كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 272-311
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 272-311
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

غير معين.
قال الرافعي: وعدم الانفساخ به أجاب الأكثرون، ورواية الأصحاب في الخيار تخالف ما رواه فإنهم قالوا: لا خيار للمكتري كما لا خيار للمشتري إذا امتنع البائع من تسليم المبيع مدة ثم سلم.
قلت: الوجه ما رواه الغزالي وبه أجاب الماوردي، ويخالف امتناع البائع من التسليم فإن الإجارة لا تراد للدوام ولا في كل وقت وزمان بل عند الحاجة إليها.
فإذا تعذر عليه السير في الوقت الذي استأجر فيه فقد فات المطلوب؛ فلذلك ثبت له الخيار، [والملك يراد للداوم، فأي وقت حصل فيه التسليم حصل الغرض؛ فلذلك لم يثبت له خيار.
والله أعلم].
فروع: لو ابتدر الآجر حين الغصب إلى انتزاع المغصوب، فإن لم تمض مدة لمثلها أجرة، فلا خيار للمستأجر، واستحق عليه تمام المسمى.
وإن مضت مدة لمثلها أجرة، فإن قلنا بالانفساخ في مدة الغصب فالحكم كما سنذكره فيما لو هرب المكري، والعقد على منفعة، وهي مقدرة بالمدة.
وإن قلنا بعدم الانفساخ، ثبت له الخيار لا غير.
ولو قدر الآجر على انتزاع المغصوب من الغاصب، فهل يجب عليه ذلك؟ فيه وجهان: أصلهما ما إذا احتاجت الدار المستأجرة إلى إعادة جدار أو جذع أو مفتاح ضاع في يد المستأجر، وفيه خلاف: مذهب العراقيين- وهو الأظهر-: أنه لا يجب عليه ذلك؛ لما فيه من إلزام عين لم يتناولها العقد؛ فأشبه ما إذا احتاجت الدار إلى باب أو ميزاب.
والذي صار إليه القاضي الحسين والشيخ أبو محمد: أنه يجب؛ توفيراً للمنفعة؛ كما يجب عليه إقامة جدرانها، بل وإصلاح جذع منكسر وما يجري مجراه من مرمة لا يحتاج فيها إلى تجديد عين.
قال الرافعي: وكلام السرخسي يوهم طرد الوجهين في عمارة يحتاج إليها

لخلل قارن العقد كالباب، والميزاب.
وإن جماعة أجابوا بعدم الإجبار على إقامة الجذع ونحوه، ومنهم البغوي، والمتولي [والعراقيون كما حكاه الإمام،] والدعامة التي تمنع الانهدام إذا احتيج إليها في معنى جذع [جديد] أو في [معنى] إقامة مائل، فيه تردد.
قال: وإن مات الصبي الذي وقعت الإجارة على إرضاعه انفسخ العقد على المنصوص، أي: في الجامع والنفقات من الأم؛ لتعذر الاستيفاء بتعذر الإبدال؛ لاختلاف الصبيان في الرضاع؛ فلهذا لم نكتف في الاستئجار عليه بوصف الرضيع بل اشترطنا رؤيته.
وقيل: فيه قول آخر؛ أنه لا ينفسخ؛ لأنه مستوفى به فلا تبطل الإجارة بموته كالراكب.
قال: فإن تراضيا على إرضاع غيره جاز؛ لأن الحق لهما ولا يعدوهما وإن تشاحا أي: تمانعا في إرضاع غيره فسخ العقد لتعذر إمضائه، والفاسخ له- كما قال البندنيجي وغيره- المستأجر، ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي: أنه لا فرق في الرضيع بين أن يكون ولد المستأجرة أو لا.
وحكى الإمام [أن محل الخلاف] فيما إذا كان غير ولدها، أما إذا كان ولدها: فإن فرعنا على أنها تنفسخ بموت الأجنبي فهنا أولى، وإلا فقولان منصوصان: وجه الانفساخ: أن لبنها لا يدر على الأجنبي دروره على ولدها، ثم قال: وهذا ضعيف لا أصل له، والمصير إلى الانفساخ باطل مطلقاً.
قال في المهذب: وفي معنى موت الصبي أن يستأجر كحالاً فيبرأ أو من يقلع ضرسه فيسكن الوجع أو من يقتص له فيعفو عن القصاص فيكون على القولين، وقد حكى في مسألة الكتاب وجه: أن له إبدال الصبي مع بقائه، [وطرده متجه في باقي الصور [ومن أصحابنا] من أقام قلع وتد مقام الضرس عن سكونه].
وحكى القاضي في مسألة الاستئجار على قلع الضرس وجهاً: أن العقد لا

ينفسخ، بل يبقى في ذمته إلى وقت هيجان الوجع، فحينئذ يقلعه، وهو قريب مما حكيناه من قبل عن اختيار أبي الطيب.
وألحق الأصحاب بمسألة الرضيع ما إذا استأجره لرعي أغنام بأعيانها فتلفت، وما إذا استأجره لخياطة ثوب بعينه أو حفظه فتلف؛ كما حكاه الإمام، لكن الإمام حكى الخلاف في مسألة الثوب وجهين عن العراقيين، وقال: أصحهما أن العقد لا ينفسخ، وهذا ما جزم به الماوردي عند الكلام في الأجير المشترك.
قال الإمام: وعلى هذا فقد حكى العراقيون وجهين فيما لو قال المستأجر: ليس عندي ثوب آخر، أو: لست آتي به والثياب عندي عتيدة في أن الأجرة تستقر إذا مضت [مدة] يتأتى فيها العمل أو لا تستقر، وإذا مضت المدة انفسخت الإجارة؟ وهذا ما أشتر إليه من قبل، وقد جزم في التهذيب في كتاب الخلع بالانفساخ عند الامتناع من الإبدال للعجز.
والوجه المذكور في جواز إبدال الرضيع مع بقائه مطرد هنا، وقد حكاه المتولين وصححه الإمام عن العراقيين في كتاب الصداق، وقال: إنه الأظهر، وقال: إن الممكن من الفرق على منع الإبدال- بينه وبين إبدال الراكب-: أن منفعة الدابة لا تقع بالراكب، وإنما هي انتفاع من غير تأثر به، والثوب يتأثر بالخياطة، وتقع فيه وتبقى ما بقي، والأثر عند الشافعي كالعين على قول مذكور في كتاب التفليس، وإذا كان كذلك، فالأعيان لا يدخلها الإبدال في العقود الواردة على الأعيان.
ثم قال: وقد اختلف الأئمة في تنزيل الوجهين: فمذهب العراقيين وطوائف من المراوزة: أنا إذا منعنا الإبدال نمنعه مع التراضي به، إلا أن يعرض عقد صحيح.
وصار صائرون إلى أن محل الخلاف فيما إذا أراد المالك أن يبدل، فأبى الخياط، أما إذا تراضيا جاز بلا خلاف؛ وهذه طريقة القاضي.
والذي حكاه الرافعي عن العراقيين والشيخ أبي علي: انفساخ الإجارة بتلف الثوب المعين، وبه أجاب ابن الحداد- فيما إذا اكترى دواباً في الذمة لحمل

خمسة أعبد معينين، فمات اثنان، وحمل ثلاثة- أن له ثلاثة أخماس الكراء ويسقط خمساه؛ إذا تساوت أوزانهم، ويوافقه نص الشافعي فيما لو نكح امرأة على خياطة ثوب معين فتلف قبل أن تخيطه: أن لها مهر المثل، لكن الشيخ أبا علي صور المسألة في الثوب بما إذا وقع العقد على [عين] الدابة ليحمل عليها متاعاً بعينه، أو ليركبها مدة بجواز الإبدال، وأن العقد لا ينفسخ بهلاك المتاع والراكب، وفرق بأن العقد والحالة هذه يتناول المدة، ألا ترى أنه لو سلم الدابة، ولم يركب، تستقر الأجرة، وفيما إذا استأجر لخياطة الثوب المعين العقد يتناول العمل؛ ولهذا لو سلم نفسه مدة يمكن فيها الخياطة، ولم يخط، لم تستقر الأجرة.
قال الرافعي: وفيما ذكره نزاع سنعرفه من بعد.
قلت: النزاع الذي سيأتي فيما إذا وقع العقد على العين، كما إذا استأجره لخياطة ثوب بعينه، فسلم نفسه مدة تسع الخياطة، هل تستقر به الأجرة أم لا؟ وما ذكره الشيخ أبو علي وإن كان مشابهاً لهذه الصورة، فالمراد: إذا التزم الأجير خياطة الثوب في الذمة؛ فإنه صور المسألة كذلك، وسيأتي أن الإجارة إذا كانت على عمل في الذمة لا تستقر إلا بالعمل.
فرع: لو لم يتلف الثوب المعين للخياطة، لكن بدا للمستأجر أن يقطعه.
قال الإمام: الذي يتجه عندنا: أنه لا يجب عليه الإتيان به؛ ليقطع، ولكنا إذا فرعنا على أن أجرة الأجير تستقر [بعد مضي] مدة تسع العمل، فإذا لم يأت بالثوب حتى مضت تلك المدة بعد التمكين استقرت الأجرة.
وإن قلنا: إن الأجرة لا تستقر بالتمكين ومضي المدة؛ يثبت للأجير الخيار، فإن فسخ تخلص، وسلمت [منافع نفسه] وإن لم يفسخ، فهو المتسبب في تفويتها.
وأما المستأجر، فلا خيار له بحال؛ لأن العذر من جهته.
قلت: وما قاله من عدم إلزامه القطع مع تفريعنا على أن الأجرة تستقر بالتمكين ومضي المدة لا شك في وضوحه، وأما على القول بعدم الاستقرار؛

ففي كلام الأئمة ما ينازع فيه؛ فإن الرافعي حكى في المساقاة عند الكلام فيما إذا انقطع الماء، وقدر رب النخيل على رده: أن من استأجر قصاراً لقصارة ثوب بعينه يكلف تسليمه إليه، وحكيت في باب: ما يتم [به] البيع عن المتولي وغيره: أن من استأجر صباغاً؛ ليصبغ له ثوباً، وسلمه إليه – ليس له بيعه ما لم يصبغه، وكذلك لو استأجر صائغاً على عمل ذهب، ونظائر ذلك فلو تمكن المستأجر من المبيع لم يمتنع عليه البيع والله أعلم.
قال: وإن مات الأجير في الحج أو أحصر قبل الإحرام [أي]: وقد وقع العقد على عينه، لم يستحق شيئاً من الأجرة؛ لأن الأجرة تقابل المقصود وابتداؤه من الإحرام، وقد فات بكماله وما قبله من السير تسبب فيه فأشبه من استؤجر على الخبز أو البناء فأحضر الآلة ومات وهذا هو المنصوص في عامة كتبه وعن الصيرفي والإصطخري: أنه يستحق قسطاً من الأجرة بقدر ما قطع من المسافة؛ لأنهما أفتيا سنة حصر القرامطة الحج بالكوفة بأن الأجراء يستحقون من الأجرة بقدر ما عملوا.
ووجهه: أن الأجرة تقع في مقابلة السير والعمل جميعاً؛ ألا ترى أنها تختلف باختلاف المسافة طولاً وقصراً وفصل ابن عبدان فقال: إن قال: استأجرتك لتحج من كذا، فالجواب كما قالاه.
وإن قال: على الحج، فالجواب كما حكي على النص، وهذا كالتفصيل الآتي عن ابن سريج.
قال: وإن كان بعد الفراغ من الأركان أي: وقبل الإتيان بالرمي والمبيت استحق الأجرة أي بجملتها، وعليه دم لما بقي.
أما وجوب الدم فلأنه دخل الحج نقص فكان عليه جبره بالدم كما في حجه عن نفسه، وأما استحقاقه تمام الأجرة فلإتيانه بما قابلته الأجرة والنقص الحاصل الدم جابره.
فعلى هذا فلو نقصت قيمة الدم عن القدر الذي يجب حطه من الأجرة؛ ففي حط قدر التفاوت وجهان، وقيل: يلزمه أن يرد ما يقابل الفائت بجملته؛ لأن الدم كان جابراً لحق الله تعالى.
وبعضهم جزم بهذا فيحصل في المسألة طريقان، وهما جاريان فيما إذا أحرم

من دون الميقات، وهذا كله تفريع على القول بامتناع البناء على الحج كما هو الصحيح أما إذا جوزناه وكانت الإجارة على العين كما صورناه فقد انفسخت فيما بقي ووجب رد قسطه من الأجرة والمستأجر يستأجر من يرمى عنه ويبيت [ولا دم على الآجر، وإن كانت في الذمة استأجر وارث الآجر من يرمى عنه ويبيت] ولا حاجة إلى الإحرام؛ لأنهما يؤتى بهما بعد التحللين ولا يلزمه الدم ولا رد شيء من الأجرة، ذكره المتولي وسيأتي في كلام صاحب التهذيب ما يأتي ذلك.
قال: وإن مات وقد بقي عليه بعض الأركان استحق بقدر ما عمل، كما لو استأجره على خياطة ثوب فخاط بعضه.
وقيل: لا يستحق شيئاً؛ لأنه لم يسقط الفرض عن المستأجر وهو المقصود فأشبه ما لو التزم له مالاً ليرد عبده الآبق فرده بعض الطريق ثم هرب.
وقد بنى بعضهم الخلاف [هاهنا] على الخلاف الآتي في [أن] البناء على الحج، هل يجوز أم [لا]؟ فإن قلنا يجوز استحق، وإلا فلا.
وهذا البناء ضعيف؛ أن مقتضاه أن يكون الصحيح عدم الاستحقاق؛ لأن الصحيح عدم البناء.
وقد حكى الكرخي وغيره: أن الصحيح الاستحقاق كما جزم به الشيخ، وحكاه ابن عبدان عن الجديد، و [حكى] المنع عن القديم.
وحكى الإمام طريقة متوسطة، فقال: إن جوزنا البناء استحق لا محالة؛ لأن المستأجر بسبيل من إتمامه وإلا ففي الاستحقاق الخلاف.
ولا فرق فيما ذكرناه على الأظهر بين أن يكون الباقي من أركان الحج الوقوف أو غيره، وقد قيل: إن القول بعد الاستحقاق مفروض فيما إذا كان الموت قبل الوقوف؛ أما إذا كان بعده، ففيه وجهان: قال: ويستأجر المستأجر من يستأنف الحج عنه أي: فلا يجوز البناء على حج الأجير؛ لأنها عبادة تفسد أولها بفساد آخرها فأشبهت الصوم والصلاة؛ ولأنه لو أحصر وتحلل ثم زال الحصر وأراد البناء عليه [لم يجز] وإذا لم يجز له البناء

على فعل نفسه فأولى [أن لا يجوز] على فعل غيره، وهذا هو الجديد والقديم جواز البناء؛ لأن النيابة جارية في جميع أفعال الحج، فتجري في بعضها كتفرقة الزكاة.
وقد خص صاحب التهذيب هذا بما إذا كان قبل التحللين أما إذا كان بعد التحللين فلا تجري؛ إذ لا ضرروة إليه لإمكان جبر ما بقي من الأعمال بالدم وأوهم بعضهم بإجراء الخلاف.
ثم على قول البناء: إن مات الأجير وقد بقي وقت للإحرام بالحج أحرم الثاني به [ووقف الثاني بعرفة إن لم يكن الأول قد وقف ولا يقف إن كان قد وقف] ويأتي بباقي الأعمال، ولا بأس بوقوع إحرام الثاني وراء الميقات؛ فإنه مبنى على الإحرام الأول.
وإن فات وقت الإحرام بالحج فيم يحرم الثاني؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال [أبو] إسحاق- بعمرة؛ لفوات وقت الإحرام بالحج ثم يطوف ويسعى فيجزئانه عن طواف الحج وسعيه، ولا يبيت ولا يرمى فإنهما ليسا من أعمال العمرة، ولكنهما يجبران بالدم.
والثاني: وهو الأصح: أنه يحرم بالحج ويأتي ببقية الأعمال والممنوع ابتداء الإحرام بالحج في غير أشهره وهذا بناء.
فعلى هذا: إذا مات بين التحللين أحرم النائب إحراماً لا يحرم اللبس والقلم، وإنما تحرم النساء، وقد نسب الإمام الوجه الأول المحكي عن أبي إسحاق إلى العراقيين، ومقابله إلى المراوزة، والموجود في كتبهم تصحيح الوجه [الثاني] مع ذكر الأول.
وهذا الذي ذكرناه مذكور فيما إذا حج الإنسان عن نفسه، ثم مات في أثناء الحج هل يجوز له البناء عليه؟ وشبه الخلاف في جواز البناء بالخلاف على الأذان والخطبة، وجواز الاستخلاف وإن اختلف الأظهر منها.
أما إذا وقع العقد على حج في الذمة لم تنفسخ الإجارة بموت الأجير بل يستأجر من تركته من يحج عنه إن كان وقت الوقوف باقياً وإن لم يكن باقياً

ثبت للمستأجر الخيار كما سنذكره.
تنبيه: قول الشيخ استحق بقدر ما عمل هل يكون المستحق من المسمى، أو من أجرة المثل؟ [ثم قال]: لم يصرح أحد بذكره فيما وقفت عليه، والذي يقتضيه القياس: أن يتخرج على [الخلاف السابق] في أن الفسخ في المستقبل هل ينعطف على الماضي أم لا؟ فإن انعطف، كان المستحق له أجرة مثله، وإلا فالقسط من المسمى، ثم التوزيع [يكون على قولين.
أحدهما: أنه يقسط على الأعمال وحدها؛ لما ذكرناه من قبل، وهذا يفهم كلام الشيخ من قبل.
وقال ابن يونس: إنه الصحيح وأظهرهما في الرافعي: أنها تقسط على العمل والسير جميعاً؟] لأن للوسائل حكم المقاصد إذا وقعت تبعاً، وتعب الأجير في السير أكبر، فيبعد ألا يقابل بشيء مع كونه حصل بعض المقصود.
وقال ابن سريج: إن قال: استأجرتك لتحج عني، فالتوزيع على الأعمال وحدها، وإن قال: لتحج من بلد كذا فالتوزيع على السير والعمل جميعاً، وحمل القولين على حالين.
فرع: لو أحصر الأجير في هذه الحالة، فله التحلل، وإذا تحلل فعمن يقع ما أتى به؟ فيه وجهان: أصحهما: عن المستأجر، وهو ما حكاه الشيخ أبو حامد كما لو مات؛ إذ لم يوجد من الأجير تقصير.
فعلى هذا: الحكم كما تقدم، ودم الإحصار على المستأجر.
والثاني: عن الأجير، وهو ما حكاه القاضي أبو الطيب؛ كما لو أفسده؛ لأنه لم يحصل غرضه.
فعلى هذا: دم الإحصار على الأجير.
وإن لم يتحلل، وأقام على الإحرام حتى فاته الحج، انقلب الحج إليه؛ كما في

صورة الإفساد، ثم يتحلل بعمل عمرة، وعليه دم الفوات.
ولو حصل الفوات بسبب نوم أو تأخر عن القافلة، ونحو ذلك غير الإحصار- انقلب الحج إلى الأجير؛ كما في الإفساد ولا شيء للأجير.
ومن أصحابنا من أجرى فيه الخلاف المذكور في الموت.
[قال: وإن هرب المكري والعقد على منفعة، مثل: أن استأجره ليخيط له شهراً، أو هذا الثوب ثبت للمستأجر الخيار؛ [بين الفسخ والإبقاء؛] لتضرره بفوات بعض المعقود عليه في حالة، وبتأخر حقه في أخرى.
والبقاء: بالمد مقصور مصدر بقي يبقى بقاء.
قال: وإن كان [العقد] على مدة أي: ولم ينفسخ، انفسخ بمضي الوقت حالاً فحالاً، أي: كلما مضت لحظة انفسخ فيها وهو بتخفيف اللام.
ووجه ذلك: أن المنافع تتلف بمضي الزمان.
وقد قيل: إذا مضت مدة لمثلها أجرة انفسخ فيها، وهل ينفسخ في الباقي؟ فيه قولاً تفريق الصفقة، والصحيح الأول.
قال البندنيجي: فعلى هذا إذا أحضر وأجاز المستأجر العقد، أجازه بالحصة.
قال: وإن كان على عمل: أي كخياطة ثوب، أو بناء حائط- لم ينفسخ؛ لإمكان استيفاء المعقود عليه بعد مدة، فإذا قدر عليه طالبه به؛ لقدرته على القيام بالحق المتوجه عليه، ويجيء في هذه الصورة الوجه الذي اختاره الإمام وحكاه عن المراوزة فيما إذا لم يسلم العين حتى مضت مدة يمكن العمل فيها كما حكيناه من قبل؛ إذ لا يظهر فرق بينهما.
واعلم أن الموجود في بعض النسخ: وإن هرب المكتري والعقد على منفعة، وفي بعضها: وهو المكري والعقد على منفعة، وعلى هذا يحتاج أن تقدر مع قوله: والعقد على منفعة: وعين ما تستوفي منه المنفعة، وإلا فمجرد هرب المكرى مع وجود ما يستوفى منه المنفعة لا يثبت خيار ولا غيره، وحينئذ يكون قد احترز بقوله: والعقد على منفعة عما إذا ورد العقد على ما في الذمة،

وسيأتي حكمه].
قال: وإن هرب الجمال وترك الجمال [وفيها فضل] بيع ما فضل أي: عن حق المكتري وأنفق عليها؛ لأنه قد قدر على إنفاق ما تعين عليه من ماله فتعين طريقاً، وكذا ينفق من ثمن الفاصل أجرة من يخدمها كما صرح به الماوردي؛ [و] لأن إخدامها واجب على الآجر كطعمتها.
قال الفوراني وغيره: ولا يجوز بيع جميع الجمال؛ خشية أن يأكل ثمنها إذا رأى في ذلك [مصلحة] بخلاف ما إذا لم تكن مستأجرة، والفرق أن هاهنا تعلق حق المكتري بأعيان الجمال، فليس لأحد تفويت منفعته، [والصانع بخلافه؛ قال مجلي: وهذا الفرق ضعيف؛ فإن البيع لا يفوت عليه منفعة؛] إذ البيع لا يفسخ الإجارة.
قال: فإن لم يكن فيها فضل اقترض عليه أي: من بيت المال أو من المستأجر أو من غيره؛ لانتهاء الإمكان إليه.
والمقترض والبائع هو الحاكم؛ لأنه الناظر في أموال الغائبين، وله أن يدفع ما يقترضه المستأجر لينفقه عليها إن وثق به، سواء كان القرض منه أو من غيره، كما صرح به في المهذب.
وحكى القاضي أبو الطيب القولين الآتيين في هذه الصورة، وقال: إذا قلنا: إنه [لا] يجوز فدفعه إليه- كان كمن أنفق بغير حكم حاكم، وذلك موافق لما سيأتي فيما إذا أذن الحاكم للملتقط أن ينفق على اللقيط من ماله: هل يجوز أم لا؟ والمشهور هاهنا ما في المهذب، حتى ادعى الرافعي في باب اللقيط: أنه لم ير سواه، وأبدى الخلاف تخريجاً.
وإن لم يثق به دفعه إلى أمين لينفقه، فإذا انتهت مدة الإجارة ولم يحضر الآجر باع الحاكم منها ما يقضي بثمنه ما اقترضه، ويحفظ باقيها، وإن رأى بيع الجميع كي لا تأكل نفسها- فعل.
قال: وإن أمر الحاكم المستأجر أن ينفق عليها قرضاً جاز في أصح القولين؛

لأنه موضع ضرورة؛ إذ قد لا يجد الحاكم غيره، وهذا موافق لما نص عليه الشافعي في أن للقاضي أن يأذن للملتقط أن ينفق على اللقيط من مال نفسه ليرجع، وعلى هذا قال: ويقبل قوله في النفقة بالمعروف أي: وإن نازعه الجمال فيما أنفق؛ لأنه أمين.
وحكى الماوردي فيمن المقبول قوله في قدر النفقة في هذه الحالة- ثلاثة أوجه لأصحابنا، أشار إليها الشافعي في الأم.
أحدها: أن القول قول المنفق، وهو الأصح في البحر.
والثاني: أن القول قول الجمال؛ لأنه غارم.
والثالث: أنه يرجع فيه إلى عرف الناس وعادتهم، فإذا وافق ذلك قول أحدهم فهو المعمول به، سواء وافق قول المنفق [أو قول] الجمال أو خالفهما، وهذا اختيار الشافعي.
قال: وإن خالف قياس الأصول الموجبة لأحد المذهبين فقد يترك القياس إذا تفاحش إلى ما يكون عدلاً بين الناس.
والقول الثاني: لا يجوز؛ ولأنه يؤدي إلى أن يكون مقبول القول فيما يستحقه على غيره كما ذكرنا من قبل، وهذا موافق ما نص عليه الشافعي في أن القاضي لا يأذن لواجد الضالة في الإنفاق عليها من مال نفسه ليرجع على صاحبها، بل يأخذ المال منه ويدفعه إلى أمين، ثم الأمين يدفع إليه كل يوم قدر الحاجة، وسنذكر إن شاء الله في باب اللقيط الفرق بينهما.
وإذا تعذر على الحاكم الاقتراض من المستأجر وغيره باع الحاكم من الجمال بقدر الحاجة لينفق عليها من ثمنه، ولا يخرج على الخلاف في بيع المستأجر؛ لأنه محل ضرورة ويبقى في يد المستأجر إلى انتهاء المدة؛ ذكره الرافعي وغيره.
قال: وإن لم يكن حاكم، فأنفق وأشهد أي: وشرط الرجوع رجع؛ لأنه حق على غائب؛ فجاز عند الضرورة أن يتوصل صاحبه إليه بحسب المكنة؛ كما يجوز لصاحب الدين الممنوع أن يتوصل إلى أخذه من مال من هو عليه جهراً أو سراً بحكم وغير حكم، وهذا هو الصحيح في تعليق القاضي الحسين.
وقيل: لا يرجع؛ لأنه يصير حاكماً لنفسه ليستوفي حقه من مال غيره، وكما لا يرجع مستودع الدابة على ربها بثمن علوفتها، وإن أنفق وترك الإشهاد نظر: إن لم

ينو الرجوع لم يرجع وإن نواع فوجهان في تعليق القاضي الحسين، فإن اختلفا في نية الرجوع فالقول قول المنفق.
وهذا الكلام [قد] يفهم أن الخلاف جار فيما إذا ترك الإشهاد مع القدرة عليه وبدونها كما فهم الرافعي مثله في مسألة المساقاة، والمصرح به في كتب المذهب: أن محلهما إذا لم يقدر على الإشهاد، أما إذا قدر [عليه] فلم يفعله فلا يرجع وجهاً واحداً؛ صرح به مجلي.
وقد أحال معظم الأصحاب الكلام في هذه المسألة على ما ذكروه في باب المساقاة فليطلب منه، وقد ألحق الإمام عدم القدرة على إثبات الواقعة عند الحاكم أو عسرها- بحالة عدم الحاكم، وإذا قلنا: يرجع عند عدم الحاكم، فاختلف الجمال والمنفق في قدر المنفعة: قال الرافعي: القول قول الجمال؛ لأن إنفاق المكتري لم يستند إلى ائتمان من جهة الحاكم.
وفيه احتمال للإمام من جهة أن الشرع سلطه عليه، وهذا منهما محمول على الرجوع في حالة عدم الإشهاد، أما إذا اعتبرنا الإشهاد فالبينة تقطع الخصومة، وقد قال مجلي في كتاب اللقطة: إنه يجب عليه أن يشهد في كل دفعة.
قال: وإن مات أحد المتكاربين والعين المستأجرة باقية- لم يبطل العقد؛ لأنه عقد معاوضة [على ما يقبل النقل] ليس لأحدهما فسخه من غير عذر فلم ينفسخ بموت أحد المتعاقدين كالبيع.
قال: وإن هلكت العين المستأجرة في يد المستأجر من غير عدوان- لم يضمن)؛ لأنها عين قبضها ليستوفي منها ما ملكه فلم يضمنها بالقبض، كالنخلة إذا اشترى ثمرتها، ولا يشبه ما إذا اشترى سمناً وقبضه في بستوقة حيث تكون مضمونة في يده على أصح الوجهين في تعليق القاضي الحسين وغيره؛ لأنه أخذها لمنفعة نفسه ولا ضرروة في قبض السمن فيها، والمرجع في العدوان إلى العرف، فلو ربط الدابة في الإصطبل، وماتت- فلا ضمان.
ولو انهدم عليها، فهلكت، أطلق الرافعي القول- حكاية عن الأصحاب- بوجوب الضمان.
وقال غيره: ينظر: إن كان انهدامه في وقت عهد أن تكون الدابة فيه تحت سقف كجنح الليل في الشتاء والمطر الشديد في النهار- فلا ضمان.

وإن كان في وقت لا يعهد ذلك فيه، ضمن؛ لأن التلف- والحالة هذه- جاء من ربطها في الإصطبل.
ولو ضرب الدابة، أو كبحها باللجام، أو ركضها برجل، فإن فعل من ذلك ما يفعله العامة فلا شيء عليه وإن تعداه ضمن، ويخالف المؤدب إذا ضرب الصغير فمات، أو الزوج وزجته فماتت حيث يضمن بكل حال؛ لأن الآدمي يمكن تأديبه بغير الضرب بخلاف الحيوان؛ فقد حكى الإمام عن العراقيين في كتاب الرهن ما يقتضي أن العلة في ضمان الزوجة أمر آخر، [فإنه حكى أنهم] قالوا: لو قال السيد: اضرب عبدي فضربه ووالى الضرب عليه، فلا ضمان، بخلاف الزوج وإن كان مأذوناً من جهة الشرع في الضرب، وفرقوا: بأن الإذن في ضرب الزوجة مقيد بتوقي القتل وإبقائها والإبقاء عليها، والإذن في مسألة العبد لا تقييد فيه، قال: وكأنهم رأوا الأمر بالضرب أمراً بحسبه بالغاً ما بلغ، وهذا محتمل عندي؛ فإن الضرب يخالف القتل، والأمر به أراه مشعراً بالاقتصار عليه، ومن قتل إنساناً لا يقال ضربه، ولو قال: أدب عبدي فلا [يجوز أن] يشك في أنه لو قتله ضمنه؛ فإن التاديب مصرح بإبقاء المؤدب.
فرع: إذا غصبت الدابة المستأجرة مع دواب سائر الرفقة، فذهب بعضهم في الطلب ولم يذهب المستأجر انبنى ذلك على أنه: هل يلزمه الرد عند انقضاء المدة أم لا؟ فإن قلنا: لا يلزمه الرد، لم يضمن.
وإن قلنا: يلزمه؛ فإن استرد من ذهب دابته من غير مشقة ولا غرامة ضمن المستأجر المتخلف، وإن لحقتهم غرامة [أو مشقة] فلا ضمان؛ كذا حكاه العبادي في الزيادات.
قال: وإن انقضت [مدة] الإجارة لزم المستأجر رد العين وعليه مؤنة الرد)؛ لأنه أذن له في إمساكها؛ لاستيفاء المنفعة من غير استحفاظ ولا إيداع، فإذا انقضت المدة وجب عليه الرد ومؤنته كالمستعير، وهو ظاهر كلام الشافعي، وبه قال الإصطخري.
وقال البندنيجي: إنه المذهب، وهو الذي حكاه [القاضي الحسين] عن العراقيين.

وقيل: يجب ذلك على المؤجر؛ لأنها أمانة في يده؛ فهي كالوديعة.
واستغنى الشيخ بجعل مؤنة الرد على المؤجر- على هذا القول- بأن المستأجر لا يجب عليه الرد، بل التخلية؛ لأن المؤنة ملازمة لوجوب الرد، وهذا ما حكاه القاضي الحسين والإمام عن المراوزة، واختاره القفال والقاضي الحسين والغزالي.
وقال الماوردي: إنه مذهب الشافعي، ولا وجه لمن خرج من أصحابنا في الإجارة من الرهن وجهاً آخر أن الرد واجب على المستأجر؛ لأن الرهن يغلب فيه حق المرتهن؛ فجاز أن يكون وجوب رده على وجهين، وفي الإجارة يستويان؛ فاختص بها المالك [بحق الملك] وخص القاضي أبو الطيب محل الخلاف بما إذا لم يشترط على المستأجر الرد، أما إذا اشترطه وجب بلا خلاف، ومنعه ابن الصباغ وقال: من لا يوجب الرد عليه ينبغي ألا يجوز شرطه، وهذا ما يقتضيه كلام القاضي الحسين؛ فإنه حكى أن صاحب التقريب فرع على القول الأول إذا شرط الآجر على المستأجر أن يرد الدابة إلى بلد الآجر لزمه الرد، وإن أطلق العقد، وكان المالك معه، رد عليه إذا بلغ الموضع الذي اكترى إليه، وإلا فعليه أن يرده إلى بلده.
ثم قال: وهذا عندي غلط، ولا يلزمه الرد إلى بلد المكري، بل إذا بلغ الموضع المقصود، فهي مال غائب، حصل في يده، يسلمه للحاكم، أو يودعه أميناً، وعلى هذا المذهب: إذا شرط الرد بطل العقد؛ لأنه خلاف مقتضاه، لكنه لو خرج لا ضمان.
ثم على الخلاف المذكور في الكتاب يتفرع مسألتان إحداهما: إذا أمسك العين المستأجرة بعد انقضاء المدة فتلفت في يده فعلى الأول: يضمن، وعلى الثاني لا ضمان، إلا أن يطالبه المالك بالتمكين منها فيمتنع، وعلى هذه الحالة حمل [ما] قابله النص.
الثانية: وجوب الأجرة، فعلى الأول: تجب وإن لم يستعملها، وعلى الثاني: لا.
قال الماوردي: ومحل الخلاف في هذه والتي قبلها: إذا لم يكن ثم عذر، أما إذا كان ثم عذر مانع [من الرد] فلا ضمان ولا أجرة، وكذا قاله في المهذب.

ويلتحق بذلك: ما إذا ردها، فتلفت في الطريق؛ كما صرح به البندنيجي وابن الصباغ.
وفي كلام الإمام ما يقتضي خلافه؛ فإنه قال في تضعيف وجه الضمان: ويبعد كل البعد أن يقال: إذا انقضت المدة، وهم المستأجر بالرد، فتلفت العين في يده من غير تقصير – يجب عليه الضمان.
ومن أوجبه طرد القول في إثبات الضمان، وألحق العين بعد مدة الإجارة بالمستعار والمأخوذ سوماً.
ولا نزاع في أن المستأجر إذا بذل العين للآجر فلم يقبلها: أنها تصير في حكم الوديعة، إلا أن يستعملها؛ ولو ترك الرد عليه بعد الطلب برضا الآجر، بقيت العين في يده عارية يضمنها بالقيمة، ولا يضمنها بالأجرة، صرح به الماوردي.
فرع: إذا استأجر قدراً؛ ليطبخ فيها، ثم حملها بعد المدة على حمار ليردها، فسقط الحمار، وانكسرت القدر- قال العبادي في الزيادات: إن كان لا يستقل بحملها الراجل، فلا ضمان [عليه]، وإلا فعليه الضمان؛ لأن العادة أن القدر لا ترد بالحمار مع استقلال الآدمي بحملها.
قال: وإن اختلفا في الرد فالقول قول المؤجر؛ لأن الأصل عدم الرد، وقد قبض العين لغرض نفسه؛ فكان كالمستعير، وقيل: القول قول المستأجر، وقد تقدم الكلام في ذلك وما قيل من الفرق بينه وبين الوكيل يجعل في مواضع؛ منها كتاب الرهن.
قال: وإن هلكت العين [التي] استؤجر على العمل فيها في يد الأجير أي: من غير تفريط فإن كان العمل في ملك المستأجر أو في غير ملكه والمستأجر مشاهد له- لم يضمن؛ لأن المال غير مسلم إليه في الحقيقة، وإنما استعان المالك به في شغله، كما يستعين بالوكيل والتلميذ، وهذا ما نص عليه في الإملاء.
وعن أبي سعيد الإصطخري، وأبي علي الطبري حكاية القولين [الآتيين] في هذه الحالة أيضاً.

قال: وإن كان في غير ملك المستأجر؛ ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يضمن؛ لأنه قبض العين لمنفعته ومنفعة المالك، فلم يضمنها من غير تعد كالعين المستأجرة ومال القراض والرهن، وهذا ما اختاره المزني.
والقول الثاني: أنه يضمن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ"؛ ولأنه أخذ العين لمنفعة نفسه من غير استحقاق فأشبه المستعير والمستام؛ ولأن الأجرة ترجع إليه فوجب أن يكون الضمان عليه، كما لو أجر دابة فتلفت تحت يد مستأجرها، فعلى هذا حكمه في الضمان حكم المستعير والمستام، ففي وجه [عند العراقيين]: يضمن القيمة وقت التلف.
وفي وجه: يضمن ضمان الغصوب، وهو اختيار أبي حامد كما حكاه في البحر، ولا شك في ضمان الحر.
وهذه الطريقة هي الصحيحة، وعليها يدل قول الشافعي في المختصر.
والأجراء كلهم سواء؛ فما تلف في أيديهم من غير جنايتهم ففيه واحد من قولين: أحدهما: الضمان؛ لأنه أخذ الأجرة.
والقول الآخر: لا ضمان إلا بالعدوان، ومن الأصحاب من قطع بالقول الأول؛ لما حكي عن الربيع أنه قال: كان الشافعي يرى أن الأجراء لا يضمنون، غير أنه كان لا يبوح به؛ مخافة [من] أجراء السوء، وأن القاضي يقضي بعلمه غير أنه كان لا يبوح به؛ مخافة قضاة السوء.
وروى الحارث أن الشافعي سلم لقصار ثياباً مرتفعة فاحترق دكان القصار، واحترقت الثياب، فتشفع القصار إليه بقوم في الصبر عليه إلى أجل، فقال: لا أضمنه شيئاً؛ لأنه لم يصح عندي أن الصناع يلزمهم الضمان؛ كذا حكاه في البحر والقائل بهذا الطريق حمل قوله في المختصر: "ففيه واحد من قولين" على ترتيب من يفصل بين أن يتلف الشيء في يده بفعله من غير تعد، وبين أن يتلف بآفة سماوية، وهو أبو حنيفة؛ فإنه لا وجه إلا الضمان مطلقاً أو عدمه مطلقاً.
وقد استدل المزني على ما اختاره بثلاثة أشياء:

أحدها: قال: قطع الشافعي بأنه لا ضمان على الحجام يأمره الرجل أن يحجمه أو يختن غلامه أو يشرط دابته.
والثاني: قال: ما علمت أحداً ضمن الراعي بالمنفرد بالرعي.
والثالث: قال الشافعي: لو اكترى رجلاً ليخيط متاعه في دكانه، فاحترق المتاع، لا ضمان عليه.
فإذا ألقوا عن هؤلاء الضمان؛ لزمهم إلقاؤه عن الصانع- يعني: عن الأجير المشترك- وقد وافقه الغزالي في مسألة الراعي، فادعى الإجماع فيها وكتب الأصحاب كافة من "الحاوي" و"الشامل" و"تعليق" أبي الطيب، وغيرها مصرحة بأن الأمر فيما ذكره المزني خلا الحر- كما هو مذكور في غيره حرفاً بحرف حتى جعل ابن الصباغ إذنه للراعي بالرعي في موات بمنزلة رعيه في ملكه؛ فلا يضمن وإن لم تكن مشاهدة.
فرع: إذا ضاع حلي الطفل في يد المرضعة هل تضمنه؟ قال الماوردي إن قيل: إن الأجراء يضمنون- انبنى ذلك على أن الأجرة للرضاع والخدمة تبع أو للخدمة والرضاع تبع؟ فعلى الأول: [لا] ضمان وعلى الثاني: لا تضمن إن كانت منفردة، وتضمن في أحد القولين إن كان مشتركاً.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي إجراء الخلاف في الأجير المشترك والمنفرد كما هو ظاهر النص في "المختصر"؛ لأن كل ما فسر به المشترك والمنفرد كما سنذكره عن الجمهور ينطبق عليه كلامه، وقد صرح بذلك صاحب الإفصاح وصححه الروياني في البحر، والقاضي الحسين وغيرهما، وقد روي عن ابن أبي أحمد [وأبي الحسن بن القطان] والقفال: أن الأجير المنفرد لا يضمن قولاً واحداً، وإنما الخلاف في المشترك، والأجير المشترك على الصحيح عند الروياني وغيره، هو الذي يتقبل العمل في ذمته كما هو دأب الخياطين والقصارين، والحمالين ونحو ذلك، فإذا التزم لواحد أمكنه أن يلتزم لغيره مثل ذلك العمل؛ فكان مشتركاً بين الناس، والمنفرد: هو الذي أجر نفسه مدة مقدرة لعمل فلا يمكنه تقبل مثل ذلك العمل لغيره في هذه المدة، وعبر القاضي الحسين عن هذا بأن المشترك: هو الذي لا يستحق الأجرة إلا بالعمل، والمنفرد: هو الذي يستحقها بالتمكين ومضي المدة وقيل: المشترك هو الذي يشارك في الرأي، فيقال له:

اعمل في أي موضع شئت، والمنفرد: هو الذي عين عليه العمل وموضعه.
وقيل: المشترك هو الذي لا يضيق عليه وقت العمل، سواء ورد على عينه أو في ذمته؛ فإن له أن يؤخر العمل عن وقت العقد من غير فرق وإن ورد على عينه فيعمل لغيره.
والمنفرد هو الذي يضيق عليه وقت العمل؛ فلا يمكنه من العمل لغيره فيه.
قال مجلي: وهذا يقع بشيئين: أحدهما: أن يقع العقد على مدة معلومة.
والثاني: أن يرد على عين الأجير.
فإن قيل: إذا لم يضيق الوقت عليه، فالظاهر: أنه يتعين العمل عقيب العقد في مطلق الإجارة؛ فيصير بمثابة المضيق.
قيل: ليس كذلك فإن المضيق تنفسخ الإجارة بمضي المدة من غير عمل فيها، وهاهنا لو مضت مدة تتسع للعمل، ولم يعمل، لم ينفسخ العقد، وقد فسر الماوردي المنفرد بالذي يكون عمله في ملك المستأجر أو في غير ملكه والمستأجر مشاهد له وحكى اختلافاً فيما إذا كان الأجير يعمل بحانوت نفسه لمستأجر واحد ولا يعمل لغيره ومستأجره غائب عن عمله هل يلتحق بالأجير المنفرد أو المشترك؟ فالذي صار إليه أبو إسحاق وهو مذهب البصريين: الأول؛ والذي صار إليه ابن أبي هريرة وهو مذهب البغداديين [الثاني].
قال: ويستحق الأجرة لما عمل في ملك المستأجر أي: أو بحضرته إلى أن هلكت؛ لأن العين كما ذكرنا تحت يد مالكها، فالعمل يسلم له أولاً فأولاً، ولا فرق في ذلك بين أن يوكن العمل قصارة ويقول: إنها عين أو أثر.
قال: ولا يستحق لما عمل في غير ملكه أي: ولا عند غيبته إذا فرعنا على الصحيح في أن يده يد أمانة؛ لأنه لم يسلم ما عمله فشابه المبيع إذا تلف قبل القبض؛ وهذه طريقة أهل العراق، وبنى القاضي الحسين ذلك فيما إذا كانت الصنعة قصارة على أنها كالعين كما ذكرنا في باب التفليس أنه الصحيح الصنعة قصارة على أنها كالعين كما ذكرنا في باب التفليس أنه الصحيح.
وقال: إذا قلنا إنها أثر استحق الأجير أجرة ما عمل.
قال في البحر: وهذا لا يصح، لأن القصارة وإن كانت أثراً لابد [من] أن

تصل إلى يد صاحبه وفيه الأثر حتى تقرر الأجرة ويستقر حكم العمل فلا وجه لهذا القول وما قاله مصادرة أما إذا قلنا: إن الأجير يضمن فقد أطلق في "المهذب" استحقاق الأجرة، وهو ما حكاه الغزالي عن العراقيين؛ لأنه يقوم عليه معمولاً فيصير بما يغرمه مسلماً للعمل فيستحق الأجرة، وأطلق الماوردي القول بأنه لا يستحق.
وقال القاضي الحسين: إن قلنا: إن الصنعة أثر استحق الأجرة، وإن قلنا: إنها كالعين فالمالك يغرمه قيمة ثوب غير مقصور.
قال الغزالي: والصحيح عدم الاستحقاق فإنه لا ضمان، وعلى الخلاف المذكور في أن القصارة ونحوها عين أو أثر ينبني حق الحبس كما صرح به في المهذب وغيره.
فإن قلنا: إنها عين كان له حق الحبس وإلا فلا.
وعن أبي يعقوب الأبيوردي: أن الصنعة إن لم يكن لها أثر قائم لم يكن له الحبس قولاً واحداً، وإن كان له عين مال فيه كالصبغ ونحوه جرى الخلاف فيه.
فروع: ذكرها القاضي الحسين.
إذا أتلف أجنبي العين التي عمل الأجير فيها استحق الأجير الأجرة على المستأجر إن قلنا: إنها أثر ورجع صاحب الثوب على المتلف بقيمته مقصوراً، وإن قلنا: إنها كالعين انبنى ذلك على أن الأجنبي إذا أتلف المبيع قبل القبض هل ينفسخ العقد أو يثبت الخيار؟ فإن قلنا: ينفسخ انفسخت الإجارة هاهنا ورجع الأجير على المتلف بالأجرة، ورجع المالك عليه بقيمة الثوب [غير مقصور].
وإن قلنا: لا ينفسخ وثبت الخيار فهكذا الحكم في مسألتنا، فإن فسخ فالحكم كما تقدم وإن أجاز العقد غرم للأجير الأجرة ورجع على المتلف بقيمة الثوب مقصوراً، ولو أتلف صاحب الثوب الثوب تقررت عليه الأجرة.
ولو أتلف الأجير الثوب انبنى على أن جناية البائع كالآفة السماوية أو كإتلاف الأجنبي، فإن جعلناها كالآفة السماوية غرم للمالك قيمة الثوب مقصوراً إن

جعلنا الصنعة أثراً واستحق الأجرة.
وإن قلنا: كالعين لم يستحق الأجرة واستحق عليه قيمته غير مقصور، وإن جعلناها كجناية الأجنبي فيلزمه [قيمة العين ثم إن قلنا: القصارة أثر لزمه قيمته مقصوراً، وإن قلنا: إنها كالعين فللمالك الخيار على الأصح، وحكى في البحر عن بعض الخراسانيين أنا إذا قلنا: إنه كالآفة السماوية فلا أجرة للقصار وإن قلنا: إن القصارة أثر].
قال: وإن اختلف المستأجر، والأجير المشترك في رد العين؛ أي: مع قولنا: إنه غير ضامن فقد قيل: القول قول المستأجر، وقيل: القول قول الأجير وتوجيههما تقدم في الوكيل بجعل.
أما إذا قلنا: إنه ضامن فالقول قول المستأجر قولاً واحداً كالمعير.
قال: وإن باع المكري العين من المكتري جاز؛ لأنه في يده من غير حائل فهو كبيع المغصوب من الغاصب.
ولأن الملك في الرقبة خالص له وعقد الإجارة إنما ورد على المنفعة، فلا يمنع من بيع الرقبة؛ كما أن تزويج الأمة لا يمنع من بيعها.
وقد أشار في الوسيط إلى خلاف في صحة البيع بقوله: والظاهر الصحة وأذكره بعضهم؛ لكونه لم يجده في النهاية، بل وجد فيها نفي الخلاف في المسألة، وكذلك في أكثر الكتب المشهورة، وبعضهم قال: إنه مصرح به في المحيط، وكان يستخرجه من أصول في المذهب سأذكرها.
قال: ولم تنفسخ الإجارة بل يستوفى ما بقي بحكم العقد؛ لأن الملك لا ينافيها، ولهذا يستأجر ملكه من المستأجر وهذا هو الأصح ولم يورد الماوردي هنا سواه.
وعن ابن الحداد وغيره: أن الإجارة تنفسخ، [وهو محكي في الحاوي في كتاب الصلح]؛ لأنه إذا ملك الرقبة حدثت المنافع على ملكه تابعة للرقبة، إذا

كانت المنافع مملوكة له، لم يبق عقد الإجارة عليها، كما أنه لو كان مالكاً في الابتداء، لم يصح منه الاستئجار، [و] شبه بما إذا ملك أمة؛ فإنه لا يجوز أن يتزوجها، ولو تزوج أمة، ثم اشتراها، انفسخ النكاح.
والقائلون بالأول قالوا: إنما ينتقل للمشتري ما كان للبائع والبائع لا يملك حين البيع المنفعة؛ فلم ينتقل إلى المشتري.
[ويخالف النكاح؛ فإن السيد مالك لمنفعة بضع الأمة المزوجة؛ بدليل أنها لو وطئت بشبهة كان المهر له لا للزوج، فإذا باع انتقلت منافع البضع إلى المشتري] فاجتمع شيئان فقدم أقواهما وهو النكاح.
التفريع: إن قلنا بالصحة فعليه فرعان: أحدهما: لو تلفت المنافع قبل انقضاء مدة الإجارة انفسخت الإجارة ورجع على الآجر بحصة ما بقي من المدة، وفي انفساخها في الماضي الطريقان السابقان.
الثاني: لو انفسخ البيع قبل تمام المدة، كان للمستأجر أن يستوفي المنفعة إلى انقضاء المدة.
وإنقلنا بمذهب ابن الحداد فعليه فرعان: أحدهما: أن المستأجر، هل يرجع على الآجر بأجرة بقية المدة أم لا؟ فيه وجان: أحدهما: لا، وبه قال ابن الحداد؛ لأن المنافع قائمة في يده، وأيضاً فإنه لو اشترى زوجته لا يسقط مهرها.
[وأصحها في الرافعي: أنه يرجع؛ لأن الأجرة إنما تستقر بسلامة المنافع للمستأجر [على موجب الإجارة] ولم تسلم، ويخالف المهر؛ فإن استقراره لا يتوقف على سلامة المنفعة للزوج؛ بدليل استقراره بالموت.
الثاني: العين في بقية مدة الإجارة: هل ترد إلى البائع حتى ينتفع بها في قدر المدة الباقية من مدة الإجارة أم لا؟ فيه وجهان في النهاية: أحدهما: أنها ترد إليه.

والثاني- وهو الأصح-: أنها لا ترد، والمنافع تحدث على ملك المشتري بعد انفساخ الإجارة.
قال الإمام: وهذا الخلاف يناظر ما إذا باع المكري الدار من غير المكتري، وصححناه، ثم انفسخت الإجارة بعيب فالدار هل ترد للبائع، لينتفع بها في بقية المدة، أم تكون للمشتري؟ ثم هذا الخلاف جار، سواء قلنا: إن المستأجر يرجع على البائع بالأجرة أم لا، ولا تعلق لأحد الخلافين بالثاني؛ فإن سبب الخلاف في ارتداد المنافع إلى البائع تخيلنا استثناء المنافع عن استحقاق المشتري، وسبب الخلاف [في الرجوع] بالأجرة وعدمه: انتساب المشتري إلى جلب الملك وهو السبب الفاسخ، وكان شيخي يقول: إذا حكمنا بارتداد المنافع إلى البائع [في بقية المدة استرد المشتري قسطاً من الأجرة وجهاً واحداً، وإن قلنا: لا ترد المنافع إلى البائع] فهل يسترد المشتري قسطاً من الأجرة؟ فعلى وجهين وهذا ليس وراءه تحصيل.
قلت: ومن القول بانفساخ الإجارة ورجوع منفعة المدة الباقية إلى الآجر البائع وعدم رجوع المشتري عليه بقسطها من الأجرة تمسك القائل بتصحيح ما أوهمه لفظ الغزالي من عدم صحة البيع؛ لكون ذلك ملازماً للبيع؛ فتصير المنفعة في بقية المدة كالمستثناة كما أشار إليه كلام أبي الطيب الذي سنذكره من بعد، والاستثناء باللفظ إذا كان مبطلاً للعقد كان الاستثناء بالشرع مثله.
دليله: بيع الجارية واستثناء حملها وإذا كانت حاملاً بحر، والله أعلم.
واعلم أن الخلاف المذكور في انفساخ الإجارة وعدمه يتخرج عليه مسائل:

منها: إذا أوصى لزيد برقبة دار ولعمرو منفعتها، فأجرها عمرو من زيد هل يصح؟ فيه وجهان: ومنها لو مات المستأجر ووارثه المؤجر ففي انفساخ الإجارة الوجهان.
ومنها: إذا أجر داراً من أبيه ومات الأب في المدة ولا وارث له سوى المستأجر وعليه ديون مستغرقة وقلنا: إن الدين لا يمنع الإرث كما هو الجديد، أما إذا قلنا بالقديم فالإجابة باقية قولاً واحداً، وقد ادعى الروياني أن الانفساخ في هذه الصورة هو ظاهر المذهب وهو ما جزم به الماوردي وفرق بينه وبين البيع من المستأجر: بأنه بالإرث صار قائماً مقام المؤجر فلم ينفذ له عقد على نفسه وهو في البيع لا يقوم مقام البائع إلا فيما سمي بالعقد فعلى هذا قال ابن الحداد: الابن غريم يضارب بأجرة بقية المدة مع الغرماء وهذا بخلاف قوله في الشراء فمنهم من تكلف له فرقين: أحدهما: أن الانفساخ في صورة الشراء حصل باختيار المستأجر، وفي الإرث لا صنع للمستأجر؛ فلا يسقط حقه.
والثاني: أن هناك الإجارة وإن انفسخت فلا تخرج المنافع من يده، وهاهنا تخرج، لأن الدار تباع في الديون وأبطل الأول بأنه لا فرق في سقوط الأجرة بين

أن يفوت [محل] المنافع بفعله أو لا؛ كما إذا انهدمت الدار المستأجرة أو هدمها فإنه يرجع بالأجرة وأبطل الثاني فإنا لا نسلم أن المنافع تبقى للمشتري ثم إذا سلمنا ذلك فبقاؤها ليس من مقتضى الإجارة بل لحدوثها على ملكه بسبب ملك الرقبة والتملك بغير جهة الإجارة لا يقتضي استقرار الأجرة.
وقد حكى في البحر [عن القاضي الطبري] فرقاً آخر ومعناه: أن في مسألة البيع ما فات على المستأجر من الأجرة جبره نقص الثمن، وما فات على الآجر من الثمن بسبب كونها مستأجرة جبرته الأجرة، فلو أوجبنا في هذه الحالة الأجرة لأضررنا بالبائع وفي مسألة الإرث لم يفت على الميت شيء بسبب الإجارة حتى يجعل الأجرة جابرة له ولا حصل للمستأجر شيء حتى يجعل الأجرة في مقابلتهن فلو لم نوجب له الأجرة لأضررنا به وكان ابن الحداد يراع نفي الضرر في الصورتين.
قال الروياني: وهذا فيه نرظ؛ لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن وهي تبطل البيع، وفيما قاله نظر ومن تمام هذه المسألة أن المؤجر لو مات عن ولدين أحدهما المستأجر، وقلنا بمذهب ابن الحداد: لا تنفسخ الإجارة إلا فيما انتقل إليه بالإرث وهو النصف وله الرجوع بنصف أجرة ما انفسخ العقد فيه فيما ورثه أخوه وهذا ما حكاه الماوردي.
قال الرافعي: وهو مستبعد عند الأئمة لأنه يؤدي إلى أن يرث المستأجر نصيبه بمنافعه والآجر نصيبه مسلوب المنفعة، والله أعلم.
قال: وإن باع من غيره لم يصح في أحد القولين [أي: سواء أذن المستأجر أو لم يأذن كما ذكره المتولي؛ لأن] يد المستأجر مانعة من التسليم بحق فكانت أولى بمنع البيع من يد الغاصب التي تمنع منه بظلم، وهذا ما صححه الشيخ أبو علي.
ويصح في الآخر، ويستوفي المستأجر ما بقي؛ [فإن لم يعلم المشتري بالإجارة ثبت له الخيار] لأن ثبوت العقد على المنفعة لا يمنع من بيع الرقبة، كالأمة المزوجة، وهذا هو الصحيح في الحاوي، وتعليق البندنيجي وغيرهما.
فإن قيل: هل يمكن أن يكون مأخذ [هذا] الخلاف في أن العقد يرد على

العين أو [على] المنفعة.
فإن قلنا: يرد على العين امتنع.
وإن قلنا: يرد على المنفعة فلا.
قلت: لا يمكن؛ لأمرين: أحدهما: أن هذا الخلاف حكاه الماوردي وغيره قولين، وما ذكرته وجهين، ولا يمكن تخريج قولين على وجهين.
والثاني: أن الخلاف المذكور في أن الإجارة ترد على العين أو المنفعة مذكور بعينه كما ذكره القاضي الحسين في عقد النكاح على الزوجة، ولم يمنع صحة بيع المزوجة اتفاقاً؛ فظهر أنه لا يصلح أن يكون مأخذ الخلاف.
ولكن الإمام حكى عن الأئمة أنهم بنوا هذا الخلاف على ما إذا باع داراً واستثنى سكناها سنة؛ ففي صحة البيع قولان: فإن قلنا: لا يمنع البيع عند الاستثناء؛ صح بيع الدار المكراة، وإلا فلا؛ هذه طريقة القاضي الحسين وسنذكر عن غيره خلافها.
ثم إذا قلنا بصحة البيع، فوجد المستأجر عيباً بالمستأجر ففسخ الإجارة، فلمن تكون المنفعة فيما بقي من مدة الإجارة؟ فيه وجهان: اختار ابن الحداد منهما: أنها تكون للمشتري.
واختار أبو زيد: أنها [تكون] للبائع؛ وهذا ما صححه في البحر.
وحكي أن القاضي الطبري قال: وعلى هذا يجوز أن يبيع عيناً ويستثنى منفعتها مدة.
قال ابن الصباغ والروياين: وهذا التخريج خلاف مذهب الشافعي.
والفرق بينهما ذكرته في باب ما يجوز بيعه.
وقد بنى المتولي الخلاف في أن منفعة المدة الباقية تعود إلى البائع والمشتري على أن الفسخ يرفع العقد من أصله أو من حينه إن قلنا بالأول، فهي للمشتري، وإلا فللبائع.

وقال: إنهما لو تقايلا وقلنا: إنها عقد، فهي للبائع، وكذا إن قلنا: إنه فسخ على الصحيح، وحكم هبة العين المستأجرة حكم بيعها، وفي رهنها طريقان حكاهما الماوردي في كتاب الصلح: أحدهما: طرد القولينك والثاني: القطع بالبطلان.
فرعان: أحدهما: إذا أقر الآجر بالعين المستأجرة لغير المستأجر ففي قبول إقراره بالرقبة قولان: أحدهما: [لا؛] كما لو أقر بما باعه لغير المشتري.
والثاني: نعم؛ لأنه مالك في الظاهر غير متهم في الإقرار، ويخالف إقرار البائع؛ لأنه يصادق ملك الغير؛ [وهذا هو الأظهر، والمنصوص في "عيون المسائل".
قال الرافعي]: وقد ينبني الخلاف على أن المكري هل له بيع المستأجر؟ إن قلنا: نعم، صح إقراره، وإلا فهو على الخلاف في إقرار الراهن.
وإذا قلنا: يقبل إقراره؛ ففي بطلان حق المستأجر من المنفعة أوجه: أظهرها: أنه لا يبطل.
والثاني: يبطل؛ تبعاً للرقبة؛ كالعبد إذا أقر على نفسه بالقصاص، يقبل، ويبطل حق السيد تبعاً.
والثالث: إن كان المقر به في يد المكتري؛ فلا تزال يده حتى انقضاء مدة الإجارة، وإن كان في [يد] المقر له، فلا ينزع من يده.
وإذا قلنا: يبطل حق المكتري فهل له تحليف المكري؟ فيه الخلاف المذكور في أن المرتهن هل يحلف الراهن إذا أقر بالمرهون وقبلناه.
الثاني: بيع الحديقة المساقى عليها في المدة يشبه بيع المستأجر.
قال الرافعي: ولم أر له ذكراً، نعم في فتاوى صاحب التهذيب: أن المالك إن

باعها قبل خروج الثمرة لم يصح؛ لأن للعامل حقاً في ثمارها؛ فكأنه استثنى بعض الثمرة وإن كان بعد خروج الثمرة لم يصح البيع في الأشجار ونصيب المالك من الثمار ولا حاجة إلى شرط القطع؛ لأنها مبيعة مع الأصول ويكون العامل مع المشتري [كما كان مع البائع].
قلت: وقد ذكرت لمنع البيع قبل انتهاء مدة العمل في المساقاة وجهاً ظاهراً في باب ما يجوز بيعه فليطلب منه.
قال: وإن كان أي المستأجر عبداً فأعتقه عتق؛ لأن الحيلولة لا تمنع العتق، دليله: صحة عتق المغصوب والآبق؛ ولأن الإجارة عقد على منفعة فلم يمنع العتق كالنكاح، [ولا تنفسخ الإجارة كالنكاح].
قال: ويلزم المولى للعبد أقل الأمرين من أجرته أو نفقته.
أما وجوب أجرة المثل إذا كانت أقل من النفقة؛ فلأن الحرية قطعت سبب وجوب النفقة- وهو الرق- وقد فوت السيد عليه منافعه في باقي مدة الإجارة؛ فضمن بدلها، كما لو أكرهه على العمل.
وأما وجوب النفقة إذا كانت أقل من أجرة المثل؛ فلأن العتق إنما يقع على ما هو مملوك للسيد، والمنفعة في حال العقد لم تكن مملوكة له، فلم ينلها العتق، وامتنع أن يرجع ببدلها، [فوجبت النفقة؛ لأنه] كالباقي على ملكه؛ بدليل أنه يملك بدل منفعته بحق الملك.
وهذا الوجه على هذا النعت لم أره فيما وقفت عليه، بل المحكي في المهذب وغيره أن العبد هل يستحق على السيد أجرة المثل أم لا؟ فيه قولان: القديم: نعم، والجديد: لا، فعلى هذا هل يرجع السيد [بنفقته؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها تجب في بيت المال.
والثاني: وهو الأشبه في الرافعي والمختار في المرشد أنها تكون على السيد] استيفاء لما تقدم من حكمي الإجارة والنفقة؛ فقد حكى صاحب

التقريب وراء ذلك وجهين: أحدهما: أن الإجارة تنفسخ بالعتق.
والثاني: أن العبد يثبت له الخيار بين فسخ الإجارة والبقاء عليها؛ كما ثبت للأمة إذا عتقت تحت عبد.
والمذهب الأول، وهو الذي أورده الجمهور، ومنهم صاحب التهذيب، وقال: إن الحكم في أم الولد إذا أجرها سيدها، ثم مات قبل انقضاء المدة كذلك.
وحكى وجهاً آخر: أن الإجارة تنفسخ بموت سيدها، وهو ما أورده [في] البحر؛ لأنه انتهى ملكه؛ فصار كما لو أوصى بمنفعة عبده لشخص مدة حياته، ثم مات، وأاجره الموصى له، ثم مات قبل انقضاء مدة الإجارة- فإنها تنفسخ في الباقي.
والإمام في مثل هذه الصورة يقول: تبينا أن الإجارة لم تصح في ذلك القدر.
وحكم المعلق عتقه بصفة إذا أجر ثم وجدت الصفة حكى أم الولد.
فرع: إذا انفسخت إجارة المعتق بسبب من الأسباب؛ فالمنافع في المدة الباقية لمن تكون؟

قال المتولي: [إن قلنا إن للمعتق الرجوع على السيد بالأجرة عادت إلى المعتق].
وإن قلنا: لا يرجع عليه [بها] فالمنافع تكون للمعتق أو للسيد؟ فيه وجهان.
فرع: إذا أجر عبده، ثم مات، فأعتقه الوارث، فالحكم كما تقدم إلا في الرجوع على المعتق؛ فإنه لا يثبت.
فرع: للأب والوصي إجارة الصبي وماله كما يصح منهما بيع ماله.
وحكى الإمام عن رواية صاحب التقريب وجهاً: أنه لا يجوز للأب إجارته.
فعلى الأول: لا يجوز أن يجاوز بالإجارة مدة بلوغه بالسن.
فلو أجره ثم بلغ في أثناء المدة، فهل تنفسخ الإجارة فيما بقي؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه متصرف المولى عليه حين كان له التصرف، فأشبه [ما لو] باع له شيئاً أو اشترى له شيئاً.
والثاني: يبطل؛ لأنه عقد على منافع لا يجوز له التصرف فيها؛ لأن المولى عليه بعد بلوغه يجوز له التصرف في منافع نفسه وماله دون غيره.
ومن هذه العلة يفهم أن محل الخلاف إذا بلغ رشيداً، أما لو بلغ سفيهاً؛ فلا.
قال القاضي أبو الطيب بعد حكاية ما حكيته من الخلاف: ومن أصحابنا من قال: إن أجره مدة يتيقن أن يبلغ الصبي قبل مضيها؛ فإن العقد يبطل فيما يتيقن فيه البلوغ، وهل يبطل في الباقي؟ فيه قولاً تفريق الصفقة.
وإن أجره مدة لا يتيقن بلوغه قبل انقضائها، لكنه بلغ بالاحتلام فإن العقد يكون صحيحاً في جميع المدة لازماً؛ كما نقول في السيد إذا أعتق العبد بعدما أجره مدة.
وهذه الطريقة هي الصحيحة عند الروياني في الحلية.
وحكى الرافعي طريقة أخرى فيما إذا أجره مدة يعلم بلوغه في أثنائها بالسن- أن العقد باطل في الجميع قولاً واحداً؛ كما إذا أجر الراهن المرهون مدة يحل الدين قبل انقضائها.
وصححها البغوي والذي صححه الإمام والمتولي عند البلوغ بالاحتلام الانفساخ.

وصحح الروياني في الحلية وغيره عدمه.
ثم إذا قلنا بعدم الانفساخ، فهل يثبت [له] الخيار؟ فيه وجهان في طريق المراوزة: أظهرهما: لا.
وقد جعل الإمام الخلاف في انفساخ العقد إذا أورده على ماله مرتباً على الخلاف في انفساخه إذا ورد على نفسه، وأولى بعدم الانفساخ.
والخلاف في ثبوت الخيار في هذه الحالة مرتب على الخلاف في التي قبلها، وأولى بألا يثبت، كذا حكاه في آخر الباب.
ولو أجر [الولي مال المجنون، فأفاق في أثناء المدة، فهو في معنى البلوغ بالاحتلام.
قال: وإن أجر] العين قبل انقضاء المدة من غير المستأجر- لم يجز.
صورة المسألة: أن يؤجر داره مثلاً شهراً ثم يؤجرها من آخر الشهر الذي يليه، فلا يصح.
الثاني: لأمرين: أحدهما: أنه أجر ما لا يقدر على تسليمه فشابه إجارة الآبق.
والثاني: أن إمكان إيصال الشروع في الاستيفاء بالعقد لم يوجد.
قال: وإن أجرها من المستأجر جاز في أظهر القولين، قال البندنيجي: وهو المنصوص؛ لأن الدار في يد المستأجر والمنفعة [تقع] متوالية في ملكه فصار القبض معجلاً؛ كما لو أجرها منه ابتداء الشهرين وقد صار إلى ترجيح هذا القول صاحب التقريب [وغيره].
والقول الثاني: إنه لا يجوز؛ كما لا يجوز أن يؤجرها من غيره، وهو الذي صححه في الوسيط.
وقال الروياني [في البحر] والبندنيجي: إنه الأقيس، وأن نظير المسألة ما إذا باع الثمرة قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع، إن باعها من غير صاحب الأصل لم يجز، وإن باعها منه فوجهان، وقد احتج الغزالي لقول المنع بأن العقد الأول قد ينفسخ فلا يتحقق شرط العقد الثاني وهو الاتصال بالأول، ولناصر الأول أن يقول: الشرط رعاية الاتصال ظاهراً، وذلك لا يقدح فيه الانفساخ

العارض؛ ألا ترى أنه يجوز [السلم عندنا في المعدوم في الحال الموجود وكذا المحل وإن كان المسلم إليه قد يموت فيحل عليه الحق والمسلم فيه منقطع فلا يوجد شرط القطع، وكما يجوز أن يؤجر الشهر الثاني من المستأجر يجوز أن يؤجره من المستأجر منه ولا يجوز أن يؤجرها من المستأجر منه إذا كان المستأجر قد أجرها كما حكاه في التهذيب.
وعن فتاوى القفال: أنه يجوز]؛ لأنه الذي عاقده [فيضم إلى ما استحق بالعقد الأول الشهر الثاني].
ولا يجوز أن يؤجرها من المستأجر ولو أجر داره سنة ثم باعها وجوزناه لم يكن للمشتري أن يؤجر السنة الثانية من المكتري، وترددوا في أن الوارث هل يتمكن منه إذا مات مورثه المؤجر.
فرع: يجوز أن يؤجر الحيوان من آدمي وغيره شهراً [في] النهار دون الليل بخلاف غيره؛ لما في إدامة استعمال الحيوان من الإضرار به بخلاف غيره، وأوقات الصلوات من النهار مستثناة، وكذا سننها الرواتب وأوقات الطهارة ولا ينقص من الأجرة شيء، ولا فرق بين صلاة الجمعة وغيرها.
وعن ابن سريج كما حكاه الرافعي في أواخر الباب: أنه يجوز له ترك الجمعة بهذا السبب والسبوت في استئجار اليهود تقع مستثناة إذا اطرد عرفهم بذلك ذكره الغزالي في فتاويه.
قال: وإن انقضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع فإن كان بتفريط من المستأجر أي بأن زرع ما يستحصد في تلك المدة أو أخر البذر جاز إجباره على قلعه وتسوية الأرض لتعديه كالغاصب، وهذا لفظه في التهذيب.
قال: وجاز تركه بأجرة؛ لأن الحق للمالك فجاز تركه برضاه، قال في التتمة: ولا يجوز إجباره على القلع قبل انتهاء المدة؛ لأن منفعة الأرض في الحال ملكه وهل له منعه من زراعة ما لا يدرك في تلك المدة ابتداء؟ قال الشيخ في المهذب: يحتمل ألا يمنع زرعه كما لا يقلع إذا زرع، وما ذكرناه عن التهذيب يقتضي المنع.

قال: وإن لم يكن بتفريط منه أي: بأن يكون لتأخير المطر، أو لكثرته، أو لحر أو برد، أو لكون الجراد أكل رؤوس الزرع فنبت ثانياً وتأخر الإدراك لذلك.
قال: فقد قيل: يجوز إجباره؛ لأنه مفرط بترك الاستظهار في مدة الإجارة.
وقيل: لا يجوز؛ لأن هذه الموانع ليست من صنعه وهو معذور في ترك الزيادة على المدة المحتاج إليها عادة، وهذا ما قال المتولي: إنه المذهب، وجزم به القاضي الحسين؛ فعلى هذا يجب على المستأجر أجرة المثل لما زاد، وهذا كله إذا استأجر للزراعة وأطلق وجوزناه كما هو الصحيح، أما إذا عين زرعاً نظر: إن عين ما [لا] يستحصد في تلك المدة فالحكم فيما إذا زرع ما لا يستحصد فيها، أو ما يستحصد في تلك المدة كما إذا استأجر لزراعة الحنطة شهرين: فإن شرط القلع بعد مضي المدة جاز وكأنه لا [يبغي إلا الفضل] ثم لو تراضيا على الإبقاء بعد ذلك مجاناً لو تأخر فلا بأس، وإن شرط الإبقاء فسد العقد للتناقض بينه وبين التأقيت، فلو زرع لم يقلع زرعه مجاناً للإذن، بل يؤخذ منه أجرة المثل لجميع المدة، وإن أطلقا العقد ولم يتعرضا لقلع ولا إبقاء فوجهان: أحدهما: وهو ظاهر كلام الشافعي كما حكاه الماوردي وبه قال الشيخ أبو محمد: أنه فاسد؛ لأن العادة في الزرع الإبقاء فكان كما لو شرطا.
وأصحهما في الرافعي وبه جزم القاضي الحسين: أن التأقيت يحضر المعقود عليه فيمنفعة تلك المدة فعلى هذا إن توافقا بعد المدة على إبقائه مجاناً أو بأجرة فذاك وإن أراد المالك إجباره على القلع فوجهان: أحدهما وبه قال أبو إسحاق: أنه يتمكن منه.
[وأشبههما] ويحكى عن القفال: أنه لا يتمكن منه؛ لأن العادة في الزرع الإبقاء.
وعلى هذا فأظهر الوجهين أن له أجرة المثل للزيادة.
وفيه وجه لا؛ لأنه إذا أجر مدة لا يدرك فيها الزرع كان معيراً للزيادة على تلك المدة.
قال أبو الفجر السرخسي: إذا قلنا لا يقلع بعد المدة [لزم تصحيح العقد فيما إذا شرط الإبقاء بعد المدة] وكأنه صرح بمقتضى الإطلاق ولو عين ما يشك

في أنه هل يستحصد في تلك المدة أم لا؛ كما إذا استأجر لزراعة البر خمسة أشهر- فإنه يجوز أن يحصد فيها في بعض البلاد وبعض السنين.
قال الماوردي: حكمه حكم ما ذكرناه فيما إذا علم أنه يستحصد؛ إسقاطاً للشك واتباعاً لليقين.
فرع: إذا انقضت مدة الإجارة للبناء والغراس، والبناء والغراس [قائم فالحكم] فيه كالحكم فيما لو رجع المستعير في العارية وقد ذكرناه، ومن تتمته: أنه لو شرط في الإجارة للبناء والغراس التبقية بعد المدة ففي الصحة وجهان: أرجحهما عند الإمام والبغوي: الفساد.
والثاني وهو الذي أجاب به العراقيون أو معظمهم وكذا الماوردي: الصحة؛ لأن الإطلاق يقتضي الإبقاء فلا يضر شرطه ويصير مستعيراً على مذهب الشافعي؛ فلا يلزمه [الأجرة].
قال الرافعي: وبهذا يتأيد كلام السرخسي في مسألة الزرع.
قال: وإن كانت الإجارة على عمل في الذمة جاز أن تعقد بلفظ السلم؛ لمساواته السلم في الثبوت في الذمة.
وصورة ذلك أن يقول: أسلمت إليك هذا الدينار أو ديناراً في ذمتي في خياطة ثوب من صفته كذا وكذا، ويبين نوع الخياطة إن اختلف إلى فارسية ورومية.
والفارسية بغرزة والرومية بغرزتين، أو في بناء حائط في موضع كذا طوله كذا [وعرضه كذا] وارتفاعه كذا ويصف ما يبنى به.
قال: وإن عقد بلفظ السلم اعتبر فيه قبض الأجرة في المجلس؛ لأنه سلم وإن عقد بلفظ الإجارة فقد قيل: يعتبر أي القبض اعتباراً بالمعنى؛ فإن معناه معنى السلم، وهذا هو الأصح عند العراقيين، والشيخ أبي علي والبغوي.
وقال في التتمة في كتاب الحج: إنه المذهب.
وقيل: لا يعتبر اعتباراً بلفظه وهو ما اختاره مختارون، وهذه القاعدة مطردة في مسائل السلم بلفظ الشراء كما حكاه أبو الطيب، والشراء بلفظ السلم، والبيع بلا ثمن، والهبة بثمن، والقراض على أن الربح لأحدهما، والمباضعة على أن الربح بينهما، ولكن الأصح في بعض النظر إلى اللفظ إذا كان المعنى بعيداً، وفي

بعض النظر إلى المعنى إذا كان قريباً، وما ذكره الشيخ هو المشهور.
وحكى مجلي فيما إذا عقد بلفظ السلم [أو بلفظ] الإجارة ثلاثة أوجه: أحدها: يشترط قبض الأجرة في المجلس.
والثاني: لا يشترط والقائل به يقول: يتبع المعنى لا الاسم.
والثالث: إن كان بلفظ السلم اشترط، وإن كان بلفظ الإجارة فلا.
وعلى كل حال فلا يجوز أن تكون الأجرة في هذه الحالة مؤجلة كما صرح به في المهذب؛ كي لا يكون بيع دين بدين.
وفي الحاوي: أنه إن عقد على ما في الذمة حالاً جاز أن تكون الأجرة فيه حالة ومؤجلة، وإن عقد على مؤجل كاستئجار بعير [في الذمة] يركبه إلى مكة بعد شهر من وقته لم يجز تأجيل الأجرة فيه؛ لأنها تصير ديناً بدين، وهل يلزم تعجيل قبضها قبل الافتراق أم لا؟ [فيه وجهان]: قال: ولا تستقر الأجرة في هذه الإجارة إلا بالعمل؛ لأن المعقود عليه ما في الذمة فلا يستقر بدله من غير استيفاء كالمسلم فيه.
وفي الرافعي، والوسيط: أن الإجارة إذا وردت على الذمة وسلم دابة بالوصف المشروط فمضت المدة عند المكتري استقرت الأجرة لتعيين حقه بالتسليم وحصول التمكين.
ويمكن أن يحمل ما قاله الشيخ على ما إذا اعتمد العقد العمل كما صورناه، وما قاله الرافعي وغيره على ما إذا اعتمد الدابة؛ كما إذا قال: آجرتك دابة في ذمتي من صفتها كذا وكذا إلى موضع كذا فسلمها، كما سنذكر مثله عن الشيخ

أبي محمد من بعد، ويدل عليه أن لفظ الغزالي إذا حبس المكري الدابة التي استأجرها استقرت عليه الأجرة، وإن لم يستعملها حتى مضت المدة في حبسه؛ سواء كانت الإجارة واردة على عين الدابة أو على الذمة.
وفي التتمة: أنه إذا التزم في ذمته عملاً من الأعمال ثم سلم نفسه إليه ليستعمله.
وقلنا: إن تسليم النفس في الإجارة على منفعة محصورة يحصل تسليمها أو سلم عبده ليستعمله، أو أذن لعبده حتى التزم في ذمته عملاً وسلم نفسه- هل تستقر الأجرة بمضي مدة يمكن فيها الإتيان بذلك الفعل أم لا؟ فيه وجهان: قلت: ولا بد مع ذلك من ملاحظة إجبار من له دين حال في ذمة إنسان بذله إليه لقصد براءة الذمة لا غير، أما إذا لم يجبره على قبضه فلا يتجه الاستقرار أصلاً.
قال: ويجوز أن يعقد على [عمل] معجل ومؤجل [كالسلم]؛ وصورة المعجل أن تقول: أسلمت إليك في خياطة هذا الثوب حالاً [أو ألزمت ذمتك خياطة هذا الثوب حالاً أو استأجرتك على تحصيل خياطة هذا الثوب حالاً].
وصورة المؤجل: أن يقول ما ذكرناه ويذكر بدل قوله حالاً إلى شهر مثلاً.
قال: وإن هلكت العين [أو غصبت أي العين] التي سلمها الآجر للمستأجر؛ ليستوفي منها ما في الذمة لم تنفسخ الإجارة بل يطالب بالبدل؛ لأن المعقود عليه ما في الذمة، وهو باق وليس للمستاجر في هذه الحالة مطالبة الغاصب بالأجرة اتفاقاً.
ومن هذا يظهر أنها إذا تعيبت لا فسخ له، بل يردها ويطالب ببدلها من طريق الأولى.
واعلم أن العين المسلمة عن هذه الإجارة وإن لم ينفسخ العقد بتلفها؛ فإنه يثبت فيها حق واختصاص حتى يجوز له إجارتها.
ولو أراد المكري إبدالها، فهل له ذلك دون رضى المكتري؟ فيه وجهان: أصحهما عن المعظم: لا؛ لما فيها من حق المكتري.
والثاني عن الشيخ أبي محمد: أنه يفرق بين أن يعتمد اللفظ الدابة بأن يقول:

أجرتك دابة في ذمتي من صفتها كذا [فلا يجوز إبدال التي] سلمها أو لا يعتمد بأن يقول: التزمت إركابك على دابة صفتها كذا، فيجوز الإبدال، وهذا ما اختاره في الوسيط ويترتب على الوجهين ما إذا أفلس المكري بعد تعيين الدابة، هل يقدم المكتري بمنفعتها؟ والأصح: [التقديم]، وهو المذكور في التهذيب.
ولو أراد المكتري أن يعتاض عن حقه في إجارة الذمة، قال الرافعي: إن كان قبل أن يسلم دابة لم يجز؛ لأنه اعتياض عن مسلم فيه وإن كان بعد التسليم جاز؛ لأن الاعتياض- والحالة هذه- واقع في حق [عن عين].
وفي التتمة: أنه هل يجوز أن ينقل هذه المنفعة إلى غيره بعقد الإجارة أم لا؟ ينبني ذلك على أن تسليم الأجرة في المجلس هل هو شرط أم لا؟ فإن اعتبرناه- لم يجز- وإلا فالحكم كما ذكرناه فيما لو استأجر عين مال.
قال: وإن [هرب المكري، اكترى عليه؛ لأنه حق في ذمته] تدخله النيابة فحصله الحاكم للمستحق؛ كمن أسلم في طعام إلى أجل، فهرب المسلم إليه عند حلوله – فإن الحاكم يستوفي لصاحب الحق حقه من ماله.
والإكراء يكون بمال المكري إن أمكن، وإلا فيما يقترض عليه من مال بيت المال أو من المستاجر أو [من] غيره.
ولا يجوز في هذه الصورة أن يفوض القاضي الأمر في الإكراء إلى المكتري كما نص عليه في البويطي؛ لأن حرصه على استيفاء حقه يمنعه من النظر للغائب.
وهذا النص: شبيه بما حكيناه عن العراقيين في كتاب الرهن؛ أنهم لا يجوزون أن يكون المرتهن وكيلاً في بيع الرهن في غيبة الراهن؛ لهذا المعنى.
قال: فإن تعذر ذلك؛ ثبت للمكتري الخيار بين أن يفسخ وبين أن يصبر إلى أن يجده؛ لأنه تأخر حقه؛ فثبت له الخيار؛ كما لو أسلم في شيء فتعذر.
وإذا فسخ لا يقترض عليه الحاكم لوفاء الأجرة؛ لأنها دين، وبالاقتراض يجدد مثله.
فرع: إذا كانت الإجارة على الحج في الذمة، ولم يحج الأجير في السنة الأولى، فهل تنفسخ الإجارة أم لا؟

قال الأصحاب: إذا أطلق العقد، كان محمولاً على السنة الأولى، منزلاً منزلة تعيينها ولو عين، فأخر الحج عنها، فهل تنفسخ الإجارة؟ فيه طريقان حكاهما الإمام: أظهرهما: أنه على قولين؛ كما في المسلم فيه إذا انقطع، وأصحهما: عدم الانفساخ.
والطريق الثاني: القطع بهز فعلى هذا: إن كان الاستئجار من المغصوب، ثبت له الخيار، وكذا إن كان المستأجر للميت قد تطوع بالأجرة من ماله، فله الخيار.
وإن كان الاستئجار] للميت بماله، فالذي صار إليه العراقيون: أنه لا خيار؛ لأن الأجرة لتحصيل الحج؛ فلا انتفاع باستردادها.
وتوقف الإمام فيما ذكروه؛ فإن الورثة تستفيد بالفسخ صرف الأجرة إلى من هو أحرى بالتحصيل.
وأيضاً فإنهم إذا استردوها، تمكنوا من إبدالها بغيرها.
وأورد البغوي وغيره: أن على الوارث مراعاة النظر للميت: فإن كانت المصلحة بفسخ العقد، لخوف إفلاس الأجير أو هربه، فلم يفعله – ضمن.
قال الرافعي: وهذا هو الأظهر، ويجوز أن يحمل المنسوب إلى العراقيين على أحد أمرين رأيتهما للأئمة: أحدهما: صور بعضهم المنع فيما لو كان الميت قد أوصى بأن يحج عنه إنسان بمائة- مثلاً ووجهه بأن الوصية مستحقة الصرف إلى المعين.
الثاني: حكى الحناطي أن أبا إسحاق ذكر في الشرح أن للمستأجر للميت أن يرفع الأمر للحاكم ليفسخ العقد إن كانت المصلحة تقتضيه، وإن لم يستقل به فإذا نزل ما ذكروه على التأويل الأول لم يقع خلاف، وإن نزل على الثاني بان أمره.
فرع: ذكره الإمام في باب الإجارة على الحج: إذا قال: ألزمت ذمتك أن تحصل لي حجة بنفسك، قال الصيدلاني: الإجارة صحيحة ومتضمنة أن يكون هو الحاج، ولا ينيب غيره مناب نفسه، وهذه الصورة من قسم إجارة الذمة.
وهذ زلل عظيم، فإن ربط الشيء بمعين حتى لا يقوم غيره مقامه مع اعتقاد

التحاق ذلك بالديون- متناقض، والإجارة على الذمة قسم من أقسام السلم، والسلم في شجرة معينة باطل.
انتهى.
ويقرب مما ذكره الصيدلاني في البعد- وإن لم يكن في معناه- ما صار إليه القاضي الحسين فيما إذا قال: استأجرتك لكذا، أو لتفعل كذا- أن هذه إجارة ذمة، ولا تكون إجارة عين ما لم يقل: استأجرت عينك أو نفسك لكذا أو لتعمل كذا.
والأظهر: أن هذه إجارة عين.
قال: وإن دفع إليه ثوباً فقطعه قميصاً [ثم اختلفا]؛ فقال صاحب الثوب: أمرتك أن تقطعه قباء، فعليك الأرش، وقال الخياط: بل أمرتني بقميص فعليك الأجرة؛ تحالفا على ظاهر المذهب؛ لأنهما اختلفا في صيغة العقد مع اتفاقهما على أصله؛ فاقتضى أن يتحالفا؛ كالمتبايعين.
[و] لأن كلا منهما يصير منكراً ومدعياً [عليه]؛ فالخياط يدعي الأجرة، وينفي الضمان، ورب الثوب يدعي الضمان، وينفي الأجرة.
ولأنهما لو اختلفا والثوب صحيح، فقال رب الثوب: استأجرتك لتخيطه قميصاً، وقال الخياط [بل استأجرتني]: لأخيطه قباء تحالفا عليه، ولا يختلف قول الشافعي في ذلك، وإذا كان كذلك وجب إذا اختلفا بعد قطع الثوب أن يتحالفا عليه؛ لأن ما أوجب التحالف [مع بقائه أوجب التحالف] مع تغير أحواله، كذا قاله الماوردي.
ومراد الشيخ بظاهر المذهب: ظاهر نصه في الجامع الكبير كما سنذكره مع نصه في الإملاء على التحالف فيما إذا سود الصباغ ثوب إنسان وقال له: هكذا أمرتني، وقال مالك الثوب: بل أمرتك بصبغه أحمر، وقد روى القاضي أبو الطيب أن الشافعي قال في اختلاف العراقيين: كان ابن أبي ليلى يقول: إن القول قول الخياط.
وقال أبو حنيفة: القول قول رب الثوب، وهذا أصح القولين، وغير القاضي

يرونه أشبه القولين، وإن المزني نقل هذه المسألة إلى المختصر وجامعه الكبير وذكر هذين القولين ثم قال: قال الشافعي: وكلاهما مدخول؛ لأن الخياط يدعي الأجرة، وينفي الضمان، ورب الثوب ينفي الأجرة، ويدعي الضمان؛ فلا أقبل قولهما، وأردهما إلى أصل القياس على السنة، فيحلف كل واحد منهما لصاحبه، وأرد الثوب على صاحبه، ولا أجرة للخياط، ولا ضمان عليه.
فاختلف الأصحاب من أجل هذه الروايات في هذه المسألة على خمسة طرق: أحدها: أن المسألة على قول واحد وهو ما ذكره الشيخ، وما قاله في الجامعين فهو حكاية مذهب الغير ويؤيدها قوله بعد حكاية كلامهما: وكلاهما مدخول؛ وبهذه الطريقة قال أبو علي الطبري في الإفصاح، وصاحب التقريب، والشيخ أبو حامد، ومتأخرو الأصحاب؛ كما قال الماوردي بعد أن صححها.
وحكى في البحر: أن القاضي الطبري قال: إنما نقل ذلك صاحب الإفصاح من الجامع الكبير، وليس ذلك مذهب الشافعي، وإنما ذلك حكاية عن غيره.
والطريق الثاني: أن المسألة على قولين: أحدهما: ما ذكرناه.
والثاني: أن القول قول المالك لإعراضه عن مذهب ابن أبي ليلى، وقوله: إن مذهب أبي حنيفة أشبه.
ووجهه: أنهما لو اختلفا في أصل الإذن كان القول قوله؛ فكذلك في صفته؛ كما إذا قلنا فيما إذا اختلف في صفة الإذن في الوكالة: إن القول قول الموكل، ونظائر ذلك.
ولأن الخياط معترف بأنه أحدث نقصاً في الثوب، ويدعي أنه مأذون له فيه،

والأصل عدمه، وهذا ما اختاره المزني، وصححه الأكثرون، ومنهم القاضي الروياني، وقال: إن قول التحالف لا يصح؛ لأن الاختلاف واقع في الإذن لا في الأجرة والغرم، فكان القول قول الآذن.
والطريق الثالث: أن المسألة على قولين لا غير: أحدهما: أن القول قول الخياط؛ لأنهما اتفقا على الإذن في القطع، والظاهر أنه لا يتجاوز المأذون.
ولأن المالك يدعي عليه الغرم والأصل عدمه؛ وبهذه العلة فارقت هذه المسألة مسألة الوكالة، وقد ذكرت الفرق بينهما في باب الوكالة.
والثاني: أن القول قول المالك لما ذكرناه.
وما استدل به من كونهما اتفقا على القطع يبطل بما إذا دفع إليه ثوباً، وقال: هو وديعة، فقال الآخر: هبة- فإن القول قول الدافع مع اتفاقهما على القبض.
وما ذكر من أن الظاهر أنه لا يتجاوز المأذون- لا يصح مع تجويز الخطأ والنسيان، مع أن العرف إنما يستعمل في إطلاق العقود لا في التنازع.
دليله: أن العطار أو الدباغ لو اختلفا في شيء من آله العطر أو الدباغ؛ لم يرجح قول أحدهما.
وما ذكر من كون المستاجر يدعي عليه الغرم والأصل عدمه يبطل بما لو اختلفا في [أصل] الإذن؛ وهذه طريقة ابن سريج، وأبي إسحاق، وابن أبي هريرة، والقاضي أبي حامد، كما حكاه الماوردي، وصار إليه الأكثرون؛ كما قال الرافعي، وصححها تبعاً للروياني.
واحتج القائلون بأنهما قولان للشافعي بأنه قال لأحدهما: هو أشبه القولين.
وفي البحر: أن القاضي أبا حامد قال: القول قول رب الثوب قولاً واحداً ولم يحك قولاً ثانياً في المسألة.
الطريق الرابع: أن المسألة على ثلاثة أقوال: ظاهر المذهب: القول قول المالك.
القول قول الخياط، وهذه الطريقة معزوة في شرح الجويني إلى القفال، وقد حكاها القاضي أبو الطيب والبندنيجي والشيخ في المهذب عن بعض أصحابنا،

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل