كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 76-115
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

صفحات 76-115
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

و"تعليق" القاضي الحسين في أواخر [باب] الوصية- حكاية وجه: أنه تصح ولايته، وقد قال ابن أبي الدم: إن [الجرجاني حكاه] قولاً.
وقد يستدل له بما روى أبو داود عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ أَعْمَى، والصحيح: الأول، وبه جزم الماوردي وغيره، وأما الحديث فقد يجاب عنه بما قاله بعضهم: أن في رجاله عمر بن داود القطان، وقد ضعفه ابن معين والنسائي.
ثم على تقدير توثيقه كما صار إليه بعضهم، فهو محمول على ولاية الصلاة [بالمدينة] دون القضاء والأحكام؛ إكراماً له، وأخذاً بالأدب فيما عاتبه الله- تعالى- في أمره في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: 1]، فإنه روي أن الآية نزلت فيه.
وفي معنى الأعمى: من يرى الأشباح ولا يعرف الصور.
نعم، لو كان [إذا قربت منه] عرفها، صح كما تصح ولاية مني بصر بالنهار دون الليل وهو الأعشى، والأخرس الذي لا تفهم إشارته، [لا يجوز تقليده؛ لأنه يعجز عن تنفيذ الأحكام وإلزام الحقوق]، فلو كانت له إشارة مفهمة ففي "الإشراف" [حكاية] جوابين [فيه] لابن القاص؛ بناءً على جواز شهادته في وجه، وقد نسب غيره الجواز إلى ابن سريج؛ كما جوز سماع شهادته.
قال الماوردي: وجمهور أصحابنا على منعهما، وبه جزم البغوي، وادعى القاضي الحسين في كتاب الضمان: أنه لا خلاف فيه.
نعم، لو كان في لسانه تمتمة أو عقدة أو نحو ذلك جازت توليته؛ لأنه نقص لا يمنع من الكلام وإن غمض.

ولا يقدح في الولاية كون الشخص مقطوع الأطراف أو مبطولاً أو زَمِناً، وإن كانت السلامة من الآفات أَهْيَبَ لذوي الولايات.
ومنها: معرفة الحساب.
وقد حكى [عن] صاحب "البحر" في صحة تولية من لا يعرفه وجهين، وقال: إن المذهب الصحة.
والمنقول عن الشافعي- رضي الله عنه- في صفة القاضي- كما حكاه الماوردي وابن الصباغ والروياني وغيرهم- ثلاث شرائط: أن يكون من أهل الاجتهاد، وأن يكون عدلاً، [وأن يكون] كاملاً.
وهي شاملة لجميع ما ذكرناه.
قال: والأفضل أن يكون شديداً من غير عنف؛ لأنه لو كان عنيفاً لمنعت هيبته من استيفاء الحقوق [وقيام الخصوم بالحجج.
قال: ليناً من غير ضعف؛ حتى لا يخترق به الخصوم، ولا تضيع الحقوق].
وهذه عبارة بعض السلف.
قال القاضي أبو الطيب: قال بعض أصحابنا: يكون حسنه بين الشِّيَتَيْنِ.
وفي "التهذيب": أنه يكره أن يكون جباراً يهابه الخصوم، وأن يكون ضعيفاً يطمع كل أحد في جنبته.
قال: وإذا ولى الإمام رجلاً كتب [إليه بالعهد]؛ لأن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ لِعَمْره بْنِ حَزْمٍ كِتَاباً حِيْنَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ، وَأَبُو بَكْرٍ كَتَبَ لِأَنسٍ حِيْنَ بَعَثَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
وَرَوَى حَارِثَةُ بْنُ مُضَرِّبٍ أَنَّ عُمَرَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الكُوْفَةِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَمَّاراً أَمِيْراً وَعَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَاضِياً وَوَزِيْراً، فَاسَمُعوا لَهُمَا وَأَطِيْعُوا؛ فَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِمَا.

قال القفال الشاشي- كما حكاه القاضي الحسين-: وينبغي أن يتخذ الإمام لنفسه نسخة من كتابه يمسكه حتى يتذكر به إن نسي أنه ولاه عمل [بلد كذا]، وهذا كله على وجه الاستحباب، فإن ترك الكتابة جاز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب بالعهد لمعاذ.
[قال: ووصاه بتقوى الله- تعالى- والعمل بما في العهد]؛ لأن ذلك مقصود هذه الولاية وواجبها، وكذا يوصيه بالتثبت في القضاء ومشاورة أهل العلم [ونحو ذلك]، روى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيٌّ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى اليَمَنِ قَاضِياً، فَقُلْتُ: [يَا] رَسُولَ اللهِ، تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيْثُ السِّنِّ وَلَا عِلْمَ لِي بِالقَضَاءِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُبَيِّنَ لَكَ القَضَاءَ"، فما زلت قاضياً أو ما شككت في قضاء بعده.
وَرُوِيَ عَنْ إِدْرِيسَ الأودي أَنَّهُ قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ كِتَاباً فقال: هَذَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوْسَى: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ القَضَاءَ فَرِيْضَةٌ [مُحْكَمَةٌ]، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، افْهَمْ إِذَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقِّ لَا نَفَاذَ لَهُ، وَآسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَعَدْلِكَ- أَيْ: اجْعَلْهُمْ أُسْوَةً فِي ذَلِكَ- حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيْفٌ فِي حَيْفِكَ، وَلَا يَخَافَ ضَعِيفٌ مِنْ جَوْرِكَ، البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ النَّاسِ إِلَّا صُلْحاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلَالاً، فَلَا يَمْنَعْكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بِالْأَمْسِ، فَرَاجَعْتَ فِيهِ اليَوْمَ عَقْلَكَ، وَذَهَبْتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ- أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الحَقِّ؛ فَإِنَّ الحَقَّ قَدِيمٌ، لَا يُبْطِلُ [الحَقَّ شَيءٌ]، وَمُرَاجَعَةُ الحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ، [الفَهْمَ] الفَهْمَ فِيْمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ! ثُمَّ اعْرِفِ الأَشْبَاهَ وَالأَمْثَالَ، وَقِسِ الأُمُورَ بِنَظَائِرِهَا، وَاعْمَدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللهِ وَأَشْبَهِهَا فِيْمَا تَرَى، وَاجْعَلْ لِلمُدَّعِي أَمَداً يَنْتَهِي إِلَيْهِ، فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَةً أَخَذْتَ لَهُ

بِحَقِّهِ، وَإِلَّا وَجَّهْتَ عَلَيْهِ القَضَاءَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْلَى لِلْعَمَى وَأَبْلَغُ فِي العُذْرِ، وَالمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُوداً فِي حَدٍ، أَوْ مُجَرَّباً بِشَهَادَةِ الزُّورِ، أَوْ ظنيناً فِي وَلَاءٍ أَوْ قَرَابَةٍ؛ فَإِنَّ اللهَ- تَعَالَى- تَوَلَّى مِنْكُمُ السَّرَائِرَ وَدَرَأَ عَنْكُمُ الشُّبُهَاتِ، ثُمَّ إِيَّاكَ وَالضَّجَرَ وَالْغَلَقَ

-[أَيْ: ضِيْقَ الصَّدْرِ وَقِلَّةَ الصَّبْرِ، وَهُوَ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ]-

وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ وَالتَّنَكُّرَ بِالخُصُوْمِ فِي مَوَاطِنِ الحَقِّ الَّتِي يُوْجِبُ اللهُ بِهَا الأَجْرَ، وَيُكْسِبُ بِهَا الذُّخْرَ، وَإِنَّهُ مَنْ تَصْلُحُ سَرِيْرَتُهُ فِيْمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا يَعْلَمُ اللهُ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ يَشِنُهُ اللهُ، فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابِ اللهِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ؟! وَالسَّلَامُ.
وهذه الوصية مستحبة، وقد يفهم كلام القاضي الحسين أن الوصية واجبة؛ فإنه قال: وعليه أني خلو به فيعظه ويخوفه الله- سبحانه-[ويحذره]، ويقرأ عليه عهد أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه- لأنه أبلغ ما يكون في الموعظة.
قال: وأشهد على التولية شاهدين أي: سواء قرب محل الولاية أو بعد؛ لتثبت بهما الولاية، وهذا قول أبي إسحاق، وعلى هذا فلا يحتاجان إلى لفظ الشهادة، بل يكفي إخبار [أهل] [محل الولاية] بها، ولا يحتاج إلى تقدم دعوى.
وفي "الحاوي": أنهما يشهدان عند أهل [عمل الولاية]، [فإذا شهدا، وكانا عدلين، فقد وجب على] أهل العمل طاعته.
ولو وصل القاضي إلى العمل، وأخبر أهله بالولاية من غير إشهاد- لم تلزمهم

طاعته [إلا أن يصدقوه]، على أحد الوجهين في "الحاوي".
وقيل: إن كان البلد [قريباً] بحيث يتصل الخبر [به] لم يلزمه الإشهاد؛ لاستقلال الاستفاضة بإثباتها، وهذا قول الإصطخري، واختاره في "المرشد"، وفي "النهاية" عوضه: أن من أصحابنا من اكتفى بكتاب، وهو عندي مشروط بظهور مخايل الصدق في خطوط الكتاب؛ ولهذا قال في "الوسيط" في حكايته- إذا وصل بالعهد ولم تستفض ولايته ولا معه شهادة عدلين-: إنه يجب الاعتماد على الكتاب مع مخايل الصدق، وبعد الجرأة على التلبيس في مثل هذا الأمر، مع خوف سطوة السلطان.
وقد كان ولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتفي في ذلك بمجرد قولهم، وهذا ما صححه صاحب "الإشراف" بعد أن حكى عن الشاشي أنه قال: ظاهر المذهب أن الإشهاد لا يجب.
قال البندنيجي وغيره: وأصل هذا الخلاف المذكور في الكتاب الخلاف في أن النكاح والوقف والعتق [والولاء] هل تثبت بالاستفاضة أم لا؟ وعلى هذا جرى في "التهذيب"، فإن قلنا: تثبت، لزم الرعايا ها هنا الانقياد له، وإلا فلا.
قال الإمام: وإذا استخلف القاضي حاكماً في قرية، فقد لا يستفيض مثل هذا، ولا يشترط فيه الاستفاضة، بل ينقدح فيه الكتاب أو شاهدان.
قال: ويسأل القاضي عن حال البلد ومن فيه من الفقهاء والأمناء، أي: العدول قبل دخوله؛ لأنه يحتاج إليهم؛ فكانت معرفته بهم قبل الدخول ليعاملهم بما يليق بهم أولى، فإن قدر على ذلك في البلد الذي وقعت فيه الولاية فذاك، وإلا يعرفه في طريقه إلى محل ولايته أو في [محل] الولاية.
قال الرافعي: ويستحب [له] أن يدعو أصدقاءه الأمناء، ويلتمس منهم [أن يطلعوه على عيوبه؛ ليسعى في إزالتها.

قال:] ويستحب أن يدخل صبيحة يوم الاثنين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل [المدينة] يوم الاثنين، فإن فاته دخل [يوم] السبت أو الخميس؛ للخبر المشهور، ولأنه قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في سفر إلا يوم الخميس.
قال القاضي أبو الطيب والروياني [وغيرهما]: ويستحب أن يدخل البلد لابس السواد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه عمامة سوداء، ولأنه أهيب له.
قال: وينزل في وسط البلد؛ لأنه أقرب إلى التسوية بين أهله في قصده، وهذا ما نص عليه الشافعي- رضي الله عنه- في "الأم".
قال: ويجمع الناس، أي: [بأن] يبعث منادياً ينادي في البلد بأن فلاناً القاضي قد حضر فاحضروا لسماع عهده [في] وقت كذا، ويكون ذلك يوماً إن كان البلد صغيراً، وثلاثة ونحوها إن كان كبيراً.
قال: ويقرأ عليهم العهد؛ ليعلموا تفاصيل ولايته فيطيعوه فيها.
قال: ويتسلم المحاضر والسجلات من القاضي الذي كان قبله، لتُحرس على أربابها بيد كل ذي ولاية كما كانت، وكذا يتسلم منه أموال الأيتام والضوال والوقوف وأسماء المحبسين وغيرهم، كما قاله القاضي الحسين.
قال البندنيجي والماوردي وغيرهما: وهذا أول الأمانات التي يفعلها القاضي في ولايته قبل النظر في المحبسين وغيرهم، وعند أخذها إن أمكنه تصفحها ومعرفة ما فيها فعل.
والمحاضر: جمع "محضر" بفتح الميم، وهو الذي يكتب فيه قضية المتحاكمين وما جرى لهما في مجلس الحكم وحجتهما، قال الجيلي: إذا لم يتصل بذلك حكم.

والسجلات: جمع "سجل" بكسر السين والجيم، وهو الذي يكتب فيه المحضر ويكتب معه تنفيذ الحكم وإمضاؤه.
قال: وإن احتاج أن يستخلف في أعماله لكثرتها استخلف، أي: فيما يعجز عنه من يصلح أن يكون قاضياً، أي: من غير إذن الإمام؛ لأن العرف يقتضيه فحكمت التولية عليه.
قال القاضي أبو الطيب والبغوي وغيرهما: كما إذا دفع ثوباً إلى شخص ليبيعه؛ فإن ذلك يتضمن [الإذن في] التسليم إلى من ينادي عليه.
وبهذه الحالة يلتحق ما إذا مرض أو أراد أن يغيب عن البلد لشغل، كما ذكره في "التهذيب"، أما ما لا يعجز عنه في هذه الحالة هل يجوز أن يستخلف فيه؟ قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: فيه الخلاف الآتي.
وكلام [القاضي] أبي الطيب في كتاب الوكالة في حكاية الخلاف كما ذكرناه [أصرح منه] هنا، وكلام الشيخ في "المهذب" يقتضي إجراء الخلاف في هذه الحالة، وإن قلنا بمنع الاستخلاف في المسألة الآتية.
قال: وإن لم يحتج فقد قيل: يجوز؛ لأن [الإمام] لما ولاه صار ناظراً للمسلمين على وجه المصلحة، وكان له التولية فيما يقدر على التصرف فيه كالإمام، وهذا قول الإصطخري كما حكاه القاضيان أبو الطيب والحسين، واختاره في "المرشد".
وقيل: لا يجوز إلا أن يؤذن له [في] ذلك؛ لأنه متولِّ بطريق النيابة فلم يملك بمطلق الإنابة الاستنابة كالوكيل، وهذا قول أبي علي بن خيران، قال القاضي أبو الطيب: وهو المشهور من مذهب الشافعي- رضي الله عنه- وعلى ذلك جرى في "المهذب" فقال: إنه المذهب، وصححه الرافعي والنواوي.
[و] الناصر للأول قال: ليس القاضي نائباً عن الإمام، بل عن المسلمين؛ فهو

ولي في نفسه، وحكى في "الحاوي" في هذه الحالة والتي قبلها ثلاثة أوجه حكاها صاحب "الإشراف" أيضاً: أحدها- وهو قول أبي علي بن خيران-: أنه ليس له أن يستخلف، قل عمله أو كثر، [وقد نسب القاضي الحسين هذا إلى ابن أبي هريرة.
والثاني- وهو قول الإصطخري-: أنه له أن يستخلف، قل عمله أو كثر].
والثالث- وهو قول جمهور البصريين، ونسبه الإمام إلى الإصطخري وكذلك القاضي الحسين، وأنه طرده في الوكيل، وأن الصحيح-: أن استخلافه معتبر بعمله، فإن قل [عمله] وقدر على مباشرته بنفسه [لم يجز أن يستخلف، وإن كثر وعجز عن مباشرته بنفسه] جاز أن يستخلف؛ اعتباراً بالوكيل.
قال الماوردي: وعلى هذا فيما يستخلف عليه وجهان: أحدهما: ما عجز عنه دون ما قدر عليه.
والثاني: في الجميع؛ لأن العرف فيه كالإذن.
وعلى حكاية الأوجه الثلاثة في الحالتين جرى المراوزة، واستغرب الرافعي جريان الخلاف فيما لا يقدر على مباشرته.
ولا خلاف في أنه إذا صرح له في الولاية بالاستخلاف- في جوازه، قال الأصحاب: والمستحب للإمام التصريح به، ولفظ الشافعي- رضي الله عنه- وأحب للإمام إذا ولى القضاء رجلاً أن يجعل له أن يولي القضاء من رأى في الطرف والأطراف، فيجوز حكمه.
وكذا لا خلاف [في] أنه إذا نهاه عن الاستخلاف أنه لا يجوز فيما يقدر على مباشرته، وكذا فيما لا يقدر عليه على المشهور، وبه جزم الماوردي، وعن الشاشي حكاية عن أبي الطيب بن سلمة: أن وجود النهي في هذه الحالة كعدمه، وبه جزم القاضي أبو الطيب.

قال الرافعي: والأقرب أحد احتمالين: إما بطلان التولية- ويحكى هذا عن ابن القطان-[أو اقتصاره] على ما يقدر عليه وترك الاستخلاف.
قال الماوردي: ويلزمه أن يُعلِم الإمام عند كثرة عمله بعجزه عن النظر في جميعه؛ ليكون الإمام بالخيار بين أن يأذن له في الاستخلاف أو يصرفه عما عدا المقدور عليه ويولي فيه، والثاني هو الأولى؛ ليكون هو المتولي للاختيار، فإن لم يعلم الإمام أو أعلمه ولم يأذن له في أحد الأمرين، نظر: فإن كان ما ولاه مصراً كثير السواد كالبصرة، كان نظره مختصّاً بالبلد اعتباراً بالعرف، فإن استعداه أحد على أهل السواد: فإن كان أقل من مسافة يوم وليلة، لزمه إحضاره، وإن كان على مسافة القصر يوم وليلة فأكثر، ففي وجوب إحضاره وجهان.
وإن كان العمل مشتملاً على مصرين متباعدين كالبصرة وبغداد فهو بالخيار في النظر في أيهما شاء، فإذا نظر في أحدهما ففي انعزاله عن الآخر وجهان محتملان.
فرعان: أحدهما: إذا قلنا بمنع الاستخلاف، فاستخلف في أمر عام، وحكم الخليفة فهل يلزم حكمه؟ قال القاضي أبو الطيب: إن حكم مجبراً لم ينفذ، وإن لم يجبر عليه [كان كالتحاكم] في لزومه بنفسه أو توقفه على الرضا بعد الحكم، [وكذلك] ذكر الماوردي وابن الصباغ.
قال مجلي: وهذا فيه نظر؛ لأنهما إنما ترافعا إليه لاعتقادهما أنه حاكم منصوب فيلزم حكمه، فإذا لم يكن كذلك فكيف يلزمهما حكمه وهو فاسد كنصبه؟! وهذا بخلاف من تراضيا عليه؛ لأنهما نصباه لأنفسهما.
نعم، لو علما فساد توليته وتراضيا بما يحكم به بينهما فإنه يكون على القولين، فأما مع عدم علمهما بذلك فلا وجه له.
قلت: وقد يتخرج على خلاف حكيهت فيما إذا باع بيعتين في بيعة، وباعه الثاني ما

عيَّنه في البيع الأول؛ بناءً على أنه وجب [عليه] الوفاء بالبيع لأجل الشرط في البيع الأول.
وفي "الرافعي": أنه ليس للقاضي إنفاذ حكم الخليفة، بل يستأنف الحكم بين الخصمين.
وهو محمول على ما إذا [كان] حكمه جبراً؛ لأنه قد حكى ما حكيناه عن ابن الصباغ وغيره.
ولو استخلف في أمر خاص من سماع بينة أو تحليف، فمنهم من ألحق ذلك بالاستخلاف في الأمر العام، وعن القفال: القطع بالجواز وإن لم يكن مأذوناً له في الاستخلاف، وهو الأصح في "التهذيب"؛ لأن القاضي لا يستغني عن ذلك.
قال الرافعي: والذي اقتضاه إطلاق الأكثرين الأول.
الثاني: إذا قلنا بجواز الاستخلاف فليس من شرطه أن يوافق الخليفة المستخلف في المذهب، بل يجوز أن يولي الشافعي مالكيّاً وحنفيّاً وبالعكس، وهذا ما جزم به الماوردي في "الأحكام" و"الحاوي" ها هنا.
وقال القاضي أبو الطيب عند الكلام في أن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد-[لا بعينه] أنه المذهب؛ لأنه ليس يعلم حال التقليد أنه يحكم بخلاف ما يعتقده حقّاً؛ لأن على الحاكم أن يجتهد في الحكم عند كل حادثة، وربما تغير اجتهاده واختلف؛ فلما لم يكن [ذلك] معلوماً حال التقليد، جوز له أن يقلده.
وحكى الماوردي في باب قتال أهل البغي- وكذلك القاضي أبو الطيب- في جواز ذلك وجهين حكاهما الزبيلي هنا، وربما نسبا إلى رواية ابن أبي هريرة.
وقال [القاضي] أبو الطيب: [إن] الذي نص عليه الشافعي- رضي الله عنه- المنع؛ فإنه قال: وهكذا من ولي شيئاً فينبغي ألا يوليه من يعلم أنه يعمل بخلاف الحق فيه.
ونسب الروياني هذا النص إلى "المبسوط".
ثم على الأول: للنائب أن يحكم بما أدى إليه اجتهاده وإن خالف معتقد إمامه؛

كما إذا كان حنفيّاً فرأى مذهب الشافعي في مسألة، أو بالعكس.
قال الماوردي في "الأحكام": وقد منع بعض الفقهاء من اعتزى إلى مذهب أن يحكم بغيره؛ لتوجه التهمة إليه.
وحكاه في "الحاوي" أيضاً، وأن بعض أصحابنا وافقه، ثم قال: وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه بعد استقرار المذاهب وتميز أهلها، فحكم الشرع لا يوجبه؛ لما يلزمه من الاجتهاد في كل ما طريقه الاجتهاد.
ولفظ الغزالي في "الوسيط" يوافق هذا الوجه؛ لأنه قال: وليس له أن يشترط على النائب [الحكم] بخلاف اجتهاده، أو بخلاف اعتقاده حيث يجوز تولية المقلد للضرورة، بل اعتقاد المقلد في حقه كالاجتهاد في حق المجتهد.
ثم على الصحيح لو شرط المولِّي على المولَّى في عقد التولية ألا يحكم إلا بمذهب بعينه- كمذهب الشافعي مثلاً- ففي "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما: أن التولية باطلة؛ لأنه علقها على شرط، وقد بطل الشرط فبطلت التولية.
وفي "الوسيط": أنه يحكم بما توافق عليه المذهبان لا غير.
وفي "أدب القضاء" لابن أبي الدم: أن القاضي أبا منصور [بن] أبي الشيخ أبي النصر بن الصباغ قال: سألت قاضي القضاة الدامغاني عما إذا ولى القاضي الحنفي نائباً شافعيّاً، وشرط عليه ألا يحكم إلا بمذهب أبي حنيفة، هل يصح؟ فقال: نعم؛ فإن قاضي القضاة أبا حازم ولى أبا العباس بن سريج القضاء ببغداد على ألا يقضي إلا بمذهب أبي حنيفة، فالتزمه.
وفي "الإشراف": أن الشرط باطل، ويحكم بما يؤدي إليه اجتهاده.
ويقرب من ذلك ما في "فتاوى" القاضي الحسين: وهو أنه لو ولاه القضاء، واشترط عليه ألا يحكم بالشاهد واليمين، ولا [على] غائب- تصح التولية، ويلغو الشرط حتى يقضي بما يؤدي إليه اجتهاده.

وفي "الحاوي": أن الشرط إن كان عامّاً بأن قال: لا يحكم في جميع الأحكام إلا بمذهب الشافعي مثلاً، فالشرط باطل؛ لأنه قد منعه من الاجتهاد فيما يجب [عليه فيه] الاجتهاد، ثم ينظر: فإن أخرج ذلك مخرج الأمر بأن قال: احكم بمذهب الشافعي، أو مخرج النهي بأن قال: لا تحكم بمذهب أبي حنيفة- صح التقليد، وإن بطل ما أمره به أو نهاه عنه.
وإن جعله بلفظ الشرط في العقد فقال: على أن تحكم بمذهب الشافعي، أو: على ألا تحكم بمذهب أبي حنيفة- بطل التقليد؛ لفساد الشرط؛ لأنه معقود على شرط فاسد.
قال في "الأحكام": فإن [كان] المولِّي عالماً بأنه اشترط ما لا يجوز كان قدحاً فيه، دون ما إذا لم يعلم، وإن كان الشرط خاصّاً في حكم بعينه، فإن كان أمراً فقال: أقد من المسلم بالكافر ومن الحر بالعبد، كان أمره بهذا الشرط فاسداً، فإن تجرد عن لفظ الشرط صح التقليد، وإن قرنه بلفظ الشرط بطل التقليد، وإن كان نهياً فهو على ضربين: الأول: أن ينهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر والحر بالعبد، ولا يقضي فيه بموجب قود ولا بإسقاط، فهذا شرط فاسد وتقليد صحيح؛ لأنه اقتصر بولايته على ما عداه، فصار خارجاً عن نظره.
والثاني: أن ينهاه عن القضاء بالقصاص، ولا ينهاه عن الحكم فيه، فقد اختلف أصحابنا فيه، هل [هذا النهي] يوجب صرفه عن النظر فيه؟ [على وجهين: أحدهما: يكون صرفاً عن النظر فيه]؛ فلا يحكم فيه بإيجاب قود ولا بإسقاطه، فعلى هذا يكون التقليد صحيحاً فيما عداه.
والثاني: [أنه] لا يقتضي الصرف، وليصير النهي عنه أمراً بضده أن يقتص من المسلم بالكافر، ومن الحر بالعبد، وقد تقدم حكم الأمر بذلك، والإمام إذا شرط على القاضي الحكم بمذهب بعينه هذا شأنه.

فروع: إذا أطلق الإمام التولية، وقلنا: بجواز الاستخلاف، فإذا نهاه بعد ذلك، هل يجب عليه الانتهاء؟ قال ابن أبي الدم: هذا ينبغي أن يبنى على الخلاف في انعزال القاضي بالعزل، فإن قلنا: [ينعزل، فيجب عليه أن ينتهي، ولا يجوز أن يستخلف، وإن قلنا: لا ينعزل]، فهذا فيه نظر عندي، وقاعدة الإنابة تقتضي أنه متى نهاه ابتداء أو دواماً لا يجوز [له] الاستخلاف.
إذا تنازع خصمان في الحضور إلى الأصل أو [إلى] النائب، [فطلب أحدهما المحاكمة إليه، وطلب الآخر المحاكمة إلى النائب]- قال في "الحاوي": إن كان القاضي في يوم التنازع ناظراً، فالداعي إليه أولى من الداعي إلى خليفته؛ لأنه الأصل، وإن كان الناظر خليفته [كان الداعي إليه أولى؛ لأنه أعجل.
هل يجوز للقاضي عزل خليفته؟] أطلق بعضهم القول بجوازه إن كان هو الذي ولاه، وإن كان الإمام [هو الذي] استنابه [عنه] فوجهان، وهما في "الحاوي" في أوائل الباب، وقال ها هنا: إنا إذا قلنا: يجوز له أن يستخلف فيما يقدر على مباشرته بنفسه مع ما لا يقدر على مباشرته بنفسه، [فإن استخلف فيما يقدر على مباشرته بنفسه] جاز له أن يعزله مع بقائه على سلامته، وإن استخلف فيما لا يقدر على مباشرته، ففي جواز عزله مع بقائه على سلامته وجهان.
وقال القاضي أبو الطيب: جواز عزله مع سلامة الحال ينبني على أنه ينعزل بموته [أم لا]؟ فإن قلنا: [ينعزل بموته، انعزل بعزله، وإلا فلا ينعزل.
وهذا منه بناءً على] أن القاضي الأصل لا ينعزل بموت الإمام، كما سنذكره عند الكلام

في موت القاضي الكاتب؛ لأنه ذكر هذه المسألة ثم.
[أما] إذا استخلف من لا يصلح للقضاء نظر: فإن كان لفسق ونحوه، لم ينفذ شيء من أحكامه، وإن كان لفقد أهلية الاجتهاد، فإن كان مستخلفاً في أحد الأركان، فالمعتبر أن يكون أهلاً للاستقلال بذلك الركن، وإلا فهو كالفسق.
وعن الشيخ أبي محمد: أن نائب القاضي في القرى إذا لم يفوض إليه إمضاء الأحكام، بل سماع البينة ونقلها- فلا يشترط منصب الاجتهاد في حقه، بل العلم اللائق بأحكام البينات.
قال الإمام: وهذا يحوج إلى خطب صالح من الفقه.
تنبيه: إطلاق الشيخ القول بجواز استخلاف من يصلح للقضاء يدل على جواز استخلاف [أبيه أو] ابنه إذا كان يصلح له، وقد صرح به البغوي، وكذا الماوردي، ووجهه بأن [ما بينهما] من البعضية يجري مجرى نفسه، وحكمه بنفسه جائز؛ فجاز بمن هو بعضه، وكذلك جاز للإمام أن يستخلف في أعماله من يرى من أولاده.
نعم، لو رد الإمام إلى القاضي اختيار قاض لم يكن له أن يختار ولده ولا والده؛ لأن رد الاختيار إليه يمنعه من اختيار نفسه؛ فمنع اختيار من يجري بالبعضية مجرى نفسه.
قلت: قد حكى البغوي والخوارزمي في "الكافي": أن القاضي هل [يسمع] شهادة ولده ووالده [أم لا]؟ فيه وجهان، وصحح ابن أبي الدم منهما المنع، وكذلك في "البحر" قبل كتاب الشهادات، وكأنَّ وَجْهَهُ تضمُّنُهُ التعديل، وهو متهم فيه، وإذا كان كذلك فهذا المعنى موجود في تفويض الحكم إليه؛ فينبغي أن يمتنع كالشهادة.
فإن قيل: لا نسلم أن مأخذ المنع من قبول الشهادة التهمة في التعديل، بل يجوز أن

يكون مأخذه أنه منزل منزلة نفسه كما ذكرنا، ونحن فقد نمنع حكم القاضي [بعلمه]، فكذا بقول ولده، ولا كذلك الحكم؛ فإنه يجوز أن يحكم بنفسه؛ فكذلك بعضه.
قلت: بل كلام البغوي كالمصرح بأن المأخذ في المنع التهمة، ألا ترى أنه قال بعد ذلك: وكذا إذا زكى المزكي ولده، هل تقبل شهادته؟ فيه قولان؟! وعلى هذا التقدير كان يلزم الماوردي الجزم بمنع التولية؛ لأنه جزم عند الكلام [في أصحاب المسائل، وكذا الروياني والفوراني بمنع التزكية، لكن قد يقال: إن محل جزمه] بجواز التولية إذا كان ثابت العدالة عند غيره؛ فإن في هذه الحالة رجح الإمام الحكم بشهادته، والله أعلم.
قال: وإن احتاج إلى كاتب استحب أن يكون مسلماً عدلاً عاقلاً فقيهاً.
هذا الفصل [ظاهره] يقتضي أمرين: أحدهما: جواز اتخاذ الكاتب عند الحاجة، ولاشك فيه، وقد قال القاضي أبو الطيب وغيره: إنه يستحب اتخاذه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كتاب؛ منهم: علي بن أبي طالب، وهو الذي كتب القضية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين [قريش يوم] الحديبية، ومنهم- كما قال ابن عباس- رجل يقال له: السجل، ومنهم زيد بن ثابت، وقد رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: [قَالَ] لِيْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَتُحْسِنُ العَبْرَانِيَّةَ؛ فَإِنَّ اليَهُوْدَ يَكْتُبُونَ إِلَيَّ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَقِفَ عَلَى كُتُبِي كُلُّ أَحَدٍ؟ " فَقُلْتُ: لَا [، قَالَ]: "فَتَعَلَّمْهَا]، [قَالَ]: فَتَعَلَّمْتُهَا فِي نِصْفِ شَهْرٍ- وَرُوِيَ: فِي بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْماً- فَكُنْتُ أَقْرَأُ كُتُبَهُمْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَكْتُبُ لَهُمْ.
وقد كان للخلفاء الأربعة كُتَّاب.

والمعنى فيه: أن الحاكم مشغول بالحكم والاجتهاد، [فاشتغاله] بالكتابة يقطعه عن ذلك.
ومحل الاستحباب: إذا كان الكاتب لا يطلب أجراً، أو طلب وكان له رزق من بيت المال، أما إذا لم يكن في بيت المال ما يرزق منه الكاتب، فقد قال البغوي في كتاب القسمة: إنه لا يتعين في هذه الحالة [له] كاتب.
وقال القاضي الحسين ثم: [إنه] لا يجوز أن يعين له كاتباً.
والفوراني وصاحب "البحر" وغيرهما قالوا: [لا يستحب له] اتخاذ كاتب معلوم؛ لأنه يؤدي إلى التحامل على الناس، ولكنه يخلي بينهم وبين من يستأجرونه.
والأمر الثاني: ما يستحب أن يكون في الكاتب من الصفات، وقد بين منها أربعة: إحداها: الإسلام، ووجه اعتباره قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: 118]، وقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1]، وفي اتخاذ الكافر كاتباً اتخاذه بطانة ووليّاً، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوْسَى الأَشْعَرِيَّ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ وَمَعَهُ كَاتِبٌ نُصْرَانِيٌ، فَأَعْجَبَ عُمَرَ خَطُّهُ وَحِسَابُهُ، فَقَالَ عُمَرُ [لِأَبِي مُوْسَى:] أَحْضِرْ كَاتِبَكَ لِيَقْرَأَهُ، فَقَالَ أَبُو مُوْسَى: إِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ لَا يَدْخُلُ المَسْجِدَ؛ فَزَبَرَهُ عُمَرُ وَقَالَ: لَا تَامَنُوْهُمْ وَقَدْ خَوَّنَهُمُ اللهُ، وَلَا تُدْنُوهُمْ وَقَدْ أَبْعَدَهُمُ اللهُ، وَلَا تُعِزُّوهُمْ وَقَدْ أَذَلَّهُمُ اللهُ! فإن قيل: هذا يقتضي أن تكون صفة الإسلام واجبة.
قلنا: قد قال به بعض الأصحاب، ولم يورد الماوردي وأبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم سواه، وهو الصحيح.
والقائل بالأول قال: ما يكتبه لابد وأن يقف عليه القاضي، ثم يمضيه؛

فتؤمن فيه الخيانة، وقد حكي عن "البيان" تصحيحه، وكأن قائله- والله أعلم- أخذ ذلك من قول الشافعي- رضي الله عنه- في "الأم": ما ينبغي لقاض ولا والٍ أن يتخذ كاتباً ذميّاً، ولا يضع الذمي موضعاً يفضل به مسلماً، ويعز على المسلمين أن يكون لهم حاجة إلى غير أهل دينهم، والقاضي أقل الخلق في هذا عذراً.
انتهى.
فأجرى اللفظ على ظاهره، وحمل ذلك على الكراهة، والأولون حملوه على المنع.
والثانية: العدالة، ووجه اعتبارها أن القاضي [قد يغفل عن] قراءة [ما يكتبه] الكاتب أو يقرؤه، فإذا كان عدلاً أمن منه الخيانة، بخلاف ما إذا كان فاسقاً.
وقد أطلق الماوردي وأبو الطيب وغيرهما القول باشتراط العدالة فيه، ولفظ صاحب "المرشد": ويجب أن يكون عدلاً.
ووجهه الماوردي بأنه مؤتمن على إثبات الإقرار والبينات وتنفيذ الأحكام؛ فافتقر إلى صفة من تثبت به الحقوق كالشهادة.
وهذا أخذ من قول الشافعي- رضي الله عنه- في "المختصر": ولا ينبغي [أن يتخذ] كاتباً حتى يجمع أن يكون عدلاً [عاقلاً]، ويحرص أن يكون فقيهاً لا يؤتى من جهالة، نزهاً بعيداً من الطمع.
وقد حكى الوجهين [في "المهذب"] في اعتبار العدالة [كما حكاهما في الإسلام].
وعن صاحب "البيان": أنا إن اعتبرنا الإسلام اشترطنا العدالة.
ثم قد يفهم من توجيه جواز كونه كافراً [و] فاسقاً اختصاص هذا الوجه بما إذا كان القاضي كاتباً، أما إذا كان أميّاً وجوزناه فيجب القطع بالمنع؛ لفوات المعنى المجوز، والله أعلم.

والثالثة: العقل؛ كما أشار إليه الشافعي- رضي الله عنه- قال الأصحاب: وليس يريد به ما يتعلق به التكليف، وإنما يريد به شدة العقل والذكاء والتحصيل حتى لا يخدع أو يدلس عليه.
وقد جزم القاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهما باشتراط ذلك؛ لظاهر النص، والرافعي وافق الشيخ في استحباب ذلك.
والرابعة: الفقه؛ ليعلم صحة ما يكتبه من فساده، وقد وافق الشيخ على استحباب هذا الوصف القاضي أبو الطيب وصاحب "البحر"، وإليه يرشد قول الشافعي- رضي الله عنه-: ويحرص أن يكون فقيهاً.
والمراد بالفقيه ها هنا- كما أشار إليه أبو الطيب والماوردي-: الفقيه في أحكام الكتابة، وما يتعلق بالشروط من المحاضر والسجلات، واستعمال الألفاظ الموضوعة لها، والتحرز من الألفاظ المجملة، وجودة الخط حتى يرتبها؛ فلا يترك نسخة يمكن إلحاق شيء فيها يفسد به المعنى، ويفصلها فلا يكتب سبعة مثل تسعة، وما أشبه ذلك.
وفي "ابن يونس" أنه قد قيل باشتراط وصف الفقه كما قيل باشتراطه في الأمور السابقة، وكلام الماوردي يشير إليه؛ لأنه قال: وصفة كاتب القاضي ما ذكره الشافعي- رضي الله عنه- من أوصافه، وهي أربعة: العدالة، والعقل، والفقه، والنزاهة.
فإذا ظفر القاضي بمن فيه هذه الأوصاف الأربعة- وأرجو أن يظفر به- جاز أن يستكتبه.
وقضية ذلك:- أيضاً- أن تكون النزاهة شرطاً- أيضاً- وهو ما يفهمه كلام صاحب "البحر" حيث قال: وتعتبر النزاهة؛ كي لا يستمال بالطبع.
والقاضي أبو الطيب عطف ذلك على الفقه، فأفهم أن المراد به الاستحباب، وإليه يرشد قول الشافعي، وبه صرح الرافعي، ولما جعل الماوردي العدالة شرطاً قال: لا يجوز أن يستكتب عبداً وإن استكمل الأوصاف الأربعة؛ لأن الحرية شرط في كمال العدالة.
وتبعه في ذلك الروياني.
و [هو] في "تعليق" البندنيجي أيضاً.
وقضية قول من جوز أن يكون كافراً أو فاسقاً، جواز استكتاب العبد حيث يجوز استخدامه، وقد استحب الأصحاب فيه أن يكون حاسباً؛ لأنه يحتاج إليه

الحساب في المقاسم والمواريث.
قال ابن القاص- كما قال ابن الصباغ في أوائل الباب-: ويحرص أن يكون فصيحاً عالماً بلغات الخصوم، حافظاً العجمية إلى العربية.
قال: ولا يتخذ حاجباً ولا بواباً؛ لما قدمناه في [باب] أدب السلطان، وقد رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَلَّدَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ الكُوْفَةَ، فَقَضَى فِيْهَا زَمَاناً بِغَيْرِ حَاجِبٍ، ثُمَّ اتَّخَذَ حَاجِباً؛ فَعَزَلَ عُمَرُ حَاجِبَهُ، ولأنه ربما أخر المتقدم وقدم المتأخر، ومنع من له ظلامة، فلو خالف واتخذه كره.
قال: فإن احتاج اتخذ حاجباً؛ لأجل الحاجة، عاقلاً [أي] كما وصفنا في الكاتب، أميناً بعيداً من الطمع؛ لأن اتصافه بذلك يمنع ما ذكرناه من المحذور.
ثم هذه الأوصاف يظهر أن تكون واجبة، وإن لم تكن واجبة في الكاتب؛ لأن ما يتفق من خيانة [لو اتفقت من الكاتب، أزاحها القاضي بنظره، وما يتفق من خيانة] تصدر من الحاجب والبواب، لا مستدرك لها، ويقوي ذلك أن الماوردي قال: الشروط المعتبرة في الحاجب نوعان: واجب، ومستحب: فأما الواجب: فثلاثة: العدالة، والعفة، والأمانة.
وأما المستحب: فخمسة: أن يكون حسن المنظر، جميل المخبر، عارفاً بمقادير الناس، بعيداً من [الطمع] والهوى والعصبية، معتدل الأخلاق بين الشراسة واللين.
وحكى القاضي أبو الطيب عن ابن المنذر: أنه يستحب أن يكون خصيّاً؛ حتى يكون أبلغ في العفة.

وهذا في وقت انتصابه للأحكام؛ كما نبه عليه كلام الشيخ الآتي من بعد، أما إذا اتخذه في غير وقت انتصابه للحكم لم يكره.
قال الماوردي: بل إذا احتجب عن الناس في ذلك الوقت كان أحفظ لحشمته وأعظم لهيبته، وكان بعض أصحابنا يقول: إنما يكره للقاضي اتخاذ الحاجب في زمان [الاستقامة وسداد أهله، فأما في زمان] الاختلاط والتهارج واستطالة السفهاء والعامة، فالمستحب له أن يتخذ حاجباً؛ لحفظ هيبته، [ومَنْع] استطالة الخصوم.
قال في "البحر": وبهذا أقول في زماننا.
وقال القاضي أبو الطيب في أوائل الباب: ويستحب [له] أن يتخذ حاجباً يقوم على رأسه إذا قعد، ويقدم الخصوم ويؤخرها، فإذا حكم بين الخصمين وقاما دعا بغيرهما.
وفي "النهاية": أن الصيدلاني ذكر وجهين في أن القاضي هل يتخذ حاجباً؟ ثم ذكر طريقين في محل الوجهين.
إحداهما: أنه إذا لم يجلس للحكم فلم ذلك، وإن جلس له ففيه وجهان.
والثانية: [عكس هذه].
قال الإمام: ولا معنى عندنا للخلاف، ولكن إن كثرت الزحمة وكانت المصلحة في اتخاذ حاجب ليمنع الزحمة اتخذه، وإن كانت المصلحة على خلاف ذلك اتبعها.
وهذا منطبق على ما حكاه الشيخ وكذا صاحب "الكافي".
قال: ويأمره ألا يقدم خصماً على خصم، ولا يخص في الإذن قوماً دون قوم، أي عند الاستواء؛ حراسة للقلوب عن التباغض.
قال: ولا يقدم أخيراً على أول؛ لأن تقديم المتقدم واجب، ومخالفة ذلك حرام؛ ففي أمره بذلك تحامٍ عن الظلم.
والخصم- بفتح الخاء- يقع على الرجل والمرأة، والجماعة منهما- بلفظ واحد.

قال الجوهري: ومن العرب من يثنيه ويجمعه، فيقول: خصمان وخصوم.
والخصيم هو الخصم، وجمعه: خصماء، وخاصمته مخاصمة وخصاماً، فخصمته، أخصمه- بكسر الصاد

-[والاسم: الخصومة. [واختصموا] تخاصموا، والخصم- بفتح الخاء وكسر الصاد]-

: شديد الخصومة.
ويقال للجانب من الغرارة والخرج، وكل شيء: خصم، بضم الخاء.
قال: ويوصي الوكلاء على بابه بتقوى الله- تعالى- ويأمرهم بطلب الحق؛ لأنه الحق، [وخلافه حرام].
قال: ويوصي أعوانه، أي الرسل الذين يحضرون الخصوم [إليه] بتقوى الله- تعالى- والرفق بالخصوم؛ لأن الإجحاف ظلم، والأمر بتركه من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقاضي أحق به.
[ثم واحد] "الأعوان": عون، وأصله: الظهير المعاون.
وتقوى الله- تعالى-: امتثال أمره واجتناب نهيه، ومعناه: الوقاية من سخطه وعذابه، سبحانه وتعالى.
قال: ولا يتخذ شهوداً مرتبين لا يقبل غيرهم؛ لأن ذلك يؤدي إلى إدخال المشقة على عامة الناس؛ لأن من احتاج أن يشهد على حقه احتاج أن يقطع غليهم المسافة، وربما وجب له حق في موضع لم يحضروه؛ فلا يمكنه إثباته بالشهادة فيضيع.
قيل: [وأول] من اتخذ ذلك إسماعيل بن إسحاق المالكي، واتبعه سائر القضاة في بعض البلاد.
وهذا المنع قال في "الحاوي": إنه مكروه؛ لأنه مستحدث خولف فيه الصدر الأول، وتبعه صاحب البحر، والذي جزم به القاضي أبو الطيب وغيره: أن ذلك حرام؛

لأنه مخالف للكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، ولم يخص، وقال صلى الله عليه وسلم: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ"، ولم يفرق، وقد أجمع المسلمون على أن العدل مقبول الشهادة.
أما إذا رتب قوماً للشهادة ولكنه لا يمتنع من قبول [شهادة] غيرهم- قال الماوردي: فذلك جائز من غير كراهة.
قال: ويتخذ قوماً من أصحاب المسائل أمناء ثقات برآء من الشحناء بينهم وبين الناس؛ ليعرف حال من يجهل عدالتهم من الشهود؛ لأنه لا يمكنه البحث بنفسه.
واعتبار الأمانة- وهي العدالة- خشية من الخيانة في المسألة والطمع في الاستمالة بأخذ الرشا.
واعتبار الثقة التي أرادها وهي وفور العقل؛ ليصلوا بوفور عقولهم إلى غوامض الأمور بلطف، ويؤمن أن يتم عليهم خداع أو حيلة، وأيضاً فإن وافري العقل يتجنبون قول المتهم؛ فلا يسألوا عن الشاهد عدوه، فيظهر قبيحاً [ويخفي حسناً، أو صديقه، فيظهر حسناً ويخفي قبيحاً].
واعتبار البراءة من الشحناء- وهي بالمد-: البغض والعداوة بسبب نشب، أو حسد، أو مذهب كأهل الأهواء والعصبية- حتى لا يحملهم ذلك على جرح مخالفيهم وأعدائهم وتعديل موافقيهم وأحبابهم.
قال الماوردي: ولأن مَنْ طباعه العداوة والحسد، من الخير بعيد، ومن الشر قريب، فلم يوثق بخبره.
ومجموع لفظ الشافعي- رضي الله عنه- في "الأم" و"المختصر" في صفاتهم: أن يكونوا جامعين للأمانة في أديانهم، وافري العقول لا يغفلون بأن يسألوا الرجل عن

عدوه فيخفي حسناً ويقول قبيحاً، أو عن صديقه فيخفي قبيحاً ويقول حسناً، برآء من الشحناء بينهم وبين الناس، [أو الحيف عليهم] أو الحيف على أحد، وألا يكونوا من أهل الأهواء والعصبية والمماطلة للناس؛ أي: اللجاج؛ لأن اللجوج ينصر هواه ويرتكب ما يهواه، ولا يرجع عن الخطأ إن ظهر له الصواب.
قال الماوردي: فإذا تكاملت هذه الأوصاف في أصحاب المسائل- وإن كان كمالها متعذراً- صاروا أهلاً أن يعول عليهم في البحث ويرجع إلى أقوالهم في التعديل والجرح.
وهذا يقتضي اشتراطها، وفي "النهاية": أن هذه الأوصاف مستحبة.
قال: ويجتهد ألا يعرف بعضهم بعضاً، أي: بالصفة المذكورة؛ خشية أن يجمعهم الهوى على التواطؤ، ومن طريق الأولى: ألا يكونوا معروفين بذلك للناس؛ خشية أن يحتاج عليهم الشهود، أو المشهود له أو عليه، برشوة أو غيرها.
قال الماوردي: وكذا يحرص ألا يعرفوا لمن يسألونه حال الشهود فيأمنوا من احتيال أعداء الشهود في إظهار الجرح، وأصدقائهم في إظهار التعديل.
وأرباب المسائل الذين أرادهم الشافعي- رضي الله عنه- هم المذكورون، كما ذكره الماوردي.
وقال [الإمام]: إن من الأصحاب من قال ذلك، ومنهم من قال: إنه أراد بهم الرسل الذين يحملون الرقاع إلى المزكين للبحث عن أحوال الشهود.
وهذا كأنه قول أبي إسحاق الذي سنذكره في [الباب] التالي لهذا.
وحكى ابن أبي الدم أن منهم من قال: أراد: الذين يسألون المذكورين عن أحوال الناس.
قال: ولا يولي ولا يحكم ولا يسمع البينة في غير عمله، فإن فعل ذلك لم يعتد به؛ لأنه لا ولاية له فيه فأشبه سائر الرعية، وهكذا الحكم في الكتابة إلى قاض آخر.
وحكى الرافعي قبيل القسمة أن ابن القاص قال: إنه لا يحكم ولا يشهد في غير محل ولايته، فأما الكتاب فلا بأس به.

قال الرافعي: وهو الذي يستمر على أصل الشافعي، رضي الله عنه.
وظاهر كلام الشيخ [يقتضي] أنه لا فرق في البينة التي سمعها في غير عمله بين أن تكون شاهدة بالحق كالغصب والإقرار ونحوه وهي ثابتة العدالة عنده، أو لا، ولا بين أن تكون شاهدة بالتزكية، وقد وقعت الشهادة بأصل الحق في العمل.
وفي "أدب القضاء" للزبيلي: أنه لو سمع الشهادة في غير عمله، ووقف على عدالتهم في عمله، وحكم بها- ففيه قولان.
[قال]: وهذا بناءً على أن القاضي، هل يحكم بعلم نفسه أم لا؟ قلت: وفي هذا كلامان: أحدهما: منع كون هذه الصورة من صور القضاء بالعلم؛ كما سيأتي.
والثاني: على تقدير التسليم، فأي معنى لفرض سماع عدالتهم في عمله، بل قد يظهر أن يقال: إن مأخذ الخلاف أن الاعتبار في شهادة الشهود إذا زكوا بوقت الأداء أو بوقت التزكية، وفيه كلام يرشد إليه قول الغزالي وإمامه في كتاب صلاة العيدين، فيما إذا شهد شاهدان بعد الغروب في يوم الثلاثين من رمضان رؤية الهلال ليلة الثلاثين-: إنا لا نصغي إليهما، ولو شهدا بعد الزوال يوم الثلاثين [وقبل الغروب عمل بشهادتهما في الفطر، وبان فوات العيد، ولو شهدا بعد الزوال وعدلا بعد الغروب] ففي فوات الصلاة وجهان: أحدهما: [لا]؛ لأن النظر إلى وقت التعديل [؛ فيصلون من الغد بلا خلاف]، وقد عدلوا في غير وقته.
والثاني: النظر إلى وقت الشهادة، على أن [النظر إلى] هذا أيضاً بعيد.
ولو انعكس الحال، فسمع الشهادة في عمله والتعديل في غير عمله- قال ابن القاص: يحكم به؛ كذا حكاه في "الإشراف"، وزاد الرافعي في الحكاية عنه أن هذا

بناءً على [أن له أن يقضي بعلمه.
وقال أبو سعد: هذا يخرج على] قول من يقول: إن الشهادة على العدالة تجوز بالاستفاضة.
وقال [أبو] عاصم العبادي وغيره: القياس عندي أنه لا يحكم.
قال: ولا يجوز أن يرتشي؛ لما روى أبو بكر بن المنذر عن أبي هريرة قال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ.
وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: لَعَنَ [رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي.
وأخرجه ابن ماجة.
وروى ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَعَنَ] اللهُ الرَّاشِيَ، وَالمُرْتَشِيَ، وَالرَّائِشَ: الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا"، وروى أنس نحوه.
ولأنه [إن أخذ للحكم] بغير حق، فالحكم بغير الحق حرام، والأخذ عليه حرام، وإن أخذ على إيقاف الحكم فهو يلزمه الحكم لمن وجب له؛ فتركه حرام، وإن

أخذ على أن يحكم بالحق فليس له؛ لأنه يأخذ الرزق [على ذلك] من الإمام، فليس له أن يأخذ عليه عوضاً آخر.
أما دفع الرشا فهل يجوز؟ قال الأصحاب كما حكاه أبو الطيب [والإمام] والماوردي وابن الصباغ: إن كان يطلب بما دفع الحكم بغير الحق [أو إيقاف] الحكم بالحق حرم عليه، وإن كان يطلب به وصوله إلى حقه لم يحرم عليه، وإن كان حراماً على غيره؛ كما لا يحرم عليه أن يفك الأسير بماله.
قال في "المرشد": وتحمل لعنة الراشي والمرتشي على ما إذا قصد بها إيقاف الحكم [بالحق] أو الحكم بالباطل، ولذلك قال الله- تعالى: ﴿لِتَاكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .. [الآية] [البقرة: 188]، والمتوسط بينهما هو تابع لموكله فيهما، فإن [كان وكيلاً] عنهما كان فعله حراماً.
وهذا الكلام من الأصحاب يدل على أن الرشوة تكون لطلب حق ولطلب باطل، وقد حكي عن ابن كج [أنه] قال: الرشوة عطية بشرط أن يحكم له بغير حق، والهدية عطية مطلقة.
وكلام الماوردي يخالفه؛ فإنه قال: الرشوة: ما تقدمت الحاجة، والهدية ما تأخرت.
والذي حكاه الغزالي في "الإحياء" منطبق على الأول؛ فإنه قال: المال [إن] بذل لغرض آجل فهو قربة وصدقة، وإن بذل لغرض عاجل: فإن كان لغرض مال في مقابلته فهو [هبة] بثواب مشروط أو متوقع، وإن كان لغرض عمل محرم أو واجب متعين فهو رشوة، وإن كان مباحاً فإجارة أو جعالة، وإن كان للتقرب

والتودد للمبذول له: فإن كان لمجرد نفسه فهدية، وإن كان ليتوسل بجاهه إلى أغراض ومقاصد: فإن كل جاهه بعلم أو نسب أو صلاح فهدية، وإن كان بالقضاء والعمل بولاية فرشوة.
وقد تقدم في هذا الباب حكم البذل في هذه الحالة.
قال القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، وكذا الشيخ أبو حامد كما حكي عنه: إن تحريم أخذ الرشوة على الحاكم إذا كان [له رزق] من بيت المال، فأما إذا لم يكن له رزق، [أي]: وكان ممن يجوز أن يفرض له، فقال للمتحاكمين: لست أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقاً [عليه]- فإنه حينئذ يحل له ذلك.
[وعلى ذلك] [جرى] الجرجاني في "التحرير".
قال ابن الصباغ: ويجوز مثل ذلك؛ لأنه لم يذكر أنه طلبه من أحدهما، وأما أخذه من أحدهما للحكم بالحق، فإنه يجري مجرى الهدية، وسنذكرها.
واعتبر البندنيجي في جواز ذلك: أن يكون مشغولاً في معاشه بحيث يقطعه النظر عن اكتساب المادة؛ كما [قاله في "الحاوي"]، أما إذا لم يقطعه إما لغنائه بما يستجده، وإما لقلة المحاكمات التي لا تمنعه من الاكتساب- لم يجز أن يرتزق من الخصوم، ثم اعتبر [الماوردي] في حالة الجواز- مع ما ذكرناه- ثمانية شروط: أحدها: أن يعلم به الخصمان قبل التحاكم إليه، فإن لم يعلما إلا بعد التحاكم لم يجز أن يرتزقهما.
الثاني: أن يكون على الطالب والمطلوب، ولا يأخذ من أحدهما فيصير [به]

متهماً.
الثالث: أن يكون عن إذن الإمام؛ فإن لم يأذن لم يجز.
الرابع: ألا [يوجد متطوع]؛ فإن وجد لم يجز.
الخامس: [أن يعجز [الإمام] عن دفع رزقه، فإن قدر [على ذلك] لم يجز.
السادس]: أن يكون ما يرتزقه من الخصوم غير مُضِرٍّ بهم، فإن أضَرَّ بهم وأثر عليهم [لم يجز].
السابع: ألا يستزيد على قدر حاجته، فإن زاد عليها لم يجز.
الثامن: أن يكون قدر المأخوذ مشهوداً، يتساوى فيه جمع الخصوم، وإن تفاضلوا في [المطالبات، فإن فاضل بينهم لم يجز إلا أن يتفاضلوا] في الزمان؛ فيجوز.
قال: وفي مثل هذا معرة [تدخل على جميع] المسلمين، وإن جازت في الضرورات فواجب على الإمام وكافة المسلمين أن تزال مع الإمكان؛ إما بأن يتطوع منهم بالقضاء من يكون من أهله، وإما بأن يقام لهذا بالكفاية؛ لأنه لما كانت ولاية القضاء من فروض الكفايات كان رزق القاضي بمثابة ولايته، فلو اجتمع أهل البلد مع أعوان بيت المال على أن جعلوا للقاضي من أموالهم رزقاً دارّاً جاز، وكان أولى أن يؤخذ من أعيان الخصوم.
وفي "الرافعي" أن القاضي أبا سعد الهروي قال: الأكثرون منعوا ما إذا رزقه أهل ولايته [أو واحد من الناس.
وقال في موضع آخر- أعني: الرافعي-: لو رزق الإمام القاضي من مال نفسه، أو رزقه أهل ولايته]، أو واحد منهم- فالذي

خرجه صاحب "التلخيص": أنه لا يجوز له قبوله.
لكن قد ذكرنا في باب الأذان: أنه كما يجوز أن يكون رزق المؤذن من بيت المال، يجوز أن يكون من مال الإمام أو واحد من الرعية.
وأطلق الماوردي وصاحب "البحر" في كتاب القسمة القول بأنه لا يجوز للقاضي أن يأخذ [شيئاً] من الرعية إذا لم يكن له رزق من بيت المال، وفرق بينه وبين القسمة بما سنذكره فيها، إن شاء الله تعالى.
وحكي [عن] ابن كج أنه قال: ذكر جماعة من فقهاء أصحاب أبي حنيفة والشافعي: إذا لم يكن للقاضي شيء من بيت المال فله أن يأخذ عشر ما يتولاه من أموال اليتامى والوقوف؛ للضرورة.
ثم بالغ [في] الإنكار عليه، وقال: أي ضرورة في هذا؟! [إن لم يتفرغ للقضاء من غير رزق فليمتنع.
ومن ذهب إلى هذا] فكأنه ذكر العشر تمثيلاً وتقريباً، ولابد من النظر إلى كفايته وإلى قدر المال والعمل، والله أعلم.
تنبيه: في الرشوةِ وجَمْعِها أربعُ لغاتِ: رِشْوة ورِشَا- بكسر الراء في المفرد والجمع- ورُشوة ورُشاً- بالضم فيهما- ورِشَوْة- بالكسر، ورُشاً بالضم- وعكسهما، ورشوة- بالفتح- وقد رشاه يرشوه [رَشْواً]، وارتشى: أخذ رشوة، واسترشى: طلبها.
قال: ولا يقبل هدية ممن لم يكن له عادة بالهدية [له] قبل الولاية، أي: وإن لم يكن له حكومة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ"، وروي "سُحت"، وإذا كان ذلك في العامل، ففي القاضي أولى.

وفي "الوسيط": أن القبول في حال عدم المحاكمة والحالة هذه جائز، لكن الأولى أن يُثيب أو يضع في بيت المال.
وفي "النهاية" أن القبول مكروه في هذه الحالة، وهو أشد كراهة من القبول فيما إذا [لم تكن] له عادة بالهدية له قبل الولاية [وهو في غير عمله،]، وعلى ذلك جرى في "البسيط".
والذي أورده العراقيون الأول، وكذلك البغوي وصاحب "الكافي"، واستدلوا له بما رواه الشافعي مسنداً عن أبي حميد الساعدي- رضي الله عنهما- قال: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً مِنْ بَنِي الأَوْدِيَةِ، يُقَالُ لَهُ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: "هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ؛ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ [خَطِيْباً]، فَقَالَ: "مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ عَلَى بَعْضِ أَعْمَالِنَا، فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ؟! أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَاخُذُ أَحَدٌ مِنْهَا شَيْئَاً إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيْراً لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا جُؤَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ"، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رَأَيْنَا عَفْرَ إِبْطِهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ"، وقد أخرجه مسلم والبخاري وغيرهم، وإن اختلفت ألفاظهم.
وابن اللتبية: هو عبد الله، وهو بضم اللام وسكون التاء ثالثة الحروف وتحرك أيضاً، وبعدها باء موحدة مكسورة وياء آخر الحروف مشددة، وتاء تأنيث.
وقد قيل: ابن الأتيبة، بضم الهمزة وسكون التاء ثالثة الحروف وتحرك أيضاً.

وتيعر- بفتح التاء ثالثة الحروف، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها عين مهملة تفتح وتكسر، وراء مهملة-: الصياح، وقد قيل الثُّغاء للضأن، واليُعار للمعز، والجؤار- بضم الجيم وبعدها همزة-: الصوت، وحكى الأخفش أن بعضهم قرأ: ﴿عِجْلاً جَسَداً لَهُ جُؤار﴾ [الأعراف: 148]. قال: ولا ممن كانت له عادة- أي: بسبب رحم أو مودة- ما دامت له خصومة؛ لأن القبول في هذه الحالة بمثابة الرشوة.
قال البندنيجي: وهكذا لو أحس أنها لحكومة حرم القبول.
قال: فإن لم تكن [له] خصومة جاز أن يقبل، أي قدر ما جرت عادته بقبوله منه، ومثله؛ لخروج ذلك عن سبب الولاية، وهذا ما حكاه ابن الصباغ عن النص في "الأم"، ولفظه: وما أهدى له ذو رحم ومودة كان يُهاديه قبل الولاية، فالترك أحب إليّ، ولا بأس أن يقبل ويتمول.
قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من قال: لا يجوز قبولها؛ للحديث السابق.
ووجهه في "الحاوي": بأنه يجوز أن تحدث له محاكمة، فيكون قد تسبب بالهدية للممايلة.
وقضية كلام هذا القائل: أنه لا يجوز للحاكم قبول الهدية [بحال، وهو ما أورده الفوراني والمسعودي.
وعلى الأول- وهو ما ادعى البندنيجي أنه المذهب]- قال [الشيخ]: والأولى ألا يقبل؛ حسماً لمادة التهمة [بكل حال، وظاهر النص في "الأم" الذي تقدم: أنه يستحب ألا يقبل]، وعلى هذا اللفظ جرى القاضي الحسين والإمام والبندنيجي وأبو الطيب.
أما إذا أهدي إليه أكثر مما جرت به عادته أو أرفع منه، مثل أن كان يهاديه بالطعام، فصار يهاديه بالثياب- لم يجز قبولها؛ كما صرح به الماوردي، وتبعه البغوي وصاحب "الكافي"؛ لأن الزيادة هدية بالولاية- وكان قضية هذا التعليل أن يطرد ذلك في الهدية للإمام، وسنذكر عنه ما يخالفه، وعلى رأي الغزالي وإمامه: لا يحرم القبول.

وهذا كله إذا كانت الهدية في عمله من أهل عمله.
قال الماوردي: ونزوله على أهل عمله ضيفاً كقبول الهدية منهم، ولو كانت الهدية في غير عمله من غير أهل عمله- لسفره عن عمله- قال الماوردي: فنزاهته عنها أولى به من قبولها، فإن قبلها جاز ولم يمنع منها، وحكى ذلك الفوراني والبغوي أيضاً، ولفظ ابن الصباغ حكاية للفظ الشافعي: فإن أهدي إليه في غير عمله كرهت له ذلك؛ فإن قبل جاز.
فأجراه الشافعي مجرى من جرت عادته بالهدية له، ومن أصحابنا من حرمه، وقد حكى هذا الوجه البندنيجي وأبو الطيب أيضاً.
[وعلى الأول] قال في "الحاوي": لو نزل ضيفاً عليهم فلا يكره إن كان عابر سبيل، ويكره إن كان مقيماً.
ولو كانت الهدية في عمله من غير أهل عمله بأن أرسل بها رسول، فإن كان للمهدي حكومة حرم القبول، وكذا لو دخل بها [المهدي] بنفسه ولا حكومة له؛ لأنه صار من عمله بالدخول [فيه]، وإن أرسل بها ولا حكومة له؛ ففي جواز قبولها وجهان في "الحاوي".
فرع: ما حكم المال المأخوذ إذا قلنا: لا يجوز أخذه؟ أطلق ابن الصباغ فيه وجهين إتباعاً للقاضي أبو الطيب: أحدهما: يرد إلى بيت المال للمصالح؛ لأنه أهدى إليه لمكان ولايته، وهو منتصب لمصلحة المسلمين، وكأن المهدي أهداه للمسلمين يصرف في مصالحهم.
والثاني: يرد إلى صاحبه، ثم قال: وكذلك العامل في الصدقات إذا أهدى له، فيه وجهان:

أحدهما: يرد إلى الصدقات.
والثاني: يرد إلى مالكه.
والمذهب في "تعليق" البندنيجي في الصورتين: الأول، وفي "الحاوي" تخصيص الوجهين في الهدية للقاضي بالهدية المبتدأة التي لا مقابل لها، وقال فيما إذا وقعت قبل الحكم: فهي رشوة، فترد إلى مالكها وينفذ الحكم على المهدي إذا ردها قبله أو بعده، وكذلك ينفذ له إن ردها قبل الحكم، وإن ردها بعده ففي نفوذه وجهان.
وقال فيما إذا وقعت الهدية بعد الحكم جزاء لما جرى: إنها ترد على مهديها، وإن الحكم معها نافذ.
وقد حكى المراوزة فيما يفعل بالمال مع القول بالتحريم- وجهين: أحدهما: يرد لمالكه، وهو الذي عليه الأكثرون؛ كما حكاه الإمام.
والثاني: أن القاضي يملكه؛ لأن الهبة صدرت من مطلق، وكذلك القبول والتحريم محمول على التعريض للتهمة في الأمر الظاهر، فالملك بالإضافة إلى التحريم كالصلاة في الدار المغصوبة، وهذا ما اختاره صاحب "التقريب"؛ كما حكاه الفوراني.
وأشار الإمام إلى أن هذا الخلاف يقرب من تردد الأصحاب في أن من دخل عليه وقت صلاة في السفر، ومعه ماء يكفيه لوضوئه، فوهبه ممن لا يحتاج إليه لسقيه- فهل يملكه؟ وأن الخلاف في مسألتنا مرتب على الخلاف في مسألة الماء.
وفي "التهذيب" و"الكافي" حكاية الخلاف في ملك القاضي له إذا لم يثبه، أما إذا أثابه ملكه.
وعن القفال أن البذل إن كان ممن له خصومة لم يملكه، وإن كان المهدي من أهل ولايته، ولا خصومة له و [لا] كان يعتاد- الإهداء- فهل يملكه؟ فيه وجهان وهذا قريب من كلام الماوردي.
قال مجلي عقيب هذا الكلام: فإن قلنا: لا يملكه.
فما الذي يفعل به؟ فيه وجهان:

أحدهما: يدفع لبيت المال.
والثاني: يرد [إلى مالكه].
وكأنه أخذ هذا من مجموع الطريقين.
قال الرافعي: والقياس ما ذكره أبو الفرج الزاز، وهو أنه إذا لم يملكها يردها على مالكها، فإن لم يعرفه وضعت في بيت المال.
وهذا حكم الهدايا للقضاة، [وأما الهدايا] للأئمة، فقد قال [في "الحاوي"]: إنها إن كانت من هدايا دار [الإسلام]، فهي على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يهدي إليه من يستعين به على حق يستوفيه، أو على ظلم يدفعه عنه، أو على باطل يعينه عليه- فهذه [رشوة محرمة]، ويجب ردها على باذلها، ولا يجوز أن توضع في بيت المال، ويحرم على المهدي البذل في الصورة الأخيرة دون الأوليين.
الثاني: أن يهدي إليه من كان يهاديه قبل الولاية، فإن كان بقدر ما كان يهاديه قبل الولاية لغير حاجة عرضت [له]، فيجوز له قبولها، وإن اقترن بها حاجة عَرَضَتْ فيمتنع من القبول عند الحاجة، ويجوز أن يقبلها بعد الحاجة، وإن زاد في هديته على قدر العادة لغير حاجة، فإن كانت الزيادة من جنس الهدية جاز قبولها؛ لدخولها في المألوف، وإن كانت من غير جنس الهدية منع [من] القبول.
الثالث: أن يهدي إليه من لم يكن يهاديه قبل الولاية، فإن كان لأجل ولايته فهو رشوة يحرم عليه أخذها وإن كان الباذل مستحقّاً؛ للولاية، ويجب ردها، وهل يحرم البذل؟ فيه كلام ذكرته فيما تقدم في هذا الباب.
وإن كان لأجل جميل صدر له منه إما واجباً أو تبرعاً، فلا يجوز قبولها [أيضاً؛ لأنه يصير مكتسباً لمجاملته،

ويجب ردها، ولا يحرم البذل على المهدي].
وإن كان لا لأجل ولايته ولا مكافأة على جميل فهذه هدية بعث عليها جاهه، فإن [كان] كافأه عليها جاز له قبولها، وإن لم يكافئه عليها فلا يقبلها لنفسه، وهل يقبلها لبيت المال؛ لأن جاه السلطنة لكافة المسلمين، أو يردها ولا يقبلها؛ لأنه المخصوص بها؟ فيه وجهان، ولا خلاف في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية؛ لأنه كان يكافئ عليها، ولا يميله عن الحق شيء؛ فذلك جاز له ولم يجز لغيره.
وإن كانت من هدايا دار الحرب جاز له قبول هداياهم، ثم ينظر: فإن كانت لأجل السلطنة كانت الهدية للمسلمين، وإن كانت لأجل مودة سلفت بينه وبينهم قبل السلطنة جاز [له] أن يتملكها، وإن كانت لأجل حاجة عرضت، فإن كان لا يقدر على قضائها إلا بالسلطنة كان بيت المال أحق بها منه، وإن كان يقدر عليها بغير السلطنة كان أحق بها من بيت المال.
والهدية للعمال على جباية الخراج والصدقات إن صدرت من غير أهل عمله، فهي كالمهاداة بين غير الولاة من الرعايا، وسنذكر حكمها.
وإن كان من أهل عمله: فإن كانت قبل استيفاء الحق منه فهي رشوة يحرم عليه أخذها، سواء كان له رزق أو لا، وإن كانت بعد أخذ الحق منه: فإن كانت لأجل جميل صدر منه له كان يجب على العامل فعله، لم يجز أن يقبلها لنفسه إلا أن يعجل المكافأة، وهل يقبلها لبيت المال أو يردها على مالكها؟ فيه وجهان، وإن كانت بعد أخذ الحق منه على غير سبب أسلفه، فإن عجل المكافأة عليها بمثل قيمتها جاز أن يتملكها، وإلا فثلاثة أوجه: أحدها: أنها تقر على العامل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَقَرَّ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الهَدِيَّةَ، وَلَمْ يَسْتَرْجِعْهَا مِنْهُ.
والثاني: تسترجع لبيت المال، وتضم [إلى] المال الذي استعمل عليه؛

لوصولها بسببه، فإن رأى الإمام باجتهاد أن يعطيه إياها جاز إذا كان مثله يجوز أن يبدأ بمثلها، وإن رأى أن يشاطره عليها جاز؛ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي ابْنَيْهِ حِيْنَ أَخَذَا مَالَ الفَيْءِ قَرْضاً، وَاتَّجَرَا فَرَبِحَا.
الثالث: إن كان العامل مرتزقاً قدر كفايته أخذت منه لبيت المال، وإن كان غير مرتزق أقرت عليه، ولو كان مرتزقاً ولم يكتف برزقه عما تدعوه الحاجة إليه استرجع منه ما تجاوز قدر حاجته.
كذا قال تخريجاً لنفسه.
ويجوز بعد أخذ الحق منه أن يدخل في ضيافته إن كان مختاراً، ولا يجوز إن كان مستوطناً ولا قبل أخذه الحق منه.
والهدية من الرعايا بعضهم لبعض إن كانت لطلب آجل أو عاجل، هو مال أو مودة- فجائزة، وفي بعض الصور مستحبة؛ كما تقدم في الباب، وفي الهبة.
وإن كانت لأجل شفاعة، فإن [كانت] الشفاعة في محظور: كطلب محظور، أو إسقاط حق، أو معونة في ظلم- فقبولها حرام، وإن كانت الشفاعة في مباح لا يلزمه، فإن شرط [الهدية على المشفوع له فقبولها محظور، [وكذلك إن قال] المهدي: هذه الهدية جزاء شفاعتك، فقبولها محظور] أيضاً.
وإن لم يشترطها الشافع، وأمسك المهدي عن ذكر الجزاء: فإن كان مهادياً له قبل الشفاعة لم يكره القبول، وإلا كره له القبول ما لم يكافئه عليها، فإن كافأه لم يكره.
فرع: يكره للحاكم البيع والشراء في نفقة عياله وتدبير ضياعه، وكذا الإتجار بنفسه؛ لقوله- عليه السلام-: "مَا عَدَلَ [وَالٍ] اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ أَبَداً"، ولأنه يشتغل بذلك عن القضاء الذي أخذ الرزق عنه، وربما حوبي، والمحاباة هبة.
قال الشافعي- رضي الله عنه- في "الأم": وذلك في مجلس الحكم أكره [له].

وينبغي أن يكون [له] وكيل يقوم بذلك، ولا يعرف أنه وكيله؛ كي لا يحابي، فإن وكل وكيلاً يعرف بوكالته استبدل به غيره، ولو لم يجد من ينوب عنه تولى ذلك بنفسه؛ لأنه لابد [له] منه.
فإذا وقعت لمن باعه حكومة استخلف من يحكم بينه وبين خصمه؛ لأنه إذا تولى الكم بنفسه لم يأمن أن يميل إليه، قاله في "المهذب"، وهذا التحكيم على وجه الاستحباب، كما أشار إليه في "الحاوي".
قال: ولا يحكم لنفسه ولا لوالده، أي: من ذكر وأنثى وإن علا، ولا لولده أي: من ذكر وأنثى وإن سفل، ولا لعبده أي: القن أو المكاتب الكامل له أو له فيه شقص، وأمته أي: القنة أو المكاتبة أو أم الولد؛ لما يلحقه في ذلك من التهمة، ولأنه إذا لم تجز الشهادة لهم، فالحكم- وهو فوق الشهادة- أولى.
قال: وإن اتفق لواحد منهم خصومة، حكم فيها بعض خلفائه؛ إذ لا تهمة تلحقه، وهذا ما أورده [القاضي] أبو الطيب وابن الصباغ والبغوي وغيرهم، وقالوا: إذا لم يكن [له] خليفة [ثَمَّ]، ترافعا إلى قاضي [بلد] آخر، وإن كانا في بلد الإمام ترافعا إليه، وقيل: إن قلنا: إن الخليفة ينعزل بموته، لم يحكم له؛ كذا قاله الغزالي، وهو مطرد في أبعاضه، كما قاله الرافعي، وجعله ابن يونس الأظهر فيما إذا كانت الخصومة له.
وقد حكى الماوردي هذا الوجه، ولم ينبه على ما ذكر.
ومقتضى البناء: أن يقال: إذا ترافع الإمام الأعظم وبعض الرعية إلى أحد القضاة، ألا يحكم له إذا قلنا: إن القاضي ينعزل بموت الإمام- كما سنذكره- وقد جزم الماوردي وغيره بجواز الحكم له؛ لأن القضاة ولاة في حقوق المسلمين، وإن صدرت ولايتهم عن الإمام.

وقد حاكم علي يهوديّاً إلى شريح في دِرْع وهو قاضيه، وعمر حاكم [أبي ابن] كعب إلى زيد بن ثابت، وعثمان حاكم طلحة إلى جبير بن مطعم، ولم ينكر [ذلك] أحد.
والفرق بين القاضي والإمام على هذا الوجه: أن القاضي يمكنه الترافع إلى قاض آخر [أو إلى] الإمام، وليس كذلك الإمام لو امتنع ذلك.
وقد استدل بعضهم على جواز حكم الخليفة لقاضيه بفعل هؤلاء الصحابة- رضي الله عنهم- والفرق الذي ذكرناه يمنع الاستدلال، وما ذكره الشيخ من منع الحكم للوالد ونحوه هو المشهود في الطرق.
وقد اختلف كلام الماوردي [فيه]: فقال قبيل كتاب الشهادات: إن حكمه لهم مردود في قول جميع الفقهاء، وحكي عن أبي ثور جوازه [كالحكم] لغيره.
قال: وهو خطأ؛ لأن الحكم أقوى من الشهادة، وهو ممنوع من الشهادة لهم؛ فكان أولى أن يمنع من الحكم [لهم].
وقال [قبل "كتاب] قاض إلى قاض" بأربع أوراق: في جواز حكمه لوالديه ومولوديه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجوز حكمه لهم كالشهادة.
والثاني: يجوز، وإن لم يجز أن يشهد لهم؛ لأن طريق الحكم ظاهر، وطريق الشهادة باطن؛ فتوجهت إليه التهمة في الشهادة، ولم تتوجه إليه في الحكم.
والثالث: أنه يجوز أن يحكم لهم بالإقرار، ولا يجوز أن يحكم لهم بالبينة؛ لأنه [قد] يتهم بأنه يعدل [منها ما ليس بعدل]، ولا يتهم في الإقرار.
وكلام الإمام يقرب من هذا؛ لأنه قال بعد حكاية ما ذكره الشيخ عن الأصحاب:

والأصح التفصيل، فنقول: قضاؤه له بعلمه مردود إن جوزنا القضاء بالعلم؛ قياساً على الشهادة، وأما إذا قضى له ببينة، ففيه وجهان: أصحهما- كما قال عند الكلام في تزكية الوالد للولد-: أنه يقضي.
[وقال] في "الوسيط": الأصح أنه لا يقضي؛ إذ إليه الاستقصاء في دقائق [أداء] الشهادة والرد بالتهمة، وإليه التسامح فيه.
وهذا لعله أخذه من كلام الإمام الذي سنذكره من بعد، وقد حكى الفوراني وجهاً: أنه يحكم لهم إذا قبلنا منه الشهادة لهم، وقد حكاه صاحب "التلخيص" أيضاً.
ثم على المذهب: فروع: أحدها: إذا تحاكم إليه ولده ووالده، ففي الحكم لأحدهما على الآخر وجهان محتملان في "الحاوي"، أشار إليهما في "المهذب" بقوله: فقد قال بعض أصحابنا: إنه يحتمل وجهين.
والظاهر في "الرافعي"، وهو الذي أورده البغوي: المنع، ومقابله هو المختار في "المرشد"؛ لأنهما استويا في القرب، فانتفت تهمة الميل.
الثاني: لو سمع البينة، وفوض القضاء إلى غيره، فهل يجوز؟ فيه وجهان حكاهما الإمام، ثم قال: والوجه عندنا أن يقال: لا يقبل تعديله البينة فيما يتعلق بولده، وكذلك إذا كان هو الناقل.
وفي "تعليق" القاضي الحسين أن ظاهر ما ذكره في "المختصر": أنه تسمع منه الدعوى، وتسمع منه البينة، ولا يقضي له؛ لأنه قال: يرد حكمه.
فخص الحكم بالرد، ونص عليه؛ فدل على أن ما عدا الحكم غير مردود، وحكى مع ذلك احتمالاً للقفال في المنع.
الثالث: للوالد تحليف الولد عند الدعوى عليه، وإن كان فيه تفريغ ذمته وإسقاط المطالبة عنه؛ كذا قاله القاضي الحسين، وتبعه في الحكم البغوي وصاحب

"الكافي"، وقالا: لأن التحليف ليس بحكم، بل هو قطع للخصومة.
وقالا أيضاً: [إنه] إذا أقام المدعي على الابن بينة، فأراد الابن دفعها ببينة، لم يسمعها، [بل يسمعها] خليفته.
أما الحكم على من امتنع الحكم له، فلا شك في نفوذه في حق الوالد ومن في معناه، والعبد والأمة، وأما في حق نفسه فقد قال في "الحاوي": إنه يؤاخذ به، لكن لكون ذلك إقراراً أو حكماً؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يكون إقراراً، صح فيما يصح الإقرار به، ويرد فيما لا يلزم الإقرار به؛ كشفعة الجوار إذا قال: حكمت بها على نفسي للجار.
وإن [قلنا]: يكون حكماً على نفسه، فإذا حكم بها على نفسي للجار.
وإن [قلنا]: يكون حكماً على نفسه، فإذا حكم [عليها] بشفعة الجوار لزمته، [وإذا حكم [على نفسه] بمقاسمة الإخوة الجد في الميراث، وكان جدّاً لزمه.
وعكس ما نحن فيه [العدو] إذا حكم عليه عدوه لا ينفذ حكمه، وإذا حكم له نفذ [حكمه، كما] حكاه القاضي الحسين والغزالي وغيرهما.
وفي "الحاوي" عند الكلام في التحكيم في نفوذ الحكم عليه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجوز أن يحكم عليه بولاية القضاء ولا بولاية التحكيم؛ كالشهادة.
والثاني: يجوز بهما، بخلاف الشهادة، [والفرق: أن أسباب الحكم ظاهرة، وأسباب الشهادة] خافية؛ فانتفت التهمة عنه في الحكم، وتوجهت إليه في الشهادة، وهذا ما جزم به في "الأحكام السلطانية"، وقبل كتاب قاض إلى قاض كما ذكرنا.
وقال الرافعي لما وقف من كلامه على هذه الطريقة: وهذا يشكل بالتسوية بينهما في حق الأبعاض.
وفرق الماوردي بينهما بفرقين: أحدهما: أن أسباب العداوة حادثة تزول بعد وجودها، وتحدث بعد عدمها،

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل