كتاب الجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المسلمين؛ كي لا يكون ذلك [تنفيراً لهم عن الدخول في طاعة افمام، ولا يحتاج إلى ذلك] في أهل الذمة؛ فلزمهم الضمان.
[وقيل]: إذا قلنا: إن المسلم إذا قَتَلَ وهو من أهل البغي، لا يجب عليه القصاص، فهاهنا لا يجب على الذمي [على وجه]؛ للشبهة المقترنة باحوالهم، وحيث قلنا: ينتقض عهدهم، فما أتلفوه من نفس ومال بعد نقض العهد، [لا يكون مضموناً عليهم؛ لأنهم أهل حرابة، ويجوز قتلهم وقتالهم مقبلين، وهل يجوز وهم مدبرون؟ إن قلنا: من نقض العهد] لا يُبْلَغ مأمنه، وهو ما جزم به القاضي الحسين والإمام هنا فيما إذا قالوا: علمنا أنكم مسلمون، وأنه لا يجوز لنا قتالكم، ولم نكن مكرهين على ذلك – فنعم، وإن قلنا: يُبْلَغ [إلى] مأمنه، فهاهنا وجهان: وجه الجواز: جعل ذلك من بقيَّة العقوبة على القتال.
وقال الإمام: ينبغي على هذا أن يقطع بأنهم يضمنون ما أتلفوا؛ لانا إذا قلنا: إنهم يبلغون المأمن، جعلناهم في بقيَّة من الأمان، فكيف يجوز ألا نغرمهم؟!
ولو استعان أهل البغي بأهل العهد إلى مدةن قال القاضي أبو الطيب: كان ذلك نقضاً لعهدهم، إلا في مسألة واحدة: وهي إذا كانوا مكرهين، وأقاموا بذلك بينة ون ما إذا ادعوا ذلك، [أو ادعوا] الجهل بالحال، والفرق بينهم وبين أهل الذمة: أن الذمة أقوى؛ ولهذا نقول: يجوز أن [ينبذ إليهم] عهدهم؛ لخوف الجناية، ولا كذلك [في] أهل الذمة.
وعلى ما قاله جرى الأئمة، ولم أر له مخالفاً فيما وقفت عليه.
ولو استعانوا بأهل الحرب بأمان أعطوهم إياه، فإن كان الأمان مطلقاً قال الماوردي: صح الأمان لهم، وكان عقد أهل البغي لهم كعقد أهل العدل.
وقد قال الشافعي – رضي الله عنه- كما حكاه القاضي الحسين: ولو وادع أهل البغي قوماً من المشركين لم يكن لأحد من المسلمين غدرهم؛ فإن قاتلوا، قال الماوردي: صاروا كاهل العهد، ولو كان عقد الأمان مشروطاً بقتالهم معنا حكمه في حق أهل] البغي؛ اعتباراص بالشرط؛ فيجوز لأهل العدل قتلهم واسترقاقهم وسبيهم مقبلين ومدبرين، ولم يجز لأهل البغي ذلك.
وفي "النهاية": أنه حكي عن القاضي أنه قال: لا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم؛ لأنهم صاروا من أهل البغي بالأمان، فثبت لهم حكم أهل البغي.
وهذا عندنا زلل، لا يثبت لأهل الحرب في حقوق أهل العدل – امان ولا عُلقة أمان،
وهم كما لو انفردوا بمقاتلة المسلمين، نعم: هل ينعقد لهم أمان في حق أهل البغي؟ فيه وجهان؛ فإن قلنا: لا ينعقد، فليس للبغاة أن يقاتلوهم، بل يردونهم إلى مأمنهمن فلو قال أهل الحرب، وقد وقعوا في أسر أهل العدل: ظننا أنه يحل لنا مقاتلتكم إذا استعان بنا المسلمون، وحسبنا أنهم الفئة المحقة، أو قالوا: ظننا أنكم كفار – فهذا موضع الخلاف [المشهور]، فمنهم من قال: نصدقهم ونعاملهم معاملة البُغاة؛ فلا نقتلهم مدبرينن ونبلغهم المأمن، وهو الظاهر، ومنهم من قال: نقتلهم حيث ثقفناهم؛ لأن مجرد ظنون الكفار لا يؤثر.
انتهى.
وقوله: "هذا موضع الخلاف المشهور"، يعني: بين الأصحاب والقاضي؛ لأن القاضي الحسين صرّح في هذه الحالة في "تعليقه": بأنهم لا يقتلون مدبرين، [ويبلغون المأمن، وفي حالة دعواهم العلم وعدم الإكراه يقتلون مدبرين،] ولا يبلغون المأمن، ولو لم يعقدوا [لهم] أماناً، لكن استعانوا بهم على قتال اهل العدلن فلا خلاف أنه [لا] ينعقد لهم امان على أهل العدل، ويجوز قتلهم مدبرين.
وإيراد القاضي يقتضي ترجيح الوجه الصائر إلى انعقاد الأمان في حق أهل البغي، وهو الأصح في "الرافعي" و"التهذيب"، وقال في "الزوائد": إنها طريقة أبي حامد.
وعلى هذا: إذا حاربنا أهل البغي ومعهم أهل الحرب، لا يبطل أمانهم في حقهم، بخلاف ما لو أمَّن رجلٌ مشركاً، فقصد مسلماً أو ماله، فإن لمؤمِّنه مجاهدته ونبذ أمانه.
قال القاضي الحسين: والفرق أن هذا الواحد إذا أمنه، فإنما [هو] يأخذ من الكف عن جميعهم، فإذا قاتل واحداً منهم صار ناقضاً لأمانه، وأما البغاة فإنهم أمنوه على قتالنا، فإذا حاربونا معهم لم يفعلوا شيئاً يضاد عقد أمانهم؛ فلم يصيروا ناقضين.
وعلى الوجه الآخر قال في "التهذيب": يجوز لأهل البغي أن يكرُّوا عليهم
بالقتل والاسترقاق في صورة دعواهم العلم بالحال.
وهو خلاف ما حكيناه عن الإمام، وفي صورة دعواهم الظن بجواز القتال: لا يجوز لأهل البغي اغتيالهم، بل يبلغونهم المأمن، وكذلك أهل العدل أيضاً.
وهو خلاف ما حكيناه عن الماوردي.
ولو قاتل أهل الذمة أهل البغي، قال القاضي ابن كج: لا ينتقض عهدهم، وعن [رواية] أبي الحسين بن القطان وجه: أنه ينتقض؛ لأنهم حاربوا المسلمين.
قال: وإن ولوا قاضياً نفذ من حكمه ما ينفذ من حكم الجماعة، أي: جماعة أهل [العدل]؛ لأن لهم تأويلاً يسوغ فيه الاجتهاد.
وقال المعتبرون من الأصحاب وهم العراقيون، وطائفة من المراوزة والماوردي: وهذا بشرط أن يكون مسجتمعاً لشرائط القضاء كما سنذكرها، وبهذا يخرج ما إذا كان ممكن يستحل دماء أهل العدل وأموالهم؛ لأنه بهذا الاعتقاد فاسق، ومن شرط القضاء: العدالة، وما إذا كان من الخطابيةن وهم طائفة يرون أن يشهدوا لموافقيهم في العقيدة؛ تصديقاً لقولهم واعتماداً على أنهم لا يكذبون؛ لأن الكذب كفر عندهم؛ لأن من هذا شأنه يقضي لموافقه أيضاً، ونحن لا نقبل شهادته له – كما سيأتي في موضعه – فقضاؤه له أولى، كما [أنَّا] لا نقبل شهادة الوالد لولده، ولا نقبل حكمه له، نعم: لو قضى على من وافقه في الاعتقاد، اتجه تنفيذ حكمه إن قبلنا شهادته عليه، كما جزم به القاضي الحسين؛ لأنه ليس في القول بتصديق صاحبه ما يوجب فسقه، وهو نظير العداوة والقرابة: يردان الشهادة من أحد الجانبين دون الآخر.
قال الرافعي: ومنهم من يطلق نفوذ قضاء أهل البغي؛ رعاية لمصلحة الرعايا، وقد صرّح مصرّحون: بأن من ولاه صاحب الشوكة نفذ قضاؤه، وإن كان جاهلاً أو فاسقاً كقضاء أهل البغين وهذا القياس فيه نظر، وسيأتي إن شاء الله – تعالى- في كتاب الأقضية.
[ولا فرق] في تنفيذ حكمه بين أن يرفع إلينا [بعد عود البلاد إلينا،]
وبين أن يأتي كتابه إلينا، [لكن] قال الأئمة: يستحب في هذه الحالة ألا نقبله استخفافاً بهم واستهانة، كما حكاه في "المهذب"، وكذا البندنيجي وابن الصباغ.
وقال الماوردي: الأولى ألا يتظاهر بقوله ويتلطف في ردّه.
وظاهر كلام الغزالي يقتضي خلاف ذلك؛ لأنه قال: يجب على قاضينا إمضاؤه.
وكذلك لفظ القاضي الحسين؛ فإنه قال: ولو كتب [إلى قاضينا] بحكومة لزمه التنفيذ والإمضاء.
وكذا لفظ أبي الطيب: وجب أن نقبله وننفذه.
فلعلهم أرادوا بذلك عدم النقض والحكم بخلافه.
أما إذا لم يحكم، لكن كتب بسماع البيّنة دون الحكم – فهل يحكم قاضينا به؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لما فيه من معاونة أهل البغي وإقامة مناصبهم، ولأنه يعتقد خلافه؛ فكان كما إذا كتب الحنفي على قاضٍ شافعي بالشفعة للجار، وانقطاع الرجعة بلفظ البينونة- لا نحكم به؛ لأنه خلاف ما نعتقده.
وأصحهما –وهو ما أورده البندنيجي -: نعم؛ لأن الكتاب الذي يرده يتعلق برعايانا، وإذا نفذنا حكم قاضيهم لمصلحة رعاياهم، فَلأَنْ نراعي مصلحة رعايانا كان أولى.
وقد حكى الإمام عن رواية صاحب "التقريب" والشيخ أبي محمد طرد القولين فيما إذا أبرموه واستعانوا به في الاستيفاء، وقال: كنت أود لو فَصَلَ فاصلون بين الأحكام التي تتعلق بأصحاب النجدة والامتناع، وبين ما يتعلق بالرعايا.
تنبيه: حكم الشيخ بنفوذ حكم حاكمهم يعرفك قبول شهادة الواحد منهم؛ لأنه لو خرج بالبغي عن العدالة لم يصح حكمه، وهذا بناء على أصلنا في انهم ليسوا بفسقة كما مر، ولفظ الشافعي –رضي الله عنه -: "ولو شهد منهم عدل قبلت شهادته ما لم يكن يرى أن يشهد لموافقته [بتصديقه"، فأثبت العدالة مع البغي.
وقوله: "ما لم يكن يرى أن يشهد لموافقته]، أراد به الخطابية.
وقول الشيخ: ما ينفذ من حكم الجماعة، احترز به عما لو خالف حكمه نصًّا أو إجماعاً أو قياساً جليًّا؛ فإنا لا ننفذه حتى لو وقع واحد من أهل العدل في
أسرهم، فقضى عليه قاضيهم بضمان ما أتلف في الحرب، لم ينفذ قضاؤه، وكذا لو حكم بسقوط الضمان عمن أتلف شيئاً في غير القتال، فإن حكم بسقوط ضمان ما أتلفوه في حال الحرب أنفذناه؛ لأنه محل الاجتهاد.
فرع: إذا ورد على قاضي أهل العدل كتاب من قاضي أهل البغي، وهو لا يدري أنه يستحل دماء أهل العدل وأموالهم أو لا – فقد حكى ابن كج في تنفيذه قولين، وقال: إن اختيار الشافعي – رضي الله عنه – منهما: أنه لا يقبل ولا يعمل به.
قال: وإن أخذوا الزكاة والخراج [والجزية] اعتد به، [أي: اعتد به] أهل العدل للمأخوذ منه إذا رجعت البلاد إليهم؛ اقتداء بعلي – كرّم الله وجهه – فإنه قاتل أهل "البصرة" ولم يتبع ما أخذوه من الحقوق، ولأنهم أخذوا ذلك بتأويل سائغ؛ فأشبه حكم الحاكم [باجتهاد سائغ] لا ينقضه آخر، ولأن في إعادة الطلب إضراراً بأهل البلدة ومشقة شديدة؛ فغنهم قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة، وفي "تعليق" القاضي الحسين [حكاية وجه]: أنهم إن أعطوا الزكاة بطيب أنفسهم من غير كره منهم لا يسقط عنهم، وقضية ذلك أن تطرد في غيرها.
قال الرافعي: وفي الجزية وجه رواه الفوراني وغيره: أنه لا يُعتد بأخذها؛ لأنها عوض السكنى، والأعواض بعيدة عن المسامحة.
قلت: وقضية هذا التعليل: أن يطرد هذا الوجه في الخراج، لكن كلام الفوراني يفهم التعليل بشيء آخر؛ لأنه قال – بعد أن حكى: أنهم إذا أخذوا الجزية فلا ينبني كما في أخذ الصدقات -: وقيل: فيه وجه ىخر: ينبني، والرق: أن الذمي ليس بأمين على ما عليه من الجزية، يشير بذلك إلى أنه متهم في الدفع لهم على وجه الإكراه؛ لأنه عدو لأهل العدل؛ فيكون كما لو دفعها بالرضا، وقد تقدم في دفعها بالرضا احتمال وجه في عدم الإجزاء، وعلى هذا لا يحسن تخريج هذا الوجه في الخراج.
وفي الاعتداد بما فرقوه من سهم المرتزقة من الفيء على جندهم وجهان في "النهاية"، وظاهر المذهب: وقوعه موقعه.
قال: فإن ادعى من عليه زكاة أنه [دفع الزكاة] إليهم، قُبل قوله مع يمينه، أن الزكاة عبادة وجبت على سبيل المواساة، والمسلم في إيفاء العبادات [أمين].
قال: وقيل: يحلف مستحبًّا، وهو المختار في "المرشد"، وقيل: يحلف وجوباً، وتوجيههما مذكور في الزكاة.
وقال النواوي: الصواب حذف "الواو" من "وقيل" الأولى أو جعلها "فاء"، وقد سبق في الاصطدام مثله.
فإن قلنا بالثاني، وهو الأصح في "الجيلي" وعند النواوي، فإذا لم يحلف ألزمناه الزكاة، لا لنكوله؛ بل لأنها كانت واجبة عليه في الأصل، وقد ملك إسقاطها باليمين، فإذا لم يحلف رجعنا إلى الأصل، وفي "الجيلي" وجه: أنها لا تؤخذ منه.
قال: وإن ادعى من عليه جزية أنه دفعها إليهم لم يقبل قوله إلا ببيّنة؛ لأن الجزية على الكفار عوض عن المساكنة، فأشبه ما لو ادعى المستأجر دفع الأجرة لا يقبل قوله إلا بينة.
وفي كتاب ابن كج وجه: أنه يُصدق كدافع الزكاة.
قال: وإن ادعى من عليه خراج أنه دفعه إليهم، أي: وهو مسلم، فقد قيل: يقبل قوله؛ لأن المسلم من أهل الائتمان؛ فقبل قوله كما في دفع الزكاة.
قال النبدنيجي: وليس بشيء.
وقيل: لا يقبل؛ لأن الخراج [ثمن أو أجرة]، فلا يقبل قوله في الدفع، كالثمن في البيع والأجرة في الإجارة، وهذا أصح في "الرافعي" وغيره، وهو المختار في "المرشد".
أما لو كان من عليه الخراج كافراً، لم يقبل قوله كما في الجزية، صرح به الماوردي.
ولو ادّعى من عليه حد أنهم استوفوه منه، قُبِل قوله بلا يمين، وهذا ما حكاه الماوردي؛ لأنها مما تدرأ بالشبهات، وقيل: إن كان قد ثبت بإقراره قُبِل، وإن كان قد ثبت بالبينة: فإن ظهر أثر الضرب أو القطع قبل قوله، وإلا فلا، وهذا ما حكاه المتولي.
فرع: حيث لا يقبل قول المدعي الإيفاء إلا ببينة، فلو أحضر خطًّا بالقبض منه، قال الماوردي: فإن كانت محتملة شبهة لم يُعمل بها، وإن كانت سالمة من الاحتمال ظاهرة الصحة، فهل يعمل بها في حقوق بيت المال؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ اعتباراً بالعرف فيها.
والثاني- وهو الأصح في "الحاوي" -: [لا؛] كما لا يجوز العمل بها في الأحكام، ولا في حقوق المعاملات؛ لدخول الاحتمال فيها، وإمكان التزوير.
قال: وإن أظهر قومٌ رأيَ الخوارج، ولم يظهروا ذلك بحرب، لم [نتعرض إليهم].
الخوارج: صِنف مشهور من المبتدعة، يعتقدون أن من أتى كبيرة فقد كفر وحبط عمله، واستحق الخلود في النار، وأن دار الأمير تصير بظهور الكبائر فيها دار كفر وإباحة؛ فيكون من تولاهم جرى عليه حكمهم؛ فلذلك طعنوا في الأئمة، وامتنعوا من الصلاة خلف واحد منهم، ولزموا تجنب [الجمعات و] الجماعات.
فإظهار رأيهم أن ينطقوا بمعتقدهم، يوتجنبوا حضور الجمعات والجماعات، فإذا فعلوا ذلك ولم يُظهروه بحرب، بل استمروا على طاعة الإمام [ظاهرا] – لم نتعرض إليهم؛ لما رُوي أن عليًّا – كرم الله وجهه – سمع وهو في الصلاة رجلاً يقول، [وهو] في جانب المسجد: لا حُكْمَ إلا لله ولرسوله، وقصد بذلك تخطئة عليّ في التحكيم بينه وبين معاوية، فقال علي – كرم الله وجهه – وهو [في] خلال الصلاة – كما نقله القاضي الحسين-: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: 60]، وقصد به قراءة القرآن، وإن تضمن ذلك ردًّا عليه، ومثل ذلك لا يضر بالصلاة عندنا كما قاله القاضي [الحسين]، فلما فرغ من الصلاة قال: "كلمة حق أُريد بها باطل"، [كما] قال الماوردي، وهذا أحسن جواب فيمن عرض بمثل هذا القول.
ثم قال [علي] – رضي الله عنه -: "لكم
علينا ثلاثة: لا نمنعكم مساجد الله – تعالى – أن تذكروا فيها سامه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم في أيدينا، ولا نبدأكم بالقتال".
فجعل الأحكام فيهم كهي في أهل العدلن واقتفى في ذلك سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين في كفه عنهم مع علمه بمعتقدهم؛ لتظاهرهم بالطاعة مع استبطان المعصية، وقال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا اَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَاللهُ يَتَولَّى السَّرَائِرَ".
قال القاضي الحسين [و] أصحابنا: وهذا إذا لم يكن على المسلمين ضرر منهم، فأما إذا اتصل ذلك بضررهم، فإنه يتعرض غليهم حتى يزول ذلك عن المسلمين.
قال: وكان حكمهم حكم الجماعة فيام لهم وعليهم، يعني: [حكم] جماعة أهل العدل فيما يتلف بعضهم على بعض من نفس ومال، وفيما يتعاطونه مما يوجب العقوبات؛ لما ذكرناه من أثر عليّ رضي الله عنه.
وقد روي أن عليًّا – رضي الله عنه – ولي [علي] أهل النهروان عامله عبد الله ابن خباب بن الأرت وقد اعتزلوه، فكنا ناظراً فيهم كنظره في أهل العدل، إلى أن وثبوا عليه وقالوا: ما تقول في الشيخين أبي بكر وعمر؟ فقال: ما أقول في خليفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمامي المسلمين، فقالوا: ما تقول في عثمان بن عفان؟ فقال في الست الأوائل خيراً، وأمسك عن الست الأواخر، فقالوا: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ فقال: أمير المؤمنين، وسيد المتقين.
فعمدوا إليه فذبحوه؛ فراسلهم عليّ: أن سَلِّموا إليَّ قاتله أحكم فيه بحكم الله – تعالى – فقالوا: كلنا قتلناه.
قال: فاستسلموا لحكم الله.
فسار إليهم وقتل أكثرهم.
قال القاضي الحسين: وقد قيل: إنه لم ينفلت منهم أكثر من اثنين أو ثلاثة،
وكان عدد القتلى أربعة آلاف، وهذا يدل على إجراء حكم أهل العدل عليهم، وأنه لا يسقط بخلع الطاعة.
وفي "المهذب" و"الشامل" و"الحاوي" وغيرها وجه: أنه يتحتم قتل القاتل منهم؛ بالقياس على القتل في المحاربة.
وفي "التتمة" تخصيص الخلاف بما إذا قتل في حال القتال، أما إذا أظهروا ذلك بحرب فقد قال في "التهذيب": إنهم فسقة وأصحاب نهب؛ فحكمهم حكم قطاع الطريق.
وهو قضية ما ذكرناه عن الأصحاب من قبل في أن مِن شَرْط الباغي أن يكون تأويله محتملاً يسوغ في الشرع، كالذي تأوله أهل الجمل وصفين في المطالبة بقتلة عثمان –رضي الله عنه – وأنهم إذا لم يكن لهم تأويل أجري عليهم حكم الحرابة وقطاع الطريق، فعلى هذا: يضمنون ما يتلفونه في حال القتال من نفس ومال جزماً؛ لان تأيلهم كَلاَ تأويلٍ، بل هم به كفرة على رأي، وقد صرح بذلك المتولي.
قال: وإن صرحوا بسب الإمام، [أي:] أو أحد من أهل العدلن مثل أن قالوا: يا فاسق أو يا ظالم – عَزرهم؛ لتعديهم بإتيان معصية لا حَدَّ فيها ولا كفارة.
وقد روي أن عدي بن أرطاة كتب إلى عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه -: إن الخوارج عندنا يسبونك، فكتب إليه: إن سبوني فسبوهم أو اعفوا عنهم.
قال: وإن عرضوا بسبِّهِ، أي مثل أن قالوا: ما بقي في الناس عادل، أو قد عم الظلن الناس – لم يتعرض إليهم؛ لأنه يحتمل السب وغيره، فلا يرتب عليه ما يرتب على السب المحقق، وروي أن رجلاً من الخوارج قال لعلي – رضي الله عنه – بعد صلاة الصبح: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]، فأجابه عليَّ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الروم: 60]، ولم يتعرض له بتعزير ولا غيره، وقيل: يعزرهم؛ كي لا تنخرق الهيبة، ويجعلوا التعريض تصريحاً.
وهذا الذي ذكرناه هو المذكور في طريقة أهل العراق و"الحاوي"، وكذا في
"تعليق" القاضي الحسين خلا ذكر التعزير.
والغزالي وإمامه قالا: في تكفيرهم الخلاف المشهور في تكفير أهل الأهواء والبدع، فإن لم نكفرهم ففيهم وجهان:
أحدهما: أن شبهتهم كتأويل البغاة، وحكمهم كحكمهم.
قلت: وهذا نازع إلى أن التأويل المقطوع بخطئه تأويل معتبر فيما نحن فيه.
قال الإمام: وهذا الوجه ساقط لا أصل له.
وأصحهما: أنهم كأهل الردة، ولا يبالي بما يتمسكون به؛ لظهور فساده، وعلى هذا: فلا تنفذ أحكامهم، بخلاف أحكام البُغاة.
ويجيء في ضمان ما يتلفونه في حال القتال الطريقان الآتيان في المرتدين، وهما كالطريقين [المذكورين] في الذين كثرت شوكتهم ولا تأويل لهم إذا أتلفوا في حال الحرب، وقد مضيا.
قال: وإن اقتتلت طائفتان في طلب رياسة أو نهب مال أو عصبيةٍ، فهما ظالمتان، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَان فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ".
قال: وعلى كل واحدة منهما ضمان ما تتلف على الأخرى من نفس ومال؛ لأن سقوط ذلك عن البغاة كان لأجل التأويل، واعتقادهم إباحة القتال، وهذا منتفٍ [ها] هنا، وعلى الإمام أن يكفهما عن الظلم.
ولو اقتتلت طائفتان من أهل البغين قال الصحاب: لم يجز للإماام ان يُعِين أحداهما على الأخرى إن قدر على دفعهما، بل عليه أن يدفعهما عن البغي، إن لم يستطع فليضم إليه أقربهما إلى معتقده وأرغبهما في طاعته، فإن استويتا ضم إليه [أقلهما جمعاً، فإن استويتا ضم إليه] أقربهما داراً، فإن استويتا
اجتهد رأيه في أحداهما، فإن طاوعته التي قاتلها أو انهزمت عنه عدل إلى الأخرى ولم يبدأها بقتال، إلا بعد استدعائها ثانياً إلى الطاعة؛ لأن انضمامها إليه كالأمان الذي يقطع حكم ما تقدم من الاستدعاء والجناية.
قال: ومن قصد قتل رجل أي: بغير حق، جاز للمقصود دفعه عن نفسه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"، [كذا أخرجه البخاري عن عكرمة مولى ابن عباس.
وخرج أبو داود عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أرِيدَ مَالُهُ بشغَيءرش حَقٍّ فَقَاتَلَ فَهُوَ شَهِيدٌ" وقال الترمذي: إنه حسن صحيح].
فلولا أن له قتاله ودفعه عن ماله لم يدرك به الشهادة، فإذا ثبت ذلك في المال ففي النفس من طريق الأولى؛ لأنه صلى الله عليه وسلم شبه حرمة المال بحرمة النفس، فقال: "حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ"، والمشبه دون المشبه به.
[وقد روى أبو داود عن سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، اَوْ دُونَ دِينِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ"، وأخرجه النسائي وابن ماجهن وقال الترمذي: إنه حسن صحيح].
ولا فرق في الدافع عن نفسه بين أن يكون مسلماً أو ذميًّا، ولا بين الحر والعبد، سواء كان قاصده سيده أو غيره.
ثم محل جوازه بالاتفاق إذا لم يكن للمطلوب ملجأ يلجأ إليه من حصن يغلقه عليه، أو هرب لا يمكن لحوقه فيه، أما إذا وجد ملجأ [فقد قال] الشافعي – رضي الله عنه – في كتاب الخراج: "له أن يثبت ويقاتل"، وقال في كتاب أهل البغي: "ليس له أن يقاتل، [بل] يلزمه أن يهرب".
فاختلف
الأصحاب في ذلك: فخرجه بعضهم على قولين:
أحدهما: يجب الهرب؛ لأنه ضرب من الدفع وهو أسهل من غيره، وإذا قدر على الدفع بأدنى الأمور لم يعدل إلى أصعبها، وهذا ما قال الإمام قبيل باب ما له لبسه من كتاب صلاة الخوف: إن الظاهر عندي القطع به.
والثاني: له أن يثبت؛ لأن المقام في ذلك المكان مباح، فإذا جاء من يطلب منه ما لا يجب عليه، كان له الدفع بأدنى ما يندفع، ولا يلزمه الانتقال عن مكانه.
قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: ومنهم من بنى الخلاف على وجوب الدفع، فإن قلنا: الدفع واجب، لزمه الهرب، وإلا فلا، [وعلى هذا جرى الإمام].
وقال آخرون: بل هو على اختلاف حالينن وحملوا الأول على ما إذا غلب على ظنه أنه [ينجو، والثاني على ما إذا غلب على ظنه أنه] لا ينجو بالهرب منه.
قال: وهل يجب [ذلك]؟ قيل: يجب؟ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، وكما يجب على المضطر من الجوع إحياء نفسه بأكل ما يجده من الطعام، وهذا ما ادعى القاضي أبو الطيب أنه الذي قال به سائر الأصحاب، وأنه المشهور، وهو الأصح في "الجيلي".
وقيل: لا يجب، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:28]، وهذا وإن كان في شرع من قبلنا، فقد ورد في شرعنا ما يقرره، روي عن حذيفة بن اليمان في الصحيح [-كما قال الإمام -] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [لمّا] وصف ما سيكون من الفتن، فقال حذيفة: "يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَوْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ [الزَّمضانُ]؟ فَقَالَ: ادْخُلْ بَيْتَكَ، وَأَخْمِلء ذِكْرَكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ لَو دَخَلَ بَيْتِي، فَقَالَ: إِذَا رَاعَكَ بَرِيقُ السَّيفِ فَاسْتُرْ وَجْهَكَ، وَكُنْ عَبْدَ اللهِ الْمَقْتُولَن وَلاض تَكُنْ عَبْدَ اللهِ القَاتِلَ"، وفي بعض الألفاظ:
" [وَكُنْ خَيْرَ ابْنَي] آدَمَ"، وعَنَى صلى الله عليه وسلم قابيل وهابيل.
وقد صحَّ أن عثمان بن عفان – رضي الله عنه – حين أربدت نفسه منع عنه عبيدَهُ، وكانوا أربعمائة شاكِّين [في] السلاح كما حكاه الإمام، وقال لهم: من ألقى سلاحه فهو حر.
والفرق على هذا بنيه وبين المضطر: أن في القتل شهادة يرجو بها الثواب، وليس في ترك الأكل شهادة يُثاب عليها، وهذا قول أبي إسحاق المروزي، وهوا لمختار في "المرشد"، ثم الرافعي ثم النواوي، وإيراد الماوردي يقتضي ترجيحه، وفي "التهذيب" أن شيخي كان يقول – يعني القاضي الحسين -: إن أمكنه دفعه من غير أن يقتله يجب، ولا يجوز أن يستسلم.
والذي رأيته في "تعليقه": أن الأصحاب أطلقوا القول بأن المقصود بالقتل، بالخيار بين الاستسلام وبين الدفع عن نفسه.
وقلت أنا: إن أمكنه أن يدفعه من غير أن يجرحه أو يقتله يجب عليه الدفع.
وقال في "التتمة": المذهب أنه إن قدر على دفعه من غير تفويت روحه، أو تفويت [عضو من أعضائه – لزمه الدفع، وإن لم يتمكن [من الدفع] إلا بأن يأتي على روحه أو] عضو من أعضائه، ولم نوجمب عليه الهرب إذا قدر عليه
- فهاهنا محل الخلاف، وقد حكى الماوردي: أن أبا إسحاق طرد مذهبه فيما إذا وجد المضطر طعاماً لغيره وهو غير قادر على ثمنه، وفيما لو وجد ميتة، وقال: لا يجب عليه الأكل، بل يكون مخيراً فيه، وجعل محل إيجاب الأكل – جزماً – ما إذا كان مالكاً للطعام، أو واجداً لثمنه، وغيره أوجب الأكل في جميع الأحوال.
ثم إذا لم نوجب الدفع عن النفس، فهل يكون تركه مباحاً أو مندوباًظ حكى الإمام فيه خلافاً عن الأصحاب، وأثبت الخلاف المذكور في الكتاب قولين، وأشار إلى أنهما منصوصان، ثم قال: ولا خلاف في استحباب الإيثار وإن أدى إلى هلاك المؤثر، وهو شِيَم الصالحينن ويتصور من أوجه يدل البعض منها على الكل، فإذا اضطر الرجل وانتهى إلى المخمصة ومعه ما يسد جوعه، وفي رفقته مضطر، فآثره بالطعام – فهو حسن، وكذلك القول في جملة الأسباب التي يتدارك بها المُهَج.
قال: وإن قصد ماله فله أن يدفعه نه لما ذكرناه من قبل.
ولا فرق في ذلك بين ما كثر منه أو قل [ولو درهم]؛ لعموم الخبر، [وحكى الإمام في باب صلاة الخوف أن الأصحاب استنبطوا من نص نقله الأئمة والصيدلاني عن الشافعي: أنه لا يصلي صلاة شدة الخوف فيما إذا أدركه سيل، وعلم أنه لو مر مسرعاً وصلى ماراً مؤمئاً سَلِمَ وسلم ماله، ولو صلى متمكناً أن يهرب ويتلف ماله – قولاً في أن الذابَّ عن المال إذا علم أنه لا يتأتى له دفع قاصد ماله إلا بقتلهن وبما يؤدي إلى القتل – فليس له أن يدفعه، قال: وهذا بعيد جداً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"، فإذا كان يجوز له أن يعرض نفسه للهلاك بسبب ماله، فَقَتْل الصائل مع الاقتصار على قدر الحاجة في الدفع أولى.
ومن منع قتل الصائل على المال، لا شك أنه يمنع مالك المال من أن يعرض نفسه للهلاك في الذب عن المال، وإذا قال هذا فيكون مخالفاً للخبر، والله أعلم].
قال: [وله تركه؛] لأنه يجوز له أن يتجه إياه، وفي "التهذيب": أن الأمر كذلك إذا لم يكن المال حيواناً، أو كان ولم يقصد إتلافه، أما إذا قصد إتلافه فإنه يجب عليه الدفع ما لم يخش على نفسه؛ لحرمة ذي الروح.
قال: وإن قصد حريمه –أي كولده وزوجته ونحوهما – بقتل، أو لينال من
أحدهما فاحشة- كما قال الماوردي – وجب عليه الدفع؛ لتحريم إباحة ذلك؛ لأن الحق لغيره، وليس [له] أن يجود بحق غيره.
وقد روي أن امرأة خرجت تحتطب، فتبعها رجل فراودها عن نفسها؛ فرمته بفهر فقتلته، فرُفع ذلك لعمر – رضي الله عنه – فقال: قتيل الله، والله لا نودي هذا ابداًز ولم يخالفه أحد؛ فكان إجماعاً، وهذا ما جزم به البغوي والمتولي، وشرطا في الوجوب: ألا يخاف على نفسه، وإليه أشار الغزالي وإمامه في كتاب السير، كما سنذكره ثَمَّ، إن شاء الله تعالى.
وفي "النهاية" في كتاب الخوف، ما يقتضي جريان الخلاف الذي ذكرناه في وجوب الدفع عن نفسه، والذب عن الحريم؛ فإنه قال بعد حكاية الخلاف في وجوب الدفع عن نفسه: والذب عن [دم] الغير وعن الُحرَم في كل ما ذكرتهن بمثابة ذب الإنسان عن دم نفسه.
وكلامه الذي سنذكره من بعد مصرح به أيضاً، وقد حكاه من العراقيين: القاضي أبو الطيب في باب جامع السير، عند الكلام في لقاء الواحد ثلاثة من الكفار، [والماوردي جزم به في صلاة الخوف حين قال: وأما القتال المباح فقتال الرجل عن ماله وحريمه].
وقد احترز الشيخ بلفظة "من" في قوله: ومن قصد قتل رجل، عما إذا صالت عليه بهيمة؛ فإنه يجب عليه دفعها وجهاً واحداً، ولا يجري فيها الخلاف المذكور في الاستسلام، وقد صرّح به الماوردي والإمام وغيرهما.
تنبيه: ظاهر إطلاق الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أنه لا فرق في القاصد من الآدميين لقتل الشخص بين الكافر والمسلم، والمكلف وغيره، إذا كان له تمييز، وهو في هذا الإطلاق متبع للعراقيين، إلا انه لا خلاف في أن القاصد إذا كان حربيًّا لا يجوز الاستسلام له، كما سيأتي في موضعه، وكذلك إذا كان مرتدًّا، وقد الحق بهما الإمام الذمين حيث قال في باب صول الفحل: والوجه القطع [بأنه] لا يجوز الاستسلام له، وإن كانت الذمة توجب حقن دمه؛ لانه بصياله ناقض عهده،
فتسقط حرمته ويبقى كافراً صائلاً على مسلم، وإن قلنا: إنه لا ينتقض عهده بصياله – كما هو وجه ضعيف – فلا حرمة للذمة حالة القتال والصيال، وعلى الجملة فالاستسلام للكافر ذل، وقد حكى ذلك عن الأصحاب في باب: صلاة الخوف.
وعن "جمع الجوامع" للروياني: أن الصائل إذا كان كافراً فالأولى له أن يقاتل، ويكره له ترك القتال والدفع عند الإمكان.
وهذا يشعر بالتجويز كما أفهمه إطلاق [كلامي الشيخ، والمشهور الأول، وفي "الحاوي" إلحاق المجنون بالبهيمة وقال: إنه لو كف عن الدفع كان كالإذن في قتل نفسه، وقد حكى الإمام عن شيخه في كتاب صلاة الخوف طريقة قاطعة تمنع الاستسلام لغير المكلف كما في البهيمة؛ نظراً إلى ما دَلَّ عليه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: 29]، وهذا ليس بآثم.
ثم قال: و [هذا] فيه نظر؛ لأن المحذور قتل مسلم، وهذا متحقق في الصبي والمجنون، ولعله أظهر من جهة أنهما لا يأثمان وليسا كالسبع يصول؛ فإنه يتعين دفعه قطعاً، وعلى ذلك جرى الرافعي، وجعل الأظهر طريقة القولين كما اقتضاه كلام الشيخ وغيره.
الثاني – وهو ما دل عليه المفهوم -: أنه إذا قصد عضواً من أعضائه لا يكون الحكم فيه كالحكم في قصد القتل، والأصحاب مطبقون على أن له الدفع، وساكتون عن الوجوب وعدمه فيما وقفت عليه من كتبهم إلا ما سأذكره عن الإمام.
الثالث- وهو ما دَلَّ عليه المفهوم أيضاً-: أنه إذا قصد قتل غيره، وليس ذلك الغير من حريمه، لا يكون الحكم فيه كما تقدم، وقد حكيت عن الإمام أنه قال في صلاة الخوف: إن الذب عن دم الغير بمثابة الذب عن دم نفسه في جميع ما ذكرناه.
وقال في باب صول الفحل: إن الذي اختاره المحققون من الفقهاء أن حكمه في حق غيره كحكمه في الدفع عن نفسه حتى يكون واجباً عليه على قولٍ، وبه أجاب في "التهذيب" وعلله بأن الحق لغيره، لويس له أن يجود بحق غيره، لكن بشرط
ألا يغلب على ظنه هلاك نفسه، فإن غلب فلا يجب؛ لأنه لا يلزمه أن يجعل روحه فداء لروح غيره.
وهذا لشرط مختار القاضي الحسين في "التعليق"، وحكاه الرافعي عن الشيخ إبراهيم المروزي؛ إذ قال الإمام: وعلماء الأصول اضطربوا في هذا، فذهب المحققون منهم إلى أن هذا محتوم على الولاة، فأما آحاد الناس فلا يلزمهم هذا، ثم منهم من لم يجوّز شهر السلاح للدفع عن الغير، ومنهم من جوَّزه ولم يوجبه، وأن هذا لا يختص بأن يصول الإنسان على غيره قاصداً قتله، فمن كان [مُقدِماً] على مُحرَّم فيمنع منه، فإن أبى دفع عنه.
ثم قال: فخرج مما ذكرناه أن الإنسان يدفع عن نفسه بكل وجه، والكلام في وجوب الدفع، وهذه مرتبة، والمرتبة الأخرى في الدفع عن الغير، وهو مقصود بالقتل أو بفاحشة الزنى، وهاهنا افتراق الفقهاء وأرباب الأصول كما قدمناه، وفي كلام الأصوليين رمز إلى موافقة الفقهاء.
والمرتبة الثالثة في الدفع عن المنكرات والمحرمات سوى ما ذكرناه، يعني: كشرب الخمر ورض رأس حيوان محترم كما صرّح به في كلامه من قبل، فالأصوليون مطبقون على: أنه لا يجوز لآحاد الناس شهر السالح، وذهب طوائف من الفقهاء [إلى]: أنه لا مبالاة بشهر السلاح إذا أفضت الحاجة إليه، وعلى [هذا] ينطبق ما جزم به الرافعي فيما إذا رأى شخصاً يتلف مال نفسه، بأن يحرق لبسه ويغرق متاعه، أنه يجوز له الدفع، وفيما إذا كان حيواناً محترماً ورآه يشدخ لبسه ويغرق متاعه، أنه يجوز له الدفع، وفيما إذا كان حيواناً محترماً ورآه يشدخ رأسه، في وجوب الدفع لحرمة الحيوان وجهان، المذكور منهما في "التهذيب": الوجوب؛ ولذا قال فيما إذا علم أن إنساناً يشرب الخمر في داره أو أن في الدار طنبوراً يضربه: فله أن يهجم عليه ويريق الخمر ويفصل الطنبور، ويمنعهم من الشرب والضرب، وإن [لم] ينتهوا قَاتَلهم عليه، فإن أتى القتل عليهم فهو مثاب عليه، وكذا حكاه الفوراني والعمراني عن الطبري، وحكى الغزالي من أن من الفقهاء من منع [ذلك] إلا للسلطان؛ خوفاً من الفتنة، وهو مأخوذ من قول الإمام: وذهب طوائف من الفقهاء إلى كذا.
قال: وإذا أمكن الدفع بأسهل الوجوه لم يعدل إلى أصعبها؛ لأن هذا فعل
جُوّز للضرورة، ولا ضرورة في الأصعب مع إمكان تحصيل المقصود بالأسهل، فعلى هذا: إذا غلب على ظنه أن الصائل يندفع بالصياح لم يدفعه باليد، فإن لم يندفع بالصياح – مثل أن كان في موضع لا يلحقه غوث – دفعه باليد إن غلب على ظنه اندفاعه بها، فإن لم يندفع بها دفعه بالعصا إن غلب على ظنه اندفاعه بها، فإن لم يندفع دفعه بالسلاح، فإن لم يندفع إلا بقطع عضو قطعه.
قال: فإن لم يندفع – أي: في ظنه – إلا بالقتل فقتله لم يضمنه، أي: بقود ولا دية ولا كفارة؛ لما روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ جَارِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"، والشهيد مظلوم، وللمظلوم دفع الظلم عن نفسه بالقتال، وما أبيح من القتال لم يجب به ضمان؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: 41، 42]، وقد روى الشافعي – رضي الله عنه – بسنده عن صفوان ابن يعلي بن أمية عن أبيه أنه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة العسرة، وكان لي أجير، فقاتل إنساناً، فعض أحدهما [يد] صاحبه، [فانتزع يده من فيه]؛ فانتزع ثنيَّته، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم [فأهدر ثنيته] وقال: "أَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ تَعَضُّهَا كَأَنَّهَا [فِي] فِي فَحْلِ".
ولما ذكرناه من قصة عمر – رضي الله عنه – في التي خرجت بالحطب.
فإن قيل: أليس قد روي أنه – عليه السلام – قال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانِن وَزنَِى بَعْدَ إِحْصَانٍ، وَقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيرِ نَفْسٍ"، وهذا غير هذه الثلاثة؛ فلا يجوز القتل به.
قيل: إن المباح – هاهنا – ليس [هو] القتل، وإنما هو الدفع، فإن أدى إلى
القتل فهو سراية متولدة من فعل مباح من غير قصدٍ [ما] إلى القتل؛ فلم يكن مخالفاً للخبر، وعلى أن الزيادة تجوز في مثل هذا بالدليل، كما زِيدَ قتل الحية والسبع العادي على الخمس التي نص النبي صلى الله عليه وسلم على قتله، في الحل والحرم، وهذا السؤال قد أورد – أيضاً – على قتال أهل البغي، وأجيب عنه بهذا الجواب.
وقال الماوردي: للخبر تأويلان [يغيبان عن الجواب]:
أحدهما: لا يحل قتله صبراً إلا بإحدى ثلاث، وهذا لا يقتل صبراً، وإنما ينتهي حاله إلى القتل دفعاً.
والثاني: لا يحل قتله بسبب متقدم إلا بإحدى ثلاث، وهذا لا يقتل بمتقدم، وإنما يقتل بسبب حادث في الحال.
وحكى الإمام أن بعض الأئمة نقل للشافعي – رضي الله عنه – قولاً قديماً أنه لا يجوز الدفع عن المال إذا كان لا يتأتى إلا [بقتل القاصد] أو بإتلاف عضو من أعضائه، ثم قال: وهذا وإن أمكن توجيهه في القياس فهو بعيد في الحكاية، والمتولي روى ذلك وجهاً.
قال الماوردي: وهذا التدريج في غير الدفع عن الفاحشة، أما إذا رأى رجلاً، وقد أولج في فرج أهله تعجل الدفع وتغلظ، فيجوز أن يبدأ بالقتل ولا يترتب على ما قدمناه؛ لأنه في كل لحظة تمر عليه مواقع، فجاز [لأجلها أن يعجل] القتل، قال: وعلى هذا ففي هذا القتل وجهان محتملان:
أحدهما: أنه قتل دفع؛ فيختص بالرجل دون المرأة ويستوي فيه البكر والثيب.
والثاني: [أنه] قتل حد؛ فعلى هذا يجوز أن يجمع فيه بين قتل الرجل والمرأة إذا كانت مطاوعة، إلا أن المرأة يفرق فيها بين البكر والثيب؛ فيقتلها [إن كانت ثيباً، وتُجلد إن كانت] بكراً وتغرب.
وأما الرجل ففيه وجهان:
[أحدهما]: يفرق فيه بين البكر والثيب أيضاً.
والثاني- وهو الأظهر -: لا يفرق، ويقتل في الحال؛ لأن القتل في الحال أغلظ من قتله دعاً، وهو يجوز وإن لم يكن محصناً.
ثم إذا خالف المصول عليه في الترتيب الذي ذكرناه وعَدَل إلى الدفع باليد مع إمكان الدفع بالكلام – ضمن، وكذا إذا عدل إلى الضرب بالعصا مع إمكان الدفع باليد، فأتى الضرب عليه – ضمنه، ومن طريق الأولى إذا عدل إلى قطع العضو مع إمكان الدفع بالجرح، أو إلى القتل مع إمكان الدفع بالقطع.
نعم، لو كان يمكن دفعه بالسوط، وليس معه إلا سيف أو سكين لو قَصَدَهُ لَقَتَلَهُ – فهذا فيه تردد.
قال الإمام: لأن الدفع ممكن من غير قتل، لكن [ليس] يتأتى الدفع في هذه الحالة إلا بما يجد، ولا يمكن نسبته إلى التقصير بترك استصحاب السوط، وهذا ما جعله في "الوسيط" الظاهر.
وقد حكى الإمام أن صاحب "التقريب" قال: كل من قصد أمراً يسوغ دفعه عنه، فهل يجب على المصول عليه أن يقدم إنذاره أم يبتدئ الدفع فعلاً من غير تقديم إنذار بالقول؟ فإن هذا عندي يتخرج على استتابة المرتد، وفيها قولان: ثم قال الإمام: وهذا الذي ذكره مما انفرد به، ولابد فيه من تفصيل؛ فإن الأصحاب أطلقوا أقوالهم: إن أمكن الدفع بالقول فلا يعدل عنه إلى الفعل؛ فالوجه: [القول] الذي يكون تخويفاً أو زعقة على الصائل إن أمكن الدفع به؛ فلا يجوز أن يكون في وجوب البداءة به خلاف.
والذي ذكره صاحب ["التقريب"] إنذار لا يكون دفعاً في نفسه، ولكنه من قبيل موعظة أو قريب منها، فإن أوجبناه فلم يفعله المصول عليه وفعل غيره ضمن بتركه، وليس كما إذا أوجبنا استتابة المرتد فلم يستتب، وابتدر مبتدر فقتله؛ فإن الضمان لا يجب؛ من
جهة أن الردة مهدرة، وهي واقعة.
قال: وإن اندفع، أي: إما بنفسه أو باليد، أو بضرب بعصا أو بجرح – [لم يتعرض إليه] لزوال السبب المسلط، وهكذا الحكم فيما لو كان قد أخذ المال فتبعه صاحبه، فألقاه إليه، لم يجز له اتباعه، فإن اتبعه فأتى عليه في نفس أو غيرها – ضمن.
قال: وإن اطلع رجل في بيت رجل، أي: فنظر حريمه، وليس بينهما محرمية – جاز رمي عينيه، أي: في حالة النظر بما يعميها مع إمكان زجره بالكلام؛ لما روى الشافعي – رضي الله عنه – بسنده عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنِكَ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَاتَ عَيْنَهُ – فَمَا عَلَيكَ جُنَاحٌ"، وفي بعض ألفاظه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفُقِئَ عَينُه فَلاَ دِيةَ لَهُ وَلاَ قِصَاصَ".
وروى – أيضاً – بسنده عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى رجلٍ ينظر في حجرة من حُجَرِهِ صلى الله عليه وسلم من صِيرِ بابهن وبيده مدرى يحك بها رأسه، فقال صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أَعْلَمُ أَنَكَ تَنْظُرُنِي، أَوْ تَنْظُرُ لِي؛ لَقَلَعْتُ بِهَا عَينَكَ، أَوْ لضطَعَنْتُ بِهِ فِي عَينِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ".
والمدري – كما قال أبوا لطيب -: حديدة صغيرة يفرق بها الشعر، وتُسمى بـ"العراق": المخيط، يستعملها النساء.
وقيل: ليس له أن يرميه قبل أن ينهاه؛ كما في الصائل، والأحاديث محمولة على ما إذا داوم النظر بعد النهي، فعلى هذا لو رماه قبل النهي ضمن، وهذا ما نسبه ابن الصباغ والبندنيجي إلى الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكذلك الماوردي نسبه إليه وإلى القاضي أبي حامد وجمهور البصريين، والغزالي نسبه إلى القاضين يعني: الحسين.
وفي "المهذب" نسبة الأول إلى القاضي أبي حامد والشيخ أبي حامد الإسفراييني، وهو المختار في "المرشد"، والمجزوم به في "الإبانة"، وقال الماوردي: إنه قول ابن أبي هريرة، وأكثر البغداديين.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: نسبته إلى شيخه أبي الحسن الماسرجسي، ثم أشار إلى أنه مذهب الشافعي – رضي الله عنه – لأنه قال بعد حكاية الوجه الثاني: وهذا خلاف مذهب الشافعي، رضي الله عنه.
قال الغزالي: وكأن الفرق أن النظر إلى الحرم جناية تامة؛ فإن ما رآه وانكشف له لا يستر باندفاعه بعده، لكن لا خلاف أنه بعد الاندفاع لا يقصد عينه بالجناية السابقة، فكأن المسلط الخاصية المذكورة مع وجود الجناية.
ثم قال القاضي أبو الطيب: نعم، قال الأصحاب: يستحب له ألا يرميه في أول الاطلاع، ويأمره بالانصراف عنه، فإن رماه قبل أن يأمره فقد ترك الاستحباب ولا ضمان عليه، ويأتي في وجوب هذا الإنذار إذا أوجبناه في الصائل بغير النظر خلاف صاحب "التقريب".
[قال:] ويرميه بشيء خفيف، أي: مثل حصا الخَذْف والعُود بقدر المدْرَى؛ لأن المستحق بالجناية فقء العين التي جنت، والخفيف يحصله، والكثيف يزيد عليه؛ فلا يجوز، ثم إذا رماه بشيء خفيف؛ ففقأ عينه، أو أصاب قريباً من عينه، فجرحه – فلا ضمان عليه، وكذا إذا سرى فَقْءُ العين إلى النفس فمات، كما صرّح به في "التهذيب".
ولو أصاب موضعاً بعيداً من عينه، لا عن قصد، فهل يضمن؟ قال في "الشامل": لا، وفي "التهذيب": فيه وجهان.
وقال: إنهما جاريان فيما لو لم يمكنه إصابة عينه، فأصاب موضعاً آخر، وجزم في "الشامل": بالمنع من الرمي إلى
غير العين، وقد وافق عليه البغوي عند إمكان الرمي إلى العين.
قال: فإن رماه بحجر [ثقيل] يقتل، فقتله؛ فعليه القود لتعديه.
قال: فإن رماه بشيء خفيف، فلم يرجع – استغاث عليه، فإن لم يلحقه غوث فله أن يضربه بما يردعه [عنه]؛ لوضوح عذره؛ كما في الصائل.
قال في "المهذب": والمستحب له قبل الضرب بما يردعه أن يخوفه بالله تعالى.
ونسب ابن الصباغ هذا إلى نص الشافعي، رضي الله عنه.
أما إذا كان في البيت محرم للناظر، مثل أمه وأخته ونحوهما – نُظِر: فإن كان منكشفاً متجرداً هو كالأجنبية؛ فيجوز رميه؛ لأن النظر إليه حرام، كذا أطلقه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ، وفي "تعليق" البندنيجي: أنه يقال له إذا كان في الدار امرأة متجردة: انصرِفْ؛ فإن هاهنا عورة مكشوفة، فإن لم ينصرف وحلَّ منه مايحل من الأجنبي، ثم قال: وهذا نص في: أنه لا يجوز حتى يتقدم إليه بما هو أيسر منه؛ وهو الإضراب، ولو كان المحرم مستترة لم يجز رميه.
قال الإمام: وإن كان لا يجوز له أن ينظر؛ لجواز أن يكون في الدار حرم لصاحب الدار، ولكن ما له من الشبهة أسقط جواز قصد عينه.
وفي "حلية" الشاشي: أن المطلع إذا كان من المحارم الذي يجري بينهما القصاص، في جواز رميه وجهان:
قال الشيخ أبو حامد: يجوز.
وقال ابن أبي هريرة: لا يجوز.
وهما كذلك في "الحاوي"، وجزم في "الإبانة" بمنع الرمي.
وقد ألحق بهذه الحالة ما إذا كان للمطلع في البيت مال، وحُكْم الرجل إذا كان في البيت وحده مكشوف العورة حكم الأجنبية؛ فيجوز له رمي عين الناظر، صرّح به أبو الطيب والبغوي، ولو لم يكن مكشوف العورة، فالذي حكاه الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: منع الرمي.
وفي "الحاوي" أنه كالمرأة سواء، وفي "التهذيب" و"عدة" الطبري و"النهاية" و"الإبانة" فيه وجهان جاريان فيما لو كان له فيها حريم وهن متسترات بالثياب، ورأى الإمام الأظهر – هاهنا-: جواز الرمي؛ لاشتمال الدار على الحرم.
تنبيه: احترز الشيخ بقوله: "وإن اطلع رجل" عما إذا اطلع امرأة أو صبي مراهق؛ فإن في جواز رمي عينه وجهين في "التهذيب"، [و] المذكور منهما في "الشامل" و"عدة" الطبري و"الإبانة" في المرأة: الجواز؛ لأن الإنسان يستر عورته من النساء والرجال.
وبقوله: "في بيت رجل" عما إذا دخل رجل بيت رجل بغير أمره؛ فإنه يأمره بالخروج من غير ضرب، فإن امتنع دَفَعَه، فإن لم يندفع ضربه، وبأي عضو يبدأ؟ فيه وجهان في "العدة" وغيرها:
أحدهما: بالرِّجل؛ لأنها الجانية، كما في النظر تفقأ العين، فعلى هذا لو ضرب غير الرِّجْلِ ضمن، قاله في "التهذيب" وقال الإمام: هذا الوجه غلط لا أصل له.
والثاني: له ضرب أي عضو شاء؛ لأنه دخل بجميع بدنه، فلو أتى الضرب عليه لم يضمنه، ولو دفعه قبل أن يأمره بالخروج، فهل يضمنه؟
فيه وجهان في "التهذيب"؛ كما لو رمى الناظر قبل النهي، والمذكور – في "تعليق" أبي الطيب -: الضمان.
نعم، قال: لو كان في البيت امرأة ليست بمحرم للداخل فنظر إليها، فهل يجوز رمي عينه وطعنها؟
قال [أبو علي] بن أبي هريرة والطبري: نعم؛ لأنه إذا جاز ذلك إذا نظر من خارج الدار؛ فمن داخلها أولى.
وقال أكثر أصحابنا: لا يجوز، بل يأمره بالانصراف، فإذا لم ينصرف ضَرَبه؛ لان الحكم لما انتقل غلى جميع النفس سقط اعتبار الطروء.
وعما إذا قعد إنسان في طريق هو وزوجته وهي مكشوفة العورة؛ فنظر غليها
ناظر، لا يجوز رميه؛ لأن التفريط من المنظور.
وكذا لو جلس مع امرأته، أو وحده مكشوف العورة في مسجد [وأغلق بابه]، فنظر إليهما نظار، لا يجوز رميه؛ لأن التفريط منهما؛ فإن الجلوس في المسجد لا يجوز هكذا، ولأنه لا يختص بقوم دون قوم؛ فهو بمنزلة الجلوس في الطريق.
ثم كلام الشيخ يشمل ما إذا كان الباب مغلقاً أو مفتوحاً، ونظر منه النظار أو من كوة في البيت واسعة، وقد قال الأصحاب: إن نظر وهو مختار – لم يجز رميه، فإن فعل ضمن، وإن وقف طويلاً ينظر فهل يجوز رميه؟ فيه وجهان، اختيار الشيخ أبي حامد: الجواز، وأصحهما في "التهذيب": المنع، وهو المختار في "المرشد"، ولم يحك الفوراني – وكذا الإمام – سواه، وطرده فيما إذا سقط شيء من جدار البيت، فنظر ناظر من تلك الثلمة.
وأجرى البغوي الوجهين فيما لو نظر إليه الناظر من سطح بيته، أو المؤذن من المنارة، وكلام الشيخ يقتضي الجزم [بالرمي] فيهما، وهو المذكور في "الشامل" و"تعليق" البندنيجي و"العدة" و"الإبانة" و"النهاية"، [وفيما] إذا نظر إليه من سطح بيته.
ولا خلاف [في] أن المشرف لو كان أعمى، [لا يجوز] رميه؛ لان الأعمى لا تأثير لاطلاعه؛ فلو رماه ضمنه، سواء كان عالماً بعماه أو جاهلاً به.
صرّح به في "التهذيب".
ولو كان النظار مخطئاً في النظر؛ بأن وقع اتفاقاً، لم يكن لصاحب الحريم أن يرميه مع العلم بحاله، فإن رماه حين اطلع فأصاب عينه، لم يضمن؛ لأن الاطلاع قد وجد في الظاهر، [ولا يعلم] ما في قلب المطلع من القصد وعدمه، فلا ينسب إلى التفريط في رميه إيَّاه.
ذكره ابن الصباغ والطبري.
فرع: لو وقف واقف بباب دار، وكان يسترق السمع – فلا يجوز أن يقصد أُذنه، بخلاف ما إذا نظر؛ فإنه باستراقه السمع ليس يطلع على عورة، وإنما المحذور اتصال النظر بالعورات.
قال الإمام: وهذا لا يجوز غيره، وقد قطع به القاضي لما سئل عنه.
وفي بعض التعاليق عن شيخي: تنزيل الأذن منزلة العين، وهذا لم أسمعه ولم أثق بمن علق عنه ذلك فيما زعم، ولم أورد هذا ليعتد به، ولكني نبهت على غلطه.
قال: وإن عض يد إنسان فنزعها منه، فسقطت أسنانه لم يضمن؛ لما ذكرناه من حديث صفوان بن يعلي بن أمية، وقد روى عمران بن الحصين أيضاً "أَنَّ رَجُلاً عَضَّ آخَرَ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ؛ فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَبْطَلَهَا".
خرجه مسلم، ولغيره: "وَقَالَ: أَرَدْتَ أَنْ تَقْضِمَ يَدَ أَخِيكَ كَمَا يَقْضِمُ الْفَحْلُ".
والقضم بالأسنان، والخضم بالأضراس، وقد روي عن الحسن أنه قال: يخضم ويقضم.
ولأن النفس لا تضمن بالدفع؛ فالأطراف أولى، وهذا إذا لم يمكنه تخليصها بدون سقوط الأسنان.
أما إذا أمكن بأن قدر على فتح فيه بيده الأخرى، وإخراج يده فلم يفعله ونتر يده، أو لم يمكن ذلك، وأمكن بضرب فكه دون غيره، فلم يفعله ونترها، فسقطت أسنانه – ضمن؛ لما ذكرناه في دفع الصائل.
قال الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم": "وسواء كان العاض ظالماً أو مظلوماً؛ لأن نفس العض محرم على كل حال".
قال: فإن لم يقدر على تخليصه، أي: إلا بفك لحييه، ففك لحييه – لم يضمن؛ كما لو لم يتمكن من دفع الصائل إلا بقطع طرفه، وهكذا لو لم يقدر على تخليصه إلا ببعج بطنه وعصر خُصْيَيْه وما أشبه ذلك، كان له فعله، صرّح به القاضي أبو الطيب.
فرع: لو عض قفاه كان له تخليصه بما يقدر عليه، فإن أمكنه بيده ضرب فكه لا غير، فإن لم تنله يداه تحامل على رأسه مصعداً أو منحدراً، فإن لم يتمكن من ذلك كان له بعج بطنه وعصر خُصْيَيه إذا لم يقدر على الخلاص بأيسر من ذلك.
قال الإمام: وهذا أصح، فإن خطر لذي خاطر أن [منتهى عضِّ العاض] خدش أو إيلام، فلا نظر إلى هذا، وقد مهدنا جواز قتل من يقصد فلساً في الدفع عنه، فلو خالف ودفع بنوع من قدرته على الدفع بدونه ضمن، وعلى هذه الحالة حمل ما نقله المزني عن الشافعي – رضي الله عنه -: [أنه] إذا بعج بطنه بسكين أو فقأ عينه بيده، أو ضربه في بعض جسده – ضمن.
وفي "الزوائد": أن صاحب ["العدة"] وكذا صاحب "الإبانة" قالا: وأخطأ بعض أصحابنا وأجرى هذا اللفظ على ظاهره وقال: يضمن الطاعن وإن لم يمكن الدفع إلا به؛ لأن العاض قصده بغير سلاح؛ فليس له دفعه بالسلاح.
وفي "النهاية": أن من أصحابنا من قال: لا يجوز أن يضع السلاح في غير العضو الجاني، وهذا وإن كان مشهوراً في الحكاية فلا أصل له، والذي أراه أن يترك فعله إذا كان القصد من الجاني لا ينتهي إلى قتل أوف فساد [عضو]، فإن كان ينتهي إلى ذلك، وكان لا يتأتى تخليص العضو الذي منه الجناية بالدفع – فالوجه: القطع بتسليط المصول عليه على الدفع، فإن ظن ظانٌّ أن الوجه الضعيف الذي حكيناه يوجب أن تختص اليد الصائلة بالدفع إذا احتوت على قبضه السيف، فقد أخطأ في ظنه؛ فإن الضرب بالسيف وإن كان صادراً
من اليد، فالتحامل مضاف إلى جملته، بشرط ألا يؤدي إلى الهلاك أو فساد عضو.
[قال:] وإن صالت عليه بهيمة، فلم تندفع إلا بقتلها [فقتلها] – لم يضمن؛ لأنه دفعٌ مباح بالاتفاق، فوجب ألا يكون مضموناً على الدافع؛ كالآدمي المكلف من حُرّ أو عبدن بل أولى؛ لأن ضمان الآدمي آكد من ضمان البهيمة، وقد وافق الخصم – وهو أبو حنيفة – على إهدار دمه.
فرع: لا يجوز للإنسان أن يدخل بيت شخص إلا بإذنه، سواء كان مالكاً أو مستأجراً أو مستعيراً، ثم إن كان أجنبيًّا أو قريباً غير محرم؛ فلابد من إذن صريح، سواء كان الباب مغلقاً أو مفتوحاً، وإن كان ذا محرم: فإن كان ساكناً مع صاحب البيت فيه، فلا يلزمه أن يستأذن، ولكن عليه إذا أراد الدخول أن يشعر بدخوله بالنحنحة وشدة الوطء، ونقل الخُطا ليستتر العريان، ويفترق المجتمعان، وإن لم يكن المحرم ساكناً معه، فإن كان الباب مغلقاً لم يجز الدخول إلا بإذن، وإن كان مفتوحاً ففي وجوب الاستئذان وانتظار الإذن وجهان:
أحدهما: يجب عليه الاستئذان، ويحرم عليه الدخول بغير إذن؛ لجواز أن يكون رب الدار على عورة.
والثاني: لا يلزمه الاستئذان، ويلزمه الإشعار بالدخول بالنحنحة والحركة الشديدة.
قاله الماوردي، والله أعلم.
باب قتل المرتد
الردة في اللغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره.
قال الله - سبحانه وتعالى-: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 28].
فالمرتد - لغة - كما قال الشافعي [-رضي الله عنه-:] من رجع عن شيء كان عليه.
وقيل: بمعنى الامتناع عن أداء الحق، يقال: فلان مرتد، أي: ممتنع عن أداء الحق، ومنه إطلاق اسم الردة على مانعي الزكاة في زمن أبي بكر، رضي الله عنه.
وفي الشرع: الرجوع عن الإسلام إلى الكفر من مكلَّف؛ بنية أو فعل صريح في الاستهزاء: كالسجود للصنم ونحوه، والاستخفاف بالمصحف والكعبة، أو يقول عناداً، أو استهزاءً أو اعتقاداً، أو باستحلال حرام، أو تحريم حلال مجمع عليه، كما قاله القاضي الحسين، ومنه: اعتقاد أن السحر حلال، وكما ذكرناه عن البندنيجي، وهذا هو الصحيح.
قال الإمام: وفي بعض التعاليق عن شيخي: أن الفعل بمجرده لا يكون كفراً، وهذا زلل من المعلِّق، وسنذكر في آخر الباب شيئاً من تفصيل ما أجملناه في الضابط.
ولا خلاف في أن الارتداد محظورٌ لا يجوز الإقرار عليه، وهو أنجس أنواع الكفر وأغلظها، كما قال الله - تعالى-: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ
وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية [البقرة:217]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: 89]، وغير ذلك من الآيات.
قال: تصح الردة من كل بالغ عاقل مختار بالإجماع، والمعنيُّ بالصحة [هاهنا]: ترتُّبُ الأحكام أو بعضها عليه.
قال: فأما الصبي والمعتوه فلا تصح ردتهما، أي: سواء كان لهما تمييز أو لا؛ للخبر المشهور، ولأن المجنون – ومن لا تمييز له – لا تصح ردته إجماعاً.
فنقول فيمن له تمييز: آدمي غير مكلف، فلا تصح ردته قياساً عليهما، لكن الذي يمتاز به عليهما عندنا أن الإمام يخوفه ويهدده ولا يقتله؛ كما قاله البندنيجي حكاية عن الشافعي، رضي الله عنه.
وفي كلام الإمام إشارة إلى حكاية خلاف في صحة ردته؛ فإنه قال: وسبيل الردة الصادرة منه كسبيل صدور الإسلام منه؛ كما ذكرناه في اللقيط.
وكما لا تصح الردة من المجنون، لا يقتل في حال جنونه إذا كان قد ارتد في حال إفاقته؛ لأنه ربما عاد إلى الإسلام لو عقل، وكذا لو أقر على نفسه بالزنى، أو بحد من حدود الله - تعالى – في حال إفاقته؛ لا يستوفي منه [في] حال جنونه؛ كما قاله القاضي الحسين في باب: عفو المجني عليه ثم يموت، قال: بخلاف ما لو ثبت عليه بالبيّنة ثم جن؛ فإن الظاهر أنه يستوفي، لكن هذا التأخير على سبيل الاحتياط، حتى لو قتل في حال الجنون، أو حُدَّ من فعل الردة أو سبب الحد – لم يجب على الفاعل شيء.
قال: وتصح ردة السكران؛ لأن الصحابة – رضي الله عنهم – أجمعوا على تكليفه، وهذا ما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – هنا، حيث قال: وإن ارتد سكران، فمات كان ماله فيئاً، ولا يقتل إن لم يتب حتى يمتنع مفيقاً.
وبه جزم القاضي أبو الطيب.
قال: و [قيل] فيه قولان، سبق توجيه نظيرهما في [كتاب] الطلاق وغيره، وأن الأظهر: هذه الطريقة، وأن أصح القولين فيها: جعْلُهُ كالصاحي.
التفريع: إن قلنا بالصحة فلا يقتل حتى يُفيق، فيعرض عليه الإسلام فيمتنع، وفي صحة استتابته [في حال السكر] وجهان في "الحاوي" و"التهذيب":
أحدهما: أنها تصح كما تصح ردته، لكن المستحب أن يُؤخَّر إلى الإفاقة.
قال الماوردي: وهذا ظاهر مذهب الشافعي – رضي الله عنه – وبه قال أبو إسحاق.
والثاني- وهو المذكور في "الشامل" -: المنع؛ لأن الشبهة لا تزول في تلك الحالة، ولو عاد إلى الإسلام في السكر صح إسلامه، وارتفع حكم الردة.
وقد روي عن الشافعي –رضي الله عنه- أنه قال: لو رجع إلى الإسلام لم أُخَلِّ سبيله حتى يفيق، فإن وصف الإسلام كان مسلماً من حين وصف الإسلام، وإن وصف الكفر كان كافراً [الآن]؛ لان إسلامه صح، وإنما أحبسه استظهاراً.
وبهذا جزم أبو الطيب في "تعليقه"، وكذلك قال فيما إذا كان قد ارتد وهو صاحٍ، ثم أسلم وهو سكران، وقد تقدم طريق عن [ابن] أبي هريرة
في [أن] تصرفات السكران ينفذ منها ما عليه بلا خلاف، والقولان فيما له، فعلى هذه الطريقة يجيء قول كما قال الماوردي [وغيره]: أنه لا يصح إسلامه بعد ارتداده؛ لأنه تخفيف، وإن صحت ردته، وإن كان بعد كفر يُقَرّ عليه كالذمي؛ صحَّ لأنه تغليظ.
وأطلق القاضي الحسين قولاً: أنه لا يصح إسلامه، وإن صحت ردته.
وعن رواية ابن كج طريقة أخرى قاطعة: بأنه لا يصح عوده إلى الإسلام، وحكى الجزم بالمنع فيما لو كان قد ارتد صاحياً، ثم سكر فأسلم، قال الماوردي: وما صار إليه ابن أبي هريرة خطأ؛ لأن السُّكْرَ إن سلبه حكم التمييز وجب أن يعم كالمجنون، [وإن لم] يسلبه حكم التمييز وجب أن يعم كالصاحي، ولا يصح أن يكون مميزاً في بعض الأحكام وغير مميز في بعضها؛ لتناقضه في المعقول، وفساده في الأصول؛ فثبت بهذا أن الظاهر: الأول، وعلى هذا لو قتله قاتل تعلق به الضمان والقصاص.
وذكر الإمام: أن بعض الأصحاب يشير به إلى الفوراني، فإنه مذكور في "إبانته"؛ ذكر قولاً في إهداره أخذاً من الخلاف فيما إذا اسلم أحد أبوي الطفل بعد علوقه على الكفر، ثم بلغ وقُتِل قبل أن يعرب عن نفسه بالإسلام، هل يجب الضمان على قاتله أم لا؟ والتقريب: أن الإسلام الصادر من السكران حكميّ؛ إذ ليس له عقل صحيح، كما أن الإسلام الحاصل بتبعية أحد الأبوين حكميّ، ثم قال: إنه ليس بشيء، وإن قلنا بعدم صحة ردته، فلو قتله قاتل تعلق بقتله القصاص والضمان، وفي وجه: لا يجب القصاص للشبهة، وتجب الدية، ويحكي هذا عن [ابن] القطان.
قال: وأما المكره فلا تصح ردته، [أي]: إذا كان قلبه مطمئناًّ بالإيمان؛
لقوله – تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]، ويجوز له النطق بكلمة الردة بالشرط المذكور، وهل يجب؟ فيه وجهان، أصحهما: المنع مصابرة وثباتاً على الدين، كما يعرض نفسه للقتل في الجهاد ذبًّا عن الدين، وعلى هذا فالأفضل أن يثبت ولايتكلم بكلمة الردة.
ومن الأصحاب من قال: إن كان ممن يتوقع منه النكاية [في العدو] والقيام بأحكام الشرع، فالأفضل أن يتكلم بها، ويدفع القتل عن نفسه؛ لما في بقائه من الصلاح، وإلا فالأفضل أن يمتنع، وهذا ما أورده الماوردي، واختاره في "المرشد".
أما إذا أُكره على التلفظ [كلمة الردة]، فاعتقد ذلك بقلبه – صحت ردته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ [النحل: 106].
ولو تجرد قلبه في حالة الإكراه على التلفظ بكلمة الردة عن [اعتقاد الإيمان والكفر]، ففيه وجهان في "الحاوي":
أحدهما: أنه باق على إسلامه؛ لأن ما حدث من الإكراه معفو عنه.
والثاني: أنه يكون مرتداً حتى يدفع حكم لفظه بمعتقده؛ لأنه لا عذر له في تركه.
قال: وهكذا المُكْرَه على الطلاق، تعتبر فيه هذه الأحوال الثلاثة في لفظه ومعتقده.
ولا خلاف أن الحربي والمرتد إذا أُكرِها على الإسلام صح إسلامهما؛ كما حكاه البندنيجي والقاضي أبو الطيب وغيرهما، وفي صحة إسلام الذمي بالإكراه عليه وجهان في "المهذب" في [موضع منه لم يحضرني ذكره]، وفي "النهاية" في كتاب الظهار، وفي "تعليق" القاضي الحسين في باب صفة العمد، والمجزوم به منهما في "الحاوي" و"تعليق" البندنيجي والقاضي أبي الطيب [و"الذخائر" وغيرها] في باب قتل المرتد: [المنع]، كما في الإكراه على الردة، [وهو في
موضع آخر من المهذب]، ونقل مجلي أن الغزالي قال: إن الصحيح أن المرتد إذا حُمل على التوبة بالسيف فلا أثر لها، ومذهب الشافعي – رضي الله عنه – الأول، وقد حكى عن [أبي] إسحاق أيضاً.
قال: وكذا الأسير في يد الكفار، أي: مقيداً [كان] أو محبوساً، لا تصح ردته، أي: سواء طلبت منه أم لا؛ لأن الحبس والقيد إكراه، وهذا ما حكاه الرافعي والقاضي أبو الطيب عن النص، لكن في كلام الأصحاب ما يقتضي خلافه؛ فإنهم قالوا: إذا قامت بيّنة على شخص بأنه ارتد بقوله كذا وكذا، فقال: كنت مكرهاً فيما أتيت به- نظر: فإن كانت قرائن الأحوال تشهد له بأنْ كان في أسر الكفار، أو كان محفوفاً بجماعة منهم وهو مستشعر – صدق بيمينه، وإنما حلف؛ لاحتمال كونه مختاراً؛ [فإنه يصح ذلك الكلام].
وإن لم تشهد القرائن [بصدقه]؛ بأن كان في دار الإسلام – [لم] يقبل قوله، وأجري عليه أحكام المرتدين.
وهكذا الحكم لو كان في دار الحرب وهو آمن؛ لكونه في خلوة، [و] لا يشعر به أحد منهم، وهذا يقتضي أن محل عدم الحكم بردته إذا ادعى الإكراه، مع كونه في أيدي الكفار، أما قبل الدعوى واليمين فلا، ويؤيده ما حُكي عن القفال أنه لو ارتد الأسير في أيدي الكفار، ثم حَلَّ بهم خيل المسلمين، فاطلع عليهم من الحصن وقال: أنا مسلم، وإنما تشبهت بهم؛ فَرَقاً منهم – يقبل قوله، ويحكم بإسلامه، وإن لم يدَّعِ ذلك حتى مات، فالظاهر أنه ارتد طائعاً، وإن مات أسيراً.
ولو رجع الأسير إلى بلاد الإسلام، ومات قبل أن يظهر إسلامه – هل يورث؟ قياس ما ذكرناه عن القفال: لا، وقد صرح الماوردي بحكايته عن
ابن القطان وقال: إنه يموت كافراً، وكان من حقه إذا جاءنا أن يتكلم بكلمة الإسلام.
وقال القاضي الحسين: يحتمل قولين؛ بناء على ما قلنا في الصبي المحكوم بإسلامه تبعاً لأحد أبويه، فبلغ ومات قبل أن يظهره: ما حكمه؟ فعلى قولين.
وجزم القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما [فيما] إذا قامت البينة على إكراهه على الردة في دار الحرب، ثم عاد إلى [دار] الإسلام – بأنه يؤمر بإظهار الإسلام، فإن امتنع كان مرتدًّا من حين ارتد في دار الحرب، لأنَّا تبيَّنا أنه لم يكن مكرهاً [عليه]، وهذا ما حكاه الإمام عن صاحب "التقريب" والعراقيين، [ثم قال]: وفيه عندي احتمال ظاهر؛ فإنه لم يسبق منه اختيار، والأمر محمول على ظاهر الإكراه، ويلزم منه دوام حكم الإسلام [له] مستمرًّا، [وامتناعه من] تجديد كلمة الإسلام لا يغيّر الحكم بإسلامه.
ثم هذا العرض: هل هو [مستحب أو واجب]؟ سكت عنه المعظم، وعن ابن كج: انه مستحب، واحتج له بأنه لو أكره على الكفر في دار الإسلام، لا تعرض الكلمة عليه بعد زوال الإكراه باتفاق الأصحاب.
ثم إنه شرط في هذا العرض ألا يؤم الجماعات، ولا يقبل على الطاعات بعد العود إلينا، فلو فعل ذلك [استغنى عن العرض].
قال: ومن ارتد عن الإسلام استحب [له] أن يستتاب في أحد القولين؛ لرجاء توبته، وإنما لم تجب؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"، ولأن وجوب الاستتابة يوجب حظر دمه قبلها وضَمانَه، كما يجب على قاتل من لم تبلغه الدعوة لما كان التبليغ واجباً، وهو غير مضمون [الدم]؛ فدلَّ على استحبابها،
وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة كما حكاه الرافعي، وقال القاضي الحسين: إنه اختيار الماسرجسي.
ويجب في الآخر؛ لما روى عروة عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: "ارْتَدَّتِ امْرَأَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَتْ وَإِلا قُتِلَتْ".
وروى أبو بكر بن المنذر أن ابن مسعود كتب إلى عثمان –رضي الله عنه – في قوم ارتدوا، فكتب [إليه] عثمان –رضي الله عنه-: ادعهم إلى الإسلام، وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن أجابوا فخلِّ عنهم، وإن امتنعوا فاقتلهم، فأجاب بعضهم؛ فخلى سبيله، وامتنع بعضهم؛ فقتله.
ولأن الأغلب من حدوث الردة: أنه لاعتراض شبهة؛ فلم يجز الإقدام على القتل قبل كشفها والاستتابة منها، كأهل الحرب: لا يجوز قتلهم إلا بعد بلوغ الدعوة، وإظهار المعجزة، وهذا أصح في "الحاوي".
وعند النواوي والقاضيين الطبري والروياني.
وقال القاضي الحسين: إنه اختيار ابن أبي هريرة وابن المرزبان.
قال: وفي مدة الاستتابة قولان، أي: سواء قلنا باستحبابها أو بوجوبها، كما قاله الماوردي والبندنيجي وغيرهما:
أحدهما: ثلاثة أيام؛ لما روي أن رجلاً قدم على عمر – رضي الله عنه – من الشام، من قِبَلِ أبي موسى الأشعري، فقال له عمر – رضي الله عنه-: هل فيكم من مُغَرّبةِ خبرٍ؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه فقتلناه، وفي رواية أنه قال: لا، إلا أن نصرانيًّا أسلم، ثم ارتد؛ فقتله أبو موسى، فقال عمر – رضي الله عنه-: "هَلاَّ حَبَسْتُمُوهُ فِي بَيْتٍ ثَلاَثاً، وَأَطْعَمْتُمُوهُ فِي كُلِّ يَومٍ رَغِيفاً، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ؛ لَعَلَّهُ
يَتُوبُ؟! اللَّهُمَّ لَمْ أُحْضَرْ، ولَمْ آمُرْ، وَلَم أرْضَ إِذْ بَلَغَنِي، اللهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيكَ مِنْ دَمِهِ! "، وفي رواية: مما فعله أبو موسى.
ولأن المقصود منه استبصاره في الدين، ورجوعه [إلى] الحق، وذلك مما يحتاج فيه إلى التروِّي والفكر، فأمهل بما يُقَدَّر في الشرع من مدة [هي] أقل الكثير وأكثر القليل، وذلك ثلاثة أيام.
قال الماوردي: وعلى هذا يكون إمهال الثلاث على قولٍ مستحبًّا، وعلى قولٍ واجباً.
وذهب بعضهم – كما حكاه غيره- إلى أنه لا خلاف في انه لا يجب الإمهال ثلاثاً، وإنما الخلاف في الاستحباب، وهذا ما يحكي عن اختيار الشيخ أبي محمد في "المنهاج"، فإن قلنا: لا يستحب، منع منه، وعلى كل حال: لا يخلي سبيله، بل يحبس حتى تنقضي مدته، كما أشار إليه عمر، رضي الله عنه.
قال: والثاني: في حال، وهو الأصح؛ لما روى ابن المنذر عن جابر أن امرأة يقال لها [أم] رومان، ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بأن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت.
[وَرَوُى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهَا – قَالَتْ: ارْتَدَّتِ امْرَأَةٌ يَوْمَ أُحُدِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَتْ وَإِلا قُتِلَتْ].
ولم
يقدر فيها بالثلاث، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"، ولقصة عثمان التي ذكرناها، ومن جهة القياس: أنه حَدٌّ، فلم يؤجل فيه كسائر الحدود.
قال البندنيجي: وهذا ما اختاره الشافعي والمزني، رضي الله عنهما.
وقال ابن الصباغ: إنه الذي نصره الشافعي، رضي الله عنه.
وفي "الوسيط": أنا على هذا القول لو قال: أمهلوني؛ ريثما تنجلي شبهتي بالمناظرة، فهل يمهل؟ فيه قولان، والإمام حكاهما عن رواية العراقيين، والذي أورده منهما القاضي الحسين، وحكاه الروياني عن النص: الإمهال، واستبعد الخلاف فيه، ورأى الغزالي مقابله أصحَّ، وعن أبي إسحاق أنه لو قال: أنا جائع فأطعموني، ثم ناظروني، أو كان الإمام مشغولاً بما هو أهم منه – تأتينَا به.
قال: فإن رجع إلى الإسلام قُبِل منه، أي سواء كانت ردته إلى دين يتظاهر به أهله: كاليهودية والنصرانية والمجوسية، أو إلى كفر يُسِرُّه [أهله]: كالزنديق والمنافق، كما صرّح به الماوردي والعراقيون، وحكاه الإمام عن [نص] الشافعي –رضي الله عنه – لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 94]، يعني: استسلم إليكم، وألقى المقادة إليكم، وسبب نزولها أن رَجُلا يقال له: مِرْداس بن عمر، كانت له غنيمات، لَقِيَتْهُ سريةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: السلام عليكم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فبدر إليه أسامة بن زيد فقتله، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لم قتلته؟! قال: إنما قالها متعوّذاً! قال: هلا شققت عن قلبه! ثم حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله، وردّ عليهم غنمه.
ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى [يَشْهَدُوا أَنْ] لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنَا، وَ [أَنْ] يَاكُلُوا ذَبِيحَتَنَا، وَ [أَنْ] يُصَلُّوا صَلاَتَنَا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ"، وفي رواية: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ".
أخرجه أبو داود والبخاري تعليقاً، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح غريب.
وروي أن رجلاً سارَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يُدْرَ ما سارّه حتى جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؟ قَالَ: بَلَى، وَلا شَهَادَةَ لَهُّ قَالَ: "أَلَيْسَ يُصَلِّي؟ "، قَالَ: بَلَى، وَلا صَلاةَ لَهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [أُولَئِكَ الذِين] نَهَانِي اللهُ – سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى – عَنْهُمْ".