كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 406-445
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحدود

صفحات 406-445
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يجعل ذلك شبهة للإسقاط.
وحكى الماوردي في "الأحكام": أنه إذا شرب ذلك للتداوي لا يحد،] بخلاف ما إذا شربه؛ للعطش.
و [لو] لم يعلم الشارب بأن ما شربه مسكر فلا حد عليه، وكذا لو علم [بانه مسكر] ولم يعلم [تحريم الشرب]؛ لقرب عهده بالإسلام [ونحوه]، ولو علم التحريم وجهل وجوب الحد، حد.
قال: فإن كان حرا جلد أربعين؛ لما روى مسلم عن حصين بن المنذر أبي ساسان، قال: شهدت عثمان بن عفان أتى بالوليد، فشهد عليه حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: لم يتقيأ حتى شربها، فقال: [يا علي، قم فاجلده، فقال] علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها! فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الرحمن بن جعفر، قم فاجلده، [فجلده] وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي.
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل شرب الخمر، فجلده بجريدتين أربعين.

وعنه – أيضا - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين.
كذا رواهما مسلم أيضا.
وقد اختار بن المنذر – وهو من أصحابنا - مذهب أبي حنيفة ومالك في قدر الحد، وهو ثمانون.
قال: وإن كان عبدا جلد عشرين؛ لأنه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من الحر كحد الزنى.
وفي "تعليق" القاضي الحسين بعد حكاية ما ذكرناه: ومنهم من قال: هو أربعون كالحر.
[وهو] غلط.
قال: وإن رأى الإمام أن يبلغ بالحد في الحر ثمانين وفي العبد أربعين جاز؛ لما روى مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالنعال والجريد، ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى، قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، قال: فجلد عمر ثمانين.
وروي أن عمر لما استشار الصحابة في الخمر قال علي بن أبي طالب: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري: ثمانون، فأخذ به عمر، ولم ينكر أحد.
وهذا يعزى إلى رواية الموطأ.
قد روى علي بن محمد بن الحسين عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد شارب الخمر ثمانين.
وهذا نص، لكنه مرسل، والعمل على اتفاق الصحابة.
والريف المذكور في الخبر، قيل: هو كل أرض فيها زرع ونخل، وقيل: هو [كل]

ما قارب الماء من أرض العرب ومن غيرها، وقيل: الريف: أرض فيها زرع وخصب، وقيل: هو الخصب والسعة في المأكل والمشرب.
وهو: بكسر الراء المهملة، وبعدها [ياء] –آخر الحروف- ساكنة، وفاء.
وقد روى المراوزة وجها: أنه تمتنع عليه الزيادة على الأربعين؛ لما روي أن علي بن طالب – رضي الله عنه - رجع عن ذلك، وكان يضرب في خلافته أربعين.
وفي "النهاية": أن القاضي قال: إنه الصحيح من المذهب، لكن الذي ذكره شيخي ومعظم الأئمة: الأول.
وعلى هذا فالزيادة [إلى ما] فوق الأربعين وما دون الثمانين بالجواز أولى، لكن الزائد على الأربعين هل هو حد أو تعزير؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين وغيره: أحدهما –عن أبي اسحاق المروزي-: أنه حد، لكنه أضعف من الأربعين الأولى؛ لأنها ثابتة بالسنة، وهذه [ثابته] باجتهاد الصحابة ورأيهم، وهذا ما يقتضيه كلام الشيخ، حيث قال: يبلغ بالحد.
وأظهرهما – وهو الذي أورده الأكثرون، ومنهم البندنيجي وابن الصباغ والقاضي أبو الطيب والبغوي -: أنه تعزير؛ لأنه لو كان حدا لما جاز تركه، ويجوز أن يترك ويقتصر على الأربعين.
فإن قيل: لو كان تعزيرا لما جاز أن يبلغ [به] قدر الحد، وقد جاز.
قيل في جوابه: الأربعون الزائدة على الحد ليست في مقابلة التعزير لأجل الشرب؛ لأن فيه حدا؛ فلا يجب فيه تعزير، وإنما هي في مقابلة الجنايات المتولدة منه؛ من هذيان وافتراء ونحوه، ويجوز أن يبلغ بتعزير جنايات مبلغ حد.
قال الرافعي: وهذا ليس بشاف؛ فإن الجناية التي يعزر عليه لابد من

تحققها وإن كان [و] لابد من التعزيز بالجناية المتوقعة فهي غير منحصرة؛ فلتجز الزيادة على الثمانين، وقد منعوها؛ فالوجه هو الأول، ويكون حد الشرب مخصوصا من بين سائر الحدود بأن يتحتم بعضه، ويتعلق بعضه باجتهاد الإمام.
واعلم أن ما ذكرناه في شرب المسكر مطرود فيما إذا أكل المسكر من الشراب بخبز، أو ثرد فيه وأكل الثريد، وكذا لو طبخ به اللحم وأكل المرق؛ كما قال ابن الصباغ، وإن [أكل] اللحم فلا حد؛ لأن عين المسكر لم تبق فيه، بخلاف المرق؛ فإن عين السكر فيه، وكذا لو عجن به الدقيق وخبزه وأكل الخبز؛ فلا حد، وروى بن كج فيه وجها آخر.
قال الرافعي: وفي معنى هذه الصورة: المعجون الذي فيه الخمر، والظاهر: أنه لا حد فيه؛ لاستهلاكه.
وقد حكى الوجهين في هذه الصورة صاحب "البحر" قبل كتاب الشهادات بأوراق يسيرة، وقال: الصحيح: المنع؛ لأنه لا يلتذ به.
وعلى هذا قال الإمام: من شرب كوز ماء وقعت فيه قطرات من الخمر، والماء غالب بصفاته –لم يحد؛ لاستهلاك الخمر فيه.
ثم أحال الكلام فيه على باب الرضاع.
ولو استعط بالخمر أو احتقن لم يحد، قاله ابن الصباغ؛ لأنه ليس بأكل ولا شرب.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه متى شرب المسكر جلد، وقد قال الأصحاب [من العراقيين] وغيرهم: لا يقام عليه الحد في حال سكره.
وسكتوا عما إذا فعل في حال السكر، هل يعتد به أم لا؟ وحكى القاضي الحسين فيه وجهين: أحدهما: لا يعتد به.
والثاني: يعتد به.
وأجراهما فيما إذا أفاق ثم جن، فحد في حال جنونه، ووجه المنع بأن المقصود منه الردع والزجر، وهو لا يرتدع بذلك، ووجه مقابله: أنه إن لم يرتدع ارتدع غيره.

قال: فإن ضرب الحر أحدا وأربعين، أي [ضرب] بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، ففيه قولان: أحدهما: يضمن نصف ديته؛ لأنه لو ضرب بما ذكرناه أربعين، فمات- لم يضمنه، كما صرح به الفوراني؛ لأنه الحد الذي أقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشارب؛ فكان كما لو ضرب في الزنى مائة فمات؛ فإنه لا ضمان، وإذا كان كذلك فقد مات من مضمون وغير مضمون؛ [لأن الزائد تعزير، والتعزير] مضمون كما تقدم، فوزع الغرم عليهما نصفين؛ كما لو جرح نفسه عشر جراحات، وجرحه آخر جراحة.
والثاني: [يضمن] جزءا من أحد وأربعين جزءا من ديته؛ لأن الضرب يقع [على] ظاهر البدن، فهو قريب للتماثل؛ فقسط الضمان على عدده، بخلاف الجراحات؛ فإنه رب جراحة لها غور [لا يحصل] من جراحات، وهذا أصح عند النواوي وفي "المرشد".
وعلى هذا: لو كان الزائد على الأربعين عشرة ضمن خمس الدية، ولو كان أربعين لم يضمن إلا نصف الدية، ولو كان خمسين ضمن على هذا خمس أتساع الدية، وعلى هذا فقس.
أما إذا ضربه بالسياط، فإن قلنا بقول بن سريج وأبي اسحاق الآتي – كما ستعرفه - فالحكم كما تقدم، وإن قلنا بالمنصوص: فإن قلنا: إنه يضمن جميع الدية عند اقتصاره على الأربعين، فعند الزيادة عليها أولى.
قال الرافعي في كتاب موجبات الضمان، وفي كتاب ابن كج: إن أبا حفص بن الوكيل وعبد الله بن محمد القزويني أثبتا [للشافعي – رحمه الله - قولا في وجوب] جميع الضمان في هذه الصورة.

وإن قلنا: يضمن ثم نصف الدية، فكذلك ها هنا، كذا قاله القاضي الحسين.
وإن قلنا ثم: يضمن بقدر ما زاد على [ألم] النعال، وأجرينا هذا اللفظ على ظاهره كما ستعرفه ثم – فيظهر أن يقال: يضمن ها هنا جزءا من أحد وأربعين جزءا من ديته، وما زاد على ألم النعال، ووراء ما ذكرناه في صورة الكتاب كلامان: أحدهما: قد يظن أنا إذا قلنا: إن الزائد على الأربعين إلى الثمانين من الحد، لا يضمن شيئا أصلا؛ كما قلنا في الأربعين، وليس كذلك؛ لأن قائله قال – كما حكاه القاضي الحسين -: إنه أضعف من الأربعين؛ لأنه ثبت بالاجتهاد؛ ولهذا المعنى: لو مات من الأربعين الأولى لم يضمن، ولو مات من الأربعين الثانية يجب الضمان.
الثاني: قال الإمام: إذا قلنا بقول ابن سريج وأبي اسحاق: إنه لا يجوز الضرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، فلا شك على هذا أنه يثبت الضمان وإن حصل التلف من الأربعين.
قلت: وإذا كان كذلك ففي حالة الزيادة أولى.
فرع: إذا أمر الإمام الجلاد أن يضربه ثمانين، فضربه أحدا وثمانين؛ فمات- ففي المسألة أوجه: أحدها: يسقط نصف الدية، ويجب نصفها على الإمام والجلاد نصفين؛ نظرا إلى أنه مات من مضمون وغير مضمون، هكذا حكاه العراقيون.
والمذكور في "تعليق" القاضي الحسين على هذا: أن النصف يقسم على أحد وأربعين جزءا؛ فيكون على الإمام أربعون، وعلى الجلاد جزء، وقد حكاه الإمام أيضا، وقال: إنه جمع بين التنصيف واعتبار عدد الجلدات، وفيه احتياط.
فقد حصل وجهان.
والثالث: يسقط أربعون جزءا من أحد وثمانين جزءا، ويجب أحد وأربعين جزءا من أحد وثمانين جزءا من الدية: على الجلاد [جزء] وعلى الإمام أربعون.
والرابع: يسقط الثلت؛ فيجب على كل واحد من الإمام والجلاد الثلث.
وما ذكرنا أنه يجب على الجلاد فهو على عاقلته، وما ذكرنا أنه يجب على

الإمام فهو على عاقلته أو في بيت المال؟ فيه الخلاف السابق، فإذا قلنا: في بيت المال، ففي الكفارة وجهان: أحدهما: فيه أيضا.
والثاني: في ماله.
قال: ويضرب في حد الشرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، أي: دون السياط كما صرح به أبو الطيب وغيره، ووجهه ما روى الشافعي بسنده عن عبد الرحمن ابن أزهر، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بشارب [خمر]، فقال: "اضربوه"؛ فضرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وحثوا عليه التراب، ثم قال: "بكتوه"، أي وبخوه، فبكتوه، فقالو: أما خشيت الله، أما اتقيت الله، أما استحيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ثم أرسله.
فلما كان أبو بكر سأل: من حضر ذلك الضرب، فقومه أربعين، أي: عدله، كما قاله القاضي الحسين، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين مدة حياته، ثم عمر ... وساق الحديث.
قال الإمام: والسبب الذي سوغ لأبي بكر ذلك أنه لم ير بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ضبطا يشير إليه التحديد، وعلم أن ما كان كذلك؛ فللاجتهاد فيه مساغ.
قال القاضي الحسين في باب صفة السوط: وعلى هذا لو ضرب بالسياط وقع الموقع.
وقيل: يجوز بالسوط، [أي: ولا يجوز بغيره للمسلم الصحيح]؛ لإجماع الصحابة على جواز الضرب به، كذا قال القاضي الحسين في باب صفة السوط نقلا وتوجيها، ووجهه الإمام بأنا كفينا مؤنة التعديل، وقد بعد العهد وتناسخت العصور، ونحن لو ضربنا بالنعال [دائرون] بين أن نحط على القدر المستحق وبين أن نزيد؛ ولأنه – عليه السلام - أمر بالجلد، والمتبادر إلى الذهن فيه الضرب بالسوط؛ كما في حد الزنى والقذف، وهذا قول ابن سريج وأبي

إسحاق؛ كما قاله في "المهذب"، وحكاه الإمام عن رواية العرافيين وأنهم زيفوه.
قلت: وهو الذي يدل عليه ظاهر النص في "المختصر" في باب الأقضية؛ حيث قال: وإذا علم من رجل بإقرار أو تيقن أنه شهد عنده بزور، عزره، ولم يبلغ بالتعزير أربعين سوطا: فلو لم يكن الضرب [بالسياط لما قال ذلك، وعلى هذا فصفة السوط وكيفية الضرب] كما في حد الزنى، وقد تقدم.
قال: والنصوص هو الأول، وهكذا قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ، وكأنهم –والله أعلم- أخذوه من قوله في "المختصر": وإن ضرب الإمام في خمر أو ما يسكر من الشراب بنعل أو طرف ثوب أو [رداء أو] ما أشبهه ضربا يحيط العلم أنه لم يجاوز أربعين، فمات من ذلك – فالحق قتله.
قال الماوردي: ومثار الخلاف أن حد النبي صلى الله عليه وسلم بالثياب والنعال كان لعذر أو شرع؟ وفيه وجهان: أحدهما – وهو قول ابن سريج وأبي اسحاق -: أنه كان [لعذر] في الشارب؛ لمرض، أو لأنه كان نضوا، كما حد مقعدا بإثكال النخل، فعلى هذا يكون حد الصحابة نصا في غير المعذور، ويكون محققا من وجه واحد وهو مقدار العدد.
والثاني –وهو قول الجمهور-: أن حده كان شرعا حقق فيه حد الخمر كما حقق به في القدر؛ فعلى هذا يكون عدول الصحابة إلى السياط بالاجتهاد؛ كما في زيادة العدد، ويكون حد الخمر محققا من وجهين في الصفة والمقدار.
قال الرافعي: ومنهم من رأى الضرب بالأيدي والنعال جائزا لا محالة.
وذكر وجهين في أنه [هل] يتعين ذلك أم يجوز العدول إلى السياط؟ وهذا حكاه صاحب "البيان".
انتهى.
وادعى الإمام أن المذهب جواز الأمرين، وهو الذي صححه الرافعي في كتاب موجبات الضمان، والذي أورده القاضي الحسين في باب حد الخمر، وإن حكى الخلاف في غيره؛ كما ذكرناه من قبل.
قال: فإن ضربه بالسوط، أي: أربعين، فملت، فقد قيل: يضمن بقدر ما

زاد على ألم النعال؛ إذ هو القدر الزائد على قدر الحد.
قال الرافعي: وهذا شيء لا يتأتى ضبطه، وقد حكاه الإمام عن العراقيين، وقال إنا على هذا نقدر بينهما بشيء بالتقريب والاجتهاد، ويلزم ذلك القدر، ثم قال: وهو في نهاية البعد.
وقيل: يضمن جميع الدية؛ لما روى مسلم عن علي بن أبي طالب، قال: "ما كنت لأقيم على أحد حدا فيموت فيه، [فأجد منه] في نفسي إلا صاحب الخمر؛ فإنه إن مات وديته؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه – وعنى [أنه] لم يسن الضرب [بالسياط]-وإنما هو رأي رأيناه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم" كما جاء في رواية غيره: "وإنما هو رأي رأيناه من بعده".
ولأنه عدل عن جنس إلى غيره؛ فأشبه ما لو ضربه بجارح فملت.
وقد حكى الماوردي والقاضي أبو الطيب والبندنيجي [وجها بدل] الأول: أنه يضمن نصف الدية؛ لأنه مات من مضمون وغير مضمون، وحكاه الرافعي في كتاب موجبات الضمان عن حكاية ابن المرزبان وغيره، وهذا ما [أشار إليه] النواوي، وقال الإمام: إنه الذي ذهب إليه أهل التحقيق.
وفي "الحاوي" في آخر الفصل: أنه الظاهر من مذهبه الذي أشار إليه في "الأم"، ولم يحك الماوردي

الوجه الأول الذي حكاه الشيخ، وكذا غيره من العراقيين الذين ذكرناهم، فلعل مراد الشيخ ومن أطلق هذا اللفظ به – وجوب نصف الضمان؛ لأن ما زاد [على ألم النعال لا ينضبط، وهو عدوان قد اقترن بما ليس بعدوان؛ فيوزع الضمان] عليهما؛ كما قلنا فيما إذا وقع الضرب أو الختان في حر شديد ونحوه: إنه يجب نصف الضمان؛ لما ذكرناه.
[وقد] حكى القاضي أبو الطيب في المسألة وجها آخر: أنه لا ضمان؛ لأنه سقط به الحد، فلا يتعلق به ضمان، وهذا ما اختاره في "المرشد".
قلت: ويشتبه أن يكون مخرجا من نص الشافعي – رضي الله عنه -[على] أنه إذا ضرب الضعيف بالسوط، وكان يجب أن يضربه بإثكال النخل – أنه لا ضمان عليه؛ كما حكاه أبو الطيب قبيل باب صفة السوط، لكن الذي حكاه البندنيجي عن النص: [الضمان] في مسألة الكتاب، ويمكن أن يفرق بأن الضرب ثم كان الأصل فيه السياط، فإذا فعل كان أقرب إلى نفي الضمان، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن الأصل فيه الضرب بالنعال ونحوها، والله أعلم.
قال ابن الصباغ: وأصل الخلاف في الضمان وعدمه: أنه إذا ضرب في شدة الحر [أو البرد]، هل يضمن أم لا؟ وهذه الوجوه [كلها] مفرعة على المنصوص.
أما إذا قلنا بمقابله، فلا يضمن شيئا كما حكاه الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ، وكذا إذا قلنا بجواز الضرب [به و] بالسياط والنعال، على ظاهر المذهب في "الكافي"، والأصح في "التهذيب".
قال القاضي الحسين: وقائله قال: حديث علي –كرم الله وجهه- أراد به الزيادة على الأربعين؛ فإنه شيء رواه بعده صلى الله عليه وسلم وها هنا لم يزد على الأربعين؛ فلم يلزمه شيء، والحق قتله.
قال الماوردي: وقد روي أن عمر لما أمر بجلد ابنه في الشراب، قال له ابنه:

يا أبت، قتلتني! فقال: الحق قتلك، وهذا المحدود هو عبيد الله، حده لما [أن] شم منه رائحة الخمر، ثم اعترف بأنه شرب الطلا.
تنبيه: ظاهر قول الشيخ: فقد قيل: يضمن بقدر ما زاد على ألم النعال – يقتضي أن المنصوص: أنه يضرب بالنعال ونحوها أربعين ضربة من غير زيادة عليها، وإليه يرشد – أيضا - ما قاله الماوردي بعد حكاية الوجه الذي نقله عن الجمهور في الفصل قبل هذا، كما حكيته عنه.
وكلام الإمام الذي حكيناه عنه في توجيه تعين الضرب بالسوط يقتضي: أنا إذا ضربناه بالنعال ونحوها، نبلغ به ما يعادل ألمها ألم أربعين ضربة بالسوط، ويعضده أنه قال: إذا ضربه بالنعال وأطراف الثياب، فأفضى إلى الهلاك- فلا ضمان.
هكذا قال الأصحاب، وهو مشروط بوقوع الضربات على حد يعدل بأربعين جلدة من غير مزيد، وعلى ذلك جرى البغوي؛ حيث قال: ولو ضرب الشارب بالنعال وأطراف الثياب والأيدي قدر أربعين جلدة يجوز.
وكذلك الرافعي في كتاب موجبات الضمان؛ حيث قال: لو ضربه أربعين جلدة فمات، فأصح القولين: [أنه] لا ضمان؛ لأن الصحابة أجمعت على أن الشارب مضروب أربعين جلدة، وعدلت ما كان بهذا القدر، وكأن [هذا] – والله أعلم - أخذ من قول الشافعي – رضي الله عنه - في الخبر، فقومه بأربعين.
فائدة: حد الشرب إنما يجب إذا أقر الشارب أنه شرب مسكرا، وقامت عليه بينة بذلك، ولا يفتقر في الشهادة أن يقول [الشاهد]: شرب وهو غير مكره، أو مع علمه بأن ما شربه مسكر؛ بل يكفي أن يشهد أنه رآه يشرب شرابا [شرب منه غيره] وسكر منه؛ لأن الظاهر علمه بالحال.
نعم، إن [ادعى

أنه] لم يعرف أنه مسكر لم يحد.
وهذا بخلاف الشهادة على الزنى؛ حيث لا تسمع حتى يفسر الشاهد الزنى؛ لأن الزنى يعبر به عن الصريح وعن دواعيه؛ قال صلى الله عليه وسلم: "العينان تزنيان"، بخلاف الشرب، واعتبر الماوردي في "الأحكام" أن يتعرض الشاهد للاختيار في الشرب.
أما إذا وجد شخصا سكران، أو شم منه رائحة الخمر، أو تقيأ مسكرا – لم يجب عليه الحد؛ لاحتمال حصول ذلك من غير الخمر، وإن كان منه فيحتمل أنه لم يعرف [أن ذلك] خمر، أو عرف وهو مكره.
وفي "الحاوي": أن ابن أبي هريرة قال: يحد بالسكر، إلا أن يدعي ما يسقط الحد، واستدل له [بأن عثمان قال:] "ما تقيأ إلا وقد شربها"؛ فأمر عليا بإقامة الحد عليه.
ونسب الماوردي في الأحكام هذا إلى أبي عبد الله الزبيري.
ولا يقيم [حد الشرب] على الأحرار غير الإمام [أو نائبه] على المشهور، وفيه ما ذكرناه في باب حد الزنى.
ويقيمه على العبد مولاه، وهو المذهب، وفي "تعليق" القاضي الحسين عن بعضهم حكاية وجهين فيه، وحكى الرافعي وجه المنع عن رواية أبي خلف الطبري عن رواية القفال، والفرق بينه وبين حد الزنى: أن للسيد في بضع الأمة حقا، وكذلك في بضع العبد؛ ألا ترى أنه لا ينكح إلا بإذن سيده، فمكن من جلد المملوك؛ لجنايته على محل [حقه! والشرب] بخلافه.
قال: ومن زنى دفعات، [أو سرق دفعات]، أو شرب المسكر دفعات ولم يحد – أجزأه عن كل جنس حد واحد؛ لأن سببها واحد فتداخلت؛ لحصول الحكمة.
قال القاضي الحسين: ولا نقول في الزنى مثلا الحد يقابل الزنية الأولى، بل

يقابل الزنيات كلها؛ لأنه يؤدي إلى إخلاء بعض الزنيات عن الموجب؛ كما لو وطيء في النكاح الفاسد مرارا؛ فإنه يجب [بحد] مهر واحد، ثم هو يقابل الوطئات.
قال الإمام: وكان شيخي يقول: جملة الحد يقابل بكل زنية، وإذا انتفى عن فكر الفقيه التقسيط فلا مشاحة بعد ذلك في العبارات.
وقد تردد العلماء على وجه آخر، فقال قائلون: تجب حدود على أعداد الزنيات، ثم تتداخل، وقال قائلون: الزنيات إذا لم يتخللها حد كالحركات في زنية واحدة، وهذا أقرب؛ فإن الوجوب، والسقوط يجر خبلا واضطرابا في الكلام.
وفي "فروع" ابن الحداد: أن المرأة إذا ثبت عليها الزنى بلعان زوجين وهي بكر في الحالتين، وجب عليهما حدان.
قال القفال: وعامة أصحابنا أنكروا ذلك، وقالو: هما حدان وجبا لله من جنس واحد؛ فتداخلا.
أما إذا شرب فحد، ثم شرب [ثانيا] حد ثانيا، وهكذا في بقية الصور.
ولو زنى وهو بكر فحد، [ثم زنى فحد وهو بكر] [،ثم زنى وهو بكر] –كفاه تغريب سنة عن الجميع.
قال: وإن زنى وهو بكر، فلم يحد حتى زنى وهو محصن –جلد ورجم؛ لأن تغاير الواجب يدل على تغاير الحكمة؛ فأشبه ما لو زنى وشرب، قال الماوردي: ولا يغرب؛ لأن رجمه يغني عنه.
وفي "الرافعي" حكاية وجه: أنه يغرب [بعد الجلد و] قبل الرجم.
وما ذكره الشيخ هو ما صار إليه ابن الحداد، كما حكاه الرافعي في اللعان، وادعى الشيخ أبو علي أنه ظاهر المذهب، ورأيته في " [شرح] الفروع" للقفال،

وقال: إنهم لم يختلفوا فيه، وكذا لم يورد القاضي الحسين هنا سواه، وكذلك البندنيجي، وقال: إن بهذا تأول أصحابنا ما روي عن علي –كرم الله وجهه- أنه جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة.
قال [الشيخ]: ويحتمل أن يقتصر على رجمه؛ لأنهما من [جنسين اتفق موجبهما]؛ فدخل أخف الحكمين في أغلظهما؛ كما يدخل الوضوء في الجنابة.
وقد حكى الماوردي الوجهين عن الأصحاب في باب حد الزنى، وكذلك الإمام في باب قاطع الطريق، وهما جاريان – كما قال الرافعي - هنا في ما إذا زنى المحصن، ثم نقض العهد، واسترق، فزنى ثانيا – في دخول الجلد في الرجم، وقد ادعى الإمام أن الثاني هو المذهب، وعليه جرى الغزالي فجعله في "الوسيط" الأظهر، وهو الموافق لما حكاه الماوردي في كتاب اللعان؛ حيث قال حكاية عن أبي اسحاق: وإذا جمع بين حدين على القاذف لزوجته [يرميها بزنى في حال الزوجية]، وبعد البينونة بزنى آخر؛ لاختلاف حكمهما – وجب إذا زنى وهو بكر، فلم يحد حتى زنى بعد إحصانه: أن يحد حدين؛ لاختلاف حكمهما وإن تجانسا؛ لأن الحد الأول: جلد، والثاني: رجم؛ فيجلد ويرجم.
قال: وهذا غلط؛ لأن حد الزنى من حقوق الله – تعالى - فجاز أن يدخل أخفهما في أغلظهما عند التجانس، ولم يجز مثل ذلك في حقوق الآدميين.
وعلى الأول قال الشيخ أبو علي – كما حكاه الرافعي في اللعان -: لو زنى العبد، ثم عتق، فزنى قبل الإحصان – فعليه خمسون؛ لزناه في الرق، ومائة؛ لزناه في الحرية؛ لاختلاف الحدين.
والأصح: أنه يجلد مائة، [ويدخل الأقل في الأكثر، ويغرب.
قال: وعلى هذا: لو زنى وهو حر بكر، فجلد خمسين، وترك لعذر [قام به]،

فزنى مرة أخرى – فيجلد مائة،] وتدخل الخمسون الباقية فيها، وهذا قد صرح به الرافعي في باب حد قاطع الطريق أيضا، وقال – حكاية عن "التهذيب" -: إن الزنى الثاني لو كان بعد الإحصان، إنه يجلد خمسين ثم يرجم.
ثم قال: ويشبه أن يكون [على] الخلاف المذكور في الحر فيما إذا زنى [وهو] بكر، ثم زنى وهو [محصن] ثيب.
قال: وإن زنى – أي: وهو بكر- وسرق وشرب الخمر، وجب لكل واحد [منها] حد؛ لأن أسبابها مختلفة فلم تتداخل.
قال: فيبدأ بحد الشرب، ثم يجلد [في الزنى]، ثم يقطع في السرقة؛ تقديما للأخف فالأخف؛ إذ هو أقرب إلى استيفاء الكل، وسواء تقدم ما قدمناه أو تأخر.
وإتيان الشيخ بلفظة "ثم" المقتضية للترتيب والتراخي؛ ليعرفك أنه لا يحد للزنى عقيب جلده عن الشرب، ولا يقطع للسرقة عقيب جلده للزنى، [بل] لا يستوفي كل حد حتى يبرأ مما قبله، كما صرح به الأصحاب والشيخ من بعد.
لكن حد السرقة [عقيب جلد الزنى] يقام قبل التغريب، أو يؤخر عنه؛ لأنه من تمام حد الزنى؟ لم أر للأصحاب تعرضا له، بل لفظ الشافعي – رضي الله عنه - يدل على عدم وجوبه؛ لأنه قال – كما نقله الماوردي -: إذا اجتمعت على رجل حدود وقتل بدئ بحد القذف، ثم حبسه، فإذا برأ حد للزنى، فإذا برأ قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى من خلاف.
لكن لك أن تقول: في لفظ الشافعي – رضي الله عنه - ذكر القتل، وقد قلتم: إن التغريب يغني عنه الرجم، [فكذلك القتل يغني عنه]، ولفظ الإمام: إنه يجلد للشرب، ثم يتركه حتى يندمل، ثم يجلد للزنى ويتركه حتى يندمل،

ثم يقطع.
وهذا يدل على أنا لا نغربه قبل القطع؛ لإمكانه بعد القطع.
أما إذا كان قد زنى وهو محصن فواجبه القتل؛ فيؤخر حده عن القطع إن لم يندرج القطع في القتل –كما ستعرفه- ولو كان مع هذه الحدود تعزير، قال الماوردي: يقدم على جميعها؛ لأمرين: أحدهما: أنه أخف.
والثاني: [أنه] من حقوق الآدميين في الأغلب.
قال: وإن كان معها حد قذف، فقد قيل: يبدأ به قبل [حد] الشرب؛ لأنه حق آدمي، وحقوق الآدميين مبنية على المضايقة؛ ألا ترى أن القاذف لا يفيده في إسقاطه الرجوع عن الإقرار به، بخلاف حقوق الله تعالى.
وهذا ما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه - في كتاب الجراح؛ حيث قال: يبدأ بحقوق الآدميين ثم بحقوق الله تعالى.
واختاره أبو اسحاق المروزي وجماعة، وهو أصح عند القاضي أبي الطيب، وكذا الأئمة كما حكاه الرافعي.
وقيل: يبدأ بحد الشرب، ثم بحد القذف؛ لأنه أخف فكانت البداية به أولى؛ لأنه أقرب إلى استيفاء الحدود؛ ولهذا المعنى بدأنا به على حد الزنى، وهذا قول ابن أبي هريرة، واختاره في "المرشد"، وصححه في "المهذب".
والوجهان يجريان فيما لو اجتمع عليه حد زنى وهو بكر، وقطع الطرف قصاصا، كما قاله القاضي الحسين وغيره.
ولو اجتمع قطع [في] السرقة وقطع قصاص في عضو آخر، فلا خلاف [في] أنه يقدم القطع في القصاص، وإن كانت الجناية متأخرة عن السرقة.
قال: ولو اجتمع قتل قصاص وقتل في المحاربة قدم السابق منهما؛ لأنهما استويا في تعلق حق الآدمي؛ فرجح بالسبق كما في غير المحاربة.
فعلى هذا: إن كان السابق قتل المحاربة، قتل فيها، وتعين حق الآخر في الدية، وإن كان السابق قتل القصاص، فإن استوفاه تعين حق الآخر في الدية على الأصح.

قال الرافعي: وهل يصلب؟ فيه الخلاف المذكور فيما إذا مات المحارب قبل أن يقتل.
وهذا ما أبداه العمراني في "الزوائد" تخريجا من عند نفسه، وجزم في "الحاوي" بعدم الصلب، وكذلك الطبري.
وإن عفي عن القصاص، قتل للحرابة، وصلب، ولو كان بدل القتل في المحاربة قتل [للزنى]، فعن [كتاب] ابن كج [حكاية] وجهين: أحدهما: أنه يقتل رجما بإذن الوالي؛ ليتأدى الحقان.
وأصحهما: أنه يسلم إلى الولي ليقتله قصاصا، وهو الذي ذكره القاضي الحسين في "تعليقه".
ولو اجتمع عليه حد ردة ورجم، قال القاضي [الحسين]: يبدأ بقتل الردة؛ لأن فسادها أشد.
وقال الماوردي: يرجم للزنى، ويدخل فيه قتل الردة [؛ لأن الرجم أزيد نكالا؛ فيدخل فيه الأقل.
ولو اجتمع قتل الردة]، وقتل في قطع الطريق، ورجم –قال القاضي الحسين: فإن قلنا: قتل قاطع الطريق قصاص قدم، وإن قلنا: حد، فكذلك؛ لأنه يتعلق بحق الآدمي.
قال: وإن اجتمع [عليه] حدان، فأقيم [عليه] أحدهما –لم يقم الآخر، [أي:] إذا كان غير قتل، حتى يبرأ من الأول؛ لأن المقصود هو الزجر لا القتل، فلو والينا بينهما؛ لأفضى ذلك إلى القتل.
أما لو كان الثاني قتلا فلا يؤخر، قال الرافعي وغيره.
قال: وإن اجتمع قطع السرقة وقطع المحاربة؛ قطعت يده اليمنى للسرقة والمحاربة؛ لاجتماع سببها، وهل تقطع الرجل معها، أي: قبل اندمالها؟ قيل: تقطع؛ لأن قطع اليد والرجل حد واحد؛ فجازت الموالاة بينهما.
قال أبو

الطيب وابن الصباغ: وهذا بناء على أن قطع اليد في المحاربة؛ لأجلها، كما حكيناه عن ابن أبي هريرة وأبي علي الطبري.
وقيل: لا تقطع، أي: [حتى تندمل اليد؛ لاختلاف سببها؛ فإن اليد تقطع لأجل أخذ المال في غير الحرابة، والرجل تقطع لأجل المحاربة؛ فأشبه حد الزنى مع حد الشرب، وهذا بناء على أن قطع اليد عند أخذ المال في المحاربة يكون كقطع السرقة، كما حكيناه من قبل عن أبي اسحاق.
فروع: إذا قطع يد إنسان في المحاربة، وأخذ المال – نظر: إن قطع يمينه، فإن قلنا: لا يتحتم، وعفا، أخذ الدية، وقطعنا يمين المحارب ورجله اليسرى حدا، وإن لم يعف، أو قلنا بالتحتم، قطعت يمينه بالقصاص، وتقطع رجله حدا؛ كما لو قطع الطريق ولا يمين له.
وحكى الماوردي وجها – وقال: إنه الأصح -: أنه تقطع يده اليمنى قصاصا، وتقطع يده اليسرى ورجله اليمنى عن المحاربة؛ كما تقدم فيما إذا أخذ المال في المحاربة ويمينه مفقودة.
ويظهر على الأول: ألا يوالي بين قطع اليد والرجل؛ لأن قطع اليمين يقع قصاصا، وقطع الرجل يقع حدا، ولو اجتمع قطع قصاص وقطع [حد في عضو] لم يوال بينهما.
ولو قطع المحارب اليسار متقدما على أخذ المال في الحرابة أو متأخرا عنه، فإن قلنا: لا يتحتم، وعفى عنه، أخذ الولي الدية، وقطعت يده اليمنى والرجل [اليسرى]، وإن لم يعف، أو قلنا بالتحتم، قطعت اليسرى، وتأخر قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى إلى اندمال اليسار.
وإنما قدمنا قطع اليسار؛ لأنه حق آدمي، كما ذكرنا، ولما ذكرناه من المعنى فارقت العقوبات الحقوق المالية؛ حيث ترددت الأقوال في أنه [هل] يقدم حق

الله -تعالى- أو حق الآدمي، أو يستويان؛ لأنهما استويا في التأكد وعدم السقوط بالشبهات؟ ويعارض فيهما حاجة الآدمي والتأكد بالإضافة إلى الله – تعالى - ومصرفه للآدمي أيضا؛ فتردد القول فيها، هكذا ذكر الفرق الإمام وغيره.
وفرق القاضي الحسين بأن القصد من القطع في السرقة وقطع الطريق: التنكيل والزجر، وقد حصل ذلك المعنى بقطعهما قصاصا؛ ألا ترى أنه لو سقط ذلك بأكله سقط [القطع]، ولو قطع الجلاد يساره سقط القطع في يمينه؟! والمقصود من الزكاة ونحوها إغناء المساكين وإيصالها إلى المستحق؛ ألا ترى أنها لا تسقط بتلف المال ولا تتداخل كحقوق الآدميين؟! ولو قطع يمين إنسان [في غير محاربة] [قطعا يستحق به أخذ يمينه قصاصا وأخذ المال في المحاربة]، فإن عفا مستحق القصاص قطعت يمينه ورجله اليسرى حدا، وإلا فيقدم القصاص، وقطع الرجل اليسرى يقع بعده، لكن في الحال [أو يمهل إلى] الاندمال؟ فيه وجهان: أصحهما في "الرافعي" –وهو المذكور في "الوجيز" -: الأول؛ لأن المولاة بين العقوبتين مستحقة لولا ذلك القصاص، وما يخاف من الموالاة لا يختلف بين أن يكون قطع اليمين عن الحد – أيضا - أو عن القصاص.
والثاني: يمهل إلى الاندمال؛ لأن اليمين إذا لم تقطع حدا فالمستحق عن جهة الحد قطع الرجل؛ فأشبه ما إذا استحق طرفاه عن جهتين.
وهذا ما أورده القاضي [الحسين]، وهو الذي يظهر مما ذكرناه عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ من بناء الخلاف المذكور في الكتاب في الموالاة بين قطع اليد والرجل، فيما إذا اجتمع عليه قطع السرقة وقطع [في] المحاربة –على أن قطع اليد تقع لأجل المحاربة [أو لا]؟ ولأجل ذلك قلت في أول هذه الفروع: إنه ينبغي ألا يوالي بين قطع اليد والرجل، وإذ قد جرى الخلاف في هذه الصورة فهو في تلك أولى.

ولو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في غير المحاربة، وأخذ المال في المحاربة: فإن عفا مستحق القصاص عنه قطعناهما في المحاربة، وإلا قطعتا قصاصا، وسقط قطع المحاربة.
ولو قطعهما في المحاربة وأخذ المال فيها، فإن قلنا بعدم التحتم فالأمر كما تقدم، وإن قلنا بالتحتم قطعناهما قصاصا، وسقط الحد كذلك، قاله الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والقاضي الحسين، وسواء قطع العضوين قبل أخذ المال أو بعده.
وقال في "الحاوي": إذا قلنا بعدم تحتم القطع فالأمر كذلك، وإن قلنا بتحتمه: فإن تقدم أخذ المال واقتص في العضوين [سقط الحد، وإن تقدم قطع العضوين] ثم أخذ المال فلا يسقط القصاص حد قطع الطريق، بل تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى؛ [لأن اليد اليمنى] والرجل اليسرى مستحقتان القطع بالقصاص حتما، وكأنه قطع الطريق وليس له يد يمنى ولا رجل يسرى.
وتبعه [في] ذلك الشيخ في "المهذب".
قال: وإن كان مع الحدود قتل في المحاربة، فقد قيل: يوالى بين الحدود [، أي]: ولا ينتظر في استيفاء كل حد برء ما استوفي قبله؛ لأن قتله متحتم فلا معنى للتفريق، وهذا ما ينسب إلى أبي اسحاق.
وقيل: لا يوالى؛ لأنه لا يؤمن أن يموت قبل استيفاء ما بعده؛ فيبقى في ذمته يستوفى [منه] يوم القيامة، كذلك قال [القاضي] أبو الطيب.
وبالقياس على ما لو كان مع الحدود قتل في غير المحاربة؛ فإنه لا يوالى.
وهذا أصح في الطرق، والمختار في "المرشد"، على أنه قد حكى فيما علق عن الشيخ أبي بكر الطوسي حكاية وجه فيما إذا اجتمع مع الحدود قتل في غير الحرابة: أنا نقيمها بلا إمهال.
لكن المذهب المشهور الأول، ومحل الإمهال فيما عدا الحد الأخير.

فروع: لو زنى المرتد في حال ردته أو شرب، فهل يكتفى بقتله أم يقام عليه الحد ثم يقتل؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج، وأصحهما: الثاني، وقد حكيناهما في باب الردة، وحكاهما الماوردي في دخول حد السرقة في القتل بالردة -أيضا- وهما جاريان فيما لو سرق ثم قتل في المحاربة، في أن حد السرقة هل يندرج في القتل، أم يقطع ثم يقتل، كما حكاهما ابن الصباغ؟ ويظهر جريانهما فيما إذا سرق ثم زنى وهو محصن.
إذا اجتمعت عليه حقوق متمحضة للآدميين؛ بأن قذف شخصا، وقطع يد آخر، وقتل آخر –بدئ بحد القذف وإن كان متأخرا عن القطع والقتل، ثم يترك حتى يبرأ ظهره، خشية أن يموت قبل أن يستوفى منه قصاص النفس، ثم تقطع يده وإن كان القتل متقدما، ويقتل من غير إمهال؛ لأن في ذلك جمعا بين الحقوق، وإذا أمكن استيفاؤها فلا سبيل إلى تفويت بعضها.
وأبدى الإمام ترددا – أقامه الغزالي وجهين - فيما إذا رضي مستحق القتل بتعجيل القطع [قبل براءة ظهره من الجلد، في أن يبتدر] القطع بعد الجلد، ورأى الأظهر والأفقه: عدمه؛ لأنا لو أتبعنا الجلد القطع؛ فليس ما يعرض من موت بسبب توالي العقوبتين واقعا عن القصاص المستحق في النفس؛ فهو يفضي إلى موت غير معتد به، ولا سبيل إلى اهدار الروح.
نعم، لو علمنا قطعا أنه لو جلد وقطع على التوالي لم تفض نفسه على الفور، وإن صار ألما به، فإذا قال صاحب النفس: عجلوا وأنا أقبل، فيجب القطع ها هنا بأن له ذلك، وما قدمناه فيه إذا كنا نجوز أن تفيض نفسه لتوالي العقوبتين.
قلت: وما ذكره من المعنى المفضي لمنع التوالي، موجود هنا؛ لأن مستحق القصاص في النفس لا يتعين حقه على الفور كما تقدم، [وقد صرح] به الإمام هنا؛ فقد يقول ذلك ثم يعن له ألا يستوفي القصاص على الفور؛ فيفضي إلى ذهاب نفسه هدرا [كما تقدم] أيضا.

وقوله: أنا أستوفي، لا يحصر حقه في الفورية؛ لأنه وعد، والوعود لا تلزم عندنا أمرا، والله أعلم وقد ذكرنا في باب العفو والقصاص تتمة ما ذكره الإمام هنا.
قال: ومن وجب عليه [حد] الزنى [والسرقة والشرب]، فتاب وأصلح، ومضى عليه سنة، أي: قبل الظفر [به] – سقط عنه الحد في أحد القولين.
أما في حد الزنى؛ فلقوله تعالى: ﴿فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ [النساء: 16].
[وأما في السرقة؛ فلقوله تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم﴾] [المائدة: 39].
وأما في حد الشرب؛ فلأنه إذا سقط حد الزنى والسرقة به، فلأن يسقط حد الشرب –وهو أخف في القدر والصفة- كان أولى.
وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "التوبة تجب ما قبلها"، وقال: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له".
ولأن كل حد من هذه الحدود خالص حق لله -تعالى- فسقط بالتوبة كحد قاطع الطريق.
وهذا ما صححه في "المهذب"، وهو الأظهر في "الحاوي"، وقال البندنيجي: إنه المذهب.
ويعضده ما حكاه القاضي أبو الطيب قبيل باب قتال أهل الردة عن الشافعي؛ حيث قال: [إن] الشافعي – رضي الله عنه- قال: ويجب

لمن أصاب حدا أن يستتر بستر الله -تعالى- وأن يتقي الله ولا يعود؛ فإن الله –تعالى- يقبل التوبة عن عباده.
قال: ولا يسقط في الآخر؛ لأن العمومات الواردة فيها لم تفصل بين ما قبل التوبة وما بعدها، بخلاف قاطع الطريق، ولأنه حد لا يختص بالمحاربة؛ فلم يسقط بالتوبة كحد القذف، وهذا أصح عند النواوي.
والقائلون بالأول حملوا العمومات على حالة الإصرار.
وأما القياس على حد القذف، فلهم منع الحكم فيه -أيضا-[لأن الماوردي قد حكى عن بعض أصحابنا: أنه يسقط بالتوبة -أيضا-] وهو قول قديم للشافعي؛ كما حكيناه في باب حد قاطع الطريق، فعلى هذا اندفع القياس.
وعلى الصحيح، وهو أنه لا يسقط بها؛ كما جزم به الجمهور –فالفرق: أنه محض حق آدمي، وحقوق الآدميين مبنية على المضايقة والمشاحة، بخلاف حد الزنى ونحوه؛ فإنه محض حق الله تعالى، وحقوق الله تعالى مبنية على المساهلة والمسامحة.
أما إذا حصلت التوبة بعد الظفر، فالمذكور في "الشامل" و"الحاوي": أنها لا تؤثر، وعلى ذلك جرى غيرهما، كما ستعرفه.
وكأنهم –والله أعلم- أخذوا ذلك من قول الشافعي –رضي الله عنه- في "المختصر" في قطاع الطريق: ومن تاب منهم قبل أن يقدر عليه، سقط عنه الحد، ولا تسقط حقوق الآدميين، ويحتمل أن يسقط كل حد لله -تعالى- بالتوبة.
وقال في كتاب الحدود: وبه أقول.
ففي أحد القولين ألحقه بقاطع الطريق، وأشار في ضمن الاحتمال إلى أنه غير ملحق به، وقاطع الطريق لا يسقط حده بالتوبة بعد الظفر كما أفهمه لفظ الكتاب العزيز؛ فكذلك غيره من طريق [الأولى، ووجه] الأولوية: أن حد قاطع الطريق يسقط بمجرد إظهار التوبة، وغيره ليس كذلك.
وقد حكى القاضي الحسين في باب حد الزنى عن بعض الأصحاب هذه الطريقة، وقال: إن من أصحابنا من عكس، فقال: إذا تاب عن حد الزنى قبل

القدرة عليه سقط قولا واحدا، وإن تاب بعد القدرة فقولان، وإن منهم من قال على الإطلاق: قولان، وهو الصحيح؛ لأنه قبل المرافعة وبعدها مقدور عليه، وهذا الطريق هو الذي حكاه في باب حد قاطع الطريق، وأورده الرافعي مع الأول، واقتضاه إطلاق الإمام في باب حد الزنى؛ فإنه ذكر بعد حكاية [القولين فيه]، وتصحيح عدم السقوط –كما صار إليه الرافعي وحكاه عن الجديد - سؤالا، فقال: فإن قيل: أليس [قد] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله".
ولو كان الحد لا يسقط بالتوبة لكان فيما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريض على كتمان الحق- قلنا: لا يمتنع أن تكون توبة المستتر الذي لا يبدي صفحته بمثابة توبة [قاطع الطريق قبل الظفر به، وفيما ذكرناه احتمال؛ فإن سبب قبول توبة] المحاربين عطفهم على الطاعة، وردهم بالاستمالة إليها، وهذا المعنى لا يتحقق فيما ذكرناه، والمسألة محتمله، وتمام الحديث يدل على أن الوبة بعد ظهور وجوب الحد لا تنجع؛ فإنه – عليه السلام - قال في تتمة الحديث: "فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه حد الله تعالى" وهذا نص في أن التوبة لا تنفع، ووجهه من جهة المعنى: خشية صيرورتها ذريعة إلى إبطال حكم الحد؛ إذ الغرض هو الردع والزجر، ولا يعجز مرتكب ما يوجب الحد عن إظهار التوبة، ثم الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
ووجه مقابله – على هذا التقدير -: أنه روي في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم قال لماعز: "ارجع فاستغفر لله وتب إليه"،

ويروى أنه قال: "هلا رددتموه [إلي] لعله يتوب".
قال الرافعي في آخر [الفصل]: [وقد] يرجع حاصل هذا الخلاف إلى أن إصلاح العمل، هل يشترط فيه التوبة من غير قاطع الطريق، أم لا؟ وفيه خلاف سنذكره، فإن قلنا: نعم، فلا بد من مضي زمان يظهر فيه الصدق والصلاح؛ فلا تكفي التوبة بعد الرفع.
ثم التوبة عبارة عن: الإقلاع عما فعله في الحال، والندم على الماضي، والعزم على عدم الفعل، واعتبر فيها بعضهم ألا يكون ذلك لأمر دنيوي.
والمراد بالإصلاح: إصلاح العمل، وإنما اعتبر؛ لظاهر [نص] الكتاب في الآيتين، والحكمة فيه: أنه قد يظهر التوبة للتقية؛ فلا تعلم صحتها حتى يقترن بها الإصلاح في زمان يوثق فيه بالتوبة، وهذا بخلاف التوبة من قاطع الطريق، وقد

تقدم الفرق بينهما.
وهذا هو المشهور، والذي جزم به العراقيون والقاضي الحسين.
وقد حكينا عن الإمام وجها في أن إصلاح العمل لا يعتبر ها هنا -أيضا- وأن الأصحاب مجمعون عليه؛ كإظهار الإسلام تحت ظلال السيوف، قال: ثم سبيل التفريع –على ما ذكره القاضي -: [أن] من أظهر التوبة امتحناه سرا وعلنا، فإن ظهر الصلاح في أعماله حكمنا بسقوط الحد، وإن بدا نقيد ذلك [فالتوبة لا تسقط] هذا الحد.
وهذا كلام مضطرب؛ فإن هذا التائب إن حبس كان محالا، وإن خلي سبيله، فكيف يتبع وكيف يعرف صلاحه، وهل هو مرعي في قبيل ما تاب عنه أو في جميع الأحوال؟ ولا ضبط لهذا الكلام.
وأنا أقول: ذكر التوبة [المجردة قبل الظفر يدل على سقوط الحد بها، وذكر التوبة] مع إصلاح العمل يدل على [أن] المغفرة باطنة، والحدود مقامة.
وقال الرافعي: يشبه أن يقال في التفريع على مذهب القاضي: إن التوبة إذا ظهرت امتنعنا عن إقامة الحد عليه، فإن ظهر الصلاح من بعد، أو لم يظهر ما يخالف التوبة فذاك، وإن ظهر ما يخالفها أقمنا الحد عليه، والله أعلم.
واعتبار السنة في إصلاح العمل بعد التوبة؛ لتمضي عليه الفصول الأربعة التي قد تتغير فيها الطباع، وسيأتي [في ذلك]-أيضا- خلاف في كتاب الشهادات، إن شاء الله تعالى.
فرع: حكى القاضي الحسين في باب حد الزنى أن ابن المرزبان قال: إذا قلنا [إن] التوبة تسقط حد الزنى، فقتله قاتل بعدها وهو محصن –فلا يختلف المذهب: أن عليه الدية، وهل عليه القود؟ فيه وجهان، وجه المنع: بشبهة الخلاف.
قلت: وهذا شبيه بالخلاف الذي مضى فيما إذا قتل من أقر به بعد أن رجع عنه.

فروع نختم بها كتاب الحدود -: لا يجوز للإمام العفو عن الحد، ولا تجوز الشفاعة فيه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الشافع والمشفع"، قال الماوردي: وقد أتي معاوية بلصوص، فقطعهم حتى بقي واحد منهم، فقدم ليقطع، فقال: يميني أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى نكالا يشينها يدي كانت الحسناء لو تم سبرها ... ولن تعدم الحسناء عابا يشينها فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها

فقال معاوية: كيف أفعل بك وقد قطعت أصحابك؟! فقالت أم السارق: اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها؛ فخلى سبيله، فكان أول حد ترك في الإسلام.
الاعتبار في الحدود بحالة الوجوب [لا بحالة الأداء، حتى لو وجب الرجم أو الحد في الزنى على حر ذمي، ثم نقد العهد والتحق بدار الحرب، فسبي واسترق – يقام عليه الرجم أو الجلد مائة؛ اعتبارا بحالة الوجوب].
والاعتبار في صفته بحالة الأداء، فإن وجب وهو نضو الخلق، فصح بدنه قبل الإقامة –استوفي بالسياط.
ولو وجب وهو صحيح، فصار نضو الخلق قبل الاستيفاء- أقيم عليه بإثكال النخل.
قال القاضي الحسين: ولا بد للإمام في إقامة الحدود من النية، حتى لو ضربه لمصادرة أو لمعنى آخر وعليه حدود، لا يحسب عنها.
متعاطي الجرائم الموجبة للحدود إذا أقيمت عليه، لا تقام عليه في [الدار] الآخرة مرة أخرى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أصاب حدا فعجل عقوبته في الدنيا فالله

أعدل من أن يثني على عبده [العقوبة في [الدار] الآخرة، ومن أصاب حدا فستر الله عليه، أو عفي عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه"].
كذا قال الجيلي، ثم قال: وكذلك الحكم في حقوق الآدميين إذا استوفيت، أو عفي عنها، والذي رواه البخاري عن عبادة بن الصامت، قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط، فقال: "أبايعكم على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فأخذ به في الدنيا، فهو كفارة له وطهور، ومن ستره الله، فذلك إلى الله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له".
وفي "تعليق" البندنيجي إثبات معنى هذا الحديث [حكما]؛ حيث قال: إذا مات قبل استيفاء الحدود سقط ما كان لله –سبحانه وتعالى- و [كان] حسابه على الله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
والله أعلم بالصواب.


باب التعزير

"التعزير" معناه في اللغة: التأديب.
وفي الشرع: تأديب على ذنب ليس فيه حد ولا كفارة.
وخصصه بعضهم بالتأديب الذي يفعله الإمام، دون ما يفعله الزوج بزوجته، والمعلم بالصبي، وقال: هذا يسمى تأديبا.
وعلى ذلك [جرى] البندنيجي وابن الصباغ.
قال الرافعي: والأول أشهر الاصطلاحين.
وأصل "التعزير": من "العزر"، وهو: المنع والزجر، يقال: عزره، إذا دفعه، ومنه سمي النصر: [تعزيرا؛ لأنه يدفع العدو ويمنعه]، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وتعزروه وتوقروه﴾ [الفتح: 9].
ثم التعزير يوافق الحد في [وجه وهو] كونهما شرعا؛ زجرا وتأديبا للصلاح، يختلفان بحسب الذنب، ويخالفه من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن تعزير ذوي الهيئات أخف من تعزير غيرهم، وهم متفقون في الحد.
والثاني: تجوز الشفاعة في التعزير والعفو عنه، ولا [يجوز ذلك] في الحد.
والثالث: لو تلف من التعزير ضمن على الأصح؛ كما ذكرناه في باب ما تجب به الدية من الجنايات، ولو تلف من الحد كان هدرا، وقد صرح بما ذكرناه [الماوردي] في "الحاوي" و"الأحكام".
قال: ومن أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ كالمباشرة المحرمة فيما دون الفرج، أي: من الأجنبية كما بينه في "المهذب"، أو من صبي، وسرقة ما دون النصاب، والقذف بغير الزنى، والجناية بما لا يوجب القصاص، والشهادة

بالزور، وما [أشبه ذلك] من المعاصي – عزر.
بين الشيخ بهذه الأمثلة أن التعزير يجب في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة، سواء كانت من مقدمات ما فيه حد كالأمثلة الأول، أو لا [كشهادة الزور]، وأنه لا فرق بين أن يتمحض لله تعالى، أو يتعلق بالآدمي.
والأصل في إيجابه – قبل الإجماع؛ كما ادعاه القاضي أبو الطيب - من الكتاب، قوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾ [النساء 34]، فأباح للزوج الضرب عند النشوز والمخالفة؛ فكان فيه تنبيه على التعزير.

ومن السنة: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: في خبر سرقة الثمر: "فإذا أواه الجرين، وبلغ [قيمته ثمن] المجن ففيه القطع، وإن كان دون ذلك ففيه غرم مثله وجلدات نكال"، وغيره من الأخبار التي سنذكرها.
وقد عزر عمر – رضي الله عنه - من زور كاتبا.
وعن علي – رضي الله عنه - لما سئل عن قول الرجل: يا فاسق يا خبيث، فقال: هي فواحش فيهن تعزير، وليس فيهن حد.
وروي عن ابن عباس أنه لما خرج من البصرة استخلف أبا الأسود الدؤلي، فأتي بلص نقب على قوم، فأخذوه في النقب، فقال: مسكين! أراد أن يسرق،

فأعجلتموه، وضربه خمسة عشر سوطا.
قال: على حسب ما يراه السلطان، أي: في [الجنس والقدر] على ما سنبينه؛ لأنه غير مقدر ولا مضبوط، فوكل إلى رأيه يعمل فيه ما تقتضيه المصلحة، من الحبس أو الضرب جلدا أو صفعا].
فإن رأى الجمع بينهما فعل، كذا قاله القاضي أبو الطيب والرافعي وغيرهما.
قلت: وينبغي أن يكون الضرب في هذه الحالة ينقص عن أدنى الحدود نقصا إذا عدل معه الحبس بضربات لا يبلغ مجموع ذلك أدنى الحدود؛ كما سنصفه، وإلا فيلزم فيه زيادة على أدنى الحدود.
وهذا مستمد مما حكيته عن الإمام في تفريق الجلد في حد الزنى.
وللسلطان [أن] يقنع بالتبكيت والتوبيخ باللسان إذا اقتضته المصلحة، وكذا له إشهار التعزير في الناس؛ لتكون زيادة في نكال التعزير، وهذا محثوث عليه في شاهد الزور؛ كما قاله الاصحاب في باب ما على القاضي في الخصوم، ويكون إشهاره على باب مسجده إن كان من أهل المسجد، وإن كان من أهل السوق ففي سوقه، وإن كان من قبيلة [أو قبيل] ففي قبيلته [أو قبيله].
والفرق بين القبيلة والقبيل: أن القبيلة: بنو الأب الواحد، والقبيل: الأخلاط المجتمعون من آباء شتى.
ويقول في النداء عليه: [هذا] شاهد زور فاعرفوه، قال الماوردي [ثم]: ولا يزاد في هذه الشهرة تسويد وجهه ولا حلق رأسه.
ولا فرق في ذلك عند بعض أصحابنا بين أن يكون من ذوي الصيانة أو [من] غيرهم؛ لأن الصيانة قد خرج منها بزوره.

وعن [ابن] أبي هريرة: أن النداء على شاهد الزور مخصوص بغير أهل الصيانة، أما أهل الصيانة فيقتصر معهم على إشاعة الأمر.
[وله أن يجرد من ثياب المعزر ما عدا ما يستر عورته، وينادي] عليه بذنبه إذا تكرر منه ولم يقلع عنه؛ كما حكاه الماوردي هنا.
قال: ويجوز أن تحلق رأسه، ولا يجوز أن تحلق لحيته، وفي جواز تسويد وجهه وجهان.
وقال في "الأحكام": إن الأكثرين جوزوه، [ومنع منه] الأقلون.
وقال القاضي أبو الطيب في كتاب الأقضية – وتبعه ابن الصباع -: إنه لا يحلق نصف رأسه، ولا يسخم وجهه، ولا يركبه، ولا يطوف به؛ لأنه مثلة، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن المثلة.
قال الماوردي: ويجوز أن يصلب في التعزير حيا؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلب رجلا [على جبل يقال له]: أبو ناب.
ولا يمنع – إذا صلب- من طعام وشراب ومن وضوء وصلاة، ويصلي مومئا، ويعيد إذا أرسل، ولا يجاوز بصلبه ثلاثة أيام، وفيما دونها النظر إليه.
ومدة الحبس إذا رآه هل تتقدر؟ قال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا: نعم، تتقدر بشهر؛ للاستبراء والكشف، وبستة أشهر؛ للتأديب والتقويم.
وغيره لم يقدرها.

ويجوز للإمام النفي في التعزير؛ كما قاله الماوردي، وإن ظاهر مذهب الشافعي – رضي الله عنه - أن مدته مقدرة بما دون السنة ولو بيوم؛ كي لا يصير مساويا للتغريب، وكذا صرح به في "الإشراف" عن قول الشافعي، وقد أشار الإمام إلى تضعيف هذا القول في "الغياثي" وإن لم يحكه؛ فإن التغريب بعض الحد، فلو غرب في التعزير [مدة] سنة لم يكن قد بلغ به الحد.
ثم جنس ما يضرب به: الثوب، والنعل، والعصا، والسوط، على حسب ما يراه إلا في ضرب الزوج زوجته؛ فإنه يضرب بالثوب، والنعل، وأكثره العصا، ولا يجوز أن يكون بالسياط؛ لخروجه عن العرف، [ولنقصه عن أحكام الحدود]، كذا قاله الماوردي وغيره، ويظهر أن يكون مفرعا على القول بأنه يضرب في حد الشرب بالسوط، وإنه لا يبلغ بالتعزير حد الشرب –فيظهر أن يقال: لا يجوز الضرب في التعزير [بالسياط] أيضا، والله أعلم.
ثم حيث يجوز بالسوط فصفته في التعزير وكيفية الضرب [به] قد مضت من قبل في باب حد الزنى.
وعلى الإمام في إقامة التعزير –كما قال الأصحاب- مراعاة الترتيب والتدريج في ذلك [كما] يراعيه الدافع للصائل، ولا يرقى إلى درجة وهو [يرى] ما دونها كافيا مؤثرا، كذا صرح به الإمام.
وقد ذكرنا أن بعض التعزيرات يتعين لها بعض الأنواع المذكورة على خلاف فيها؛ كما في قاطع الطريق.
قال [الشيخ- رحمه الله -]: ولا يبلغ به أدنى الحدود؛ لما روى النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ضرب حدا في غير حد فهو من

المعتدين"، ولأن هذه المعاصي دون المعاصي الموجبة للحد؛ فلا يبلغ بما يجب فيها ذلك، لكن ما المراد بالأدنى الذي لا يبلغه؟ اختلف فيه الأصحاب: فمنهم من قال: لا يبلغ تعزير الحر أربعين، وتعزير العبد عشرين، وهذا ما أورده البندنيجي [والمصنف] وابن الصباغ.
ومنهم من قال: لا يبلغ تعزير الحر والعبد] أربعين؛ كما حكاه القاضي الحسين، وتبعه البغوي.
ومنهم من قال: لا يبلغه عشرة؛ لما روى مسلم عن أبي بردة الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله"، وروى البخاري في كتاب الحاربين نحوه، وهذا قول ابن سريج؛ كما حكاه القاضي الحسين، وكذا الماوردي، ونسبه في موقع آخر إلى أبي علي بن أبي هريرة، [وغيره نسبه إلى ابن أبي هريرة] وأبي علي الطبري، ووافقهم صاحب "التقريب"، فقال: الخبر صحيح، ولو بلغ الشافعي –رضي الله عنه- لقال به، وقد صح من أقوال الشافعي: "أن من يبلغه مذهب منه، ويصح فيه خبر على خلافه، فحق عليه أن يعتقد الخبر، [ويعتقد

أنه مذهب الشافعي"؛ فإن كل ما أطلقه في المسائل مقيد باستثناء الخبر]، وكأنه لا يقول قولا في واقعة إلا وهو مصرح بأن الأمر كذلك إن لم يصح خبر على خلافة؛ كذا ساقه الإمام.
ومنهم من قال: لا يبلغ تعزير مقدمات الزنى، والوطء الحرام الذي لا يوجب [فيه] الحد حد الزنى، وله أن يزيده على حد القذف: فإن كان حرا مقصه عن المائة، وإن كان عبدا نقصه عن خمسين، ولا يبلغ تعزير القذف بما لبس بقذف حد القذف، وله أن يزيده على حد الشرب: فإن كان حرا نقصه عن ثمانين، وإن كان عبدا نقصه عن أربعين، ولا يبلغ تعزير مقدمات الشرب حد الشرب، ومنها: إدارة كأس الماء على الشراب؛ تشبها بشارب الخمر، فإن كان عبدا لم يبلغ عشرين، وإن كان حرا لم يبلغ به أربعين، كذا قاله القاضي الحسين والإمام في الكل.
قال الرافعي: وقرب هذا من قولنا: الجناية الواردة على عضو تعتبر بأرش ذلك العضو.
وهذا ما قال به القفال، واختاره الروياني في "الحلية"، وصححه القاضي الحسين في "التعليق"، وجعله القاضي أبو الطيب أصلا لمسألة الحكومة، وذكر الإمام تفريعا عليه: أن مقدمات السرقة تعتبر بأغلب حدود الجلد، وهو [حد] الزنى؛ لأن القطع أبلغ من مائة جلدة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين إطلاق القول على هذا الوجه: بأن الجريمة إذا لم يكن في جنسها حد مقدر كالغيبة والنميمة، لم يبلغ تعزيرها أربعين في طريق، وفي طريق: لا يبلغ به عشرين.
وحكى الماوردي في "الحاوي" عن أبي عبد الله الزبيري –من أصحابنا- أنه قال: تعزير كل ذنب مستنبط من حده المشروع فيه، [وأعلاه [فيمن تعرض لشرب الخمر: تسعة] وثلاثون؛ لأن حد الخمر أربعون]، وأعلاه فيمن تعرض [للقذف بغير الزنى]: خمسة وسبعون؛ لأن حد القذف ثمانون؛ كذا قاله في

الحاوي، وقال في "الإحكام" بعد قوله حكاية عنه: " إن تعزير كل ذنب [مستنبط] من حده المشروع فيه"-: وأعلاه خمسة وسبعون؛ تقصيرا به عن حد القذف بخمسة أسواط، فإن كان الذنب في التعرض للزنى روعي ما كان منه، فإن أصابوه نال منها ما دون الفرج ضربا [معا] أعلى التعزير، وهو خمسة وسبعون سوطا، وإن وجدا في إزار لا حائل بينهما متباشرين غير متعاطيين للجماع ضربا ستين سوطا، وإن وجدا غير متباشرين ضربا خمسين سوطا، وإن وجدا في بيد متبذلين عريانين غير متباشرين ضربا أربعين سوطا، وإن وجا جالسين في بيت عليهما ثيابهما ضربا ثلاثين سوطا، وإن وجدا في طريق يكلمها وتكلمه ضربا عشرين سوطا، وإن وجد منهما الغشارة بغير كلام ضربا عشرة أسواط، وإن وجدوه يتبعها ولم [يقفوا على] غير ذلك فخفقات.
وهكذا نقول في التعرض لسرقة مال يجب فيه القطع: فإذا سرق نصابا من غير حرز ضرب خمسة وسبعين، وإذا سرق من حرز أقل من نصاب ضرب ستين، وإذا سرق أقل من نصاب من غير حرز ضرب خمسين، وإذا جمع المال في الحرز واسترجع منه قبل اخراجه ضرب أربعين، وإذا نقب الحرز ودخل ولم يأخذ ضرب ثلاثين [سوطا]، وإذا نقب ولم يدخل ضرب عشرين، وإذا تعرض للنقب أو لفتح باب ولم يكمله ضرب عشرة، وإن وجد معه منقب أو كان مراصدا للمال فخفقات، ثم على هذه العبرة فيما سوى هذين.
قال الماوردي: وهذا الترتيب وإن كان مستحسنا في الظاهر فقد يجرد للاستحسان فيه عن دليل يتقد ربه.
والصحيح الأول، وهو الذي قال أبو الطيب هنا والماوردي: إنه مذهب الشافعي، رضي الله عنه.
والحديث فقد قال بعضهم: إنه منسوخ، واحتج بعمل الصحابة بخلافه من غير إنكار، وعن عمر – رضي الله عنه - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: ألا تبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطا، ويروى: ما بين الثلاثين إلى

الأربعين، ويروى: عشر جلدات.
ذكر جميع ذلك عنه أبو بكر ابن المنذر.
قال الماوردي: ولو صح فلا يلزم العمل به؛ لجواز أن يرد في ذنب بعينه؛ فلا يجب حمله على جميع الذنوب، ولا على عموم الناس.
وقال غيره: إنه محمول على الزيادة على الجلدات العشر إلى استيفاء الأربعين.
وقال الشيخ زكي الدين: إن ابن المنذر قال: في إسناد الحديث [مقال].
قال: فإن رأى ترك التعزير جاز؛ لما روى أبو داود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود"،

قال الأصحاب: وأدنى درجات الأمر الإباحة، لكن هذا [الحديث] يرويه عبد الملك بن زيد وعطاف بن خالد، وهما ضعيفان؛ فالحجة فيما ذكرناه: ما قاله الشافعي -رضي الله عنه- أنه كان غير شيء يثبت له التعزير صلى الله عليه وسلم فلم يعزر.
ومن ذلك ما روي أنه عليه السلام كان يقسم الغنائم، فمر به واحد، فقال: هذه القسمة ليس يراد بها وجه الله.
[ويروى] أنه قال: اعدل [يا محمد فلست تعدل، فقال [له]: "لقت خبت وخسرت إن لم أعدل] فمن يعدل"، ولم يعزره.
ومن ذلك ما روى عبد الله ابن الزبير أن رجلا خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسق، [ثم أرسل إلى جارك"؛ فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟! نتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " يا زبير اسق] أرضك، واحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر"، فلو لم يجز ترك التعزير لعزره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قال.
[ومن ذلك ما] روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض الأسفار على بعير، فجاءه أعرابي وجبذ رداءه حتى أثرت جبذته في عنقه، وقال: احملني فإنك لا تحملني على بعيرك [ولا] على بعير أبيك؛ فثرنا إليه مالجبل من الحديد، وهممنا بقتله؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "عزمت على من سمع كلامي أن يثبت مكانه"، فوقفنا بعضنا على إثر بعض، وأيدينا على مقابض السيوف ننتظر أمر النبي صلى الله عليه وسلم فدعا أسامة، وقال: "احمله على بعير الزاد"، ولم يعزره.

ولأنه ضرب غير محدود؛ فلم يكن واجبا؛ كضرب الزوج زوجته، والوالد ولده، والمعلم صبيلنه.
ثم ظاهر إطلاق الشيخ يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون التعزير لمحض حق الله تعالى أو للآدمي فيه حق، والشيخ في هذا الإطلاق تبع الشيخ أبا حامد، وقال في "المهذب": إذا رأى [الإمام] ترك التعزير جاز إذا لم يتعلق به حق آدمي.
فأفهم أنه إذا تعلق به حق آدمي لم يجز تركه، وقد صرح القاضي أبو الطيب والماوردي به، وحكاه الإمام وجها وكذا الرافعي، وقاسه على القصاص، وقال: إن قضية ما في "التهذيب" ترجيح مقابلة.
قال الإمام: والأول أغوص، وهو جواز الترك وإن كان فيه حق آدمي؛ لأن مقدار التعزير إلى الإمام، والتغليظ بالقول من التعزير، ونحن لا نعتقد تصور صورة لا يرى الإمام فيها توبيخا؛ فإن من أساء أدبه بالجهات التي ذكرناها لا يسكت عنه، ولا يلزم على مقابلة سوء أدبه؛ فيؤل هذا إلى أن الإمام لو أراد الاقتصار من التعزير على ترك سلام فهل له ذلك؟ وسئل الغزالي [عن] ذلك، فقال: لا يجوز له الإهمال مع الطلب، ولكن هل يجوز الاقتصار على التوبيخ باللسان دون الضرب؟ فيه وجهان.
وفي الإشراف: أن بعض المتأخرين من أصحابنا قال: التعزير في قذف زوجته الكتابية [والرقيقة] واجب، وما سواه ليس بواجب، وأن في وجوبه على البكر إذا ظهر فيها حمل [وجهان] والأصح: المنع.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل