كتاب الأقضية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ذلك القاضي حبسه بحق أم لا، وحبس القضاة منقسم إلى حبس بحق، و [إلى] حبس ظلم وأدب، فيحمل على تأدية حق.
قال الإمام: ولست أنكر اتجاه هذا في القياس؛ فإن التشبث به من حق الحبس.
ولو ظهر بعد النداء خصم، وادعى أنه محبوس في حقه: فإن صدقه بأنه محبوس له لم يخف الحكم مما تقدم، وإن كذبه قيل للحاضر: أنت الآن مدع، فإن ادعيت بحق سمعناه، وإلا فأت ببينة تشهد بأنه كان محبوساً بدينك، وإلا خليناه؛ كذا قاله في "البحر".
وعن "أمالي" أبي الفرج [السرخسي]: أنه [لا] يكفي لاستدامة الحبس قيام البينة على أن [القاضي] المصروف حبسه بحق هذا المدعي إن لم يبين جنس الدين وقدره.
واعلم أنه [قد] وقع في بعض النسخ: "ومن ادعى أنه حبس بغير حق"، وقد يظن أنها المسألة [التي قبلها، وليس كذلك؛ لأن تلك المسألة] المحبوس أقر بما لأجله حبس، وصدقه الخصم؛ فكان الحبس بغير حق، وهذه لم يدع فيها شيئاً حبس بسببه غير الظلم، ولا عين خصماً له، والحكم الذي ذكرناه لا يختلف؛ [لأن اقتصاره] على ذلك مستلزم لعدم الخصم، ولو قال: حبسني فلان غير الحاكم ظلماً، لا يقبل ذلك منه؛ لأنه خلاف الظاهر، ويستكشف [على ما ذكرناه] فيما إذا قال: حبسني ظلماً.
قال في "البحر": وقيل: إن كان فلان حاضراً أحضره حتى يقيم البينة أن [له] عليه حقّاً، وإلا أطلقه، وإن كان غائباً فوجهان:
أحدهما: يطلق؛ لأن الأصل أن لا حبس.
والثاني: لا يطلق؛ لأن الظاهر أنه حبسه القاضي بحق، [هكذا] ذكره بعض أصحابنا بخراسان.
وكأنه يعني الفوراني؛ لأنه ذكر ذلك في "الإبانة"، والإمام حكى الوجهين في حال الغيبة البعيدة عن بعض المصنفين، وعناه أيضاً، وقال: إنا على القول بعدم الإطلاق نكتب إلى الموضع الذي فيه الخصم حتى يحرص على إظهار حجته، فإن قصر أطلقناه، وعلى مقابله يراقب، فأما الرد إلى الحبس فهو إدامة للعذاب، ولا سبيل إليه قال: وقد يرى الإنسان في مجموعات الأصحاب عبارات موهمة.
تنبيه: كلام الشيخ في هذه المسألة كالمصرح بأن القاضي ينبغي أن يكون له حبس [يعزر] [بالحبس] فيه من يستحق التعزير، وقد صرح به الأصحاب على وجه الاستحباب، واستدلوا لذلك بما روي أن عمر- رضي الله عنه- اشترى داراً بمكة واتخذها سجناً [بمكة]، وروي أن عليّاً- كرم الله وجهه- اتخذ سجناً.
قال القاضي أبو الطيب: وإذا لم يتخذ سجناً أمر بملازمة من توجه عليه الحق، فتقوم الملازمة مقام الحبس.
ولذلك قال: يستحب أن يتخذ درة يؤدب بها من يستحق التأديب، ويرهب بها السفيه والجاهل، وقد اتخذها عمر، رضي الله عنه.
قال: ثم ينظر في أمر الأيتام، أي: الذين في عمله، والأوصياء، أي: عليهم، وكذا [على] المجانين والسفهاء، و [كذا] على تفرقة الصدقات؛ لتوليهم لمال من لا يملك المطالبة ولا يعبر عن نفسه؛ فكان النظر فيهم أولى.
قال الماوردي: ويبدأ بمن يرى من غير قرعة، بخلاف المحبوسين؛ لأن هذا منه نظر اجتهاد، ولأن النظر في المحبوسين لهم، وها هنا عليهم لا لهم.
أما إذا كان المال والأوصياء في عمله والمولى عليهم في غير عمله، فنظره في ذلك مبني على أنه هل له نظر في ذلك المال أم لا؟ وفيه تردد جواب القاضي الحسين، والأصح في "أدب
القضاء" لابن أبي الدم، وإليه مال الإمام: لا؛ بل سبيل تصرفه فيه كتصرفه في أموال الغيب، وسنذكره.
ثم نظره في الأوصياء بعد ثبوت الوصاية لديه بإقامة البينة على الموصي بالوصاية، يكون باختياره في أمانته وقوته، وسنجده لا يخلو فيها من أربع أحوال:
إحداها: أن يكون أميناً قويّاً فيقره، ولا يجوز أن يستبدل به.
الثانية: أن يكون أميناً ضعيفاً لا يقدر على التفرد بتنفيذ الوصية؛ إما لكثرة المال أول ضعفه في نفسه؛ كما حكاه الرافعي، [فعلى القاضي أن يضم إليه من أمنائه من يقوى به] [، ولا يدفع يده].
الثالثة: أن يكون خائناً في الأمانة فاسقاً في الديانة؛ فلا يجوز للقاضي أن يقره عليها، ويجب عليه أن يردها إلى غيره من الأمناء.
الرابعة: أن يكون ثقة في الأمانة فاسقاً في الديانة، فينظر في الوصية: فإن كانت بالولاية على الأطفال ونحوهم أو تفرقة الثلث [في غير] معينين [انتزعها منه، وردها إلى أمين، وإن كانت بالوصية في تفرقة الثلث في معينين] أو قضاء دين لمسميين، قال الماوردي: جاز أن يقرها في يده، والفرق: أن في تلك ولاية واجتهاداً، وليس الفاسق من أهلها، وهذه مقصورة بالتعيين على التنفيذ دون الاجتهاد.
وفي "البحر" وغيره إطلاق القول بنزع المال منه في حال [قوة] أمانته في التصرف وفسقه في الديانة.
وقد تتفق حالة خامسة، وهي أن يشك القاضي في عدالته، وقد حكى ابن الصباغ فيها وجهين:
أحدهما- عن الإصطخري-: أنه يقر المال في يده؛ لأن الظاهر الأمانة.
والثاني- عن أبي إسحاق، وهو المختار في "المرشد"-: أنه ينتزعه حتى تتحقق عدالته.
قلت: وهذا التوجيه يقتضي أن يكون مذهب كل واحد منهما خلاف ما حكيناه عنه فيما إذا حبس لأجل الاستزكاء.
ولو أقام الوصي بينة بأن القاضي المنصرف نفذ وصيته، وأطلق تصرفه في المال- قال ابن الصباغ والبندنيجي والمصنف: لم يكن [للقاضي الثاني] التعرض له، ويمضيه على ما ثبت عنده من حكم الأول؛ لأن الظاهر: أن الأول لم ينفذه إلا بعد ثبوت أهليته.
نعم، يراعيه، فإن تغير حاله [إلى حالة] من الأحوال الثلاثة عامله بما ذكرناه، هكذا أورده صاحب "البحر" وغيره.
[ثم] [في] الحالة التي يقر المال في يده لو كان موجوداً، لو ادعى أنه صرفه في جهاته، قال الرافعي: فإن كان مستحقوه بالوصية معينين، لم يتعرض له؛ لأنهم يطالبون لو لم يصل إليهم، وإن كانوا غير معينين فالقول قوله، ولا يضمنه، ولو كانوا أطفالاً ونحوهم فقد تقدم حكمهم في باب الحجر.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الوصي إذا كان قد أنفذ الوصاية وفرغ فالقاضي بالخيار: إن شاء حاسبه، وإن شاء ترك.
وفي الحالة التي ينتزع المال من يده لو كان باقياً، لو كان قد تصرف فيه، قال الماوردي وغيره: فإن [كان] مستحقوه معينين بالوصية تبرعاً أو في وفاء دينه، فلا يتعرض له، والمستحق هو المخاصم.
وإن كان غير معين، أو كان طفلاً، قال الماوردي: فإن كان فسقه خفيّاً يفتقر [إلى اجتهاد] نفذ تصرفه، ولم يضمن إلا بالتعدي ما لم يحكم القاضي بفسقه، وإن كان فسقه ظاهراً لا يفتقر إلى اجتهاد
[رد] تصرفه، وغرمه إذا لم يمكن التدارك كما إذا فرق على المساكين.
قال: وليس له أن يرجع على المساكين بما فرقه وإن صدقوه [على الوصية]؛ لأنه يقر بوصوله إليهم [بحق].
[وفي "المهذب" حكاية وجهين في ضمانه في هذه الصورة،] ووجه المنع بأنه دفعه إلى مستحقه فهم كالمعينين، والمختار في "المرشد": الأول.
وأطلق الرافعي القول بالضمان عند وجوده فاسقاً؛ لتصرفه لا عن ولاية من غير تفصيل بين فسق [خفي أو ظاهر.
نعم، حكى أنه لو ادعى أنه فرق الثلث الموصي به لغير] معين؛ خوفاً عليه من أن يضيع- وجهين في ضمانه، وأظهرهما: الوجوب، ويظهر أن ينبني الخلاف فيما إذا فرقه الوصي [الفاسق] في حالة الخوف، على ما إذا فرقه من ليس بوصي في هذه الحالة وهو عدل، وفيه وجهان حكاهما ابن الصباغ وأبو الطيب، فإن قلنا: يضمن- وهو الصحيح في "تعليق" أبي الطيب، والمختار في "المرشد"- فالوصي الفاسق أولى، وإلا فوجهان.
وإذا جمعت بين ما حكاه في "المهذب" وغيره واختصرت، قلت: في ضمانه عند تفريقه في غير معين ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان في حال الخوف عليه لم يضمن، وغلا ضمن، وقد اتفق الكل على أن مستحق الثلث لو كان معيناً لم يضمن الوصي ولا الأجنبي وإن لم يكن ثم خوف؛ لأن للمعين الاستقلال بالأخذ.
قال: ثم ينظر في أمر أمناء القاضي- أي: الذي كان قبله- المنصوبين [للنظر] في أموال الأيتام والمحجور عليهم الذين لا وصي عليهم، وكذا في تفرقة الوصية؛ لما ذكرناه، والخيرة في التقديم [إليه] كما حكاه الماوردي، وإذا نظر فيهم:
فإن كانوا باقين على حالهم في العدالة والكفاءة أقرهم.
قال ابن الصباغ: ولا يحتاج إلى تولية؛ لأن الذي قبله ولاهم.
وإن كان قد تغير [حال] أحدهم بفسق عزله، وإن كان بضعف ضم إليه من يعينه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"البحر": أنه بالخيار إن شاء [عزله و] انتزع ذلك منه عند بقائه على الاستقامة، وإن [شاء] أقره وحده أو ضم إليه غيره.
والأمر في باقي الأحكام [كما] تقدم في الأوصياء، ولابد من إقامة البينة على أن القاضي المنصرف [قد ولاه، ولا يكفي قول المنصرف: إني وليته،] فلو لم تقم بينة فكل ما أنفق وادعى غرمه على اليتيم وعلى غيره، حكمه فيه كالمستولى عليه من غير تولية أحد، قاله القاضي الحسين.
فروع:
إذا فعل الأمين ما لا يجوز عن جهالة به لم ينعزل، ويرد ما فعل، فإن أمكن استدراكه لم يغرمه، وإلا غرمه.
إذا ادعى الأمين أن القاضي [المنصرف] قطع له أجرة، فإن أقام [على ذلك] بينة، وكان ذلك القدر أجرة المثل- عمل بها، وإن كان أكثر من أجرة المثل رد الزائد عليها، وإن لم تقم بذلك بينة، ففي الأجرة قولان في "تعليق" القاضي الحسين وغيره:
أحدهما: لا شيء له.
والآخر: القول قوله، فيحلف ويستحق أجرة المثل.
وقد حكى الماوردي الخلاف المذكور وجهين، وأنهما مأخوذان من الوجهين فيما إذا ادعى راكب الدابة إعارتها، وادعى المالك [إجارتها]، في أنه هل يستحق
[عليه] الأجرة أم لا؟ فإن قلنا: لصاحب الدابة الأجرة، استحق الأمين ها هنا، وإلا فلا.
وتبعه الروياني في ذلك.
وقال الإمام: إن الخلاف ها هنا مبني على الخلاف، فيما إذا عمل لغيره عملاً، ولم يسم له أجرة، هل يستحقها أم لا؟
على القاضي بعد تصفح أحوال الأمناء والأوصياء أن يثبت [في ديوانه] حال كل أمين ووصي وما في يده من الأموال، ومن [يلي] عليه من الأيتام؛ ليكون حجة في الجهتين، فإن وجد ذكره في ديوان القاضي الأول عارض به وعمل بأحوطهما، قاله في "الحاوي"، ولفظه في "البحر": يجب على القاضي.
وسرد ذلك.
قال: ثم في أمر الضوال واللقطة؛ للمعنى الذي ذكرناه.
والضوال: الماشية من الإبل والبقر والغنم، واللقطة: كالمتاع والأعيان؛ كذا قاله ابن الصباغ.
وقال البندنيجي: إن الضوال: ما كان من البهائم التي لا يجوز التقاطها، وهو ما امتنع من صغار السباع؛ كما ذكرناه في بابه.
ونظره في الضوال: إن كان في بقائها ضرر أو تحتاج إلى مؤنة باعها وحفظ ثمنها، وإلا بقاها وتركها في الحمى حفظاً لمالكها.
ونظره في اللقطة: الذي وجدها: إن اختار تملكها فهو أحق بها، وإن لم يختر ذلك أمر أميناً بأخذها وحفظها على صاحبها، وإن رأى أن يخلطها بمال بيت المال، حتى إذا جاء صاحبها أعطاه قيمتها من بيت المال- فعل، كذا حكاه ابن الصباغ.
وقال البندنيجي: إن نظره فيها إذا ردها الملتقط ولم يختر تملكها فيحملها
[إلى] الحاكم؛ ليحفظها على ربها، [فينظر: إن كانت مما لا مؤنة في حفظها كالجواهر والأثمان، حفظها على ربها،] وإن كانت [مما لاستبقائها] مؤنة: كالأمتعة الجافة، [أو الحيوان] الذي يحتاج في حفظه إلى الإنفاق عليه- باعه وحفظ ثمنه [على صاحبه].
وكذا ينظر في الوقوف العامة والخاصة؛ كما قاله الماوردي:
أما العامة؛ فلأن مستحقيها لا يتعينون، فمل يقف النظر على مطالب.
وأما الخاصة؛ فلأن منتهاها إلى من لا يتعين من الفقراء والمساكين، ويكون نظره هل أفضت إليهم أم لا؟ وهل يستحق الولاية على من تعين منهم لصغر أو جنون أو سفه؟ وليعلم سبلها فتحمل على شرط واقفها.
وإن تغير حال الولي عليها فعل ما قدمناه في الأولياء والأمناء؟
ومن تمام نظره فيها: تعاهدها بالإسجال [عند تطاول] المدة؛ لتكون الحجة باقية ومثبتة [في ديوانه، وقد حكيت ذلك في كتاب الوقف عن نص الشافعي- رضي الله عنه- كما حكاه [القاضي أبو الطيب في باب عقد الذمة].
تنبيه: كلام] الشيخ في هذا الفصل والذي قبله يعرفك أن ولاية القاضي تتضمن النظر والتصرف فيما ذكره، كما اقتضى كلامه في أثناء هذا الباب وغيره تضمنها التصرف في أمور أخر، وقد تكلم الأصحاب فيما يقتضيه [مطلق] ولاية القضاء، وملخصه: أنه يستفيد به سماع البينة والحكم، والتحليف، وفصل الخصومات، بحكم أو بصلح عن تراض، واستيفاء الحقوق، والحبس عند الحاجة، والتعزير، وتزويج اللواتي ليس لهن ولي خاص، والولاية في مال الصغار والسفهاء والمجانين [عند عدم أولياء النسب والأوصياء]، والنظر في الضوال
و [اللقط] والوقوف؛ حفظاً للأًول، وإيصالاً للغلات إلى مصارفها بالفحص عن حال المتولي إذا كان [لها] متولٍّ، وبالقيام [به] إذا لم يكن، والنظر في الوصايا، وتعيين المصروف إليه إذا [كانت الوصية لجهة] عامة إذا لم يكن [لها وصي]، والفحص عن حال الوصي إذا كان كما تقدم، وله النظر في الطرق والمنع من التعدي فيها بالأبنية وإشراع ما لا يجوز إشراعه، كذا أطلقه الماوردي في "الأحكام" وغيره.
وفي "الحاوي": إن جاءه متظلم دخل في ولايته، ونظر فيه، وإن لم يأت متظلم دخل ذلك في الحسبة، وكان أحق بالنظر فيه، فإن لم يفتقر إلى اجتهاد تفرد به المحتسب، وإلا كان القاضي بالاجتهاد [فيه] أولى من المحتسب، ويكون المحتسب فيه منفذاً لحكم القاضي.
[وله] نصب المفتين والمحتسبين، وأخذ الزكوات كما قاله في "الإشراف".
وفصَّل الماوردي فيها، فقال: إن أقام الإمام لها ناظراً خرجت من عموم ولاية القاضي، وإلا فوجهان.
قال الرافعي: ويشبه أن يطرد هذا التفصيل في المحتسبين، وكذلك القول في إمامة صلاة الجمعة والعيدين.
قال الماوردي: إن أقام الإمام لها شخصاً، خرجت من عموم ولاية القاضي، وإلا فوجهان.
قال الرافعي: ويقرب من هذه الأمور نصب الأئمة في المساجد.
وله الحكم بنفقات الأقارب والزوجات والرقيق، وتقديرها برأيه واجتهاده، والنظر في التعديل والتجريح والتقليد والعزل.
وله إقامة الحدود على مستحقها فيما يتعلق بحقوق الآدميين: كحد القذف،
والقصاص على النفوس والأطراف، فأما ما يتعلق بحدود الله- تعالى-[المحضة]: كحد الزنى وشرب الخمر وتارك الصلاة، فقد جزم في "الأحكام" بأن له إقامتها- أيضاً- من غير طلب، وقال في "الحاوي": إن تعلقت باجتهادٍ كان القاضي أحق بها، ويأمر ولاة المعاون باستيفائها وهو أولى من مباشرتها بنفسه، وعليهم أن يعملوا بأمره فيها، وإن لم تتعلق باجتهاد كان الأمير أحق بها؛ لتعلقها بتقويم السلطنة، فإن تعلق بها سماع البينة، سمعها القاضي، واستوفى الأمير.
وأطلق في "الإشراف" القول بأنه لا يقتل مرتد دونه، ولا يستوفى [في] حد دونه، فإن فعله فاعل عزره القاضي.
وله- كما قال في "الإشراف"- إقطاع أراضٍ ورثها المسلمون في ولايته.
وفي جباية الخراج والجزية وحفظ مال بيت المال خلاف بين الأصحاب، والأظهر في "الرافعي" وبه جزم الماوردي: المنع.
والنظر في أموال الغيب، قال الماوردي: إن علموا بها فلا نظر للقاضي فيها؛ لوقوعها على اختيار، وإن لم يعلموا [بها بأن] ورثوها وهم لا يعملون، فهي داخلة في نظر القاضي، وعليه حفظها حتى يقدموا أو يوكلوا؛ فيتخرج حينئذ من نظره.
قال الإمام في أول كتاب قسم الفيء والغنيمة: وحفظها يكون بصيانتها إن لم يخشَ هلاكها، وإن خشي فهو كالبيع عند خوف الفوات بالكلية، وكذا خوفه تلف المعظم، ولا يجوز البيع عند خوف الاختلال الذي لا يتراقى إلى تلف المعظم [ولم يكن سارياً]؛ لأن معظم الأمة لا يعدون ذلك ضياعاً.
وهذا إذا امتدت الغيبة، وعسرت المراجعة [قبل وقوع الضياع، ولم يمكن تدارك الضياع بالإجارة؛ فلو أمكنت المراجعة،] أو لم ينقطع الخبر انقطاعاً يغلب على الظن الإياس من
العود قبل المستدرك- فلا يسوغ التصرف مطلقاً، ولو أمكن التدارك عند عسر المراجعة بالإجارة، اكتفى القاضي بها ولم يبع.
قال الإمام: وإجارة القاضي لأملاك الغُيَّبِ في معنى بيع الأعيان المشرفة على الهلاك؛ فإن المنافع متعرضة للضياع على مر الزمان.
قال: وهذا إذا لم يصدر من الغائب نهي عن التصرف في ماله؛ لأن جواز التصرف فيه كان من حيث إن قرائن الأحوال تدل على أن الغيب لا يأبون أن يرعى حقوقهم من يلي أمر المسلمين؛ فلو فرض من المرء عند الغيبة نهي عن البيع، وانتهى الأمر إلى الضياع- فلسنا نرى البيع جائزاً- والحالة هذه- إلا أن يكون حيواناً، فإنه يباع؛ لأجل حرمة الروح؛ كما يباع في حضرته إذا كان لا يستقل بالإنفاق عليه.
قال: وإن كان القاضي قبله لا يصلح للقضاء نقض أحكامه كلها، [أصاب فيها أو أخطأ؛ لأنه حكم من لا يجوز حكمه] فوجب نقضه كما لو صدر عن بعض الرعية من غير تحكيم، وهذا ما أورده البندنيجي [والبغوي والمصنف، قال الرافعي: وغيرهم.
وكلام الغزالي] في "الوسيط" الذي حكيناه من قبل مصرح بأن من ولاه السلطان ذو الشوكة تنفذ أحكامه، و [قد] حكينا عن صاحب "الكافي" إبداءه احتمالاً، وذكرنا ما قيل في ذلك، وفي "البحر": أن امرأة لو قلدت القضاء على مذهب أبي حنيفة، فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه، فحكمت- هل للشافعي نقض حكمها؟ قال الإمام: جرى فيه وجهان:
أحدهما: [ينقض]، وهو اختيار الإصطخري.
والثاني: لا ينقض؛ لأنه مجتهد فيه.
قال: وإن استعداه خصم على القاضي قبله [لم يحضره حتى يسأله] عما بينهما؛ لجواز أن يقصد تعييبه وتبذيله وتحليفه بغير حق.
قال: فإن ادعى عليه مالاً غصبه أو رشوة أخذها على حكم أحضره؛ لأنه ذكر سبباً محتملاً، ويتعذر إثباته قبل إحضاره، وهكذا الحكم فيما إذا ادعى عليه ديناً وغيره.
ثم للمعزول أن يوكل عنه في سماع الدعوى عليه ولا يحضر، وإذا حضر استؤنفت الدعوى عليه، فإن أقر أو قامت عليه بينة بالمدعي، حكم عليه [به]، وإن أنكر ولا بينة فالقول قوله مع اليمين؛ كما صرح به الماوردي، [وقال] القاضي أبو الطيب في دعوى الرشوة: إن في تحليفه ما سيأتي.
قال: وإن قال: حكم عليّ بشهادة فاسقين أو عبدين، أي: وهو يعلم ذلك، وأنه لا يجوز، وأنا أطالبه بالغرم- فقد قيل: يحضره؛ لأن ما ادعاه محتمل، وكان عليه الحضور؛ كما لو ادعى عليه مالاً، وهذا قول الإصطخري وابن القاص كما حكاه أبو الطيب، وهو الأصح عند القاضي الروياني في "البحر"، وعند غيره- أيضاً- كما قاله الرافعي.
وقيل: لا يحضره حتى يقيم المدعي بينة أنه حكم عليه؛ لأن الظاهر من أحكام الحكام [نفوذها على] الصحة؛ فلم يجز أن يعدل بها عن الظاهر إلا ببينة؛ صيانة لولاة المسلمين عن البذلة إلا بما يوجبها.
قال ابن يونس: ولأنه يسهل على المدعي إقامة البينة على الحكم؛ لأنه يقع ظاهراً، بخلاف أخذ المال.
وهذا فيه نظر؛ لأن القاضي أبا الطيب قال: [إنما] تسمع البينة على هذا الوجه إذا شهدت على إقراره بأنه حكم [عليه] بشهادة لا يجوز الحكم بها، وإذا كان كذلك فهذا كالمال سواء.
لكن في "الرافعي" أن البينة إن شهدت على إقراره بذلك أحضره، وإن شهدت بما ادعاه المدعي أحضره، وهذا الوجه أصح عند صاحب "التهذيب".
وفي "الحاوي" حكاية [وجه] ثالث [: أنه] إن اقترن بدعواه أمارة تدل
على صحتها من كتاب أو محضر ظاهر الصحة أحضره، وإن تجردت الدعوى عن أمارة لم يحضره، وفي هذا الوجه يندرج ما حكاه ابن يونس أنه قيل: يكفي في إحضاره أن يقيم بينة أنه حكم عليه بقضايا.
ولو ادعى المدعي أن الحاكم أخذ المال منه بشهادة المذكورين، ودفعه إلى فلان-[أحضره جزماً]؛ لأن هذا [الأخذ كالغصب].
قال [الشيخ]: فإن حضر، أي: تفريعاً على الوجه الأول، أو باختياره تفريعاً على الثاني؛ كما قاله في "البحر"، وقال: حكمت عليه بشهادة عدلين حرين- فالقول قوله مع يمينه، أي: بعد استئناف الدعوى، كما صرح به الماوردي؛ لأنه أمين ادعى عليه خيانة أنكرها؛ فكان القول قوله [مع اليمين] كالمودع.
وقيل: القول قوله من غير يمين؛ لأن في تحليفه امتهاناً له وابتذالاً، وفي خصوم الحاكم كثرة؛ فربما أدى ذلك إلى ألا يتولى أحد القضاء لما يلحقه من عاقبة الابتذال، وهو قول الإصطخري وصاحب "التلخيص" و"التقريب"، وإيراد القاضي أبي الطيب يقتضي ترجيحه، وقد صححه الشيخ أبو عاصم والبغوي والماوردي كما قاله الرافعي.
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه، ولأن حقوق الآدميين يستوي فيها الكافة، وقد حكى الرافعي هذا عن اختيار العراقيين والقاضي والروياني، وهو كذلك في "البحر"، وفي "الحاوي" نسبته إلى أبي إسحاق، أما إذا حضر بعد إقامة البينة عليه بالمدعي فلا بد- أيضاً- من تجديد الدعوى، ولا يتجه الإنكار؛ لوجود البينة.
نعم، لا يكتفي بما شهدت به أولاً؛ بل [لا] بد من الأداء في وجهه على المعهود.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون المدعي حكماً في مال أو [في] دم، وقد
نصب الغزالي الخلاف المذكور في الأعداء في سماع أصل الدعوى، وقال: إنه مبني على الخلاف في أن الحكم بشهادة العبدين ومن في معناهما، هل يقتضي غرماً؟ وأشار بهذا إلى [أن] ما يجب بخطأ الإمام، هل يجب في ماله أو على عاقلته إن كانت تتحمله، أم لا يجب إلا في بيت المال؟ فإن قلنا بالثاني لا تسمع الدعوى عليه، وإلا سمعت كما في قتل الخطأ.
وأطلق في "الإشراف": أن محمد بن جرير الطبري وغيره من أصحابنا قالوا: لا ينبغي أن يُفَوَّ سهم هذه الدعوى نحو القاضي؛ لأن فيه تشنيعاً عليه، وهو مستغن عن هذا التشنيع عليه، بأن يقيم بيِّنة على فسق الشهود.
وحكى عن بعض الأصحاب أنه قال: دعوى الطعن في الشهود مسموعة على القاضي؛ لأنه ربما يتعذر عليه إقامة البينة.
وقال الرافعي: إن ما ذكره الغزالي من الخلاف غير معروف.
نعم، إن كان المحكوم به قطعاً أو قتلاً، فعن الإصطخري: أن القاضي إنما يضمن إذا استوفاه بنفسه، أو أمر من استوفاه، [فأما إذا استوفاه] الولي بإذن القاضي فلا ضمان على القاضي.
وخالفه الأكثرون، وقالوا: لا فرق؛ فإن القاضي هو [الذي] سلط الولي؛ فيمكن أن يجري هذا الخلاف في الأموال.
انتهى.
قلت: وما أنكره الرافعي على الغزالي غير متجه عليه؛ لأن الإمام حكاه، ولفظه: إذا ادعى على الأول أنه ترك الصواب في حكمه، وقضى بشهادة عبدين أو معلنين بالفسق، فهل يقبل القاضي الجديد هذه الدعوى؟ ذكر العراقيون [فيه] وجهين:
أحدهما: لا يقبلها، ولا يستحضر المعزول لذلك.
وهذا ليس بشيء.
والوجه: القطع باستحضاره، والبحث عن حقيقة حاله.
فرع: إذا ادعى على القاضي بعد العزل: أنك قتلت أبي، فقال: قتلته في أيام ولايتي قوداً، وعرف القاضي قاضياً فيما سبق من الزمان- قال صاحب "التقريب": فالقول قوله ولا يمين عليه.
وذكر العبادي: أنه الأصح.
قال في "الإشراف": وعلى طريقة أبي حامد يحلفه.
ثم قال: ويمكن بناؤهما- على طريقة أبي حامد- على القولين في تبعيض الإقرار، وهو إذا قال: له عليّ ألف من ثمن خمر [أو خنزير].
وهذا حكم الدعوى على المعزول، أما الدعوى على المتولي: فإن كانت بما لا يتعلق بالحكم حكم بينهما خليفته أو قاضٍ آخر كما سبق، وإن ادعى ظلماً في الحكم وأراد تغريمه؛ لم يمكن، ولم يحلف القاضي، ولا تغني دعواه إلا بالبينة، وكذا لو ادعى على الشاهد أه شهد بالزور وأراد تغريمه؛ لأنهما أمينان شرعاً، ولو فتح باب تحليفهما لانسد الأمر، ورغب القضاة عن القضاء، والشهود عن أداء الشهادات، وهذا ما حكاه الإمام في باب الامتناع عن اليمين، وكذا الحكم لو قال القاضي: قد عزلت، وأنكر، وعن الشيخ أبي حامد: أن قياس المذهب التحليف في جميع ذلك؛ كسائر الأمناء إذا [ادعيت عليهم خيانة]، وهو ما جزم بتخريجه القاضي أبو الطيب في الشهود، وقال: إن الشهادة عليهم بالتزوير إنما يتصور إقامتها على الإقرار.
قال: وإن قال: جار عليّ في الحكم؛ نظر [في الحكم]: فإن كان في أمر لا يسوغ فيه الاجتهاد؛ أي [: بأن] يكون مخالفاً للنص أو الإجماع أو القياس الجلي، [أو ما] في معناه كما سنذكره، وقد ثبت المدعي بالبينة أو بإقرار الخصم-[نقض حكمه؛ كما ينقض] حكم نفسه إذا ظهر له ذلك، وقد روي أن علي بن أبي طالب نقض حكم شريح لما حكم في ميراث امرأة ماتت وخلفت زوجاً وابني عم أحدهما أخ لأم: بأن للزوج النصف، والباقي للأخ من الأم؛ تشبيهاً بالأخ من الأب [والأم مع الأخ من الأب]، وقال له: في أي كتاب وجدت هذا؟! وحكم علي- كرم الله وجهه-[بأن] للأخ من الأم السدس، وقسَّم الثلث الباقي بينهما نصفين؛
لاعتقاده أن ما قضى به شريح مخالف لنص الكتاب العزيز؛ فإن الله- تعالى- يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ الآية، وسنذكر في أواخر الباب التالي لهاذ بقية أدلة جواز النقض.
قال: وإن كان [في أمر] يسوغ فيه الاجتهاد كثمن الكلب وضمان خمر الذمي، فإن وافق رأيه لم ينقضه؛ لأن له الحكم به، بل يجب عليه، فكيف ينقضه؟!
قال: وإن خالفه؛ ففيه قولان:
أحدهما: ينقضه، قال ابن الخل: لأنه حكم يتعلق باجتهاده؛ فإذا خالفه لم يعتد به.
والثاني: لا ينقضه؛ [لأن نقضه] يمنع استقرار حق لأحد؛ لأنه يتسلط كل من ولي القضاء على نقض أحكام من قبله، وهذا ما اختاره النواوي.
واعلم أن بعض الشارحين لهذا الكتاب ومن يتبع ألفاظ الشيخ للاعتراض عليها، اعترض على الشيخ- رحمه الله- فالمتأدب منهم، قال: القول بعدم النقض في هذه الصورة لم يذكر في مشاهير الكتب سواه، وغير المتأدب قال: قول النقض في هذه الصورة [على] خلاف الإجماع؛ لأن ما يسوغ فيه الاجتهاد إذا اتصل به حكم حاكم نفذ، ولا يجوز لأحد بعده نقضه، وعلى هذا مضت العصور، ولو فتح هذا الباب لوقع الناس في حرج عظيم في نقض الأحكام، واسترجاع ما مضى من الأمور بمجرد الوهم والخيال.
وأطنب في القول [في ذلك]، ثم قالوا: نعم، حكى المحاملي في "المقنع" قولين فيما إذا خالف رأيه على غير هذا الوجه، وهما متجهان كما قاله بعضهم:
أحدهما: يمضيه.
والثاني: لا يمضيه، بل يمتنع عن الحكم في تلك الواقعة؛ ليرفع إلى غيره، كما يمتنع من القضاء لنفسه ولولده على خصمه.
قلت: وما ادعي من أن نقض الحكم الذي يسوغ فيه الاجتهاد خلاف
الإجماع، لم أر في كلام الأصحاب ما يخالفه، وقد وافق عليه ابن الصباغ حيث قال: وقد أجمعت الصحابة على ذلك؛ فإن أبا بكر- رضي الله عنه- حكم في مسائل باجتهاده، وخالفه عمر- رضي الله عنه-[فيها] ولم ينقض حكمه.
وأما حكاية القولين في أنه إذا خالف [رأيه] هل يمضيه أو يتوقف؟ فهما صحيحان، وقد أوردهما أيضاً البندنيجي وابن الصباغ والماوردي وصاحب "الكافي" وغيرهم عند الكلام في النظر في أمر المحبسين، وتبعهم في ذلك، والرافعي حكاهما وجهين عن رواية أبي الفرج السرخسي، وأن أصحهما: أنه ينفذه، وهو الذي عليه العمل، [وأن] ابن كج حكى مقابله عن نص؛ لأن التنفيذ إعانة على ما هو خطأ عنده.
ومع هذا كله فعمَّا [أورد على] الشيخ- رحمه الله-[أجوبة، ذكر منها الأولين صاحب "التهذيب":
أحدهما: حمل كلام الشيخ] على ما حكاه المحاملي وغيره؛ لأن نقض الشيء يكون حقيقة إذا نقض بجملته، وإذا نقض [بعضه] لم يمتنع إطلاق اسم النقض [عليه] بطريق المجاز، دليله: الحائط إذا نقض بعضه يصح أن يقال: نقض الحائط، وإذا كان كذلك فعدم إمضائه نقض لبعض الحكم؛ فصح هذا الإطلاق عليه.
الثاني: حمل ما قاله الشيخ على بعض الصور التي يسوغ فيها الاجتهاد، لا [على] كلها، وهي:
[ما] إذا حكم حاكم بشفعة الجوار، ثم رفع [الأمر] إلى حاكم شافعي-
فللشافعي في نقضه قولان؛ بناءً على أن شفعة الجوار هل تثبت عنده أم لا؟ والجديد: النقض؛ لأن الجديد عدم ثبوتها، والقديم: المنع؛ لأن في القديم أنها تثبت، حكاه الغزالي وغيره.
وإذا حكم حاكم بانقطاع زوجية [امرأة] المفقود، ثم جاء حاكم آخر وخالف رأيه رأي الأول- ففي نقضه قولان:
أحدهما: نعم؛ بناءً على الجديد.
والثاني: لا؛ بناءً على القديم.
لكن للمنازع أن يمنع هذا الجواب؛ لأن من نقض الحكم في الصورتين مستنده أن ذلك يخالف النص والقياس الجلي؛ فلم يتواردا على محل واحد، ثم- أيضاً- المراد: أن يجري القولان عند مخالفة رأيه، وعلى هذا التقدير لم يجريا مع المخالفة، بل من اعتقد الجواز لم ينقض، ومن منع الجواز نقض.
الثالث- وهو ما خطر لي-: أن هذا السؤال إنما جاء من إعادة الضمير في [قول الشيخ]: "وافق رأيه أو خالفه"، إلى القاضي الذي ترافعا إليه؛ لأن محل دعوى ابن الصباغ وغيره الإجماع عند المخالفة على عدم النقض، وأنا أقول: عوده إلى القاضي المعزول [ممكن، ويكون تقدير الكلام: نظر في الحكم، فإن وافق رأيه، [أي:] رأي الحاكم المعزول] بأن كان حنفيّاً، وحكم بضمان خمر الذمي وقيمة الكلب المعلم- لم ينقضه، أي: الحاكم [المولَّى]؛ للإجماع، كما ذكرنا من قبل، وقد حكينا عند الكلام في [أمر] المحبسين اتفاق الأصحاب عليه، وإن خالفه، أي: خالف رأي الحاكم المنصرف، بأن كان شافعيّاً وحكم بذلك- ففيه قولان:
أحدهما: ينقضه، وهو ما حكيناه عن الأصحاب من قبل؛ لأنه حكم بخلاف
مذهبه؛ فهو باطل.
والثاني: لا ينقضه؛ لأن إقدامه على الحكم دليل على أنه نظر في دليله فرآه صواباً، وهو لو صرح بذلك لم ينقضه، وكذلك عند الإطلاق؛ لأن تصرف الحاكم محمول على الصحة ظاهراً؛ ألا ترى أنه إذا ولى شخصاً أمراً حكميّاً تتضمن تلك الولاية [استجماع] جميع الشرائط المعتبرة فيها، وإن لم يصرح بهذا.
وهذا القول لم أره منقولاً هكذا، ولكنه الذي تقتضيه قواعدنا وتظهر صحته.
ويمكن أن يكون أصل القولين: أن المجتهد في مذهب إمام إذا قلد القضاء ورأى [غير مذهبه] صواباً في واقعةٍ، هل له الحكم به أم لا؟ وفيه خلاف ذكرته عند الاستخلاف:
فإن قلنا: إنه لا يجوز، نقضه؛ لأنه حكم بما لا يجوز؛ كما نقول بنقض قضاء القاضي بعلمه إذا قلنا: إن القضاء بالعلم لا يجوز.
وإن قلنا: يجوز، لم ينقضه، و [يعضد هذا] أن الغزالي في "المستصفى" قال: إذا حكم مقلد بخلاف مذهب إمامه، هل ينقض؟ إن قضينا بأن المقلد لا يجوز له أن [يتبع أي مفت شاء]، بل عليه إتباع إمامه الذي هو أحق بالصواب في ظنه- فينبغي أن ينقض حكمه، وإن جوزنا ذلك فإذا وافق مذهب [ذي مذهب]، وقع الحكم في محل الاجتهاد؛ [فلا ينقض]، والله أعلم.
أما إذا لم يتظلم في حكم من قبله، فهل له أن ينظر في أحكامه؟ فيه وجهان في "الحاوي":
أحدهما- وهو قول الشيخ أبي حامد-: أنه يجوز وإن لم يجب عليه ذلك إلا بعد الرفع؛ لما فيه من [فضل] الاحتياط.
والثاني- وهو قول جمهور البصريين-: أنه لا يجوز له [أن] يتتبعها من
غير متظلم؛ لأنه تتبع [يقتضي] قدحاً في الولاية، فيتوجه عليه مثله.
ثم إذا تتبع أحكام من قبله فإن كان فيها ما يتعلق به حق الله- تعالى- مثل: الطلاق والعتاق وغيرهما، قال القاضي أبو الطيب: فسخه إن وجده مخالفاً لما لا يجوز مخالفته، وإن لم يتعلق به حق الله- تعالى- لم يفسخه، ولم يتعرض له؛ لأن له مستحقّاً معيناً.
نعم، [هل] على القاضي تعريف الخصمين صورة الحال؛ ليترافعا إليه فينقض الحكم؟ حكى القاضي ابن كج [عن ابن سريج]: أنه لا يجب إذا عرفا أنه بان الخطأ، وعن سائر الأصحاب أنه يجب وإن علما أنه بان الخطأ؛ لأنهما [قد] يتوهمان أنه لا ينقض الحكم، وبتعريفهما يرتفع التوهم.
فرع- نختم به الباب، حكاه الإمام قبيل باب الامتناع من اليمين-: إذا نكح رجل امرأة، ثم استفتيا [مفتيا، فأفتى بفساد النكاح، والمسألة مجتهد فيها- فهل تبين المرأة عن الرجل] بالفتوى؟ ذكر صاحب "التقريب" في تضاعيف كلامه وجهين فيه:
أحدهما: لا، وإن وقع الرضا بالفتوى، وإنما ينقطع النكاح بقضاء القاضي.
والثاني: نعم؛ فإن إتباع الفتوى حتم على المكلف.
وذكر وجهاً ثالثاً مفصلاً، [فقال]: إن صحح النكاح قاض فالفتوى لا ترفعه، وإن لم يتصل تصحيحه بقضاء قاض [فالفتوى ترفعه].
وقال الماوردي عند الكلام في أن الحكم إذا وقع ينفذ ظاهراً وباطناً أم لا؟ قال: إن المناكح المختلف فيها- كالنكاح بلا ولي ونحوه- للزوج فيها حالتان: إحداهما: في عقده، والأخرى في حله.
فأما حال العقد: فإن كانا من أهل الاجتهاد [جاز] لهما أن ينفردا بالعقد
باجتهادهما من غير [حكم] حاكم واستفتاء [مجتهد، وإن كانا من غير أهل الاجتهاد؛ ففي جواز انفرادهما بالعقد من غير اجتهاد حاكم واستفتاء] مجتهد وجهان:
أحدهما: يجوز ما لم يمنعهما ذو حكم؛ لما في الاجتهاد من إباحته.
والثاني: لا يجوز ما لم يأذن لهما [فيه] ذو حكم؛ لما في الاجتهاد من خطره.
وأما حال الرفع والحل: فإن اختلف الزوجان [فيه فلا يرتفع ولا ينحل] إلا بحكم حاكم، وإن اتفقا عليه من غير طلاق: فإن كانا من غير أهل الاجتهاد فلا يرتفع [بأنفسهما، ونظر]: فإن كان زوَّجهما حاكم- لم يرتفع إلا بحكم حاكم؛ لتجاوزه على من يعقد النكاح من بعده، وإن كان الزوجان من أهل الاجتهاد؛ ففيما يرتفع به العقد وجهان:
أحدهما: يرتفع باجتهادهما؛ اعتباراً بعقده.
والثاني- وهو قول ابن سريج-: لا يرتفع إلا بحكم حاكم؛ لتجاوزهما إلى من يعقد النكاح من بعده.
فرع آخر: إذا تقدم للقاضي خصمان، وقالا: إن بيننا خصومة في كذا، وقد فصلها القاضي فلان بيننا وحكم بكذا، ولكنا نريد أن نستأنف الحكم بيننا باجتهادك، ونرضى بحكمك واجتهادك [فيه]- فعن ابن كج فيه حكاية وجهين، أشبههما في "الرافعي": الثاني.
والله أعلم.
باب صفة القضاء
[قال]: إذا جلس بين يدي القاضي خصمان، فله أن يقول لهما: تكلما؛ لأنهما ربما هاباه في الابتداء بالكلام، وهذا نصه، ومعناه: ليتكلم المدعي منكما، وإلا فكلامهما معاً ممنوع منه.
قال في الحاوي: وإذا كان سكوتهما للتأهب للكلام، أو لهيبة حصرتهما عن الكلام، أمسك عنهما حتى يتحرر للمتكلم ما يذكرهُ، وتسكن نفوسهما، والأولى أن يكون القائل لهما: "تكلما" القائم على رأس القاضي، أو بين يديه.
وله أن يسكت حتى يبتدئا؛ لأنهما حضرا للكلام، كذا نص عليه أيضاً، ولا يقول لأحدهما: تكلم؛ لأنه إذا أفرده بالخطاب كسر قلب الآخر.
كذا ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، وحكى الرافعي وابن شداد: أنه إذا علم المدعي منهما فله أن يقول له: تكلم.
قال الماوردي: والأولى في آداب الخصمين إذا جلسا للتحاكم أن يستأذنا القاضي في الكلام.
وما ذكره الشيخ متبعاً فيه للنص من السكوت عنهما إلى أن يتكلما، محمول على ما إذا توقع منهما ما ذكرناه، أما إذا كان لغير سبب لم يتركهما على تطاول الإمساك، بل يقول لهما: ما خطبكما؟
وفي "أدب القضاء" لابن أبي الدم أنه قيل: يسكت ولا يقول شيئاً، فإن ادعى واحد منهما، وإلا أقيما من مكانهما.
قال: فإن ادعى كل واحد منهما على الآخر حقّاً قدم السابق منهما بالدعوى؛ لسبقه، ويمنع الآخر من الكلام؛ لأن ذلك يفسد نظام الدعوى، ويمنع كل [واحد] [منهما] من أن ينال عرضه أو يحيف عليه، والقاضي جلس للعدل.
قال: فإذا انقضت خصومته سمع دعوى الآخر، [أي:] إذا لم يعارضها سبق غيره كما ذكرنا من قبل؛ لأنه حينئذ لا مانع منها.
ولو لم يسبق أحدهما، بل
تكلما معاً فالذي حكاه الإمام عن العراقيين، وبه جزم في "الوسيط": الإقراع، وهو المحكي في "الشامل" عن الشيخ أبي حامد.
وحكى الماوردي معه وجهاً آخر: أنه يصرفهما حتى يتفقا [على] من الطالب منهما.
والذي حكاه ابن شداد: أنه يسأل: من العون؟ فمن قال: إنه أحضره، فهو المدعى عليه، وإن كانا قد حضرا بأنفسهما أقرع [بينهما].
قال: فإن قطع أحدهما [الكلام] على صاحبه، أي: في الدعوى، أو ظهر منه لدد، أي: التواء في الخصومة؛ مثل أن قال: استحلف خصمي، فلما شرع في استخلافه، قال: اقطع حتى أقيم البينة، ولم يكن له بينة، أو قال لما أراد الحاكم أن يحكم: لي بينة أقيمها، ثم عاد ورفعه ثانياً ولم يقم بينة، وما أشبه ذلك مما يعلم منه أنه قصد [به] الإضرار والعنت، أو سوء أدب؛ أي: [مثل أن] عرض للحاكم بأنك ظلمتني، أو: حكمت علي بغير حق، كما قاله البندنيجي.
قال: نهاه؛ ليرجع إلى الحق، وصورته، أن يقول: ذلك لا يجوز فلا تبتذل الناس.
قال: فإن عاد زبره، أي: أغلظ له في الكلام، بأن يصيح عليه، أو يتوعده؛ ليقف عند الحد.
قال: فإن عاد، عزره [؛ أي:] إذا رآه؛ لينكف عن مخالفة الشرع.
واللدد- بفتح اللام، كما قاله ابن الصباغ-: ترك الطريق المستقيم؛ ولهذا يسمى الوجور في أحد الشدقين: لدودا، لأنه يميل، ويقال: خصم ألد، وقال النواوي: [إن] أصله: لديدا الوادي، وهما ناحيتاه.
قال: فإن ادعى دعوى غير صحيحة لم يسمعها، أي: لم يرتب عليها أمراً من
سؤال الخصم وما بعده؛ لعدم استحقاق ذلك.
قال الأصحاب: ويقول له: صحح دعواك، وقد تقدم الكلام في تلقين الدعوى والاستفسار.
قال: وإن ادعى دعوى صحيحة، [أي]: وهي الموصوفة بما سنذكره في باب الدعاوى- إن شاء الله تعالى- قال للآخر: ما تقول فيما ادعاه عليك؟ أي: وإن لم يطالبه المدعي بذلك؛ لأن به تنفصل [الدعوى و] الخصومة؛ فلا معنى للتطويل، ويقوم مقام ذلك قوله: اخرج عن دعواه وشبهه.
وقيل: لا يقول حتى يطالبه المدعي، أي مثل أن يقول: وأنا أسأل سؤاله أو مطالبته بالجواب؛ لأنه حق له، فلا يطالب به خصمه إلا بعد مسألته؛ كما نقول في اليمين: إذا توجهت عليه لا نحلفه إلا بعد مسألة المدعي، وهذا أصح عند القاضي أبي سعد.
قال: وليس بشيء؛ لأن الدعوى تتضمن مسألة الجواب؛ لأنه إنما يدعي عليه حتى يسمع جوابه، والدعوى من غير استدعاء جواب هذيان من المدعي، وتفارق اليمين؛ فإن الدعوى لا تتضمن الاستحلاف، وقد قال في "الإشراف": إن أصل الوجهين الخلاف المذكور فيما إذا جلس بين يدي الحلاق، فحلق رأسه، فهل يستحق الأجرة؟ وأصله مسألة المعاطاة في البيع.
قال الماوردي في باب ما على القاضي في الخصوم: وعلى الوجهين يخرج ما إذا حم بالبينة قبل السؤال، فإن قلنا بالأول نفذ حكمه، وإن قلنا بالثاني، [فلا].
قال: فإن أقر [أي:] بعد سؤال القاضي بالطلب أو بدونه على أصح الوجهين في "تعليق" أبي الطيب و"الشامل" و"النهاية" وغيرها.
قال: لم يحكم عليه حتى يطالبه المدعي؛ لأن الحكم حقه؛ فتوقف على إذنه.
قال الماوردي: فيقول القاضي للمدعي: قد أقر لك بما ادعيت، فماذا تريد [منه]؟ ولا يقول له: قد سمعت إقراره؛ لأن قوله: قد أقر، حكم بصحة الإقرار، وليس قوله: قد سمعت الإقرار، حكماً بصحة الإقرار، وقيل: الحكم: ليس للمقر له ملازمة المقر، صرح به الماوردي.
قلت: ويجيء وجه أنه لو حكم قبل السؤال في هذه الحالة ينفذ كما قلنا بمثله فيما إذا حكم قبل السؤال وقد قامت البينة، ويعضده: أن الرافعي في كتاب القاضي إلى القاضي، حكى عن "العدة" أنه لا يجوز الحكم على المدعى عليه، إلا بعد سؤال المدعي على أصح الوجهين، ولم يخص ذلك بما إذا كان الحق قد ثبت بالبينة، أما إذا أقر قبل سؤال القاضي أو بعده، وقد صدر بدون إذن المدعي، واعتبرنا إذنه في صحة السؤال- قال في "الحاوي": فإقراره يؤخذ به، لكن في حكم القاضي به الخلاف المذكور في القضاء بالعلم: فإن أجزناه أمسك عن سؤاله؛ لاعترافه بالمراد منه، وإن منعناه صار شاهداً فيه، ولم يجز أن يحكم به إلا أن يعود بعد سؤاله، ويكون وجوب السؤال باقياً، ولو كان المدعي قد تفرد بسؤال المدعى عليه بعد الدعوى دون القاضي، فالخصم لا يلزمه الجواب، لكن هل يقوم بسؤاله مقام سؤال القاضي؟ فيه وجهان ينبنيان على أن للقاضي التفرد بالسؤال من غير طلب أم لا؟ فإن قلنا بالأول لم يقم مقامه، ويكون الحكم كما لو أقر قبل السؤال، وإن قلنا بالثاني قام مقامه، وكان كما لو أقر بعد سؤال القاضي المعتد به.
تنبيه: في قول الشيخ لم يحكم .. إلى آخره، ما يعرفك أن الحق قد ثبت ولزم بالإقرار؛ لأن الحكم لا يكون إلا بعد ذلك، وقد صرح به الماوردي والبندنيجي والقاضي الحسين؛ حيث قالوا: [إنه] لو أقر بالحق فقد لزمه، ولكن الحاكم لا يحكم بذلك إلا بعد أن يطالبه المدعي [بذلك]، وهذا بخلاف ما إذا قامت البينة؛ فإن الحق لا يثبت بمجرد الإقامة؛ لأن وراء التعديل وقفات وتوقع ريب؛
فلا بد من قطعها بإظهار القضاء.
وحكى الإمام عن بعض الأصحاب أن الإقرار كالبينة المعدلة، [ثم] قال: وليس بشيء؛ لما ذكرنا.
وقد يفهم من لفظ ابن يونس حكاية الخلاف على غير هذا النحو، والرافعي لما حكى الخلاف كما ذكرناه قال: والطبع لا يكاد يقبل الخلاف فيه؛ لأنه إن كان الكلام في ثبوت الحق المدعي في نفسه، فمعلوم أنه لا يتوقف على الإقرار، فكيف على الحكم بعد الإقرار؟ [وإن كان [المراد] المطالبة والإلزام، فلا خلاف في أن للمدعي الطلب بعد الإقرار]، وللقاضي الإلزام، وإن نظر ناظر إلى وجه ذكرناه في الإقرار: أن الإقرار الطلق لا يكفي للمؤاخذة، بل يسأل المقر عن سبب المال الثابت، فقال: إذا كان الإقرار المطلق مختلفاً فيه كان في محل النظر والاجتهاد، فاعتبر قضاء القاضي على رأي- فهذا شيء لا يختص بالإقرار بعد الدعوى في مجلس القاضي؛ بل ينبغي أن يطرد في محل الإقرار.
[قال: وإن أنكر فله أن يقول: "ألك بينة؟ "؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً مِنْ حَضْرَمَوْتَ حَاكَمَ رَجُلاً مِنْ كِنْدَةَ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَرْضٍ، فَقَالَ لِلْحَضْرَمِيِّ: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَيَمِينُهُ"].
قال: وله أن يسكت؛ تحرزاً من اعتقاد ميل إلى المدعي، وهذا ما حكاه الماوردي في أوائل باب ما على القاضي في الخصوم، عن بعض الأصحاب، وحكى عن بعضهم أنه اختار أن يقول للطالب: قد أنكرك ما ادعيته فماذا تريد؟ وقال بعد ذلك: إنه مخير: إن شاء قال: قد أنكرك فهل لك بينة؟ وإن شاء قال: قد أنكرك فما عندك فيه؟
قال: والأولى الأول مع من جهل، والثاني: [أولى] مع من علم.
وفي كتب المراوزة حكاية وجه أنه لا يقول ذلك؛ [لأنه] كالتلقين لإظهار حجته.
وفي "ابن يونس" أن موضع السكوت إذا كان المدعي يعلم أن ذلك موضع إقامة البينة، أما إذا كان لا يعلم ذلك فإنه يقول: ألك بينة؟ وهذا ما أفهم كلامه في "المهذب": أنه على وجه الوجوب.
[قال: فإن قال: ما لي بينة، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه إذا لم تكن الدعوى في دم، كما قيده الشافعي- رضي الله عنه- لقوله صلى الله عليه وسلم: "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ".
قال ابن الصباغ وغيره: ويسأل الحاكم المدعي: هل يختار إحلافه أم لا؟].
قال: ولا يحلفه حتى يطالبه المدعي؛ لأن استيفاء اليمين حق له فتوقف على إذنه كالدين، ولو حلفه قبل الطلب لم يعتد بها.
وفي "البحر": أن بعض أصحابنا بخراسان قال: [إنه] يعتد به، وهو غلط.
وكأنه يشير إلى ما حكي عن الشاشي؛ فإن القاضي الحسين حكى أن الشاشي قال: المذهب: أن للقاضي أن يحلفه قبل طلب اليمين.
وفي "الإشراف" نسبة هذا المذهب إلى الشاشي نفسه، وحكاه أبو الفرج الزاز وجهاً، ووجهه بأن للمدعى عليه غرضاً في اليمين وهو سقوط المطالبة والملازمة، وادعى أنه أصح.
قال القاضي الحسين: والذي قاله أكثر أصحابنا الأول [، ولم يورد سواه في باب ما على القاضي في الخصوم].
وعلى هذا قال الإمام في باب امتناع اليمين: وحق [على] القاضي أن يقول للمدعي: أحلف خصمك إن أردت، وإلا فاقطع طلبتك [عنه] وارتك رفعه إلى مجلس الحكم.
[ثم] كما لا يعتد باستحلاف القاضي قبل الطلب لا يعتد [باليمين أيضاً] بعد الطلب وقبل إحلاف القاضي كما صرح به القاضي الحسين.
وفي "الحاوي": أنه هل يجوز للقاضي أن يعرض عليه اليمين قبل مسألة المدعي إذا لم يعتد باليمين قبل الطلب؟ فيه وجهان:
أحدهما- عن ابن سريج-: أنه يجوز؛ ليعلم إقدامه عليها فيعظه [أو يحذره]، وقال في باب موضع اليمين: لو فوض الحاكم إلى الحالف اليمين، فاستوفاها على نفسه- كان الحاكم مقصراً، وهل يجوز؟ فيه وجهان محتملان:
أحدهما: يحتسب بها؛ لأنها باجتهاد الحاكم وعن أمره.
والثاني: لا؛ لأنها تصير محمولة على نية الحالف، وهي مستحقة على نية المستحلف؛ فكانت غير مستحقة.
فرع: لو قال المدعي للمدعى عليه: قد أبرأتك عن اليمين؛ سقط حقه من اليمين في هذه الدعوى، وله استئناف الدعوى وتحليفه، ذكره في "التهذيب" و"المهذب"، ويظهر أن ذلك مبني على مذهب العراقيين الذي سنذكره.
أما إذا قلنا بمذهب المراوزة فيظهر ألا تسوغ الدعوى عليه ثانياً.
قال: وإن نكل [المدعى عليه] عن اليمين، أي: بأن قال بعد قول القاضي له قل: بالله، [أو: احلف بالله]-: لا أحلف، أو: أنا ناكل، [وهو عارف بمعنى النكول]- رد اليمين على المدعي؛ أي: إذا كان الحق له؛ لأن عمر- رضي الله عنه- بدأ باليمين على المدعى عليهم، ولما لم يحلفوا ردها على المدعين، وقد رَوَى ابْنُ عُمَرَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَدَّ اليَمِيْنَ عَلَى طَالِبِ الحَقِّ، وسنذكر في باب اليمين في الدعاوى ما يقوي ذلك.
قال الغزالي: ولا يحتاج في هذه الحالة إلى قضاء القاضي بالنكول حتى لو قال المدعى عليه بعد قوله: لا أحلف، أو: أنا ناكل-: أنا أحلف، لم يجد إليه سبيلاً.
وهذا أبداه الإمام في كتاب الدعاوى احتمالاً لنفسه، وحكاه في كتاب الإقرار عن رواية شيخه عن بعض الأصحاب، ولم يحك الرافعي عن رواية الإمام سواه، وقال: إن غيره وافقه فيه، والذي صدر به الإمام كلامه في كتاب الإقرار أنه [قال]: لو أراد بعد قوله: نكلت عن اليمين، أو: لست أحلف- الحلف؛ كان له ذلك ما لم يجرِ القضاء بالنكول.
وقد حكى الرافعي مثله عن البغوي فيما إذا قال له القاضي: احلف بالله، فقال: لا أحلف.
وقد اتفق الكل على الاحتياج إلى القضاء بالنكول عند عرض اليمين عليه فلم يحلف ولم يلفظ بأنه ناكل أو ممتنع.
قال الإمام: ولا يجوز له في هذه الحالة أن يقضي بالنكول ما [لم] يظهر له ذلك منه، حتى لو جوز أن يكون امتناعه عن دهش، أو كان يقدر أنه [لا] يفهم عَرْض اليمين؛ لغباوة وعدم إلف بمراسم الخصومات- فليس له [أن] يقضي بالنكول.
ويقوم مقام حكم الحاكم- إذا احتجنا إليه، كما ذكرنا- قول القاضي للمدعي: [احلف، أو]: أتحلف؟
[وقال في "البحر": عندي أن قول القاضي للمدعي: أتحلف]؟ لا يمنع المدعى عليه من الحلف، وأنه الأظهر.
[و [هو] ما حكاه الإمام عن القاضي الحسين، ورأيته في "تعليقه"، ووجهه بأنه لم يأمره باليمين، بل استشاره فيها مستفهماً].
وهل يقوم إقبال القاضي على المدعي ليقول له: احلف، مقام الحكم، حتى لو أراد المدعى عليه أن يحلف بعد ذلك لم يجد إليه سبيلاً؟ فيه وجهان عن القاضي الحسين، والذي قطع به جوابه في الكرة الثانية: المنع من العود إلى اليمين.
وفي "الحاوي": أنه لو امتنع عن اليمين، أو قال: قد نكلت عنها، [أو: لست] أحلف- حكاية وجهين:
أحدهما: لا ترد اليمين على المدعي إلا بعد أن يقول للمنكر: قد حكمت عليك بالنكول؛ [لما فيه من الاجتهاد، فإن ردها عليه قبل حكمه لم يصح.
والثاني: يجوز أن يردها على المدعي وإن لم يقل: حكمت عليك بالنكول]؛ لأن ردها [عليه] حكم بالنكول.
قال الأصحاب: ويستحب للحاكم تكرار عرض اليمين على المدعى عليه ثلاثاً قبل القضاء عليه بالنكول.
قال الرافعي والبغوي: واستحبابه في حالة السكوت أكثر من استحبابه فيما إذا صرح بالنكول.
قال الإمام: فلو لم يكرر العرض [عليه] عند السكوت، وقضى عليه [بالنكول]- نفذ إذا ظهر له من العرضة الأولى.
وفي "الحاوي": أن أصحابنا اختلفوا فيما يستقر به نكوله على وجهين:
أحدهما: يستقر بإعلامه ولو مرة واحدة.
[والثاني]- وهو قول أهل العراق-: [أنه لا يستقر حتى يعرض عليه ثلاثاً].
أما إذا كان المدعى عليه لا يعرف معنى النكول بأن كان عاميّاً، قال القاضي الحسين: فيجب على القاضي أن يعلمه بأنك إن نكلت تعرض اليمين على المدعي،
ويحلف ويستحق عليك الدعوى.
ويقرب منه قول الماوردي أنه إذا لم يعرف حكم النكول وجب على القاضي أن يعلمه، وأنه يوجب رد اليمين على المدعي ليحكم له بيمينه.
ولو اشتبه أمره على القاضي، قال القاضي الحسين: فهو كما لو كان عارفاً بحكم النكول؛ فلا يجب ذكره [له]، بل يستحب.
ثم حيث قلنا: يجب الإعلام بحكم القاضي بالنكول، ولم يعلمه- قال الإمام: فهذا فيه احتمال ظاهر، والأوجه: أن قضاءه بالنكول ينفذ.
وقد أقام الغزالي هذا الاحتمال وجهين.
واعلم أن قول القاضي للمدعى [عليه]: احلف بالله، ليس أمراً جازماً، كما قال الإمام، ولكنه إبانة وقت الحلف واليمين المعتد بها إن أرادها المدعى عليه.
فرع: لو لم ينكل المدعى عليه عن اليمين، لكن قال بعد الإنكار وعرض اليمين عليه: قد حلفني مرة على هذا الحق- نظر: فإن ادعى أن هذا القاضي هو الذي حلفه، قال القاضي الحسين: فإن تذكر أنه حلفه لم يحلفه مرة ثانية، وإن لم يتذكر لم يلتفت إلى دعوى المدعى عليه؛ لأن إقامة البينة على ذلك غير ممكنة كما صرح به غيره.
وعن ابن القاص- كما حكاه أبو سعد الهروي-: أنه يجوز سماع البينة على أنه حلفه، ورأيت في "الإشراف" أن ابن القاص عزاه إلى النص، قال الرافعي: وحقه الطرد في كل باب.
قلت: وقد طرده، كما سنذكره عنه.
ولو لم تقم بينة، ورام تحليفه- جزم في "البحر" بأن له ذلك.
وإن ادعى أن الذي حلفه غير هذا القاضي، ففي السماع وجهان لأبي سعيد الإصطخري، وهما في "الوسيط" وغيره، مأخوذان من أن الدعومى بما ليس عين
الحق ولكنه ينفع في الحق هل تسمع أم لا؟ وفيها خلاف سنذكره، والذي قطع به القاضي الحسين منهما في الكرة الثانية، وبه أجاب في "التهذيب": السماع ها هنا؛ فعلى هذا: إن حلف: إنه ما حلفه، فذاك، وإن نكل حلف هو وتخلص عن الخصومة، وله في هذه الصورة إقامة البينة.
ولو قال المدعي: قد حلفني على ذلك، فحلفه: إنه ما حلفني إني ما حلفته- لم يسمع؛ للتسلسل، وكون المدعي أحق بالحلف؛ لأنه الطالب، كذا حكاه الغزالي وغيره، وفي "البحر" نسبة ذلك إلى تخريج ابن القاص، على أن الرافعي حكى عن ابن القاص أنه قال بعدم سماع [دعوى] المدعى عليه أنه حلفه.
قال: فإن حلف استحق؛ لأنه فائدة الرد.
وحكى في "الإشراف" وجهاً آخر أن الحق لا يجب إلا بحكم الحاكم، وأشار إلى بناء الوجهين على أن يمين الرد كإقرار الخصم أو كالبينة المقامة عليه؛ وفيها قولان مشهوران، وقال الإمام: إنهما مستنبطان من كلام الشافعين رضي الله عنه.
قال القاضي الحسين: فكأنا على قولٍ نغلب جانب المدعى [عليه، وننزل النكول من جهته منزلة الإقرار، وعلى قولٍ نغلب جانب المدعي] وننزل ما يأتي به منزلة بينة يقيمها، والصحيح من القولين في "المهذب" في كتاب النكاح وغيره، وفي "الرافعي" وغيرهما، وهو المنصوص في "المختصر"-: أنها كالإقرار؛ لأن النكول صادر من جهة المدعى عليه واليمين مترتبة عليه.
وعلى ذلك ينطبق قول ابن الصباغ في باب دعوى الدم: إن قولنا: إنها كالبينة، قول ضعيف.
[واستدل على ضعفه في باب] النكول ورد اليمين بأن القاذف لو ادعى على المقذوف أنه زنى؛ فنكل، وحلف هو- سقط عنه الحد، ولا يجب على المقذوف حد الزنى، وكذا لو ادعى على شخص سرقة نصاب، فنكل، وحلف هو- وجب المال دون القطع، ولو كان كالبينة لوجب الحد في الصورتين؛ فدل على أنه
كالإقرار، ويجعل إنكاره رجوعاً عنه.
وما قاله من عدم إيجاب الحد والقطع هو المذكور [في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الحاوي" وغيرهما في الباب المذكور].
لكن في "النهاية" في كتاب السرقة حكاية عن الأصحاب: أن القطع يجب باليمين المردودة؛ لأنا إن جعلناها كالإقرار، فالقطع يثبت به، وإن جعلناها كالبينة، فهي كبينة كاملة؛ بدليل أن القصاص يثبت بها، ثم قال: وقد يخطر للناظر في هذا أدنى إشكال؛ لأن اليمين لا تتعلق إلا بالمال [فقط]، والقطع لله- سبحانه- ولو قال رجل: استكره فلان جاريتي وزنى بها، فأنكر المدعى عليه، وأفضت الخصومة إلى [يمين الرد]- فالمهر يثبت بها، ويبعد أن يثبت حد الزنى؛ فإذن [يجب] ترديد الرأي في ثبوت حد السرقة لما أشرنا إليه، ويجب القطع بأن حد الزنى لا يثبت، وما قاله العراقيون أظهر، لكن قد يعضد القول بأن النكول مع اليمين كالبينة بنص الشافعي- رضي الله عنه- في "الأم"؛ حيث قال- كما حكاه في "البحر" وغيره في كتاب الدعاوى-: لو تعلق رجل برجل، فقال: أنت عبدي، فقال: بل أنا حر الأصل- فالقول قوله، واصل الناس على الحرية حتى تقوم بينة أو يقر برق، ويُكلف المدعي البينة: فإن جاء بها كان العبد رقيقاً [له]، وإن لم يأت بالبينة أحلف له العبد: فإن حلف كان حرّاً، وإن نكل لم يلزمه الرق حتى يحلف المدعي على رقه، فيكون رقيقاً له، وهكذا الأمة مثل العبد سواء.
قلت: فلو كان النكول مع اليمين كالإقرار لم يثبت رقه؛ لأن الإقرار بالرق بعد الاعتراف بالحرية غير مقبول على الأصح، والله أعلم.
وقد بنى القاضي الحسين على القولين ما إذا أراد المدعى عليه إقامة بينة على الإبراء وأداء المال بعد حلف المدعي، فإن جعلناها كالبينة سمعت بينة المدعى عليه، وإن جعلناها كالإقرار فلا تسمع؛ كما لو أقر صرحياً، ثم أقام شاهدين.
وهذا البناء مذكور في "الرافعي"- أيضاً- وبنى في "المهذب" عليها ما إذا ادعى [رجل] على
المفلس بعد الحجر مالا، وأنكره ولم يحلف وحلف المدعي، فقال: إن قلنا: إن يمين الرد كالبينة، شارك الغرماء في المال، وإن قلنا: إنها كالإقرار، فعلى القولين في الإقرار، وكذا بني عليهما ما إذا ادعى إتيان زوجته امرأة، وقد تقدم، وللقولين فوائد مذكورة في الأبواب.
فرع: إذا شرع المدعي في اليمين، فقال المدعى عليه للقاضي: لا تحلفه، فأنا أعطي المدعى به إليه- قال القاضي الحسين في كتاب الدعاوى في موضعين منه: إن له أن يكمل اليمين حتى يأخذه على وجه الاستحقاق، لا على وجه التبرع.
قال: وإن نكل صرفهما؛ لأن الحق لا يثبت إلا بالإقرار أو ببينة، وليس النكول واحداً منهما، ولا معنى لمقامهما.
و [قد] حكى القاضي أبو الطيب وغيره أن الشافعي- رضي الله عنه- قال في هذه الصورة: يسأل المدعي عن إبانة، فإن قال: امتنعت لحساب بيني وبينه أريد أن أراجعه، أو: أريد أن أستفتي الفقهاء هل يجوز [لي] أن أحلف أم لا؟ أجله الحاكم ثلاثاً لا يزيد عليها، وهذا بخلاف ما إذا امتنع المدعى عليه من اليمين، لا يسأل عن سبب امتناعه؛ لأنه إذا امتنع من اليمين ظهرت هناك يمين أخرى من جهة المدعي، توجب الحكم بها، فلو سألناه عن سبب امتناعه عن اليمين لم يعقب الحكم لنكوله؛ ولأن هناك ما يرجع إليه ويحكم به، وهو يمين المدعي، وليس كذلك امتناع المدعي عن اليمين.
قلت: وقضية هذا الفرق ألا يشرع عند نكول المدعى عليه تكرار العرض عليه، وقد حُكي [عن] ابن القاص أنه قال: قياس ما ذكره الشافعي في امتناع المدعي: [أن يسأل المدعى] عليه عن سبب الامتناع أيضاً.
وفي "أدب القضاء" للزبيلي أن ابن سريج قال: الاحتياط- أيضاً- أن يقال ذلك للمدعى عليه إذا نكل.
وقد حكى الإمام في كتاب الإقرار أن المدعي لو سكت، وقال: سأفكر وأراجع حسابي- أن بعض الأصحاب قال: يفصل القاضي الخصومة، ويكون امتناعه كامتناع
المدعى عليه، ويقول للمدعي: استمهالك بعد الخوض بالاختيار لا معنى له، وإذا كنت لا أعذر المدعى عليه في استمهاله، فأنت أولى بذلك من جهة أن المدعى عليه مرفوع [إلى] مجلس القاضي قهراً، وأنت تحضره مختاراً، فهلا كان فكرك قبل الحضور؟
وهذا متجه حسن، والذي عليه عامة الأصحاب المنع من الإلحاق؛ لما ذكرناه.
وفي "المهذب": أنه لا يسأل المدعى عليه عند الامتناع، لكنه لو ابتدأ فقال: امتنعت لأنظر في الحساب؛ أُمهل ثلاثة أيام، [وقد حكاه في "التهذيب" وجهاً.
وفي "الحاوي" في باب الامتناع عن اليمين: أن المدعى عليه لا يسأل عن سبب النكول إلا أن يبتدئ فيقول: أنا متوقف عن اليمين؛ لأنظر في حسابي، فينظر ما قل من الزمان، ولا يبلغ إنظاره ثلاثة أيام].
أما إذا [كان] الحق لصبي أو مجنون أو سفيه، بأن كان المدعي وليّاً أو وصيّاً أو قيماً، فهل له أن يحلف؟ فيه ثلاثة أوجه حكاها القاضي الحسين والبغوي في باب الامتناع عن اليمين، والإمام في كتاب الصداق، ثالثها: إن باشر سبب ذلك بنفسه [فله الحلف]، وإلا فلا.
قال الرافعي: وهذا ما رجحه أبو الحسن العبادي، وبه أجاب السرخسي في "الأمالي"، وهي تجري فيما إذا أقام شاهداً وأراد أن يحلف معه، صرح بذلك البغوي والرافعي.
وإذا قلنا: لا يحلف، وهو الذي ذكره العراقيون وصاحب "الحاوي" في باب النكول ورد اليمين- قال القاضي والبغوي: فتوقف اليمين حتى يبلغ [الصبي]، والسفيه يحلف: إنه يستحق عليه تسليم المال، ولا يقول: إليّ، ولا: إلى قيِّمي.
قال القاضي: وفي حال وقف اليمين إلى البلوغ ينزع المدعي به من يد المدعى عليه إن كان عيناً، وإن كان في الذمة؛ فوجهان في نزعه.
والحكم في قيم المسجد والوقف، كالحكم في قيم الصبي، [وسنذكره في باب اليمين في الدعاوى بزيادة ذكرت ثم].
قال: وإن قال المدعى عليه بعد النكول، أي: وما في معناه كما ذكرناه: أنا أحلف- لم يسمع؛ لأنه أسقط حقه [منها] بالنكول.
وفي "التهذيب" حكاية وجه آخر صدر به كلامه: أن له أن يحلف بعد النكول ما لم يعرض القاضي اليمين على المدعي أو يحكم بالنكول، وقال فيما إذا هرب المدعى عليه قبل ذلك وبعد النكول: لم يكن للمدعى عليه الحلف إذا عاد.
وقد حكاه الرافعي عن غيره، ثم قال: وقضية ذلك التسوية بين التصريح بالنكول و [بين] السكوت؛ حتى لا يمنع من العود إلى اليمين في الحالين إلا بعد الحكم بأنه ناكل، أو بعد عرض اليمين على المدعي.
قلت: وهو قضية ما حكيته عن الماوردي من قبل، وقد صرح به الإمام في كتاب الإقرار، [ولم يحك سواه].
قال الرافعي: وقد يفهم من قول من قال: إنه لا حاجة عند التصريح بالنكول إلى حكم الحاكم- امتناع العود إلى الحلف عند التصريح بالنكول، و [إن] لم يوجد حكم بالنكول ولا عرض يمين.
ثم حيث منعنا المدعى عليه من العود إلى اليمين؛ فذاك إذا لم يرض المدعي بيمينه، فلو رضي فوجهان، أظهرهما في "النهاية" و"الرافعي": الجواز، وهو ما ادعى الإمام في كتاب الإقرار أنه قول الأصحاب عن آخرهم.
وعلى هذا: فعن "الرقم"- وهو في "تعليق" القاضي الحسين [أيضاً-: أنه] لو لم يحلف المدعى عليه لم يكن للمدعي أن يعود إلى يمين الرد؛ لأنه أبطل حقه [حيث رضي] بيمين المدعى عليه.
قال: وإن قال المدعي بعد النكول: أنا أحلف، لم يسمع؛ لما بيناه، إلا أن [يعود] في مجلس آخر ويدعي، وينكل المدعى عليه؛ لتجدد الحق بتجدد الدعوى؛ فإن النكول الثاني سبب لرد اليمين كالنكول الأول، وهذا ما حكاه البندنيجي وابن الصباغ وكذا الماوردي في باب الامتناع عن اليمين، لكنهم لم يشترطوا العود في مجلس آخر، وصاحب "البحر" والقاضي أبو سعد الهروي قالا: ما ذكره الشيخ هنا وفي "المهذب" وحكاه أيضاً الرافعي عن المحاملي في "التجريد"، وفي "الحاوي" في باب ما على القاضي في الخصوم: أن أظهر الوجهين: أنه لا يحكم على المدعي بالنكول، والثاني: يحكم عليه، وهو قول الإصطخري.
والذي حكاه المراوزة: أنه إذا نكل عن اليمين [كان كحِلف] المدعى عليه، أي: فلا يتمكن من الدعوى عليه بذلك مرة أخرى؛ كما صرح به البغوي والإمام، وهو الذي يقتضيه كلام القاضي أبي الطيب؛ حيث قال في "تعليقه": فإذا امتنع المدعي من اليمين سقط حقه، ويفرق الحاكم بينهما، ولا يكون له مطالبته بشيء من ذلك.
وفي "النهاية" في كتاب القسامة بعد ستة أوراق منه حكاية خلاف في أن المدعي إذا أظهر النكول عن يمين الرد، ثم رغب فيها، هل يحلفه أم لا؟ وقال: إن الضابط الذي تمس الحاجة إليه: أن كل نكول يتعلق به حق حالف بعد النكول، فذاك النكول إذا ظهر فلا عود من الناكل، وكل يمين لا يمين بعدها، فالنكول عنها هل يبطل حق الناكل؟ فيه خلاف، ونكوله يتحقق بأن يقول بعد عرض اليمين عليه: لا أحلف، [أو: أنا] ناكل، أما إذا سكت فلم يحلف كان للقاضي أن يقضي عليه بالنكول إذا لم يستمهل، ويكون حكمه كما تقدم.
قلت: واستحباب تكرار العرض ها هنا يظهر تأكده على استحبابه في جانب المدعى عليه.
وعن بعض المراوزة: أنه لا يصير ناكلاً عن يمين الرد ما لم يصرح بالنكول، والمشهور: الأول، وعلى هذا فلو استمهل بأن قال لما عرضت عليه اليمين: أمهلوني ريثما أطالع حسابي، أو: أستفتي، أو: أتثبت في أمري- أمهل، نص عليه، بخلاف ما لو عرضت اليمين على المدعى عليه؛ فإنه لا يمهل إذا استمهل على المذهب، كما تقدم، والفرق: أن المدعى عليه مطالب [محمول] على الإقرار أو اليمين، وأما المدعي فليس محمولاً من جهة أحد، بل هو صاحب الحق: إن أراد أجَّله، وإن أراد قدمه.
ثم قال المراوزة: لا تزيد مدة إمهال المدعي على ثلاثة أيام، وهو ظاهر النص الذي حكيناه من قبل.
وعن بعضهم: أنه لا ضبط لإمهاله بمدة، وسبيله في يمين الرد كسبيله في بيِّنة يقيمها متى وجدها، وهذا ما اقتضاه كلام البندنيجي وابن الصباغ؛ حيث قالا: إذا استمهل لم يسقط حقه من اليمين، ومتى اختار اليمين حلف.
ولفظ البندنيجي: فأي وقت اختار حلف.
وهو الذي يقتضيه إيراد البغوي والمصنف وصاحب "الإشراف"، وقال الإمام: هذا يظهر على قولنا يمين الرد تنزل منزلة البينة.
وفي "البحر" في باب ما على القاضي في الخصوم في أواخره: أنا إذا عرضنا اليمين على المدعي [و] استمهل؛ لينظر في الحساب، فعاد في مجلس آخر فقال المدعى عليه: أنا أحلف الآن- فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأن المجلس الثاني لا ينبني على الأول في الأقوال وغيرها.
والثاني: ليس له ذلك، وعلى هذا: يجب ألا يلزم استئناف الدعوى والرد في المجلس الثاني، وهذا ما أورده البغوي.
قال: وكذلك لو ثبت عند قاض آخر نكول خصمه، له أن يحلف المدعي، وكذا إذا
كان المدعي وكيلاً، وقد نكل الخصم، فحضر الموكل- له أن يحلف، ولا يحتاج إلى استئناف الدعوى.
ثم إذا منعنا المدعي من اليمين عند النكول ونحوه، أو مجاوزة مدة الإمهال، فذاك إذا أراد أن يحلف يمين الرد، أما إذا أراد أن يحلف يميناً مع شاهد أقامه، فهل له ذلك؟ فيه قولان حكاهما الماوردي وغيره:
أصحهما في "التهذيب": الجواز؛ لما سنذكره، وهو [ما حكاه في] "المختصر" كما قال الماوردي.
وعند الغزالي: الأصح المنع، وهو ما حكاه في "الجامع الكبير" للمزني.
كما قاله الماوردي، وادعى البندنيجي أنه الذي قاله الشافعي ها هنا؛ لأن اليمين في جنبته قد بطلت، وأن الشيخ أبا حامد قال: هي على قولني؛ لأن الشافعي- رضي الله عنه-[قال]: إذا قتل له ولي، وهناك لوث معه، فإن لم يحلف حلف المدعى عليه، فلو نكل فهل ترد على المدعي أم لا؟ على قولين:
أحدهما: [ترد]؛ لأنها غير التي نكل عنها.
والثاني: لا ترد؛ لأن اليمين كانت في جنبته، ولا فصل بين الصورتين.
ولأجل ما حكاه الشيخ أبو حامد من القولين في هذه الصورة حكى الإمام القولين- أيضاً- فيما إذا أقام المدعي شاهداً، ونكل عن الحلف معه، وطلب يمين المدعى عليه، فإنه يحلف، فلو نكل اليمين فهل ترد على المدعي أم لا؟ وقد حكاهما المحاملي في باب الخيار في القصاص، والماوردي في باب الامتناع عن اليمين، فإن قلنا: لا يحلف، قال أبو حامد- وكذا ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب والقاضي الحسين في باب اليمين مع الشاهد-: يحبس المنكر بالشاهد حتى يحلف أو يعترف؛ لأنه قد تعين عليه ذلك؛ فلا يكون له إسقاطها، ويخالف هذا إذا امتنع المدعي من يمين الرد، وطلب حبس المدعى عليه حتى يحلف، لم يكن له؛ لأن الامتناع من جهته.
قال صاحب "الحاوي" في باب ما على القاضي في الخصوم: وهذا خطأ؛ لأن الحبس على الحقوق يكون بعد [ثبوت استحقاقها]، ولم يثبت الحق بالشاهد.
وهذا ما أبداه ابن الصباغ احتمالاً [لنفسه] من وجه آخر، وهو أنا إذا جعلنا امتناعه عن يمينه مع شاهده كالممتنع عن اليمين المردودة، فينبغي ألا يحبس المدعى عليه ويطالب باليمين.
وحكى القاضي الحسين عن القفال أن له الحلف فيما نحن فيه قولاً واحداً؛ لأن هذه اليمين بخلاف تلك اليمين؛ فإن هناك يحتاج [إلى] أن يقول: بالله، إن شاهدي لصادق فيما يقول، وهنا لا يحتاج لذلك.
وهذا ما صححه في "البحر" و"الحاوي"، ويشهد لكون هذه اليمين غير الأولى: أن تلك لا تجري في كل حق، وهذه تجري في كل حق تسمع فيه الدعوى.
وقد تكلم الإمام في باب الامتناع من اليمين، في تصوير النكول عن اليمين مع الشاهد، فقال: إذا أقام الشاهد قال له القاضي: إن حلفت معه ثبت حقك، وإن لم تحلف ولم يحلف المدعى عليه؛ منعتك من إعادته إلى مجلس الحكم.
ثم قال: وللمدعى عليه بعد إقامة [المدعي] الشاهد أن يقول [للمدعي]: حلفني، أو احلف وخلصني.
فرع: لو قال المدعي بعد إنكار المدعى عليه وقوله: "مالك عندي شيء": نعم- بطلت دعواه إن كان عالماً بالعربية، وإن كان جاهلاً بها فوجهان، قال الماوردي: [كما ذكرنا] في الإقرار.
قال: وإن قال المدعي بعد العجز عن إقامة البينة: لي بينة، [سمعت بينته]، أي: وإن حلف المدعى عليه أو نكل هو والمدعي عن اليمين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: