كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 97-136
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطلاق

صفحات 97-136
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

نعم: يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن اللفظ يحتمل ما قاله.
وفي كتاب ابن كج وغيره حكاية وجه: أنه يقبل في الحكم.
ولو قال: أنت طالق في غرة شهر رمضان، طلقت في أول جزء منه.
فلو قال: أردت الثاني، أو الثالث منه، فعلى ما ذكرناه في الشهر؛ لأن اسم الغرة يقع على الثلاثة.
أما لو قال: أردت به النصف، لم يدن.
فرع: لو قال: أنت طالق في شهر [قبل ما بعده] رمضان، فقد قيل: تطلق في رجب.
وقيل: في شعبان، واختاره القاضي.
وقيل: في رمضان؛ حكاه في "التتمة".
وقيل: في شوال، وهو الأظهر عند ابن الصباغ؛ لأن ما بعد قبل الشهر هو الشهر نفسه، وما قبله رمضان شوال.
ولو قال: أنت طالق قبل ما بعده رمضان، ففي فتاوى القاضي: أنه إن أراد الشهر، طلقت في آخر جزء من رجب، وإن أراد اليوم بليلته، ففي آخر [جزء من] اليوم التاسع والعشرين [من شعبان]، وإن أراد [مجرد] اليوم، فقبل الفجر من اليوم الثلاثين من شعبان.
قلت: وما قاله من وقوع الطلاق في آخر جزء من رجب، أو من التاسع والعشرين من شعبان، أو قبل الفجر من اليوم الثلاثين من شعبان- فيه نظر؛ لأنا قد حكينا عنه فيما تقدم: أنه إذا قال: أنت طالق قبل موتي: أن الطلاق يقع في الحال، ومقتضاه هنا: أنه يقع عند التلفظ على كل حال، كما إذا قال: قبل موتي، أو يكون ما ذكر، ثمَّ نقل المذهب، وهذا اختيار له.
فينبغي أن يجيء مثله- أيضاً- هناك.
وأما الفرع الذي قبل هذا، فلا يرد [عليه] ما قلناه؛ لأنه قيد الوقوع في الشهر بقوله: أنت طالق في شهر وهو وزان: قبل قدوم زيد بشهر.

ولو قال: أنت طالق بعد ما قبله رمضان.
قال القاضي: إن أراد الشهود فيقع عند استهلال ذي الحجة، وإن أراد الأيام ففي [اليوم] الثاني من شوال.
قال: وإن قال: أنت طالق في أول آخر رمضان، فقد قيل: تطلق في أول [ليلة] السادس عشر [من رمضان]، وهو قول ابن سريج؛ لأن الشهر نصفان: أول، وآخر، [و] هذه أول النصف الأخير.
وقيل: في أول اليوم الأخير من الشهر؛ وهو ما ذهب إليه أكثر الأصحاب على ما حكاه ابن الصباغ وغيره؛ لأن آخر الشهر هو اليوم الأخير؛ فوجب أن تطلق في أوله.
وحكى ابن كج عن أبي بكر الصيمري [أو غيره]: أنها تطلق في أول اليوم السادس عشر؛ لأنه أول يوم من النصف الأخير.
والوجهان الأولان يجريان فيما إذا قال: أنت طالق في آخر الشهر، لكن الثاني منهما منقول عن التهذيب، وإيراده يقتضي ترجيحه، وهو ما جزم به في التهذيب سواء كان الشهر ناقصاً أو تامّاً؛ لأنه متى صدق أن اليوم الأخير آخر الشهر، وقع الطلاق في أول جزء منه؛ لما قررناه في رمضان.
وفي المسألة وجه آخر: أنها تطلق مع آخر جزء من الشهر.
وعلى هذا القياس لو قال: أنت طالق في آخر طهر، تطلق على الوجه الأول أول النصف الثاني منه.
وعلى الوجه الثالث: في آخر جزء منه.
ولو قال: أنت طالق [آخر أول] رمضان، حكى الإمام عن العراقيين، [وغيرهم في المسألة] ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تطلق مع آخر جزء من [الخامس عشر، وهو ما قاله ابن سريج، على ما صرح به غيره.
والثاني: أنه يقع مع آخر جزء من] اليوم الأول.

قال الرافعي: وهو الذي قال به أكثرهم.
والثالث: أنه يقع في آخر جزء من الليلة الأولى [من الشهر]، وهو ما حكاه في "التتمة" بدلاً عن الوجه الثاني.
ووجهه الإمام بأن هذا أقرب زمان يضاف إليه الأخير إلى الأول.
ولو قال: أنت طالق آخر أول آخر رمضان.
قال الرافعي: من جعل آخر الشهر اليوم الأخير قال: يقع الطلاق عند غروب الشمس في اليوم الأخير؛ لأن ذلك اليوم هو آخر الشهر، ووله طلوع الفجر، وآخره غروب الشمس.
ومن حمل الأخير على النصف الثاني، فأوله ليلة السادس عشر فيقع الطلاق في آخر جزء من هذه الليلة، وكذا قاله القاضي الحسين في التعليق، ثم قال: وعلى قول الأصحاب، يقع قبيلا لغروب من اليوم السادس عشر.
ولو قال: أنت طالق في أول آخر أول رمضان، فقد قيل: تطلق بطلوع فجر اليوم الخامس عشر؛ لأن آخر أوله عند غروب الشمس من اليوم الخامس عشر؛ فكان أوله طلوع فجره، هكذا قاله الشيخ في المهذب، وهذا ظاهر في أن الذي قال به هو الذي قال بأن آخر [اليوم] الأول آخر الخامس عشر.
وقال الرافعي، والقاضي الحسين في التعليق: إن جعلنا الأول النصف الأول، فآخره غروب شمس اليوم الخامس عشر، وأول هذا الأخير استهلاله؛ فيقع عند الاستهلال.
وهذا يظهر أنه مخالف لما نقلاه فيما إذا قال: أنت طالق [في] آخر أول آخر الشهر، فإنهما ذكرا: أن من حمل الأخير على النصف الثاني فأوله السادس عشر؛ فيقع الطلاق في آخر جزء من ليلته.
ومقتضى ما ذكراه ها هنا: أنه لا يقع إلا في آخر جزء من الشهر؛ لأنه آخر النصف الأخير؛ فليتأمل، [والله أعلم].

وقيل: تطلق بطلوع فجر أول يوم من الشهر.
قال ابن يونس: قال بعضهم: هذا غلط، بل ينبغي أن تطلق [بطلوع فجر أول يوم من الشهر] في أول الليلة، التي رُئي فيها الهلال.
قلت: والذي يظهر لي: أنه ليس بغلط، بل هو مقتضى التفريع على الوجه الذي ذهب إليه أكثر الأصحاب في أن آخر أول الشهر هو آخر جزء من اليوم الأول؛ فيكون أوله عند طلوع فجره.
وأما كونها تطلق في أول ليلة رُئي فيها الهلال، فذلك صحيح إذا قلنا: إن آخر الأول آخر جزء من الليلة الأولى من الشهر، وحينئذٍ يكون مجموع ما قيل في المسألة ثلاثة أوجه.
ولو قال: أنت طالق في سلخ رمضان، ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه يقع في آخر جزء من الشهر، وهذا ما أجاب به الشيخ أبو حامد، وهو المذكور في المهذب والشامل.
والثاني- وهو المذكور في "التهذيب" و"التتمة"-: أنه يقع في أول اليوم الأخير من الشهر.
والثالث- عن رواية صاحب التقريب-: أنه يقع بمضي أول جزء من الشهر، وهو أبعدها.
وقال الإمام: اسم السلخ يقع على الثلاثة الأخيرة من الشهر، كما يقع [اسم]

الغرة على الثلاثة الأول [من الشهر]، فيحتمل أن يقع [في] أول جزء من الأيام الثلاثة؛ وهذا ما ذكره القاضي الحسين في التعليق مصدراً به كلامه، وقال: إنه أصح المذاهب.
ولو قال: أنت طالق عند انسلاخ [شهر] رمضان، قال الإمام: لم يتجه إلا القطع بالوقوع، مع آخر جزء من الشهر.
ولو قال: (أنت طالق عند انتصاف الشهر، ففي "التتمة": أنه يقع عند غروب الشمس من اليوم الخامس عشر، وإن كان الشهر ناقصاً؛ لأنه المفهوم من إطلاق النصف.
قال الرافعي: ولك أن تقول: يحتمل أن يقع في أول اليوم الخامس عشر؛ لأنه يُسمَّى النصف، [والمنتصف]؛ فيتعلق [الإطلاق] بأوله.
ويوضحه: أن ليلة [البراءة] تسمى: ليلة النصف من شعبان.
ولو قال: أنت طالق نصف النصف الأول من رمضان، وقع الطلاق عند طلوع فجر اليوم الثامن؛ لأن نصف النصف سبع ليالٍ ونصف، وسبعة أيام ونصف، والليل سابق على النهار، فيقابل نصف ليلة بنصف يوم؛ فيجعل ثماني ليال، وسبعة أيام نصفاً، وسبع ليالٍ وثمانية أيام نصفاً.
ولو قال: أنت طالق [نصف يوم كذا، طلقت عند الزوال].
فرع: لو قال: أنت طالق بين الليل، والنهار، طلقت بعد الغروب، أو قبل طلوع الفجر، [على ما] حكاه القاضي الحسين في كتاب العدد عند الكلام فيما إذا طلق الرجعية قبل الدخول، وعلله بأن بين الليل، والنهار جزءاً ليس منهما لا من حيث الإشارة، لكن من حيث الحكم.
وحكى الرافعي عند الكلام فيما إذا قال: إن ولدت ولداً، فأنت طالق رواية عن الإمام؛ حكاية عن القفال: أن الطلاق يقع لا في جزء من النهار، ولا في جزء من الليل.

قال الإمام: وهذا القول محال، لكن يقع الطلاق في آخر جزء من النهار.
وذكر الشيخ أبو علي: أنها تطلق إذا جاء أول الليل، فتحصّل لنا من مجموع كلامهم ثلاثة مذاهب، والله أعلم.
قال: وإن قال: إذا مضت سنة فأنت طالق، اعتبرت سنة بالأهلة، أي: إذا انطبق التعليق على أول جزء من الشهر؛ فيعتبر مضي اثني عشر شهراً بالأهلة؛ لأنها المعهودة في الشرع، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]. قال: فإن كان في أثناء الشهر، اعتبر شهراً بالعدد، أي ثلاثين يوماً وإن كان الشهر الذي علق فيه ناقصاً، ويكمل من الشهر الأخير، وإنما اعتبرنا ذلك؛ للضرورة، ويعتبر الباقي بالأهلة؛ لما سبق.
قال في الشامل: ولا فرق بين أن يكون ما مضى من الشهر- يعني: الذي علق فيه الطلاق- قليلاً أو كثيراً، إلَّا أن يكون جزءاً يسيراً لا يمنع من وقوع اسم الشهر عليه؛ فلا يمنع احتسابه شهراً.
وقال الإمام: لا يتصور ألا ينكسر الشهر الأول إلّا بأن يعلق الطلاق، مثل أن يقول: إذا مضت سنة من أول رمضان، فأنت طالق؛ فيتأتى [اعتبار الأشهر].
أما إذا أنشأ وقال: إذا مضت سنة، فأنت طالق، فقد تعسر عدم انكسار الشهر الأول، فإن قوله يقع في شهر.
وفي المسألة وجه عن بعض أصحابنا: أنه متى انكسر الشهر [الأول]، انكسر ما بعده؛ فتكون الشهور كلها عددية.
قال الإمام: وهو مطرد في العدد، والآجال الشرعية، والأيمان.
فروع: [أحدها]: لو شك فيما كان قد بقي من شهر التعليق بعدما انقضى أحد عشر

شهراً؛ لم يقع الطلاق إلا باليقين.
وذكر الحناطي وجهين في حل الوطء في حالة التردد.
ولو قال: أردت سنة بالعدد، وهي ثلاثمائة وستون يوماً، أو سنة شمسية، وهي ثلاثمائة [وخمسة] وستون يوماً- لم يقبل في الحكم؛ لأنه يدعي ما يتأخر به الطلاق عن الوقت الذي يقتضيه؛ لأن السنة الهلالية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً، وخمس يوم، وسدس يوم.
نعم: يدين؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
وحكى الحناطي وجهاً: أنه يقبل منه في الظاهر، وهو الذي أورده القاضي ابن كج، والأول هو المذكور في المهذب بتوجيهه.
قال مجلي: ولم يتبين لي وجه زيادة الخمس والسدس، ولا رأيته لغيره من الأصحاب، [ولقد] رأيت) في كتاب وقع لي منسوباً إلى الفرعاني نعته بأصول الحركات السماوية تحرير شهور العرب: شهر تام، وشهر ناقص؛ تكون السنة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوماً، ولكنها تزيد في كل ثلاثين سنة [أحد عشر يوماً، فإذا قسطت هذه الزيادة على السنين- خص كل سنة] خمس وسدس يوم، ثم قال: وهذا من الحساب المصحح باجتماع الشمس والقمر، وأما برؤية الأهلة؛ فإنه يختلف بزيادته ونقصانه، ويمكن أن تتوالى شهور تامة، وشهور ناقصة.
قال مجلي، وهذا يناقض ما حكاه في المهذب.
وفي الجيلي: أن الصحيح أن السنة الهلالية ثلاثمائة [و] خمسة وخمسون يوماً.
ولو قال: إذا مضت السنة فأنت طالق، [طلقت] إذا انقضت بقية سنة التاريخ، وهو انسلاخ ذي الحجة، قَلَّت المدة أو كثرت؛ لأن التعريف بالألف واللام يقتضي ذلك، فلو قال: [أردت] سنة كاملة، لم يقبل في الحكم، ويدين.
وحكم الشهر حكم السنة.
الفرع الثاني: لو قال: إذا مضي الشهر فأنت طالق، فوجهان: أصحهما: أنه يحمل على [مضي] شهور تلك السنة التي هو فيها؛ لقوله تعالى:

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 36].
والثاني: [أنه] إذا مضى ثلاثة أشهر طلقت، [كذا] حكاه القاضي الحسين.
وهذا الخلاف يشابه ما حكاه الرافعي في الفروع آخر الطلاق، فيما إذا قال: إن رأيت الدم فأنت طالق، فالظاهر أنه يحمل على دم الحيض.
وقيل: يحمل على كل دم.
الفرع الثالث: لو قال: إذا مضى يوم فأنت طالق، وكان في الليل، طلقت بغروب شمس اليوم الذي يليه.
وإن كان في النهار فحتى يأتي مثل ذلك الوقت [الذي هو فيه] من اليوم الذي يليه.
قال: وإن قال: أنت طالق اليوم إذا جاء غد، لم تطلق- أي: لا في اليوم، ولا في الغد- وإليه ذهب ابن سريج، وصاحب التقريب؛ لأنه علق وقوع الطلاق في اليوم [على مجيء] الغد؛ فلا يقع الطلاق قبل مجيء الغد؛ لعدم الشرط، ثم إذا جاء الغد، فقد مضى اليوم، ولا يمكن أن يقع [الطلاق] في الزمان الماضي.
قال الإمام: [ولا يبعد أن] يقال: يقع الطلاق إذا جاء الغد، مستنداً إلى اليوم؛ كما لو قال: إذا قدم زيد فأنت طالق قبل قدومه [بيوم]، وفرق المحاملي في المجموع بينهما بأنه لم يجعل قدوم زيد شرطاً في وقوع الطلاق قبله حتى يقع [الطلاق] قبل الشرط، إنما أخبر أنه إذا وجد القدوم طلقت قبل ذلك، فمثاله في مسألتنا أن يقول: أنت طالق اليوم إذا جاء غد، وأنت من أهل الطلاق؛ فلا يخرج ذلك مخرج الشرط، ويطلق اليوم.
وقال القاضي الحسين في التعليق: ذكر العراقيون من أصحابنا في هذه المسألة وجهين، وعندي أن الطلاق يقع، ويلغو [قوله: إذا جاء الغد، وكذا إذا قال: أنت

طالق في هذا اليوم إذا جاء الغد، وإنما قلنا: يقع الطلاق] في اليوم؛ تغليباً للإشارة على العبارة، وهذا كما لو قال لامرأته الحائض: أنت طالق في هذا الوقت للسنة- طلقت في ظاهر المذهب في الحال؛ تغليباً للإشارة.
قلت: ويمكن أن تكون مادة هذا مادة وقوع الطلاق المعلق بالمستحيل.
فروع: لو قال: أنت طالق اليوم غداً، طلقت في الحال، ولا تطلق في الغد، إلّا أن يقول: أردت طلقة في اليوم، وطلقة في الغد، [فتطلق] كذلك إذا لم تبن بالأولى.
وفي الذخائر: أن من [أصحابنا من] قال: تطلق في الغد طلقة أخرى.
فلو قال: أردت نصف طلقة اليوم، ونصف طلقة غداً [طلقت طلقتين].
ولو قال: [أردت] نصف طلقة اليوم، والنصف الباقي غداً، ففيه وجهان: أحدهما- ما حكاه في "التتمة"-: أنه لا يقع إلا طلقة واحدة في الحال.
والثاني: أنه يقع طلقة أخرى في الثاني.
ولو قال: أنت طالق اليوم أو غداً، فوجهان: أصحهما في الرافعي: الوقوع في الغد.
ولو قال: أنت طالق غداً اليوم، فوجهان: [أصحهما] عند العبادي، وهو اختيار القاضي أبي حامد: أنه لا يقع في الحال [شيء]، وتقع طلقة في الغد.
والثاني: أنه يقع في الحال، وهو المذكور في التهذيب.
ولو قال: أنت طالق اليوم، وغداً، وبعد غدٍ، [وقعت طلقة] في الحال، ولا يقع بعدها شيء؛ لأن المطلقة في وقت، مطلقة فيما بعده.
ويقرب من هذا [الخلاف] ما حكاه العبادي في الزيادات، وهو [ما] إذا قال: أنت طالق أول النهار وآخره؛ فإنها تطلق [طلقة؛ بخلاف ما لو قال: آخر النهار

وأوله؛ فإنها تطلق] طلقتين، ووجهه ما قلناه.
ولو قال: أنت طالق اليوم [و] في غدٍ، وفيما بعد غدٍ، فيقع عليها في الحال طلقة، وفي الغد طلقة، وفي اليوم الثالث طلقة؛ قاله في "التتمة".
قال: وإن قال: أنت طالق قبل موتي، أو قبل قدوم زيد [بشهر]، فمات أو قدم [زيد] بعد شهر- طلقت قبل ذلك بشهر؛ لوجود الصفة، وهذا ما يوجد في أكثر الكتب.
ولو مات أو قدم زيد قبل شهر، لم تطلق.
وألحق به في الشامل ما إذا قدم بعد شهر ليس إلّا، وكذلك المحاملي في المجموع والبندنيجي في [مذهبه، وصوروا] المسألة الأولى بأن مضى مع الشهر لحظة بقدر زمان الوقوع، وهو المذكور في المهذب في مسألة الموت، و [إن] لم يذكره في مسألة القدوم، ولا فرق بينهما.
وفي مسألة القدوم قبل الشهر وجه حكاه في المهذب: أن ذلك بمنزلة قوله: أنت طالق أمس.
والصحيح المعروف: أنه لا يقع وجهاً واحداً.
والفرق أن القدوم يمكن أن يتأخر عن شهر، ويمكن أن يتقدم، والطلاق في الحقيقة تعلق بزمان [يكون] بينه وبين القدوم شهر، فوجب اعتبار الصفة، وهناك لا تعليق، وإيقاع الطلاق في الزمان الماضي محال؛ فيلغو وحكم التعليق بالضرب والدخول وغيرهما من الأفعال قبل الشهر- حكم التعليق بالقدوم.
وإذا وجد الضرب قبل الشهر، وقلنا بالصحيح [فتنحل اليمين] حتى لو ضربها بعد ذلك، وقد مضى شهر فأكثر؛ لا يقع الطلاق.
وأبدى الإمام فيه احتمالاً من مسألة [فعل] المحلوف عليه في حال البينونة، كما ذهب إليه الإصطخري [فيها].

فروع: لو قال: أنت طالق قبل موتي طلقت في الحال؛ لأنه قبل موته، كذا قاله القاضي في التعليق والمتولي، [والقاضي أبو الطيب في آخر تعليق].
وفي الشامل نسبته إلى ابن الحَدّاد، وهذا بخلاف ما لو قال: [قَبِيل] موتي أو قُبَيْل موتي بضم القاف- فإنها لا تطلق إلّا في آخر العمر؛ على ما حكاه الرافعي، [والقاضي أبو الطيب]، ولو قال: بعد قبل موتي، يقع في الحال.
قال الرافعي: ويحتمل ألا يقع؛ لأن جميع عمره قبل الموت.
ولو قال: أنت طالق قبل أن أضربك، أو: تدخلي الدار، أو ما لا يتحقق وجوده، قال إسماعيل البوشنجي: هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يقع في الحال، كما لو قال: قبل موتي.
وأصحهما: أنه لا يقع حتى يوجد ذلك الفعل؛ فحينئذ يقع مستنداً إلى أول اللفظ؛ وهذا لأن قولنا: هذا قبل هذا يستدعي وجودهما، وربما لا يكون لذلك الفعل وجود.
ولو قال: أنت طالق قبل أن أطلقك، فعلى وجه يقع الطلاق في الحال، كما لو قال: قبل موتي.
وعلى آخر لا يقع؛ لأنه لا حالة بعد هذا الحلف تكون هي قبل الطلاق؛ هكذا حكاه الرافعي في الفروع، وفي الشامل ذكره في مسألة الدور، وقال: إن الكلام فيه كالكلام في مسألة الدور.
ومقتضاه مجيء الأوجه الثلاثة، وأنه لا يقع شيء في الحال، وهو مخالف لأحد الوجهين السابقين فيجتمع فيه أربعة أوجه، ويجيء فيه ما أبديناه من التفصيل من قبل.
ولو قال: أنت طالق قبل يوم الأضحى، وأراد: الآتي، فلا تطلق حتى ينقضي.
وإن أراد الذي مضى، فيقع في الحال.
ولو قال: أنت طالق قبل موت فلان، وفلان بشهر، فإن مات أحدهما قبل شهر لم يقع.
وإن مات أحدهما بعد مضي شهر فأكثر، فوجهان:

أحدهما: أنه يقع الطلاق قبل موته بشهر.
والثاني: لا يقع أصلاً؛ لأن الصفة لا تتحقق؛ لأنه إذا وقع قبل موت الأول بشهر، يكون قبل موت الآخر بأكثر من شهر، وهذا الثاني خرجه البوشنجي، [والله أعلم].
قال: وإن قال: (أنت طالق أمس) طلقت في الحال؛ لأنه وصف الطلاق بما لا يتصف به، فلغت الصفة، ووقع الطلاق، كما لو قال لمن لا سنة لها، ولا بدعة: أنت طالق للسنة.
ولا فرق في وقوع الطلاق في الحال بين أن يقول: أردت إيقاع الطلاق أمس، [وأن حكمه يستمر إلى الآن، أو يقول: أردت إيقاعه الآن، وأن حكمه ينعطف إلى أمس،] أو يقول: لم أرد شيئاً.
ولا [فرق] بين أن تكون زوجة له بالأمس، أو لا تكون.
وحكي عن رواية الرّبيع قول أن الطلاق لا يقع.
واختلف نقل المصنفين في محله: ففي الشامل: أنه فيما إذا قال: أردت إيقاعه بالأمس، أو لم تكن لي نية.
وفي الرافعي، والتهذيب أنه فيما إذا أراد إيقاعه بالأمس، ولم يرد إيقاعه في الحال، وهذه صورة مسألة الكتاب.
وفي النهاية وتعليق القاضي الحسين و"التتمة": أنه فيما إذا أراد الإيقاع الآن، وانعطاف حكمه إلى أمس، وهو ما دل عليه كلام البندنيجي.
أما إذا أراد الإيقاع [بالأمس]، ففي النهاية حكاية وجهين عن رواية شيخه، وادعى اشتهارهما.
والأقيس منهما في "الوسيط": أنه لا يقع.
وأظهرهما في الرافعي: أنه يقع، وذكر أنه الذي ذكره في التهذيب.
وفي ابن يونس أنه يقع في هذه الصورة بلا خلاف.
وفي الجيلي: أن الخلاف في أصل المسألة يبنى على أن الطلاق يقع بالقول معه أو

عقيبه؟ وفيه خلاف بين الأصحاب: فمنهم من قال: يقع معه؛ فعلى هذا يقع الطلاق هنا، ولا تأثير لقوله: أمس.
ومنهم من قال: يقع عقيبه؛ لأن تعليق الطلاق [به]، كتعليق الملك بالبيع، فكما يقع الملك عقيب البيع كذلك الطلاق؛ فعلى هذا يكون لقوله: أمس أثر.
ويجري مثل هذا الخلاف فيما إذا نوى التعليق متصلاً باللفظ، أو نية [الكناية] متصلة باللفظ، وجميع الأحكام المشابهة لهذه المسألة؛ هذا آخر كلامه.
وفي كلام الغزالي في كتاب الظهار عند قوله: أعتق عبدك عني دليل عليه.
وحكمه فيما إذا مات، أو جن، أو خرس، ولم تفهم إشارته حكم ما إذا قال: لم أرد شيئاً.
وحكى الحناطي وجهاً آخر: أنا لا نحكم بوقوع الطلاق إذا لم نقف على تفسير.
ولو قال: لم أرد بهذا الكلام إنشاءاً في الحال، ولا فيما مضى، وإنما أردت أني طلقتها أمس في هذا النكاح، وهي في عدة الرجعية، أو بائن [الآن] فيصدق بيمينه، وإن كذبته حتى تسقط نفقتها إن كان الطلاق بائناً، ويتنصف الصداق إن كان الطلاق قبل الدخول؛ على ما حكاه في "التتمة" من غير تفصيل.
وقال القاضي الحسين: إن كان الزوج غائباً عنها، وعن البلد، أو كان مفارقاً لها عن دارها، ولا يدخل عليها- كان القول قوله في إسقاط النفقة مع يمينه؛ لأن الظاهر معه.
وإن كان معها في دارها، فالقول قولها؛ لأن الظاهر معها.
وهكذا الحكم عنده فيما لو ادعى الزوج أنه طلق امرأته من سنة، وقالت: إنما طلقني اليوم.
وفي الإشراف: أنه لا يقبل قوله في إسقاط النفقة، وكذا في إسقاط الشطر؛ إن كان قد دخل بها قبل الإقرار.

وأما العدة، فتكون من الوقت الذي ذكره إن صدقته، وإن كذبته فالعدة من وقت الإقرار؛ [قاله ابن الصبّاغ والبغوي وغيرهما ها هنا، وأشار إليه المتولي في كتاب الفرائض في طلاق المريض].
وفي البندنيجي وغيره حكاية عن الشافعي في الأم في باب طلاق المريض فيما إذا أقر في المرض: انه طلق في الصحة: أن إقراره يثبت من يوم إيقاع الطلاق، والعدة من يوم إقراره به، ولا ترثه قولاً واحداً؛ لأنه طلاق وقع في حال الصحة.
فإن أجري هذا النص على ظاهره، وجب أن تكون العدة في هذه المسألة- أيضاً- من وقت الإقرار.
وإن حمل على حالة التكذيب، لم يكن فرق بين الموضعين.
وفي النهاية في أصل المسألة عن القاضي الحسين: أنها إن صدقته قبل، ولا يقع سوى طلقة، وإلّا فالقول قولها في إنشاء الطلاق، وحينئذ فيحكم عليه بطلقتين: طلقة بالإقرار، وطلقة بالإنشاء، وهو بعيد.
ولو قال: أردت أني طلقتها أمس، وبانت مني، ثم نكحتها أو طلقها غيري ثم نكحتها، فإن صدقته قُبل.
وإن أقام على ذلك بينة، وصدقته في إرادته، قبل أيضاً.
وإن كذبته، وقالت: لم ترد ذلك، وإنما أردت إنشاء الطلاق الآن، فيحلف [الرجل]، هكذا حكاه في الشامل، ويخالف ما إذا قال: طلقتها في هذا النكاح؛ حيث يصدق، ولا يطالب بالبينة؛ لأنه [ثَمَّ] معترف بطلاق في هذا النكاح، وها هنا يريد صرف الطلاق عن هذا النكاح.
فروع: لو قال: أنت طالق الشهر الماضي، أو في الشهر الماضي، فالحكم كما لو قال: أمس.

ولو قال: للشهر الماضي، ففي المجرّد للقاضي أبي الطيب: أنا نحكم بوقوع الطلاق في الحال قولاً واحداً كما لو قال: [أنت طالق] لرضا فلان).
قال الرافعي: لكن الكلام في مثل هذا يستعمل للتأريخ، واللفظ محتمل للمعاني المذكورة فيما إذا قال: في الشهر الماضي.
ولو قال: أنت طالق غد أمس، أو أمس غد على الإضافة- طلقت في الحال فإنه غد أمس، [وأمس غد].
ولو قال: غداً أمس، أو أمس غداً لا على الإضافة- طلقت للفجر من الغد، ويلغو ذكر الأمس، هكذا أطلقه في التهذيب.
ونقل الإمام مثله فيما لو قال: أنت طالق أمس غداً وأبدى فيه توقفاً؛ لأن قوله: أنت طالق أمس، كقوله: أنت طالق الشهر الماضي، ولو أطلق هذا اللفظ لوقع في الحال، فذكر الغد معه لا يغير هذا المعنى، ولا يقتضي تأخير الطلاق.
قال: وإن قال: (إن طرت، أو صعدت السماء فأنت طالق)، لم تطلق؛ وهذا ظاهر ما نقله المزني؛ لأنه لم ينجزه حتى يتنجز، [ولكن علقه] ولم توجد الصفة المعلق عليها، وقد يكون الغرض من التعليق بغير الممكن أن يمتنع وقوع الطلاق؛ حيث لا توجد الصفة، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40].
وحكم التعليق بالمستحيل عادة: كحمل الجبل العظيم، وما جانسه حكم التعليق بالصعود.
قال: وقيل فيه قول آخر: أنها تطلق؛ لأن التعليق إنما يثبت إذا كان المعلق عليه مما يرتقب حصوله، فأما إذا كان غير ممكن- بطل التعليق، وبقي التطليق من غير تعليق، كما لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق للسنة، وهذا خرجه ابن خيران في المسألة المذكورة في الكتاب قبل هذه المسألة، وخرج ثَمَّ من هذه- أيضاً- قولاً: أنها لا تطلق، وجعلهما على قولين، والصحيح الأول.

والفرق: أن الطيران، وصعود السماء لا يستحيل في قدرة الله- تعالى- وقد جعل الله لجعفر بن أبي طالب جناحين يطير بهما، وإيقاع الطلاق في زمان ماضٍ مستحيل.
ولأن إيقاع الطلاق في الزمان الماضي يتضمن وقوعه في الحال، وهو غير محال، فأعملناه فيه، والتعليق بالصفة لا يتضمن وقوع الطلاق [قبل الصفة]؛ فافترقا.
وحكم المستحيل عقلاً كإحياء الموتى- حكم التعليق بالمستحيل عادة عند الإمام.
وفي النهاية حكاية وجه ثالث: [أنه يقع] عند التعليق بإحياء الموتى، ولا يقع عند التعليق بالصعود والطيران.
وفي "التتمة": أن التعليق بالمستحيل عقلاً: كالجمع بين السواد والبياض، وإدخال الجمل في سم الخياط يلغى، ويقع الطلاق في الحال على الظاهر من المذهب، وألحق به المستحيل شرعاً، كما لو قال: إن نسخ وجوب الصلوات الخمس، أو صوم [شهر] رمضان فأنت طالق).
فرع: رجل له زوجة [حرة] [وأمة، فاستدعى] الأمة فجاءت الحرة [إليه] في ظلمة، أو كان الرجل أعمى، فاعتقد أنها الأمة، فقال لها: إن لم تكوني أحلى من الحرة، فأنت طالق، قال في "التتمة": الحكم في [وقوع الطلاق عليها على] ما ذكرناه.
قال: وإن قال: (إن رأيت الهلال فأنت طالق) فرآه غيرها- أي: [وثبت] بقوله دخول الشهر- طلقت؛ لأن رؤية الهلال في عرف الشرع رؤية الناس له؛ قال صلى الله عليه وسلم "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، [وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ"].
ويقال: رأينا الهلال [ببلد كذا، ويراد رؤية بعض أهل البلد، وإذا كان كذلك، كانت اليمين منزلة عليه؛ كما لو علق الطلاق على صلاتها؛ فإنها تحمل على الصلاة الشرعية، دون الدعاء.

ولو لم ير الهلال] لحائل، طلقت باستكمال الشهر الذي حلف فيه ثلاثين يوماً؛ لأنه قد ثبتت الرؤية بالشرع؛ فصار كما لو ثبتت بالشهادة؛ هكذا حكي عن أبي إسحاق، وهو المذكور في المهذب.
ولو قال المعلق: أردت بقولي: إن رأيت: المعاينة، قبل قوله في الباطن، وفي الظاهر وجهان: المذكور منهما في المهذب عدم القبول.
وأشبههما عند الرافعي: القبول، وهو الأصح في التهذيب، إلا أن تكون عمياء فلا يقبل في الظاهر.
قال في "التتمة" وجهاً واحداً.
قال الرافعي: وبالقبول أجاب الحناطي.
وحكي فيما إذا طلق، ولم يرد شيئاً قولين في أنه هل يقع الطلاق برؤية الغير.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون التعليق بالعربية أو بالعجمية.
وعن القفال أنه إن كان التعليق بالعجمية، فيحمل على المعاينة دون العلم، ويستوي فيه البصير والأعمى؛ لأن العرف المذكور لم يثبت إلا في العربية.
ومنع الإمام الفرق.
وفي التهذيب حكاية وجه: أنه يحمل في حق الأعمى [على العلم]، وإيراده يقتضي ترجيح قول القفال، وهو ما حكاه في "التتمة" أيضاً.
قال: فإن رأته بالنهار- أي: في نهار التاسع [والعشرين من الشهر] الذي حلفت فيه- لم تطلق- أي: [حتى تغرب] الشمس- لأن الهلال لا يسمى: هلالاً إلّا إذا رئي في زمان الليل، هكذا قاله القاضي الحسين في التعليق.
وقيل: تطلق؛ حكاه ابن يونس وغيره.

وفي الذخائر حكاية الخلاف فيما إذا قال: أردت رؤية البصير وجهين: أحدهما: أنها تطلق في الحال.
والثاني: لا تطلق.
أما إذا حمل على العلم، فلا تطلق في الحال، فإذا جاء الليل طلقت.
ثم قال: ويحتمل إجراء الوجهين فيها.
وجزم في "التتمة" بعدم الوقوع إذا كان التعليق برؤية البصير، وعلله بما ذكرناه عن القاضي.
تنبيه: إطلاق التعليق برؤية [الهلال يحمل على هلال أول شهر تستقبله، حتى إذا لم تره في الشهر الأول، وكان التعليق برؤية] البصير: إما مصرحاً به، أو مراداً بالنية- ترتفع اليمين؛ قاله في التهذيب، و"التتمة".
وفي الجيلي: أن مسألة الكتاب كلام الشيخ يقتضي تصويرها فيما إذا قال: إن رأيت هلال شهر كذا؛ إذ لو لم يقل كذلك، لطلقت برؤية الهلال، سواء كان قبل الزوال أو بعده، وإلى ثلاثة أيام؛ فإنه هلال، وعزا الحكم إلى البحر.
فرعان: أحدهما: لو قال: إن رأيت الهلال ببصرك فأنت طالق، أو أراد ذلك عند إطلاق لفظ الرؤية، فرأته في الليلة الثانية أو الثالثة- طلقت، ولو رأته في الرابعة، لم تطلق، قاله الرافعي.
وفي المهذب: أنها إذا رأته بعد أن صار قمراً، لم تطلق.
واختلف الناس فيما يصير به قمراً: [فقال بعضهم: يصير قمراً] إذا استدار.
وقال بعضهم: إذا بهر ضوءه.
وفي الجيلي حكاية وجهين عن الحاوي فيما إذا رأته في الليلة الرابعة، أو بعد أن

صار قمراً.
الثاني: إذا قال: إن رأيت زيداً، فأنت طالق، فرأته ملفوفاً، لم تطلق على الأصح من المذهب؛ [كما] حكاه القاضي، وغيره جزم به.
وإن رأته أو بعضه غير ملفوف؛ طلقت.
وفيه وجه: أن المعتبر رؤية الوجه.
وقال القاضي الحسين: إن رأت وجهه، طلقت على ظاهر المذهب، وفي "التتمة" أنها إذا رأت رجله أو يده، وقد أخرجها من كوة، لا يقع الطلاق؛ لأن الاسم [لا يطلق عليه]، وإن كان قد حكي أنها إذا رأت بعضه طلقت، ولو رأته في ماءٍ صافٍ، أو من وراء زجاج؛ طلقت على الأصح.
و [لا فرق فيما ذكرناه بين أن تراه حيّاً أو ميتاً، أو مجنوناً، أو عاقلاً، وكذا لو رأته، وهي مجنونة طلقت].
ولو كانت عمياء، فقالا: إن رأيت زيداً فأنت طالق، ففي النهاية: أن الطلاق معلق بمستحيل- على المذهب- فلا يقع.
وفيه وجه أنه يحمل على حضوره عندها، واجتماعهما في مجلس واحد؛ لأن الأعمى يقول: رأيت فلاناً [الآن، أو] اليوم، ويريد الحضور عنده.
قال: وإن كتب الطلاق، ونوى، وكتب: إذا جاءك كتابي، فأنت طالق، فجاءها وقد انمحى موضع الطلاق- أي: بحيث لا يمكن قراءته- وبقى غيره مما يعتذر به عن الطلاق، ومما يوبخها عليه من الأفعال الملجئة إلى الطلاق- لم يقع الطلاق؛ وهذا ما حكاه الشيخ [أبو علي]، وعلله بأن ذلك مقصود الكتاب، فإذا ذهب، لم ينطلق الاسم على الباقي.
وعلله غيره بأن الكتاب عبارة عن جميع الأجزاء، ولم يصل جميعه.
ووراء ذلك وجهان آخران حكاهما المراوزة: أحدهما: أنه يقع؛ لوجود الصفة؛ إذ الكتاب قد جاء.

والثاني: إن كان قد كتب: إن أتاك كتابي، وقع، وإن كتب: إن أتاك كتابي هذا، لم يقع، كما سيأتي مثله في المسألة الثانية.
[أما] إذا كانت قراءته ممكنة، وقع الطلاق [على المذهب].
ولو انمحى الكتاب بجملته، لم يقع الطلاق على المذهب، كما لو كتبه ثم محاه بنفسه، وعلى هذا تبنى الفروع.
وحكى صاحب التقريب وجهاً: أن الطلاق يقع؛ فإن هذا- وإن انمحى- يسمى: كتاباً، واعلم أن اللغة الفصيحة: محا موضع الطلاق.
قال الجوهري: يقال: محا لوحه يمحوه محواً، ويمحيه محياً، ومحاه فهو مَمْحُوّ ومَمْحِيٌّ وامَّحى وانمحى لغة فيه ضعيفة.
قال: وإن انمحى غير موضع الطلاق- أي: مما ذكرناه- وبقي موضع الطلاق، فقد قيل: يقع؛ لأن المقصود قد أتاها.
وقيل: (إن كتب: (إن أتاك كتابي)، [وقع؛ لما سبق.
وإن كتب إن أتاك كتابي] هذا- لم تطلق؛ لأن هذا يقتضي جميعه، ولم يأتها.
قال ابن الصباغ: ذكر القاضي هذا الوجه، ولم يفصل هذا التفصيل؛ لأنه إذا قال: كتابي أو الكتاب، اقتضى جميعه.
وقيل: لا تطلق بحال، وعلته ما ذكرناه عن بعضهم في المسألة الأولى.
ولو جاء الكتاب، وقد انمحت البسملة أو الحمدلة ففي الوقوع الأوجه الثلاثة في المسألة قبلها، لكن عند المراوزة، وإطلاق العراقيين يقتضيه أيضاً، حيث لم يفصلوا في المسألة قبلها بين البسملة، وغيرها، وفي هذه المسألة: الوقوع أولى.
ولو جاء الكتاب، وقد زال بياضه، وبقيت سطوره، فمن أصحابنا من قال: [هي

على] الأوجه، ووجهه بأن الحواشي من جملة الكتاب؛ بدليل منع المحدث من مس ذلك من المصحف، فصار كمقاصده.
ومنهم من قال: [لا] يقع ها هنا وجهاً واحداً، وهو المذكور في المهذب، والشامل، وتعليق القاضي الحسين.
قال في الذخائر: وحكى القاضي وجهاً راجعاً إلى هذه الصورة: أنه إن ذهب أكثر الكتاب لم تطلق، وإن كان الباقي أكثر طلقت، وهذا ما أبداه الإمام احتمالاً.
ولا يخفى أن ما ذكرناه مفرع على أن الكتابة يقع بها الطلاق مع النية.
فروع: أحدها: لو كتب: إن أتاك طلاقي فأنت طالق، فجاءها موضع الطلاق، وقع الطلاق، وإن لم يأتها وأتاها غيره لم يقع.
الفرع الثاني: [و] لو كتب: إن أتاك نصف كتابي، فأنت طالق، فجاءها الكتاب بجملته، ففي وقوع الطلاق وجهان عن صاحب التقريب.
قلت: ومن قال بعدم الوقوع يلزمه أن يقول به فيما إذا قال لزوجته: إن أكلت نصف رمانة، فأنت طالق، فأكلت رمانة، فإن المنقول فيها فيما وقفت عليه وقوع الطلاق، حتى [إنهم] عقَّبوا ذلك بأنه لو قال: إن أكلت رمانة فأنت طالق، [وكلما] أكلت نصف رمانة، فأنت طالق، فأكلت رمانة- طلقت ثلاثاً، هكذا حكاه الإمام وابن الصباغ وغيرهما.
ووجه الإمام عدم الوقوع في مسألة الكتاب بن النصف في هذا المقام إنما يطلق لغرض التبعيض، فإذا لم يتحقق التبعيض، لم تتحقق الصفة، وهذا لا ينجي من السؤال.
[الفرع الثالث:] لو كتب: إن قرأت كتابي، فأنت طالق، فإن كانت تحسن القراءة؛ طلقت بقراءة جملته، فإن قرأت بعضه، قال الرافعي: الحكم فيه كما لو وصل بعض الكتاب.

ولو قرئ عليها فوجهان: أحدهما: أنه يقع؛ لأن ذلك يراد للإطلاع على مضمون الكتاب دون القراءة، وقد حصل.
قال الإمام: ويؤيده أن علماءنا لم يختلفوا في أنها لو طالعت الكتاب، وفهمت ما فيه، ولم تتلفظ بكلمة- أن الطلاق يقع، وإن لم توجد قراءة.
والثاني: أن الطلاق لا يقع، وهو ما حكاه القاضي الحسين في التعليق، ثم قال: وهذا بخلاف ما لو قال: إن رأيت الهلال، فأنت طالق، فرآه غيرها؛ لأن الرؤية عبارة عن العلم؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45] يعني: ألم تعلم؟ والقراءة ليست كذلك.
وإن كانت لا تحسن القراءة، وقع عليها الطلاق بقراءة الغير، وادعى الإمام أنه الذي قطع به الأصحاب.
وفي الذخائر: أن من أصحابنا من قال: لا تطلق؛ لأنه معلق بقراءتها، ولم توجد.
قال: والحكم فيه كالحكم [فيما لو] علق الطلاق على صعود السماء، والطيران، وفيه وجهان: أحدهما: أنه يقع؛ فعلى هذا يقع الطلاق ها هنا ببلوغه إليها، وإن لم تره.
قلت: وفي هذا نظر؛ لأن التعليم ممكن عادة [فقراءته بعد ذلك ممكنة عادة]، وليس في الصيغة ما يقتضي الفورية.
نعم: لو قيد القراءة بحال وصول الكتاب، أمكن أن يخرج [على ما] قاله.
وفيه نظر من وجهٍ آخر؛ [حيث] قال: فيقع عند وصول الكتاب إليها، ومقتضى تخريجه على الأصل الذي ذكره: أن يقع الطلاق حال فراغه من كتابة الطلاق إذا وجدت معه النية، كما يقول فيما إذا حلف على الصعود أو الطيران، وقلنا: إنه يحنث؛ فإنه يقع الطلاق في الحال.
والكتابة ها هنا مع النية، كالنطق ثم، والله أعلم.
[الفرع الرابع:] لو كتب: أنت طالق، ثم استمر وكتب: إذا جاءك كتابي، نظر:

إن فعل ذلك، لحاجته إلى المداد، لم يقع إلا بوصول الكتاب، وإن فعل ذلك لغير حاجة، وقع في الحال.
[الفرع الخامس:] إذا ادعت المرأة أن كتابه وصل إليها بالطلاق، وأنكر الكتابة، فالقول قوله مع يمينه.
فإن أحضرت بينة تشهد بأن الكتاب الذي وصل إليها [بالطلاق] خطه- لم تسمع، إلا أن تراه قد كتبه وحفظته إلى وقت الشهادة، فإنه لا يُجوز للشاهد أن يشهد: أن هذا خط فلان إلا أن يراه يكتبه، ولم يغب عنه؛ لأنه قد يزور.
قال: وإن قال: إن ضربت فلاناً، فأنت طالق، فضربته وهو ميت؛ لم تطلق؛ لأن القصد بالضرب ما يتألم به المضروب، وهذا ليس كذلك؛ هذا هو الظاهر.
قال الرافعي: وأثبت القاضي الروياني: فيه خلافاً.
ولو ضربته وهو نائم، أو مغمى عليه، أو مجنون، طلقت؛ قاله القاضي في التعليق.
ولو ضربته حيّاً، لكن ضرباً غير مؤلم، لم يقع الطلاق عند معظم الأصحاب.
وذهب طوائف من المحققين [إلى] أن الألم ليس بشرط؛ فتطلق.
قال ابن الصباغ: وهذا الذي تقتضيه أصولنا؛ لأن اليمين يعتبر [فيها ظاهر اللفظ، ولا يعتبر] فيها المقصود في العادة، كما لو حلف لا يبتاع شيئاً، فوكل في ابتياعه، كذلك أبداه فيما إذا ضربته وهو ميت.
[ولو] وضعت عليه حجراً ثقيلاً، فتألم به، فليس بضرب، ولا يحنث، قاله الإمام.
وفي الذخائر: [أنه يحنث، وأبدى احتمالاً في أنه لا يحنث؛ لعدم الإثم، وسيأتي الكلام في] بقية الفروع في جامع الأيمان- إن شاء الله تعالى- قال: وإن

قال: إن قدم [زيد فأنت طالق، فقدم به ميتاً، لم تطلق؛ لأنه ما قدم وإنما قدم به] وإن حمل مكرهاً، لم تطلق قال الإمام بلا خلاف، ووجهه ما ذكرناه.
قال الرافعي: ويأتي فيه خلاف؛ لأن صاحب المهذب وغيره نقلوا طريقاً فيما إذا حلف لا يدخل الدار، فحمل بغير إذنه واختياره، وأدخل، أنه على القولين فيما إذا أكره حتى دخل بنفسه، ووجهوه بأنا سوينا في حال الاختيار بين دخوله بنفسه ودخوله محمولاً.
وإيراد البندنيجي في مذهبه يشير إليه؛ حيث قال: إن المذهب أن الطلاق لا يقع.
قال: وإن أكره حتى قدم [بنفسه]، ففيه قولان: أحدهما: تطلق؛ لأنه قدم بنفسه؛ [فأشبه ما] إذا كان مختاراً.
والثاني: لا تطلق؛ لأن بالإكراه زال اختياره، وإذا وجدت الصفة بغير اختياره، كان لوجود الطلاق منه بغير اختياره مكرهاً.
قال الإمام: والفرق بينهما [على القول الأول]: أنا نبطل اختيار المكره في التخيير بالإكراه المقترن به؛ وهذا لا يتحقق في الصفة؛ فإن قول القائل: إن دخلت الدار متناول لما ينطلق عليه اسم الدخول، سواء كان على صفة الاختيار، أو صفة الإجبار، [وكأن الحكم بوقوع الطلاق- مأخوذ] من تناول العقد بطريق الإكراه، وعقد اليمين على ما وجد من المكره ممكن؛ فإنه لو قال باختياره: إن دخلت الدار مكرهاً، فأنت طالق، فأجبر على الدخول- وقع وفاقاً.
ولا فرق في جريان القولين بين أن يعلم المحلوف على قدومه باليمين، أو لا

يعلم؛ على الأظهر من الطريقين عند الأصحاب؛ على ما حكاه الإمام، وإطلاق ابن الصباغ يقتضيه مع قرينة التفصيل في القدوم [من غير إكراه] على ما سنذكره.
ولا بين أن يكون ممن يمتنع [من القدوم] لأجل اليمين، [أو لا يمتنع، على اختيار الإمام.
والرافعي أثبت طريقة القطع بالوقوع، ثم حكى بعد ذلك طريقة القولين.
ولو قدم غير مكره، نظر: إن كان عالماً باليمين؛ طلقت.
وإن لم يعلم باليمين، أو علم، ونسي، فإن كان المحلوف على قدومه، ممن لا يمتنع لأجل اليمين: كالسلطان، والأجنبي، طلقت؛ لأن ذلك ليس بيمين، وإنما هو تعليق بصفة؛ فأشبه ما لو قال: إن دخل الحمار الدار، فأنت طالق.
وإن كان ممن يمتنع من القدوم؛ لأجل اليمين]: كقرابة المرأة، أو قرابته، [أو غلامة]، وبالجملة كل من يسوءه طلاقها- فإن أراد الحالف أن يجعل قدومه صفة دون اليمين، مثل أن يقصد أن يطلقها إذا حصل معها محرم لها، ولا يطلقها دونه- طلقت أيضاً؛ لما [ذكرناه وإن] قصد [أن يمنعه] من القدوم، فهل يقع الطلاق؟ فيه قولان يأتي بيانهما في الأيمان، إن شاء الله تعالى.
[وصور] البندنيجي القولين [في "التتمة" وقدم مكرهاً بصورة القولين] في القدوم ناسياً، أو جاهلاً.
وقال القفال: لا أثر للنسيان، والجهل [والإكراه] في الحلف بالطلاق، [بل متى] وجدت الصفة المحلوف عليها، ولو في حالة من هذه الأحوال، وقع الطلاق، بخلاف الحلف بالله عز وجل؛ لأن التعويل في اليمين على تعظيم اسم

الله- تعالى- والحنث هتك لحرمته، وهذه الأحوال تمنع حصول الهتك، والتعويل في تعليق الطلاق على حصول الصفة المعلق عليها، وهي حاصلة، وإن فرضت هذه الأحوال.
قال الإمام: وهذا مختص بالقفال، والأصحاب على طرد الخلاف في الباب.
فرع: إذا علق الطلاق بدخول طفل، أو بهيمة، أو سنور، ووجد الدخول مكرهاً.
قال الحناطي: يحتمل أن يحصل الحنث؛ لأنه ليس لهم قصد، ولا اختيار صحيح؛ فلا أثر للإكراه.
ويحتمل ألا يحصل.
فرع آخر: لو قدم المحلوف على قدومه، وهو مجنون، قال الطبري: إن كان يوم عقد اليمين عاقلاً، ثم جن بعد ذلك، لم يقع الطلاق؛ لأنه لا حكم لفعله، وإن كان في ذلك اليوم مجنوناً وقع؛ لأنه يجري مجرى الصفات.
قال: وإن قال: إن خرجت إلا بإذني، فأنت طالق، فأذن لها وهي لا تعلم، فخرجت؛ لم تطلق؛ لأنها لم تخرج بغير إذنه.
وحكى الطبري وجهاً: أنها تطلق؛ بناءً على أن الوكيل لا ينعزل قبل بلوغ خبر العزل إليه.
ونقله الفوراني قولاً [عن الشافعي.
[ولو أذن لها وهي مجنونة أو صغيرة فخرجت بعده فهل يصح هذا الإذن حتى لا يحنث، أو لا يصح؟ فيه وجهان في البحر في آخر كتاب الأيمان، وأصحهما الأول، وعلى مقابله هل ينبني على أن عمد الصبي والمجنون عمد أو لا؟ فإن قلنا: إنه عمد حنث، وإن قلنا: ليس بعمد، خرج على القولين في حنث الناسي، وهكذا الحكم فيما إذا خرجت بغير الإذن.
قال:] وإن أذن لها مرة، فخرجت بالإذن، ثم خرجت بغير الإذن، لم تطلق؛ لأن الإذن لا يقتضي التكرار؛ فصار كما لو قال: إن خرجت مرة

بغير إذني فأنت طالق.
ونقل الشيخ أبو محمد قولاً مخرجاً: أنها تطلق.
قال الغزالي: وهو حسن إلا أنه غريب، كما لو قال: إن خرجت لابسة ثوب حرير، فأنت طالق، فخرجت من غير حرير، ثم خرجت لابسة [ثوب] حرير؛ فإنه يحنث وفاقاً.
قال مجلي: وهذا لا يصح؛ لأن خروجها أولاً، لم تنحل به اليمين؛ لعدم الصفة، فحنث في الثاني؛ بخلاف مسألتنا.
ولو أذن لها في الخروج، ثم رجع عنه، فخرجت بعد المنع، لم يحنث؛ لحصول الإذن.
قال الشيخ أبو نصر: وفيه نظر؛ لأن رجوعه عن الإذن يبطله؛ فتكون خارجة بغير إذنه؛ ولهذا تأثم، ومجرد الإذن لا يحل اليمين؛ لأن المحلوف عليه الخروج دون الإذن.
فرع: لو أخرجها هو هل يكون [الإخراج] إذناً؟ فيه وجهان، قاله الرافعي في وقوع الطلاق، والقياس المنع.
قال: وإن قال: كلما خرجت إلا بإذني، فأنت طالق، فأي مرة خرجت بغير الإذن طلقت؛ لأن "كلما" تقتضي التكرار، فإذا أراد الخلاص من اليمين، فليقل لها: أذنت لك أن تخرجي متى شئت.
وإن قال: إن خرجت إلى غير الحمام فأنت طالق، فخرجت إلى الحمام، ثم عدلت إلى غير الحمام، لم تطلق، ولو كان بالعكس طلقت.
وإن [قصد بهما الخروج]، فوجهان:

المذكور منهما في الشامل، والمجموع للمحاملي: الحنث.
فرع: لو حلف: لا يخرج من البلد إلا مع امرأته، فخرج لكنه تقدم [عليها] بخطوات، ففي وجه [لا يحنث؛ للعرف، وفي آخر] يحنث، وإنما يحصل البر بأن يخرجا معاً من غير تقدم؛ حكاه الرافعي في الفروع.
قال: وإن قال [لها]: إن خالفت أمري فأنت طالق، ثم قال لها: لا تخرجي، فخرجت- لم تطلق؛ لأنها لم تخالف أمره، وإنما خالفت نهيه.
قال الغزالي: وفيه نظر.
وإن قال: إن خالفت نهيي، فأنت طالق، ثم قال لها: قومي، فقعدت، قال الإمام: ذهب الفقهاء إلى أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به، فقد خالفت نهيه إذا قعدت؛ فيقع الطلاق.
وقد أوضحنا في مجموعنا في الأصول أن الأمر لا يكون نهياً، ولا يتضمن نهياً، فلا يقع الطلاق؛ [إذ لو] كنا نعتقد اعتقاد الفقهاء؛ لتوقفنا في وقوع الطلاق، فإن الأيمان لا تحمل على معتقدات الناس في الأصول.
وفي الذخائر: أن من قال بالوقوع في هذه المسألة؛ لما ذكرناه من التعليل ينبغي أن يقول: [إنها] تطلق في المسألة الأولى؛ لأن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، وبضده إن لم يكن له سوى ضد واحد، وضد عدم الخروج [الخروج] لا غير؛ فكان نهيه عن الخروج [أمراً] بالسكون، فإذا خرجت؛ فقد خالفت الأمر الذي تضمنه النهي عن الخروج.
فرع: إذا قال [لها]: إن أمرتك بأمر فخالفتيه، فأنت طالق [ثم قال لها: إن لم تصعدي السماء، فأنت طالق]، ففيه وجهان.

أحدهما: تطلق؛ لأن اللفظ يقتضي أمرها بالصعود.
والثاني: لا تطلق، وهو الصحيح؛ لأنه ليس أمراً محققاً، وإنما هو تعليق الطلاق على عدم الصعود.
نعم: لو قال لها: اصعدي السماء، هل يقع الطلاق؛ لعدمه منها؟ قال مجلي: فيه نظر، يتعلق بأن ما لا يطاق هل يصح تكليفه؟ فإن قلنا: لا يصح، خرجت الصيغة عن أن تكون أمراً، وإن قلنا: يصح، كانت أمراً؛ فتطلق بالمخالفة.
[فرع] آخر: لو قال لها: إن لم تطيعيني، فأنت طالق، فقالت: لا أطيعك؛ ففي وجهٍ: يقع الطلاق بقولها: لا أطيعك.
[والأصح أنه لا يقع؛ حتى يأمرها بشيء، فتمتنع، أو ينهاها عن شيء فتفعله، قاله الرافعي] في آخر كتاب الطلاق.
قال: وإن قال: (إن بدأتك بالكلام، فأنت طالق)، فقالت: وإن بدأت بالكلام، فعبدي حر)، فكلمها، لم تطلق المرأة، ولم يعتق العبد- أي: إذا كلمته أيضاً- لأن الزوج خرج عن [أن يكون] مبتدئاً بقولها: (إن بدأتك)، وهي خرجت عن البداءة بكلامه.
[ولو كانت المسألة بحالها، فكلمته أولاً؛ عتق العبد؛ لأنها مبتدئة كلامه].
ولو قال لواحد: إن بدأتك بالسلام، فعبدي حر)، وقال [له] الآخر مثل ذلك، فسلم كل [واحدٍ] منهما على صاحبه دفعة واحدة؛ لم يحنث، وانحلت اليمين؛ كذا قاله الإمام.
قلت: ويتجه أن يجري فيه ما سبق فيما إذا قال: إن خرجت إلا بإذني، فخرجت بالإذن، ثم خرجت بغير الإذن.
قال: وإن قال لها، وهي في ماء جار: (إن خرجت من هذا الماء، فأنت طالق، وإن أقمت فيه، فأنت طالق)، لم تطلق، خرجت، أو أقامت؛ لأن الإشارة وقعت إلى الماء الذي كانت فيه حال اليمين، وقد مضى بجريانه، فلم تخرج منه، ولم تقم فيه.

وفي الذخائر: أن بعض أصحابنا قال: يقع الطلاق؛ بناءً على حمل اللفظ على المفهوم منه عرفاً، والمفهوم منه خلاف هذا؛ إذ المقصود منه اللبث في هذا الماء على الجملة، [أو] الخروج منه، دون [أن] يخطر له [آحاد الجريات] ببال.
وفي ابن يونس أن القفَّال قال: يخرج على القولين فيما إذا قال: إن لم تشربي من [ماء] هذا الكوز، فأنت طالق، فانصب ذلك الماء.
قال: وإن قال لها: (إن شئت، فأنت طالق)، فقالت في الحال: (شئت) - طلقت؛ لوجود الصفة، وهذا إذا كانت بالغة عاقلة راضية بالطلاق.
[أما لو كانت صغيرة، فإن كانت غير مميزة، لم يقع الطلاق] بلا خلاف، كما لو كانت مجنونة.
وإن كانت مميزة، ففي وقوع الطلاق وجهان: أظهرهما عند المتولي، وهو الذي ذكره أبو الفرج السرخسي، وقال ابن الصباغ: إنه اختيار ابن الحداد، وذكر الإمام أن ميل الأكثرين إليه- أنه لا يقع؛ لأنه لا اعتبار بمشيئة الصبي في التصرفات.
والثاني: يقع.
قال في الشامل: وبه قال بعض أصحابنا، كما لو قال: إن قلت: شئت.
ولأن مشيئة الصبي معتبرة في اختيار الأبوين.
ولو شاءت البالغة في حال سكرها، خرج على القولين في أن السكران: كالمجنون أو كالصاحي؟ ولو كانت غير راضية بوقوع الطلاق، طلقت في الظاهر، وفي الوقوع باطنا الوجهان على قول [ابن الصَّباغ.
وفي الرافعي نسبة الأول] إلى أبي يعقوب الأبيوردي، وأن القاضي الحسين مال إليه، وقاسه على ما لو علق الطلاق بحيضها، فقالت: حضت، وهي كاذبة، فإنه لا يقع باطناً، ونسب الثاني إلى القفال، وهو المذهب في التهذيب؛ لأن التعليق في

الحقيقة بلفظ المشيئة، [لا] بما في الباطن؛ ألا ترى أنه لو علق بمشيئة أجنبي، فقال: شئت، صدق، ولو كان التعليق [بما] في الباطن، لما صدق [عليه]، كما لو علق طلاق ضرتها بحيضها، ويخالف ما إذا علق بحيضها، فقالت: حضت، وهي كاذبة؛ لأن دم الحيض محسوس مشاهد، وإنما اعتبرنا قولها فيه؛ لأنها مؤتمنة، والمشيئة لا تحس؛ فلا تعرف إلَّا من جهتها فكان التعليق بقولها: شئت.
قال الرافعي: ويجري الخلاف فيما لو علق بمشيئة زيد، فقال زيد: شئت، وهو كاره بقلبه.
وفي النهاية [أن] في كلام القاضي ما يدل على أن أبا يعقوب يقول بالوقوع في هذه الصورة، بخلاف المسألة قبلها؛ حيث قال: إن تعليق الطلاق على مشيئتها فيه معنى التمليك، [وهو يعتمد الإرادة، ومحلها القلب، وليس في تعليق الطلاق على مشيئة زيد معنى التمليك]، فهو لفظ مجرد منه ظاهراً وباطناً.
قال الإمام: وأبو يعقوب أفقه من أن يسلم الفرق بين المسألتين، [و] لكن المسألة تدور على نكتة، وهي أن المرأة لو أرادت الطلاق [بقلبها]، ولم تنطق بالمشيئة، فإن كان أبو يعقوب يزعم أن الطلاق يقع باطناً؛ لتحقق إرادة القلب، ولكن لا يقع الحكم به؛ لعدم الإطلاع؛ فيستمر كلامه.
وإن سلم أن الطلاق لا يقع باطناً؛ فيضعف ما ذكره، ويتبين أن يتعلق الطلاق باللفظ المجرد.
والذي يجب القطع به: أنها إذا أرادت بقلبها، ولم تنطق: أن الطلاق لا يقع باطناً ولا ظاهراً، فإن شرط جوابها أن يكون على صفة الأجوبة، والكلام الجاري في النفس لا يكون جواباً.
وأبدى الرافعي في الوقوع تردداً.
فرع: لو كان في المشيئة فقالت: شئت، وكذبها، إن قلنا: إن المعلق عليه اللفظ، فالقول قوله.

وإن قلنا: ما في النفس، فالقول قولها؛ لأنه لا يعرف إلا من جهتها؛ حكاه في الذخائر.
قال: وإن أخرت- أي: بقدر ما ينقطع به القبول عن الإيجاب- ثم [شاءت]، لم تطلق؛ لأن الخطاب يقتضي جواباً في الحال؛ كما في البيع، وغيره.
ولأنه كالتمليك للمرأة؛ لقوله: اختاري، والتمليك يفتقر إلى القبول في الحال، كما في سائر التمليكات.
وينبني على العلتين فروعٌ تذكر من بعد.
وفي الذخائر حكاية وجهين في أن ذلك تمليك للطلاق، أو تعليق له بصفة، وهي المشيئة، وقرينة التماس الجواب من الزوجة تقتضي أن تكون المشيئة على الفور؛ إذ الجواب لابد أن يكون متصلاً.
قال: وقيل: إذا وجد [القبول] في المجلس، طلقت؛ لأنه حريم العقد؛ فقام مقامه، كما في القبض في الصرف، والسلم.
قال مجلي: وكان ينبغي أن ينبني هذا الحكم على أنه تعليق، أو تمليك؟! فإن جعلناه تمليكاً، اقتضى الفور، والبدار، وهل يتقيد بالمجلس، أو يعتبر عقيب لفظه؟ يحتمل خلافاً، كقوله: ملكتك.
وإن رأيناه تعليقاً، لم يقتض البدار، كتعليقه على دخول الدار، [بل] أي وقت شاءت، طلقت.
قلت: وجواب هذا ما ذكرناه، وهو أنه، وإن كان تعليقاً، لكن قرينة التماس الجواب اقتضت البدار، كما أن قرينة بذل العوض في قوله: إن أعطيتني، اقتضت البدار، مع أنه تعليق.
نعم قد حكينا في الخلع وجهاً: أن الإعطاء لا يتقيد بوقت؛ فيجيء مثله ها هنا، وقد أشار إليه الرافعي، وصرح الإمام بحكايته عن صاحب التقريب، والشيخ أبي علي

في كتاب التدبير، وقال: إنه غريب [و] منقاس.
فروع: لو قال لأجنبي: إن شئت فزوجتي [طالق]، إن عللنا اشتراط البدار في مشيئتها بأنه خطاب يستدعي جواباً؛ فكذلك يشترط في مشيئته أيضاً.
وإن عللناه بمعنى التمليك، فلا؛ إذ لا تمليك هنا، وهذا أظهر فيما ذكره جماعة.
ورأى المتولي الوجه الأول أظهر، وهو ما حكاه في الشامل، ووجهاه بأن الخلع مع الأجنبي صحيح؛ كما يصح مع الزوجة، ويكون الجواب ناجزاً؛ فكذلك إذا كان بغير عوض يجري مجرى الزوجة.
ولو قال: "زوجتي طالق إن شاءت"، فإن عللنه بالعلة الأولى، فلا خطاب هنا، ولا يشترط الفورية.
وإن عللناه بمعنى التمليك؛ فتشترط: فإن كانت حاضرة فينبغي أن تقول في الحال: شئت؛ ليقع الطلاق.
وإن كانت غائبة، فتبادر إليه إذا بلغها الخبر.
وتردد القاضي في البدار في الغيبة والحضور.
وميل الإمام إلى [أن] الفورية لا تشترط في هذه الصورة، كذا حكاه الرافعي.
قال مجلي: وفي هذا الفرع [نظر]؛ فإنه إذا جعل ما صدر منه تمليكاً، كيف يصح مع الغيبة؟ وينبغي أن تتخرج صحته على البيع مع الغيبة بالكتابة.
ولو قال: زوجتي طالق إن شاء زيد، فلا يشترط البدار أصلاً؛ لانتفاء العلتين.
ولو علق طلاقها بمشيئتها، ومشيئة غيرها من قريب أو أجنبي، كما إذا قال: إن شئت، وشاء زيد، فأنت طالق، فإن شاءا على الفور، طلقت.
[وإذا] شاء زيد، وتخلفت مشيئتها عن المجلس، فتطلق.

وإن شاءت على الفور، وتأخرت مشيئة زيد، ثم شاء، ففي وقوع الطلاق وجهان: المذكور منهما في الشامل، والمجموع للمحاملي: أنه لا يقع.
وأصحهما في الرافعي: الوقوع؛ كما لو قال: أنت طالق إن شئت، ودخلت الدار؛ فإنه [يوفر] على كل واحد من الموضعين حكمه لو انفرد.
وفي تعليق القاضي الحسين [حكاية الخلاف] فيما إذا قال: إن شئت، وشاء أبوك)، وفيما إذا قال: إن شئت، وشاء زيد: [أن مشيئة زيد] لا تختص بالمجلس، والسكوت عما سواه.
ولو قال لزوجتيه: إن شئتما فأنتما طالقتان، فإن شاءتا على الفور، طلقتا، وإن شاءت إحداهما على الفور، وشاءت الأخرى بعد فوات وقت المشيئة، فلا يقع عليها الطلاق على ظاهر المذهب، وأما التي شاءت على الفور، فهل يقع عليها الطلاق؟ فيه وجهان، ينبنيان على ما لو علق الطلاق بمشيئة أجنبي، هل يختص الجواب بالمجلس؟ هكذا حكاه في "التتمة".
[قال]: ويحتاج مع ذلك إلى البناء على أصل آخر، وهو أنه إذا قرن مشيئتها بمشيئة من لا يعتبر البدار في مشيئته لو انفرد، فهل يعتبر البدار في حقه؟ فيه الخلاف السابق.
إن قلنا: إنه يعتبر؛ فلا تطلق.
وإن قلنا: لا يعتبر؛ فينبني على أن مشيئة الأجنبي إذا علق الطلاق [عليها] مخاطباً له، وهل تقتضي الفورية؟ إن قلنا: نعم فلا تطلق، وإلا طلقت.
ثم قوله في التي شاءت بعد [فوات وقت] المشيئة لا يقع عليها الطلاق على ظاهر المذهب- يشعر [بذكر خلاف]، ويظهر أن يكون إشارة إلى الوجه الذي خرج من الخلع، والله أعلم.

ولو شاءت كل واحدة منهما طلاق نفسها دون ضرتها، قال البوشنجي: القياس وقوع الطلاق.
وقضية ما حكيناه عن "التمة" خلافه.
قال: فإن قالت: (شئت إن شئت)، لم تطلق-[أي]: وإن شاء الزوج- لأن صفة الوقوع أن تشاء، ولم يوجد ذلك، وإنما وجد منها تعليق للمشيئة، والمشيئة خبر [عما في نفسها من الإرادة، وذلك لا يتعلق بالشرط؛ لأنه خبر] عن ماضٍ، ولأنها أخرت الجواب عن الفور.
وفي الذخائر: أن من أصحابنا من قال: إذا قال الزوج: شئت، طلقت، وحكاه الرافعي عن رواية الحناطي.
فروع: [أحدها:] لو رجع عما قاله قبل مشيئتها، [لم ينفذ رجوعه؛ لأن المغلب عليه التعليق.
[الفرع الثاني:] لو قال: أنت طالق كيف شئت]، قال أبو زيد والقفال: لا يقع، شاءت أو أبت.
وقال الشيخ أبو علي: لا يقع، حتى توجد مشيئة في المجلس: إما مشيئة أن تطلق أو مشيئة ألا تطلق.
قال صاحب التهذيب: وكذا الحكم لو قال: أنت طالق على أي وجه شئت.
ولو قال: أنت طالق شئت، أو أبيت، طلقت في الحال.
قال: وإن قال: من بشرتني بكذا فهي طالق فأخبرته امرأته بذلك، [وهي] كاذبة- لم تطلق.
البشارة: بكسر الباء وضمها: هي الخبر الذي يغير البشرة سروراً، أو حزناً، لكنها عند الإطلاق للخير، فإن أريد الشر، قيدت؛ قال الله- تعالى- في الأول: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾

[الزمر: 17]، وفي الثاني: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21].
[وإذا] كانت كاذبة فيما أخبرت به، لم يحصل الغرض بخبرها؛ فلم تكن بشارة.
فلو جاءت أخرى، وأخبرته صادقة، طلقت؛ لأن الغرض حصل من خبرها.
ولو كانت الأولى صادقة، وقع عليها الطلاق دون الثانية؛ لأن البشارة بأول خبر، وما بعد ذلك لا يكون بشارة.
وفي الإبانة حكاية وجه آخر: أن البشارة لا تختص بالخبر الأول، وأن الحكم كما سنذكره فيما إذا قال: من أخبرتني.
وعلى المذهب لو بشره أجنبي بما علق عليه الطلاق، ثم بشرته الزوجة، لم يقع عليها الطلاق.
وكذا لو رآه الزوج، ثم بشرته به، لم يقع أيضاً.
ولو بشرته زوجتان فأكثر دفعة واحدة، وقع عليهن الطلاق.
وتحصل البشارة بالكتابة، كما تحصل بالمشافهة.
ولو أرسلت إليه رسولاً بالبشارة، فالمبشِّر [هو] الرسول؛ فلا يقع على المرسلة طلاق، كذا قاله القاضي الحسين، وتابعه البغوي.
قال: وإن قال: من أخبرتني بقدوم زيد، فهي طالق فأخبرته [امرأته بذلك] وهي كاذبة- طلقت؛ لأن الكذب خبر كالصدق.
وفيه وجه آخر: أنه لا يقع الطلاق إذا أخبرته كاذبة، وهو الذي أورده الفوراني.
ووجهه في "التتمة": بأن الباء في اللغة لإلصاق الفعل بالمفعول به، وذلك يقتضي حصول القدوم؛ حتى تخبر به، وصيرورته شرطاً في الإخبار، كما لو قال: من أخبرتني عن كذا بالعربية، تشترط العربية في الخبر.
قال الرافعي: [و] هذا يقتضي أن يكون قوله: من أخبرتني بأن زيداً قدم، كقوله: [بقدوم زيد؛ لوجود حرف الإلصاق.
لكن الفوراني فرَّق بين أن يقول بأن زيداً قدم] فيقع، وبين أن يقول: بقدوم

زيدٍ؛ فلا يقع.
قال الإمام: والفرق حسن.
[ولو] أخبرته ثانية وثالثة، طلقن، سواء كان [ذلك] دفعة واحدة، أو واحدة بعد واحدة؛ لأن اسم الخبر يتناول ذلك كله.
قال: وإن قال: (إن كلمت فلاناً، فأنت طالق، فكلمته مجنوناً، أو نائماً، لم تطلق؛ لأنه لا يكلم عادة؛ فأشبه الميت.
وكذلك الحكم فيما لو كلمته مغمى عليه.
وفي تعليق القاضي الحسين حكاية وجه: أنها تطلق بكلام المجنون، وهو ما حكاه الغزالي، والفوراني، والمتولي، ومجلي.
ووجه ثالث؛ [أنه] إن كان لا يتكلم معه، لم تطلق، وإن كان مجنوناً يتكلم معه، طلقت؛ حكاه في آخر الفصل، وقال الأصح: أنه [لا] يقع، وهو ما حكاه المحاملي في المجموع.
ولو كلمته صبيّاً، فإن كان مثله لا يكلم: كابن سنة، لم يقع الطلاق.
وإن كان [مثله] يكلم؛ وقع، هكذا حكاه القاضي الحسين.
ولو كلمته سكراناً، وقع.
قال الرافعي: والشرط [على] ما نبه عليه في الشامل أن يكون السكران بحيث يسمع ويكلم، وكذا قال في الإبانة، وأنه إذا كان مختلط العقل، بحيث لا يميز ولا يسمع- لم يقع.
وإيراد صاحب "التتمة" يفهم منه إجراء خلاف في المسألة، وأن [مأخذه: أن الكسران] هل يسلك به مسلك الصاحي أم لا؟ فإنه قال: المذهب: وقوع الطلاق؛ لأن السكران يلحق بالصاحي في الأحكام، وإذا كان كذلك، اتجه أن يجيء فيه التفصيل [المتقدم.
ويظهر لي فيما قاله مناقشة؛ من حيث إنه أشار إلى الخلاف في المسألة] واقتضى كلامه أن يكون مأخذه: أن السكران هل يلحق بالصاحي، أو بالمجنون؟

ويقتضي هذا الخلاف أن يقع الطلاق عنده قولاً واحداً.
أما إذا قلنا: إنه كالصاحي، فظاهر.
وأما إذا قلنا: إنه كالمجنون؛ فلأنه جزم بوقوع الطلاق عليها بكلامه إذا كان مجنوناً، [فكذلك إذا] قلنا: إنه كالمجنون ينبغي أن يقع.
ولو هذت في نومها أو إغمائها، لم يقع الطلاق، ولو كانت على صيغة تكليمه؛ لأن هذا لا يسمى تكليماً، وإن سمى: كلاماً.
وإن جنت فكلمته، أطلق ابن الصباغ القول بعدم الوقوع.
ونقل الإمام عن القاضي: أنه [فعل]، ثم قال، وهذا يتخرج على أنها لو أُكرهت على التكليم، هل يقع الطلاق؟ فإن قصد المجنون أضعف من قصد المكره.
وقال القاضي في التعليق: إن كانت حالة الحلف مجنونة، كان هذا محض صفة، فتطلق.
وإن كانت عاقلة، ثم جُنَّت، يحتمل وجهين، وذلك قضية ما في "التتمة".
ولو كلمته مكرهة، نقل القاضي الحسين عن نص الشافعي: أنه لا يقع.
وعن الأصحاب حكاية قولين [لو كلمته سكرانة]: ففي النهاية: [أنه] ينبني على أنها كالمجنونة، أو كالصاحية؟ فإن جعلناها كالصاحية وقع؛ وإلّا فهي كالمجنونة.
وجزم القاضي الحسين بالوقوع، وقال: هذا إذا لم تنته إلى السكر الطافح، فإن انتهت فهذيانها كهذيان النائمة.
قال القاضي: وهكذا نقول في قضاء الصلوات على أصح المذاهب.
قال: وإن كلمته بحيث يسمع، إلّا أنه متشاغل؛ فلم يسمع، طلقت، وكذا لو كان لا يسمع؛ لشغل قلبه؛ لأنه يقال: كلمته فلم يسمع.
ولو خفضت صوتها بحيث لا يسمع- وهو الهمس بالكلام- لم يقع، وإن وقع

في سمعه شيء [وفاقاً]، وفهم المقصود؛ لأنه لا يقال: [إنها] كلمته.
وكذا الحكم لو كلمته من مسافة بعيدة لا يسمع الصوت منها.
ولو اختطف الريح كلامها، [وحمله]، وأوقعه في السمع، قال الإمام: الظاهر أنه لا يقع.
قال: وإن كلمته أصمَّ؛ فلم يسمع؛ للصم، أي: [بحيث لو لم يكن أصمَّ لسمع]- فقد قيل: تطلق؛ لأنها كلمته بحيث يسمح كلامها، وإنما تعذّر السماع؛ لأمر به؛ [فهو] كما لو تعذّر؛ لشغل قلبه.
وقيل: لا تطلق؛ لأن ما جرى ليس بتكليم؛ للصمم؛ فهو في حقه بمثابة الهمس الذي لا يسمعه السّميع، وهذا هو المذهب في تعليق البندنيجي، والصحيح في الشامل والمهذب في كتاب الأيمان، وبه قال أبو إسحاق.
ولو كلمته كلاماً يسمعه مثله، حكى البندنيجي في كتاب الأيمان، أنه يحنث سمع أو لم يسمع.
ولو كلمته وكان هنا كعارض من لغطٍ؛ فلم يسمع السّميع- لأجله- كلامها، قال القاضي الحسين: قال أصحابنا: طلقت.
وعندي: أنها إنما تطلق إذا كلمته كلاماً مثل ذلك الكلام، يسمع في [مثل] تلك الحالة [مع عارض اللغط].
وكذلك قال في الصمم؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يُكلم رجلاً وهناك عارض لغطٍ أو صمم، فإنه يبالغ في الكلام معه أكثر مما يبالغ في الكلام في حالة السلامة، وهذا [ما] حكاه في التهذيب.
وجهاً، وأجراه فيما إذا كان الريح عارضاً أيضاً، وجعله الصحيح.
وقال الإمام: إن كان اللغط بحيث [لو فرض] معه الإصغاء، لأمكن السماع- فيجب القطع بالحنث، وقد ينقدح من هذا نظر في تكليم الأصم إذا كان وجهه إليها،

وهو يعلم أنها تُكلمه.
والوجه ها هنا: القطع بوقوع الطلاق.
وقطع المحاملي بعدم الوقوع، إذا كان الصمم بحيث يمنع السماع أصلاً.
فروع: [أحدها:] لو كلمت حائطاً والمحلوف عليه يسمع كلامها، ففي وقوع الطلاق وجهان محكيان في الذخائر.
ووجه الوقوع: أنه المقصود بالكلام.
[الفرع الثاني:] لو قال: لو كلمت نائماً أو غائباً عن البلد، فأنت طالق، هل يقع الطلاق في الحال؟ فيه قولان ينبنيان على الخلاف في التعليق بالمستحيلات.
قال الرافعي: ويحتمل ألا يقع [الطلاق] حتى تخاطبه مخاطبة المتكلمين.
وبنحو منه أجاب القاضي أبو الطيب فيما إذا قال: إن كلمت ميتاً أو حماراً، فأنت طالق.
[الفرع الثالث:] لو كاتبته، [أو راسلته، أو أرسلت إليه]، [ففيه] خلاف يأتي [إن شاء الله تعالى].
[الفرع الرابع]: لو قال: إن كلمتك، فأنت طالق فاعلمي، فالمذهب: أنها تطلق بقوله: فاعلمي.
ومن أصحابنا من قال: إن وصله باليمين لم تطلق؛ لأنه أراد كلاماً غير اليمين، وهذا من [جملة اليمين].
قال: وإن قال: إن كلمت رَجُلاً فأنت طالق، وإن كلمت طويلاً فأنت طالق، [وإن كلمت فقيهاً فأت طالق]، فكلمت رجلاً طويلاً فقيهاً، طلقت ثلاثاً؛

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل