كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 78-117
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 78-117
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وإن كان بعد الوجوب الذي منع المالك من التصرف في المال كالتعجيل قبله.
وعلى هذا يجري إطلاق القول بأنه لا يجوز إخراج زكاة المعشرات قبل وجوب إخراجها، سواء في ذلك الثمار والحبوب.
والصحيح في "النهاية" وهو الذي أورده الجمهور: جوازه بعد الإدراك كما قاله أبو حامد وغيره؛ لأنه إذا جاز قبل الوجوب فيما يجب بالحول والنصاب فبعد الوجوب أولى.
وذهب في "الوسيط" إلى أن الصحيح في الثمار عدم الإجزاء قبل الجفاف؛ لأن الواجب هوا لزبيب والتمر، والرطب لا يصلح للإخراج، وقال: إن الصحيح في الزروع الجواز بعد الإدراك وقبل الدياس والتصفية؛ لأن الذي وجب موجود.
وقد وجه مقابله بأن النصاب لا يمكن الاطلاع عليه ما لم تحصل التصفية، بخلاف سائر الأموال؛ فإنه يمكن إدراكه، وقال الإمام: إنه ضعيف جداً، فإن لم يكن بد من هذا الوجه فالعلة فيه إذا كنا لا نقطع بأس في السنبل نصاباً من الحب، فأما إذا تحقق فلا وجه لمنع التعجيل.
وقد قيل: إنه يجوز الإخراج بعد بروز الطلع وإن لم يتشقق، ونبات الزرع وإن لم ينعقد، وهو ما ينسب إلى ابن أبي هريرة، ونسبه الحناطي إلى ابن سريج، قوال ابن كج: إن أبا إسحاق أجاب به في دفعة أخرى، وهو الذي صدر به الفوراني كلامه.
ثم حكى ما نقلناه عنه عن الشيخ أبي حامد واقتصر عليهما، وقال ابن الصباغ: إنه الأصح؛ لأن تعلق الوجوب بالإدراك لا يمنع تقدم الزكاة عليه؛ ألا ترى أن زكاة الفطر يجوز تقديمها على هلال شوال، وإن كان وجوبها يتعلق به؟! لأن من ويلد قبل ذلك بلحظة تجب عليه، كما أن من ملك الزرع قبل إدراكه وجب عليه العشر.
وقال الرافعي في دفع العلة الأولى من علتي عدم الإجزاء إن الكلام فيما إذا عرف حصول قدر النصاب، وإن لم تعرف جملة الحاصل بعد ذلك إن خرج [زائداً على ما ظنه فيزكي الزيادة، وإن خرج] ناقصاً عن بعض المخرج فهو تطوع فلم يمنع الإجزاء.
وفي دفع العلة الثانية: إنا لا نسلم أن لهذه الزكاة سبباً واحداً، بل لها سببان أيضاً: ظهور الثمرة، وإدراكها؛ فالإدراك بمثابة حولان الحول.
وهذا فيه نظر ظاهر.

ومنهم من قال: يجوز التعجيل في هذه الحالة في الثمرة دون الزرع؛ لأن النخل تقبل معاملة على الثمار قبل بدوها وهي المساقاة، والزرع لا يحتمل ذلك.
قال الإمام: وهذا غير سديد؛ إذ لا خلاف أنه لا يجوز التعجيل قبل نبات الزرع، فإن لم يكن من الفرق بد فالأولى ما أشرت إليه وهو أن عين العشر مفقود والزرع يقل، وعين الثمار موجودة وإن كانت غير مؤبرة، فإذا بدا الحب ولم يشتد فلا يتضح إذ ذاك فرق.
قال: وإن تسلف الإمام، أي: أو الساعي، الزكاة من غير مسألة: أي: وقد رأى المصلحة في ذلك؛ [لأجل حاجة] بعض الأصناف وهم أهل رشد، [فهلكت في يده، أي: في أثناء الحول ضمنها، أي: سواء إن تلفت بتفريط أو بغير تفريط؛ لأن أهل الرشد] لا يولي عليهم، فإذا قبض حقهم قبل محله بغير إذن من يعتد بقبضه بعد محله ضمنه؛ كالوكيل إذا قبض مال موكله قبل محله، كذا قاله في "المهذب"، وقاسه ابن الصباغ وغيره على ما إذا قبض الأب دين ابنه الكبير بغير إذنه، [ثم قال]: فإن قيل في الأصل: لا يجوز له القبض، وهاهنا يجوز للإمام القبض لحاجتهم – قلنا: جواز القبض لا يمنع حصول الضمان؛ كما [لا] يجوز أن يدفع الوديعة إلى من ادعى وكالة صاحبها وصدقه ويكون ضامناً، قال: وهذا فيه ضعف.
وعبَّر في "البحر" عما قاله ابن الصباغ بأن القبض يكون مشروطاً بسلامة العاقبة.
وحكى المراوزة وجهاً آخر: أن الحاجة تنزل منزل السؤال؛ لأن الزكاة مصروفة إلى جهة الحاجة لا إلى قوم معينين، والإمام [ناظر لها]، فإذا رأى المصلحة في الأخذ كان له ذلك.
والصحيح الأول، وهو ما نص عليه في "المختصر"، وأشار إلى العلة بقوله: لأن فيهم أهل رشد لا يولَّي عليهم.
ولم يحك العراقيون والماوردي غيره، لكن لم يضمنها، قال الماوردي: إن كان رب المال بصفة من تجب عليه الزكاة آخر الحول

ضمنها لأهل السهمان، وألا ضمنها له.
وهذا يدل على أن رب المال إذا كان بصفة الوجوب آخر الحلو وقعت الموقع، وهو ما حكاه الفوراني حيث قال: إذا عجل الزكاة فتلفت في يده قبل الحول، ووجدت شرائط الزكاة في الدافع – فإنه يجزئ عنه، ويجعل كأنه أخرجها عند الحول.
وقال القاضي الحسين في "تعليقه": [إن بهذا] أجاب القفال في المرة الثانية؛ لأن الشافعي – رحمه الله – قال: إذا مات المدفوع إليه قبل الحول يؤخذ المدفوع من ماله لأهل السهمان، ولولا أن الزكاة ساقطة عنه، وألا لما قبل أخذه لأهل السهمان، بل يأمره بتسليمه [إلى رب] المال؛ حتى تؤدي ثانياً كما لو عجل بنفسه.
والذي قاله في المرة الأولى: أن الضمان واجب على الإمام من خالص ماله لرب المال، وعليه أن يعطي الزكاة، أما إذا كان المستسلف لهم أطفالاً، نظر: فإن كان الولي عليهم من يقدم نظره عليهم على نظر الإمام فهم كأهل الرشد، وإن كان هو وليهم فالحكم كما لو كانوا أهل رشد وتسلف بمسألتهم، صرح به الغزالي وغيره، قال الرافعي: وهو مفرع على جواز صرف الزكاة إلى الصغير، وفيه وجهان، سواء كان له من تلزمه نفقته أو لا؛ لأنه إن كان في نفقة غيره فالخلاف فيه مشهور يأتي في قسم الصدقات، وإن لم يكن فقد حكى ابن كج – وهو في "الحاوي" و"البحر" عن أبي إسحاق – أنه لا يجوز صرف الزكاة إليه؛ لاستغنائه عن الزكاة بالسهم المصروف إلى اليتامى من الغنيمة، وعن ابن أبي هريرة: أنه يجوز صرف الزكاة إلى قيِّمه، قال ابن كج: وهو المذهب.
أما إذا قلنا: لا يجوز أن تصرف إليه، فلا تجيء هذه المسألة في سهم الفقراء والمساكين، ويجوز أن تجيء في سهم الغارمين ونحوه، لأن الخلاف في المكتفي بنفقة أبيه لا يتجه في سهم الغارمين؛ إذ ليس على القريب قضاء دين القريب.
قل: ودعوى الرافعي أن الحكم [المذكور] مفرع على جواز صرف الزكاة إلى الصغير؛ لأن لنا وجهاً: أنه لا يجوز الصرف إليه مطلقاً بمقتضى [التقرير المذكور- فيها] نظر؛ لأن الصغير قد لا يكون في نفقة غيره، وهو من لا يصرف إليه من

نصيب اليتامى في الغنيمة شيء؛ بأن يكون له أب فقير؛ لأن فقر الأب مانع من وجوب نفقة ولده عليه، ووجوده مانع من صرف شيء إليه من نصيب اليتامى إذ اليتيم من لا أب له، والله أعلم.
قال: وإن تسلف بمسألة الفقراء فهو من ضمانهم؛ لأنه وكيلهم وقبض بإذنهم، وهكذا الحكم فيما إذا تسلف بغير مسألة، أو بسؤال أرباب الأموال وسلمه إليهم، فتلف في أيديهم.
ومعنى كونه من ضمانهم: أن رب المال لو خرج عن أن يكون من أهل الوجوب قبل تمام الحول، وخرجوا عن أن يكونوا من أهل الاستحقاق حالة الوجوب، أو وجد أحد الأمرين – كان عليهم الضمان، ولا يكون الإمام طريقاً فيما إذا تسلف بمسألة أرباب الأموال، وهل يكون طرياً إذا تسلف بمسألة الفقراء؟ قال الرافعي: فيه وهان، [أظهرهما – كما اقتضاه كلامه، والذي أورده] الماوردي وغيره فيما إذا خرج المالك عن أهلية الوجوب -: أن له مطالبة الإمام، وهو يرجع على القابض.
وجزم القول بأنه إذا خرج القابض وحده عن [أهلية] الاستحقاق: أن الإمام يطالبه بها، ويصرفها في غيره ممن يستحقها، وكذا قاله البندنيجي وليس لرب المال استرجاعها؛ لأن إخراجها واجب عليه.
وفي "التهذيب" حكاية وجه آخر: أنها لا تجزئ عن رب المال، قال: وعلى رب [المال] إخراجها؛ لأن ما دفع لم يقع عن الصدقة؛ فأشبه ما لو عجل الزكاة إلى الفقراء وخرجوا عن الاستحقاق.
وعلى الأول قال الماوردي: فالواجب المثل الصُّوريُّ أو الحقيقي دون القيمة؛ لأنه يسترجعها في حق أهل السُّهمان؛ [فوجب أن يسترجع ما] يصرف مصرف الزكاة وهو العين دون القيمة، بخلاف ما إذا خرج رب المال عن صفة الوجوب؛ [فإنه يرجع في النقد بمثله، وفي الحيوان بالقيمة: [بقيمته] على وجه، وعلى آخر بالمثل

الصوري كما في القرض، وسنذكر من بعد ما ينازع فيه.
ولو بقي رب المال على صفة الوجوب] وهم على صفة الاستحقاق إلى أن تم الحول، وقع المخرج عن زكاته، وقال الرافعي: فيه وجهان.
أظهرهما: هذا.
وهو المذكور في "الشامل" وتعليق" البندنيجي و"البحر" [و"الحاوي"] في أثناء [الكلام عن] تسلف الإمام الزكاة لرجلين، ووجهه: أن الإمام نائب الفقراء؛ فصار كما لو أخذوه وتلف في أيديهم.
والثاني: لا؛ لأنه لم يصل إلى المستحين؛ فعلى هذا يؤخذ من الفقراء، وفي كون الإمام طريقاً وجهان.
وهذا الوجه وفرعه يظهر مجيئهما من طريق الأولى فيما إذا خرج الفقراء عن صفة الاستحقاق وبقي رب المال بصفة الوجوب عليه وللإمام إذا اجتمعت عنده الزكاة: أن يصرف ذلك القدر إلى قوم آخرين عن جهة الذي تسلف منه، قاله الرافعي.
واعلم أن الشيخ محيي الدين النووي – رحمه الله – قال: إن المراد بالفقراء هنا جميع أصناف الزكاة، وعادة الأصحاب إطلاق هذه اللفظة في مثل هذا السياق لإرادة الأصناف، وهو من باب التعبير بالبعض عن الكل، وخصوا به الفقراء؛ لأنهم أهم الأصناف.
قلت: ويجوز أن يحمل كلام الشيخ وغيره من المصنفين في هذا المقام على حقيقته، وهو إرادة نفس الفقراء، لا غيرهم؛ لما ستعرفه أن للإمام أن يصرف زكاة الشخص الواحد لواحد من الأصناف الثمانية، ويؤيد ذلك أن الشافعي – رحمه الله – قال في "المختصر": لو استسلف الوالي لرجلين بعيراً، فأتلفاه وماتا قبل الحول فله أن يأخذ من أموالهما لأهل السهمان، ولو ماتا بعد الحول كانا قد استوفيا الصدقة.
وقال الأصحاب: إن الحك كذلك فيما لو استسلف لأكثر منهما أو لأقل.
وإذا كان كذلك فلا حاجة بنا إلى صرف اللفظ عن حقيقته، والله أعلم.

قال: وإن تسلف بمسألة أرباب الأموال فهو من ضمانهم، كمن بعث ما عليه على في شخص إلى مستحقه، فتلف في الطريق.
نعم، إن فرط الإمام فيه رجع به عليه، وله في هذه الحالة عند بقاء المال في يد الإمام أن يسترجعه؛ لأنه كوكيله، أما إذا فرقه لأهل السهمان وهو باق في أيديهم وهم بصفة الاستحقاق، [وهو بصفة من تجب عليه – لم يكن له استرجاعه.
نعم، لوخرج عن أن يكون من أهل الوجوب عليه والمدفوع إليهم عن أن يكونوا بصفة الاستحقاق] أو لم يخرجوا – فله الاسترجاع.
ولو لم يخرج رب المال عن صفة من تجب عليه لكن خرج المدفوع إليهم عن صفة الاستحقاق – فله أن يسترجعها، وعليه صرفها في أهلها ومستحقيها فإن كانت باقية بحالها استرجعها بعينها، وهل يتعين عليه دفعها في الزكاة؟ فيه وحهان في "الحاوي".
قال: وإن تسلف بمسألة الجميع فقد قيل: هو من ضمان الفقراء؛ لأن الحظ في تعجيلها لهم وفي القبض لمنفعتهم فكان الضمان عليهم كالمستعير، وهذا أصح في "الشامل" وغيرهن قال الرافعي: وإليه يميل كلام الأكثرين.
وقيل: من ضمان أرباب الأموال؛ لانهم يملكون الدفع والمنع فقويت جنبتهم، وهذا أصح في "التتمة" و"العدة".
وما ذكره الشيخ من إطلاق الخلاف، هو ما أورده الأصحاب، وهو ظاهر فيما إذا وقعت المسألتان معاً، واعتمد الإمام في الأخذ مجموعهما، وعليه ينطبق كلام الشيخ، أما إذا وقعت أحداهما بد الأخرى فقد يقال: ينبغي أن ينبني ذلك على خلاف حكاه افمام في باب الرهن والحميل فيما إذا كان عليه دين لشخصين وقد وكلا وكيلاً في قبضه منه، فقال من عليه الدين للوكيل: خذ هذا أو ادفعه إلى فلان – أحد الموكلين – فهل يكون هذا القول من الدافع عز لا للوكيل بالقبض عن حكم ذلك الموكل، وإن لم يصرح الوكيل بالقبول لما قال له ذلك، ويصير وكيلاً

للمؤدي، أو لا يكون عزلاً عن التوكيل بالقبض وإن أقبل الوكيل بالدفع على اللفظ الذي حكيناه؛ لأن يد الوكيل ليست منتهى القبض، ومعنى قبضه: أن يوصله إلى موكله، فإذا قال من عليه الدين ادفع هذا إلى موكلك، لم يكن ما قاله مضاداً للقبض؟ فإن قلنا: إنه يكون عزلاً – وهو الأفقه عند الإمام- فيكون الضمان فيما نحن فيه على السائل الأخير؛ لأنه إن كان رب المال فقد نظر من عليه الدين، وإن كان الفقراء فنحن إنما جعلنا إذن الدافع عزلاً للمضادة، وهي ثابتة هنا أيضاً؛ فتكون مسألتهم [عزلاً للإمام] عن وكالة رب المال.
وإن قلنا: لا يكون عزلاً فإن اعتمد الإمام في الأخذ على إحدى المسألتين؛ لكونه رأى الحظ فيها أظهر – كان الاعتبار بها، وكذا فيما لو وقعت المسألتان معاً.
وإن اعتمد على المسألتين جاء الوجهان المذكوران في الكتاب، والله أعلم.
وكثير ما يقال: إذا تسلف بمسألة الجميع لم لا يكون الضمان عليهما إحالة على المسألتين، كما أبداه بعض المتأخرين احتمالاً؟ وجوابه: أنا عند انفراده المسألة جعلناها من ضمان السائل؛ [لأن الإمام وكيله فتجعل يده [يده فكأنه تلف في يده، ويستحيل] عند اجتماع المسألتين أن تكون يده نائبة عن كل منهما في حال التلف على كل العين؛ فكذلك امتنعت إضافة الضمان إليهما والله أعلم.
أما إذا تلف بعد تمام الحول والدافع ممن تجب عليه تلك الزكاة فقد سقطت الزكاة في الصور كلها، ويجيء في المسألة وجه [آخر] مماسنذكره في آخر الباب، وهل يضمنه الإمام؟ ينظر: إن فرط في الدفع إليهم ضمنه لهم من مال نفسه، وإلا فلا ضمان على أحد وليس من التفريط أن ينتظر انضمام غيره إليه؛ لقلته ولانشغاله بتعرف أحوالهم وقدر حاجتهم.
نعم، منه [ما] إذا عرف ذلك مع كثرة المال ولم يفرقه، سواء طالبوه بذلك أو لا، وليس كالوكيل إذا لم يطالبه موكله بما في يده؛ فإنه لا يضمنه؛ لأن الموكل متعين، والمساكين غير متعينين؛ فله أن يحرم البعض دون

البعض فلا معنى لطلبهم، فإذا لم يفعل علمنا أنه مفرط.
ولو تسلف الإمام لأهل السهمان مالاً على ذممهم قرضاً ممن تجب عليه الزكاة، أو [ممن] لا زكاة عليه – فالأحوال أربعة أيضاً: إن كانوا أهل رشد، ولا مسألة ولا حاجة ضمنهن سواء دفعه إليهم وتلف في أيديهم، أو تلف في يده بتفريط [أو غير] تفريط.
نعم، هل يرجع الإمام بالغرم على الأخذ منه؟ ينظر: إن دفعه إليهم متبرعاً فلا، وإن أقرضهم إياه فنعم؛ لأنه أقرضهم مال نفسه.
وإن كان بهم حاجة فوجهان: أحدهما: أن الحكم كما لو تسلف بإذنهم، وخصه القاضي الحسين [وكذا] الفوراني بما إذا كانوا بحيث [لو] لم يستقرض لهم لهلكوا.
وأصحهما: لا؛ فعلى هذا يكون الضمان عليه، فإن أقبضه لهم وتلف في يدهم كان عليهم وعليه، وهو طريق فيه.
فإذا أخذ الزكوات، والمدفوع إليه بصفة الاستحقاق فله أن يقضيه منها، وله أن يحتسب ذلك من صدقة الدافع إن كان عليه صدقة.
وإن لم يكن المدفوع إليه بصفة الاستحقاق بموت أو ردة أو يسار قضي ذلك من ماله ويرجع على المدفوع إليه إذا أمكن، ولا يجوز أن يقضي ذلك من أموال الزكاة.
نعم، لو مات فقيراً ففي "تعليق" القاضي الحسين أن أصحابنا قالوا: لو حال الحول على واحد من المسلمين، ولم يحل [على سائر] المسلمين، فمات المقترض له بعد حول الحول على هذا الرجل، وقبل حول الحول على سائر المسلمين – يجوز للإمام أن يقضي دين ذلك الفقير من مال من حال عليه الحول في حياته.
ثم قال: وهذا ... إنما يتصور إذا كانوا محصورين معدودين وقد حكى الإمام مثل هذا القول عن الشيخ أبي بكر – رضي الله عنه – يعني ابن الحداد – فيما إذا حلت صدقة زيد، والمستقرض من المساكين الذين يحل لهم أخذ الصدقة لدينه، ثم

استغنى بجهة أخرى، أو ارتد، فحلت صدقة عمرو – [أنه تصرف إلى دينه صدقة زيد، ولا تصرف إليه صدقة عمرو].
قال: وهذا ليس بشيء؛ فإنه مديون عليه دين لا يتعلق بزكاة زيد ولا عمرو؛ فينبغي أن يكون النظر إلى صفة حاله حالة الأخذ، سواء كان من صدقة زيد أو عمرو وإنما يتجه ما قاله إذا منعنا نقل الصدقة وانحصر المستحقون، ثم فرض التغاير بعد الاستحقاق.
ولو كان الإمام قد تسلف بمسألتهم فهو وكيلهم في الإقراض والضمان؛ فالضمان عليهم [على أظهر الوجهين]، سواء تلف في يده أو في يدهم، لكن هل يكون طريقا ًللضمان؟ ينظر: إن علم المأخوذ منه ذلك فلا على أظهر لوجهين، وبه جزم وبه جزم القاضي الحسين، وهو المحكي في "الإبانة" عن القفال؛ بل يرجع عليهم فقط.
ومقابله: أنه يكون طريقاً كالوكيل بالشراء؛ فإنه طريق في المطالبة بالثمن على ظاهر المذهب، كما ستعرفه في باب الوكالة.
وإن ظن المأخوذ منه أنه يستقرض ذلك لنفسه، أو للمساكين ابتداء من غير مسألتهم، ولا حاجة بهم، فتلف في يده – كان الضمان عليه، صرح به الفوراني، ولا مطالبة [له] على المساكين.
وإن تسلف بمسألة أرباب الأموال فلا ضمان على أحد، وإن تسلف بمسألة الجميع ففيه الوجهان.
قال: وإن عجل شاة، أي: جارية في الحول، عن مائة وعشرين، ثم نتجت شاة، أي: منها، سَخْلَةً قبل الحول – ضم المخرج إلى ماله، ولزمه شاة أخرى؛ لأن المخرج كالباقي على ملكه؛ ولهذا لا ينقطع الحول بإخراجه من نصاب فقط، كما إذا ملك أربعين من الغنم، فأخرج منها شاة؛ فإن الحول لا ينقطع، ولولا أنها كالباقية على ملكه لانقطع، وإذا كان كالباقي على ملكه وجبت شاة أخرى كما لو لم يخرجها.

فإن قيل: لا نسلم أنه إذا اخرج شاة من أربعين لا ينقطع الحول، وهو مذهب أبي حنيفة.
قلنا: ذاك مذهبنا، وحجته: أنه – عليه السلام – حين رخص للعباس لم يستفصل عن ماله: هل هو نصاب أو أكثر منه، ولأنا إنما جوزنا التعجيل إرفاقاً بأهل السهمان؛ فلا يجوز أن يصير سبباً لإسقاط حقوقهم.
فإن قلت: إذا قدرت أن المخرج كالباقي على ملك المخرج فهل ملكه أهل السهمان؟ فإن قلت: ما ملكوهن فكيف ينفذ تصرفهم فيه؟ وإن قلت: ملكوه، فكيف تجعله باقياً على ملك المخرج؟ قلنا: إذا تم الحول على السلامة حكمنا بملك أهل السهمان من حين القبض، وجعله على ملكا لمخرج تقديراً؛ حتى يكون مجزئاً عن زكاته [و] يكمل به النصاب رفقاً بأهل السهمان، [والثاني: الحكم بكون الملك للمخرج حقيقة مع انتقاله لأهل السهمان]، وهذا ملخص ما حكي عن صاحب "التقريب"، وبه يندفع السؤال، على أن لقائل أن يقول ببقاء ملك رب المال حقيقة، وإن نفذنا تصرف أهل السهمان فيه، كما ذهب إلى مثله الشيخ أبو محمد [في] أن القيمة المأخوذة لأجل الحيلولة لا يملكها المغصوب منه وإن نفذنا تصرفه فيها، أما إذا تغير الحال فكلام الشيخ في "المهذب" وغيره الذي سنذكره عند هلاك الفقير قبلا لحول: أن الحكم فيه كذلك، وكلام الغزالي وطائفة يقتضي خلافه، وسنذكره إن شاء الله.
والحكم فيما إذا عجل شاتين من مائتين، ثم نتجت شاة سخلة قبل الحول- كما تقدم؛ فيلزمه شاة أخرى.
أما لو كانت المعجلة غير جارية في الحول؛ لكونه ابتاعها فأخرجها، أو كنات معلوفة- فلا يلزمه شيء آخر، صرح به الرافعي والقاضي الحسين.

تنبيه: قوله: "ثم نتجت شاة سخلة"، [هو بضم النون وكسر التاء، و"شاة" مرفوع، و"سخلة" منصوب، ومعناه: ولدت شاة [سخلة]، والسخلة: بفتح السين المهملة، وإسكان الخاء المعجمة، وجمعها: سخالٌ – بكسر السين – وسخل، وهو من ولد الضأن والمعز: يطلق على الذكر والأنثى من حين يولد إلى أن يستكمل أربعة

أشهر، فإذا بلغتها وفصلت عن أمها فأولاد المعز جفار الواحدة: جفرة، والذكر: جفر، فإذا رعى وقوي فهو عتود، وجمعه: عدان، وهو في ذلك جدي، والأنثى: عناق – بفتح العين – ما لم يأت الحولن وجمعها عنوق، فإذا أتى عليه حول فالذكر: تيس، والأنثى: عنز.
قال – رحمه الله -: وإن نقص النصاب قبل الحول، [أي] مثل أن كان أربعين من الغنم، وقد عجل منها شاة، وتلفت أخرى أو باعها، وكان لدين أنها زكاة معجلة – جاز له أن يسترجع؛ لأنه دفع ذلك على أنه عجل ما يجب عليه؛ فظهر أنه غير واجب فكان له استرداده؛ كما لو عجل أجرة دار فانهدمت قبل انقضاء المدة، وللمراوزة وجه آخر حكاه الشيخ أبو محمد: أنه لا يكفي التصريح بأنها معجلة في الاسترجاع بل لابد من التصريح بالرجوع عند طرآن ما يمنع الوجوب أو الإجزاء، كما إذا قال: هذه الدراهم عن زكاة مالي الغائب، وكان تالفاً؛ [فإنه] لا يسترجع إلا إذا شرطه بتقدير تلف الغائب.
والذي أورده المعظم وهو الأصح: ما ذكره الشيخ، لما ذكرناه.
قال الصيدلاني: وفي قوله: إنها معجلة، تعرض لشرط الرجوع إن عرض مانع؛ فهو كمسألة الغائب.
وهذا غير واضح كما ينبغي.
وقرب الإمام الوجهين في المسألة من القولين فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال هل تنعقد صلاته نفلاً أم لا؟ ثم حيث قلنا: له الاسترجاع، نظر: فإن كان ما دفعه باقياً بحاله أخذه، وفيه احتمال يأتي [مأخذه]، والذي أورده الجمهور: الأول، قال الإمام: ولا حاجة عندي إلى نقض الملك والرجوع فيه، بل ينتقض الملك أو يبين [أن] الملك في أصله لم يحصل أو حصل ثم انتقض، وليس كالرجوع في الهبة؛ فإن الراجع بالخيار إن شاء

أدام الملك المتهب، وإن شاء رجع وليس لملك القابض وجه إلا وقوع المقبوض عن جهة الزكاة، فإذا امتنع وقوعها زال الملك، ولو قدرنا وقوعها نقلاً إذا لم تقع فرضاً فموجب هذا: امتناع الرجوع والاسترداد، وتفريعنا على ثبوت الرجوع، وكذا يرجع فيما دفعه إن كان زائداً زيادة متصلة، وإن كانت الزيادة منفصلة وقد حصلت قبل السبب الموجب للرجوع رجع فيه دون الزيادة، على الأصح، ولم يورد العراقيون والماوردي غيره، وهو المحكي في "تعليق" القاضي الحسين عن النص.
وحكى المراوزة وجهاً آخر: أنه يسترد الزيادة مع الأصل، وهو ما اقتضى إيراد "الوجيز" ترجيحه، وقال في "الوسيط": إن مأخذ الخلاف تردد الأداء بين وجود التمليك [وعدمه، أو هو] تمليك لا محالة، لكنه متردد بين الزكاة والقرض وهنا احتمالان ظاهران: فإن قلنا: إنه متردد بين التمليك وعدمه، فقد بان أنه لا تمليك؛ فيرد بزوائده.
وإن رددناه بني القرض والزكاة التفت على أن القرض يملك بالقبض أو بالتصرف؟ وشرح هذا الكلام: أن الأداء هل هو يملك ملكاً موقوفاً [مراعّى]، فإن تم الحول مع سلامة الحال تبينا أن ملك [المعطي لم يزل، أو نقول: الأداء يملك] حين القبض، وإن تغير الحال فظهر أن الزكاة لم تقع موقعها تبينا أن ملك المعطي لم يزل، أو نقول: الأداء يملك لا محالة في الحال، لكن على أي وجهي ملك؟ الأمر فيه مرقوف مراعى: فإن تم الحول على السلامة تبينا أنه [ملك حين القبض، وإن تغير الحال فظهر أن الزكاة لم تقع موقعها تبينا أن] ملكه زكاة، وإن تغير الحال تبينا أنه ملكه فرداً، وهذان الاحتمالان حوم عليهما صاحب "التقريب"، ولم يصرح بهما الأصحاب.
فإن قلنا بالاحتمال الأول أخذت الزيادة مع الأصل؛ لأنا تبينا حصولها على ملك رب المال، ولو كان الآخذ قد باع ما أخذه فقياسه أن يبين أن التصرف مردود

منتقض، وبه صرح في "الوسيط".
وإن قلنا بالثاني – وهو الذي صرح به القاضي الحسين والفوراني فقد بان أن الأداء مملك على جهة القرض، والقرض متى يحصل الملك فيه: [هل] بالقبض أو بالتصرف المزيل للملك؟ قال الإمام: فيه قولان: أصحهما: بالقبض؛ فعلى هذا يأخذ الأصل دون الزيادة إن رضي الآخذ بذلك، وإن لم يرض وبذل [بدل] العين [كان له كما في مثله في القرض، كذا قاله الإمام ومن تبعه، وهو جار فيما إذا لم تزد العين] ولم تنقص، وفيما إذا زادت زيادة متصلة من طريق الأولى.
وقد حكى بضهم في القرض أن المقرض يأخذه إذا كان باقياً وإن قلنا: إن المستقرض قد ملكه بالقبض كما ستعرفه في موضعه – وصححه الجمهور، ولعل جوابهم ها هنا مفرع عليه، والله أعلم.
والثاني: بالتصرف المزيل للملك؛ فعلى هذا يأخذ الأصل والزيادة إذ لا ملك، ولك أن تقول: سيأتي في باب القرض أن التصرف المملك للقرض ما هو فيه ثلاثة أوجه: أحدها [هذا]، والثاني: كل تصرف يتعلق بالرقبة، والثالث: كل تصرف [يستدعي الملك]، فعلى هذا والذي قبله ينبغي أن يلاحظ: هل صدر ذلك التصرف من القابض أو لا؟ فإن لم يحصل [ترد الزيادة]، وإلا فلا، وعلى ذلك خلص الغزالي بقوله: التفت، إلى أن القرض يملك بالقبض أم بالتصرف؛ وإن كان ناقصاً [نقصان] وصف كما قال الإمام أخذه، وهل يأخذ معه أرش النقص ممن لو تلف في يده ضمنه؟ فيه وجهان في الطريقين، أقيسهما في "الوسيط": أخذه، واختيار القفال: لا، وهو ما يقتضي كلام أبي الطيب ترجيحه، وصرح غيره بتصحيحه، وحكى عن ظاهر نصه في "الأم"، وبه جزم الماوردي؛ لأنه نقص حدث في ملكه فلا يضمنه، وإن كان يضمن كل العين لو تلفت، كالبائع إذا استرد المبيع، وقد نقص

عند الإفلاس: ليس له الأرش، وكالمشتري إذا رد المبيع بعيب والثمن باق، لكنه حدث فيه عيب: ليس له إلا المعيب كما قال القفال، قال الإمام: وهذا مشكل؛ فإلزامه الرضا بالشيء، المعيب بعيد، وإنما الذي قاله الأصحاب: أنه لو وجد بالمبيع عيباً وتمكن من الرد، فرضي لا أرش له، وقد ذكرت شيئاً يتعلق بذلك في باب التحالف فليطلب منه.
وبنى الفوراني والقاضي الحسين الوجهين على الخلاف السابق في أن القرض متى يملك؟ فإن قلنا: بالقبض، فلا يغرم، وقد قال الإمام في باب اختلاف المتبايعين: إن الشافعي – رحمه الله – قال: يخرج الإمام [من المال العام] أرش النقص ويضمه إلى الشاة، ولا يكلف المسكين غرم العيب.
وإن بعض الأصحاب ذهب إلى القول بظاهره، وإنه خيال لا أصل له، والوجه: حمل النص على الاستحباب عند اتساع المال.
ثم هذا يجزئ في القيمة لو تلفت الشاة، أما إذا نقص المخرج جزءاً متميزاً كإحدى الشاتين، أخذ بدله بلا خلاف؛ وما هو؟ سيأتي الكلام فيه.
ولو كان المخرج تالفاً بجملته استرجع بدله إما من الإمام أو من الفقراء، على ما تقدم، وللإمام أن يدفعه من أموال الزكاة إن بقي الآخذ بصفة [استحقاق الزكاة] عند آخر الحول، لكن ما هو البدل؟ ينظر: إن كان المخرج مثلياً فالمثل، وإن كان متقوماً كالشاة والبعير ونحوهما فهل هو المثل الصوري أو القيمة؟ فيه وجهان في "الحاوي" كما في القرض.
قلت: وهذا منه نظر إلى أن الأداء يملك على جهة القرض كما تقدم، وعليه أشار إليهما الإمام في موضع من كتابه، ومقتضى الاحتمال الآخر – وهو أن الملك موقوف على ما يظهر آخراً – [أن يضمنه] بالقيمة جزماً، وهو ما أورده البندنيجي وغيره من غير بناء.

ثم إذا أوجبنا القيمة فبأي وقت يعتبر؟ فيه أوجه: أحدها: قيمته وقت القبض، وهو ما حكاه القاضي أبو علي البندنيجي عن المذهب، وصححه الماوردي، وذلك مفرع على قولنا: إنه تملك ذلك قرضاً بالقبض.
[والثاني:] قيمته يوم التلف كالعارية، وحكى البندنيجي عوضه قيمته يوم الاسترجاع، فإن صح [ذلك] كان ثالثاً.
والرابع – حكاه القاضي الحسين -: أقصى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف كالغاصب، وهذا ما حكاه مع الوجه الثاني؛ بناء على أنه لا يملك إلا بالإتلاف.
وأبدى الإمام ضمان أقصى القيم وجهاً محتملاً لنفسه؛ بناء على أن ملك القابض موقوف، فإن تم الحول على السلامة تبينا أنه ملك حين قبض، وألا تبينا أنه لم يملكه، قال: فقد ذكرنا مثله في المستعير والمستام، لكنه بعيد في هذا المقام مع ثبوت ظاهر الملك [للقابض].
فروع: إذا أتلف المالك النصاب أو بعضه بعد التعجيل، فهل يكون الحكم ما لو تلف بنفسه حتى يسترجع؟ فيه وجهان [في الطريقين]، أصحهما: نعم، والثاني: لا؛ لأنه يريد نقض الأداء بقصد.
قيل: وقضية هذا التعليل: ألا يجري هذا الوهج فيما

إذا أتلفه إنفاقاً أو لحاجة؟ إذا عجل شاة من أربعين، ثم ماتت واحدة ونتجت واحدة: فإن كانت النتاج بد الموت فالحكم كما لو لم تنتج، وإن كان [النتاج] قبل الموت [أو] معه وقعت الزكاة موقعها، حكاه البندنيجي عن ابن سريج، وحكى القاضي أبو الطب عن الماسرجسي فيما إذا مات جميع الباقي بعد المعجلة، وقد أنتجت قدرها من السخال – وجهين: أحدهما: أن المخرج وقع موقعه.
والثاني: لا.
ويظهر أن يكون مأخذه مذهب الأنماطي، وإذا كان كذلك جرى في الصورة الأولى قطعاً إذا مات المعجل قبل الوجوب فهل يقع المعجل زكاة أم لا؟ إن قلنا: إن الوارث يبني على حول الموروث، فنعم، ويجزئ عن الوارث، فإن تعدد [الوارث] ثبت حكم الخلة بينهم إن كان المال ماشية أو غير ماشية، وقلنا بثبوت الخلطة فيه، وإن قلنا: لا تثبت، ونقص نصيب كل واحد عن النصاب – انقطع الحول،

ولا تجب الزكاة على المشهور، وعن صاحب "التقريب" وجه آخر: أنهم يجعلون كالشخص الواحد وكأنهم عين المتوفى؛ فيستدام حكمه في حقهم.
وإن قلنا: لا يبني الوارث على حول الموروث، فإذا حال الحول من حين ورث فهل يجزئ عن الوارث؟ حكى البندنيجي فيه وجهين: أحدهما: نعم؛ عملاً بظاهر نصه في "الأم"؛ فإنه نص على الإجزاء.
والثاني: لا، وقال قائله: نصه في "الأم" جوابٌ على أن الوارث يبني.
وعن الشيخ أبي حامد أنه قال: ما أشبه هذا بما قلناه في تقديم الصدقة عامين فأكثر، فمن قال بالمنصوص فيها –وهو قول أبي إسحاق – أنه يجوز عامين، قال هنا: [فالمنصوص] أنها تقع موقعها، ومن قال: لا يجوز تقديم صدقة عامين، قال هنا: لا تقع موقعها.
وقد نسب الإمام الوجهين إلى تخريج صاحب "التقريب" من الأصل المذكور، وقال: إنه محتمل، ويجوز أن يقال: لا يقع المخرج عن الوارث، [وهو الظاهر]؛ فإن مالك جديد لا ينبني حوله على الحول الماضي، وليس كسنتين في حق مالك واحد.
قال: وإن هلك الفقير، أو استغنى [من غير الزكاة] قبل الحول – لم يجزئه عن الفرض؛ لأنه تبين أنه لم يصرفه إلى المستحقين، وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق [في ذلك] بين أن يفتقر بعد ذلك، ويدوم فقره إلى آخر الحول، أو يدوم غناه إلى آخر الحول، وهو وجه للأصحاب مقيس على ما إذا كان غنياً عند الدفع إليه [فقيراً آخر الحول؛ فإنه لا يجزئ بلا خلاف، لكن الأصح فيما إذا تخلل غناه، وكان عند آخر الحول] فقيراً: أنه يجزئه عن الفرض.
وقد نظر القاضي الحسين الخلاف في المسألة بالخلاف في صورتين: أحداهما: إذا تخلل بين الرهن والإقباض جنون، هل يكون مبطلاً للعقد أم لا؟ وفيه وجهان.

الثانية: إذا فاتته صلاة في السفر، فهل يجوز إذا قضاها في سفر آخر تخلل بينه وبين الأول حضر أن يقصر؟ وفيه وجهان: ولو كان غناه بالزكاة التي أخذها أجزأته عن الفرض وفاقاً؛ لأنه المقصود بالدفع إليه، وكذا لو هلك أو استغنى بعد الحول أجزأته وفاقاً، اللهم إلا أن يعجل بنت مخاض عن خمس وعشيرن من الإبل، فبلغت بالتوالد ستا ًوثلاثين قبل الحول؛ فلا يجزئه بنت المخاض المعجلة، وإن صارت بنت لبون في يد القابض، بل يستردها ويخرجها ثانياً، أو بنت لبون أخرى.
وقال في "التهذيب" [من عند نفسه]: لو كان المخرج هالكاً، والنتاج لم يزد على أحد عشر كان مع المخرج ستاً وثلاثين – وجب ألا تجب بنت لبون؛ لأنا إنما نجعل المخرج كالقائم إذا كنا نحتسبه من الزكاة، وهاهنا لا يحتسب من الزكاة؛ فيصير كهلاك بعض المال قبل الحول.
ولو وقع الشك [في موت] الفقير قبل الحول أو بعده؛ ففي الإجزاء وجهان في "الحاوي".
قال: .............. ؛ لما تقدم، وفيه الوجه السابق في اشتراط التصريح بالرجوع أو الاسترجاع.
ثم ظاهر كلام الشيخ: أن المعجل هو المسترجع، وكذا كلام القاضي أبي الطيب؛ فإنه قال كما قال الشيخ، وكلام القاضي الحسين الذي حكيناه من قبل مصرح به إذا كان الدفع من رب المال إلى الفقير، وهي صورة الكتاب، كما ستعرفه من بعد.
ويوافق ذلك ما حكيناه فيما إذا تسلف الإمام الزكاة بمسألة أرباب الأموال وسلمها للفقراء، ثم خرجوا عن صفة الاستحقاق، وأن لرب المال استرجاعها، وإذا كان كذلك في صورة عجلها وكيله – وهو الإمام – فكذلك إذا عجلها هو من طريق الأولى، ويعود الكلام السابق في الفصل قبله، [في أنه] يسترجعها إن كانت باقية بحالها أو زائدة أو ناقصة، أو بدلها إن كانت تالفة، وما هو البدل - على نحو ما

سبق، ويظهر أن يجيء الخلاف السابق في أنه هل يتعين عليه صرفها بعينها إذا استرجعها سالمة من العيب أم لا؟ وطرآن الردة قبل الحول كطرآن اليسار والموت قبله.
أما إذا لم يبين أنها زكاة معجلة: فإن علم القابض أنها معجلة فالحكم كما لو بين، وإن لم يعلمه فلا استرجاع في هذه الأحوال، ولا في حالة نقص النصاب قبل الحول إذا كان رب المال هو الدافع بنفسه، كذا قاله العراقيون، وحكى عن نصه في "المختصر"، وأنه نص فيه [فيما] إذا كان الإمام هو الدافع: أنه يسترجع وإن لم يبين أنها زكاة معجلة، وبه قال العراقيون، واختلف المراوزة في النصين على طرق: إحداها: تقرير النصين كما صار إليه العراقيون، وهي أصحها، والفرق بين رب المال والإمام من وجهين: أحدهما: أن الإمام جعل حال الفقراء إلى اجتهاده؛ فربما احتاجوا فأعطاهم الزكاة الواجبة والزكاة المعجلة، فإذا استرجعها منهم لم يكن متهماً فيها، وليس كذلك رب المال، والظاهر: أن ما أعطاهم واجب أو تطوع؛ فتلحقه التهمة في استرجاعه.
والثاني: أن الإمام إذا استرجع الزكاة فلا يسترجعها لنفسه [وإنما لغيره، وليس كذلك رب المال؛ فإنه يسترجع الزكاة لنفسه] فكان متهماً فيه.
وفرق الرافعي بأن المالك يعطي من ماله الفرض والتطوع، فإذا لم يقع عن الفرض وقع عن التطوع، والإمام يقسم مال الغير فلا يعطي إلا الفرض؛ فكان مطلق دفعه كالمقيد بالفرض.
والثانية: تخريج قول من كل صورة إلى الأخرى، وجعلهما على قولين.
والثالثة: إلحاق الإمام برب المال في عدم الاسترجاع عند عدم الاشتراط؛ لأن الإمام يتصدق بمال نفسه كما يفرق مال الغير، وبتقدير ألا يقسم إلا الفرض، لكنه قد يكون معجلاً، وقد يكون في وقته، وهؤلاء حملوا نصه فيه على ما إذا وقع بغرض التعجيل.

قال الرافعي: وهذا الطريق هو الذي أورده الجامعون لطريقة القفال واختياراته، وصححها في "الإبانة"، وذكر في "الشامل" أن الشيخ أبا حامد حكاها أيضاً، والأظهر: أنه لا يثبت الرجوع سواء أثبتنا الخلاف أو لا، وهو فيما إذا دفع بنفسه أولى وأظهر.
والطرق المذكورة باتفاق ناقليها جارية فيما إذا دفع وهو ساكت، أما إذا قال حالة الدفع: هذه زكاتي أو صدقتي، كان بمثابة ما لو ذكر التعجيل، ومنهم من قال: الحكم كما لو دفع وسكت، وعليها جرى القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين.
وقد سلك القاضي الحسين في حكاية الطرق مسلكاً آخر فقال: إذا دفع الزكاة ولم يقل: هذه عن زكاتي المعجلة، فلا خلاف أنه لا يرجع، فأما إذا قال: هذه عن زكاتي المعجلة، فقد نص الشافعي -رحمه الله - في رب المال في "المختصر": أنه لا يرجع.
وقال في الإمام في ["المختصر": إن له أن يسترجع].
واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاث طرق:

منهم من جعل المسألة على قولين.
ومنهم من قال: المسألة على اختلاف الحالين: حيث قال له الرجوع، إذا شرط الرجوع، وحيث قال: ليس له الرجوع، إذا لم [يشرط الرجوع].
ومنهم من أجراهما على ظاهرهما، وفرق بما ذكرناه.
ثم حيث قلنا بأن له الاسترجاع وإن لم يبين أنها [زكاة] معجلة، ولا علمه القابض – فمهام قال الدافع: قصدت التعجيل، ونازعه القابض، فالقول قول الدافع مع اليمين، فإنه أعرف بنيته، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهته.
وإن قلنا: لابد من التصريح [بأنها معجلة ويكفي، أو لا بد مع ذلك من التصريح] باشتراط الرجوع عند تغير الحال، واختلف الدافع والقابض في ذكر ذلك – فمن القول قوله؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره: أحدهما: أن القول قول المؤدي؛ كما لو دفع ثوباً إلى غيره فقال: هو عارية، وقال الآخر: [هو] هبة – فإن القول قول الدافع، وهذا ما حكاه القاضي الحسين.
والثاني – وهو الأظهر، ولم يورد البندنيجي وصاحب "العدة" غيره -: أن القول قول القابض؛ لأن الأصل عدم الاشتراط وذكر التعجيل، والغالب أن الأداء في الوقت، ولأنهما اتفقا على انتقال الملك والأصل استمراره.
والخلاف جار فيما لو تنازع الإمام والقابض، وقلنا: إن الإمام كالمالك، كما أشار إليه في "التهذيب".
ثم على القول بأن القول قول القابض، فهل للدافع تحليفه فيما إذا كان الدافع قد قال حال الدفع: هذه زكاتي؟ فيه وجهان جاريان فيما لو وقع النزاع بين الدافع وورثة القابض كما قال الماوردي، وقال أبو الطيب: إنهما مبنيان على ما إذا أقر عند الحاكم بأني اشتريت من هذا شيئاً وأقبضته به رهناً ثم رجع فقال: أحلفه إنه قبض الرهن- فهل له تحليفه؟ فيه وجهان.
تنبيه: قول الشيخ –رحمه الله – "لم يجزئه عن الفرض"، مقتض لإيجاب إخراج

الفرض ثانياً، سواء استرجع أو لم يسترجع، وعبارته في "المهذب" أصرح في هذا المعنى؛ فإنه قال: إذا مات الفقير أو ارتد قبل الحول لم يجزئه المدفوع عن الزكاة، وعليه أن يخرج الزكاة ثانياً، وهل يسترجع؟ وساق الكلام، ولا شك في أن الحكم كذلك إذا بقي المال بعدما عجل منه نصاباً، أما إذا لم يبق فينظر: فإن كان في صورة [لا] يثبت له فيها الاسترجاع [فقد قال الأصحاب: إنه لا يجب عليه شيء، وإن كان في صورة يثبت له فيها الاسترجاع] واسترجع – نظر: فإن كان المسترجع عين المدفوع وهو ذهب أو فضة، وإذا ضمه إلى ما عنده بلغ النصاب – وجبت فيه الزكاة؛ لأنه قبل أن يموت الفقير كان كالباقي على حكم ملكه، ولما مات صار كالدين في ذمته، والذهب والفضة إذا صارا ديناً لم ينقطع الحول فيه؛ فضمه إلى ما عنده وزكاه [كذا] قاله في "المهذب".
وإن كان الذي عجله شاة؛ ففيه وجهان: أحدهما: يضمه إلى ما عنده كما لو كان ذهباً أو فضة، وهذا ما ادعى البندنيجي [أنه المذهب]، موجهاً له بأن الشاة وإن ملكها الفقير فهي في حكم ملك رب المال.
والثاني: لا؛ لأنه لما مات صار كالدين، والحيوان إذا صار ديناً لم تجب فيه الزكاة، بخلاف الذهب والفضة.
ويأتي فيما إذا كان ذهباً أو فضة وجه: أنه لا يضم؛ بناء على أن الدين لا زكاة فيه؛ ولأجل ذلك حكى الإمام عن العراقيين في مجموع المسألتين ثلاثة أوجه أشار إليهما البندنيجي، ثالثها: الفرق بين الماشية وغيرها؛ لما ذكرناه؛ قال: وهذا خبط لا صدور له عن معرفة القواعد، [ولعلم صوَّروه] فيما إذا كان القابض أتلف

الشاة، فإن كان كذلك فلا معنى لترديد القول في ذلك فن المواشي إذا كانت ديوناً لا تجب الزكاة فيها قطعاً.
وبنى صاحب "التقريب" ذلك في الماشية على الاحتمالين السابقين، فقال: إن قلنا بالثاني وهو أن الفقير قد ملك حين القبض لا محالة، والزوائد له – فلا تجب هاهنا زكاة ما مضى، بل يستأنف الحول من حين العود؛ فإنا تقدر زوال الملك عنها ثم العود عند الاسترداد.
وإن قلنا [بالاحتمال] الأول- وهو أن الملك موقوف على ما تبين – فقد بان أن الملك لم يزل؛ فإذا رجعت الشاة بعينها وجبت الزكاة، قال الإمام: وهذا هو الوجه مع الالتفات في تلك الشاة التي يتسلط القابض على التصرف فيها، [على] المال المغصوب والمحجور، وهو الذي أورده العراقيون.
قلت: وينبغي أن يلتفت على القولين في المغصوب – أيضاً – إذا لم يثبت له الاسترجاع، حيث دفع ولم يبين أنها زكاة مجلة ولا صدقة القابض في نية التعجيل، وكان الحيوان المعجل باقياً؛ لأنه بزعمه ملكه [ومن] هو في يده غاصب غير آثم.
فإن قلنا: إن الزكاة لا تجب في المغصوب فالأمر كما قاله الأصحاب، [وإن قلنا: تجب فيه لكن لا يجب الإخراج إلا بعد العود، فيخرج هاهنا الزكاة عما في يده بالحصة، إذا قلنا: إنه لو استرجع أخرج زكاة الجميع، كما قاله الأصحاب] فيما إذا غصب بعض النصاب، وتم الحول قبل الاسترجاع، والله أعلم.
وإن كان المسترجع بدل المدفوع؛ لكونه تالفاً: فإن كان دراهم أو دنانير عن دراهم أو دنانير، قال الماوردي: فالحكم كما لو استرجع عين المدفوع وهو دراهم أو دنانير.
وإن كان دراهم أو دنانير قيمة عن شاة مثلاً إذا قلنا: إن الواجب عند تلفها رد القيمة، استأنف الحول، وهو ما حكاه البندنيجي، [و] عن القاضي ابن كج، عن أبي إسحاق: إقامة القيمة مقام العين هاهنا؛ مراعاة لجانب المساكين.

وإن كان البدل شاة عن شاة؛ تفريعاً على قولنا: إن الواجب المثل الصوري - قال الماوردي: فيستأنف الحول أيضاً.
وجريان وجه أبي إسحاق فيه من طريق الأولى.
وهذا إذا كان رب المال هو الدافع للفقراء بنفسه، فلو وقع التعجيل للإمام بمسألة الفقراء فقد تقدم أن المسترجع عند تغير حال القابض وبقاء رب المال [بصفة الوجوب: هو الإمام دون رب المال]، وأنه يصرف المسترجع لمستحقه، ولا يأخذ عند تلف المدفوع في يد القابض إلا مثله، سواء كان من ذوات الأمثال أو من ذوات القيم.
وفي "الرافعي" أنه إذا استرجع عين المعجل هل يصرفه إلى المستحقين دون إذن جديد من رب المال؟ فيه وجهان في "التتمة"، أظهرهما - وهو المذكور في "التهذيب" - له ذلك.
وإذا أخذ القيمة عند تلفه فهل يجوز صرفها إلى المستحقين؟ فيه وجهان؛ لأن دفع القيمة لا يجزئ، فإن جوزناه - وهو الأظهر- فهل يحتاج إلى إذن جديد؟ فيه وجهان، وهذا تصريح بضمان المأخوذ بالقيمة إذا كان من ذوات القيم في هذه الحالة أيضاً.
والله أعلم بالصواب.
قال الشيخ - رحمه الله - ومن وجبت عليه الزكاة في الأموال الباطنة، وهي [من] الناض وعروض التجارة والركاز - جاز له أن يفرق ذلك بنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] فجعل كلا الأمرين مخيراً فيه؛ ولأنه مال مخرج على وجه الطهرة؛ فجاز أن ينفرد أربابه بإخراجه كالكفارات، وقد ادعى المحاملي الإجماع في ذلك، وعبارة الماوردي أن ذلك قول الجمهور.
قال: وبوكيله؛ لأنه حق مالي؛ فجاز أن يوكل في أدائه كديون الآدميين، وقد رأيت في "تعليق" القاضي أبي الطيب في [باب] دخول مكة عند الكلام في إحرام الولي عن الصبي: أن زكاة الفطر لا تدخلها النيابة في إخراجها مع القدرة على تعاطي الإخراج بنفسه.

ولا فرق في الوكيل بين أن يكون مسلماً بالغاً، أو كافراً صبياً، كما صرح به القاضي الحين في باب النية في الزكاة، وقال أيضاً: إنه يجوز أن يوكل فيها من لا يعرف أن ما يصرفه [زكاة.
وفي "البحر"] عن رواية والده وجه: أنه لا يجوز أن يوكل الصبي؛ لأنه غير مكلف فكان كالمجنون.
قال: ويجوز أن يدفع إلى الإمام؛ لأنه نائب عن المستحقين فجاز الدفع إليه كولي اليتيم.
نعم، هل للإمام المطالبة بها بأن يقول له: إما أن تدفع بنفسك أو تدفع إليّ حتى أوصل؟ قال الرافعي: فيه وجهان في بعض الشروح، ويجريان في المطالبة بالنذور والكفارات.
وفيه نظر؛ لأن أداء الزكاة على الفور، والنذور والكفارات لا يجب الوفاء بها على الفور، [كما حكاه ابن التلمساني هنا؛ فكيف يسوي بينهما؟! نعم، إن فرض الكلام في الكفارات التي تجب على الفور] على أحد الوجهين، وهي التي سببها محظور – كما قال في "الوسيط" في كتاب الحج والنذور الذي صرح فيها بالفورية – اتجه الإلحاق، ثم هذا الكلام من الرافعي يقتضي فرض الخلاف في الزكاة في حالة امتناع رب المال من الدفع، والمتولي ذكر الوجهين في حق من علم الإمام أنه يخرج الزكاة.
فأحدهما: أنه ليس له مطالبته؛ كما إذا علم أنه يصلي لا يتعرض له.
والثاني: يطالبه إذا أدى اجتهاده إلى ذلك لا بطريق الولاية، ولكن نيابة عن الفقراء، وحثاً على الخروج عن حقوقهم، وله في حالة الامتناع المطالبة قولاً واحداً، وقد تقدم في أول الباب.

قال: وفي الأفضل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يفرق بنفسه؛ لأنه على ثقة من أدائه، وليس على ثقة من أداء غيره، وهذا ظاهر نصه في "المختصر" حيث قال: وأحب أن يتولى الرجل قسمتها بنفسه؛ ليكون على يقين من أدائها.
ولم يحك الماوردي في قسم الصدقات غيره.
والثاني: أن يدفع إلى الإمام، أي وإن كان جائراً؛ لما روى أبو داود عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس – يعني من الأعراب – إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن ناساً من المصدِّقين يأتوننا فيظلموننا، [فقال: "أرضوا مصدِّقيكم"، قالوا: يا رسول الله، وإن ظلمونا؟! قال: "أرضوا مصدِّقيكم"]، وزاد عثمان – وهو ابن أبي شيبة -: "وإن ظلمتم"، وأخرجه مسلم [ولم يذكر فيه]: "وإن ظلمتم".
و [أثر] ابن عمر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة موافق له، [وهذا قول أبي علي] بن أبي هريرة، وتمسك فيه من جهة المعنى: بأن الإمام أعرف بمصارفها منه، ودفعها إليه تنزيه ظاهراً وباطناً، ودفعها إلى من ظاهره الفقر يحتمل أن يكون من الباطن غنيًّا؛ فلا تقع موقعها، ولأن آحاد الناس إذا تولوا تفرقة زكواتهم لم تبسط الزكوات على المستحقين، وإذا جمع الإمام الزكوات تَأَتِّي منه

بسطها، والزكاة وظيفة كلية أعدت للحاجات العامة حتى كأنها في السنة تحل محل النفقات الدَّارَّة يوماً يوماً من آحاد الناس على الذين يعولونهم؛ فكان الدفع إلى الإمام أفضل [لهذا المعنى].
والقائلون بهذا حملوا قول الشافعي – رحمه الله – على أنه أراد: أولى من الوكيل، وهو مما لا خلاف فيه.
والساعي في هذا المقام كالإمام، ولو اجتمع الإمام والساعي كان الدفع إلى الإمام أولى، قاله الماوردي.
والثالث: إن كان الإمام عادلاً فالأفضل أن يدفع إليه؛ لتحصيل المصلحة المذكورة، مع أنه على ثقة من أدائه، وإن كان جائراً فالأفضل أن يفرق بنفسه؛ لأنه ليس على يقين من أدائه؛ فلا تحصل المصلحة المذكورة، وهذا ما صححه النواوي، وادعى البندنيجي أنه المذهب، ولم يحك في "التتمة" [في الجائر] غيره.
وهذا الكلام من الشيخ وغيره من العراقيين دالٌّ على أن الإمام لا ينعزل بالجور، وهو ما ادعى القاضي الحسين في قسم الصدقات أنه المذهب الصحيح، وهو مخالف لما ذكره الشيخ وغيره في باب [أدب] السلطان؛ حيث قال: وإن زال شيء من ذلك بعد التولية بطلت ولايته.
وهو الذي ذكره البندنيجي قبل باب صدقة الخلطاء، وعليه جرى الماوردي فقال: إذا كان الإمام جائراً لا يجوز الدفع إليه، فإن دفع لم يبرأ.
كذا قاله في قسم الصدقات، وحكاه الحناطي [وجها].
قال: وفي الأموال الظاهرة وهي المواشي، والزروع، والثمار، والمعادن –قولان: أصحهما: أن له أن يفرق بنفسه؛ [لأنها زكاة واجبة على من يجوز له التصرف في ماله؛ فجاز له أن يفرقها بنفسه] كزكاة الأموال الباطنة، وإنما عدلت إلى القياس ولم أستدل بالآية؛ لأنها تقتضي [أن] الإخفاء خير، وذلك إنما يكون [أفضل] في الأموال الباطنة، أما في الأموال الظاهرة فقد قال الأصحاب – كما قال

الماوردي -: إن إظهارها أفضل، والأفضل إذا كان المخرج هو الإمام الإظهار في الظاهرة والباطنة، وهذا ما مال إليه كلام الشافعي في الجديد.
ومقابله – قاله في القديم-: أنه يجب الدفع إلى الإمام أو نائبه فيها؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: 13]، فإن ظاهره الوجوب، وإذا دلت على [أن] الإمام يجب عليه الأخذ دلت على أن على أرباب الأموال الدفع، وقال – عليه السلام – لمعاذ: "أعلمهم أنَّ عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم"، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر عمر كانوا يبعثون السُّعاة ليأخذوا أموال الزكاة، ولأنه مالٌ للإمام ولاية المطالبة به؛ فوجب صرفه إليه كالخراج والجزية.
وقد وجه الإمام هذا القول بالمعنى الذي ذكرناه آخراً في توجيه الوجه بأن الدفع إلى الإمام أفضل، وفرق بنيه وبين المال الباطن – وإن كانت العلة تقتضي التسوية – بأن للناس أغراضاً في إخفاء الأموال لا تنكر فلا يفوت عليهم هذا الغرض، وما يظهر من الأموال لا يمكن إخفاؤه.
وأجاب القائلون الأول عن الآية بأن معناها: خذ إذا دفعوا، أو هو على الاستحباب.
وعن خبر معاذ: بأن ذلك كان في ابتداء الإسلام؛ حيث لم يكونوا يعرفون مصارف الصدقات، ولما عرفوا وجوه مصارفها جاز لهم أن يتوَّلوها بأنفسهم، أو يحمل على الاستحباب.
وبعث النبي صلى الله ليه وسلم ومن بعده السعاة ليعرفوا أرباب الأموال ما يجب عليهم، ويقبلوه منهم إذا دفعوه إليهم؛ إذ هو الأفضل كما ستعرفه.
وأما قولهم: إن للإمام ولاية المطالبة به، فلا نسلمه؛ لأن بعض أصحابنا قال: ليس له المطالبة بالزكوات، قال القاضي أبو الطيب: أنا أقول: إن له المطالبة بها وهو المذهب الصحيح، لكن الفرق بين الزكاة، والخراج والجزية: أن لاجتهاد الإمام مدخلاً فيهما؛ فلذلك تعين لقبضهما، ولا كذلك الزكاة؛ فإنه لا مدخل له في مصارفها، وعلى هذا فإذا طلبها الإمام وجب الدفع إليه؛ لأنه إنما يطالب بما يؤدي

إليه اجتهاده، وليس لأحد اجتهاد مع اجتهاد الإمام، قاله القاضي أبو الطيب.
وقال الإمام: إن من لطيف [الكلام في] المذهب: أن الشافعي – رحمه الله- منع [من] نقل الصدقة في قول إليه ميله في الجديد، وأجاز نقلها في قول [فكان منع النقل مفضياً إلى قريب من قصد التعميم؛ فإن أهل كل بلدة إذا فرق الأغنياء] منهم صدقاتهم على المحاويج، قرب الغرض في الانبساط [على أهل الحاجات]،ويكون ذلك خلفاً عما [يفوت] من النظر العام الصادر عن الإمام، غير أن أحداً من الأصحاب لم يربط أحد الحكمين بالثاني، ولم يقل: إذا لمي جب الدفع إلى الإمام منعنا النقل، بل أجروا القولين، وإن حكمنا بأنه لا يجب دفع الصدقات إلى الأئمة.
وقال في باب زكاة الغنم: إنما إذا قلنا بمنع نقل الصدقة، ورأينا رد اليمين على أهل السُّهمان عند نكول رب المال عن الحلف وقد توجه عليه فقد نزلناهم منزلة مستحقين متعيّنين، وقياس هذا: أن يقطع طلبة السلطان عنه، ويكون الأمر موقوفاً على دعواهم ورفعهم ربَّ المال إلى السلطان: [فإن سكتوا وهم] أهل رشد لا يولي عليهم، فلا يبقى للسلطان في هذا تصرف وسلطنة على سبيل الابتداء؛ فإن سلطانه يثبت حين يكون رأيه متعيناً في الصرف إلى من رأى.
[ثم] قال: وينقدح فيه شيء، وهو أن المستحقين وإن كانوا محصورين فلرب المال ألا يسوي بين الفقراء وهم مثلاً ثلاثة، بل يفضل بعضهم على بعض؛ فيجوز أن يقال على قولنا بوجوب تسليم الزكاة إلى السلطان: يتعلق برأي الوالي أن يزيد وينقص وإن كان لا يحرم، وقد سمعت شيخي يقول: إذا منعنا النقل، وانحصر الفقراء، وزادوا [على]

ثلاثة – فيجوز صرف الحصة إليهم، ويجب التسوية بينهم، وإنما يجوز الاقتصار على الثلاثة، [وتجوز المفاضلة عند خروجهم عن الضبط الممكن؛ فإن سبب الاقتصار على الثلاثة،] أنهم أقل الجمع، ولا عدد أولى من عدد بعد ذلك، وسبب المفاضلة: أن كل من أعطي أقل، فلو حرم لأمكن حرمانه بإقامة [غيره مقامه]، فأما إذا انحصروا وامتنع النقل وتيسر الاستغراق، فالوجه وجوب الصرف إليهم [مع] رعاية التسوية.
قال: والذي قاله حسن منقاس.
ولا فرق في جريان القولين عند الجمهور بين أن يكون الإمام عادلاً أو جائراً كما قالوا في الأموال الباطنة، ونقل عن اختيار القفال، وحكى الفوراني والقاضي الحسين في كتاب الزكاة وجهاً أنه لايجوز الدفع إلى الإمام الجائر، ويكون حكمه حكم المال الباطن، وقد تقدم مثله في الأموال [الباطنة].
وقال الماوردي في كتاب الزكاة: إن كان الإمام عادلاً في الزكاة [وغيرها]، أو فيها فقط [جائراً في غيرها – جاء القولان، وإن كان جائراً في الزكاة وغيرها أو فيها فقط]، فلا يجوز دفعها إليه [قولاً واحداً، وله أن يفرقها بنفسه؛ للضرورة، فلو دفعها إليه] أو أخذها منه جبراً لم يجزئه، قال في قسم الصدقات: إلا أن يعلم وصولها لأهل السُّهمان.
التفريع: إن قلنا بالجديد ففي الأفضل الأوجه، قاله البندنيجي وغيره.
وكلام القاضي الحسين قبل باب صدقة البقر يقتضي الجزم بأن الدفع إلى الإمام العادل أفضل.
وقال في "الوسيط": إنه لا شك فيه، وقد صرح به القاضي أبو الطيب في قسم الصدقات، وقال القاضي الحسين فيه: إن كان عادلاً ففي الأفضل وجهان، وإن كان

جائراً ففي جواز الدفع على هذا القول – وإن قلنا: إنه لا ينعزل - وجهان.
وأشعر كلام الإمام قبيل باب صدقة البقر بأن الخلاف [فيما] إذا لم يوصلها إلى المستحقين، بل أهلكها وادعى أن الظاهر أنه يجب على المالك في هذه الحالة تثنية الزكاة، وإن قلنا: لا ينعزل الإمام بالفسق لتقصيره.
وقال الماوردي: إن كان [الإمام] عادلاً في الزكاة وغيرها فالأفضل الدفع إليه وجهاً واحداً، وإن كان جائراً في غير الزكاة عادلاً فيها ففي الأفضل وجهان ينبنيان على [اختلاف الوجهين] في تأويل قوله – عليه السلام -:"ومن سئل فوقها فلا يعطه"،وقد تقدم ذكره في صدقة المواشي.
وإن قلنا بالثاني: فإن كان الإمام أو نائبه في القبض [حاضراً يتيسَّر] الدفع إليه فعل، وألا فعليه [أن يؤخر] ما دام يرجو مجيء الساعي، فإن دفع قبل ذلك لم يجزئه، وإن أيس من مجيئه وجب عليه أن يفرقها [بنفسه]، نص عليه.
قال في "البحر": وهو المذهب؛ لأنه حق أهل السُّهمان والإمام نائبهم، فإذا ترك النائب قبض الحق لا يجوز له ترك أدائه، ومن أصحابنا من قال: يتوقف حتى يطالبه الإمام؛ لأنه مال حق القبض فيه إلى الإمام، فإذا لم يطالب به لم يفرقه هو كالخراج.
وعلى القولين ينبغي للإمام أن يبعث السُّعاة لأجل الصدقات؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده؛ لأن كثيراً من الناس لا يعرفون الواجب، [والواجب فيه]، ومن يصرف إليه.
وهل ذلك على وجه الوجوب أو الاستحباب؟ اختلف النقل عن الأئمة: فالذي قاله أبو الطيب: أنه على وجه الاستحباب، وعليه يدل قوله في "المختصر": وأحب أن يبعث الوالي المصدق فيوافي أهل الصدقة مع حلول الحول، فيأخذ صدقاتهم.
والذي قاله القاضي الحسين، [والشيخ في "المهذب"]: أنه على وجه

الوجوب؛ فلا يجوز له تأخير ذلك، وتكلم في النص السابق فقال: قال أصحابنا: إنما قال الشافعي – رحمه الله -: "واجب على الوالي أن يبعث المصدق"؛ [إذ جمع] الصدقة وتفريقها على مستحقيها فقط واجب على الأئمة، [ويمكن حمل] قوله: "وأحب"، على البعث في الوقت لا إلى [أصل] البعث.
وأشار الإمام إلى أن ذلك تفريعٌ على القول بوجوب الدفع إلى الإمام حيث قال: إذا كان السلطان يرى جباية الصدقات، فينبغي أن يبعث السُّعاة، وينبغي أن يعين [الإمام أو الساعي] [وقتاً لأخذ الصدقة، وهل هو على الوجوب أو على الاستحباب؟ فيه خلاف، والأشهر] وهو الذي صرح به الغزالي في كتاب الزكاة.
أنه مستحب، واستحب الشافعي – رحمه الله – أن يكون ذلك بشهر المحرّم، صيفاً كان أو شتاء؛ فإنه أول السنة الشرعية، فليستفتح بالصدقة.
وليخرج قبل أول المحرم ليوافيهم أول المحرم، وإذا جاءهم: فمن تمَّ حوله أخذ منه، ومن لم يتم حوله سأله التعجيل، فإن أبي لم يجبره، ووكل من يقبضها منه، أو يتركها في ذمته إلى أن يعود العام القابل.
ويبعث الساعي لأخذ زكاة الزرع والثمرة وقت إدراكه، وذلك لا يختلف في الناحية الواحدة كثير اختلاف.
وما ذكره الشيخ من تفسير الأموال الظاهرة والباطنة هو الذي أورده الجمهور ومنهم الرافعي، وحكى الإمام في قسم الصدقات وجهاً في الركاز أنه كالمعدن، وحكى تردداً في أن زكاة الفطر كالأموال الباطنة أو الظاهرة، وقد حكاه في "البيان".
ونقل الماوردي الثاني عن الأصحاب، واختار الأول.
قال في "الروضة": وهو ظاهر نص الشافعي – رحمه الله – والمذهب، ولم يحك القاضي الحسين وأبو الطب والمتولي وكذا الماوردي في آخر قسم الصدقات غيره.
قال: ويكره أن ينقل الزكاة عن بلد المال، أي: كراهية تحريم؛ لقوله – عليه السلام – لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فإن هم أجابوك فأعلمهم أنَّ عليهم صدقةً تؤخذ من

أغنيائهم فترد على فقرائهم"، فقابل الفقراء بالأغنياء؛ فثبت أن صدقة اليمن يختص صرفه بأهل اليمن، ولا يجوز نقلها إلى غيرهم.
وقد روى أبو داود أن زياداً أو بعض الأمراء بعث عمران بن الحصين على الصدقة فلما رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟! أخذتها من حيث كنّا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعتها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرجه ابن ماجه.
قال: فإن نقلها ففيه قولان: أحدهما: [أنه] يجزئه؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية [التوبة: 60] ولم يفصّل، ولأنها صدقة وضعت في أهلها؛ فوجب أن تجزئ كما لو وضعت في أهلها من أهل البلد.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه حق وجب لأصناف بلد فلم يجز نقله إلى غيرهم، وإذا نقل لا يجزئ كالوصية لأصناف بلد، وقد روي عن معاذ أنه قال: "أيما رجل انتقل عن [مخلاف عشيرته] [إلى غير مخلاف عشيرته، فعشره وصدقته في مخلاف عشيرته] "، فجعل النُّقلة عن المكان بعد وجوب الزكاة [فيه] تمنع من نقلها عنه، وذلك صادر عنه بالأمر الذي تقدم به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فصار كالمنقول عنه نصّاً، والعمل بالنص مقدم على العمل بالظاهر، وهذا القول أصح في "تعليق" [القاضي] الحسين والماوردي وعند النووي وغيره.
وهذه الطريقة ذكرها الشيخ

أبو حامد وقال: هي المذهب، وقال القاضي الحسين: إن عليها عامة الأصحاب.
ولم يورد في "الحاوي" [غيرها].
ومنهم من قال: القولان في جواز النقل، فإن قلنا: لا يجوز؛ فنقل – أجزأه قولاً واحداً، حكاه أبو حامد أيضاً والقاضي الحسين.
ومنهم من قال: في جواز نقل الصدقة وإجزائها قولان أحدهما: [لا] يجوز، ولا يجزئ إذا نقلها.
والثاني: يجوز، ويجزئ لهم.
قال ابن الصباغ: وهذه لم يذكرها الشيخ أبو حامد، وقد تحصلنا على ثلاث طرق ذكرها العراقيون.
وحكى في "البحر" عن بعض المراوزة أنه قال: يجوز نقل الصدقة قولاً واحداً، وقول الشافعي – رحمه الله – في قسم الصدقات: "ولا تخرج عن بلده وفيها أهله" إنما قاله استحباباً، وهذه طريقة رابعة.
وحكى الإمام طريقة أخرى مخالفة لجميع ما ذكرناه وإن وافقته من بعض الوجوه، فقال: هل يجوز النقل أم لا؟ [فيه قولان، فإن قلنا: لا يجوز، فنقل: فهل يجزئ؟]؟ فيه قولان نقلهما صاحب "التقريب"، والعراقيون: أحدهما: أن الصدقة لا تقع موقعها، وهوا لذي قطع به [شيخي] ومعظم الأئمة، وهو القياس اللائق بهذا القول.
والثاني: الوقوع؛ لمصادفتها [الأصناف الموصوفة في كتاب الله تعالى.
ثم قال صاحب "التقريب": الصائر إلى هذا يعصي الناقل، ويبرئ ذمته] عن الصدقة.
وهذه طريقة خامسة.
وقد أبدى الإمام من عند نفسه احتمالاً، فقال عقيب ذكره القول بالإجزاء مع الإثم: ولا يمتنع عندنا إن صح هذا القول أن يجرع الأمر إلى كراهية النقل؛ فإن التعصية تناقض الحكم بالتبرئة.
قلت: وهو يقرب من الطريقة التي حكاها في "البحر" عن بعض المراوزة، بل هي إن أطلقنا "المكروه" على "ترك الأَوْلَى"، والله أعلم.

وإذا نظرت إلى جميع الطرق واختصرت، قلت: في المسألة ثلاثة أقوال كما ذكرها في "الوجيز"، ثالثها: لا يجوز النقل، ولكن تبرأ ذمته، ثم ما محل الطرق؟ اختلفت فيه عبارات النَّقلة: فعن صاحب الشافعي أنه قال: فيه الخلاف فيما إذا كان أهل السُّهمان غير محصورين، فأما إن كانوا محصورين من أول السنة إلى آخرها ملكوها ووجب صرفها إليهم، ولو مات واحد منهم انتقل حقه إلى وارثه وإن لم يكن الوارث مستحقاً للزكاة، ولو دخل البلد من أهل السهمان أحد قبل القسمة لم يستحق شيئاً.
وإلى ما قاله يرشد كلام ابن الصباغ، [والقاضي أبي الطيب والماوردي] والقاضي الحسين؛ [حيث] قالوا في آخر [باب] قسم الصدقات: نص الشافعي – رحمه الله – في كتاب الزكاة على أنه: إذا مات واحد من المساكين بعد وجوب الزكاة صرف نصيبه إلى ورثته؛ لأنه ثبت له ذلك الحق بعينه فانتقل بموته إلى ورثته.
وكذلك نص عليه في قسم الفيء كما حكاه القاضي الحسين، وقال في "البحر": إن نصه في "الأم" إذا دفع الزكاة إلى قوم [ثم] بان أنهم غير مستحقين نزعها منهم، وفرقها على مستحقيها، وإن كانوا قد ماتوا أعطي ورثتهم، وإن كانوا أحياء أعطاهم فقراء كانوا أو أغنياء؛ [لأنهم] استحقوها حين الوجوب.
وقال: إنه قال في آخر قسم الصدقات من "المختصر": "وإنما يستحق أهل السهمان سوى العاملين حقهم يوم يكون القسم".
ثم قالوا: وليست المسألة على قولين؛ بل على اختلاف حالين: فالموضع الذي قال: الاستحقاق حين الوجوب، إذا كان المستحق معيناً، مثل أن يكون رب المال في قرية فتجب الزكاة عليه، وأهل السهمان بها من كل صنف ثلاثة، [وقال الماوردي وأبو الطيب]: فما دون، فإذا وجبت كانت لهم، وقد ملكوها عليه في ذمته كالدين، فإن مات واحد منهم كان نصيبه لوارثه، وإن غاب لم يسقط حقه، وإن دخل غريب فلا حق له فيها.

والموضع الذي قال: يستحق أهل السهمان حقهم يوم يكون القسم، أراد: إذا لم تكن الأصناف معينة، وهو أن يكون في البلد من كل صنف أكثر من ثلاثة، قال أبو الطيب: [والزكاة] لا تتسع للكل؛ فلرب المال أن يخص بها [ثلاثة] من كل صنف، فهاهنا حين وجوب الزكاة ما استحقوها، وإنما يستحقونها بالقسمة، وإن مات واحد من أهل السهمان لم يكن لورثته شيء، وإن غاب فلا حق له، وإن دخل غريب قبل القسمة كان كأحدهم.
وكلام الإمام يقتضي إجراء الخلاف في النقل سواء كانوا محصورين أو غير محصورين؛ [حيث] قال في كتاب الزكاة عند الكلام في نكول رب المال عن اليمين عند اتهام الساعي له: ومن تمام البيان في ذلك: أنا إذا منعنا نقل الزكاة، وكان مستحقوها محصورين في البقعة – فقد قال كثير من أئمتنا: ترد اليمين على المستحقين، ووجهه بين على قول منع النقل ووجوب صرف الزكاة إليهم.
ولا يجوز حرمانهم؛ فتعينوا للاستحقاق، وتنزَّلوا منزلة من يستحق دينا.
وكذا قوله بعده: وقد سمعت شيخي يقول: إذا منعنا النقل، وانحصر الفقراء، وزادوا على ثلاثة [فيجب صرف الحصة] إليهم، تجب التسوية.
وكلام الرافعي في آخر قسم الفيء يدل على ذلك؛ فإنه قال: إذا مات الفقير بعد تمام الحول ووجوب الزكاة لا شيء لورثته؛ لأن ذلك الفقير [غير] معين للزكاة، حتى لو لم يكن في القرية إلا ثلاثة من الفقراء، ومنعنا نقل الصدقة – فعن نصه في "الأم": أن الحق ينتقل إلى الورثة.
ويوافق ذلك قول القاضي الحسين في الموضع الذي حكينا فيه كلام الإمام الشافعي – رحمه الله – قال: لو وبت عليه الزكاة، وهناك ساكنون [محصورون]، فلم يدفع الزكاة إليهم حتى ماتوا – قال: يعطي الزكاة إلى ورثتهم، وكذا لو صاروا أغنياء يعطي إليهم، هذا إذا قلنا: إن نقل الصدقة من بلد إلى

بلد لا يجوز.
وقول الفوراني في قسم الصدقات: ولو كانوا مساكين قرية محصورين، ووجبت زكاة مال، فمات واحد من المساكين قبل وصول الصدقة إليه – [فإن قلنا: لا تنتقل الصدقة، دفع نصيبه إلى وارثه وإن كان لا تحل له الصدقة، وإن قلنا بجواز نقل الصدقة] لم يدفع إلى وارثه نصيبه.
قلت: وفي هذا تصريح وتلويح بأن من أجرى الخلاف في النقل [مطلقاً قائلٌ بأن ما ذكره الأصحاب من حمل النصين على حالين، مفرَّعٌ على القول بمنع النقل] كما هوا لصحيح؛ فلا اختلاف، وقد فرع الإمام على قولنا بمنع النقل، وقد انحصر المستحقون، وقلنا: يقضي على جميع الحاضرين أن الزكاة ماشية، فاعتاضوا عنها دراهم، فقال: الذي يقتضيه القياس على هذه الأصول جواز ذلك، ولكن يظهر على قاعدة المذهب رعاية التعبّد؛ ولأجله منعنا أصل الإبدال، وإن سلمنا أن سد الحاجة غرض ظاهر في الزكاة، [ولو أبرأ هؤلاء من عليه الزكاة] فاستحقاقهم واختصاصهم يقتضي تنفيذ إبرائه، ولكن أصل التعبد ينافي ذلك؛ فإن الزكاة عبادة واجبة لله – تعالى – فيبعد سقوطها من غير أداء، قال: ولا نقل عن الأئمة في أعيان هذه المسائل.
وأبداه احتمالاً في جواز الصرف إلى من دخل البلد بعد الوجوب، مع ملاحظة ما تقدم ووجهه بأن أصل الزكاة منوط بالأوصاف لا بالأعيان، فإن فرض تعيين فالحكم بموجبه؛ لأجل الضرورة لا لأصل ممهد في الشرع.
قلت: ومادته في هذا الاحتمال مأخوذة [مما حكاه] عن الفوراني: في أنهم لا يحلفون عند نكول رب المال، وإن انحصروا تعين الصرف لهم، كما تقدم، والله أعلم.
[واعلم] أن ما ذكرناه في نقل [كل] الصدقة إلى أهل السُّهمان الذين [لم

يكونوا] ببلد المال، فلو كان النقل في البعض مثل أن يكون له أربعون من الغنم عشرون ببلدة، وعشرون ببلدة أخرى، ووجبت الزكاة – فقد قال الماوردي: إن عليه إخراج نصف شاة في كل بلد، فإن قدر على إخراج [شاة] باقيها للفقراء والمساكين من أهل الصدقات، أجزأه، فإن لم يقدر على ذلك، فأخرج نصف شاة باقيها له أو لرجل آخر من غير أهل الصدقات، أو فعل ذلك مع القدرة على ما سواه – فالصحيح أنه يجزئه، ولا اعتبار بوصف ما لم يجب عليه إخراجه، ومن أصحابنا من قال: لا يجزئه حتى يكون باقي الشاة ملكاً لأهل الصدقات فيكمل لهم نفعها؛ لأن في تبعيض [الشاة] إيقاع ضرر بهم وإدخال نقص في حقهم، قال: وهذا تعسف يؤدي إلى تكليف ما يتعذر، واعتبار وصف ما لا يلزم.
فإن عدل عن جميع ذلك، وأخرج شاة كاملة في أحد البلدين عن جميع المالين – فقد قال الشافعي: كرهت ذلك، وأجزأه.
وتردد الأصحاب فيه: فذهب أبو حفص بن الوكيل، وكثير من الأصحاب – كما قال الماوردي – إلى أن هذا منه تفريعٌ على جواز نقل الصدقة: فإن منعنا النقل لزمه إخراج نصف شاة في كل من البلدين؛ فإن تبعيض الشاة إنما يمنع منه عند عدم الضرورة والحاجة [إليه]، وهنا بنا ضرورة إليه؛ فإن موجب القول بمنع النقل: أن أهل كل ناحية بها المال استحقوا زكاته وتعينوا لاستحقاقها؛ فلا يجوز إبطال استحقاقهم بسبب التبعيض.
قال الإمام: ولم يختلف أصحابنا في [أن] إخراج نصفي شاتين من غير ضرورة ولا حاجة لا يجزئ، وإن اختلفوا في إعتاق نصفي عبدين عن الكفارة.
وعلى هذا: لو عسر وجدان نصف شاة، فقد قال صاحب "التقريب": يخرج نصف قيمة شاة حيث عسرن ونحن قد نجوز إخراج القيمة عند التعذر والعسر.
قال الإمام: وقد يخطر لذي نظر: أن الشاة التي تساوي عشرين قد لا يشتري نصفها بعشرة، وإنما

يشتري بتمامه، ولكنا عند الرجوع إلى القيمة بمكان قيام ضرورة نعتبر قيمة [النصف] بقيمة التمام، ولا ننظر إلى ما أشرنا إليه.
ثم إذا قدر بعد ذلك على نصف شاة فهل يخرجه ويسترد؟ يظهر أن يجيء فيها [ما ذكرته] في أوائل الباب.
وذهب عامة أصحابنا- كما قال القاضي أبو الطيب – إلى إجراء النص على ظاهره والإجزاء، وإن قلنا بمنع النقل وعدم الإجزاء في غير هذه الصورة؛ فإنَّ ذكره البلدين وانقسام المال عليهما دالٌّ على أنه مفرع على منع النقل، وألا فلا فائدة على قولنا: يجوز النقل؛ لتخصيص هذه الصورة بالذكر، وهذه الطريقة صححها الإمام والقاضي الحسين، وذا قلنا بها فما العلة في التجويز؟ فيه وجهان: أحدهما: التبعيض الذي هو مجتنبٌ في المواشي؛ ولذلك كانت الأوقاص فيها عفواً، [وهذه] لم يورد القاضي أبو الطيب غيرها، وكذا ابن الصباغ – رحمه الله – وقال: إن القائل بالأول قال: لو أجازه الشافعي – رحمه لله – لموضع الحاجة لم نكرهه.
والثاني: كون المالك واحداً والمال منقسم، فله بكل بلدة علقة في الجنس الواحد الزكاتي، مع أنهما كالبلدة الواحدة في ضم أحد المالين إلى الآخر.
وعلى الوجهين يتخرج – كما قال المراوزة -: [ما] إذا كان له أربعمائة من الغنم [في كل بلد مائتان، فعلى الأول لا يجوز أن يخرج الكل] في بلدة واحدة، بل الواجب أن يخرج في كل بلدة شاتين، وعلى الثاني يجوز أن يخرج الأربعة في أي البلدين شاء.
قال الإمام: وتجويز النقل لأجل العلة الثانية لا أصل له عندي، وإنما يظهر التعليل في

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل