كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 201-240
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 201-240
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال: "ويجوز بيع الشعير في سنبله" – أي: مع سنبله – سواءً كان بعد الحصاد أو قبله؛ لأن الحبات ظاهرة في السنبلة، وهكذا الحكم في السلت والذرة، وفي "التهذيب" إلحاق الذرة بالقمح.
قال: وفي بيع الحنطة في سنبلها – [أي: مع السنبل] قولان: أصحهما: أنه لا يجوز، وهو الجديد؛ لما روي أنه – عليه السلام – نهى [عن بيع الغرر، وبيع ذلك في سنبله غرر؛ لأنه يرتدد بين الجودة والرداءة، وروى أنه – عليه السلام – نهى] عن بيع الطعام حتى يفرَكَ.
يعني: بفتح الراء.
ومعنى الفرك: التصفية، ولأن المقصود مستتر بما لا يتعلق به الصلاح؛ فلم يصح بيعه كالذهب في تراب المعدن، أو الحنطة في التبن بعد الدِّياس، وقبل التصفية.
والقديم: أنه يجوز؛ لما روي أنه – عليه السلا – نهى عن بيع الحب حتى يشتد، وقد اشتدَّ؛ ولأنّ بقاءه فيه من مصلحته، وإليه يرشد قوله تعالى في قصة يوسف – على نبينا وعليه السلام -: - فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ} [يوسف: 47]، والقائلون بالأول أجابوا عن الحديث بأنه محمولٌ على الحب الذي يخرج بارزاً كالشعير ونحوه، على أنه معارضٌ بنهيه – عليه السلام – عن بيع الغرر.
والعدس والسمسم ونحو ذلك: ملحقٌ بالحنطة، وكذا الأرز عند الشيخ أبي حامد، وهو ما جزم به النبدنيجي، واختاره القاضي أبو الطب في باب "السلم" بعد أن حكاه عن النص، والصحيح –وبه قال ابن القاص، وأبو عليّ الطبري، وجزم به في "التهذيب" -: أنه ملحق بالشعير، وكان يتجه أن يلحق العلس بالأرز في جواز البيع،

وقد جزم القاضي أبو الطيب فيه بالمنع في باب "السلم".
أمَّا إذا بيع القمح وما في معناه في السنبل دون السنبل فلا يجوز على الصحيح من المذهب في "تعليق" القاضي الحسين، وادّعى المحاملي فيه الإجماع، ثم قول المنع فيما ذكرناه مفرع على منع بيع الغائب أو هو جائز وإن جوزنا بيع الغائب؟ الذي ذكره الإمام: أنا إن جوزنا بيع الغائب جاز هذا، وإن منعناه فهو محل التردد؛ لاضطراب النظر في اشتداد الحاجة إلى احتمال الاستتار، وتنزيله منزلة القشر الصوان، وإلى ذلك أشار المتولي أيضاً.
وفي "الإبانة" حكاية طريقة: أنه لا يجوز قولاً واحداً، وإن جوزنا بيع الغائب، وقد قيل بجريان الخلاف في تراب الصاغة، والحنطة في التبن، ثم الخلاف في بيع الحنطة وما في معناها إذا بيعت دون الأرض، أمَّا إذا أُبيعت مع الأرض ففي "الحاوي" هنا في كتاب "التفليس": أنَّ إن جوزنا البيع عندالإفراد فكذلك عند الاجتماع، وإلاَّ ففي الجواز وجهان: فإن منعنا بطل فيها، وفي الأرض قولاَ تفريقِ الصفقة، وقيل: يبطل فيها قولاً واحداً.
قال: "وإذا باع الثمرة أو الزرع"- أي: مطلقاً بعد بُدُوِّ الصلاح - لم "يكلف المشتري نقله إلى أوان الجداد والحصاد"؛ لأن العادة [العامة] كذلك، فينزل العقد عليها كما تنزل الدراهم المطلقة في العقد على النقد الغالب، والإجارة المطلقةعلى المنازل المعهودة في الطريق، أمَّا إذا شرط البقاء فقد تظافر على استحقاق التبقية العرف والشرط، وإن شرط القطع فلا يخفى حكمه.
تنبيه: [في قول الشيخ: لم يكلف المشتري نقله، ما يعرف أن القبض في بيعهما التخلية دون النقل؛ فإنه جعل النقل على المشتري بعدَ أوان الجداد والحصاد، وذلك

يمنع أن يكون على البائع، وقد صرح به في مسألة الزرع ابن الصباغ، والقاضي الحسين في مسألة بيع الزرع بشرط أن يكون على البائع حصاده، وفي مسألة الثمرة حكاه القاضي الحسين في الموضع المذكور عن نصِّ الشافعيّ حيث قال: لو اشترى ثمرة، وشرط على البائع قطعها – بطل به العقد؛ لأن البائع لا يجب عليه إلاَّ التخلية، وقد حكى الغزالي في الفصل الأول من الباب الأول في استيفاء القصاص تردداً في أنَّ مؤنة جذاد الثمار على البائع أوعلى المشتري، وسيأتي في كلام القاضي الحسين إشارة إليهما].
قال: "وإن احتاج إلى سقي لزم البائع السقي" –أي: ومؤنته عليه؛ لأنه من ضرورات تسليمها الواجب عليه عند الجداد والحصاد، فلو شرط أن تكون على المشتري بطل العقد.
قال: "فإن كان عليه ضررٌ في السقي" – [أي: يعود إلى الأشجار -] "وتشاحاًّ فسخ العقد"؛ لتعارض الحق من الجانبين، وهذا يشابه ما حكيناه من قبل عن أبي إسحاق فيما إذا كانت الثمرة للبائع، وإن كان السقي يضر بالثمرة، وينفع الشجرة المبيعة، وقد قيل هاهنا: إنه يجبر الممتنع؛ لأنه دخل في العقد مع علمه أنه لابد من السقي، فيكون راضياً به.
وهذا يشابه ما حكيناه ثَمَّ عن ابن أبي هريرة، وهو ماصححه ابن أبي عصرون ثمّ، وتظهر صحته هنا أيضاً، وأن يجيء الوجه الثالث – الذي حكيناه ثمَّ – وغيرُهُ هاهنا أيضاً.
قال: وإن اشترى ثمرة، فلم يأخذها حتى حَدَثَتْ ثمرة أخرى – أي: واختلطت ولم تتميز كالتين والموجود على شجرِهِ، والباذنجان، والبطيخ، والخيار، ونحو ذلك.
قال: أو جزَّةٌ من الرطبة فلم يأخذها حتى طالت، أو طعاماً – أي: غير معلوم القدر- فلم يأخذه حتى اختلط به غيره – أي: ولم يتميز- سواء كان مثله أو دونه أو أعلى منه كما ذكره الإمام في باب "الوصية" – ففيه قولان: أحدهما: ينفسخ البيع"؛ لأنه قد تعذر تسليم المبيع فانفسخ العقد؛ كما لو كان جوهرة فألقيت في بحر عظيم، وهذا ما اختاره ابن أبي عصرون وصححه أبو الطيب.
قال:"والثاني: لا ينفسخ، بل يقال للبائع: إن تركت حقك أقر العقد، وإن لم

تترك فسخ"؛ لإمكان تصحيحه بهذا الطريق وتقريره مع تمام تصويره مذكور فيما تقدم، وهذا ما اختاره المزني.
ولا يجيء – هاهنا- تخيير المشتري بين ترك حقه وفسخ العقد؛ لأنه لو ترك حقه فاز البائع بالعِوَض والمعوَّض.
وحكى المحاملي عن بعضهم القطع بهذا القول في مسألة الرطبة، وحكى الماوردي فيها طريقة: أنه لا ينفسخ العقد قولاً واحداً، وتكون الزيادة للمشتري، ككبر الثمرة.
والذي صححه الماوردي، وعليه أبو إسحاق وجمهور الأصحاب: طرد القولين فيها كما حكاه الشيخ، والفاسخ للعقد عند امتناع البائع من ترك حقه الحاكمُ، صرح به الماوردي والقاضي أبو الطيب، وفي "النهاية" تفريعاً على قول عدم الانفساخ في مسألة الثمرة، ويجري فيما عداها: أن المشتري [يثبت له الخيار في فسخ البيع، لكن البائع إذا ترك حقه للمشتري، قال الأصحاب: على المشتري أن] يقبل ذلك، ويمتنع عليه السخ، وشبهوا ذلك بمسألةالنعل، وهي ليست خالية عن خلاف، والذي نحن فيها أولى به منها.
وقال في باب "الخراج بالضمان": "إن الأقيس عندي في مسألة الثمرة أنه لا يجبر على القبول؛ فإن تطرق الإنسان إلى أمر مقصود ليدفع به حقًّا ثابتاً يعتد من الجواز.
فعلى قول الأصحاب، إذا ترك هل يكون هبة أو إعراضاً؟ فيه خلاف كما في [مسألة] النعل، صرح به الإمام ثَمَّ.

وإذا لم يترك حقه، ولم يفسخ المشتري، واختلفا في قدر المبيع –فالقول قول صاحب اليد ومن هو في الثمرة؟ قيل: للبائع، وقيل: للمشتري، وقيل: إنها في يدهما جميعاً، وفي صورة الحنطة صاحب اليد البائع.
ثم هذا – كما قال الإمام – إذا لم يقع تعرض إلى كيفية العقد؛ حتى لا تجيء قاعدة التحالف، هذا هو المشهور في المذهب، وحكى صاحب "التقريب" في أصل مسألة الثمرة قولاً ثالثاً: أن العقد لا ينفسخ، ولا خيار، ولكنهما مِلْكان اختلطا فصارا كصبرة حنطة انثالت عليها حنطة الغير.
أما إذا كان الطعام معلوما لقدر بأن كان كله إردبًّا مثلاً، أو مجهولاً؛ وكان المخالط له إردبًّا مثلاً؛ فإنه يعلم به الباقي – لم ينفسخ العقد، لكن يثبت للمشتري الخيار، فإنأجاز صارا شريكين فيه، صرح به الماوردي.
ولو كان الطعام قد قبض، ثم [حصل] الاختلاط بعده لم ينفسخ العقد قولاً واحداً، ولكن يقتسمانه، فإن اختلفا في قدره قال الماوردي: "فالقول قول من انثال الطعام على صبرته في قدر الذي انثال".

فرع: لو كان المبيع شاة أو ثوباً، فاختلط بمثله ولم يتميز، قال في "التتمة": "المذهب انفساخ البيع، بخلاف الحنطة؛ فإن غاية الأمر يها لزوم الإشاعة، وذلك غير مانع.
وفيه وجه: [أنه] لا ينفسخ؛ لإمكان تسليمه بتسليم الكل.
تنبيه: محل الكلام في الثمار التي تتلاحق إذا بيعت بشرط القطع، وكذلك في الجزة، أو كانت الثمار مما يبدو تلاحقها، سواء علم عدم الاختلاط، أو لم يعلم كيفية الحال، أمَّا إذا بيعت الثمار لا بشرط القطع، وكان الاختلاط معلوم الوجود – فالبيع باطلٌ، وفيه قولٌ أو وجه: أنه موقوف: إن سمح البائع بما حدث تبين انعقاد البيع، وإلاَّ تبين أنه لم ينعقد.
تنبيه آخر: قول الشيخ في الثمرة: فلم "يأخذها"، يعرفك أنه لا فرق في ذلك [بين] أن يكون قبل التخلية أو بعدها، وإن كانت قبضاً لبقاء عُلْقة البائع، ومن الأصحاب من جزم بأن التلاحق بعد التخلية لا يفسخ العقد قولاً واحداً، وجعل الإمام والغزالي هذه الطريقة مبنية على أن الثمرة بعد التخلية من ضمان المشتري، والأّوْلى على أنها من ضمان البائع.
قال الرافعيّ: ومقتضى هذا البناء أن يكون الصحيح طريقة القطع، وعامة الأصحاب على تصحيح طريقة القولين.
قال: "وإن تلفت الثمرة بعد التخلية" – أي: على رءوس الأشجار – "ففيه قولان: أحدهما: أنها تتلف من ضمان البائع" – وهو القديم – لما روى مسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، ولأن الثمرة لا يتم قبضها إلاَّ بجذها من نخلها، بدليل أنها لو عطشت وأضرّ [ذلك] بها كان للمشتري الخيار، ولو تمّ القبض بها لما كان له كما بعد النقل.
[قال:] الثاني – وهو الأصح -:أنها تتلف من ضمان المشتري"، وهو الجديد؛ لما روى الشافعي عن مالك عن حميد عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ"، وقال – عليه السلام -:

"أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، فِيمَ يَاخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ ". وموضع الدلالة: أن الجائحة لو كانت مضمونة على البائع لما استضرَّ المشتري بالجائحة قبل بدو الصلاح، ولما كان لنهيه عنه حفظاً لمال المشتري وجه؛ لأنه حفوظ إن تلف [في الحالين] بالرجوع على البائع؛ فلما نهى عن البيع في الحال التيي يخاف من الجائحة فيها علم ان الجائحة لا تكون مضمونة على البائع، وأنها مضمونة يما صحّ بيعه على المشتري، ولأن التخلية تسليمعين يستفيد به المشتري التصرف في الثمرة؛ فأِبهت النقل فيما ينقل.
واحترزنا بقولنا: تسلم عين، عن تسليم المنافع؛ فإنه وإن جاز التصرف فيها بعد التخلية، لكن إذا تلفت الدار انفسخ العقد، وأمَّا الخبر فمحمول على الاستحباب، ويشعر به ما روت عمرة بنت عبد الرحمن – تارة مرسلاً، وتارة مسنداً – عن: أنَّ رجلاً من الأنصار ابتاع من رجل ثمرة فأصيب فيها، فسأل البائع أن يحطَّ شيئاً، فحلف بالله ألاَّ يفعل، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: وتألَّي فُلانٌ أَلاَّ يَفْعَلَ خَيْراً"، وبعضهم حمله على وضع الجوائح عن البائع دون المشتري.
وما رواه مسلم [من] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَاخُذَ مِنْهُ شَيْئاً، بِمَ تَاخُذُ مَالَ أَخِيكِ بِغَيْرِ حَقٍّ" فهو

محمول أيضاً على ما لم يبد صلاحه إذا بيع بغير شرط القطع، أو على ما قبل التسليم، كما ذكره الطحاوي.
وأمَّا الجواب عن ثبوت الخيار للمشتري فمن وجهين: أحدهما: منع الحكم، قود قال به أبو علي الطبري، وعلى تقدير التسليم بجريانه على القولين معاً – كما صار إليه أبو إسحاق – فذاك لا يدل على تمام القبض، قال ابن أبي هريرة: "ألا ترى أن المقبوض في خيار الثلاث يستحق رده بما حدث من العيوب في زمن الخيار، وإن كان القبض تامَّا؟! فكذا الثمرة".
والثاني: أن خيار العطش إنما يستحقه المشتري؛ لوجوب السقي على البائع، ولم يكن له بالتلف رجوع؛ لأن الحفظ لا يجب على البائع.
قال القاضي الحسين: "وحقيقة القولين تتلقى من أصلن وهو أن قبض الثمرة إذا بيعت على رءوس النخل هل تحصل بالتخلية أوْ لا؟ وفيه قولان: القديم: أنه لا تحصل، ولابد فيه من النقل؛ لأنه منقول.
وقال في الجديد: تحصل بالتخلية.
وعلىهذا الخلاف ينطبق ما حكيناه من التردد في أن مؤنة الجداد على من؟ واعلم أن محل القول الجديد بالاتفاق: ما إذا كان التلف بآفة سماوية مثل البرد، والحر، والثلثج، ونظير ذلك، ولم يكن للبائع فيها تسبب [من] ترك السقي، أمَّا إذا كان التلف بسبب العطش: فأصح الطريقين أنه لا يجزئ، ويكون من ضمان البائع.
والثاني: أنه يجزئ.
وهو قول أبي علي الطبري، وعلى هذا يجب على البائع ضمان القيمة أو المثل.
ومحل القول القديم بالاتفاق: ما إذا تلفت قبل أوان الجداد بآفة سماوية، بويعت منفردة، وأما إذاتلفت بعد أوان الجداد، [وإمكان النقل، وطول المدة] بحيث يُعد مقصِّراً ومضيِّعاً، أو كانت قد بيعت مع الشجر- فلا يجزئ وجهاً واحداً، بل يكون من ضمان المشتري، وهل يجزئ بعد أوان الجاد إذا قصرت المدة بحيث لا يعد مضيِّعاً؟ فيه قولان في "الشامل":

أصحهما - وهو ما جزم به الماوردي والطبري في "العدة"، والشيخ في "المهذب" -: أنه لا يجزئ [، وكذا الخلاف - لكنه وجهان - في أنه: هل يجزئ فيما إذا سرقت أو غصبت؟ والذي أورده العراقيون منهام: "أنه يجزئ"].
ومقابله هو الأصح عند الأكثرين، وهذا الخلاف حكى القاضي الحسين في "تعليقه" عن القفال: أنه يحتمل أن ينبني على أن الجوائح إلى متى توضع؟ إن قلنا: إلى أن تجد الثمرة، فهاهنا تكون من ضمان البائع، وإن قلنا: إلى أن تستجد الثمرة، فها هنا تكون من ضمان المشتري.
تنبيه: الألف واللام في "الثمرة" يجوز أن يكونا للعموم؛ فيشمل الخلافُ الثمرةَ التي بدا صلاحها، وما لم يبد إذا بيعت بشرط القطع، وهو أظهر الطرق في الرافعي، ولم يحك ابن الصباغ غيره.
ويجوز أن يكونا للعهد، وهي الثمرة التي تستحق تبقيتها إلى أوان الجداد فيجري فيها الخلاف، أمَّا الثمرة التي أبيعت بشرط القطع فلا يجري فيها القولان، وما حكمها؟ فيه طريقان في المذهب: أحدهما: القطع بأنها من ضمان المشتري؛ لأنه مفرِّط بترك القطع مع عدم العُلْقة بالبائع؛ فإنه لا يجب عليه السقي والحالة هذه، وهذا ما حكاه الطبري عن القفال، ولم يحك الإمام سواه، وكذلك القاضي أبو الطيب الطبري فيما إذا باع الزرع الأخضر بشرط القطع، على ما حكاه في كتاب "الصلح".
والثاني: القطع بأنها من ضمان البائع؛ لأنه إذا شرط القطع كان القبض فيه بالقطع والنقل، ولم يوجد.
فرع: لو تعيبت الثمار بعد التخلية، حيث جعلناها من ضمان البائع ثبت للمشتري الخيار في فسخ العقد، وحيث جعلناها من ضمان المشتري فلا خيار له إلاَّ أن يكون سببه ترك السقي.
قال الإمام: "لأن الشرع ألزم البائع بالسقي، والتعيب الحادث بترك السقي كالعيب

المتقدم على القبض، ولو أفضى التعيب إلى التلف نظر: إن لم يشعر به المشتري حتى تلف عاد الخلاف في الانفساخ ولزوم الضمان على البائع.
فإن قلنا بعدم الانفساخ فلا خيار بعد التلف.
قاله الإمام، وإن شعر به ولم يفسخ حتى تلف فيغرم البائع في وجه؛ لعدوانه، ولا يغرم في وجه لتقصيره، والله أعلم.
ولنختم الباب بذكر مسائل تتعلق به: إذا باع العبد، وقد ملَّكه مالاً، وقلنا: إنه يملكه – فإن شرط المال لنفسه فلا يتبع، وكذا إن أطلق الحديث، ولو باعه مع المال فقد نصّ في القديم على قولين: أحدهما: أنه لابدَّ من رعاية شرائط العقد فيهما.
والثاني: أنَّ المال ينتقل إلى المشتري مع العبد، وأنه لا بأٍ بكونه مجهولاً وغائباً.
ولم يحتمل ذلك؟ قال أبو سعد: "لأن المال تابع، وقد يحتمل في التابع ما لا يحتمل في الأصل؛ بدليل الحمل واللبن وحقوق الدار"، وقال ابن سريج وأبو إسحاق: "المال ليس بمبيع [لا] أصلاً ولا تبعاً، ولكن شرطه للمبتاع تبقية له على العبد كما كان؛ فللمشتري انتزاعه منه كما كان للبائع.
فعلى هذا: لو كان المار ربوياًّ والثمن من نجسه، فلا بأس، وعلى الأول لا يجوز ذلك، ولايحتمل الربا في التابع، وأصح المعنيين عند الأصحاب: الثاني.
قال الإمام: "ومحل هذا الخلاف ما إذا قال: بعتك العبد بماله، أمَّا لو قال: وماله، فهذا يتضمن قطع ملك العبد، ويثبت ملك المشتري.
وإن قلنا: إن العبد لا يملك فإدخال المال في البيع يكون كما إذا باع عبداً ومالاً، ولا يخفى حكمهما مما تقدمز فرع: لو اكن العبد مأذوناً، وقد باعه مع ماله، فهل يحتاج إلى إذن جديد من المشتري، أم

يبقى على ما كان عليه؟ فيه وجهان، أظهرهما في "النهاية": الثاني، إلاَّ أن ينهاه.
إذا باع العبد هل يستتبع ثيابه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لا يستتبع بيع الدابة السرج.
والثاني: نعم، فعلى هذا وجهان: أحدهما: المستتبع ما عليه من الثياب.
والثاني: ساتر العورة.
والصحيح عند صاحب "التهذيب": وغيره وجه عدم الدخول، وكذا قالوا في عِذَار الدابة، وأمَّا نعلها فيدخل، وكذا بُرّة الناقة إلا ان تكون من ذهب أو فضة، كذا قاله الرافعي، و [في كلام] الإمام في باب "الرد بالعيب" إشارة إلى ترددٍ للأصحاب في أن نعل الدابة هل يدخل؟ ويعضده جريان الخلاف في الرفوف والسلالم المسمَّرة، والله أعلم.

باب بيع المصراة والرد بالعيب

المُصَرَّاةُ: قال أهل اللغة: هي الناقة، أو البقرة، أو الشاة أو نحوها تربط أخلاها، ولا تحلب أياماً؛ فيجتمع في ضرعها لبنٌ كثيرٌ يتوهم المشتري أنَّ هذا اللبن عادتها في كل يوم، فيشتريها.
وهي من التصرية، والتصرية: الجمع.
يقال: صرّ الماء في الحوض، إذا جمعه فيه، وصَرَّاه في ظهره: إذا ترك الجماع؛ فاجتمع الماء فيه.
ويقال: صَرَّى يُصَرِّي تصرية، وهي مصراة مثل: غَذَّى المرأة يغذي تغذية فهي مغذاة.
وتسمى المصراة محفَّلة أيضاً، وهي لغة أهل العراق، وهي من الحفل وهو الجمع، ومنه قيل للجمع: المحفل.
وهذا الفعل حرامٌ؛ لما فيه من التليس، وكذلك البيع؛ لأنه روي عن ابن مسعود أنه قال: "أشهد على الصادق المصدق أبي القاسم صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بَيْعُ الْمُحَفَّلات خِلاَبَةٌ، وَلاَ تَحِلُّ خِلاَبَةُ مُسْلِمٍ" ذكره عبد الحق.

قال: "إذا اشترى ناقة، او بقرة أو شاة مصراة، وتبين التصرية – فهو بالخار بين أن يمسك، وبين أن يرد ويرد معها صاعاً من تمر بدل اللبن" – أي: الذي كان موجوداً وقت العقد، سواء كاناللبن قليلاً أو كثيراً، باقياً بحاله لم يتغير أو غير باقٍ، وسواء كان التمر غالب قوت البلد أو لا، وسواء ساوت قيمة الصاع قيمة الشاة، أو نقصت عنها، أو زادت.
والأصل في ذلك: ما روى الشافعي وأبو داود بسندهما عن أبي هريرة – رضي الله عنه –عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لاَ تُصِرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ لِلْبَيْعِ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا: إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّها وَصَاعاً مِنْ سَمْرَاءَ".
قال الترمذي: وقوله: "لا سمراء" يعني: لا بُر.
وقال غيره: قوله – عليه السلام – في الحديث الأول: "بعد ذلك" أي: بعد هذا النهي.
فدلَّ الأول على المدعي في الإبل والغنم؛ لكونها غالب أموالهم.
والثاني: على الجميع.
وهل ثبوت الخيار للتدليس الصادر منه أو لتضرر المشتري بما وطن نفسه عليه؟ فيه خلاف يظهر أثره فيما لو تحفَّلت بنفسها، أو صَرَّها غيره بغير إذنه، والأصح في

"التهذيب" ثبوته، ووراء ذلك [وجوهٌ أُخر]: أحدها: أن اللبن إذا كان باقياً لم يتغير لايتعين عليه رد التمر، وله ردُّ اللبن، صرح به في "المهذب".
وازد الشيخ أبو محمد [عليه] فقال: [يتعين رد اللبن].
وإذا كان تالفاً ردّ مثله، فإن أعوزه المثل ردّ قيمته؛ اعتباراً بسائر المتلفات.
قال الإمام: وقد أومأ إلى هذا صاحب "التقريب" ولم يصرح به، وهو عندي غلط صريح.
الثاني: أن التمر إنما يتعين إذا كان غالب قوت البلد، أمَّا إذا كان الغالب غيره فهو الواجب، وهو قول الإصطخري وابن سريج، و [ابن] أبي هريرة، على ما حكاه المحامل.
الثالث: أنه لا يتعين وإن كان غالب قوت البلد، وهو قول [ابن] أبي هريرة، على ما حكاه الماوردي، بل يجوز إخراج ما يجري في زكاة الفطر.
قال الإمام: "لكن لا يتعدى إلى الأقط"، وهذا صححه الرافعيُ، ويشهد له أنه جاء في بعض الروايات – كما ذكرنا – ذكر التمرن وفي بعضها ذكر الطعام، كما خرجه الترمذي وصححه، وفي بعضها عن ابن عمر أنه – عليه السلام – قال: "مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهِا قَمْحاً" وذلك يشعر بالتخيير

الرابع – حكاه صاحب "التهذيب" وغيره عن أبي إسحاق -: أن التمر هو الأصل في جميع البلاد، فإن عدل إلى ما هو أعلى منه، بأن أعطى مكانه قمحاً – أي: وكان أكثر قيمة، كما صرح به غيره – يجوز، وإن عدل إلى ما دونه لا يجوز إلا برضا البائع.
قال القاضي أبو الطيب- حكاية عنه تتمة لذلك -: وإن كان في بلد يوجد فيه التمر وجب يه قيمة الصاع من التمر بالمدينة، وإن كان في بلد يوجد فيه التمر إلا أنَّ ثمنه كبير – يأتي علىثمن الشاة أو على الأكثر منه –قُوّشم بقيمة المدينة، والمحالي حكى عنه في هذه الصورة أنه يلزمه قيمته بالحجاز، وأبدل لفظ الثمن بالقيمة.
والخامس: أن الصاع لا يتعين، ولكن الواجب [يتقدر] بقدر اللبن؛ لما سبق من رواية ابن عمر، وعلى هذا فقد يزاد الواجب على الصاع وقد ينقص، ثم منهم من خصّ هذا الوجه بما إذا زادت قيمة الصاع على نصف قيمة الشاة، وقطع بوجوب الصاع فيما إذا نقصت عن النصف، ومنهم من أطلقه إطلاقاً.
ثم على قول اعتبار القيمة، قال الإمام: تعتبر القيمة الوسط للتمر بالحجاز، وقيمة مثل ذلك الحيوان بالحجاز، فإذا كان اللبن عشر الشاةمثلاً، أَوْجَبْنا من الصاع عشر قيمة الشاة.

وهذا كله فيما إذا لم يرض البائع، فأمَّا إذا تراضيا على غير التمر من قوت أو غيره، أو على رد اللبن المحلوب عند بقائه – جاز بلا خلاف، كذا قاله في "التهذيب".
وحكى ابن كَجٍّ وجهين في جواز إبدال التمر بالبر عند اتفاقهما عليه.
فرعان: على المذهب لو أعوزه التمر أعطى قيمته، وفي محلها وجهان: أحدهما: قيمة أقرب بلاد التمر منه.
والثاني: قيمته بالمدينة.
لو كان ثمن الشاة صاعاً من تمر ردها وصاعاً من تمر، وقيل: تُقَوْم مصراة، فإذا قيل: عشرة، قوّمت غير مصراة، فإذا قيل: ثمانية، علم أن التفاوت الخُمُس؛ فيجب عليه خُمُس صاع.
تنبيه: قول الشيخ: "وتبين التصرية فهو بالخيار" يخرج ما إذا كان عالماً بالتصرية حال العقد، ويشمل ما إذا تبين التصرية بعد ثلاثة أيام أو قبلها.
اولحكم فيها عند الأصحاب مبني على أصل لابد من ذكره، وهو ما إذا كان غير عالم بالتصرية حالة العقد، ثم علم بها؛ فإن له الخيار إلى ثلاثة أيام، جزم به الماورديُّ، لكن هل هو شرعيٍّ أو خيار عيب؟ فيه وجهان: أولهما – قول أبي حامد المروروزي -: أنه يمتد إلى ثلاثة أيام، ولو كان خيار عيب لكان على الفور.
قال القاضي أبو الطيب – وقد حكى ذلك في "جامعه" وقال -: إن الشافعيَّ نصّ عليه في كتاب "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى".
والثاني – قول أبي إسحاق المروزي -: لأنه موضوع لكشف التدليس، والتدليس بالتصرية لا يعلم قبل مضي ثلاثة أيام؛ لأن كثرة اللبن في اليوم الأول يحتمل أن تكون بسبب التصرية، أو من أصل الخلقة، وقلته في اليوم الثاني يحتمل أن تكون من أصل الخلقة أو لاختلاف المرعى، فإذا حلبها في اليوم الثالث، وظهر

نقصانه عن الأول تيقن حينئذ أنها مصراة.
فإن قلنا بقول أبي حامد ثبت له الخيار إذا كان عالماً بالتصريةحال العقد، وإن قلنا بقول أبي إسحاق فلا، وهذا ما اختاره ابن أبي عصرون، وجزم به أبو الطيب، وحكى الرافعيُّ وغيره مثله عن ابن أبي هريرة فيما إذا ثبتت التصرية بإقرار البائع أو بشهادة عدلين، وصححه.
ويتفرع على قول أبي حامد وأبي إسحاق الفرع الآخر، وهو ما إذا مضت مدة الثلاث قبل العلم بالتصرية، فعلىقول أبي حامد: يسقط الخيار، وعلى قول أبي إسحاق: لا، صرح به الماوردي.
والسقوط على قول أبي حامد موافق لما حكاه الماوردي فيما إذا مات أحد المتعاقدين في مدة خيار الشرط، ولم يطلع وارثه إلاَّ بعد انقضاء مدته: أنه يسقط، ويتجه أن يجيء هاهنا تفريعاً على قول أبي حامد ما حكيناه ثَمَّ.
وفي "تعليق" البندنيجي: أن أبا إسحاق قال: لو أراد الرد قبل الثلاث لم يكن له؛ لأنه ما علم بالعيب، وإن أراده بعد الثلاث لم يكن له؛ لأنه ترك الرد بعد القدرة على معرفة العيب، وإنما [له] الرد عند انقضاء الثلث.
وهل ابتداء الثلاث من حين العقد، أو من حين انقضاء خيار المجلس؟ فيه خلاف كما في خيار الشرط.
حكاه الرافعيُّ.
آخر: عدول الشيخ عن أن يقول: إذا اشترى حيواناً مأكولاً مصراة، إلى ما ذكره - احترازٌ عن غير النعم من المأكولات؛ فإن فيه خلافاً، اختيار البصريين: أن حكم التصرية لا يثبت فيه، والصحيح - ما حكاه الرافعيُّ، وهو اختيار البغداديين -: الثبوت.
قال: وإن اشترىتانا مصراة ردّها"؛ لأن في كثرة لبنها نفعاص وغرضاً، فكان نقصه غبناً كالنقص في لبن النعم.
قال: "ولا يرد بدل اللبن" أي: سواء قلنا بنجاسته على المذهب، أو بطهارته [وجواز شربه، كما ذهب إليه أبو سعيد الإصطخري؛ لأنّا إن حكمنا بنجاسته لا قيمة للنجس، وإن حكمنا بطهارته]؛ فلأنه غير مقصود بالأعواض وهو تبع.

وقيل على القول بالطهارة: إنه يجب الصاع – حكاه أبو الطيب والبندنيجي – ليس إلاَّ، والماوردي مع الأول.
وقيل: يجب الأرض عندالرد لا الصاع، وفي الرد وجهٌ أيضاً: أنه لا يثبت، ولكن يرجع بالأرش؛ بناء على أنه بخس، حكاه المحاملي، ومجموع ذلك أربعة أوجه.
تنبيه: الأتان: الأنثى من جنس الحمر، وجمعها: آتُن – بالمد وضم التاء – كعَنَاق وأَعْنُق، وجمع الكثرة: أُتُن وأُتّن ككُتُب وُكتْب ومأتوناء – بالهمزة في أوْله والمد في آخره – حكاه الجوهريُّ.
قال: "وإن اشترى جارية مصراة، فقد قيل: لا يرد" – أي: ويأخذ الأرش؛ لأن اللبن إذا ان كثيراً انتفع به الأول ونما؛ ففي نقصه إضرار بالمشتري، والثمن يختلف باختلافه، لكن لا يمكننا أن نقول: إنه يردها ولا يردْ شيئاً؛ لأنه قد حصل في يده اللبن الذي هو حق البائع فلا يجوز إبطال حقه، ولا يمكننا أن نقول: إنه يردها ويرد معها صاعاً؛ لأن لبن الآدميات ليس له عوض مقصود؛ فلم يبق إلا أن يمسكها، ويأخذ أرش العيب.
قال: وقيل: يرد؛ لتدليسه وتضرر المشتري بعقده.
قال: "إلاَّ أنه لا يرد بدل اللبن"؛ لأنه غير مقصود في الأعواض، ألاَ ترى أنه لا يباع في الأسواق؟! وقد قيل: "إنه نجس"، وهذا القول بجملته هوالصحيح، ولم يحك المحاملي في "مجموعه" غير هذين القولين، والذي جزم به البندنيجي جواز الرد، وحكى الخلاف في رد البدل، ووراء ذلك وجهان آخران: أحدهما: أن له الرد، وإذا [ردّ] ردَّ بدل اللبن، وهو اختيار ابن [أبي] عصرون، والأصح في "تعليق" أبي الطيب.
والثاني: لا يرد ولا يرجع بالأرش، وهو ما ظنّ ابن يونس أنه القول الأول من كلام الشيخ.
فروع: إذا اشترى مصراة، ثم زاد اللبن عنده، ولم يظهر نقصه عن حالة الشراء- فالأصح

أنه لا يثبت له الخيار، وهو ما حكاه في "التهذيب"، وحكى المحامليُّ وغيره وجهاً: أنه يثبت.
إذا رضي بعيب التصرية، ثم اطلع على عيب آخر فهل له الرد؟ ينظر: إن علم بالتصرية بعد العقد كان له الرد، وردّ بدل لبن التصرية إن كان مقابلاً، صرح به الماوردي.
وحكى الإمام أن بعض أصحابنا خرج ذلك على تفريق الصفقة.
وإن علم بالتصرية حال العقد، ورضي بها، ففي جواز ردها بالعيب وجهان، خرجهما ابن أبي هريرة من اختلاف قوليه في تفريق الصفقة.
قاله الماوردي، ويجتمع من النقلين في المسألتين الخلاف.
إذا اشترى غير مصراة، واطلع بها على عيب نظر: إن اشتراها ولا لبن في ضرعها كان له الرد، وإن كان في ضرعها لبن فحلبه.
قال الماوردي: له الرد، ويجب عليه [رد] بدل اللبن، ولكن لا يلزمه رد صاع؛ لان الصاع عوض لبن التصرية، فإن اتفقا على قدره، وإلاَّ فالقول قول المشتري.
وفي "تعليق" أبي حامد حكاية عن نصه: "أنه لا يرد بدله؛ لأنه قليل غير معتني بجمعه، بخلاف ما في المصراة، وهو ما حكاه القاضي [الحسين عن القديم، وحكى وجهاً: أنه إذا اكن ضرعها ممتلئاً من اللبن يرد، ويرد معها صاعاً من التمر، وهو الأظهر، ثم حكى فيما إذا كانت لبوناً أنه يردها، ويرد بدل اللبن، لكن ما المردود؟ فيه وجهان: أحدهما: الصاع، وهو ما حكاه] في "التهذيب".
والثاني: قيمة ذلك اللبن.
وفي "تعليق" البندنيجي: أن اللبن إذا كان تالفاً، فليس له الرد إذا قلنا: لا تفرق الصفقة، وله الأرش، وإن كان اللبن قائماً فهل له الرد مع اللبن أم لا؟ على الوجهين فيما إذا رد لبن المصراة ولم يتغير: هل يجبر البائع على القبول؟

فإن قلنا: لا رد له، فهو كالتالف، وكلام أبي الطيب في "التعليق" قريب من ذلك، والذي حكاه في "المرشد": أنه ليس له الرد، سواء كان اللبن باقياً أو تالفاً، ولكن يرجع بالأرش، ورأى الإمام تخريج ذلك على أنَّ اللبن هل يأخذ قسطاً من الثمن أمْ لا؟ قال:"فإن اشترى جارية قد جُعِّد شعرها أو سُود، ثم بان أنها سَبطة أو بيضاء الشعر – ثبت له الخيار"؛ لأنه تدليس يختلف به الثمن؛ لاختلاف الأغراض، فأثبت الخيار له كالتصرية.
وأيضاً فإن الجعودة تدل علىقوة الجسد، وفقدها دليل على ضعف الجسم، كذا قاله الماوردي.
ومحل ثبوت الخيار في الجعودة ما إذا كان المشتري قد رأى الشعر، أمَّا إذا لم يكن قد رآه حالة العقد، وصححنا العقد فلا خيار، إلاَّ أن يكون قد شرط أنها جعدة الشعر.
كذا حكاه الماوردي، ونبه عليه البندنيجي بقوله: "وكان قد شاهدها جعدة"، وطرده فيما إذا اشترى جارية شاهدها بيضاء فبانت سمراء، أو شاهدها محمرة الوجنتين، فبانتا بيضاوين، وكان ذلك بصنعة آدمي، وهذا منه يدل على انه لا فرق في ذلك بين أن يكون بإذن البائع أو بغير إذنه، وفيه احترازٌ عمَّا إذا تجعد الشعر بنفسه؛ فإنه لا يثبت الخيار، وقد صرح به في "الإبانة"، وحكى وجهين فيما إذا رآها سبطة فبانت جعدة.
وقول الشيخ: "جعد" وكذا الفوراني يرشد إلى ما يقتضيه إيراد البندنيجي، وهو قضية ما صححه البغوي في مسألة المصراة.
وإرسال الزنبور على وجه الجارية، أو على بطنها ليظن أنها سمينة ملحقٌ بتسويد الشعر.
ولو لطخ ثوب الغلام بالمداد حتى يظهر أنه كاتب، أو ألبسه ثياباً تختص بصنعة

مخصوصة يظن أن لابسها من أهلها، أو أُعْلفت البهيمة حتى تَرْبَأ بطنها وظُنَّ أنها حامل، أو أرسل الزنبور على ضرعها حتى انتفخ وظنت لبوناً – فأصح الوجهين أنه لا يثبت، وفي "الإبانة" أن اختيار الشيخ أبي حامد: الثبوت في ظن الحمل، ووجه مقابله: بأن امتلاء بطنها ليس إليه، لكن إلى الله تعالى.
تنبيه: جُعْد شعرها: بضم الجيم، وتشديد العين.
قال أهل اللغة: جعدت الشعر تجعيداً، وهو شعر مجعَّد: إذا كان فيه تقبُّض والتواء، لا المفلفل كشعور الزنج.
سَبطة- بفتح السين وإسكان الباء وفتحها وكسره -: أي مسترسلة الشعر من غير تقبُّض.
قال:"ومن علم بالسلعة عيباص لم يجز أن يبيعها حتىيبين عيبها"؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: "مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَصَابَهُ المَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟! مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا".
وروى عقبة بن تمام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعاً يَعْلَمُ بِهِ عَيْباً إِلاَّ بَيّنَهُ لَهُ" رواه ابن ماجه.
وي المرشد أن غير المالك إذا علم بالعيب لزمه بيانه.
قال: فإن باع ولم يبين فالبيع صحيح؛ لأنه – عليه السلام – صحَّح بيع المصراة مع وجود التدليس.
قال: وإذا علم المشتري بالمبيع عيباً كان موجوداً عند العقد، أو حدث قبل

القبض – أي: واستمر إلى حالة الاطلاع عليه – فهو بالخيار بين أن يمسك، وبين أن يرد.
أمَّا إذا كان موجوداً عند العقد؛ فلما روى عن عائشة – رضي الله عنها – أن رجلاً اشترى غلاماً في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فكان عنده ما شاء الله، ثم ردّه من عيب وجده، ولأحاديث المصراة؛ فإنه – عليه السلام – جعل للمشتري الخيار مع تدليس البائع بما ليس بعيب؛ فكان التدليس بالعيب أولى.
وأمَّا إذا كان حدث قبل القبض؛ فلأن المبيع من ضمانه فكذلك جزؤه ووصفه، وادعى القاضي أبو الطيب – في أثناء مسألة حدوث العيب عند المشتري – إجماع المسلمين على ذلك.
أمَّا إذا علم بالعيب بعد زواله – إمَّا في يده أو في يد الابئع – فأصح الوجهين: أنه ال يثبت الخيار، وهما مخرجان على ما حكاه الأصحاب في باب بيع المصراة من القولين فيما إذا عَتَقَتِ الأمةُ تحت عبد فلم يعلم حتى عَتَقَ، وحكاهما في "الإشراف" قولين أيضاً، ولا نزاع في أن العيب إذا وجد في يد البائع، وزال في يده قبل العقد – أنه لا حكم له إذا لم يعد في يد المشتري، صرح به صاحب "الإشراف"، أمَّا إذا عاد ففيه كلام سأذكره، عن شاء الله تعالى.
فرع: إذا اشترى ولي الطفل له شيئاً، ثم اطلع على عيب به – نظر: إن كان الشراء بعين المال فالعقد باطل، وإن كان بثمن في الذمة نفذ في حق الولي.
فأمَّا إذا اشترى شيئاً سليماً، فحدث به عيبٌ قبل القبض: فإن كان النظر في الإمساك أمسكه، وإن كان في الرد ردّه، فإن ترك الرد نظر: إن كانالعقد ورد على ثمن في الذمة انقلب الشراء إلى الولي، وإن كان قد اشترى بعين مال الطفل بطل العقد، كذا حكاه المتولي.
وفي "الوسيط" في كتاب التفليس: أنه ليس له الرد إذا كان يساوي أضعاف الثمن، ولا يطالب بالأرش؛ فإن الرد في حقه ممكن، وإنما وقع الامتناع مع الإمكان للمصلحة.
وحكى الإمام منع الرد – أيضاً – فيما إذا كان يطلب بأكثر من ثمن المثل عند

الكلام في سلامة الغرة، ولم يفصل واحد منهما بين أن يكون العيب موجوداً عند العقد، أو حدث بعده.
قال: "فإن أخر الرد من غير عذر سقط حقه، من الرد؛ لأنه خيار ثابت بالشرع لدفع الضرر على المال؛ فكان على الفور كخيار الشفعة.
وقولنا: "ثابت بالشرع" احترازٌ عن خيار الشرط.
وقولنا: "لدفع الضرر عن المال" احترازٌ عن خيار الإيلاء، واستيفاء القصاص، والأمة تعتق تحت عبد على رأي، وكذا العنة.
والعذر المبيح للتأخير: أن يطلع على العيب وهو آكل أو مُصَلٍّ أو قاضٍ حاجةً، أو اطلع عليه وقد دخل وقت ذلك فاشتغل به، وكذا لو لبس ثوباً أو أغلق باباً، وكذا لو بلغه وهو ممنوع بعينه أو مرض؛ فإن حقه باق إلىن يزول النمع صرح به الماوردي.
ولو وقف عليه ليلاً فله التأخير إلى أن يصبح، صرح به الماوردي وغيره.
وفي "التتمة": أنه إذالم يتمكن في الوقت من حضور مجلس الحكم، ولا من إحضار الشهود ليفسخ بحضرتهم، ولا من إخبار الابئع بذلك – فعامة أصحابنا قالوا: لابد أن يقول في الوقت: فسخت العقد؛ لأنه قادر عليه، فإن لم يفعل سقط حقه، ونسب ما حكيناه أولاً إلى قول القفال، وقاربه في الإيراد الشاشيُّ في "حليته".
وإذا أبق العبد في يد البائع بعد العقد ولم يعد، فأخر المشتري الفسخ – لم يبطل حقه، بل لو صرح بإسقاطه لا يبطل.
قال الإمام في كتاب "السلم": وقد أبعد بعض أصحابنا وقال: إنه يبطل إذا أبطله، وجَهْلُ المشتري بثبوت الخيار، أو بكونه على الفور مع اطلاعه على العيب – ليس بعذر، إلاَّ أن يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ في بَرِّيَّة.
وفي "الزوائد" في كتاب "النكاح" أن صاحب "الفروع" قال: إذا ادّعى المشتري الجهالة بالرد بالعيب فهل يعذر؟ على قولين؛ كالأمة إذا ادّعت الجهالة باحلكم.
واعلم أن يكفية الرد على ما فهمه الرافعي من كلام الأصحاب [أن] البائع إن

كان في البلد ردّ عليه بنفسه أو بوكيله، وكذا لو كان وكيله حاضراً، ولا يضر اشتغاله عن الرد بالسلام على البائع، فلو تركه في البلد، ورفع الأمر إلى القاضي لم يضر، وإن كان غائباً عن البلد رفع الأمر إلى الحاكم.
قال القاضي في "فتاويه": "فيدعي شراء ذلك من فلان الغائب بثمن معلوم، وأنه أقبضه الثمن، وقد ظهر لي به عيبٌ، وقد سخت، ويقيم البينة على ذلك في وجه مسخر ينصبه القاضي ويحلفه القاضي مع بينته، ثم يأخذ المبيع منه ويضعه علىيد عدل، ويبقى الثمن في ذمة الغائب، فيقضيه له القاضي من ماله، فإن لم يجد له سوى المبيع باعه فيه، وإذا لميتأتَّ الإتيان إلى الخصم أو القاضي في الحالين، وتمكن من الإشهاد على السخ: هل يلزمه ذلك؟ فيه وجهان، المنقولُ عن المتولي وغيره منهما: اللزوم، ويجري الخلاف فيما إذا أخر بعذر مرض أو غيره.
وإن عجز عن الإشهاد فهل عليه التلفظ بالفسخ؟ فيه الخلاف السابق، والصحيح عند الإمام والبغوي أنه لا حاجة إليه.
وفي "الوسيط": أن البائع إن كان حاضراً ردّ عليه، وإن كان غائباً تلفظ بالرد، وأشهد شاهدين [عليه]، فإن عجز حضر عند القاضي وأعلمه الرد، ولو رد إلى القاضي، والخصمُ حاضر فهو مقر، وأشار الإمام إلى خلاف في هذه الحالة، وقال: "إن هذا ظاهر المذهب، لكنه ذكر في الشفعة أن الشيع لو ترك المشتري، وابتدر إلى مجلس الحكم، واستعدى عليه – فهو فوق مطالبته المشتري؛ لأنه ربما يوجه آخراً إلى المرافعة، وحكينا معاً وجهين فيما إذا تمكن من الإشهاد وتركه، ورفع إلى القاضي.
وهذا يدلُّ على أن المضي إلى القاضي أقوى من لقاء الخصم، وأما الإشهاد فهو أقوى من المضي إلى القاضي على وجه ومساوٍ له في وجه، والمذكور هاهنا: أن لقاء الخصم أقوى من الإشهاد.
والإشهاد أقوى من المضي إلى القاضي، فليتأمل.
وقد أبدى الرافعيُّ إشكال هذا الترتيب على غير هذا النحو.
ويشترط مع المابدرة إلى الرد ألاَّ ينتفع بالمبيع قبلا لتمكن من الرد، فإن فعل بطل

حقه، إلاَّ أن يكون يسيراً جرت العادة [مثله في عرف الملك]؛ كقوله للجارية المبيعة، وقد وقف على عيبها: أغلقي الباب، أو ناوليني الثوب، أو ما جرى مجراه؛ فإنه لا يضر عند الماوردي، والأشبه عند غيره: أنه لا فرق.
ولو كان المبيع دابة، فحين علم بعيباه ركبها ليردها، فإن عسر ردها إلا به لم يضر، وإلاَّ فوجهان: قول ابن سريج منهما أن ذلك لا يمنع من الرد كما حكاه عنه الماوردي، وهو المذكور في "المذهب"، وطرده فيما إذا علف الدابة أو سقاها في الطريق.
وفي "الحاوي": يبطل بذلك حقه، وفي "الشامل": أنه لو حلب المبيع في طريقه لم يكن رضا؛ لأن اللبن له، فإذا استوفاه في حال الرد جاز كمنافعها، ونقل الروياني جواز الانتفاع في الطريق مطلقاً، وهو قضية كلام ابن الصباغ حتى روى عن أبيه جواز وطء الثيب.
وي الرافعيّ: أنه لو اطلع على عيب بالثوب، وهو لابسه في الطريق، فتوجه للرد ولم ينزع - فهو معذور، والله أعلم.
قال: "فإن لم يعلم بالعيب حتى حصلت له منها فوائد حدثت في ملكه" أي: كالولد، والثمرة، والكسب - أمسكها وردّ الأصل": أمَّا في الكسب فبالاتفاق على ما حكاه القاضي أبو الطيب وغيره، والأصل [فيه] ما روى الشافعيّ بسنده عن مخلد بن خفاف أنه ابتاع غلاماً، فاستعمله، ثم أصاب به عيباً، فقضى له عمر بن عبد العزيز برده وغَلَّته، فأخبر عروة عن عائشة -رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في مثل هذا "أن الخراج بالضمان"؛ فرد عمر قضاءه، وقضى لمخلد برد الخراج.
وأمَّا في الباقي فبالقياس على الكسب، وادّعى القاضي أبو الطيب أن قول عائشة: "قَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ" دالُّ عليه؛ إذ لم يفرق بين الكسب والولد والثمرة؛ فهو على عمومه، ولا فرق في ذلك بين [أن يحدث في يد البائع، أو في يد المشتري، وإطلاق العراقيين يدلّ على أنه لا فرق بين] أن يقع الرد قبل القبض أو

بعده، وي طريقة المراوزة حكاية وجه: أن الردَّ إذا وقع قبل القبض كان رفعاً للعقد من أله، وربما طرد فيما بعد القبض أيضاً على ما اقتضاه كلام مجلي؛ فتكون الزوائد للبائع، وقد رأيت في "مجموع المعاملي" في مسألة عيب البطيخ الجزم بأنه إذا ردّ بالعيب انفسخ العقد من أصله، وصار كأنه ممسكٌ للشيء بالسَّوْم.
واعلم أن ردّ الأم دون الولد مفروض في غير الآدمي، أو فيه ولم يتفق الاطلاع على العيب إلاَّ بعد انتهاء الولد إلى السن الذي يجوز التفريق فيه، أمَّا إذا لم ينته إليه ففي جواز الرد وجهان: أصحهما في "تعليق" أبي الطيب وغيره [هاهنا]: الجواز أيضاً.
والثاني: لا يرد، ويرجع بالأرش، وهذا ما جزم به أبو الطيب وغيره في كتاب "السير" كما حكيناه من قبل.
وقول الشيخ: "حدثت في ملكه" احترز بلفظ الحدوث عمَّا إذا اشترى حيواناً حاملاً، ووضع في ملكه، أو نخلاً وعليه طلع غير مؤبر، ثم أُبر في ملكه؛ فإن في ذلك خلافاً مبنيًّا على أنه يقابله قسط من الثمن أم لا؟ فإن قلنا: يقابله، ردَّه مع المبيع، وإلاَّ فهو كما لو حملت به في ملكه، أو أطلع النخل في ملكه.
هذا ما حكاه الأصحاب هاهنا.
وفي الرافعي في "الصداق": أنه لو أصدق زوجته أمة حاملاً، ووضعت في يد الزوجة، ثم طلقها، وقلنا: الحمل يقابله قسط من الثمن – أنه يسلم للمرأة، ولا حق للزوج [بسببه] على وجه؛ لأن هذه زيادة ظهرت بالانفصال، ولا قيمة له حالة الإحسان.
قلت: ومن مقتضى هذا التعليل أن يجيء هذا الوجه هاهنا، واحترز الشيخ بما ذكره أيضاً عما إذا اشترى شاةً، وعليها صوف فجزه؛ فإنه يجب ردّه معها، وإن استخلف قدره قبل الرد، وقد صرح بذلك القاضي الحسين قبيل باب المصراة.
ولو اشترىلجارية حائلاً، والشجرةَ ولا حمل لها، ثم حملت في يد المشتري ولم يعبها الحمل، أو في يد البائع، وكذلك النخلة أطلعت في ملك المشتري ولم

تؤبر – فهل يدخل الحمل والثمرة في الرد، أو يبقيان على ملك المشتري؟ فيه وجهان في "النهاية"، ولا يخفى أنه إذا ردّ المبيع بالعيب استرد الثمن إن كان باقياً ووَرَدَ العقد على عينة، وإن ورد على ما في الذمة، وعين في المجلس، غيره – كما حكاه الرافعي في نظيره من الصداق – فهل يتعين؟ [فيه وجهان، والمذهب: التعيين.
نعم، لو كان الثمن الذي في الذمة ألفاً، فأخذ عنه ثوباً، ثم ردّ عليه المبيع بالعيب: فهل يتعين] عليه رد الثوب أو ألف؟ المنقول عن القاضي أبي الطيب: أنه يرجع بالثوب؛ أنه إنما ملكه بالثمن، فإذا فسخ البيع سقط الثمن عن ذمة المشتري؛ فينفسخ بيع الثوب به.
وقال الأكثرون: يرجع بالألف، ومادة هذا الخلاف تأتي في باب الحوالة، إن شاء الله تعالى.
قال: وإن قال البائع: أنا أعطيك الأرش عن العيب – لم يلزمه قبوله؛ لأنه لم يرض إلا بمبيع سليم بجميع الثمن؛ فلا يلزمه المعيب ببعض الثمن.
[قال: "وإن طالب المشتري بالأرش لم يلزم البائع"؛ لأنه لم يبذل المبيع إلاَّ بكل الثمن، فلا يجبر على تسليمه ببعض الثمن].
قال: وإن تراضيا على أخذ الأرش" أي: مع كونه لا مانع من الرد "فقد قيل: يجوز"؛ لأنه خيار يسقط إلى مال، وهو إذا حدث عنده عيب، وتعذر ردّه لأجله، وماي سقط إلى مال يجوز التراضي على إسقاطه بمال، أصلُهُ القصاص، وهذا ما اختاره ابن سريج، وحكى البندنيجي في كتاب الشفعة: أنه حكاه أيضاً في القديم.
قال: "وقيل: لا يجوز"؛ لأنه خيار جعل لفسخ البيع؛ فلا يجوز التراضي على إسقاطه بمال، أصله خيار المجلس وخيار الشرط، وهذا هو ظاهر المذهب والصحيح، ويخالف القصاص؛ لأن للولي أن يعفو عن القصاص على مال من غير رضا القاتل، ولا يجوز هاهنا أن يعفو من غير رضا البائع، فعلى هذا هل يسقط الخيار؟ ينظر: إن كان المشتري عالماً بفساد هذا التراضي بطل خياره، وإلاَّ فوجهان، أصحهما في "تعليق" أبي الطيب وغيره: أنه لا يسقط.

تبيه: الأرش في اللغة: عبارة عن التأريش، وهو الإغراء على الشيء.
وفي الشرع: عبارة عن الشيء المقدّر الذي يحصل به الجبر عن الفائت، وهو جزء من الثمن يعتبر باعتبار القيمة – كما سنذكره – قاله الجيلي.
قال: "وإن اشترى عبدين –أي: صفقة واحدة-وهما لمالك واحد، "فوجد بأحدهما عيباً ردّه، وأمسك الآخر في أحد القولين".
هذا الخلاف مأخذه جواز تفريق الصفقة في الدوام، فإن قلنا به جاز إفراد أحد العبدين بالرد، رضي البائع أو لم يرضَ، ويجوز أيضاً ردهما، وفي "الوسيط" وجه: أنه لا يجوز ردهما إلاَّ إذا كانا معيبين.
وإن قلنا بعدم جواز تفريق الصفقة فلا يجوز إلاَّ أن يرضى البائع، كما صرح به الماوردي وأبو الطيب.
وحكى الإمام في باب تفريق الصفقة وجهاً: أنه لا يجوز وإن رضي البائع، قال الغزالي: وهو الأقيس.
وله ردهما جميعاً على هذا القول بلا خلاف.
ثم مقتضى النباء المذكور أن يكون الصحيح جواز إفراد المعيب بالرد؛ لأن الصحيح جواز تفريق الصفقة، لا سيما في الدوام، [لكن] الأصح من القولين هنا كما حكاه الماوردي، وهو ظاهر المذهب في "تعليق" القاضي أبي الطيب -: المنع.
التفريع: على قول الجواز استرداد قسط المردود من الثمن بلا خلاف، ولا يغرم أرش التبعيض أيضاً، صرح به الإمام وغيره من الطريقين.
وعلىقول المنع إذا لم يردهام لا أرش له؛ لإمكان ردهما معاً.
صرح به القاضي الحسين في باب "تفريق الصفقة"، وأبو الطيب هنا.
و [في] "ابن يونس" أن الغزالي قال: يرجع بالأرش.
ولم أره في "الوسيط" إلاَّ فيما إذا تلف أحد العبدين – كما سأذكره – وكذلك هو في "تعليق" أبي الطيب.
وعلىقول المنع أيضاً: إذا ردَّ المعيب لم ينفذ، وحكى الشيخ أبو علي وجهاً: أن رد المعيب يتضن ردهما معاً.

ولو كان السالم من العيب تالفاً، ففي جواز رد المعيب قولان مرتبان وأولى بجواز الرد، ولم يرتبهما أبو الطيب في "تعليقه"، فإن منعناه تعين له الأرش كما ذكرنا.
ولو لم يكن تالفاً ولكن كان قد باعه ففيه القولان أيضاص، فإن منعنا الرد فهل له الأرش؟ فيه وجهان في "الحاوي" ينبنيان على قول أبي إسحاق وابن أبي هريرة - كما ستعرفه- وكذلك حكاهما القاضي في "شرح الفروع".
ولو رد قيمة التالف على قول المنع، وأراد ردها مع القائم فوجهان مرتبان، وأولى بالمنع، كذا رتبه المراوزة، وأنكر القاضي أبو الطيب عليهم جواز رد قيمة التالف وقال: ذلك مخالف لنص الشافعي.
وطريق الشيخ أبي حامد: أن محل القولين فيما إذا اطلع على عيب بالعبدين، ثم هلك أحدهما بعد القبض- فهل له رد الباقي؟ فإن قلنا بجواز تفريق الصفقة رده بالحصة، وإلاَّ فلا، ورجع بالأرش.
أمَّا إذا اطلع على عيب بأحدهما وردهما ممكن، فليس له إلاَّ ردهما، أو إمساكهما، ولا نزاع في أنه لو كان المبيع زوجي خف أو باب فليس له رد أحدهما؛ لما في ذلك من التنقيص، وكذلك لو كان المُشْتَرَى عبداً واحداً، فأراد ردّ بعضه.
قال الرافعي في مسألتي الخف والباب: "وقد ارتكب بعضهم طرد القولين فيهما".
وفي "النهاية": أن الشيخ قال: "رأيت لبعض أصحابنا في العبد الواحد أنَّ المسألة تخرج على قولين، وقد رأيت هذا لصاحب "التقريب"، وهو خطأ عندي، والذي ذكره الأئمة: أنه أو اشترى عبداً، وباع نصفه، ثم اطلع على عيب قديم [به]؛ فأراد ردّ النصف الباقي مع ضمه أرش عيب التبعيض- فهو يندرج تحت التفاصيل في العيب القديم والحادث.
انتهى.
والذي جزم به القاضي أبو الطيب في هذه الصورة أيضاً: أنه لا يرد، ولكن هل يرجع بأرش النصف الباقي؟ فيه وجهان حكاهما في "شرح الفروع".
أمَّا إذا كان البائع للعبدين مالكين، أو وكيلين عنهما، وجوزناه - جاز له إفراد أحد العبدين قولاً واحداً.
صرح به الإمام في العبد الواحد، وهو هنا أولى.
وحكى صاحب "البحر" في كتاب الشركة: أن العبد الواحد لو كان لشخصين،

فوكل أحدهما صاحبه في بيعه – نظر: إن صرح عند البيع بأن له شريكاً فيه، فللمشتري ردّ نصيب أحدهما، وإن لم يصرح فهل له الرد؟ فيه وجهان، أحدهما: لا؛ لأن متولي العقد واحد.
فرع: إذا قلنا برد العبد الثاني من العبدين وحده بعد تلف أحدهما، واختلفا في قيمة التالف – فالقول قول البائع على الأصح؛ لأنه ملك جميع الثمن.
وقيل: القول قول المشتري؛ لأنه غارم.
قاله القاضي أبو الطيب.
قال: "وإن اشترى اثنان عيناً" – أي: من مالك واحد- "فوجدا بها عيباً، جاز لأحدهما أن يرد نصيبه دون الآخر"؛ لأنه ردَّ بالعيب جميع ما لزمه ثمنه؛ فجاز له الرد كالمشتري الواحد، وهذا ما نصّ عليه في كتبه الجديدة، ومعظم كتبه القديمة – على ما حكاه الإمام – ومنه يؤخذ أن الصفقة تتعدد بتعدد المشتري، كما حكيناه من قبل: أنه الأصح.
وحكى الإمام والماوردي عن أبي ثور أنه حكى عن الشافعي أنهما ليس لهما إلاَّ ردهما أو إمساكهما، وليس لأحدهما أن ينفرد برد حصته؛ احتجاجاً بان المبيع خرج عن يد بائعه صفقة واحدة؛ فلم يجز تبعيضها عليه برد بعض الصفقة كالمشتري الواحد ومن هذا أخذ أن الصفقة- وإن تعدد المشتري – متحدة على ما قاله الإمام، لكنه حكى بعد ذلك أن على قول المنع لو كان المبيع من ذوات الأمثال كصاع حنطة مثلاً وقد اقتسماه – فهل لأحدهما رد ما أخذه بما اطلع عليه من العيب؟ اختلف الأصحاب فيه، والخلاف مأخوذٌ من المعنيين في توجيه قول المنع: فإن كان التعويل على اتحاد الصفقة فلا فرق، وإن وقع التعويل على أنَّ التبعيض عيبٌ حادثٌ [فهذا لا] يتحقق في الحنطة وغيرها؛ فعلى هذا يجوز، ومقتضى التعليل الثاني منع [أخذ] اتحاد الصفقة من هذا النص، والله أعلم.
التفريع: إن قلنا بالجديد، فرد أحدهما نصيبه واسترجع ما دفع ففيه وجهان:

أصحهما: أن الشركة [ين المشتريين] قد بطلت بالرد؛ فيكون نصف العبد [للممسك، وللراد نصف الثمن.
والثاني: أن الشركة بينهما على حالها؛ لأنه لو لم يكن بينهما قسمه، فعلى هذا نصف العبد] بينهما، ونصف الثمن المسترجع بينهما، حكاه الماوردي.
قلت: ويظهر أنه محمول على ما إذا كان الثمن مشتركاً بينهما، أمَّا إذا لم يكن فلا وجه لذلك.
وإن قلنا بالقديم فهل لمن أراد رد حصته الأرشُ؟ ينظر: إن كان المبيع عبداً، فأعتق الشريك حصته وهو معسر، رجع به، وإن لم يكن قد أعتق الحصة، أو كان المبيع غير رقيق نظر: فإن أجاز الشريك أيضاً العقد، فرجوع الآخر بالأرش ينبني على أنه لو ملك نصيب المجبر، وأراد رده مع نصيبه، ويرجع بما يقابل حصته من الثمن لا غير، فهل يجبر البائع على القبول؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: لا، رجع بالأرش، فإن قال: أنا أقبله.
فإن قلنا: نعم، فهل يرجع بالأرش؟ فيه وجهان، أصحهما في "النهاية": أنه يرجع أيضاً.
وإن غاب الشركي ولم يبطل حقه، قد نقل صاحب "التقريب" وجهين في أنه هل يرجع بالأرش للحيلولة الناجزة.
ولا يخفى الحكم بعد ما ذكرناه فيما لو كان البائع أو المشتري، أو كلاهما وكيلاً، لكن مع ملاحظة ما ذكرناه في اتحاد الصفقة وتعدها في باب "ما يجوز بيعه".
فرع: لو كان البائع أو المشتري واحداً، فمات المشتري، وخلف وارثين - فليس لأحدهما ردّ نصيبه على الأصح، لكن يجب له الأرش عند إجازة الآخر على أحد الوجهين، [كما هو محكيُّ] في "زوائد" العمراني في خيار المجلس.
وفي الرافعي حكاية وجه: أنه يجوز أن ينفرد برد نصيبه؛ لأنه رد جميع ماله، والمذكور في هذا الفرع في "الحاوي": أن البائع مخير بين أن يأخذ نصف المبيع ويعطي نصف الثمن، وبين أن يعطي نصف الأرش.

وحكمُ الموكلين لو أخذ في شراء عبد واحد في الرد والإجازة، وأخذ الأرش عند الرافعي - تفريعاً على أن الاعتبار بالعقاد - حكم الوارثين، ولو كان المشتري واحداًلكنه لنفسه ولموكله، وقد صرح بذلك في العقد: فهل لأحدهما أن ينفرد برد نصيبه؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو اختيار أبي إسحاق -: لا؛ لاتحاد الإيجاب، ويخالف ما إذا باشر الشراء؛ لأنه لو أنكر المذكور أنه أمره بالشراء كانت الصفقة كلها لازمةً لمتولِّي الشراء؛ فالصفقة واحدة، وإلاَّ لتفرقت إذا أنكر الآخر.
والثاني - وهو الأص، وبه قال ابن أبي هريرة -: أن له ذلك؛ لأنهما بالذكر صارا كما لو باشرا واجباً لهما، حكاه صاحب "البحر" والقاضي أبو الطيب في كتاب "الشركة".
قال:"فإن وجد العيب، وقد نقص المبيع عند المشتري" - أي: لا بسبب وجد في يد البائع - "بأن كانت جارية بكراً فوطئها، أو ثوباً فقطعه، سقط حقه من الرد" - أي: سواء ردّ معه أرش العيب الحادث أو لا - أمَّا إذا لم يرده؛ فلما في ذلك من الإضرار بالبائع، وأما إذا رده؛ فلأن ذلك عيب حدث في المبيع لا لاستعلام العيب؛ فوجب أمن يمنع من الرد، كما إذا قطع طرف العبد في يد المشتري ثم وجد به عيباً قديماً؛ فإنه لا يجوز له رده بالإجماع، على ما حكاه أبوالطيب.
وقولنا: "لا لاستعلام العيب" احتراز عمَّا استدل به أبو ثور على جواز الرد في هذه الصورة، وهو رد الصاع من التمر في المصراة؛ فإن النقص ثَمَّ جاء من جهة استعلام العيب، على أن المردود ليس بدلاً عن العيب بل عن اللبن.
وفيه احترازٌ عن مسألة البطيخ.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه موافق لمذهب أبي ثور مخرجاً مما حكيناه فيما إذا منعنا ردّ أحد العبدين، فكان الباقي تالفاً: أنه يفسخ العقد فيهما، ويرد الباقي ويمة التالف، وفيما إذا اشترى ما لا يوقف على عيبه إلاَّ بكسره، فإن الرد له بعد الكسر.

واعلم أن ضابط ما يمنع الرد: [كل] ما إذا حدث في يد البائع أثبت الخيار، إلا إذا كانت جارية فزوجها، وقال الزوج قبل الدخول: إن ردك سيدك بعيب فأنت طالق، على ما حكاه الروياني.
وضرب لك الشيخ هذين المثالين؛ لتقيس مسألة قطع الثوب على مسألة الجارية؛ بجامع ما اشتركا فيه من تنقيص القيمة بفعل مضمون، وقد واق أبو حنيفة في الجارية، ومنع في الثوب لهذه العلة.
قال: "وله أن يطالب بالأرش" إذا لم يرض البائع بالمبيع معيباً؛ لتعينه طريقاً لدفع الضرر، ويشترط في ذلك إعلام المشتري البائع على الفور، حتى لو أخر من غير عذر بطل حقه من الرد والأرش، إلا أن يكون العيب الحادث قريب الزوال غالباً كالرمد والحمى؛ فلا يعتب رالفور في الإعلام على أحد القولين، وألحق القاضي أبو حامد الأمة الحامل بذلك؛ فجزو له إمساكها إلى حين الوضع وردها إن لم تنصها الولادة، وجعل الماوردي هذا القول مبنيًّا على أنَّ الحمل يقابله قسط من الثمن؛ فلا يتبع الأم في الرد.
قال: فإن قال البائع: أنا آخذه منك معيباً – أي: من غير أرش – "سقط حقه من الأرش"، وله الرد؛ لأن العدول عن الردّ إلى الأرش كان نظراً للبائع، فإذا رضي بالرد سقط الأرش، وهكذا الحكم فيما لو كان المبيع عصيراً حلواً، فاطلع على عيب به بعد أن صار خمراً ثم خلاًّ؛ فإن للبائع أن يأخذه ولا يعطي الأرش، صرح به الماوردي.
أمَّا إذا رضي به معيباً مع ضم الأرش إليه، ففي سقوط حق المشتري من الأرش إن لم يجبه وجهان ينبنيان على القولينيما لو اشترى ما لا يطلع على عيبه إلاَّ بكسره، وقلنا: لا يمتنع الرد بالكسر، هل يلزمه أرش الكسر إذا فسخ العقد؟ فإن قلنا: نعم، فإذا امتنع من بدل الرش سقط حقه من الأرش، وإلا فلا.
قاله القاضي الحسين.
وهذا إذا لم يُحْدِث المشتري في الثوب غير القطع، أما لو خاطه فله الأرش قاله الماوردي.
فلو تنازعا، فدعا أحدهما إلى الرد مع أرش العيب الحادث، ودعا الآخر إلى

الإمساك مع غرامة أرش القديم - فحاصل ما شاتمل عليه كلام الأصحاب وجوه: أحدها: أن المتبع رأي المشتري، وروي عن أبي ثور أنه نصه في القديم.
والثاني: أن المتبع رأي البائع.
والثالث - وهو الأصح -: أن المتبع رأي من يدعو إلى امساك والرجوع بأرش العيب، سواء كان البائع أو المشتري.
أمَّا إذا كان سبب العيب الحادث في يد المشتري موجوداً في يد البائع كما إذا جنى في يد البائع فاقتص منه في يد المشتري، فقد ذكرنا أنَّ المذهب ان ذلك ليس مانعاً من الرد، خلافاً لابن سريج.
ويلتحق بذلك [إذا اشترى جارية بكراً من وجه وافتضها الزوج في يد] المشتري، ويناسبه انه إذا اشترى جارية حاملة ووضعت في يده، ونقصت بسبب - أن يتخرج على الوجهين، ويؤيده أن الرافعي حكى فيما إذا أصدق زوجته جارية حائلاً فحملت في يده، ووضعت في يدها، ثم طلقها: فالنقص الحاصل منسوب إليها أو إليه؟ فيه وجهان، وقد جزم الماوردي فيما ذكرناه بأنه ليس له ردها.
فرع: لو وهب البائع المشتري الثمن، ثم اطلع على عيب بالمبيع - لم يجز له طلب بدل الثمن على قول، وامتنع بسببه رد المبيع عند بعضهم؛ لعروه عن الفائدة، على ما تضمنه كلام الغزالي في كتاب "الصداق"، وجزم القاضي الحسين بجواز الرد فيما إذا كان قد أبرأه من الثمن، وفائدته: التخلص عن حفظ المبيع.
حكاه في باب "المصراة".
واعلم أن طريق معرفة الأرش أن يقوّم المبيع سليماً، فإذا قيل: مائة، قوّم معيباً، فإذا قيل: تسعون - عُرف أن التفاوت بينهام العُشْر؛ فيرجع بعشر الثمن إن كان معلوماً، وإن كان مجهولاً فبعشر ما يتفقان عليه، وإن اختلفا، قال الجيلي: فيخرج على قولين: أحدهما: ان القول قول البائع؛ لأنه غارم.
والثاني: أن القول قول المشتري؛ لأن البائع يدعى استقرار ملكه على مقدارٍ؛ فلا يقبل قوله مع بدو العيب القديم، ثم القيمة بأي حال تعتبر؟

حاصل ما قيل في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: وقت العقد، وهو ما حكاه مجلي عن الفوراني عن رواية عبد العزيز بن مقلاص.
والثاني: وقت القبض، وهو ما عزاه الرافعي إلى رواية ابن مقلاص.
والثاثل – وهو الأصح، والذي جزم به الشيخ في "المهذب" والقاضي أبو الطيب، والماوردي -: أقل القيمتين من يوم العقد إلى يوم القبض؛ لأنها إن كانت يوم البيع أقل فالزيادة حدثت في ملك المشتري، وإن كانت يوم القبض أقل فما نقص من ضمان البائع، وعبر في "النهاية" عنه بأنَّا نراعي ما هو الأضر بالبائع في الحالين؛ فإن الأصل عدم استقرار الثمن.
وفي "المرشد": أنه بأي القيمتين قُوّم فهو جائز، سواء اتفقت قيمته من ين العقد إلى حين القبض أو اختلفت؛ لأن العيب إذا أثر في تنقيص عشر القيمة من كير القيمة أثر أيضاً في تنقيص العشر من قليل القيمة؛ فلا فائدة لاعتبار أقل القيمتين.
قلت: وهذا معنى قول الشاشي: ولا يظهر عندي لاعتبار ذلك فائدة، وإنما تعتبر قيمته وقت العقد.
وفيما قالاه نظرٌ؛ فإنه قد يقوم في حالة العقد سليماً بعشرة ومعيباً بثمانية، وقد يقوم في حالة القبض سليماً بعشرة ومعيباً بتسعة؛ فيكون الواجب عند من اعتبر أقل القيمتين الذي يضر بالبائع: الخُمس من الثمن، وعند من راعى وقت القبض: العُشر من الثمن، وذلك فائدة ظاهرة، والله أعلم.

ثم هذا فيما يرجع به المشتري على البائع من أرش العيب القيم، أمَّا ما يرجع به البائع على المشتري من أرش العيب الحادث فيقوم وبه العيب القديم؛ ويقوم وبه العيب القديم والحادث، ويجبما بينهما، وبأي وقت تعتبر القيمة؟ حكمه حمك السوم، وفيه عند العراقيين وجهانا: أحدهما: حين حدوث العيب.
والثاني: أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين حدوث العيب.
وأبدى مجلي في وجوب ما بين القيمتين احتمالاً وقال: الفسخ عندنا رافع للعقد من حينه، لا من أصله، وإذا كان كذلك فقد وجد العيب في يده، وهو مضمون عليه بالثمن؛ ففوات ذلك الجزء مضمون بجزء من الثمن، فكيف يشبه بالمقبوض سوماً، ولا عقد فيه؟ قال: وعلى هذا يكون حكمه حكم [أرش] المشتري.
قلت: وهذا [ما صرحنا به] نقلاً عن القاضي أبي الطيب في "شرح الفروع" وغيره في باب "ما يتم به البيع"، ويعضده أن غريم المفلس إذا رجع في العين، وقد نقصت بفعل مضمون ضرب مع الغرماء بقدر أرش النقص [من الثمن.
فروع: لو باع جارية من ابنه أو أبيه، فوطئها، ثم اطلع على عيب بها] بعد الاستبراء - كان له ردها، وكذا في كل ما يجري في يد المشتري مما يقتضي تحريماً مؤبداً من رضاع وغيره.
وفي "حلية" الشاشي في كتاب "النفقات" حكاية عن "الحاوي" عن العراقيين من أصحابنا: [أنَّ الأب إذا وطئ جارية الابن يجب عليه قيمتها؛ بسبب تحريمها على الابن، فإن صح هذا عن العراقيين من أصحابنا،] يتجه أن يكون وطؤه مانعاً من الرد من طريق الأوْلَى، وسيأتي لنا وجه مرتب منه.
لو كان المبيع غزلاً فنسجه المشتري، ثم اطلع على عيبه - كان له الرجوع بأرشه، فإن رضي البائع بعيبه فقولان حكاهما ابن سريج:

أحدهما: أن للمشتري الخيار في رده منسوجاً ولا أجرة له، وإن شاء أمسكه معيباً.
والثاني: أن البائع إن بذل أجرة النسج كان له استرجاع الغزل منسوجاً، وإن أبى لزمه الأرش، حكاه الماوردي.
لو كان المبيع دابة فأنعلها، فإن لم ينقصها قلعه كان له ذلك والرد بعده، وإن نقصها فقلع سقط حقه من الرد والأرش إذا كان بعد العلم بالعيب، ولو ردها مع النعل، ولم يحصل به تنقيص أُجبر البائع على قبول النعل؛ لأنه محتقر، لكنه هل يملكه بذلك حتى لو سقط استمر ملكه، أو المشتري أعرض حتى لو سقط عاد إليه؟ فيه وجهان، أشبهها الثاني.
لو كان املبيع ثوباً فصبغه، ولم يمكن فصل الصبغ منه، وزادت قيمته، فإن رده ولم يطلب قيمة الصبغ أجبر البائع على القبول، ويصير الصبغ ملكاً له؛ فإن صفة الثوب لا تزايله، ولا صائر إلى أنه يرد الثوب، ويبقى شريكاً بالصبغ كما في الغاصب؛ لأن الشركة عيب حادث.
وإن أراد الرد، وأخذ قيمة الصبغ، فالأظهر من الوجهين يه عم وجوب الإجابة، وللمشتري الأرش، ولو طلبه ابتداءً فقال البائع: رد الثوب لأغرم [لك] قيمة الصبغ، فمن المجاب منهما؟ فيه وجهان، المذكور منهما في "الشامل" و"التتمة": البائع، ولا أرش للمشتري.
وسلك الغزالي طريقاً في الترتيب فقال: إذا طلب المشتري قيمة الصبغ فهل يجب على البائع ذلك مع رد الثمن؟ فيه وجهان: فإن قلنا: لا نكلفه قيمته، فهو كعيب حادث؛ فتعود الأوجه الثلاثة في أنَّ تمليك شيء حادث أولى، أو تغريم أرش العيب القديم.
وما قاله يحتاج إلى تأمل؛ فإن الأوجه لا تعود مع قولنا: إنَّا لا نكلفه قيمة الصبغ، إذا أخذها، إنا نكلفه قيمة الصبغ، وإنما الأوجه الثلاثة لعلها تكون في أصل المسألة من غير هذا الترتيب، ووجه مشابهة هذه المسألة بمسألة العيب الحادث: ما أشار إليه الغزالي أن إدخال الصبغ في ملك البائع، مع أنه دخيل في العقد كإدخال الأرش الدخيل، وتمتاز هذه الصورة بإدخال قيمة الصبغ في ملك المشتري، وإخراجها من ملك البائع.

قال الرافعيُّ: ورواية الوجه الثالث لا تكاد توجد لغيره، وبتقدير ثبوته فقد بينا ثمّ أن الأصح الوجه الثالث.
وقضية إيراد الأئمة هاهنا: أنه لا يجاب المشتري إذا طلب الأرش.
[إذا] قصر الثوب، ثم اطلع على عيبه، فإن قلنا: إن القصارة بمنزلة العين، هي كالصبغ.
وإن قلنا: إنها بمنزلة الأثر، فيرد الثوب، ولا شيء له؛ كالزيادات المتصلة.
إذا أخذ الأرش عن العيب القديمن ثم زال الحادث، فهل له رد المبيع والأرش؟ فيه وجهان.
ولو لم يأخذه ولكن قضى القاضي بثبوته- فوجهان بالترتيب، وأولى بالجواز.
ولو تراضيا [ولا قضاء] فوجهان بالترتيب وأولى بالجواز، وهو الأصح في هذه الصورة.
ولو عرف العيب القديم بعد زاول الحادث كان له رده، وفيه وجهٌضعيف، ولو زال القديم بعد أخذ أرشه رده، ومنهم من جعله على الوجهين.
ولو كان القديم والحادث من نوع واحد، وزال أحدهما، واختلفا في الزائل-[فيحلفان]: فإن امتنع أحدهام قضي بيمين الآخر، وإن حلفا استفاد البائع بيمينه دفع الرد، والمشتري بيمينه أخذ الأرش، فإن اختلفا في الأرض فليس له إلا الأقل؛ لأنه المستيقن، كذا قاله الرافعي.
وفي "الوسيط" أن دعواهما على التعارض، [والقول] قول البائع؛ لأن الأصل هو اللزوم، وكلام الرافعيّ فيه تفسير لذلك وتتمة.
قال: وإن كان لا يقف على عيبه إلا بكسره – أي: وله مع عيبه قيمة قبل الكسر وبعده كالبطيخ والرانج – فكسر منه قدر ما يعرف به العب، ففيه قولان: أحدهما: يرده؛ لأن النقص حصل باستعلام العيب، فلم يمنع من الرد أصل المصراة.

وهذا ما صححه الشيخ أبو حامد والماوردي، واختاره في "المرشد".
قال: "ويَرُّد معه أرش ما نقص بالكسر في أحد القولين"؛ قياساً على المصراة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بردّها ورد صاع من تمر بدل اللبن؛ فعلى هذا يُقوّم معيباً بلا كسر ومعيباً مكسوراً، ويجب ما بين القيمتين، ويجيء فيه ما قاله مجلي.
قال: "دون الآخر"؛ لأن البائع سلطه على كسره؛ لأنه لا يمكن إدراك صلاحه وفساده إلا بذلك، فلم يجب عليه ردّ شيء معه، قال البندنيجي: "ولأنه قطع قطعاً مستحقًّا؛ فهو كما لو اشترى عبداً فختنه، ثم علم بالعيب"، وهذا ما صححه الشيخ أبو حامد، والبغوي وغيرهما.
قال:"والثاني" – أي: القول الثاني في الأصل -: "لا يرد"؛ لانه حدث في يده نقصٌ؛ فوجب أن يسقط ردّه بالعيب؛ كما لو اشترى ثوباً فقطعه.
قال: بل يرجع بالأرش إن كان لما بقي قيمة – أي: بعد الكسر كالبطيخ الذي حمض بعضه، والجَوْز، واللوْز، والرانج، وبيض النعام؛ لتعينه، طريقاً لدفع الضرر.
وهذا ما صححه المزني والبغوي.
وقد يعضد بما استدل به صاحب القول الأول من حديث المصراة؛ فإنَّ اللبن قابله قسط من الثمن، ومع هذا منع الشرع رده؛ لما حصل فيه من عيب في يد المشتري وإن كان لاستعلام العيب، وعلى تقدير أن يقول القائل الأول: امتناع الرد ليس كذلك، بل اختلاطه بملك المشتري وجهل قدره- فيقال له: ذلك مبطل لما استدللت به؛ لأنه يصير في المحلأمران يحتمل امتناع الحكم بسبب كلٍّ منهما؛ فلا يتعين ما ذكرته، لكن له أن يبقى على دليله الأول، وهو إيجاب الشرع التمر في مقابلة اللبن يدل على انفساخ العقد فيه؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان الواجب في مقابلته قسطاً من الثمن، كما إذا وجد بأحد العبدين عيباً وردّه، وقلنا: يمسك الآخر، وكونه منع فسخ العقد فيه لم يوجب الشرع ردّه؛ لعدم العلم بقدره، واختلاطه بغيره، وسنذكر عن ابن سريج نحواً من ذلك في مسألة ظهور العيب بالحلي، وقد يحصل في المسألة عند الاختصار ثلاثة أقوال: لا يردُّ ويرجع بالأرش، يرد [ويرد] الأرش، يرد ولا يرد الأرش.

قال الإمام: وهذا هو الذي تميزت به هذه المسألة عن العيوب الحادثة في يد المشتري.
يشير بذلك إلىلخلاف الذي حكيناه عن القاضي في ضم أرش العيب الحادث.
قال: "وإن لم يكن له قيمة" - أي: قبل الكسر، كبيض الدجاج الفاسد والجوزة الفارغة، والبطيخة الدائدة الحامضة- "رجع بالثمن كله" -أي: قولاً واحداً؛ لأنه تبين بطلان البيع؛ فإن ما لا قيمة له لا يصح بيعه، كالخناس ونحوها، وقد يفهم من كلام الشيخ أن هذا تفريع على القول الثاني؛ فيكون الثمن كله أرشاً حتى تبقى القشور مختصة بالمشتري يجب عليه تفريغ الأرض منها، كما حُكي عن القفال في أحد درسيه وغيره، وليس كذلك؛ بل المذكور في طريقة العراق ما ذكرناه أولاً، وهو الصحيح في غيرها، وادّعى الإمام فسادغيره، أمَّا إذا كسر منه قدراً كان يمكنه الوقوف على الفساد بأقل منه، كما إذا شق البطيخةبنصفين، وكانت له قيمة، فقد قيل: يمتنع الرد قولاً واحداً، وهو الصحيح، وبه قال أبو حامد المرورُّوذي وجمهور أصحابنا.
وحكى أبو إسحاق المروزي عن بعض أصحابنا أنه على القولين.
وطريقة معرفة حموضة الرمان وحلاوته التي يتضرر بها، وكذا البطيخ -بإدخال مِسَلَّة وذَوْق [ما] تعلق بها.
ومعرفة ساد الجوز واللوز، والرانج، وتَدْويد البطيخ بالكسر، أمَّا حموضة الرمان المعروفة وحلاوته فليست بعيب، ولا خيار بفواتها إلا ان يشترط، وعلى ذلك يحمل ما قاله الرافعي وغيره.
تنبيه: البطيخ بكسر الباء، ويقال: طبيخ - بتقديم الطاء - لغتان، وممن ذكرهما ابن فارس.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل