشهر؛ لأنه أقل ما تضع له المرأة، كما حكاه في "المهذب" وغيره.
[وقيل في "الرافعي"]: ستة أشهر وشيء، وفيه نظر.
وإن كانت مطلقة، وأتت بولد يلحق الزوج: - حكم ببلوغها قبل الطلاق بلحظة، قال المحاملي: "لجواز أن تكون في تلك اللحظة حملت، وأثر ذلك يظهر في وجوب قضاء الصلوات الفائتة في ذلك الوقت وترتب الأحكام".
فرعان:
أحدهما: الخنثى المشكل بلوغه بالسن كبلوغ غيره، وخروج [صورة] المني من الفرجين يحصِّل البلوغ.
ولو خرج من أحدهما، أو رأى صورة الحيض من فرج النساء، فقد حكى الإمام عن العراقيين والشيخ أبي علي: أنا لا نحكم بالبلوغ؛ لجواز أن يعارضه خروج ما هو على صفة الحيض.
ثم قال: وهذا مشكل؛ لأن الأصحاب قالوا: الخنثى إذا أمنى في أوان البلوغ بفرج الرجال فهو رجل، وإذا حاض بفرج النساء فهو امرأة، فإذا كان ما هو على نعت المني دالاًّ على الذكورة فيجب القطع بكونه منيًّا دالاً على البلوغ، فإذا لم نحكم بالبلوغ وجب ألا نحكم بالذكورة، وكذلك القول [في الحيض إذا انفرد ولم يعارضه المني كالقول] في المني إذا لم يعارضه الحيض.
ثم الحق الذي يجب اتباعه أن نقول: إن المني إذا انفرد خروجه كان بلوغاً،
وكذلك القول في الحيض إذا انفرد، وتقريب قول الأصحاب أن يقال: إن سبق المني حكمنا ظاهراً بالبلوغ، وكذلك إن سبق الحيض، فإن سبق أحدهما ولحقه الآخر حكمنا بالبلوغ ربطاً، فالسابق منقوض لا محالة، فهذا المعنيُّ بقول الأصحاب: [لا نحكم] بالبلوغ.
قلت: وقد يظهر أن يقال: الوجه حمل ما قاله الأصحاب على ظاهره، ولا نحكم بالبلوغ ظاهراً كما أوله، وإن حكمنا بكونه ذكرا ًأو أنثى؛ لأن احتمال كون الخنثى المشكل ذكراً مساوٍ لاحتمال كونه أنثى؛ فإذا ظهرت صورة المني أو الحيض من محله في زمن الإمكان غلب على الظن أنه مني أو حيض، وإذا كان كذلك رجح أحد الاحتمالين، وبقي مقابله مرجوحاً، والعمل بالاحتمال الراجح متعين؛ فلذلك حكما بالذكورة أو الأنوثة، مع أنه لا غاية بعد ذلك محققة تنتظر، ولم نحكم بالبلوغ؛ لأن لنا أصلاً محققاً وهو الصِّبان وما وجد من مني أو حيض يجوز أن يحدث بعده ما يقدح في ترتيب الحكم عليه، فلا نزيل أصلاً محققاً بظن لم يشهد لمثله الشرع بمعارضة الأصول، فضلاً عن تقدمه عليها، مع أن لنا غاية [محققة ننتظرها] وهي استكمال خمس عشرة سنة، ولهذا الأصل نظائر في الشرعيات:
منها: إذا علق الطلاق بالولادة، فثبتت الولادة بشهادة النسوة: لا يقع الطلاق.
[ومنها: إذا علق الطلاق بغضبها فثبت بشاهد ويمين، فإنا لا نحمك بوقوع الطلاق].
ومنها: إذا ثبت رمضان بشاهد واحد لا نحكم بحلول الديون وإن أوجبنا صومه، والله أعلم.
ولو خرج المني من الذكر، والحيض من الفرج حكمنا ببلوغه على الأصح، وبه جزم أكثرهم، [وقال الشيخ أبو علي: إن نص الشافعي يدل على أنا لا نحكم ببلوغه].
ووجهه الإمام: بأن تعارض الخارجين يدل على انهما ليسا منيًّا ولا حيضاً، فإن الجبلة التي تنشئ المني لا تنشئ الحيض
لا تنشئ المني، وإذا كان كذلك امتنع الحكم بالبلوغ.
قال الماوردي: "والقائل بهذا وهم، فإن الشافعي حيث قال: لو حاض واحتلم لم يكن بالغاً، أراد: إذا كان من أحد الفرجين".
الثاني: إذا ادعى الطفل أنه قد بلغ نظر: إن ادعى البلوغ بالاحتلام أو الحيض في سِنِّه - صدق من غير يمين؛ لأن في تحليفه إبطال تحليه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون في مخاصمة أو لا.
نعم، إذا كان في مخاصمة، وبلغ مبلغاً يتيقن بلوغه، قال الإمام: الظاهر أنه لا يحلف - أيضاً - على أنه كان بالغاً حينئذ، [لأنا حكمنا] بموجب قوله، وأنهينا الخصومة، ولا عود إلى التحليف.
وفي "التهذيب" وغيره: أنه إذا جاء واحد من الغزاة يطلب سهم المقاتلة، وذكر أنه احتلم حلف وأخذ السهم، فإن لم يحلف فوجهان عن صاحب "التلخيص" تخريجاً: أنه لا يعطي، وقال غيره: يعطي.
ولو ادعى البلوغ بالسن طولب بالبينة لإمكانها.
نعم، [لو كان] غريباً خامل الذِّكْر، فيلحق بدعوى الاحتلام، أو يطالب بالبينة؛ لإمكانها من جنس المدعي، أو ينظر إلى الإنبات؛ لتعذر معرفة التاريخ كما في صبيان الكفار؟ فيه ثلاثة احتمالات للإمام، وقد أبدى الأول والثاني منها القاضي الحسين في "الفتاوى" أيضاً، والظاهر الثاني.
ولو أطلق الإقرار بالبلوغ، قال القاضي في "الفتاوى": هل يقبل؟ فيه وجهان.
وإذا أردنا معرفة إنباته، ففي كيفية ما يُطَّلع عليه ثلاثة أوجه:
أصحها: أنا نكشف عن مؤتزره، كما فعل في بني قريظة.
والثاني: أنه يدفع إليه طين رطب أو شمع يلصقه على الموضع.
والثالث: [أنه يلمس] من فوق ثوب رقيق ناعم.
قال: وإيناس الرشد: أن يبلغ مصلحاً لدينه وماله، كذا فسر به الحسن البصري ومجاهد وابن عباس الآية، كما حكاه المتولي، وفي "تعليق" القاضي أبي
الطيب أن ابن عباس قال: أن يبلغ ذا وقار وحلم وعقل، وهو قريب من الأول.
فإن قيل: الله تعالى ذكر الرشد منكَّراً وأثبته، والنكرة في الإثبات لا تعم؛ فمتى وجد منه شيء من الرشد وجب أن يدفع إليه ماله، لكن قام الإجماع على [أن] إيناس الرشد في الدين عند البلوغ من التبذير في المال لا يكفي؛ فتعين أن يكفي الرشد [في المال] وإن كان سفيهاً في الدين كما صار إليه أبو حنيفة.
قلنا: قد حكاه المتولي عن بعض أصحابنا، والمذهب الأول، ودليله أن الآية اقتضت وصفه بالرشد، ومن كان فاسقاً في دينه وصف بالغي، [ومن وصف بالغي] لا يوصف بالرشد؛ لأن الرشد والغي صفتان متضادتان لا يجوز اجتماعهما، ولأنه لا يؤمن من تبذيره في المال؛ فإنه إذا فسق بارتكاب المعاصي لا يؤمن أن يبذر ماله أو يضيعه؛ فلم يكن لرشده مع فسقه [حكم]، وهذا كما قلنا في رجل معروف بصدق اللهجة لا يكذب، وكان يشرب الخمر؛ فإنه لا تقبل شهادته؛ لأنه غير موثوق به، كذلك هاهنا.
ثم المراد بالرشيد في الدِّين: ألا يرتكب من المعاصي ما يخرجه عن حيز العدالة، وإن أتى بما يسقط المروءة كالأكل في السوق ونحوه، كذا قاله ابن الصباغ وغيره، وهو بناء على المشهور من أن تعاطي هذه الأشياء ليس بمحرم، وسماعي من شيخ المشايخ قاضي القضاة تقي الدين [أبي عبد الله] محمد بن رزين – رحمة الله عليه – أنه سمع من بعض علماء الشام أن تعاطي ما ترد به الشهادة من الأكل في الأسواق ونحوه هل حرام أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه للأصحاب.
ثالثاً: إن كان قد تحمل شهادة حرم عليه [تعاطي ذلك]؛ لأن فيه سعياً في إبطال شهادته المتعلق بها حق الغير، وألا فلا، فعلى وجه التحريم ينبغي أن يكون كسائر المحرما، وقد حكاه الماوردي وجهاً، لكن مأخذه أن الشافعي
قال: والرشد: الصلاح في الدين؛ حتى تكون الشهادة جائزة مع إصلاح المال، فأجرى اللفظ على ظاهره، والجمهور على الأول.
وبالرشد في المال المتفق عليه عند الجمهور: أن يصرف المال في وجهه من غير إسراف ولا تقتير، فلو صرفه في اتخاذ الأطعمة الفائقة والكساوي الرقيقة الرائقة التي لا تليق بحاله، ويتجاوز فيها الحد – فلا رشد عند الغزالي وإمامه.
وحكى الماوردي وجهاً: أنه لا يحجر عليه بسبب ذلك، وصححه الشاشي، وادعى الرافعي أن عليه الأكثرين.
وفي "الذخائر": أن الشيخ أبا محمد قال فيما إذا بلغ مقتصداً، ثم ظهرت منه هذه الحالة أنه لا يعاد عليه الحجر، ولم أَرَ في "النهاية" في هذا الموضع له ذكراً.
ولو أسرف في صرف المال إلى جهة الخيرات: من صرف الصدقات، وبناء المساجد والمدارس، وكل القربات – لم يعد مبذراً، وإن تناهى في الإسراف فيها.
قال الإمام: ومن رشيق كلام المتقدمين قول بعضهم: لا خير في السرف، ولا سرف في الخير.
وحكى عن شيخه أبي محمد أن هذه الحالة لو قاربت البلوغ منعت، بخلاف ما إذا ظهرت منه بعد أن بلغ مقتصداً؛ فإنه لا يحكم بصيرورته مبذرا.
ً
ولو قتر على نفسه شحًّا عليها فلا حجر، وفي "الحاوي" عن أبي العباس ابن سريج والإصطخري: أنه يحجر عليه.
تنبيه: الرُّشْد والرَّشَد والرَّشاد: نقيض الغي، وقيل: هو إصابة الخير، وقال
الهروي: هو الهدى والاستقامة.
يقال: رَشَد: بفتح الشين، يرشُد بضمها، رشداً: بضم الراء.
ورَشِدَ: بكسر الشين، ويرشَد: بفتحها، رشداً: بفتح الراء والشين، ورشاداً؛ فهو راشد ورشيد، وأرشده غيره ورشَّده: هداه، واسترشده: طلب منه الرشد.
قال: ولا يسلم إليه المال حتى يختبر اختبار مثله؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] والابتلاء: الاختبار [كما سبق.
ثم الاختبار] في الدين يكون بمشاهدة حاله في العبادات، وتجنب المحظورات وتوقي الشبهات، ومخالطة أهل الخير والعفاف أو غيرهم: فإن ظهر محافظته على القيام بالواجبات وتجنب المحظورات فرشيد، وإلا فلا رشد.
[والاختبار في المال] يختلف باختلاف الناس:
فولد منهو من السُّوقة كالبزاز والخباز والبياع وغيرهم، اختباره: أن يُدفع إليه شيء من ماله، [و] يأمره الولي أن يتعاطى فيه أسباب البيع والشراء كما يقتضيه منصب أبيه، فيساوم ويماكس ويفعل ما جرت عادة أمثاله به: فإن ظهر أنه يحسن ذلك فهو رشيد، وإن ظهر أنه يغبن بما لا يتغابن بمثله فلا رشد، ولا يكفي في ذلك المرة الواحدة؛ فإنها قد تصدر اتفاقاً، واعتبر الماوردي جريان ذلك ثلاث مرات كما قلنا في الكلب المعلم، وفي "الرافعي": أن المرتين والثلاث تكفي إذا أفادت غلبة الظن برشده.
وولد الأمير والتاجر يختبر بأن يُدفع إليه شيء من ماله لينقه في مدة شهر [في خبز وماء ولحم ونحوه: فإن كان يحسن ذلك فهو رشيد، وإلا فلا رشد.
وفي "الحاوي": أنه يدفع إليه نفقة يوم ثم بعدها نفقة أسبوع، ثم نفقة شهر].
وإن كان اليتيم صاحب زراعة اختبره في تدبيرها وزراعتها: فإن رآه مصيب الرأي فيها؛ [واضعاً الأمور مواضعها]، يقدر النفقة على واجبها فهو رشيد، وإلا فلا.
والجارية، قال القاضي أبو الطيب: تختبر بأن يُدفع إليها شيء من الحمال، ويجعل نساء ثقات تستوفين عليها: فإن غزلت واستغزلت ونسجت واستنسجت ولم تبذر فرشيدة، وإلا فلا.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنها تختبر بمعاملة محارمها والنسوان، وتؤمر بالتصرف في القطن والغزل وغيرهما من آلة النساء: والكل متقارب.
قال: وإما قبل البلوغ أو بعده.
هذا الكلام من الشيخ فيه إشارة إلى ذكر خلاف حكاه الأصحاب وجهين في وقت الاختبار:
أحدهما: أن وقته بالتجارة – كما قيده في "الاستقصاء" – بعد البلوغ؛ لأن البيع والشراء لا يصح من الصبي، وكان قائله يرى صحة بيع السفيه بإذن الولي.
والثاني –وهو الأظهر -: أنه قبل البلوغ؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6] [فجعل غاية الابتلاء – وهو الاختبار – بلوغ النكاح]، فدل على أنه يكون قبله، ولأنه لو كان بعد البلوغ أدى ذلك إلى أن يحجر على البالغ الرشيد إلى أن يختبر، وهذا لايجوز وعلى هذا فاختباره يكون بما ذكرناه من مقدمات البيع والشراء، وإذا آل الأمر إلى العقد باشره الولي.
وقيل: الولي يبتاع سلعة له ويواطئ بائعها في بيعها منه، ثم يأمر الصبي بأن يعاقد عليها بعد المساومة.
وقيل: يأذن له في المعاقدة مع المساومة، ويصح عقده للضرورة.
والذي حكاه الجمهور: ذكر الخلاف في وقت الاختبار من غير تقييده باختبار التجارة، والأول أقرب.
وعلى كل حال: فلو تلف المال المدفوع إلى الصبي بسبب الاختبار فلا ضمان على الولي.
قال: فإن كان سفيهاً في دينه أو ماله استديم الحجر عليه؛ لأن الله تعالى علق دفع المال إليه بشرطين: البلوغ، وإيناس الرشد، وكما لا يرتفع عنه الحجر إذا رشد قبل البلوغ لا يرتفع عنه إذا بلغ غير رشيد، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء: 5] وأراد بها أموال السفهاء، بدليل أمره بالإنفاق عليهم
منها، ولا يجب الإنفاق من غير أموالهم، وإنما أضيفت إلى المخاطبين؛ لأنها الجنس الذي جعله الله قياماً للناس، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] أي: ليقتل بعضكم بعضاً، ولأن الحجر إنما يثبت للحاجة إلى حفظ المال، وهي باقية؛ فوجب أن يبقى.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الحجر الأول هو المستدام، وليس كذلك؛ بل الأول كان للصِّبا وقد زال بالبلوغ، وخلفه حجر السَّفَه، وبين الحجرين كما قلنا تفاوت، لكن لما اتصل السفه [بالصِّبا] كان بمثابة تمادي الصِّبا؛ ولهذا كان الناظر عليه في هذه الحالة من كان ناظراً في حال الصبا من أب، أو جد، أو وصي، أو حاكم، وإن كان النظر على السفيه يختص بالحاكم، وحكم الجنون إذا اتصل بالصبا حكم السفيه المتصل به.
قال: ولا يجوز بيعه ولا نكاحه، أي: بغير إذن الولي لماكن الحجر عليه، وإذا امتنع بيعه فكتابته وعتقه وهبته أولى بالامتناع، ولا فرق في ذلك بين أن يصدر في الصحة أو في مرض الموت، وفي "الحاوي" حكاية وجه في نفوذ عتقه في مرض موته؛ تغليباً لحجر المرض على حجر السفه، ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون قد بلغ في موضع فيه حاكم، أو له أب أو جد [أو وصي، أو في موضع لا حاكم فيه ولا أب [له] ولا جد] ولا وصي.
وذكر الشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" وجهاً عن بعض الأصحاب في الصورة الثانية: أن تصرفه ينفذ إلى أن يلحقه نظر والٍ: فيضرب عليه حجراً حينئذ.
وهذا ما حكاه في "الاستقصاء" عن القفال في "شرح التلخيص".
وقد يؤخذ من قول الشيخ في باب الإقرار: من لم يحجر عليه يجوز إقراره، وحكم شراء السفيه شيئاً [ثمن في ذمته] حكم بيعه على الأصح.
وفيه وجه: أنه يصح كالعبد، وقد نسب هذا الوجه إلى الشيخ أبي حامد.
قال
الإمام: وقد تتبعت كتب العراقيين وتعاليق أبي حامد فلم أجده.
[وإجازته نفسه هل تلحق ببيعه شيئاً من أمواله؟ حكى القاضي الحسين عن العبادي فيها وجهين]، وهما مذكوران في "الإشراف" قولين، وفي "الحاوي": أنه إن أجر نفسه فيما هو مقصود من عمله مثل أن يكون صانعاً، وعمله مقصوداً في كسبه – لم يصح ذلك منه، وتولَّى الولي العقد عليه، وإن كان غير مقصود مثل أن يؤاجر نفسه في حج أو وكالة في عمل، وليس عمله مقصوداً في كسبه؛ لاستغنائه بماله – صحت الإجارة؛ لأنه لما جاز أن يتطوع عن غيره بهذا العمل، فأولى أن يجوز منه بعوض.
قال الشيخ –رضي الله عنه -:فإن أذن له في النكاح صح.
الكلام في هذا مستوفي في كتاب النكاح، فليطلب منه.
وإن أذن له في البيع فقد قيل: يصح؛ لأنه عقد معاوضة فملكه بالإذن كالنكاح.
وهذا هو المذهب في "النهاية" في كتاب النكاح، ويشترط عليه أن يعين له العين التي يبتاعها وثمنها.
قال: وقيل: لا يصح؛ لأن المقصود منه المال، ولا يصح منه مع الحجر كما إذا كان بغير إذن وليه، ولأنه فيه بمنزلة الصبي، وقد تقدم أن الصبي لا يصح بيعه وإن أذن له الولي، وهذا هو الصحيح في [كتاب] "التتمة" في كتاب النكاح، و [هو] الأصح في "التهذيب"، وقال [الإمام] ثَمَّ: إنه غير معدود من المذهب.
وهذا الخلاف جيري كما حكاه البندنيجي فيما إذا أذن له في الشراء أو الإجارة وغير ذلك من عقود المعاملات، إذا قدر له العوض فيه كما قاله الرافعي، وحقيقته ترجع إلى أنه مسلوب العبارة في المعاملات كالصبي، أو هو صحيح العبارة لكن يتوقف الحكم بصحتها على الإذن، وعلى هذا يخرج ما إذا وكله [غيره] في شيء منها، وما إذا اتهب وقبل الوصية، كما حكاه الرافعي.
والمذكور في "الحاوي" في الوصية وقبول الهبة: الصحة، وادعى الإمام ان الأكثرين على صحة الهبة.
ويجري الخلاف في بيع السفيه بالإذن في قبضه، ما توجه له [في] قبضه بالإذن، لكنه وجهان كما حكاه الرافعي وغيره في كتاب الخلع، وأرجحهما في "المجرد" للحناطي: صحته.
فرع: إذا اشترى شيئاً بغير إذن وليه وتسلمه، فتلف في يده أو أتلفه فلا مطالبة للبائع بسبب ذلك، لا في الحال ولا بعد فك الحجر، سواء كان عالماً بسفهه أو لا؛ لتقصيره.
نعم، إذا أتلفه وفك الحج رعنه هل يجب عليه فيما بينه وبين الله تعالى وفاء بدل ذلك؟ فيه وجهان رواهما الماوردي وصاحب "التقريب"، قال الإمام: وهذا عندي هفوة؛ لأنه لو وجب لثبتت المطالبة به ظاهراً؛ إذ لا مانع، وقد حكى الرافعي ذلك وجهاً، وجوز المطالبة ظاهراً.
قال: وإن طلق أو خالع صح:
أما الطلاق؛ فلأن الحجر لا يتناوله؛ لأنه حراسة للمال وحفظ له؛ فإنه يسقط عن نفسه نفقة امرأته، وإن كان قبل الدخول بها رجع إليه نصف الصداق، وإذا كان كذلك لم يمنع منه، وأيضاً: فإن العبد يطلق بغير إذن مولاه، ولا يجري مجرى العقود التي منع منها، فكذلك هاهنا، ولا يقال: في إيقاع الطلاق منه تسبب إلى إتلاف ماله في النكاح، والتزام المهر الجديد؛ لأنا نقول: إذا كان كذلك سَرَّيناه بجارية، ولا نزوجه حتى لا يؤدي إلى ذلك، كذا أجاب به القاضي أبو الطيب، وفيه نظر؛ لأنا إنما نسرِّيه بعد كثرة الطلاق منه، وذلك لا يمنع ما جرى من محذور.
وأما في الخلع؛ فلأنه إذا صح طلاقه فبعوض أولى.
قال: إلا أنه لا يسلم إليه المال؛ للحجر عليه فيه، فلو سلمه إليه ضمنه المسلم.
تنبيه: السفه: ضعف العقل وسوء التصرف، وأصله: الخفة والحركة، [يقال: سفهت الريح الشجر: مالت به، وسمي هذا سفيهاً؛ لخفة عقله.
قيل: ولهذا سَمَّى الله تعالى النساء والصبيان سفهاء في قوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: 5].
وقد حكى عن أهل اللغة: أن السفيه: الجاهل الذي قل عقله، وجمعه: سفهاء، وقد سفه – بكسر الفاء – يسفه: بفتحها، والمصدر: السفه، والسفاهة والسَّفَاهُ].
قال: وإن كان مصلحاً لدينه وماله انفك عنه الحجر، أي: من غير حاكم؛ لأنه حجر ثبت بغير حاكم؛ فلم يتوقف زواله على إزالة الحاكم كحجر المجنون، وهذا ما صححه الإمام والمتولي، وجزم به الغزالي، وينسب إلى ابن سريج.
قال: وقيل: لا ينفك إلا بالحاكم؛ لأن الرشد مما يعرف بنظر واجتهاد؛ فافتقر إلى الحاكم كفك الحجر عن السفيه، وهذا يروي عن ابن أبي هريرة، وهو الأصح في "التهذيب"، والقائلون به قالوا: كما ينفك بالحاكم ينفك بالأب والجد، وفي الوصي والقيم وجهان.
قال الرافعي: وهذا يطعن في توجيههم إياه بالحاجة إلى النظر والاجتهاد.
وحكى الطبري عن أبي حامد: أن الصبي إن كان الناظر في ماله الأب والجد، فبلغ رشيداً زال الحجر عنه من غير حاكم، وإن كان الناظر فيه الحاكم فوجهان، وعلى هذه الطريقة ينبغي أن يحمل ما قاله الشيخ أولاً وما قاله هنا، وجزم في "البحر" في كتاب "الوصية" بأن الولي إن كان أباً أو جدًّا انفك بنفسه، وإن كان حاكماً أو قيماً فلابد من فك الحاكم، وإن كان وصيًّا فوجهان.
فرع: لو ادعى [الابن] على الأب أنه بلغ رشيداً، وطالب فك الحجر عنه، وأنكر الأب لم يحلف.
قال في "الإشراف": ويحتمل أن يخرج وجه آخر على مقتضى قول أبي حامد: إن الأب يحلف؛ لأن الحلف يستخرج منه الإقرار، [فهو لو] أقر برشده انعزل عن الولاية؛ فكان للتحليف فائدة.
فرع: إذا حكم الحاكم للسفيه في تصرف خاص ففيه وجهان:
أحدهما: لا يستفيد به جواز التصرف على العموم؛ كالعبد المأذون له في نوع من التجارة لا يصير مأذوناً له في سائر الأنواع.
والثاني: يلي؛ لأن القاضي إذا رأى الرشد فيه حتى أطلق الحجر عنه في نوع وجب عليه إطلاق الحجر عنه على العموم؛ فانطلق على العموم بالإطلاق الخاص، كذا حكاه القاضي الحسين في باب "مداينة العبيد".
فرع: لو بلغ الصبي، ولم يظهر منه ما يخالف الرشد قال الإمام: فالأصح أن [الحجر يطلق] عنه، ولا حاجة إلى إطلاق القاضي، وذكر بعض الأصحاب وجهاً بعيداً [مما حكيناه] في هذا المقام أيضاً: في أن رفع الحجر يتصل بالحكم وإطلاق الحاكم، وهذا بعيد جداًّ، وهو أبعد مما حكيناه فيه إذا بلغ سفيهاً ثم زال السفه واستمر الرشد؛ فإنه قد يظن أن الحجر يثبت بمجتهد فيه وهو السفه؛ فيزيله المجتهد بنظره، وهذا بعيد كل البعد؛ إذ لم يثبت سفه متصل [بزوال الصبا].
هذا آخر كلامه، وقد فهم منه [بعض علماء زماننا أن الحجر ينطلق عن الصبي على الصحيح بمجرد البلوغ، وعد ظهور أم رمنه يخالف] الرشد.
وأنه استشكله، وعندي: أن هذا ليس المراد؛ وإنما الإمام – رضي الله عنه – قدم على هذا الفرع ما إذا بلغ سفيهاً ثم رشد: أن الحجر يرتفع عنه بمجرد الرشد على الأصح، ثم فرض هذا الفرع، ومراده حصول الرشد بعد حالة البلوغ التي لم يعرف فيها هل هو رشيد أم سفيه، ويؤيده ما ذكره من بعد كما حكيناه، ثم فحوى كلام الإمام: أنه لو بلغ رشيداً لا يحتاج إلى فك الحاكم وجهاً واحداً، والله أعلم.
وإن فك الحجر عنه، ثم بر، أي: صرف المال في غير وجهه على النعت الذي ذكرناه من قبل.
قال أهل اللغة: التبذير: تفريق المال إسرافاً، ورجل مُبَذِّر وتِبْذَارة.
قال: حجر عليه الحاكم؛ لما روي أن عبد الله بن جعفر ابتاع أرضاً سبخة
بستين ألف درهم، فمر عليها عثمان بن عفان – رضي الله عنه – فقال: ما يسرني أن تكون [لي] بنعلين، ثم رأى علي بن أبي طالب فقال: لِمَ لا تأخذ على يد ابن أخيك؟! اشترى سبخة بستين ألفاً ما يسرني أنها لي بنعلين.
فعلم عبد الله بن جعفر بذلك، فلقي الزبير بن العوام، وذكر له الحال، فقال: شاركني فيها، فشاركه، ثم اقبل علي إلى عثمان – رضي الله عنهما – فسأله الحجر على عبد الله، قال عثمان بعد أن بلغه مشاركة الزبير: كيف أحجر على من شريكه الزبير؟! [ذلك أن الزبير] كان معروفاً بالإمساك والاستصلاح؛ فصارت شركته شبهة تنفي استحقاق الحجر.
فكان ذلك منهم – ومن باقي الصحابة [في إمساكهم] – إجماعاً منعقداً على استحقاق الحجر على البالغ، وأن الذي يتعاطاه هو الحاكم، ولأن التبذير معنيّ لو فارق البلوغ منع من دفع المال إليه؛ فإذا طرأ بعده وجب انتزاعه من يده، أصله الجنون.
وقد يستدل لجواز الحجر [عليه] بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: 27] فذم المبذر، فوجب المنع منه، ولا يصح المنع من التبذير وإلا بالحجر.
وبقوله صلى الله عليه وسلم: "خُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ"، ولا يصح ذلك إلا بالحجر.
قال: ولا ينظر في ماله غيره، أي: غير الحاكم؛ لأنه حرج ثبت بالحاكم؛ فكان هو الناظر فيه كمال المفلس، هذا هوا لصحيح، ووراءه وجوه:
أحدها – [حكاه] في "الإشراف" -: أنه إذا حجر عليه وله أب أو جد كانت الولاية عليه للأب والجد.
والثاني: أن الحجر لا يفتقر إلى حاكم، بل يعود عليه بنفسه؛ كما لو جن، فعلى هذا يكون الناظر عليه الأب والجد أو الحاكم؟ فيه وجهان كالوجهين
فيما إذا جن الرشيد، يكون النظر في ماله لمن؟ لكن الأصح في المجنون أن النظر في ماله للأب والجد، وهاهنا الأصح.
أن النظر للحاكم.
والثالث –رواه ابن كج عن أبي يحيى البلخي -: أن للأب والجد إعادة الحجر عليه كما للحاكم؛ فعلى هذا يظهر أن يكون النظر [لهما].
قال: والمستحب أن يشهد على الحجر؛ ليجتنب [الناس] معاملته.
وقد أشار الشيخ – رضي الله عنه – إلى علة الحكم بما ذكره.
وقال ابن أبي هريرة: لا يصح هذا الحجر إلا بالإشهاد عليه.
قال الماوردي: ويستحب بعد الإشهاد أن ينادي في الناس بإيقاع الحجر عليه؛ ليكون أشهر لأمره.
فرع: لو كان يغبن في بعض التصرفات خاصة فهل يحجر عليه في ذلك النوع خاصة؟ فيه وجان؛ لبعد اجتماع الحجر والإطلاق في شخص واحد.
قال: وإن انفك الحجر عنه، ثم سفه في الدين دون المال – فقد قيل: يعاد الحجر عليه، كما لو سفه في المال؛ بجامع توقف فكاك الحجر على وجود الرشد فيهما عند البلوغ، وهذا قول ابن سريج، وهو الأصح في "التهذيب".
وقيل: لا يعاد؛ لأن الأولين لم يحجروا على الفسقة، ويخالف الاستدامة؛ لأن الحجر كان ثَمَّ ثابتاً، والأصل بقاؤه، وهاهنا ثبت الإطلاق والأصل بقاؤه؛ لا يلزم من الاكتفاء بالشك للاستصحاب الاكتفاء به لترك الأصل، ويخالف التبذير؛ فإنا نتحقق به تضييع المال، وبالفسق لا نتحقق؛ فإنه ربما لا ينفق المال إلا يما يسوغ وإن كان فاسقاً، ومقصود الحجر صيانة المال، كذا قال الرافعي، واختار صحة هذا الوجه، كما جعله الإمام المذهب، وهو قول أبي إسحاق المروزي، قال القاضي أبو الطيب: وهو ظاهر لفظ الشافعي.
قلت: ولك أن تعترض على ما قاله الرافعي من "أن الحجر كان [ثم] ثابتاً، والأصل بقاؤه" بأن الحجر الذي كان ثابتاً حجر الصِّبا، وقد زال بالبلوغ، والحجر
عليه بعد ذلك حجر سفه، فقياس ما قاله ألا يحجر عليه [إلا] في حالة بلوغه كما في هذه الحالة، والله أعلم.
ولا يخفى أن هذا الخلاف مفرع على المذهب في اعتبار الرشد في الدين حالة البلوغ، أما إذا قلنا: [إنه لا يعتبر كما رويناه عن حكاية صاحب "التتمة" فلا يعاد هاهنا وجهاً واحداً، ثم الوجه الذي حكيناه في عود الحجر صاحب "التتمة" فلا يعاد هاهنا وجهاً واحداً، ثم الوجه الذي حكيناه في عود الحجر عليه بنفسه إذا سفه في المال – كما هو منسوب إلى أبي ثور – قال [الإمام]: لا يجيء في هذه الصورة.
فرع: إذا رشد بعد وقوع حجر عليه فيما كان سفيهاً فيه افتقر [زوال الحجر] إلى رفع الحاكم وجهاً واحداً إن قلنا: لا يثبت إلا بالحاكم.
وإن قلنا: إن الحجر يعود بنفسه، قال الإمام: فحكمه حكم من بلغ سفيهاً ثم رشد، والأصح فيه: أن الحجر يرتفع [عنه] من غير حاكم.
وغيره ألحقه بالصبي إذا بلغ رشيداً، والكل متقارب.
والله أعلم.
باب الصلح
الصلح، والإصلاح، والمصالحة: قطع المنازعة.
مأخوذ من قولهم: صلح الشيء - بفتح اللام وضمها - إذا كمل، وهو خلاف الفساد.
وهو في عرف الشرع: معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المتخاصمين.
وهو يتنوع أنواعاً: صلح بين المسلمين، والمشركين.
وصلح بين الإمام والفئة الباغية.
وصلح بين الزوجين إذا وجد الشقاق، أو [إذا] وجدت من الزوج إعراضاً وخافت النشوز.
وصلح في المعاملات: وهو الذي ذكر هذا الكتاب لأجله.
ولا يقع في الغالب إلا على انحطاط رتبة إلى ما دونها لبلوغ بعض الغرض.
ويقال: صالحته مصالحة [وصلاحاً - بكسر الصاد - ذكره الجوهري [وغيره].
قال: وهو يذكر ويؤنث، وقد اصطلحا وتصالحا] واصَّالحا.
والأصل في جوازه آيات من الكتاب، منها قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ إلى آخرها [النساء:114].
ومن السنة: ما روى أبو هريرة وعمرو بن عوف المزني [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم] قال: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلا صُلْحاً حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً" كذا
خرَّج أبو داود رواية أبي هريرة.
وأراد بالأول: أن يصالح على دراهم بأكثر منها، وبدنانير غير مؤجلة، أو بخمر أو خنزير ونحو ذلك.
[وبالثاني: أن يصالح زوجته على ألا يطلقها أو لا يتزوج عليها، أو لا يتصرف في المال المصالح به ونحو ذلك].
وقد جاء لفظ الخبر أثراً عن عمر، قيل: وهو المشهور، وإن أكثر أحكام عمر كانت صلحاً.
وقد أجمع المسلمون على جواز الصلح ومشروعيته.
واختلف أصحابنا في أنه رخصة؛ لاستثنائه من [جملة] محظور، أو وهو مندوب إليه؛ لكونه أصلاً بذاته؟ على وجهين:
اختار الأول منهما [ابن] أبي هريرة، وهو ظاهر قول أبي إسحاق المروزي؛ لأنه فرع لأصول يعتبر بها في صحته وفساده، وليس أصلاً بذاته، فصار لاعتباره بغير رخصة [مستثناة] من جملة محظور.
والثاني [قاله] أبو الطيب بن سلمة؛ لأنه أصل بذاته قد جاء الشرع به، وجرى العمل عليه.
قال في "الحاوي": وقد أشار إلى القول به أبو حامد.
ولهذا الاختلاف أثران:
أحدهما: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "الصُّلْحُ جَائِزٌ ... " إلى آخره، هل هو مجمل أو عام؟ فمن قال بالأول قال: إنه مجمل، ومن قال بالثاني قال: إنه عام.
والأثر الثاني يأتي في الكتاب.
والذي جزم به الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ: أنه ليس أصلاً بنفسه، وإنما هو فرع لغيره، وسنذكر ما هو فرع له.
قال الشيخ – رحمه الله -: الصلح بيع؛ لوجود معنى البيع فيه.
هكذا وجهه الشيخ، رحمه الله.
فإن قيل: الشيخ – رحمه الله – حصر الصلح في كونه بيعاً، وقد حكى عن الشيخ أبي حامد: أن الصلح ثلاثة أنواع – كما جزم به راوياه المحاملي والبندنيجي -: صلح هو بيع، وصلح هو إبراء، وصلح هو هبة، فكيف يحسن من الشيخ مخالفته، و"التنبيه" مختصر "تعليقه"؟!
قلت: الجواب [أن المحاملي حكى] عن الشيخ أبي حامد تصوير صلح الإبراء: بما إذا كان له عند زيد ألف وهو مقر بها، فقال: أعطني [خمسمائة وأبرأتك من خمسمائة.
وصلح الهبة: بما إذا كان له عنده عينان أو عين واحدة، فقال]: أعطني أحداهما أو بعض العين ووهبتك الباقي، وأنه جزم بالبطلان فيما إذا قال: صالحتك من الألف على خمسمائة، ومن العينين على إحداهما أو بعض العين الواحدة؛ كما حكاه ابن الصباغ هنا، وإن كان في باب خيار المجلس قد فسرهما بمثل ما قاله أبو حامد.
فلما نظر الشيخ في ذلك وجد ما قاله من تصوير صلح الإبراء والهبة حائداً عن حقيقته؛ فإنه لم يأت فيهما بلفظ الصلح؛ فإن حقيقته فيهما: أن يصالح من الألف [على] خمسمائة، ومن العينين على أحداهما، أو من العين على بعضها و [قد] جزم في هاتين الصورتين بالمنع، وأعرض عن ذكرهما؛ لتناقض الكلام فيهما، واقتصر على ذكر كونه بيعاً؛ لكون هذا الكتاب مختصراً من "تعليقه".
ثم البيع الذي فسر به الصلح يشمل بيع الدين والعين والمنفعة، وقد حكى في "المهذب" وجهين في أن الصلح بيع بالتفسير الذي ذكرناه [ليس] إلا؛ حتى لا يصح فيما عداه، أو يتنوع إلى ذلك وإلى كونه إبراء أو هبة أو عارية، حتى تصح جميع هذه العقود.
والذي جزم به القاضي أبو الطيب واختاره في "المرشد"، ورجحه ابن الصباغ [وغيره: الثاني.
وحكى ابن الصباغ] أن أبا الطيب ذكر في صورة الإبراء ما يقتضي موافقة الشيخ أبي حامد في عدم الصحة، وأنه قال في موضع آخر بالصحة فيها، وأن غيره حكاه.
والأول – وهو ما اختاره الشيخ في هذا الكتاب – مؤيد بما حكاه الماوردي: أن الشافعي – رضي الله عنه – نص على أن الصلح من الدار على سكناها لا يصح.
ثم صورة الصلح الذي هو بيع: أن يكون له في يده عين أو في ذمته دين، فيقر له به، [ثم] يصالحه على ما يتفقان عليه من غيره، سواء كان عيناً أو ديناً أو منفعة، لكنه إذا وقع على منفعة كان إجارة.
وصورة الصلح الذي هو [إبراء: أن يصالحه على أن يسقط بعض الدين ويدفع إليه الباقي.
وصورة الصلح الذي هو هبة: أن يدعي عليه عيناً، فيصالحه على بعضها، ويكون الباقي] هبة.
وصورة الصلح الذي هو عارية: أن يصالحه من الدار على سكناها شهراً – مثلاً – وله أن يرجع فيه، وسيأتي بعض هذه المسائل في الكتاب.
واعلم أن كثيراً من الطلبة يسالون عن المعنى الذي لأجله قال الشيخ في السلم: إنه صنف من البيع، وقال هنا: إن الصلح بيع، وكذلك قال في الإجارة: وقد قيل في معناه: إن السلم لما كان لا ينعقد به إلا بيع خاص وهو بيع الدَّيْن – حسن تسميته صنفاً منه، والصلح لما انعقد به بيع ما في الذمة وبيع العين، [وكذلك الإجارة لماصح ورودها على ما في الذمة وعلى العين] حسن تسميتها بيعاً.
وقد يقال: إن لفظ "الصنف" و"البيع" [إذا نطق به منكراً مترادفان؛ لأن الصنف واحد الجنس، وكذلك البيع] إذا نطق به منكراً كان واحد الجنس أيضاً؛ فلا فرق بينهما، والتغاير في اللفظ من أساليب البلاغة.
ويعضده أن الإمام حكى [في هذا الكتاب] عن الشافعي أنه قال: الإجارة صنف من البيوع، والله أعلم.
قال: يصح ممن يصح منه البيع، ويثبت فيه ما يثبت [في البيع] من خيار المجلس، وخيار الشرط، أي: إذا لم يكن ثم ما يمنعه كما تقدم في البيع.
قال: والرد بالعيب، أي: وباقي الأحكام من التحالف، والاستتباع، وثبوت الشفعة، وغير ذلك؛ تحقيقاً لمعنى البيع.
قال: ولا يجوز الصلح على ما لا يجوز عليه البيع من المجهول وغيره، أي: مما هو مذكور في الأبواب السالفة؛ للمعنى الذي ذكرناه.
واعلم [أن الشيخ نبه بقوله: يصح ممن يصح منه البيع، على أمرين:
أحدهما: أنه [لا] يصح ممن لا يصح منه البيع.
والثاني:] أنه يصح وإن لم يتقدم بينه وبين المشتري مخاصمة؛ لأنه يصح منه البيع في هذه الحالة.
وقد حكى [عن] الشيخ أبي محمد رواية وجه في هذه الصورة: أنه لا يصح بيعاً؛ فإن الصلح من غير تقدم منازعة غير مستعمل، وجعله الرافعي أظهر، ثم قال: وهو مفروض فيما إذا لم ينوياً أو أحدهما به شيئاً، أما إذا نويا به البيع، فإنه يكون كناية بال شك، ويكون على الخلاف المشهور في انعقاد البيع بالكنايات.
ونبه بقوله: ولا يجوز الصلح على ما لا يجوز البيع عليه .. إلى آخره [على] أنه يصح على ما يصح عليه [البيع]؛ إذ لو لم يكن هذا المراد لما كان لتخصيص المذكور بالذكر فائدة، وهذا هو الصحيح، وما روي عن صاحب "التلخيص" من أنه جوَّز الصلح عن أرش الموضحة إذا علما قدره، وأنه منع صحة بيعه –فقد خالفه فيه المعظم، وإن كان الغزالي جعل المخالف له الشيخ أبا علي، وقالوا: إن كان الأرش مجهولاً كالحكومة التي لم تقدر بعد، لم يصح الصلح عنه ولا بيعه.
وإن كان معلوم القدر والصفة: كالدراهم إذا ضبطت في الحكومة، جاز الصلح عنها، وجاز بيعها ممن عليه.
وإن كان معلوم القدر دون الصفة على الحد المعتبر في السلم؛ كالإبل الواجبة في
الدية، ففي جواز الاعتياض عنها بلفظ الصلح وبلفظ البيع جميعاً وجهان – وقال: قولان-أظهرهما فيما ذكره السرخسي: المنع.
قال: فإن صالح من دين، أي: يجوز بيعه، على عين أو دين، لم يجز أن يتفرقا من غير قبض.
هذه المسألة قدمت الكلام عليها في باب القرض؛ فليطلب منه.
وقد حكى المحاملي هنا- وهو الذي اختاره في "المرشد" – أن الأصح فيما إذا صالح على عين: انه لا يشترط القبض كما حكيناه [ثم] عن الغزالي وغيره.
قال: وإن صالح من ألف على خمسمائة، أي: بأن قال: صالحتك عن الألف الذي في ذمتك [على خمسمائة في ذمتك]، وقبضها في المجلس – لم يصح؛ لأنا [قدرنا أن الصلح بيع، هو] لو قال: بعتك الألف بخمسمائة لم يصح اتفاقاً؛ فكذلك إذا كان بلفظ الصلح، وهذا [ما حكينا] من قبل أن الشيخ أبا حامد جزم به.
قال: وقيل: يصح؛ لأن معنى ذلك: أعطني خمسمائة، وأبرأتك من خمسمائة.
وهو لو صرح بذلك لصح – كما سنذكره –فكذلك إذا أتى بلفظ الصلح، وهذا ما جزم به القاضي الحسين في "التعليق"، ورجحه الإمام والرافعي وابن الصباغ، كما ذكرناه.
وقدح في علة الأول بأن الصلح إنما يكون بيعاً إذا ذكر فيما يقتضي معاوضة، أما أن يكون لفظه يقتضيه فليس بصحيح؛ لأن الصلح إنما معناه: الاتفاق [والتراضي، والاتفاق] قد يوجد في المعاوضة وغيرها، وهذا كما أن لفظ التمليك إذا كان فيام طريقه المعاوضة، مثل أن يقول: ملكتك هذا [بهذا، يكون بيعاً، وإذا قال: ملكتك هذا]، كان هبة؛ لما تجرد عن العوض، كذلك هذا.
وفي "الحاوي" حكاية ما جزم به أبو حامد عن أبي إسحاق المروزي، وما رجحه ابن الصباغ عن أبي الطيب بن سلمة، وأنهما بنيا ذلك على اعتقادهما أن الصلح رخصة وفرعٌ لغيرهِ، أو هو أصل بنفسه؟ فأبو إسحاق قال: هو فرع للبيع؛ [فلا يصح، و] أبو الطيب بناه على أنه أصل بنفسه؛ فيصح.
ثم على هذا: هل يفتقر إلى الإتيان بلفظ الإبراء؟ فيه وجهان في "التتمة".
فإن قلنا: إنه لا يفتقر – وهو المشهور – فهل يفتقر [إلى القبول]؟ بناه الإمام وغيره على أن الإبراء هل يفتقر إلى القبول أم لا؟ والأصح: أنه لا يفتقر.
وإن قلنا بافتقاره فهاهنا كذلك، وألا فوجهان كالوجهين فيما إذا قال: وهبتك ما لي عليك من دين؛ لأن اللفظ معناه التمليك؛ فيستدعي في وضعه القبول؛ ولهذه العلة جعل الرافعي وجه الاشتراط أظهر.
أما لو قال: صالحتك من الألف الذي في ذمتك على هذه الخمسمائة، فقد ادعى بعضهم جريان الخلاف السابق في هذه الصورة – أيضاً – وهو ما صححه المتولي، وقال الإمام والقاضي الحسين في "تعليقه": الأصح فيها البطلان، ويبقى الألف بحاله؛ فإن اللفظ الذي جاء به مع التعيين صحيح في عوض المعاوضة، وبيع الألف بخمسمائة باطل، ويجري الخلاف الذي حكاه الشيخ وأصله فيما إذا أقر بعين، ثم قال: صالحتك على بعضها كما حكيناه من قبل؛
لأن بيع الشيء ببعضه باطل، ولكن على قول الصحة – وهو الأصح عند الإمام وابن الصباغ والرافعي – لابد من وجود [شرائط] الهبة وجهاً واحداً.
فرع: لو كان له في ذمته ألف درهم وخمسون ديناراً، فصالحه [منها] على ألف درهم – [صح، بخلاف ما لو كان له تحت يده ألف درهم وخمسون ديناراً، فصالحه منها على ألف درهم]؛ حيث لا يصح؛ لأنه من قاعدة مُدِّ عَجُوة، بخلاف الأولى؛ لأنه يجعل قابضاً للألف، معتاضاً [عن الخمسين] ديناراً ألف درهم.
وقال القاضي الحسين: لا يصح في هذه الصورة أيضاً، تنزيلاً له على معنى المعاوضة، وهو الذي تقتضيه طريقة الشيخ أبي حامد.
ويجري الخلاف فيما لو كان له عنده صاع حنطة وصاع شعير، فصالحه على صاعي حنطة أو شعير، كما صرح به القاضي الحسين في "التعليق".
قال: وإن قال: أعطني خمسمائة وأبرأتك من خمسمائة، جاز؛ لأنه أبرأه عن بعض حقه وأخذ بعضه، ولا منافاة في ذلك، وقد استدل له بما روى مسلم وأبو داود بسندهما: أن كعب بن مالك تقاضى ابن أبي [حَدْرَدٍ دَيْناً كان له عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فارتفعت أصواتهما] حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته؛ فخرج إليهما حتى كشف عن سجْفِ حجرته، ونادى: "يَا كَعْبُ" قال: لبيك، يا رسول الله، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده: أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، فَقَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قُمْ فَاقْضِهِ".
ثم هل يشترط قبض الخمسمائة الأخرى في المجلس؟
الذي يقتضيه كلام الماوردي: لا؛ فإنه قال: لو ادعى عليه ألفاً، فأقر بها، ثم
صالحه [منها] على خمسمائة، وأبرأه من الباقي – [كان ما صالحه] عليه من الخمسمائة مستحقًّا؛ فالصلح صحيح، والإبراء لازم، [ويرجع] على المقر ببدل ما استحق من يده.
قلت: فلو كان القبض شرطاً لما برئ في هذه الصورة؛ لأن قبض المستحق كلا قبضٍ، دليله: لو وقع مثل ذلك في الصرف ورأس مال السلم، ويعضد ذلك ما قاله المتولي في المسألة قبل هذه: أنا إذا صححنا العقد فيها لا يشترط قبض الخمسمائة في المجلس؛ لأنا لم نجعل لهذا العقد حكم المعاضة، بل جعلناه إبراء، وذلك في مسألتنا من طريق الأَوْلى، وفي "الجيلي": أن من شرط صحة الإبراء قبض الباقي في المجلس، وأنه هل يفتقر إلى القبول فيها [على قولنا: إن الإبراء لا يفتقر إلى القبول؟ فيه] وجهان.
وفي "الزيادات" لأبي عاصم العبادي: أنه إذا امتنع من أداء الخمسمائة كان في المسألة وجهان
أحدهما: يعود الدين.
والثاني: لا يعود؛ بناء على أن الإبراء هل يقتضي القبول؟ فإن قلنا: يقتضيه، فامتناعه رد للقبول حكماً؛ فلم يسقط الدين، وإن قلنا: لا يقتضي القبول، فالدين ساقط.
والحكم فيما لو كان المدعي عيناً، وأقر بها، ثم قال: أعطني نصفها ووهبتك [الباقي]، كما ذكرنا، لكن يشترط في النصف الموهوب استكمال شرائط الهبةز
فرع: لو قال: أبرأتك من الخمسمائة على أن تدفع إليَّ الخمسمائة الباقية، لم يصح؛ لأنه ترك [بعض حقه ليأخذ البعض، وليس يجوز أن يبيع] بعض حقه ببعض، كذا قال المحاملي، ثم قال: ومن أصحابنا من غلط فقال بجواز ذلك.
قال: وإن ادعى عليه مالاً، فأنكره، ثم صالح منه – [أي: من المدعي عليه] – على شيء، أي: من المدَّعَى أو غيره – لم يصح الصلح؛ لقوله – عليه السلام-: "إِلاَّ