كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 185-224
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 185-224
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

في وقتها، ولو جهل أنها من الظهر أو العصر، أعاد كل صلاة في وقتها؛ أخذاً بالاحتياط؛ قاله القاضي الحسين.
وفي "زوائد العمراني": أنه يجيء فيه قول آخر: أن له أن يجمع إليها العصر؛ قياساً على ما حكاه الربيع في الجمعتين إذا أقيمتا في بلد واحد، ولم تعرف السابقة منهما: أن لهم أن يصلوا الجمعة.
وقال الرافعي: إنه حكاه في "البيان" عن الأصحاب.
ثم هذا فيما إذا طال الفصل، فلو قرب أعاد الصلاتين جَمْعاً، قاله الرافعي.
قال: وإن أراد الجمع في وقت الثانية كفاه- أي: في نفي الإثم، وجواز قصر الأولى، إن كان السفر طويلاً- نية الجمع [قبل خروج وقت الأولى بقدر ما يصلي فرض الوقت؛] لأن تأخير الصلاة عن وقتها تارة يكون معصية: وهو أن يؤخرها عامداً لغير الجمع، وتارة يكون مباحاً: وهو أن يؤخرها للجمع، وصورة التأخيرين سواء؛ فلابد من نية تميز بينهما.
وقد أفهم قول الشيخ: "كفاه نية الجمع قبل خروج وقت الأولى، بقدر ما يصلي فرض الوقت ... " أموراً: أحدها: أن ذلك شرط، وهو كذلك؛ بل قال في "الحاوي": إنه لا يختلف مذهب الشافعي في اشتراط ذلك، وسائر أصحابه.
وفي "شرح" ابن التلمساني أن الإمام قال: إنا إذا قلنا: لا يجب الترتيب والموالاة، لا تجب نية الجمع، وكأن نفس السفر مسوغ للتأخير.
وحكاه الفوراني وجهاً، والذي رأيته في "النهاية": أنا إذا لم نشترط الترتيب

والموالاة، فلا تشترط وجهاً واحداً.
وقال الرافعي: إنه محمول على نية الجمع عند الإحرام بالأولى في وقت الثانية، ويؤيد هذا التأويل أنه حكى عن شيخه والصيدلاني في آخر الباب: أنه لو لم ينو، عصى بالتأخير.
[ثم] قال: وفيه شيء؛ فإنا إذا لم نشترط نية الجمع عند إقامة الصلاة، فلا يبعد أن يقال: نفس الشرع يسوغ التأخير، ويصير الوقت مشتركاً.
الثاني: أنه لا يكفيه نية الجمع إذا بقي من الوقت ما لا يسع كل فرض الوقت، وهو [وجه حكاه الأصحاب؛ بناءً على أنه إذا أوقع ركعة في الوقت] وباقيها خارج الوقت- تكون قضاء، أو قضاء وأداء، والمذهب- كما تقدم- أنها تكون بجملتها أداء، وعلى هذا يكفيه إذا بقي من الوقت قدر ما يؤدي فيه ركعة، [وبه صرح الروياني في "تلخيصه"، وعلى رأي الداركي: يكفيه إذا بقي من الوقت قدر ما يؤدي فيه تكبيرة أيضاً،] وجواب هذا أنا نقول: تقدير كلام الشيخ بقدر ما يؤدي فيه فرض الوقت، أي: أداء، وحينئذ لا يخرج وجه من ذلك عن كلام الشيخ.
الثالث: أنه لا يشترط معه شيء آخر، وقد قال بعضهم: إنه لابد من شرط آخر، وهو بقاء السفر إلى وقت الجمع، وبه صرح ابن الصباغ، وجوابه: أن قول الشيخ من قبل: ويجوز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في وقت إحداهما في السفر الطويل- ينبه عليه، ويغني عنه، وسنذكر عن المراوزة وجهاً آخر في اشتراط الترتيب والموالاة.

وقد أشار الشيخ إلى نفيه؛ حيث قال: والأفضل أن يقدم الأولى [منهما]، وألا يفرق بينهما؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كذا كان يفعل، وإنما لم يجب؛ لأنه لو أخر الأولى إلى الثانية بغير عذر- لما وجب، بل جاز له تقديم [العصر على الظهر] كما تقدم في باب المواقيت، وجاز له التفريق؛ فمع العذر أولى.
قال الإمام: وقد غلط بعض أصحابنا، فقال تفريعاً على هذا: إن صلاة الظهر تكون مقضية، وفائدة الرخصة رفع الإثم، وتجويز قصر الظهر.
وهذا زلل، وقلة بصيرة بالمذهب؛ فإن أصحاب الضرورات إذا زالت ضروراتهم، وقد بقي إلى الغروب قدر خمس ركعات، فنجعلهم مدركين لصلاة الظهر؛ حملاً على الوقت المشترك، ولو كان الظهر مقضياً في وقت العصر في حق المعذورين، لما تحقق الاشتراك في الوقت قطعاً؛ فيلزم ألا يكونوا مدركين لصلاة الظهر، ولأنها [لو] كانت مقضية بالتأخير، لوجب أن يتوسع في وقت قضائها في العمر حتى يقال: يقضيها المرء متى شاء.
ولا خلاف في أنه لا يجوز للمسافر أن يخرج صلاة الظهر عن وقت العصر.
وهذا كله تفريع على عدم وجوب الترتيب والموالاة، المذكور في طريقة أهل العراق، والأصح عند المراوزة- وحكوا معه وجهاً آخر-: أن الترتيب يجب؛ لأن فعلها يكون أداء كما في التقديم، وقد اختاره في "البسيط".
وقال في "التتمة" هاهنا، والقاضي الحسين قبيل كتاب الجنائز: إن وجوب الموالاة مفرع على وجوب الترتيب.
[وقال الإمام: إن الصيدلاني لم يتعرض لذكر الخلاف في الترتيب، والذي فهمته من مساق كلامه قصر الخلاف على الترتيب]؛ فإنه ظاهر، وأما اشتراط الموالاة، فلا معنى له عندي؛ فإنا إذا قلنا: تقدم العصر والفراغ منها يلحق الظهر بالفائتة، فهذا له وجه، وأما أن نقول: إذا أقام الظهر تعين فعل صلاة الظهر [بعدها] وصلاة العصر] مؤداة في وقتها- فليس لذلك وجه، بل إذا قدم العصر،

فيجوز أن نقول: شرط إجزاء صلاة العصر مقدمةً أن توصل بالظهر، فإن لم توصل لم تصح؛ لأنها مقدمة، فشرط إجزائها وهي مقدمة: الموالاة، هذا بين، فأما إيجاب تعجيل العصر على أثر الفراغ من الظهر في وقت العصر، فيبعد جدّاً، فتأمل ذلك؛ فإنه حسن بالغ.
فروع: أحدها: إذا قلنا بوجوب الموالاة، فيجب عليه أن ينوي عند الشروع في الصلاة الأولى الجمع، كما في الأولى؛ قاله في "الفتاوي"، وكذا الإمام، وإن قلنا: لا تجب، فلا يشترط [وإن] أوجبنا الترتيب؛ قاله الإمام.
الثاني: إذا قلنا بوجوب الترتيب، فإذا قدم العصر على الظهر؛ فلا يجوز له أن يصلي الظهر قصراً، إذا قلنا: إن الفائتة في السفر لا تقضي قصراً، وعصى الله تعالى، وهل يجوز له أن يصلي العصر قصراً؟ قال القاضي الحسين قبيل صلاة الجنائز: المذهب نعم؛ لأنه يصليها في وقتها وهو مسافر، وقيل: لا؛ لأنه إنما جوز له قصر كلتيهما للجمع، [وهو قد] ترك الجمع- علة قصر إحدى الصلاتين- فلذلك بطل عليه قصر الصلاة الثانية.
الثالث: إذا راعينا الترتيب والموالاة، فصلى الظهر قبل العصر، وتحقق أنه ترك سجدة من الظهر- فسد عصره، وعليه إعادة الظهر تامة، ويجيء فيه القول الآخر، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بعدم وجوب الترتيب والموالاة؛ فإنه يعيدها قصراً، بلا خلاف، ولو تحقق أنه تركها من العصر بنى إن كان الفصل يسيراً، وعليه أن يعيد العصر إن كان الفصل طويلاً، والظهر إن كان قد أتمها فلا شيء عليه، وإن كان قد قصرها فعليه إعادتها تماماً على وجوب الموالاة؛ لأنه بطل حكم الجمع، وفات الظهر، وإن شك هل هي [من] الأولى، أو [من] الثانية- أعاد كلتيهما، ولا يجوز الجمع بينهما؛ بناءً على أن التفريق لا يجوز، ويجب أن يتم الظهر.
وقد سلك الماوردي طريقاً آخر، فقال: إن صلى الظهر، ثم العصر عقيبه- فقد

حصل له الجمع، وكان مؤدياً لكلتا الصلاتين، وإن صلى الظهر، ثم تنفل، أو صبر زماناً طويلاً، ثم صلى العصر- لم يكن جامعاً بينهما، وكان قاضياً للظهر، مؤدياً للعصر، ولا يكون بذلك عاصياً؛ لأنه قد صلى العصر في وقتها، والظهر كان له تأخيرها.
وإن قدم العصر، ثم صلى الظهر بعدها، فلا يكون جامعاً بينهما في الحكم، وتجزئه الصلاتان معاً، ثم إن كان قد صلى الظهر عقيب العصر من غير تطاول، لم يكن عاصياً، وكان بمنزلة من نسي صلاة الظهر، ثم ذكرها وقد دخل وقت العصر.
وإن تطاول الزمان، بأن صلى العصر، ثم صبر زماناً طويلاً، ثم صلى الظهر- فهذا عاص بتأخير الظهر بعد العصر؛ لأن له تأخيرها إلى وقت العصر بنية الجمع، ويجوز له تقديم العصر عليها إذا ترك الجمع، ولا يجوز له تأخيرها [بعد صلاة العصر، فإن أخرها كان عاصياً.
وكذلك الحكم في المغرب مع العشاء].
قال: ويجوز للمقيم الجمع في المطر في وقت الأولى منهما، إن كان يصلي في موضع يصيبه المطر، وتبتل ثيابه؛ لما روى أبو داود، عن ابن عباس قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر".
قال مالك: أرى ذلك كان في مطر.
وأخرجه مسلم وليس فيه كلام مالك، وقد ذكر بعض الشارحين أن الشافعي ومالكاً قالا: "نرى ذلك بعذر المطر .. ". والمشهور في "التتمة" وغيرها: أن الشافعي قال: "قال مالك: لا أرى ذلك إلا بعذر المطر"، وأن الشافعي استأنس بقول مالك، كما استأنس بقول ابن جريج في تحديد القلتين.
فإن قيل: قد روى مسلم، عن ابن عباس قال: "جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف، ولا مطر، فقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته"، وهذا ينفي تأويل مالك.

قلنا: ذلك لا يضرنا؛ لأنه يقتضي الجمع من غير مطر، فمع المطر أولى.
على أنا نؤوّله، فنقول: مراده: ولا مطر يصيبه، بأن كان تحت سقف، وقد روى نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم "جمع بين الظهر والعصر في المطر"، وروى الأثرم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "إن من السنة إذا كان يوم مطر أن يجمع بين المغرب والعشاء"، وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أفهم كلام الشيخ أموراً: أحدها: أنه لا فرق في الجمع بسبب المطر بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وهو المشهور، وعن صاحب "التقريب" رواية قول غريب في اختصاص ذلك بالمغرب والعشاء، [وهو المشهور] لمذهب مالك.
قال الإمام: وقد حكاه العراقيون وأسقطوه، ولم يعدوه من المذهب، وأولوه، وقد ادعى بعضهم أن له اتجاهاً من جهة الظلمة، وهو شبهة مالك.
وأصحابنا نقضوا عليه بالليلة المقمرة؛ فإنه يجوز الجمع فيها مع انتفاء الظلمة.
الثاني: أنه لو كان يصلي في موضع لا يصيبه المطر، بأن كان في بيته، أو تحت سقف [في المسجد] وهو يمشي إليه في كنّ، أو كان متصلاً ببيته- أنه لا يجوز له الجمع، وهذا ما حكاه الماوردي، والبندنيجي، والقاضي أبو الطيب عن نصه في "الأم"، وقال الروياني: إنه الأقرب، وهو الظاهر في "النهاية" والأصح في "التهذيب" و"الرافعي"، وقد عزاه في "المهذب" إلى القديم، وقال: إنه نص في "الإملاء" على الجواز؛ لأنه- عليه السلام- كان يجمع في المسجد، [وبيوت بعض أزواجه في المسجد] وباقيها بقربه.
وقد اختاره في "المرشد"، وصححه ابن يونس.
والخلاف يجري فيما لو حضروا المسجد وكان مكشوفاً، بحيث يصيبهم فيه المطر، وأرادوا أن يصلوا فرادى؛ حكاه الإمام عن الشيخ أبي بكر.

الثالث: أن المطر لو كنا لا يبل الثياب، لا يجوز الجمع بسببه، وبه صرح في "المهذب"؛ لأنه لا يتأذى به.
الرابع: أنه لا يجوز الجمع بعذر البرد والثلج؛ لأنه لما خص الجواز بعذر المطر، أفهم أنه لا يجوز بما سواه من ذلك، وقد قال الماوردي: إن البرد أقل ما يكون بدون مطر، فإن كان وحده قال البندنيجي وأبو الطيب: فلا يفيد الجمع.
وأما الثلج: ففي "المهذب" و"التهذيب" و"الحاوي": أنه إن بل الثياب؛ لذوبانه بسبب حر الهواء، جوّز الجمع، وإلا فلا، وألحق في "الشامل" حالة نزوله قطعاً كباراً بحالة ذوبانه، فجوز الجمع به، وقد أطلق في "الوسيط" حكاية وجهين في جواز الجمع بعذر الثلج، وهما في "النهاية" محكيان عن رواية الشيخ أبي محمد، من حيث إنه لا يبل الثوب، وهذا يؤذن بأن محلهما إذا كان لا يبل الثوب، وبه صرح في "التتمة"، وأبداهما القاضي الحسين في "تعليقه" احتمالين لنفسه فيما إذا كان يبل الثوب، ووجه المنع: بأن السنة وردت في المطر، وهو خصوص من القياس؛ فلا يقاس عليه غيره.
قال: ويكون المطر- أي: وما في معناه- موجوداً عند افتتاح الأولى، وعند الفراغ منها وافتتاح الثانية؛ لأن المطر هو المبيح له، والعذر المبيح يعتبر وجوده في الصلاتين كالسفر.
قال الروياني في "تلخيصه": وقيل: إذا انقطع المطر عند سلامه من الأولى، ثم عاد على قرب عند إحرامه بالثانية- لا يؤثر في بطلان الجمع.
وهو الأشبه.
وفي "النهاية": [أنه] الذي مال إليه المعظم، إلا الشيخ أبا زيد.
وأعجب من قول

الإمام ذلك مع أن القاضي الحسين والعراقيين قالوا به أيضاً، وتبعهم البغوي، وغيره؛ كما قال الرافعي.
ولابد مع وجود المطر في الأحوال الثلاثة من الشرائط الثلاث التي تقدمت في الجمع في وقت الأولى في السفر؛ لأن المطر هاهنا سبب كالسبب ثم، وبه صرح الأصحاب.
وقد أفهم كلام الشيخ أمرين: أحدهما: أن المطر لو لم يكن موجوداً عند افتتاح الأولى، لا يجوز الجمع، وبه صرح في "المهذب" والبندنيجي والقاضي الحسين وغيرهم؛ لأن سبب الرخصة حدث بعد الدخول، فلم تتعلق به؛ كما لو دخل في الصلاة، ثم سافر: لا يجوز له الجمع، وقد حكاه ابن الصباغ عن نصه في استقبال القبلة، ثم قال: وهذا إنما قاله؛ لأنه يحتاج أن يوجد العذر المبيح في جميع الصلاتين كالسفر، ثم قال: "قال أصحابنا: وسواء قلنا: يحتاج إلى نية الجمع، أو لا يحتاج"، وهذا عين ما أورده القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، ثم قال ابن الصباغ: وهذا- عندي- ينبغي أن يكون فمرعاً على قوله: إنه يحتاج إلى نية الجمع في ابتداء الصلاة، أما إذا قلنا: يكفيه نية الجمع قبل السلام، فيجوز له الجمع إذا كان [المطر] موجوداً قبل الفراغ من الأولى، [وقد حكاه ابن الصباغ عن نصه في استقبال القبلة]، وهذا ما حكاه الماوردي والمتولي قال بعضهم: والفرق بين هذا وبين ما إذا افتتح الصلاة في الحضر، وسافر، فإنه لا يجمع قولاً واحداً؛ لأن المبيح هو السفر، والسفر هو الضرب في الأرض، ولا يوجد إلا بعد انقضاء الصلاة، ومجرد العزم على السفر لا يكون سفراً، فإذا نوى الجمع، والحالة هذه، فقد نواه بدون المبيح، والعذر في المطر هو ما يلحقه من المشقة بالعود إلى الثانية، وهو موجود حالة نية الجمع.
قلت: وهذا فرق في غير محل الجمع؛ لأن محله إذا افتتح الصلاة ولا مبيح، ثم وجد المبيح في أثنائها، [وذلك يتصور في سفر البحر، بأن يحرم في سفينة في وسط البلد، ثم تسير وهو في أثنائها،] وتخرج من البلد؛ فإنه لا يباح له الجمع، وإن وجد سبب الرخصة وقت اعتبار النية.

الثاني: أنه لا يشترط وجود المطر في غير الأحوال الثلاثة التي ذكرها، وهو الذي أورده العراقيون، وصاحب "الكافي" و"التتمة"، وحكى الفوراني وجهاً آخر: أن انقطاع المطر في أثناء الصلاة الثانية يبطل الجمع، كما حكيناه فيما إذا طرأت الإقامة في أثنائها، وعلى هذا: لو انقطع بعد الفراغ من الثانية، كان كما لو طرأت الإقامة بعد فراغها، وقد سبق.
قال الإمام: وهذا لا وجه له؛ لأنا إذا لم نعتبر دوام المطر في أثناء الظهر، فكيف نعتبره في أثناء العصر وما بعده؟! والفرق بين الجمع بعذر المطر والسفر: أن دوام السفر إليه، وانقطاع المطر ليس إليه.
فرع- قاله في "التهذيب" عن القاضي- أنه لو قال لشخص بعد سلامه من الأولى: انظر هل انقطع [المطر] أو لا؟ بطل الجمع؛ لأنه شك في سبب الجمع.
واعلم: أنه يعترض على ما ذكره الشيخ والأصحاب ها هنا سؤال؛ من حيث إن شرط الجمع أن تقع الصلاتان في وقت إحداهما، وهذا مما لا خلاف فيه، وقد اختلف قول الشافعي في أن وقت المغرب يدوم على غيبوبة الشفق الأحمر، وهو بمقدار ما يتوضأ، ويستر العورة، ويؤذن، ويصلي خمس ركعات، وقضية هذا أن يكون للشافعي قول: أنه لا يجوز الجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب في الحضر بعذر المطر؛ لأن العشاء لا تقع بجملتها في وقت المغرب، بل ركعتان منها، لكن الأصحاب مطبقون على جوازه على [كل] قول؛ عملاً بظاهر الخبر المتقدم، وتكلف بعضهم لذلك جواباًن فقال: هذا يقوي القول بأن وقتها ممتد إلى غيبوبة الشفق، أو يكون تفريعاً على أنه إذا أوقع بعض الصلاة في الوقت، كان جميعها أداء.
قلت: ويظهر أن يقال في جوابه: إن الصلاة الثانية إذا جمعت مع الأولى في وقت الأولى، كانت كالجزء منها، ويدل عليه أنه لو فصل بينهما بأكثر مما يفصل به بين أركان الصلاة عند الجهل أو النسيان- لم يصح الجمع، ولو بان بطلان الأولى بان بطلان الثانية إذا كانت كالجزء منها، وقد تقدم أنا على القول

بأنه لا وقت لها إلا وقت واحد، يجوز له أن يستديمها إلى غيبوبة الشفق؛ فلا جرم جاز الجمع بينهما، وإن كانت وقت الأولى يخرج في أثناء الصلاة الثانية، والله أعلم.
قال: وفي جواز الجمع- أي: بعذر المطر- في وقت الثانية قولان: وجه الجواز: أنه عذر يجوّز التقديم؛ فجوز التأخير كالسفر، وهذا ما اقتصر الشيخ على إيراده في كتاب الصلاة، وادعى البندنيجي أنه القديم، وقال في "المهذب": إنه نص عليه في "الإملاء".
[وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: إنه نص عليه في القديم و"الإملاء"].
وإذا قلنا به، قال الطبري في "عدته": اعتبرنا وجود المطر في وقت الأولى، وهو ما حكاه مجلي عن "تهذيب" نصر المقدسي، فلو انقطع قبل وقت العصر، لا يجوز الجمع.
قال في "التهذيب": ويصلي الظهر في آخر وقته، كالمسافر إذا أخر نية الجمع، ثم أقام قبل دخول وقت العصر، ولو انقطع المطر بعد دخول وقت الثانية، جاز له الجمع؛ ذكره الطبري وصاحب "الفروع".
وقال الرافعي: إن قضية ما ذكره البغوي: أنه لو انقطع المطر في وقت الثانية

قبل فعلها- أنه يمتنع الجمع أيضاً، وصارت الأولى قضاء كما [لو] صار مقيماً.
وقال العراقيون: يصليها مع الثانية، سواء كان المطر باقياً أو لا.
ووجه المنع: أن المطر قد ينقطع، فيؤدي إلى الجمع من غير وجود عذر.
قال بعضهم: وعلى هذا لو كان راكباً في البحر، وجوز أن تشتد الريح، فتوصله إلى مقصده قبل وقت الثانية- لم يجز له التأخير، وهذا القول نص عليه في "الأم".
وهذه الطريقة طريقة المراوزة أيضاً إلا الفوراني؛ فإنه قال في "الإبانة": يجوز أن يؤخر الأولى إلى الثانية في المطر، وهل يجوز أن يقدم الثانية إلى الأولى؟ فيه وجهان.
وقد أفهم كلام الشيخ هاهنا منع الجمع للمقيم بغير عذر المطر، سواء كان ثم عذر من خوف أو مرض أو وحل، ونحو ذلك أم لا، وبه صرح في كتاب الصلاة في جمع التأخير، حث قال: ولا يعذر أحد من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن الوقت إلى آخره، وهو المذهب فيه، وفي التقديم أيضاً، وبه جزم القاضي الحسين في باب صلاة الخوف، وكذا الإمام، وادعى الإجماع على أنه لا يجوز بعذر المرض، والمتولي حكى عن القاضي: أنه اختار جوازه بعذر الخوف والمرض، وأيده في المرض بأنه يجوّز الفطر كما يجوّزه السفر؛ فالجمع أولى.
وحكى الرافعي أن الخطابي جوز الجمع بعذر المرض والوحل، وأن الروياني في "الحلية" استحسنه.
وحكى في "الروضة" أن الخطابي حكى عن القفال الكبير الشاشي، عن أبي إسحاق المروزي جواز الجمع في الحضر؛ للحاجة، من غير اشتراط الخوف والمطر والمرض، وبه قال ابن المنذر من أصحابنا، وابن الصباغ حكى عن ابن المنذر: أنه أجاز الجمع في الحضر من غير مرض؛ لأجل خبر ابن عباس السابق، وروي عنه- أيضاً-[أنه] قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثمانية وسبعاً الظهر والعصر، والمغرب والعشاء" أخرجه البخاري ومسلم.
والحمل على

المطر قد جاء في رواية أخرى ما يدفعه، كما تقدم.
وأجاب أصحابنا عن ذلك: بأنه يحتمل أن يكون قوله: "ولا مطر"، راجعاً إلى أن المطر انقطع في الصلاة الثانية، أو لم يكن واقعاً عليهن بأن كان قد صلى في المسجد، والسقف يحول بينه وبينه، ويحتمل: أن يكون أراد بالجمع: التأخير، بأن صلى الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، وهذا التأويل إنما يستقيم على أن وقت المغرب يمتد إلى غيبوبة الشفق، وحديث جبريل- عليه السلام- وإن كان دالاً على ذلك أيضاً، لكن بعد العهد به، وتجدد قوم لم يبلغهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لمن عرف ذلك أن حكمه باق، ولمن لم يعرفه أن هذا هو الحكم.
قال الأصحاب: فإن قيل: جوزتم ترك الجمعة والجماعة بالوحل، ولم تجوزوا الجمع بسببه.
قلنا: الفرق: أن تارك الجمعة يفعل الظهر بدلاً منها، وتارك الجماعة يصلي منفرداً في بيته، وأما الذي يجمع لأجل الوحل، فإنه يترك وقت الصلاة إلى غير بدل.
فروع نختم بها الباب: الفرع الأول: قال في "البيان": إذا أراد جمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة في المطر، لا أعلم فيها نصّاً، والذي يقتضيه القياس: أنه يجوز بشرط وجود المطر عند الإحرام بالجمعة، وعند السلام منها، وعند الإحرام بالعصر، ولا يشترط وجوده في الخطبتين، وإن أراد أن يؤخر الجمعة إلى العصر على القول القديم جاز، ولا يشترط وجود المطر في وقت العصر على ما مضى، ويخطب وقت [العصر] ويصلي الجمعة؛ لأن كل وقت جاز فعل الظهر فيه، جاز فعل صلاة الجمعة فيه، كآخر وقت الظهر.
وهذا القول ضعيف، وكذا ما يتفرع عليه.
وقد حكى الرافعي جواز جمع العصر إلى الجمعة، وقال: إن قول صاحب

"البيان": إنه لا يشترط وجود المطر في الخطبة، قد ينازع فيه إذا قلنا: إن الخطبتين بدل من الركعتين.
قلت: وقد يظهر أن يقال: إنا وإن قلنا بجواز الجمع في وقت العصر، لا نجوّز تأخير الجمعة له؛ لأن لنا قولاً، أو وجهاً: أن الصلاة الأولى إذا فعلت في وقت الثانية بسبب السفر، تكون قضاء، وفائدة الجمع رفع المأثم، فإذا قلنا بهذا، لا يجوز تأخيرها؛ لأن الجمعة لا تفعل قضاء وقد يكون هذا قول من قال بجواز الجمع بعذر المطر في وقت الثانية؛ فيرتفع الخلاف.
والله أعلم.
الفرع الثاني: إذا نوع الجمع، ثم نوى تركه في أثناء الأولى، ثم نوى الجمع ثانياً- قال في "الروضة"- حكاية عن الداركي: إن فيه قولين.
الفرع الثالث: إذا جمع الصبي بين الظهر والعصر في وقت الظهر، ثم بلغ، ووقت العصر باق- لا إعادة عليه؛ قاله العمراني في "زوائده".
الفرع الرابع: إذا نوى الكافر أو الصبي السفر إلى مسافة القصر، ثم أسلم الكافر، وبلغ الصبي في أثناء الطريق- فلهما القصر في بقيته؛ قاله في "الروضة"، ووجهه ظاهر، والله أعلم.


باب صلاة الخوف

صلاة الخوف مشروعة في حقنا، باقية إلى يوم القيامة، والأصل فيها من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ...﴾ الآية [النساء: 102] والمراد بها: صلاة الخوف إجماعاً.
ومن السنة: ما سنذكره من الأخبار.
وإذا ثبت حكمها في حق النبي صلى الله عليه سولم ثبت في حقنا أيضاً؛ لقوله عز وجل: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: 153]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلّي"، ولأنها صلاة قد اشترك في سببها الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من أمته؛ فوجب أن يجوز لهم فعلها إذا وجد سببها كصلاة السفر والمرض، وعلى ذلك جرى الصحابة- رضي الله عنهم-: روي أن سعيد بن العاص قال لصحابه بطبرستان، وهو بإزاء العدو: "أيكم حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى صلاة الخوف، فقال حذيفة: أنا .... وذكر الخبر، فأمره سعيد، فصلى بهم"، وصلاها أبو موسى ببعض بلاد فارس، وصلاها عليٌّ بـ "صفّين" ليلة الهرير، ولم ينكر ذلك أحد.
وقد ادعى أبو يوسف، ومحمد: أنها مختصة به- عليه السلام- للآية، وما ذكرناه حجة عليه، والرسول قد يخاطب بالشيء وتشركه فيه أمته؛ كما في قوله

تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: 103]، وقد قام الإجماع على قيام غيره مقامه في ذلك.
وقال المزني: إن صلاة الخوف منسوخة في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه- عليه السلام- "أخر يوم الخندق أربع صلوات؛ لاشتغاله بالقتال، ولم يصل صلاة الخوف".
قال الأصحاب: وما قاله المزني على العكس؛ فإنه- عليه السلام- صلاها، كما سنذكره في غزوة ذات الرقاع، وكانت لعشرين من المحرم سنة خمس، وصلاة الخندق كانت في شوال سنة اربع.
كما ذكره البخاري.
[ولما كان] هذا هو المذهب، قال الشيخ: إذا كان العدو في غير جهة القبلة- أي: بحيث لا يمكن الصلاة إلا باستدبارهم، أو بالانحراف يميناً أو شمالاً- ولم يأمنوا- أي: إذا أقام المقاتل لهم الصلاة- من الكبسة عليهم، وقتالهم غير محظور- أي: غير محرم- فرق الإمام الناس فرقتين، [أي]: إذا كان فيهم كثرة بحيث تكون كل فرقة منهم تقاوم العدو، كما نبه عليه قوله: "وإن كان العدو في جهة القبلة، وفي المسلمين كثرة"؛ فإنه إذا اعتبر الكثرة في هذه الحالة، كان اعتبارها فيما نحن فيه أولى، وقد صرح بذلك الأصحاب، وظن بعض الشارحين أن الشيخ أهمل ذلك؛ فاعترض عليه.
قال: فرقة في وجه العدو، وفرقة خلفه، فيصلي بالفرقة التي خلفه ركعة، فإذا

قام إلى الثانية، فارقته [- أي نوت مفارقته-] وأتمت الركعة الثانية [لنفسها، ثم تخرج إلى وجه العدو، وتجيئه الطائفة الأخرى، فيصلي بها الركعة الثانية]، ويجلس، وتصلي الطائفة الركعة الثانية، ثم يسلم بهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في غزوة ذات الرقاع؛ كما أخرجه البخاري ومسلم، عن رواية مالك عن يزيد بن رومان، عن صالح [بن] خوات، عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ورواه شعبة عن صالح بن خوات بن جبير عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فبين المبهم في رواية مالك.
وسميت هذه الغزوة بغزوة "ذات الرقاع"؛ لأن الواقعة كانت عند جبل ألوان حجارته مختلفة: شيء منه أحمر، وشيء أبيض، وشيء أسود، كالرقاع.
وقيل: سميت بذلك؛ لأنها كانت عند شجرة تسمى بذلك.
وقيل: سميت بذلك؛ لرقاع كانت في ألويتهم.
وقيل: لأنها كانت في وقت حر، وكان أكثر المسلمين حفاة، فلفوا الخرق والرقاع على أرجلهم، وهذا ما نقله أبو موسى الأشعري؛ فهو أصح ما قيل.
"وخوات" بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الواو [وفتحها]، وبعد الألف تاء ثالثة الحروف.
"وحثمة" بفتح الحاء المهملة، وسكون الثاء المثلثة، وبعدها ميم [مفتوحة]، وتاء [تأنيث].
فإن قيل: قد روى البخاري من حديث شعيب عن الزهري قال: "سألته هل

صلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني صلاة الخوف؟ فقادت أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر قال: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم [قل نجد، فوافينا العدو، فصاففناهم]، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي لنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه، وسجد سجدتين، [ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاءوا، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم، فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين] ". ورواه مسلم من حديث نافع، عن ابن عمر [بلفظ آخر، وفي آخره قال: "وقال ابن عمر]: فإذا كان خوف أكثر من ذلك، فصلِّ راكباً أو قائماً، تومئ إيماء"، فلم رأيتم العمل برواية ابن خوات، دون رواية ابن عمر؟ وهل إذا عمل برواية ابن عمر هل تصح الصلاة أو تبطل؟ قلنا: قال الأصحاب: ترجحت رواية ابن خوات على رواية ابن عمر من وجوه: أحدها: أن رواتها أكثر.
والثاني: أنها أقل أفعالاً في الصلاة.

والثالث: أن نص التنزيل يوافقها، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: 102]. وظاهر ذلك أنه أراد جميع الصلاة، وإذا كان كذلك حملنا السجود في الآية الأولى على الركعة الباقية للطائفة الأولى؛ لتكون الآية على وفق الخبر، والركعة يعبر عنها بالسجدة، كما جاء في قوله - عليه السلام-: "إذا أدرك أحدكم سجدةً من الصلاة قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته" أخرجه البخاري ومسلم.
وأما صحة الصلاة إذا فعلت على نحو ما رواه ابن عمر ففيها قولان حكاهما الفريقان، وادعى في "الحاوي" أنهما منصوصان في "الأم": أحدهما: أنها باطلة؛ لما وقع فيها من العمل المنافي لها، وأما خبر ابن عمر، فقد قال: إنه مسوخ بخبر ابن خوات؛ لأنها آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الإمام: وهذا فيه إشكال؛ فإن الشافعي لا يرى النسخ [بالاحتمال، وما لم يتحقق تقدم المنسخ بالتاريخ على الناسخ، فادعاء النسخ] يبعد وينأى عن أصله.
والثانى: أنها صحيحة؛ عملاً بالخبر.
وقال القاضى الحسين: قال الشافعى فى "الكبير": والاختلاف فى ذلك من الاختلاف المباح، فإن فعل ذلك فقد أساء وتجزئه، والأحوط والأليق بأمر الصلاة أن يصلي كما ورد في رواية ابن خوات.
وقد نص عليه في كتاب "الرسالة"، وهو الصحيح في "الرافعي"، ولو عدل عن الصلاتين، وصلى بهم كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ببطن النخل - جاز ذلك: بأن يصلي بكل طائفة كل الصلاة؛ لأن غاية الأمر أنه صلى بالطائفة الثانية وهي له نفل، ولهم فرض، وصلاة المفترض خلف المتنفل في حال الأمن جائزة؛ ففي حال الخوف أولى.
لكن الأولى أن يصلي بهم كما ذكر الشيخ.
[ثم كلام الشيخ] مصرح بأن الطائفة الأولى تفارق الإمام بعد قيامه إلى الثانية، وهو ما أورده الماوردي، وحكاه الإمام مع وجه آخر عن رواية شيخه أنها

تفارقه عقيب رفعه من السجود؛ لأن الركعة تنتهي بمفارقة السجدة الأخيرة، وحكى الرافعي عن البغوي وغيره: أنه مخير بين الأمرين، والأولى المفارقة بعد القيام، وفيه نظر؛ لأن المجوّز للمفارقة العذر ولا عذر لهم قبل القيام، بل لو قيل: لا يجوز لهم المفارقة قبل فراغ الإمام من القراءة، إذا قلنا: إنه يقرأ في حال الانتظار - لم يبعد؛ ولذلك قال الإمام: إنا إذا قلنا بالأول الذي ذكره الشيخ، لا يبعد [أن] نقول: إنما ينفرد القوم، إذا ركعوا وتركوا الإمام قائماً؛ فإنهم إنما يفارقونه حساً إذ ذاك، ثم قال: وهذا احتمال.
والذي نقلته ما تقدم، وكأن وجهه أن القصد التسوية بين الطائفتين؛ ولهذا استحب الشافعي انتظار الإمام الطائفة الثانية؛ ليسلم معهم ليحصل لهم فضيلة السلام معه، كما حصل للأولى فضيلة الإحرام معه، ولو قلنا: إن مفارقة الأولى إنما تكون بعد فراغ قراءته في الثانية - ترجحت الأولى على الطائفة الثانية، وفات مقصود التسوية، والله أعلم.
وقد بنى الإمام على الوجهين أمر سجود السهو، وسنذكر، وما فيه.
وأما الطائفة الثانية: فظاهر كلام الشيخ والخبر: أنها تقوم إلى الثانية عقيب رفعه من السجود؛ فلا تجلس معه، وهو ما نص عليه في "الأم" والقديم و"الإملاء"؛ لأن الطائفة الأولى لم تحصل لها فضيلة التشهد مع الإمام؛ فكذا [تكون] الثانية؛ إذ التسوية بينهما مطلوبة، ولأنها لو جلست حتى يتشهد لطالت الصلاة؛ فإنهم يحتاجون إلى إتمام صلاتهم بركعة، وهو ينتظرهم حتى يسلم [بهم]، وصلاة الخوف وضعت على التخفيف، وقد حكي [عن] الشافعي أنه نص في سجود السهو على أنهم يفارقونه بعد فراغه من التشهد وقبل السلام؛ لأن المسبوق يفارق الإمام بعد التشهد، وهؤلاء مسبوقون بركعة.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: وهذا غير صحيح؛ إذ لو كانوا كالمسبوق لما قاموا حتى يسلم الإمام، وليس كذلك.
وقد حكى القاضي الحسين وغيره من المراوزة قولاً عن القديم عوضه: أنهم يفارقونه بعد السلام، كالمسبوق سواء؛ لأنه قال فيه: "لو سها الإمام في الثانية،

وسجد للسهو، فالطائفة الثانية تجلس معه حتى يتشهد، وإذا سجد للسهو سجدت معه متابعة له، فإذا سلم الإمام تقوم وتقضي الركعة، وسجدت في آخر الصلاة قبل السلا".
قال الإمام: وهذا القول صحيح لا شك فيه؛ فإن ذلك لو فرض اختياراً لصح، وإنما الكلام فى تصحيح ما رواه ابن خوات، وصححه الشافعي فى الجديد.
وقد تحصل في المسألة عند كل فريق قولان، وإذا جمعت بين ما حكاه الفريقان، جاء فى المسألة ثلاثة أقوال، وحكى البندنيجى وغيره عن بعض الأصحاب أنه نزل النصين على النحو الذي أورده العراقيون على حالين: فحمل نصه في "الأم" على ما إذا كانت الصلاة ركعتين، وأنه أعاد المفارقة إلى الطائفة الثانية، وحمل نصه في سجود السهو على ما إذا كانت [الصلاة رباعية]، وأعاد المفارقة إلى الطائفة الأولى، قال: والأول أصح؛ لأن هذا يخالف نص قوله في سجود السهو؛ فإنه قال: "تفارقه إذا سجدت للسهو معه"، والتشهد الأول لا يسجد للسهو عقيبه.
ثم اعلم أن مفارقة الطائفة الأولى للإمام تكون فعلاً وحكماً؛ لأنها تنوي مفارقته، كما ذكرنا، حتى لو فارقته من غير نية بطلت صلاتها؛ صرح به الماوردي وغيره، وفيه ما سنذكره مما يفهمه كلام الإمام، وحينئذٍ فإن سها الإمام في الثانية، لم يلحقها سهوه، ولو سهت هي فيها سجدت للسهو، ولا يتحمل الإمام عنها، نعم: لو سها الإمام في الأولى، سجدت في آخر صلاتها، [وإن لم يسجد الإمام بعد،] ولو سهت هي فيها لم تسجد؛ لأن الإمام يتحمل عنها، ولو سها الإمام قبل انتهائها إلى حد الاعتدال، فهل يلحقها سهوه؟ قال الإمام: إن قلنا: إن القدوة تنقطع عند رفع الإمام رأسه من السجدة الثانية، لم يلحقهم سهوه، وإلا لحقهم.
قال الرافعي: ولك أن تقول: قد نصوا على أنهم ينوون المفارقة عن الإمام، وأنه يجوز [ذلك] عند رفع الرأس وعند الاعتدال، وإذا كان كذلك فلا معنى لفرض الخلاف في أن الانقطاع يحصل بهذا أو بذاك؛ فإنه ليس شيئاً يحصل

بنفسه، بل هو منوط بنية المفارقة؛ [فوجب قصر النظر على وقتها.
قلت: ويمكن أن يؤخذ مما حكاه الإمام أن نية المفارقة] لا تشترط، [و] حينئذ فلا اعتراض.
وأما الطائفة الثانية: فإنها على المذهب المنصوص تفارق الإمام فعلاً لا حكماً؛ لأنها تعود فتسلم معه، ولو كانت قد فارقته فعلاً وحكمًا، لاحتاجت عند العود إلى نية القدوة، ولم يقل به أحد، كما قال الإمام، وعلى هذا: فإذا سهت في الركعة الثانية تحمل الإمام عنها، ولو سها الإمام لحقهم سهوه، حتى لو لم يسجد سجدت هى فى آخر صلاتها.
وحكى البندنيجي وغيره عن أبي العباس بن سريج وابن خيران: أن القدوة قد انقطعت حكماً أيضاً، وقد حكاه القاضي الحسين عن القفال أيضاً.
فعلى هذا: يكون حكمها في السهو في الثانية وفي سهو الإمام بعد مفارقتها كحكم الطائفة الأولى.
وليس بشيء باتفاق الأصحاب، وبعضهم لم يذكره، وهو جار – كما حكاه الفوراني وشيخه المسعودي – في المزحوم إذا سها في حال انفراده، وفيما إذا سها منفرد ثم لحق بالجماعة، وقلنا بصحة اقتدائه، وقال الإمام: الوجه القطع بأن الإمام لا يتحمل عنه في هذه الصورة؛ لأن القدوة لم تكن حال السهو.
وهذا كله إذا قلنا بطريقة أهل العراق: إن المفارقة تكون قبل التشهد، أو بعده، وقبل السلام، أما إذا [قلنا] بأنها تفارقه بعد السلام- كما حكاه المراوزة- قولاً عن القديم، فلا يتحمل سهوها بعد مفارقته قولاً واحداً، قاله الرافعي، وقد رفع الشافعي على الجديد، فقال في "الأم": "ويشير إليهم بما يعلمون أنه قد سها".
واختلف الأصحاب فيه: فمنهم من قال: أراد بذلك إذا خفى عليهم السهو، مثل: أن كان قد قرأ في غير موضع القراءة، أما إذا كان سهوه ظاهراً فلا يشير، وهذه طريقة أبي إسحاق، ولم يورد في "الحاوي" غيرها، وحكاها البندنيجي عن نصه في "الإملاء".

ومنهم من قال: يشير بكل حال؛ كي لا يغفلوا عن سجود السهو، قال القاضي أبو الطيب: وإنما يمكن الإشارة إذا كان قد واطأهم عليها قبل الصلاة: كأن يقول: إذا رأيتموني أشير بكذا وكذا، فاعلموا أني قد سهوت.
قال ابن الصباغ: وقد يمكن أن يشير إليهم بأن اسجدوا، فيعلموا أن ذلك للسهو؛ لأن السجود الذي يأمرهم به لا يكون إلا للسهو، وقد أشار القاضي الحسين إلى الكلامين، فقال: قلما يعرفون أنه سها ما لم يواطئهم على ذلك قبل الصلاة.
فرع: يستحب للإمام أن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى سورة "سبح اسم ربك الأعلى" وما أشبهها.
كما نص عليه في "الأم" قال: "فإن قرأ "قل هو الله أحد" أو قدرها من القرآن، لم أكرهه، وقال في موضع آخر: "إنه يقرأ سورة قصيرة".
قال: وهل يقرأ في حال الانتظار- أي: للفرقة الثانية- ويتشهد- أي: في حال انتظاره للفرقة الثانية أيضاً- أم لا؟ فيه قولان.
هذا الفصل ينظم مسألتين: إحداهما: إذا فارقت الطائفة الأولى الإمام؛ ففي حال إتمامها الصلاة لنفسها وإلى أن تحرم معه الطائفة الثانية: هل يقرأ الفاتحة والسورة، [أو] لا يقرأ حتى تحرم الثانية معه؟ الذي قاله في "الأم" و"الإملاء" ونقله البويطي- كما قال أبو الطيب وغيره-: أنه ينتظرهم وهو يقرأ، ونقل المزني أنه لا يقرأن وإذا جاءت الطائفة الثانية قرأ بهم، وعبارة الإمام وطائفة- في حكاية ما نقله المزني- أنه يقرأ بالطائفة [الثانية] إذا لحقت به أم القرآن وسورة، وقد حكى الماوردي ذلك عن نصه في "الأم"، وهو يتضمن أنه في قيامه وانتظاره لا يقرأ الفاتحة، واختلف الأصحاب في المسألة على طرق: إحداها: أن المسألة على قولين؛ عملاً بالنصين، وهي طريقة الشيخ وشيخه [القاضي] أبي الطيب: أحدهما: لا يقرأ حتى تحرم الثانية؛ طلباً للتسوية بين الطائفتين، وعلى هذا: إن شاء سكت إلى أن تحضر الطائفة الثانية، وإن شاء

اشتغل بذكر آخر.
والثاني- وهو الصحيح في "الكافي" وغيره-: أنه يقرأ؛ لأن القيام ركن يجب فيه القراءة؛ فلا يجوز السكوت عنها فيه، ولا الاشتغال بغيرها من الأذكار؛ لأنه ليس محلاً له، فعلى هذا: يقرأ الفاتحة وهي فرضه، ثم يقرأ بعدها ما شاء من القرآن بقدر ما تحرم الطائفة الثانية بالصلاة وتقرأ الفاتحة، وكذا سورة قصيرة.
كما قاله البندنيجي، وقد حكى القاضي الحسين ذلك عن رواية الربيع، فإن لم يفعل ذلك، بل قرأ الفاتحة وسورة قصيرة، ولما أحرمت الثانية خلفه ركع- قال في "الأم": ركعوا معه وأجزأهم، قال الشيخ أبو حامد: ولكنه ترك سنة صلاة الخوف، وكذا الحكم فيما لو ركع قبل أن تلحقه، ثم لحقته في الركوع.
قاله في "الحاوي".
والطريقة الثانية: تنزيل النصين على حالين: فالموضع الذي قال: "يقرأ"، أراد إذا أراد تطويل القراءة.
والموضع الذي قال: لا يقرأ، إذا أراد تقصير القراءة، وهذه الطريقة تعزى إلى أبي إسحاق.
والطريقة الثالثة: أن المسألة على قول واحد، وهو ما رواه الربيع، والمزني غلط فيما نقله، ولفظ الشافعي: "يقرأ بعد إتيانهم بقدر أم القرآن وسورة قصيرة"، ولم يقل: إنه يقرأ بأم القرآن.
وهذه طريقة الصيدلاني.
المسألة الثانية: إذا فارقته الطائفة الثانية قبل أن تتشهد – كما هو الصحيح- لتأتي بما عليها، ثم تلحقه فتسلم معه، [فهل يتشهد قبل أن تلحقه، أو لا يتشهد حتى تجلس معه؟] فيه طريقان، كما ذكر الشيخ وغيره: إحداهما: فيه القولان.
كما في القراءة، ولم يورد في "الحاوي" غيرها، وصحح القول بأنه يتشهد، وقال –تفريعاً عليه-: إنهم إذا أتوا تشهد، وسلم [بهم].
وقيل: يتشهد قولاً واحداً، وهذه الطريقة صححها الريواني في "تلخيصه"، والفرق بينه وبين

الفرقتين؛ لأنه قرأ مع [الأولى فكذا ينبغي أن يفعل] مع الثانية، ولا كذلك التشهد؛ فإن الطائفة الأولى لم تدركه معه؛ فكذا الثانية طلباً للتسوية.
ثم هذا الخلاف في الصورتين خلاف في الاستحباب بلا خلاف.
فرع: أقل طائفة يستحق للإمام أن يصلي بها صلاة الخوف عند اشتغال الجيش بالقتال ثلاثة أنفس، نص عليه؛ لقوله تعالى عند ذكر الطائفة الأولى: ﴿وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: 102]، فعبر عنهم بواو الجمع، وكذا يفعل في الطائفة الثانية؛ حيث قال: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102]، وأقل ما يعبر بواو الجمع عن ثلاثة، وقد استعمل الله – تعالى- في كتابه العزيز الطائفة في الجمع الكبير والجم الغفير في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9] واستعملها في [أربعة في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]، واستعملها في] الواحد في قوله: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: 122] [ثم] قال الشافعي: وأكره أن يصلي بأقل من ذلك، وأن يحرسه أقل من ذلك.
قال القاضي الحسين: [و] لم يرد بذلك أن العسكر كلهم ستة نفر، ولكن [كأنه] يقول: إن شغل أكثر الناس بالقتال، فأقل من يصلي بهم ثلاثة، وإن شغل أكثر الناس بالصلاة، فأقل من يحرس ثلاثة، حتى لو كان ثَمَّ شِعب أو مضيق، فقال [قائل] واحد من الشجعان: أنا أسد هذا الشعب لكم، فاشتغلوا بالصلاة – جاز، ولكنه يكره.
[وقال القاضي أبو الطيب: معناه: أنه إذا كان مع الإمام ستة أنفس- لم يكره] أن يصلي بهم صلاة الخوف، فيجعل ثلاثة منهم بإزاء العدو، ويصلى بثلاثة، فإن كانوا خمسة – كره [له] أن يصلي بهم صلاة الخوف، لكن يصلي ببعضهم جميع صلاته، ويقفون في مواقف أصحابهم حتى ينصرفوا، فيصلوا لأنفسهم جماعة.

تنبيه: احترز الشيخ بقوله: "إذا كان العدو في غير جهة القبلة" عما إذا كان في جهتها، وسنذكره.
واحترز بقوله: "ولم يأمنوا" عما إذا أمنوما، فإنه لا يصليها؛ لأن الخوف لم يتحقق، فلو صلاها فهل تصح؟ فيه كلام سنذكره في آخر الباب، إنش اء الله تعالى.
ثم الأمن يفرض في صور: إحداها: أن يبعدوا عن القوم، بحيث يعلم أنهم لو راموا الوصول إليهم بإيذائهم في الصلاة، لم يقدروا على ذلك، وكذا لو كان بينهم خندق أو ما يمنع من ذلك.
والثانية: أن يكون العدو شرذمة يسيرة لا يخشون.
والثالثة: أن ينهزم العدو منهم، ولا يخافون رجوعه عليهم، وهو غاية الأمن، وقد نص على المنع في هذه الحالة الشافعي.
وإذا امتنعت صلاة الخوف في هذه الأحوال، فصلاة شدة الخوف أولى؛ لأنها في منافاة الصلاة أشد، وقد أشار الشيخ إلى ذلك في بعض الصور في آخر الباب.
قال الأصحاب: ولا فرق في ذلك بين أن يعلم أنه إذا صلى متمكناً فاته مال العدو الكافر أو لا؛ إذ لا خوف، وإنما هو فوات مطلوب لم يحصل.
فإن قيل: قد حكي عن القفال احتمال ثلاثة أوجه فيما إذا قرب فوات الوقوف، وعلى المحرم بالحج صلاة لو أتى بها متمكناً لفاته الحج، ولو سعى للوقوف لخرج وقت الصلاة- أقامها في "الوسيط" أوجهاً: أحدها: أنه يترك الصلاة، لأجل تحصيل الوقوف؛ فإن قضاء الصلاة ممكن، وأمر الحج خطير، وقضاؤه ليس بالهين.
والثاني: أنه يصلي؛ فإن الصلاة [تلو] الإيمان، ولا سبيل لتخلية الوقت عنها؛ فإنه لا يسقط الخطاب بها مع بقاء التكليف.
والثالث: أنه يصلي صلاة شدة الخوف ماشياً؛ ليكون جامعاً بين التسرع

للحج وبين إقامة الصلاة.
فعلى هذا: ما الفرق مع أن الصلاة في هذه الحالة لأجل تحصيل مطلوب؟ قلنا: قد فرق الإمام بينهما بأن الحج في حكم شيء حاصل في حق المحرم، والفوات طارئ عليه؛ فأشبه ما إذا خشي على ماله فقط، فهرب به؛ فإن له أن يصلي صلاة شدة الخوف، كما سنذكره.
وقد ضعف بعضهم هذا الفرق؛ لأنه يمكن أن يقال: العدو الكافر إذا انهزم، وأمكن إدراكه صارت أمواله كالحاصلة في يد المسلمين، وفيه بعد.
واحترز الشيخ بقوله: "وقتالهم غير محظور" عن قتال أهل البغي أهل العدل، وقطاع الطريق أهل القافلة؛ فإنه لا يشرع لأهل البغي وقطاع الطريق صلاة الخوف؛ لأنها رخصة فلا تناط بالمعاصي، ومن طريق الأولى ألا يصلوا صلاة شدة الخوف؛ لشدة منافاتها الصلاة، وهكذا الحكم في المنهزم من المسلمين من الكفار إذا كان انهزامه محرماً، كما ستعرفه في قتال المشركين، فلو صلّيت في هذه الأحوال، كان الحكم في صحتها وبطلانها، كما إذا فعلت في الأمن، وسنذكره.
[وقد أفهم قوله هذا أنه لا فرق في جواز فعلها عند القتال الذي ليس بمحظور بين أن يكون القتال واجباً: كقتال الكفار، وكذا من يقصد إذهاب النفس أو الحريم على الأصح، أو يكون مباحاً كقتال من يطلب ماله فقط، وهو في الأولى غني عن التعليل، ووجهه في الثانية: أن السفر المباح كالسفر الواجب في إباحة الرخص؛ فوجب أن يكون القتال كذلك].
وقد اقتضى كلام الشيخ: أنه لا فرق فيما ذكره بين الجمعة وغيرها؛ إذ كلامه مفروض فيما إذا كانت الصلاة ركعتين، وذلك يفرض في الصبح سفراً وحضراً، وفي الجمعة في الحضر، وفي الظهر والعصر والعشاء سفراً مع نية القصر، وفيها تكلم الشافعي، [ولأجل ذلك] عد ابن الصباغ من شروط

صلاة الخوف وراء ما ذكره الشيخ: أن تقع في السفر، وليس الأمر كما قال؛ فإن صلاة الصبح تصلي صلاة الخوف في الحضر، وأما صلاة الجمعة: فإن وقع مواجهة العدو خارج البلد لم تقم؛ لأنها لا تقام خارج البلد، وإن وقعت والقوم في البلد، والعدو على بابها، فقد حكى ابن الصباغ وغيره عن الشافعي: أن الإمام إذا أراد أن يصلي بهم صلاة الجمعة في هذه الحالة- فرقهم فرقتين، فيصلي بكل فرقة ركعة، ثم تفارقه، وتتم لنفسها، ثم تأتي الطائسفة الأخرى، فيصلي بها الركعة الأخرى، ثم تتم في حكم إمامته ولا تجهر بالقراءة، والأولى تجهر؛ لأنها منفردة، وقد عزا الروياني في "تلخيصه" هذا النص إلى "الأم".
واختلف الأصحاب في ذلك على طريقين: منهم من قال: هذا منه جواب على أحد القولين في أن انفضاض القوم بجملتهم في الركعة الثانية، لا يبطل الجمعة.
أما إذا قلنا: يبطلها، فلا تصلى كذلك؛ بل لا بد أن يبقى مع الإمام أربعون ممن سمع الخطبة وصلى معه الركعة الأولى.
ومنهم من قال: بل ذلك جائز على القولين معاً؛ لأنهم ها هنا معذورون في فراق الإمام، بخلاف الانفضاض.
وهذه الطريقة لم يورد المتولي غيرها.
ثم هذا إذا كانت الطائفة الأولى قد سمعت الخطبة وهم أربعون، فلو سمعها أربعون، وخرجوا إلى وجه العدو، وصلى بأربعين غيرهم الركعة الأولى -لم تصح وجهاً واحداً، وكذا لو كانت الطائفة الأولى دون الأربعين [وقد سمعوا الخطبة، ولو كانت الطائفة الثانية دون الأربعين] ففي الصحة الطريقان: طريقة الشيخ أبي حامد: أن ذلك لا يضر، وطريقة غيره: فيهم قولا الانفضاض.
واغتفر الأصحاب على قول الصحة - كيف فرض الأمر- إحرام الطائفة الثانية [بها] بعد سلام الأولى، وإن كان مذهبهم ألا تقام جمعة بعد أخرى؛ [لكون الإمام] لم يتحلل بعد، وهذا ما أورده العراقيون.
وفي "النهاية" ما يقتضي خلاف ذلك؛ فإنه قال: إذا أراد الإمام إقامة الجمعة

على صفة صلاته بذات الرقاع – كما رواه ابن خوات – فقد اختلف الأصحاب فيه: فذهب بعضهم إلى إلحاقها بالصبح والظهر والعصر فيما ذكرناه؛ لمكان العذر، وقال: إن الانفضاض إنما يقدح فيها إذا كان بغير عذر.
ومنهم من قال: لا تصح إلا بالشرائط المرعية فيها.
[قال]: وعلى هذا: إذا فعلت كما وصفنا، فالإمام في الركعة الثانية منفرد إلى حيث تقدم الطائفة الثانية، فإن قلنا: إن الانفضاض في هذه الحالة لا يقدح في صلاته، فينبغي ألا تصح صلاة الطائفة الأولى؛ فإنهم وإن صلوا ركعة في جماعة فقد انفردوا في الركعة الثانية، ولو فرض انفراد قوم بركعة حالة الاختيار قصداً، فلا مساغ لهذا، [و] في كلام أئمة العراق ما يشير إلى تردد في ذلك في حق المختارين، إذا صلوا ركعة مع الإمام؛ تخريجاً على الانفضاض، وهذا بعيد جداً.
ولو أراد الإمام أن يصلي بهم على النحو الذي رواه ابن عمر، وقلنا بأنها تصح كما هو الصحيح- فهو أولى بالجواز، وصلاة عسفان كذلك، وأما صلاة بطن النخل فلا تجوز بالنسبة إلى الطائفة الثانية قولاً واحداً؛ لأن في صحتها القول بصحة جمعة بعد جمعة.
والله أعلم.
قال: وإذا كانت الصلاة مغرباً، صلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، في أحد القولين؛ لأن ذلك أقرب إلى المساواة بين الطائفتين؛ إذ كل واحدة منهما تتشهد تشهدين، ولو قلنا بالعكس لأدى إلى تطويل الصلاة على الطائفة الثانية؛ لأنها تحتاج أن تجلس معه للتشهد جلستين في ركعتين: أما الأول فلمتابعته، وأما الثاني فلأنه بعد ثانيتها وتجلس للتشهد الأخير؛ فكان الأول أولى.
قال الماوردي: [ولأنه] لا بد له أن يصلي بطائفة ركعتين، [وبالأخرى ركعة؛ فكان صلاته بالأولى ركعتين] أولى؛ لوجهين: أحدهما: أن لها حق السبق.

والثاني: أن أول الصلاة أكمل من آخرها؛ لما تضمنته من قراءة السورة بعد الفاتحة، فلما اختصت الأولى بأكمل الطرفين، وجب أن تختص بأكمل البعضين، وهذا ما نص عليه في "الأم"، ولفظه فيه- كما قال الروياني في "تلخيصه"-: "فإن صلى بالطائفة الأولى ركعة، وبالثانية ركعتين، أجزأه- إن شاء الله تعالى- وأكره له ذلك".
وقد نقله في "المختصر"، وهو الأصح في "المهذب" وغيره، وحكى الروياني طريقة قاطعة به، ولم يحك الماوردي، والقاضي الحسين، والغزالي في "الوجيز"، وكذا صاحب "الكافي" غيرها، وعلى هذا: متى تفارقه الطائفة الأولى؟ قال الجمهور: إنها تفارقه بعد التشهد، وهل الأولى أن ينتظر الإمام الثانية جالساً أو قائماً؟ فيه قولان، أصحهما: الأول.
وقال البندنيجي: في وقت المفارقة قولان ينبنيان على أن الإمام ينتظر الطائفة الثانية في هذه الصورة قائماً أو جالساً، وفيه قولان نص عليهما في "الإملاء": أحدهما: قائماً، وهو ما نقله المزني، وعليه نص في "الأم"، ولفظه: "فإن انتظرهم قائماً فحسن، وإن ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم- فجائز، ووجهه: أن القيام في الصلاة أفضل من القعود فيها، ولأن القيام مبني على التطويل، والجلوس [للتشهد] الأول مبني على التخفيف؛ كان جلوس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه كالجالس على الرضف- وهي الحجارة المحماة – فعلى [هذا] تفارقه بعد القيام.
والثاني: ينتظرها جالساً؛ لأنه إذا فعل ذلك أدركت معه تمام القيام، وإذا انتظرهم قائماً فاتهم معه بعض القيام، فعلى هذا: يحرمون وهو جالس، فإذا كبر لقيامه كبروا معه بعد إحرامهم تبعاً له، قاله الماوردي والبندنيجي.
وعلى هذا: تفارقه الأولى بعد التشهد.
وقد نسب ابن الصباغ إثبات الخلاف في أنه ينتظرها قائماً أو جالساً إلى أبي حامد، وقال: إنه ليس بصحيح؛ بل هما على السواء، وقد دل على ذلك نصه في "الأم".

وإذا صلت معه الطائفة الثانية الركعة الثالثة، وجلس للتشهد- فارقته قبل أن يتشهد على المذهب الصحيح.
وهل يتشهد الإمام قبل أن تعود إليه أو ينتظرها؟ فيه القولان، قال الروياني في "تلخيصه": ولا تجيء الطريقة الجازمة بأنه يتشهد قبل مجيئهم؛ لأنه يؤدي إلى تفويت فضيلة عليها، وقد أدركت الأولى مع الإمام فضيلة التشهد الأول.
قال: وفي القول الآخر يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين؛ لأن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – "هكذا صلاها بصفّين ليلة الهرير"، ولأنه لابد أن تكون صلاته مع إحدى الطائفتين أزيد منها مع الأخرى؛ فيجب أن يكون ذلك مع الطائفة الثانية؛ لتحصل التسوية بين الفريقين؛ فإن الأولى حازت فضيلة أول الصلاة، وهذا ما قاله في "الإملاء"، وقد حكاه الإمام عن رواية بعض المصنفين، وقال: إنه مزيف لا أعده من المذهب.
فعلى هذا: تفارقه الطائفة [الأولى] في الوقت الذي تفارقه لو كانت الصلاة ركعتين، وقد تقدم، والإمام ينتظر الثانية قائماً وجهاً واحداً، ولو انتظرها جالساً كان كما لو انتظر الثانية جالساً والصلاة ركعتين، وقد قال الأصحاب: إنه إن كان جاهلاً بأن ذلك لا يجوز لا تبطل، وإن كان عالماً بأن ذلك لا يجوز بطلت صلاته، وصلاة الطائفة الأولى صحيحة إذا نوت مفارقته، وكذا الطائفة الثانية إن جهلت بطلان صلاته؛ كالصلاة خلف المحدث، وباطلة إن علموا بطلان صلاته.
قال البندنيجي: قال الربيع: وفيها قول آخر: إذا كان الإمام أفسد صلاته عامداً، بطلت صلاة من خلفه؛ علم بذلك أو لم يعلم، وهذا [لا] يجيء على قوله.
قال البندنيجي: وما رأيت أحداً من أصحابنا حكاه.
والطائسفة الثانية تفارقه ها هنا بعد التشهد قولاً واحداً، حكاه البندنيجي، وهذا الخلاف في الأفضلية.
قال: وإن كانت الصلاة رباعية، وهي: الظهر، والعصر، والعشاء، إذا فعلت في

الحضر، أو [في] السفر وأرادوا الإتمام، كما قاله الروياني - صلى بكل طائفة ركعتين؛ لأن صلاة الخوف كما تجوز في السفر تجوز في الحضر، لعموم الآية.
فإن قيل: الآية تقتضي ذلك إذا كانت الصلاة ركعتين، وهي صلاة السفر.
قلنا: لا يتعين [مع] كونها ركعتين أن تكون صلاة السفر؛ لأن الصبح والجمعة ركعتان في الحضر؛ فيجوز أن يكون [ذلك هو المراد] بالآية.
فإن قيل: الصلاة الرباعية يطول الانتظار فيها؛ لأنها إذا كانت ركعتين انتظر بقدر ركعة، وفي الرباعية ينتظر بقدر ركعتين.
قيل: انتظار الركعة يجوز أن يكون بقدر انتظار الركعتين؛ إذ لا ضبط فيه؛ فإن المأموم يجوز أن يطول القراءة.
فإذا ثبت ذلك فرقهم الإمام فرقتين، وصلى بكل طائفة ركعتين- كما قال الشيخ- طلباً للتسوية مع إمكانها، ويتشهد بكل طائفة تشهداً، وهذا مما لا خلاف فيه؛ لما ذكرناه.
لكن هل يستحب له انتظار الثانية جالساً أو قائماً في الثالثة؟ فيه القولان، قاله الماوردي.
قال فإن فرقهم أربع فرق، [أي:] لكون العدو ستمائة والقوم أربعمائةن كما قاله البندنيجي وأبو الطيب والإمام - لم يكن له ذلك، كما أفهمه كلام الماوردي؛ حيث قال: إذا أراد الإمام ذلك [منع]، فإن فعل فقد أساء.
وقال الرافعي: إنه نص عليه، وإن القول بالإساءة يشعر بالتحريم.
قال: وصلى بكل فرقة ركعة، أي: وأتمت لنفسها باقي صلاتها؛ وذلك مثل: أن يصلي بمائة ركعةً، فإذا قام إلى الثانية فارقته وأتمت الصلاة، وانتظر الثانية، وقرأ أو ترك القراءة على الخلاف السابق، ثم صلت معه مائة أخرى [الركعة الثانية، فإذا جلس للتشهد فارقته على الجديد، وأتمت الصلاة، ثم صلت معه مائة أخرى] الركعة الثالثة، وفارقته عند قيامه إلى الرابعة، وأتمت لنفسها، وقرأ

هو أو ترك القراءة على الخلاف، ثم اقتدت به المائة الباقية في الركعة الرابعة، فإذا جلس للتشهد الأخير، قامت لتتم، أو تجلس معه على القول القديم، فإذا فعلوا ذلك ما حكم صلاتهم؟ قال الشيخ: ففي صلاة الإمام قولان- أي: منصوصان في "الأم" و"المختصر"-: أحدهما: أنها صحيحة، وهو الأصح؛ لأن الموجود منه مخالف لما أمر به؛ لأنه طول قيامه وتشهده، وذلك لا يبطل الصلاة في حال الاختيار، فها هنا أولى؛ إذ المسألة مصورة بما إذا دعت الحاجة إليه، كما ذكرناه عن البندنيجي وغيره.
وإن لم يكن كذلك – كما أفهمه كلام الماوردي – فهو عند عدم الحاجة كالصلاة في حالة الأمن، وبه صرح الإمام، وقد قلنا: إن ذلك لا يبطل، ولأنه لو انتظر في ركوعه داخلاً في صلاته في صلاة الأمن، لم تبطل، وإن كان الشرع لم يرد بمثله فلألا تبطل بانتظار ورد الشرع بمثله أولى، قال الإمام: ولأن انتظار الطائفة الثانية في معنى انتظار الطائفة الثالثة، وقد تمهد – أي: عند الكلام في الغسل من ولوغ الكلب- أن ما لا يجوز القياس فيه [يجوز أن] يلحق بالمنصوص ما في معناه، وهذا القول قد جزم به في "الإملاء".
وعلى هذا قال الشيخ: و [في] صلاة المأمومين قولان، أي: منصوصان في "الأم" و"الإملاء": أحدهما: أنها تصح.
والثاني: تصح صلاة الطائفة الأخيرة، وتبطل صلاة الباقين.
وحقيقة ما ذكره الشيخ يرجع إلى أن صلاة الطائفة الأخيرة صحيحة قولاً واحداً؛ لأنها اقتدت بمن صلاته صحيحة، ولم يصدر منها فعل يخالف وضع الصلاة في حال الخوف؛ فصحت، وما عداها: هل تصح صلاتهم، أو تبطل؟ فيهم [قولا المفارقة] بغير عذر، والمنصوص منهما في "الأم": عدم البطلان، كما قاله البندنيجي، وكذلك هو فيها في المسألة التي نحن فيها، والمنصوص في "الإملاء": البطلان، وكذا هو منصوص فيه في مسألتنا أيضاً، وإنما قلنا: إن هذه

مفارقة بغير عذر؛ لأن الطائفة الأولى في الصلاة المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فارقت النبي صلى الله عليه وسلم في نصف صلاتهم، وكل من هؤلاء الطوائف فارق الإمام قبل ذلك، ومنهم من قال: لا تبطل صلاتهم قولاً واحداً؛ لأنهم معذورون؛ فإن إخراج أنفسهم لم يكن إلى اختيارهم، ولو أرادوا المقام على الإتمام لم يمكنهم، قال الماوردي: وهذا أظهر، وكلام الشيخ أبي محمد يميل إلى أن ذلك ليس بعذر؛ لأنه قال: إذا منعنا الإمام من انتظار الطائفة الثالثة فلا نقيم لما يجري من العذر وزناً في جواز انفراد القوم؛ فإن هذا على خلاف وضع الشرع.
قال: والقول الثاني: أن صلاة الإمام باطلة؛ لأن الرخصة وردت في انتظارين؛ فلا تجوز الزيادة عليهما؛ ألا ترى أن العمل القليل في الصلاة لا يبطلها، وإذا زاد أبطلها؟! كذا هنا، وأيضاً: فإن مدى انتظاره يطول؟ فإنه كان ينتظر بقدر ركعتين، وصار ينتظر بقدر ثلاث ركعات، لكن في أي وقت يحكم ببطلانها؟ فيه قولان، منصوص، ومخرج: أحدهما- وهو من تخريج ابن سريج-: أنها تبطل بالانتظار الثالث؛ فإنه نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظاران، إلا أنهما كانا للطائفة الثانية، وهما هنا للطائفة الثانية والثالثة؛ فلا تبطل [بهما، فإذا] زاد عليهما بطلت صلاته حينئذٍ؛ لأنه الزائد؛ فعلى هذا تبطل صلاة الطائفة الرابعة فقط.
[والثاني – وهو المنصوص-: أنها تبطل بالانتظار الثاني؛ لمخالفته الانتظار] الثاني في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهين: أحدهما: في المنتظر.
والثاني: في القدر.
أما في المنتظر فهو ظاهر؛ لأنه – عليه السلام- انتظر فيه الثانية، وهنا ينتظر به الثالثة.
وأما في القدر: فلأن النبي صلى الله عليه وسلم انتظر في الركعة الثانية قدر فراغ الطائفة الثانية من ركعة فحسب، والإمام ها هنا ينتظر فراغ الثانية، وذهابها إلى وجه العدو ومجيء الثالثة.

لكن على هذا: هل تبطل بعد مضي [قدر] ركعة من انتظاره الثاني، أو تبطل بمضي الطائفة الثانية؟ فيه وجهان: اختيار الشيخ أبي حامد منهما: الأول.
وعلى هذا القول الذي هو المنصوص فرع الشيخ حيث قال: فتصح صلاة الطائفة الأولى والثانية؛ لأنها تابعت الإمام، وفارقته قبل بطلان صلاته، وتبطل صلاة الطائفة الثالثة والرابعة؛ لأنها اقتدت به بعد [بطلان] صلاته.
وقال في "الروضة": إن في صحة صلاة الطائفة [(الأولى والثانية] على هذا القول أيضاً قولي المفارقة بغير عذر، كما قلنا في الطوائف الثلاث على قول صحة صلاة الإمام، وإنه صرح به جماعة من أصحابنا.
وقد تلخص من تفريع القول بأن صلاة الإمام باطلة: أن صلاة الطائفة الرابعة باطلة قولاً واحداً، وفي الأولى والثانية والثالثة وجهان.
وإذا جمعت بين ما اقتضاه تفريع هذا القول والقول الأول، واختصرت – قلت:- في المسألة – إذا فرقهم أربع فرق، وصلى بكل فرقة ركعة – خمسة أوجه: أحدها: أن صلاة الإمام والمأمومين كلهم صحيحة.
والثاني: أن صلاة الكل باطلة، وقد حكاه في طالروضة" هكذا.
والثالث: أن صلاة الإمام صحيحة، وكذا الطائفة الرابعة دون الأولى والثانية والثالثة.
والرابع: أن صلاة الإمام باطلة، وكذا الطائفة الرابعة، وصحت صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة.
والخامس: أن صلاة الإمام والطائفة الثالثة والرابعة باطلة، وصلاة الطائفة الأولى والثانية صحيحة.
وعن القاضي أبي الطيب أنه قال، في صحة صلاة الطائفة الأولى والثانية مع القول ببطلان صلاة الإمام: ما يعرفك أن الإنسان إذا نوى بعدما أحرم بالصلاة أن يفعل ما يبطل الركعة الثالثة والرابعة، لا تبطل صلاته في الحال، وأن من قال ببطلانها في الحال من الأصحاب فقد أخطأ.
ثم ما ذكرناه من بطلان صلاة المأمومين مخصوص بما إذا علموا ذلك، [أما

إذا لم يعلموا] فلا تبطل، وبأي شيء يعتبر علمهم؟ قال ابن الصباغ- تبعاً لأبي الطيب-: فيه وجهان: أحدهما: أن يعلموا بتفريقه الطوائف، ولا يعتبر علمهم بأن ذلك مبطل، كما إذا علموا أنه جنب، وعبارة القاضي: أن يعلم أن الإمام ينتظر من لا يجوز انتظاره.
والثاني: أن يعلموا أن ذلك مبطل، ويفارق الجنب؛ لأن كل أحد يعلم أن الإمام ينتظر من لا يجوز انتظاره، وأن ذلك مبطل، بخلاف ما نحن فيه.
وما ذكرناه من بطلان صلاة المأمومين – تفريعاً على القول بصحة صلاة الإمام – مخصوص بما إذا علموا أن مفارقة الإمام بغير عذر مبطلة، أما إذا لم يعلموا ذلك فلا تبطل، وقال الإمام: في حالة العلم بالبطلان نظر؛ من حيث إنهم انفردوا عمن صلاته باطلة في علم الله – تعالى – وكذا من اقتدى بجنب على جهل، ثم فعل الانفراد عنه، ثم تبين آخراً حقيقة الحال، وينقدح في البطلان تردد ينبني على أن حكم القدوة هل يثبت إذا كان الأمر هكذا؟ وفيه خلاف مذكور فيما إذا كان إما مالجمعة جنباً، وأدرك المسبوق الإمام في ركوع ركعته، والإمام محدث.
قال: ويجوز أن يقال: إذا منعنا المقتدي من المفارقة، فانفراده ببقية صلاته – والإمام جنب- غير سائغ من جهة قصد المقتدى وإضماره مخالفة من يعتقده إماماً.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون العدو في جهة واحدة، أو [في] جهتين، أو ثلاث، أو أربع؛ فإنا حيث قلنا: إن الصلاة صحيحة، يفرقهم فيما إذا كان العدو في أربع جهات أربع فرق، [وحيث] قلنا: إنها لا تصح، يصلي في هذه الصورة بكل فرقة كل الصلاة، ويكون ما عدا الأولى في حق الإمام نافلة، قاله البندنيجي.
ولو كانت المسألة بحالها، لكن فرق الإمام الناس فرقتين، فصلى بالأولى ركعة، وبالأخرى ثلاث ركعات، أو عكس ذلك – قال في "الحاوي": فهو

[مسيء، وصلاة] جميعهم جائزة.
وهذا ما نص عليه في "الأم؛" فإنه قال: "فإن صلى بطائفة ثلاث ركعات، وطائفة ركعة – كرهت ذلك له، ولا تبطل صلاته؛ لأن الإمام لم يزد في الانتظار".
وفي "التتمة": أنا إذا قلنا: لا تبطل صلاته فيما إذا فرقهم اربع فرق، فالشرع [قد] جعل له أن ينتظر بعد الركعة الثانية، وقد نقل الانتظار إلى غير محله، وهو ما بعد الثالثة، أو بعد الأولى؛ فينبني على من قنت في الركعة الأولى من الصبح أو في آخر صلاة أخرى، وأما صلاة الطائفتين فعلى ما سبق ذكره في أصل المسألة.
وعلى النص قال في "الإملاء": إن الإمام يسجد سجدتين للسهو، وكذلك الأخرى؛ لأنه وضع الانتظار في غير موضعه.
وقد حكاه الروياني في "تلخيصه" عن نصه في "الأم"، [ثم قال]: وهذا يدل على أن العامد كالساهي في سجدتي السهو.
ثم قال: قال أصحابنا: ويجب – على قياس هذا- إذا فرقهم أربع فرق [أن يسجد] سجدتي السهو أيضاً؛ لأنه وضع الانتظار في غير موضعه.
قال الماوردي: ولو فعل مثل ذلك في المغرب، لم يلزمه سجود السهو، والفرق: أن المغرب في العدد لا يمكن تنصيفها؛ فأدى ذلك إلى تفضيل إحدى الطائفتين اجتهاداً، فسقط سجود السهو لمخالفته، ولما استويا في الظهر شرعاً لا اجتهاداً، لزم سجود السهو؛ لمخالفته.
فرع: لو فرقهم في المغرب ثلاث فرق، وصلى بكل فرقة ركعة، قال القاضي الحسين: فصلاة الطائفة الأولى والثانية صحيحة، وفي صلاة الثالثة قولان؛ [أي]: المنصوص، والمخرج: فعلى المنصوص تبطل، وعلى المخرج: لا.
قال: وإن كان العدو في جهة القبلة يشاهدون في الصلاة، أي: بأن يكونوا في أرض مستوية، وفي المسلمين كثرة- أحرم بالطائفتين، وسجد معه الصف الذي يليه، فإذا رفعوا رءوسهم- أي: وقاموا- سجد الصف الآخر، أي: وقاموا، وقرأ بهم جميعاً، وركع ورفع منه بهم جميعاً، فإذا سجد في الثانية حرس الصف

الذي سجد في الأولى، وسجد الصف الآخر، فإذا رفعوا رءوسهم سجد الصف الآخر؛ لأن هذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، رواه أبو داود عن أبي عياش الزرقي، وكذا النسائي والبيهقي، وأخرجه من طريق آخر بإسناد أجود منه عن مجاهد، ورواه مسلم، عن عطاء عن جابر بن عبد الله، ولفظه قال: "شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصفنا صفين [: صفٌّ] خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والعدو بينه وبين القبلة، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعاً، ثم ركع وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع، فرفعنا جميعاً، ثم انحدر – عليه السلام- بالسجود والصف الذي يليه، وأقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود، قام الصف الذي يليه، وانحدر الصف المؤخر بالسجود،

وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه- انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعاً"، قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم.
ومراده بتقدم [الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم: أن الصف الذي يليه تأخر إلى مقام الآخرين]، وتقدم [الصف] الأخير إلى مقام الصف الأول، كما دل عليه بقية الخبر، وقد جاء هكذا مفسراً في رواية أبي داود، عن أبي عياش، وقد روى أبو داود، وغيره أنه – عليه السلام- صلاها كذلك يوم بني سليم.
وعسفان: قرية جامعة بها منبر، على ستة وثلاثين ميلاً من "مكة"، سميت "عسفان"؛ لعسف السيول فيها، كذا ذكره الشيخ زكي الدين في "حواشيه"، وهو مغاير لما ذكرناه عن الشافعي في الباب قبله.
فإن قلت: قد دل الحديث على انتقال الصف الثاني إلى موضع الصف الأول، والصف الأول إلى موضع الصف الثاني، فهل تقولون به؟ قلنا: نعم، وقد نص عليه الشافعي، كما ستعرفه؛ لأن هذا الفعل قليل، وقد ثبت بالسنة.
ثم ما ذكره الشيخ من الكيفية ها هنا قد ذكره في "المهذب" أيضاً، وهو اختيار الشيخ أبي حامد، وقال: إنه يجب أن يكون المذهب؛ لأن الشافعي قال: "إذا رأيتم قولي مخالفاً للسنة، فاطرحوا قولي في الحش" وقد صح الخبر، والذي نقله المزني عن الشافعي خلافه؛ فإنه قال: إذا كانت الصورة كما ذكرنا، صلى بهم جميعاً، وركع [بهم جميعاً]، وسجد بهم جميعاً، إلا صفاً يليه أو بعض صف ينظرون العدو- أي: إذا كان في بعض الصف كفاية في الحراسة- فإذا قاموا

بعد السجدتين سجد الذين حرسوا، فإذا ركع ركع بهم جميعاً، فإذا سجد سجد معه الذين حرسوه أولاً، إلا صفاً أو بعض صف يحرسونه منهم، فإذا سجدوا سجدتين وجلسوا، سجد الذين حرسوه.
وهذا يقتضي أن الحارس أولاً الصف الذي يليه، والحارس ثانياً الصف الآخر، وهو على العكس مما قاله الشيخ، وقد اتبع القاضي أبو الطيب، والحسين، والماوردي، والإمام، وغيرهم المزني فيما نقله، ولم يحكوا سواه، وقال الماوردي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا صلاها بعسفان، كما رواه أبو الزبير عن جابر، وعكرمة عن عبد الله بن عباس، وكذا قال القاضي الحسين ومن بعده: إنه – عليه السلام- فعلها كذلك بعسفان عام الحديبية سنة ست من الهجرة، وقالوا: إن الافعي قال: "لو أن الصف الأول تأخر في الركعة الثانية إلى مكان الصف الثاني، وتقدم الثاني إلى مكان الأول؛ ليكون من يحرس أبداً هو الصف الأول – فلا بأس"، ولأجل ذلك قال البندنيجي: إن المختار هو الترتيب الأول، [أي]: الذي نقله المزني، والجائز هو الترتيب الثاني، وادعى الماوردي أن الثاني أولى؛ لأمرين: أحدهما: أن الحرس يكون أقرب إلى العدو.
والثاني: أنهم أقدر على حراسة الجميع.
وغيره وجهه بأنه إذا فعل ذلك ستر المسلمين عن أبصار العدو؛ فلا يعرفون قدرهم ولا صفتهم، وقد حكى ابن الصباغ ما قاله المزني وغيره من نص الشافعي، ثم قال في آخر الفصل: والأولى اتباع الخبر، أي: كما قاله أبو حامد.
واختار الرافعي طريقاً آخر، فقال: ما نقل [من] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاها على النحو الذي ذكره في "المختصر" لم ينقله أحد من أصحاب الأسانيد؛ بل

الذي رواه مسلم وابن ماجه وغيرهما ما ذكره الشيخ أبو حامد، غير أنه جاء في بعض الروايات أن طائفة سجدت معه، ثم في الركعة الثانية سجد معه الذين كانوا قياماً، وهذا يحتمل الترتيبين جميعاً، والشافعي لم يقل: إن الكيفية التي ذكرها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان، ولكن قال: وهذا نحو صلاته- عليه السلام- يوم عسفان.
فالأشبه [تجويز] كل واحد منهما؛ إذ لا فرق في المعنى، وقد صرح به الروياني وصاحب "التهذيب" وغيرهما.
قلت: لكن الروياني أبداه في "تلخيصه" احتمالاً لنفسه، وقد وافق الجمهور على أن الحراسة إنما تكون في السجود دون الركوع؛ للخبر، والمعنى فيه: أن الراكع يمكنه المشاهدة، بخلاف الساجد، وحكى أبو الفضل بن عبدان: أن من أصحابنا من قال: يحرسون في الركوع أيضاً.
قال الرافعي: وفي بعض الروايات ما يدل عليه.
فرع: إذا كان الحارس في الركعتين طائفة واحدة، فقد قال في "الأم": "رجوت أن يجزئهم، ولا إعادة عليهم، ولو أعادوا كان أحب إلي"، كذا حكاه البندنيجي، وقال لأجله: إنه جائز، والأولى خلافه.
وحكى غيره وجهاً آخر: أن صلاتهم باطلة، وأن أصل الخلاف ما إذا زاد الإمام انتظاراً في [الصلاة] الرباعية؛ حيث فرقهم أربع فرق، وهو من تخريج القاضي الحسين، كما ذكره في "تعليقه"، وكذلك أثبت الإمام الخلاف في المسألة وجهين، والغزالي حكاه قولين، والأصح في "الكافي" وغيره الجواز.
قال الرافعي: ولم يورد جماعة سواه.
ووجه الإمام مقابله: بأن المتبع في تغايير وضع الصلاة: النصوص، وما يصح النقل فيه، وقد صحت الحراسة على التناوب، وفيه معنى معقول؛ فإن في الحراسة تخلفاً عن الإمام بأركان، فإذا تناوب فيها القوم قل التخلف من كل فريق، وإذا تولاها قوم في الركعتين جميعاً كثر تخلفهم، وكانوا خارجين عن اتباع الشارع.
وقد حكى القفال نص الشافعي في المسألة على نحو آخر، فقال عنه: إنه قال: "لو

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل