كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 533-30
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 533-30
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بآنافِهَا"، ولا كذلك في مراحل الغنم، وإليه الإشارة بقوله- عليه السلام-: "فَإِنَّهَا سَكِينَةٌ".
قال الشافعي في "الأم": ومراح الغنم: هو الذي تأوي إليه الغنم بالليلن وهو ما طابت تربته، واستعلت أرضه، واستدار من مهب الشمال موضعه.
قال الأصحاب: وفي هذا إشارة إلى أنها ليست بوسخة، وإلى الفرق بينه وبين أعطان الإبل؛ فإنها يراد بها الموضع الوسخ والمكان الخرب؛ لأنها عليه أصلح، والأصلح للغنم الموضع الخالي عن ذلك.
ثم اعلم أن محل الكلام في أعطان الإبل ومراح الغنم إذا كانا خاليين عن البول، أما لو كان بهما ذلك، فلا تصح الصلاة فيهما مع عدم الحائل الطاهر، ومعه تصح مع الكراهة كما تقدم.
قال: ولا تحل الصلاة في أرض مغصوبة، ولا ثوب مغصوب؛ لأجل حق الغير، وقد قال- عليه السلام-: "لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ".

قال: ولا ثوب حرير، أي: إذا كان المصلي رجلاً- كما ستعرفه في باب ما يكره لبسه- وما أكثره إِبْرَيْسَم في معناه.
قال بعضهم: وإنما ذكر الشيخ ذلك في هذا الباب؛ لأنه شبيه بالثوب والحل النجس في الستر واللبث والتحريم، وإن خالفهما في عدم الإعادة كما ستعرفه.
قال: فإن صلى فيه لم يُعِدْ؛ لأن المنع لا يختص بالصلاة.
نعم: هل يقال: إنها صحيحة فيسقط الفرض بها، أو سقط عندها لا بها؟ هذا ما اختلف فيه الناس في الأرض المغصوبة، والذي ذهب إليه الأكثرون: الصحة.
قال القاضي الحسين: ومن أصحابنا من قال: لا تصح.
وهو مذهب المعتزلة، وكلام الشيخ يميل إليه، وهو ما اختاره الإمام فخر الدين.

ثم ظاهر كلام الشيخ المنع من الصلاة في الثوب الحرير، سواء وجد غيره أو لا، وهو وجه في المسألة مبني على ما إذا لم يجد إلا ثوباً نجساً لا يصلِّي فيه؛ حكاه القاضي الحسين.
وقال ابن الصباغ: [والذي] عندي أنه يصلي فيه؛ لأن العذر يبيع [كالحِكَّة]، وبه جزم في "التتمة"، وهذا نظير ما سلف: أنه إذا لم يجد إلا إناء من ذهب أو فضة، جاز له استعماله.
والفرق بينه وبين الثوب النجس: أن الصلاة تصح فيه بلا خلاف مع القدرة على غيره، ولا كذلك الثوب النجس.
ولا خلاف في أنه لا تحرم عليه الصلاة في الثوب ذي الأعلام والصور.
نعم: تكره فيه وإليه وعليه؛ إذا كان يلهيه؛ لما روي عن عائشة قالت: كان لي ثوب فيه صور، فكنت أبسطه، وكان- عليه السلام- يصلي عليه، فقال: "أَخْرِجِيهِ عَنِّي.
فجعلت منه وسادتين".
قال: وإن اشتبه عليه ثوب طاهر وثوب نجس، صلى في الطاهر على الأغلب عنده، أي: بالاجتهاد؛ لأن طهارة الثوب شرط في الصلاة، فجاز الاجتهاد فيها عند الاشتباه كالقبلة.
وظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون قادراً على غيرهما أو معه ثوب طاهر غيرهما، وهو المذهب، لكن الأفضل أن يصلي في الطاهر بيقين.
وقيل: لا يجوز له الاجتهاد مع وجود ثوب طاهر بيقين، وقد تقدم مثله في الأواني، وهو جارٍ فيما إذا كان معه ما يقدر على غسل أحد الثوبين المشتبهين به.
قال في "التتمة": لكن بالترتيب؛ لأنه ثَمَّ لا يلحقه ضرر إذا منعناه من الاجتهاد،

وهنا يلحقه ضرر بتفويت الماء عليه، وربما يحتاج إليه لأمر آخر؛ فلا يلزمه ذلك.
نعم: لو اجتهد، فأدى اجتهاده إلى نجاسة أحدهما وطهارة الآخر، فغسل النجس بزعمه، فهل يصلي في الآخر؟ فيه الوجهان.
وقد منع المزني من الاجتهاد في الثوبين مطلقاً، موجهاً ذلك بأنه قادر على الوصول إلى أداء فرض بيقين بأن يصلي في كل ثوب صلاة، ولا يجوز أن يؤديه بالاجتهاد كمن نسي صلاة من الخمس [لا يعرف عينها، يصلي الخمس]، قال: وخالف هذا الإناءين حيث جاز له الاجتهاد فيهما؛ لأنه لو أمر أن يتطهر بكل واحد منهما، لكان حاملاً للنجاسة بيقين.
وهذا من المزني تخريج على مذهب الشافعي، وإلا فمذهبه فيمن نسي صلاة من الخمس: أنه يصلي صلاة واحدة أربع ركعات ينوي بها الفائتة، ومذهبه في الأواني: أنه يريقها، ويتيمم.
وقد رد الأصحاب عليه قوله، وقالوا: لو فعل ما ذكره، كانت الصلاتان باطلتين؛ لأنه يدخل في كل منهما بثوب لا يتحقق طهارته، ولا هو ظان لها؛ فهو متردد في الشرط، والشك في الشرط شك في المشروط؛ فلا يصح منه؛ للإخلاص المأمور به في العبادة، ويلزمه عليه ألا يجتهد في جهة القبلة، وأن يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات.
وهذا الإلزام يمكنه أن يخرج عنه بأن يقول: الأصل في كل ثوب الطهارة، فإذا صلى فيه تمسك بأصل سابق فأثار له ظناً بالصحة، ولا كذلك القبلة؛ فإنه ليس الأصل في كل جهة أنها القبلة.
نعم: الفرق بين ما نحن فيه وبين ما تمسك به: أنه إذا صلى خمساً، فهو دائر بين صلاة فريضة أو نافلة بنية الفريضة، والكل قربة صحيحة، وهو في الثوبين دائر بين صلاة صحيحة أو باطلة.
ولأن المشقة تلحقه في الثياب؛ فإنا لو كلفناه ذلك، للزم أن نكلفه إذا اشتبه عليه

ثوب نجس بعشر ثياب طاهرة فأكثر: أن يصلي في كل ثوب صلاة، ولا كذلك فيما إذا نسي صلاة من الخمس؛ فإنه لا يزيد عليها.
والحكم عندنا فيما لو اشتبه عليه ثوب طاهر بثياب نجسة أو بالعكس، كما لو اشتبه الثوب بالثوب، ولا يجب عليه عندنا إعادة الاجتهاد لصلاة أخرى.
قال الماوردي: والفرق بينه وبين القبلة: أنها في موضعها لا تنتقل في أحوالها؛ فيكون مهبُّ الشمال في وقت قبلةً له، ومهب الجنوب في وقت قبلة له، وقد يكون ضدُّهما في وقت قبلةً له، ومهب الجنوب في وقت قبلة له، وقد يكون ضدُّهما في وقت قبلةً له؛ لتغير أحوال وتنقّل أماكنه؛ فلأجل ذلك وجب تكرار الاجتهاد؛ لتكرُّر الصلوات، والثوب الطاهر محكوم له بالطهارة في كل زمان؛ ولأجل ذلك لم يلزمه إعادة الاجتهاد.
وقال القاضي الحسين والمتولي: يجب عليه أن يعيد الاجتهاد ثانياً، وهو الذي صححه الرافعي والنواوي، فإن أدى اجتهاد إلى ما [أدى] إليه الأول فذاك، وإن أداه إلى طهارة الثاني، قال القاضي الحسين: فحكه حكم ما لو وجد ثوباً نجساً فقط، وفي وجوب استعماله وجهان: فإن قلنا: يجب، استعمل أي الثوبين شاء، وأعاد الصلاة.
وإن قلنا: لا يجب، فلا يصلي في واحد منهما، بل يصلي عارياً، [وقد] بينا حكم العاري.
وقال في "التتمة" فيما إذا أدى اجتهاده الثاني إلى طهارة الثاني، ونجاسة الأول: كان عليه- على الصحيح من المذهب- أن ينزع الأول ويلبس الثاني، وتصح

الصلاتان كما في القبلة، وهو ما ذكره في "الروضة".
قال المتولي: وخالف هذا ما إذا اجتهد في الأواني، وتغير اجتهاده؛ حيث لا نأمره بموجب الثاني؛ لأنا لو أمرنا به، احتجنا أن نأمره بغسل ما وصل إليه الماء في الكرة الأولى من جوارحه وثيابه، وتلك أفعال تلزمه بسبب استعمال الماء الأول لا بسبب الصلاة، وها هنا لبس الثوب الآخر يلزمه بسبب الفرض المتوجه عليه لا بسبب اللبس الأول؛ فصار نظير مسألة القبلة.
قلت: وأيضاً: فإنه في الأواني يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد، ولا كذلك في الثياب.
وقال الماوردي فيما إذا أعاد الاجتهاد، فبان له نجاسة ما صلى فيه وطهارة ما تركه: إن علم ذلك قطعاً أعاد صلاته، وإن كان عن اجتهاد فلا يعيد ما صلى بالأول، ولا يسعه أن يصلي في الأول، ومذهب الشافعي: أنه يصلي عرياناً، وعليه الإعادة.
وقال ابن سريج: يصلي في الثاني ولا يعيد.
على نسق ما قاله في الإناءين.
وفي "الوسيط" في باب استقبال القبلة: أن القولين في الإعادة عند تيقن الخطأ في القبلة جاريان في الثياب والأواني، وذلك صريح بإجراء الخلاف في الحالة التي جزم بها الماوردي بالإعادة.
فروع: أحدها: إذا تلف أحد الثوبين قبل الاجتهاد، فهل له أن يجتهد في الثاني؟ فيه وجهان، أصحهما: لا، وهو اختيار ابن سريج.
[الثاني:] إذا غلب على ظنه نجاسة أحدهما فغسله، قال العراقيون: فله أن يصلي في كل واحد منهما منفرداً.
وقال القاضي الحسين: في جواز صلاته فيما لم يغسله الوجهان في صلاته بالاجتهاد مع إمكان صلاته في ثوب طاهر بيقين.
فإن قلنا: يجوز، فهل يجوز أن يصلي فيهما جميعاً؟ فيه وجهان، أصحهما في "الحاوي": نعم.

والخلاف جارٍ فيما لو كانت النجاسة في أحد كميه واشتبه عليه، وقلنا: يجوز الاجتهاد فيهما، فاجتهد، فأدى اجتهاده إلى نجاسة أحدهما، فغسله- فهل يصلي في الثوب أم لا؟ حكاه القاضي الحسين وغيره، واختار الشيخ أبو محمد فيهما المنع، واختار الصيدلاني الجواز، قال الإمام: وهو الظاهر عندي.
[الثالث:] إذا اجتهد، ولم يغلب على ظنه طهارة واحد منهما، فإن أمكنه تطهير أحدهما، لزمه.
وفي "التتمة" وجه آخر: أنه لا يلزمه؛ لأنه لا يتحقق نجاسة ما يغسله، وتكليفه غسل ما لا يتحقق نجاسته إضرار به.
وإن لم يمكن غسل واحد منهما، صلى عرياناً، وأعاد؛ لأنه صلى ومع ثوب طاهر بيقين؛ قاله ابن الصباغ.
وحكى المتولي معه وجهاً آخر: أنه يصلي في أيهما شاء، ويعيد.
وقال الماوردي: إن مذهب المزني: أنه يصلي في أحدهما، ويعيد في الآخر- قد ساعده عليه بعض الأصحاب في هذا الموضع، ولو فعل ذلك أجزأه على مذهب الشافعي- أيضاً- وإن كان لا يوجبه عليه، وفيه نظر؛ لما أسلفناه عن غيره.
قال: وإن خفي عليه موضع النجاسة في الثوب غسله كله؛ لأن أثر غلبة الظن الحاصل من الاجتهاد إنما هو في دفع المانع العارض للسبب الأصلي المقتضي للطهارة، وإذا زال المانع عمل السبب الأصلين والثوب الواحد زال عنه اليقين بتحقق النجاسة، ولم يبق فيه أصل يرجع إليه بعد الاجتهاد، وطهارة موضع منه لا تفيد غلبة الظن والطهارة فيما عداه.
نعم: إذا كانت النجاسة في أحد كميه، واشتبه عليه، فهل يتحرى فيهما؟ فيه وجهان، المختار في "المرشد" منهما: الجواز.
قال الماوردي: وعلى الوجهين يتخرج ما إذا أخبره شخص بوقوع النجاسة في أحدهما، هل يجوز له قبول خبره؟ إن قلنا: لا يجوز الاجتهاد، فلا يجوز، وإلا فيجوز.
والوجهان في الأصل جاريان- كما قال القاضي الحسين- فيما لو أصاب أحد

طرفي العمامة نجاسة، وخفي عليه، فلا خلاف في أنهما إذا فصلا، جاز الاجتهاد فيهما، بخلاف ما لو شقَّ الثوب النجس نصفين؛ فإنه لا يجوز [له] الاجتهاد؛ لاحتمال وقوع النجاسة في محل القطع.
وقال ابن سريج: إذا خفي عليه موضع النجاسة [من الثوب] فغسل بعضه كفاه.
والمذهب: الأول.
وقد أفهم قول الشيخ: "وإن خفي عليه موضع النجاسة"، أنه لو عرف موضع النجاسة غسلها فقط، وهو كذلك، اللهم إلا أن يكون الثوب قبل وقوع النجاسة- أيضاً- مغسولاً؛ فإن المتولي حكى وجهين: أحدهما: يغسل موضع وقوعها فقط.
والثاني: يغسله كله.
وأفهم قوله: غسل كله، أنه لو غسل نصفه مرة، ثم نصفه الآخر مرة أخرى: أنه لا يجزئه، وهو المحكي عن صاحب "التلخيص"، وفي "النهاية" و"الإبانة" و"تعليق" القاضي الحسين والبندنيجي؛ لأن ورود النجاسة مُتَيَقَّن، والغسل على هذه الصفة لا يفيد زوال النجاسة بيقين؛ فإنه لا يمنع تقدير النجاسة على منتصف الثوب، ولو فرض الأمر كذلك لكان الغسل المفروض فاسداً.
وقال صاحب "الإفصاح": إن ذلك يجوز وإن كان الثوب متضمِّخاً بالنجاسة؛ كما قاله القاضي الحسين، ويقال: إنه الأصح في "التهذيب".
وقال الإمام: إنه مزيف، متروك عليه، غير معدود من المذهب، والوجه: القطع بالأول.
قال القاضي الحسين: وهو اختيار القفال، والأصح.
ومن الأصحاب من قال: يتصور غسله في دفعتين بأن يصب [الماء] على أعلى الثوب إلى النصف، ثم [يصبه] على النصف الباقي؛ لأن البلة لا تترادُّ إلى الأعلى؛

فلا تنتشر إليها؛ لأن طبع كلِّ مائِع الانحدارُ.
قال: وهذا غير صحيح.
[والبندنيجي قال: إن خلافه ليس بشيء].
فرع: لو لم يجد ما يغسل به الثوب، ولا شيء معه غيره، صلى عرياناً، ولا إعادة عليه؛ نص عليه في "المختصر" وعامة كتبه؛ كما قال البندنيجي، ولم يَحْكِ الماوردي غيره.
وقال في "مختصر" البويطي مثل هذا، ثم قال: وقد قيل: يصلي فيه [ويعيد.
قال جمهور العراقيين: وهذا ليس قولاً في المسألة، ولكنه] حكاه عن غيره.
والخراسانيون والقاضي أبو الطيب والروياني في "تلخيصه" أخذوا بظاهره، وجعلوه قولاً ثانياً في المسألة.
ومنهم من حكى الخلاف في المسألة وجهين مع وجه ثالث: أنه يتخير بين أن يصلي فيه أو عرياناً.
ثم إذا قلنا بمذهب العراقيين، فاضطر إلى لبسه- لحرٍّ أو برد- صلى فيه، وأعاد على الجديد، وعلى القديم: لا يعيد؛ كما لو صلى وعلى قَرْحَةِ دم يخاف من غسله.
والخلاف في الإعادة جارٍ- على ما حكاه المتولي- فيما إذا قلنا: إنه [لا] يجب عليه أن يصلي فيه عند فقد الخوف.
[والقاضي الحسين قال: إن قلنا: يلزمه لبسه، صلى فيه، وأعاد، إلا على رأي المزني في أن من ترك ركناً أو شرطاً؛ للعجز- لا إعادة عليه.
وإن قلنا: لا يصلي فيه، فهل يصلي قائماً أو قاعداً؟ فيه قولان، أظهرهما: الأول، وعلى هذا: لا إعادة عليه.
وعلى الثاني: هل يضع الجبهة على الأرض أو يدنيها من الأرض؟ فيه وجهان.

وعلى الوجهين يلزمه الإعادة في ظاهر المذهب].
ولو كانت المسألة بحالها، لكن عرف موضع النجاسة من الثوب، فهل يجب قطع موضعها، قال القاضي الحسين والمتولي: إن كان أرش النقص يزيد على أجرة مثله، لم يلزمه، وإلا لزمه.
وقال الشاشي: هذا تعسف؛ فإن الزمان الذي يصلي فيه لا أجرة لمثله حتى يقابل بها الأرض، بل الوجه أن يقابل الأرش بقيمة الثوب؛ فإنه يلزمه ابتياعه بثمن المثل.
قلت: وهذا لا وجه له؛ لأنه إذا ابتاع الثوب، صلى فيه، وبقيت ماليَّته، وبالقطع تزول المالية.
وقد نَجَزَ شرحُ مسائل الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به: أحدها: إذا خفي عليه موضع النجاسة من أرض: فإن كانت واسعة: كالصحراء، صلى في أي موضع شاء منها بغير اجتهاد.
وإن كانت ضيقة، أو كانت النجاسة في بيت- لم يجز أن يصلي فيه حتى يغسله على أصح الوجهين؛ لأنه كالثوب الواحد.
ومقابله: أن يصلي فيه حيث شاء من غير اجتهادٍ؛ كالصحراء؛ كذا قاله أبو الطيب، وكلام البندنيجي يشير إليه.
قال بعضهم: وهذه المسألة شبيهة بما إذا اختلطت أخته بنسوة: فإن كثرن جاز أن ينكح من شاء منهن، وإلا فلا يجوز.
والرافعي قال: إنه هل يجوز أن يجتهد فيه، ويصلي فيما يغلب على ظنه طهارته، أو هو كالثوب إذا وقعت فيه نجاسة لم يعرف موضعها؟ فيه الوجهان، وقال: إنهما جاريان في البساط إذا وقعت فيه نجاسة.
والذي حكاه القاضي الحسين والمتولي فيه: أنه يتحرى في البساط عند كل صلاة إلى أن يبقى من البساط قدر محل النجاسة.

وألحق في "التتمة" البيت به.
ولا خلاف في أن النجاسة لو كانت في أحد البيتين، اجتهد فيهما.
الفرع الثاني: إذا أصاب ثوبَهُ أو بدنَهُ نجاسةٌ، واشتبه عليه محلها، وأصاب بيده المبلولة بعض بدنه أو ثوبه- لم ينجس؛ لأن الأصل الطهارة.
الفرع الثالث: وقد جرت العادة بأن يستعان بالثيران في دَوْس الغلة، وكثيراً ما تبول وتروث، فإذا اتخذ خبزاً من غير غسل الحنطة فهو طاهر، ولا يجب غسل الفم [من تناوله؛ لعدم تحقق النجاسة، والاحتياط غسل الفم]، قاله القاضي الحسين، والله أعلم.

كفاية النبيه شرح التنبيه

الجزء الثالث المحتوى تتمة كتاب الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم

باب استقبال القبلة

سميت [القبلة] قبلة؛ لأن المصلي يقابلها وتقابله، وهي الكعبة، روى البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ركع [في] قُبُل البيت [ركعتين]، وقال:"هذه القبلة"،

وسميت-: كعبة؛ لارتفاعها عن الأرض، ومنه كعبة الرجل.

وقيل: سميت بذلك؛ لاستدارتها وعلوها، وقد بنيت خمس مرات، آخرها بناية الحجاج، وسنوضح ذلك في" [باب] صفة الحج" إن شاء الله تعالى.
وهي المسجد الحرام، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 97]، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لما فرضت الصلاة بمكة يستقبل بيت المقدس؛ كما قاله المتولي وغيره.
وقال الإمام: إنه كان يستقبل الصخرة من بيت المقدس؛ فإنها قبلة الأنبياء قبله، وهذا مروي عن الزهري، ولم يوجد له إسناد صحيح، ومشهور: أن إبراهيم-عليه السلام-كانت قبلته الكعبة، وكذا إسماعيل-عليه السلام-يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:125]. واختلف العلماء [وكذلك أصحابنا] في أنه-عليه السلام-[كان] يستقبل ذلك برأيه واجتهاده أو عن أمر من ربه على قولين: ووجه الأول-قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]. ووجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه﴾ [البقرة: 143]. نعم، هل [كان] ذلك بقرآن أو بغير قرآن؟ أفهم كلام الأصحاب خلافاً فيه، واستدل أبو الطيب على [أنه] كان واجباً بالقرآن بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ الآية [يونس: 87] وكان – عليه السلام-مدة مقامه بمكة يجعل الكعبة بينه وبينها، فيقف بين الركنين اليمانيين، ويستقبل الكعبة وبيت المقدس معاً؛ فيجمع في الاستقبال بين قبلة إبراهيم -عليه السلام-وغيره من الأنبياء -عليهم السلام- فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه ذلك إلا باستدبار الكعبة؛ [لأن المدينة عن يسار الكعبة، فشق ذلك عليه، واختلف في سببه: فقيل: لأنه كان يحب أن يصلي إلى قبلة أبيه إبراهيم -عليه السلام- وهو ما رواه

ابن جرير الطبري بإسناده عن ابن عباس.
وقيل: لأن اليهود-لعنهم الله-قالوا: يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا، وهذا قول مجاهد.
وبعضهم يقول: لأن اليهود-لعنهم الله-قالوا: يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا، وهذا قول مجاهد.
وبعضهم يقول: لأن اليهود عيرته، وقالوا: هو على ديننا، ويصلي إلى قبلتنا.
والأول أقوم، ثم الثاني إن صح فهو مثول بمعنى: أنه على ديننا في القبلة.
ولما شق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل أن يسأل ربه أن يجعل قبلته الكعبة؛ فعرج جبريل لذلك؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء؛ فأنزل [الله] عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [البقرة:144] قال بعضهم: وكان بمسجد بني سلمة، وقد صلى بأصحابه ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزاب فسمي ذلك [المسجد] بمسجد القبلتين.
وقد جاء في البخاري ما يدل على أن ذلك [كان] قبل العصر؛ فإنه قال في حديث البراء: "وصلى، ثم خرج بعد ما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه نحو الكعبة".
[لكن] روى مسلم عن البراء من طريق، [و] عن عبد الله بن عمر: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، [وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة].
وهكذا رواه مالك، والشافعي، والترمذي، وقال:

"وانحرفوا وهم ركوع".
وفي البخاري عن البراء: أن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم ركوع، فقال: أشهد بالله لقد صليت [مع] رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم [قبل البيت].
والجمع بين هذه الرواية وما ذكرناه أولاً: أن تحمل هذه الرواية على أن أول صلاة صلاها كاملة إلى الكعبة صلاة العصر.
وقد اختلف العلماء في أي شهر كان [ذلك]؟ فقيل: كان في رجب قبل بدر بشهرين.
وقيل: بل في شعبان.
وسبب ذلك اختلاف الرواية في مدة صلاته إلى بيت المقدس حين تحول إلى الكعبة، والذي جاء في مسلم أن ذلك ستة عشر شهراً، وفي البخاري ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وروى أبو داود عن قتادة ثمانية عشر شهراً.
وفي رواية شاذة عن معاذ بن جبل ثلاثة عشر شهراً.
واتفقوا على أن ذلك في سنة اثنتين.
قال ابن عباس: وأول ما نسخ من القرآن فيما [ذكر لنا]-والله أعلم- بيان

القبلة، والصيام الأول.
وأول من صلى [إلى الكعبة]، وأوصى بثلث ماله، وأمر أن يوجه إلى الكعبة-البراء بن معرور.
وقد دل كلام ابن عباس على أن استقبال بيت المقدس كان ثابتاً بالقرآن؛ فحينئذ يكون القرآن قد نسخ بالقرآن، ومن قال: إنه كان بالسنة من أصحابنا، قال: أصح قولي الشافعي: أن القرآن ينسخ السنة؛ كذا حكاه أبو الطيب وهو خلاف المنقول عنه في كتب الأصول.
قال: واستقبال القبلة شرط في صحة الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]، وسيأتي بيان معنى الشطر إن شاء الله تعالى، والاستقبال لا يجب في غير الصلاة؛ فتعين أن يكون [المراد] في الصلاة، ويدل عليه من السنة قوله-عليه السلام-للمسيء في صلاته كما سنذكره في "باب فروض الصلاة": "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة، وكبر"، فأمره بالوضوء، والاستقبال، والوضوء شرط إجماعاً؛ فكذلك الاستقبال.
وقيل: إنه ركن، وليس بشرط، وسنذكر وجهه في "باب فروض الصلاة"، وسنذكر من كلام الأئمة في الباب ما يدل على أنه ليس بركن ولا شرط، [بل] واجب مع الذكر فقط.

قال: إلا في شدة الخوف، أي: عند التحام القتال والاضطرار إلى ترك الاستقبال، كما سنبينه في "باب صلاة الخوف"، نعم: لو قدر على أني صلي قائماً إلى غير القبلة، وراكباً إلى القبلة، صلى إلى القبلة راكباً، ولم يجز أن يصلي إلى غير القبلة قائماً؛ لأن استقبال القبلة أوكد من فرض القيام؛ أن فرض القيام يسقط في النافلة مع القدرة من غير عذر، بخلاف فرض الاستقبال.
قال: وفي النافلة في السفر، أي: حيث لا يمكنه التوجه إلى القبلة، فإنه يصليها حيث توجه، أما إذا كان راكباً؛ فلقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]،وروى سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال: نزلت هذه الآية في المتطوع خاصة حيثما [توجه بك] بعيرك.
وروى الشافعي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته [في السفر] حيثما توجهت به.
وروى بسنده عن جابر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي على راحلته النوافل في كل جهة.

وجاء أنه -عليه السلام- كان يسبح على راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه، أخرجه البخاري ومسلم.
قال مسلم: إلا أنه لا يصلي عليها المكتوبة.
وقال البخاري: إلا الفرائض.
وأما الماشي: فبالقياس على الراكب؛ لأن المشي أحد السفرين، وأيضاً: فقد استويا في صلاة الخوف؛ فكذا في صلاة النفل.
والمعنى في جواز ذلك إلى غير القبلة في السفرين؛ كما قال الخضري-: أن بالناس حاجة إلى الأسفار، وهي مظنة المشاق، فلو شرط فيها الاستقبال، لترك الناس التنفل فيها، فعفي عنه؛ كما عفي عن القيام.
[وعكس أبو زيد] ذلك، فقال: ولو لم يجز للناس ذلك، لترك الناس السفر؛ لاشتغالهم بأورادهم.
قال القفال: فانظر إلى فضل [ما بين] الاعتقادين؛ فإن أبا زيد كان رجلاً زاهداً يقدم أمر الآخرة، والخضري كان مشغولاً بأمر الدنيا؛ فكان يصلي كما يصلي الفقهاء في العادة؛ فلهذا قدم أمر الدنيا، وهذا هو المشهور.
وعن الصيدلاني: أنه لا يجوز صلاة العيد والاستسقاء والكسوف على الراحلة، أي: وإن قلنا: إنها سنة؛ لندرتها.
تنبيه: الألف واللام في كلام الشيخ في "السفر" لا للمعهود-وهو السفر الذي يجوز فيه القصر-بل هما لتعريف الماهية؛ فإن السفر الطويل والقصير في هذه

الرخصة سواء عند العراقيين والماوردي؛ عملاً بقوله في "الأم": و"طويل السفر وقصيره سواء"، وهو أصح القولين عند المراوزة؛ لأن المعنى المجوز لترك الاستقبال المشقة اللاحقة [له] بسبب انقطاعه عن السفر، واستكمال النوافل، وهذا موجود في طويل السفر وقصيره؛ كالتيمم، وبهذا فارق القصر.
والقول الثاني: أنه يشترط أن تبلغ مسافة القصر؛ لأنه تغيير ظاهر في الصلاة، وهو ترك استقبال القبلة؛ فهو حري بأن يشبه بالقصر وغيره من خصائص السفر الطويل، وهذا أخذوه من قوله في البويطي: "وقيل لا يتنفل على دابته إلا في سفر يقصر [في مثله] الصلاة".
والعراقيون قالوا: هذا ذكره حكاية عن مذهب مالك، وليس قولاً له، وهو ظاهر اللفظ.
وقال في "التتمة": إنه منصوص في القديم؛ وعلى هذا قال المراوزة: ويشترط أن يكون [له] صوب واحد، فراكب التعاسيف لا يترخص بهذه الرخصة؛ لفقد ذلك في حقه؛ لأنه الذي يستقبل تارة ويستدبر أخرى؛ إذ ليس له صوب ومقصد معين.
نعم: لو كان لمقصده صوب، ولكن لم يسلك طريقاً معلوماً، فقولان.
ثم المراد من السفر الذي هذا حكمه: السفر الذي لا يمكنه معه الاستقبال إلا بمشقة؛ يدل عليه قوله: "وإن كان ماشياً أو على دابة ... " إلى آخره، وحينئذ ينحصر في السفر في البر على الراحلة التي لا محمل عليها يمكن المصلي فيه الاستقبال ونحوه، وهي مقطَّرة، سائرة كانت أو واقفة، وكذا غير المقطرة إذا لمتنك طوعاً له، وبه صرح العراقيون، ومنه يظهر لك الحكم في مسألتين: أحداهما: أن سفر البحر لا يجوز إلى غير القبلة، بل يشترط فيه الاستقبال في جميع الصلاة، كما في الفرض، وبه صرح الأصحاب كافة، وخص الماوردي وصاحب "العدة" بما إذا لم يكن المتنفل مسير المركب، فإن كان سقط عنه

فرض التوجه وصلى إلى جهة مسيره، ثم غير المسير يجو له أن يصلي الفريضة فيها قائماً إن استطاع، واقفة كانت أو سائرة، وينحرف إلى جهة القبلة عند انحرافها في أثناء صلاته.
ولو هبت ريح، فحولت السفينة، فتحول بها [وجه المصلي عن القبلة- لم تبطل صلاته.
قال القاضي الحسين: وهذا بخلاف ما لو حول شخص وهجه عن جهة القبلة فنها تبطل]؛ لأن ذلك نادر، وهو في السفينة غالب.
وغيره قال: أما إن أمال قاهر المصلي عن القبلة، فإن كثر بطلت صلاته؛ لأنه يندر، وإن قل فوجهان.
قال الغزالي: وهذا بخلاف جماح الدابة؛ [فإن الظاهر] أنه إذا حدث ذلك لا تبطل صلاته؛ لأنه عام.
وما ذكرناه من جواز إقامة الفريضة في السفر في البحر لا يختص بالسفر؛ بل يجوز لمن هو مقيم ببغداد وغيرها، وكذا في الزوارق-وهي المراكب اللِّطاف-إذا كانت مشدودة مع الوفاء بإتمام الشرائط والأركان وتحرك الزورق تصعداً أو تسفلاً كتحرك السرير وغيره تحت المصلي.
نعم، لو كانت سائرة، فهل يصلي الفريضة فيها مع تمام الاستقبال والأفعال؟ قال الإمام: فيه تردد ظاهر واحتمال؛ فإن الأفعال تكثر بجريان الزورق، وهو قادر على دخول الشط وإقامة الصلاة، فليتدبر الناظر ذلك.
الثانية: أن الراكب على ظهر بعير أو دابة أو بغل أو حمار، في كنيسة أو محمل ونحوهما على صفة يمكنه التوجه إلى القبلة، ويتسع له الركوع، والسجود بجبهته-يكون التوجه في حقه شرطاً، [وعليه ينطبق] قول البندنيجي: إن التنفل عليها كالتنفل في المركب.
وحكى الماوردي والقاضي الحسين وجهاً آخر: أنه لا يلزمه ذلك؛ لأن فيه إضرار بركوبه.

وابن كج حكاه عن النص.
وعلى هذا يكون كالراكب في غيره.
وفي "حلية الشاشي": أن الأول هو الصحيح، ولا يجوز له أداء الفرض عليها في محمل ولا غيره وإن تمكن من القيام أيضاً؛ كما حكاه الشيخ أبو حامد، وفرق بينه وبين المركب حيث يجوز له إقامة الفريضة فيها: بأن السفينة لا اختيار لها؛ فلا يخشى فيها الانحراف عن جهة القبلة، وللبهيمة اختار، وتسير بنفسها؛ فلا نأمن الانحراف.
والبغوي فرق: بأن سير الدابة منسوب إلى راكبها؛ بدليل أنه يجوز الطواف عليها، بخلاف السفينة؛ فإنها كالدار يقام فيها.
وهذا فيه نظر؛ لأنه لو فرض سيل حول الكعبة حتى ركب شخص في شيء فيه وطاف، لم يظهر إلا صحة طوافه، وحينئذ فلا فرق.
والقاضي الحسين فرق: بأن العادة جارية بأن الشخص يبقى في السفينة شهراً أو دهراً؛ فجعلت في حقه من البحر كالبيت من الدار في حق البري، وما جرت العادة بأن يبقى على ظهر الدابة أكثر من يوم أو نصف يوم.
وهذه الطريقة لمي حك الإمام غيرها موجهاً لها بأن الدابة لا تراد للاستقرار، وهو معنى كلام القاضي.
وطرد لأجل ذلك المنع في صلاة المكتوبة على الأرجوحة المربوطة بالحبال؛ فنها لا تعد في العرف مكان التمكن، وهو مأمور بالتمكن والاستقرار.
وحكى ابن الصباغ عن القاضي أبي الطيب أنه قال: يجوز فعل الفريضة على الراحلة الواقفة إذا تمكن من تمام الاستقبال، والركوع والسجود والقيام؛ كما يجوز فعلها على سرير يحمله أربعة؛ وهذا ما جزم به القاضي الحسين، والبغوي، وغيرهما، وقالوا: لو كانت الدابة سائرة، فهل يجوز فعلها عليها؟ فيه وجهان.
وقضية قياس القاضي الحسين على السرير: أنه لا خلاف فيه، والذي أورده [الإمام] فيه: المنع.
والبغوي أجرى الوجهين في الصلاة عليه إذا كانوا سائرين به.

وإذا جمعت ما قيل في الصلاة المكتوبة على المحمل ونحوه على الدابة واختصرت، قلت: فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كانت واقفة جاز، وإن كانت سائرة فلا.
والمنصوص عليه في "الإملاء": المنع.
قال: فإن كان، أي: المسافر ماشياً، أو على دابة-أي: سائرة-يمكنه توجيهها إلى القبلة، أي: مثل أن يكون زمامها بيده، وهي طوع-لم يجز حتى يستقبل القبلة في الإحرام والركوع والسجود.
وهذا الفصل مسوق لباين ما هو مستثني من كلامه الأول، وبه يعرف صحة ما أسلفناه من بيان مراده، وهو ينظم مسألتين: الأولى: الماشي في السفر إذا أراد التنفل، لم يجز حتى يستقبل القبلة في الإحرام والركوع والسجود؛ لأن المعنى الذي لأجله لم يجب الاستقبال في النافلة المشقة في الانقطاع عنه، وزمن هذه يسير؛ فلا مشقة فيه تلزمه؛ وهذا ما أورده العراقيون والبغوي والفوراني والمتولي.
قال بعضهم: وهو ما لم يختلف المذهب فيه.
قال البندنيجي: وعليه نص في القديم و"الإملاء"؛ فكأنه اعتبر أن يتوجه إلى القبلة في كل ركن يفتتح بالتكبير.
قلت: وفي قول بعضهم: إن هذا مما لم يختلف المذهب فيه، فيه نظر؛ لما ستعرفه من تفريع ما خرجه ابن سريج أو غيره، وقيل: إنه منصوص للشافعي.
وإن خرجت على ظاهر قوله في "الوسيط": "إن حكم الماشي في الاستقبال حكم راكب بيده زمام الناقة"-لم يحتج إلى نظر، بل نقول: هذا غير صحيح؛ لأن في استقبال الراكب خلافاً يأتي، لكن هذا من الغزالي ليس يجري على إطلاقه، بل هو محمول على أنه لا يشترط في حق الماشي الإتيان بالركوع والسجود بالفعل، بل بالإيماء، كما هو وجه-أو قول-ستعرفه، وبذلك صرح الإمام، وألا فلا خلاف في طريقهم: أن الراكب لا يلزمه الاستقبال فيما عدا تكبيرة الإحرام والسلام، وفي تكبيرة الإحرام والسلام خلاف، والظاهر في الماشي اشتراط الاستقبال في حال تكبيرة

الإحرام؛ [هذا ملخص ما في "الرافعي"].
ثم الماشي يجب عليه أن يركع مطمئناًّ، ويسجد على الأرض كذلك؛ لأنه يتيسر عليه، بخلاف الراكب في [غير] محمل ونحوه؛ كما سنذكره-ولا يجب عليه الجلوس للتشهد عند العراقيين والمتولي، وهو ظاهر المذهب عند الرافعي؛ لطول زمانه، كالقيام وعن الشيخ أبي محمد حكاية نص عن [الشافعي]: أنه يلزمه أن يقعد فيه، ويسلم، ولا يمشي إلا في حال القيام، وبه قال الإمام ومن تبعه، وحكى هو وغيره عن ابن سريج تخريج قول: أنه لا يلزمه شيء من ذلك، ويقتصر على الإيماء في الركوع والسجود، كي لا يتعطل مقصود السفر، ويحكي هذا عن القفال أيضاً، ويقال: إنه وجد منصوصاً للشافعي، والمشهور في كتبه: الأول.
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه لا [يجب عليه] الاستقبال فيما عدا الأحوال الثلاثة؛ وهذا ما حكاه ابن الصباغ.
وفي "حلية" الشاشي و"الحاوي": أنه يجب عليه-أيضاً- في حالة الجلوس بين السجدتين، وهو قضية قول البندنيجي السالف، فكأنه اعتبر أن يتوجه إلى القبلة في كل ركن يفتتح بالتكبير، وخالف هذا القيام عند الرفع من الركوع حيث لا يشترط فيه الاستقبال، فإن مشى القائم يسهل [عليه]؛ فسقط عنه التوجه فيه؛ ليمشي فيه شيئاً من سفره قدر ما يأتي بالذكر المسنون فيه، ومشى الجالس لا يمكن إلا بالقيام، وقيامه غير جائز؛ فكان عليه التوجه فيه؛ كذا قاله في "التهذيب" وغيره، وقد حكينا عن رواية الشيخ أبي محمد عن النص: أنه يجلس حال تشهده؛ وعلى هذا يستقبل القبلة، وبه صرح الرافعي وغيرهن وإذا قلنا به فلابد من الاستقبال حال السلام، وإذا قلنا بمقابله، فلايحتاج إلى الاستقبال حال التسليم.
وفيه وجه حكاه الماوردي عن البصريين من أصحابنا: أنه يلزمه الاستقبال فيه كما لزمه حال تبكيرة الإحرام؛ قياساً على النية، وهو ضعيف.

والفرق بينه وبين وجوب النية في السلام: أن السلام بصورته مناقض للصلاة، فيفتقر إلى صارف يصرفه إلى مقصود الصلاة والتحلل؛ فاعتبرت النية صارفاً، وهذا لا يتحقق في الاستبدال.
وإذا قلنا بأنه يكفيه الإيماء كان حكم الماشي في حكم الاستقبال، حكم راكب بيده الزمام كما تقدم.
المسألة الثانية: الراكب على دابة يمكنه توجيهها إلى القبلة يلزمه الاستقبال في الإحرام والركوع والسجود فقط؛ لما ذكرناه في الماشي؛ وهذا ما صدر به الروياني كلامه في "التلخيص"، وحكاه القاضي أبو الطيب وجهاً في المسألة، وعليه ينطبق قول البندنيجي: إنه إذا كان على دابة سهلة تطيعه، كان استقباله كالماشي.
قال أبو الطيب: والصحيح: أنه لا يلزمه الاستقبال إذا كانت جهة سيره إلى غيره القبلة؛ لأن في تحويل الدابة عن جهة سيره مشقة.
وفي "الشامل": أن هذا الراكب هل يلحق بالماشي حتى يستقبل القبلة حال الإحرام، أو لا يلزمه [شيء من] ذلك؟ فيه وجهان.
وهذا يفهم أن الخلاف في وجوب الاستقبال حال الإحرام فقطن وبه صرح الماوردي، ونسب القول بعدم الوجوب إلى البصريين، وصححه، وقال في "المهذب": إنه المذهب.
ونسب مقابله إلى البغداديين، وعليه نص في "الأم"، وصححه الروياني؛ لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، وكبر، ثم صلى حيث كان وجهه ركابه، رواه أحمد في مسنده وأبو داود.
وقال ابن الصباغ: والقياس على هذا: أنه مهما دام واقفاً فلا يصلي إلا [إلى القبلة]، فإذا أراد السير انحرف إلى طريقه؛ وهذه الطريقة مذكورة في "التتمة" مع أخرى قاطعة بالوجوب؛ لأنه قال: لا خلاف [في] أنه ليس عليه أن يصرف وجه الدابة إلى القبلة في شيء من أركان صلاته غير التكبير، [فأما حالة التكبير] هل

يلزمه ذلك أم لا؟ قال الشافعي في موضع: يفتتح الصلاة إلى القبلة.
وفي آخر: إن كان وجه الدابة إلى القبلة يفتتح الصلاة إلى القبلة، وإن كان وجهها إلى الطريق يفتتح إلى الطريق، وإن لم يكن وجهها إليهما، واختلف الأصحاب: فمنهم من قال: المسألة على قولين: أحدهما: ليس عليه استقبال القبلة [وقت التكبير]؛ كما في باقي الأركان.
والثاني: يجب؛ لأنها حالة العقد؛ فيعتبر فيها وجود الشرائط، ثم يجعل ما بعدها تابعاً لها، كما قلنا في النية.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين: إن كان زمام الناقة ولجام الفرس في يده، فعليه أن يستقبل حالة الافتتاح؛ لأنه لا يشق عليه ذلك، وإن كانت الجمال مقطرة، وهو راكب واحداً منها، فلا لأن ذلك يشق.
والقاضي الحسين قال: إن كان وجه دابته إلى غير جهة سيره وإلى غير القبلة، فلا بد من توجيهها إلى القبلة حالة الإحرام، وإن كان وجهها إلى جهة سيره، وليست جهة القبلة، فقد نص في موضع على أنه يلزمه الاستقبال عند الافتتاح، وفي آخر: على أنه لا يلزمه ذلك.
واختلف الأصحاب في ذلك على طريقين هما المذكوران في "التتمة".
وفي "الوسيط" في وجوب الاستقبال في ابتدءا الصلاة أربعة أوجه، ثالثها: إن كان العنان بيده، وجب الاستقبال، وإن كانت مقطرة فلا، والرابع: إن كان وجه الدابة إلى القبلة، فلا يجوز تحريفها عنها، وإن كان إلى الطريق [فلا يلزمه تحريفها] إلى القبلة، وإن كان إلى غيرهما، فلابد من التحريف، فليحرفها إلى القبلة، ثم إلى جهة سيره.
قال: ثم من اشترط الاستقبال حال الإحرام، تردد في وجوبه في وقت السلام كما في النية، وقد تقدم الرد على ذلك.
ولا يلزم المتنفل الراكب في غير محمل ونحوه تحقق الركوع والسجود، بل يومئ بهما، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ولو تمكن من أن يمس جبهته شيئاً من

إكاف الدابة ونحوه، لم يلزمه؛ لأن نزغات الدابة لا تؤمن.
وللإمام احتمال في اشتراط الانحناء إلى حيث يساوي الساجد على الأرض.
قال: والظاهر ندي أنه لا يتعين؛ لما ذكرناه من التعليل.
ولو قيل: ينحني إلى حيث لا يتوقع ذلك في حال الغفلات، لم يبعد.
تنبيه: الألف واللام في "الصلاة" في قول الشيخ: "شرط في صحة الصلاة"، لاستغراق الجنس؛ فلهذا حسن بعده الاستثناء، وهو يقتضي مع الاستثناء أن الاستقبال شرط فيما عدا ما استثناه، وحينئذ يدخل فيه صور، ننبه على ما قد يخفى منها.
فمنها: المحرم إذا خاف إن صلى فوت الوقوف، وإن مضى ليقف بعرفة خرج وقت الصلاة، لا يصلي إلى غير القبلة ماشياً، بل قوله:"ولا يعذر أحد من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن الوقت ... " إلى آخره يقتضي أنه يصلبها في الوقت وإن فاته الوقوف.
وللأصحاب [في المسألة] ثلاثة أوجه ذكرتها في صلاة الخوف.
ومنها: النافلة في الحضر لابد من الاستقبال فيها كما في الفريضة.
وعن الإصطخري أنه جوزها على الراحلة ونحوها إلى حيث تتوجه إذا كانت سائرة؛ للحاجة إلى ذلك.
ويقال: إنه كان يفعله في صكوك بغداد وهو محتسب بها.
وحكى البندنيجي والروياني عنه: أنه جوز ذلك للماشي في الحضر أيضاً.
وقال القاضي الحسين: تنفل الماشي في الحضر يترتب على الراكب، فإن قلنا [ثم]:لا يجوز، فالماشي أولى، وألا فوجهان.
والفرق: أن الماشي يمكنه أن يدخل إلى المسجد، ويصلي فيه من غير ضرر يلحقه، بخلاف ما لو كان راكباً.
والجواز في الحالين هو مختار القفال، كما حكاه في "التتمة".
وقال الشيخ أبو محمد: إن القفال كان يختار جواز التنفل على الراحلة إن كان

يستقبل القبلة في جميع صلاته، وألا [فلا يجوز].
قال الإمام: وهذا يلتفت إلى أن المتنفل القادر على القيام له أن يتنفل مضطجعاً، والمذهب: المنع.
أما إذا لم يكن المقيم في البلد سائراً، فقد أفهم كلام بعضهم أنه لا يجوز بلا خلاف على مذهب الإصطخري.
وكلام الإمام كالصريح [في] أنه لا يشترط على هذا المذهب أن يكون سائراً كما لا يشترط ذلك في المسح على الخفين يوماً وليلة في الحضر، ون كان الترخص بالمسح شرع إعانة للسائر على مقاصده.
ومنها: الغريق على لوح يخاف إن توجه إلى القبلة غرق، والمربوط على خشبة إلى غير القبلة، والمريض العاجز عن الحركة إذا لم يجد من يوجهه إلى القبلة-أن الاستقبال في حقه في [النفل والفرض] شرط.
وقد قال الرافعي: إن من هو على اللوح في اللجة كمن هو في شدة الخوف، وكذا سائر وجوه الخوف [ملحقة] به، وليس القتال معنيًّا لعينه، وإنما المعتبر الخوف.
وأما المربوط والمريض الذي لا يقدر على التحول فهو معذور؛ فلا يكلف بما ليس في وسعه؛ [الأجل هذا] قال بعض الشارحين: ينبغي أن تستثني هذه الأحوال من كلام الشيخ.
قلت: وليس الأمر كذلك؛ فإن المنقول في المربوط إلى غير القبلة: أنه يلزمه الإعادة، وهو المشهور في الغريق إذا صلى إلى غير القبلة أيضاً والمريض، ولزوم الإعادة يدل على أن الاستقبال شرط؛ إذ لو لم يكن شرطاً لما لزمته الإعادة، كما في صلاة شدة الخوف، ويشهد لذلك أن الطهارة لما كانت شرطاً حال وجود الماء أو التراب وعدمهما، ألزمناه الإعادة عن فقد الماء والتراب، ولما لم تكن السترة شرطاً حال عدمها، لم تلزمه الإعادة إذا صلى عرياناً؛ للعدم على الصحيح.

وفي "التتمة": [أن من الأصحاب] من قال في الغريق: إذا صلى على اللوح إلى غير القبلة، في الإعادة قولان بالنقل والتخريج.
ومنهم من قطع بالإعادة كما في المربوط على خشبة.
وحكى في "الإبانة" الطريقة الأولى وطردها فيما إذا صلى إلى القبلة أيضاً.
والمريض العاجز، منهم من ألحقه بالغريق.
ومنهم من قال: تجب الإعادة قولاً واحداً؛ لندرته؛ حكاها المتولي وشيخه.
ومنها: من خاف فوت الرفقة أو على ماله-فقد قال الأصحاب: إنه يصلي على حسب حاله، ويعيد.
وقال القاضي الحسين: هل يعيد؟ يحتمل وجهين.
ومنها: صلاة الجنازة في الحضر والسفر؛ لأنها فرض كفاية، وعليه نص في "الأم"، ومنه يؤخذ أنه لا يجوز فعلا على الراحلة؛ إذ لو جاز لم يشترط فيها الاستقبال، وهو الصحيح.
والغزالي وجهه بأن معظم أركانها القيام، ومقتضاه: أنه [لو تمكن] من القيام عليها أن يجوز، خصوصاً إذا قلنا: إن فعل الفريضة على الراحلة [إذا تأتَّى الإتيان بجميع شرائطها وأركانها تامةً-يجوز.
وقد قال الإمام ها هنا: الظاهر الجواز.
وإن قال في الفريضة: إنه لا يجوز مطلقاً.

وحكى ابن الصباغ عن صاحب "التقريب" جواها على الراحلة] مطلقاً إذا لم يتعين عليه، وهو قول البصريين؛ كما قال الماوردي.
وفيه وجه آخر: أنه يجوز وإن تعينت.
ومنها: الصلاة المنذورة وهو المحكي عن نصه في "الأم"، والأصحاب قالوا: هو جواب على أن لانذر كواجب الشرع، كما هو الصحيح.
أما إذا قلنا: إنه كجائزه؛ فتجوز على الراحلة، كما في النفل.
وفي "الرافعي" حكاية وجه آخر: أنه إن أوجبها وهو بالأرض لا يصليها على الراحلة، وإن أوجبها وهو راكب أجزأه فعلها على الدابة.
ومنها: ركعتا الطواف، وذلك ظاهر، إذا قلنا: إنهما [فرض، أما إذا قلنا: إنهما سنة]، فقد قال الرافعي والمتولي والفوراني: إنه يجوز فعلهما على الراحلة.
والذي رأيته لغيرهم: أنه لا يجوز- أيضاً-[لفقد السير حال] الإتيان بهما مع كونه في البلد، والأصحاب متفقون على أنه لايجوز للمسافر وهو في البلد أن يتنفل على الدابة في حال سكونه، بل لو قدم بلداً أو قرية وهو في أثناء الصلاة على

الراحلة، ينزل ويبني على صلاته، سواء كان البلد مقصده أو في طريقه.
نعم: لو كان البلد طريقه، ولا أهل له فيه ولا مال، ولم يقف للنزول، بنى عليها؛ لأنه [مسافر سائر]؛ فكان جوف البلد كالصحراء؛ وهذا بخلاف ما لو وصل إلى مقصده؛ فإنه لا يجوز له الإتمام على الدابة وإن كان سائراً؛ لأن سفره انقطع؛ فينزل، ويتم صلاته إلى القبلة كالمقيم.
وإن كان له في البلد الذي مر به أهل أو مال، فهل يكون كوصوله إلى مقصده؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين" جاريان في أنه هل يقصر فيه أم لا؟ وقالوا: لو أنه وقف في أثناء الطريق للاستراحة أو لانتظار رفقة-لزمه الاستقبال ما دام واقفاً، فإن سار بعد ذلك، نظرت: فإن كان سيره لأجل سير الرفقة، أتم صلاته إلى جهة سفره، وإن كان هو المختار لذلك من غير ضرورة، لم يجز [أن يسير] حتى تنتهي صلاته؛ لأنه بالوقوف قد لزمه فرض التوجه.
وإذا [قد] عرفت أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة إلا ما استثنى، فاعلم: أنه واجب في جميع الصلاة، فلو ولاها ظهره في شيء منها عمداً، بطلت صلاته، وإن انحرف عنها يميناً وشمالاً، فكلام الشافعي [الآتي] يدل على أنها لا

تبطل إن لمي تعمد ذلك، بل وقع منه سهواً، والذي ذكره العراقيون: أنها [لا تبطل، طال زمن] استدباره لذلك أو قل، لكنه إن طال سجد للسهو، وإن لم يطل فلا يسجد.
وحكى المراوزة في البطلان ند طول الفصل وجهين، أصحهما البطلان، وهو الذي ذكره الصيدلاني وصاحب "التهذيب"، وقال القاضي الحسين: [إن عليه نص] الشافعي.
ووجهه بأن الصلاة لا تحتمل [الفصل] الطويل، وهذا من [كلامهم] يدل على أنه في حال عدم استقبال القبلة ساهياً ليس في الصلاة، ومنهي ظهر أن قول من قال: إن الموالاة في الصالة ركن- ما ستعرفه-غير صحيح.
والخلاف في البطلان في هذه الصورة مشبه عندهم بالكلام الكثير ناسياً، وسيأتي مثلها عن حكاية الماوردي في نظير المسألة.
ولو كان المُحَرِّف له عن القبلة غيره قهراً: فإن طال الزمان، بطلت، وإن قصر، فوجهان، أصحهما: البطلان.
والفرق بني السهو وقهر الغير: أن النسيان مما يكثر ويعم، والإكراه في مثل ذلك يندر؛ ولهذا قلنا: لو أكره على الكلام في صلاته تبطل على الصحيح، بخلاف النسيان.
ثم جهة مسير المتنفل راكباً وماشياً إذا اكتفينا بها عن جهة القبلة مقامة في حقه مقام القبلة في حق غيره مطلقاً- على وجه- حتى لو عدل عنها إلى جهة القبلة عمداً تبطل صلاته، حكاه في "التتمة"، وصورة ذلك ما إذا أدار وجهه إلى دبر الدابة.
وهذا الخلاف أبداه القاضي الحسين في "فتاويه" احتمالين.
والمشهور: [أن] عدوله إلى جهة الكعبة لا يقدح في صلاته؛ لأن ذلك هو الأصل وترك رفقاً به، فإذا عدل إليه لم يضره.
نعم: لو عدل [عن جهة سيره، ولست جهة القبلة، فالأمر كما لو عدل عن القبلة

إلى غيرها] إن فعل ذلك عمداً-قال الشافعي-:بطلت صلاته، كما إذا ولى ظهره القبلة.
قال أبو الطيب: وهذا يدل على أنه إذا انحرف يميناً وشمالاً لا تبطل.
وإن لم يتعمده، بل فعله ساهياً أو جاهلاً بالطريق، لم تبطل عند العراقيين، طال الزمان أو قصر.
[قال الشافعي: ويسجد للسهو إن طال زمن ذلك دون ما إذا قصر].
وقال المراوزة: في بطلان صلاته عند طول الفصل القولان: فإن قلنا: لا تبطل، سجد للسهو، وكذا عند قصر الفصل؛ لأن فعل ذلك عمداً يبطل، فاقتضى سهوه السجود.
وغلبة الدابة له بحيث أمالته عن جهة سيره عند الشيخ أبي حامد وأتباعه كالنسيان.
وقال الماوردي: إن عدلت به عن جهة مسيره إلى جهة القبلة، فهو بالخيار بين [أن يبقيها وبين أن يردها إلى جهة [سيره].
ولو عدلت به إلى غير جهة القبلة، فهو بالخيار بين أن يردها إلى جهة القبلة أو إلى جهة] مقصده، فإن عدل إلى إحدى الجهتين في الحال، أجزأته صلاته، وفي سجود السهو وجهان.
وإن لم يردها إلى إحدى الجهتين مع القدرة، بطلت، ومع العجز: إن قصر الزمان، لم تبطل، وفي السجود وجهان، وإن طال، ففي البطلان وجهان، كما في الكلام الكثير ناسياً.
والغزالي جعل جماح الدابة عن جهة قصده بمنزلة إحالة الشخص عن القبلة، فقال: إن طال الزمان، بطلت صلاته، وإن قصر، ففي البطلان وجهان.
وقال الإمام: الظاهر عدم البطلان؛ فإن نفرة الدابة وجماحها مع ردها على قرب مما يعم وقوعه، وتظهر البلوى به، ولو قضينا ببطلان الصلاة بقليل ذلك؛ لأثر هذا في قاعدة الرخصة.

وأما صرف الرجل الرجل عن [جهة] القبلة فنادر، لا يعهد وقوعه إلا في غاية النذور، ولهذا قطع الأئمة بأن جماح الدابة في زمان قريب لا يبطل الصلاة، ولم أر ما يخالف هذا للأصحاب.
قال الرافعي: وأنت إذا تصفحت كتب الأصحاب وجدت الأمر كما قال، وإذا جمعت بين كلام الماوردي والغزالي واختصرته، قلت: في بطلان صلاته [عند] انحرافه عن جهة سيره بسبب جماح الدابة [ثلاثة أوجه]، ثالثها: إن طال [الفصل] أبطل، وألا فلا.
وإذا قلنا: لا يبطل، فهل يسجد للسهو؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها- وهو ما اختاره الصيدلاني، ومال إليه الإمام [لا يسجد]؛ لأن سجود السهو لا يثبت إلا عند سهو المصلي بترك شيء أو فعل شيء، ولم يوجد من المصلي شيء.
والثاني: يسجد؛ لجبر ما وقع من خلل [في] صلاته.
والثالث: إن طال الفصل سجد، وألا فلا، وهو ما حكاه الشيخ أبو حامد عن النص.
قال: والفرض في القبلة إصابة العين- أي: عين الكعبة-لقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:144]، أي: نحوه، وجهته، قال الشاعر: ألا من مبلغِّ عمراً رسولاً وما تغني الرسالة شطر عمرو أراد: نحو عمرو، وتقول العرب: شاطرنا بيوت بني فلان، أي: حاذينا البيوت.
وحديث البخاري الذي قدمناه في أول باب يدل عليه، ويدل-أيضاً-على أن استقبال الحجر وإن ثبت بالسنة أنه من البيت [لا] يكفي، وهو أصح الوجهين في

"الحاوي" وقد قال القاضي أبو الطيب في كتاب الحج: إن الحنفية قالوا: إن ذلك مجمع عليه بيننا وبينهم.
قال: وهذه المسالة لانعرف عن الشافعي ولا عن أحد من أصحابنا نصًّا فيها؛ فيحتمل ألا نسلمه، وإن سلمناه، فنقول: إنما لم يسقط الفرض عن المصلي بالتوجه إليه؛ لأن قدر الخارج من البيت مختلف فيه؛ لما اختلف فهي قلنا: لا يسقط الفرض عن المصلي إلا بيقين، وهو أن يتوجه إلى البنية.
قلت: وهذا التوجيه فيه نظر؛ لان الكلام فيما اتفقت الروايات على أنه من البيت إذا استقبله لا ما وقع الاختلاف فيه.
نعم: العلة الصحيحة ما قالها الماوردي: أن الحجر ليس ثابتاً من البيت قطعاً وإحاطة، وإنما هو بغلبة الظن؛ فلم يجز العدول عن [اليقين] والنص لأجله.
ثم إصابة عين الكعبة تتحقق بمقابلة كل البدن لها، وهل يكفي مقابلتها [ببعض البدن؟ ينظر:] فإن كانت المقابلة ببعض العرض في كل الطول؛ بأن وقف مقابلة بعض الأركان، وبعض بدنه خارجاً عن سمتها-فهل يصح؟ حكى القاضي الحسين فيه قولين كالقولين فيمن لم يقابل الحجر بجميع بدنه في ابتداء الطواف: هل [يعتد به] أم لا؟ والذي ذكره الروياني في "تلخيصه": أنه لا يكفي، وهو ما حكى الإمام عن الصيدلاني القطع بهن والأصح في الرافعي.
[و] إن كنا الاستقبال بكل العرض لكن ببعض الطول، مثل: أن وقف داخل الكعبة [واستقبل ما شخص من العتبة]، والباب مفتوح، ففيه-أيضاً- خلاف بين الأئمة، والذي حكاه بعضهم عن الشيخ أبي حامد: أنه يكفي، سواء كان الشاخص قدر مؤخرة الرحل أو دونه.
وحكى الإمام عن رواية العراقيين وجهاً: أنه لا يكفي ما لم يكن ما يستقبله قدر قامة المصلي.

[قال: وهو منقاس حسن.
ورأيت في "زوائد العمراني": أن الطبري قال في "عدته": هل يشترط أن يكون الشاخص بقدر قامة المصلي؟] فيه وجهان ذكرهما أبو حامد: أحدهما: نعم؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لا يكون مستقبلاً بجميع بدنه.
والثاني: لا يشترط، بل إذا كان قدر مؤخرة رحل البعير جاز، ودونه لا يجوز، وهذا هو المشهور، ولم يذكر المسعودي غيره.
ومؤخرة الرحل، سنذكر عند الكلام في المرور بين يدي المصلي حدها.
و [القاضي] أبو الطيب رأى [أن] المعتبر قدر ذراع، فلو نقص عنه لم تصح صلاته، ولم يحك سواه؛ لاعتقاده أن مؤخرة الرحل ذراع، والقائلون بهذا الوجه، قال الإمام: كأنهم راعوا في هذا القدر أن يكون [في] سجوده يسامت بمعظم بدنه ذلك الشاخص، لكنه فيه شيء؛ من جهة أنه في حال قيامه خارج بدنه عن مسامته ذلك الشيء، وقد تردد الأصحاب في الخروج ببعض البدن عن المحاذاة، ولكن هؤلاء نزلوا هذا منزلة ما لو استعلى الواقف والكعبة أسفل منه، ومع هذا ففيه نظر، فإن جميع الكعبة إذا تسفل، فهو القبلة بلا مزيد؛ فينزل عليه اسم الاستقبال، وهذا الشاخص في حق الواقف أمامه جزء من الكعبة، وفيه من تبعيض الأمر في المحاذاة ما ذكرناه.
[وجميع] ما ذكرناه في العتبة جار كما قال الأصحاب فيما إذا صلى على ظهر الكعبة وبين يديه سترة متصلة.
وقال الإمام: إننا إذا اعتبرنا قدر قامة المصلي؛ فيجب طرده في اعتبار عرضه أيضاً.
قال: فمن قرب منها، لزمه ذلك-أي: إصابة العين- بيقين؛ لقدرته عليه، ولا يسوغ له الاجتهاد، كما لا يسوغ لمن قدر على النص في واقعة أن يجتهد فيها؛ لاحتمال تطرق الخطأ إليه.

ثم اليقين تارة يحصل بالمشاهدة حال دخوله في الصلاة، وتارة يكون بعلمه ذلك بالمشاهدة قبل الدخول، فإن لم توجد المشاهدة حال دخوله في الصلاة؛ لظلمة ونحوها، وقف في موضع وقوفه حال المشاهدة.
قال: ومن بعد عنها، لزمه ذلك بالظن في أحد القولين؛ لأن المطلوب في المكان القريب والبعيد واحد؛ قال الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]،وقد ثبت بذلك أن فرض القريب من الكعبة التوجه إلى عينها؛ فكذا فرض البعيد، لكن [القريب] يمكنه اليقين؛ فلزمه، والبعيد لا يمكنه اليقين؛ فتعين الظن، وهذا ما نص عليه في "الأم"، واختاره البغوي، وهذا [الظن طريق] تحصيله عند عدم مخبر بالمشاهدة-الاجتهاد.
قال: و [في] القول الآخر الفرض لمن بعد الجهة؛ لقوله عليه السلام: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" أخرجه الترمذي، وقال: إنه حسن صحيح.

ولأنه لو كان فرضه العين، لما صحت صلاة الصف الطويل؛ لأن فيهم من يخرج عن العين لو مد خيط مستقيم من عين الكعبة إليه، وهذا ظاهر ما نقله المزني؛ ولأجله قال بعضهم: إنه الجديد، واختاره في "المرشد".
وقال الشيخ أبو حامد وأتباعه: [إنه] لا يعرف للشافعي، وإنما [هو] مذهب للمزني وجهة القبلة لمن هو بمصر ما بين المشرق والمغرب، فإذا جعل المصلي المشرق على يساره والمغرب على يمينه كان مستقبلاً جهتها.
وقد أجاب القائلون بالأول عن الخبر بما قاله [ابن الصلاح]: أنه قيل: إنه موقوف على عمر.
قال: وهو المشهور، والصف الطويل إنما صحت صلاتهم عند البعد عن الكعبة؛ لأن مع البعد يتسع الصف المحاذي؛ فنه لو اشتعلت نار على رأس جبل، ووقف جماعة يهم كثرة على بعد منها؛ فإن كلا منهم يرى النار في محاذاته، ولو مد من موضعه خيطاً إليها تهيأ.
وهذا الجواب كلام الإمام يأباه، فإنه قال: لو وقف صف في آخر المسجد بحيث لو قاربوا الكعبة يخرج بعضهم عن السمت، صحت صلاة جميعهم، بخلاف ما لو كانوا بالقرب من الكعبة؛ فإنه لا تصح صلاة من خرج عن سمتها.
قال: مع أنا نعلم بالقطع أن حقيقة المحاذاة لا تختلف بالقرب والبعد: فتعين أن يكون المتبع في ذلك وفي نظائره حكم الإطلاق والتسمية لا حقيقة المسامتة، فمن يطلق عليه اسم الاستقبال عند البعد تصح صلاته، وإن كان لو قرب يخرج عن السمت.
قال: وعلى ذلك بنى الشافعي تفصيل القول في الصلاة على ظهر الكعبة، فقال: إن لم يكن على طرف السطح شيء شاخص من بناء الكعبة- لا تصح صلاته؛ فإن من علا شيئاً لا يسمى مستقبلاً، [ولو وقف على أبي قبيس، فالقبلة مستقلة]

عن موقفه، وصلاته صحيحة؛ لأنه يسمى مستقبلاً.
وقال بعضهم: إنما صحت صلاة الصف الطويل؛ لأنه لم يتعين الخارج منه عن السمت.
وإلى هذا يميل كلام ابن الصباغ؛ لأنه قال بعد حكاية صحة صلاة الصف الطويل: وهذا لعمري يكون مع [تقوس الصف، فأما مع] الاستواء فلا يمكن المحاذاة، وإنما طريقه الظن، فإذا لم يتعين المخطئ؛ فلا يجب على واحد القضاء.
قلت: وقول ابن الصباغ "وهذا لعمري يكون مع تقوس الصف" مؤذن بأن محل الكلام إذا كان بمكة، وألا فلا معنى للتقوس.
وقوله: "إن مأخذ الصحة عند الاستواء الظن"، فيه نظر؛ لأنه يلزم منه ألا تصح صلاة من في [آخر] الصف إذا كان بينه وبين إمامه أكثر من قدر عرض الكعبة؛ لأنه دائر بني أن يكون هو خارجاً عن الكعبة أو إمامه، وأياً ما كان فلا تصح القدوة، ولم يمنع من ذلك أحد، وحينئذ فلا مأخذ إلا ما قاله الأولون والإمام.
واعلم أن قول الشيخ: "في أحد القولين" يعود إلى ما ذكرناه من أول الفصل إلى قوله: "بالظن"، فكأنه قال: الفرض [في القبلة] في أحد القولين إصابة العين، فمن قرب منها، لزمه ذلك بيقين، ومن بعد عنها، لزمه ذلك بالظن؛ ولذلك [عبر عنه] العجلي بأن الواجب على ظاهر المذهب إصابة العين على حسب الوسع.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل