كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح

صفحات 3-42
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال الواحدي: قال الأزهري: أصل النكاح في كلام العرب: الوطء.
وقيل للتزويج: نكاح؛ لأنه سبب الوطء.
يقال: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينه.
وقال أبو القاسم الزجاجي: النكاح في كلام العرب [بمعنى] الوطء والعقد جميعاً، وموضع (ن ك ح) على هذا الترتيب في كلامهم: للزوم الشيء الشيء راكباً عليه، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة، ينكحها، نكْحاً ونكاحاً- أرادوا: تزوَّجها.
قال ابن جني: سألت أبا عليِّ الفارسي عن قولهم: نكحها، فقال: فرقت العرب فرقاً لطيفاً يعرف [به] موضع العقد من الوطء، فإذا [قالوا: نكح] فلان فلانة أو بنت فلان أو أخته، أرادوا: تزوَّجها، وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح

امرأته أو زوجته، لم يريدوا إلا المجامعة؛ لأن بذكر [امرأته وزوجته] يستغني عن العقد.
واختلف أصحابنا في حقيقته على ثلاثة أوجه، حكاها القاضي الحسين في "تعليقه": أصحها: أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وهذا الذي صححه القاضي [أبو الطيب]، وأطنب في الاستدلال له، وبه قطع المتولي، وهو الذي جاء به القرآن الكريم والأحاديث.
والثاني: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد.
والثالث: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، والله أعلم.
والأصل في مشروعيته- قبل الإجماع-[من الكتاب] قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى﴾ [النور: 32]، وغيرهما من الآيات.
ومن السنة قوله- عليه السلام-: "تَنَاكَحُوا، تَكْثُرُوا"، وقوله: "النِّكَاحُ سُنَّتِي؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي" وغيرهما من الأخبار.
قال: من جاز له النكاح من الرجال، وهو جائز التصرف: فإن كان غير محتاج إليه- أي: لعلةٍ قامت به من مرضٍ أو عجز، أو لم تكن به علة إلا أنه

غير تائق، وغير قادر على مُؤَنِهِ- كره له أن يتزوج؛ لقوله- عليه السلام-: "خَيْرُكُمْ بَعْدَ المِائَتَيْنِ: الْخَفِيفُ الحَاذِ" [قِيلَ: وَمَا الخَفِيفُ الحَاذِ؟ قال: "الَّذِي لا أَهْلَ لَهُ، وَلا وَلَدَ"، يقال: رجل خفيف الحاذ]؛ إذا كان خفيف لحم الفخذين، وكأنه [على] وِزَان قوله القائل: فلان خفيف الظهر، ولأنه يلزم ذمته مغارم قد لا يقوم بها من غير حاجة.
أمَّا إذا كان غير تائق، وهو قادر على مُؤَنه- فال يكره في حقه، ولكن الأفضل [في حقه] التخلِّي لعبادة الله تعالى.
قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من قال: هو مستحب في الجملة تاقت النفس إليه أو لم تَتُقْ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "تَنَاكَحُوا، تَكْثُرُوا"، ونقل الرافعي عن أبي سعد الهروي أنه نقل وجهاً عن الأصحاب مثل مذهب أبي حنيفة- رحمه الله-: أن النكاح أفضل من التخلي لعبادة الله تعالى.
ولو لم يكن مشتغلاً [بالعبادة] فوجهان: أصحهما: أن الأفضل أن ينكح.
وقيل: تركه أفضل.
قال: وإن كان محتاجاً إليه، أي: ووجد أُهْبَتَهُ- استحب له أن يتزوج، أي: سواء كان مقبلاً على العبادة أو لا؛ لقوله- عليه السلام-: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، [عَلَيْكُمْ بِالْبَاءَةِ]؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ"، أي: قاطع لشهوته.

وروى [مسلم]: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ .. " إلى آخره، والوجاء- بالمد-: ترضيض الخصية، والباءة- بالمد- هي: القدرة على مؤن النكاح، وبالقصر: هي الوطء.
قال الجيلي عن "شرح السنن": وأصله الموضع الذي يأوي إليه [المتزوج]، [ومنه اشتق مباءة الغنم، وهو الموضع الذي تأوي إليه].
وفي "المستغرب": أن أصله المنزلن وسُمِّي به النكاح؛ لأن من تزوج امرأة بوّأها منزلاً، وأَنَّ الوطء سمي به على طريق التوسُّع.
قال: ولا يجب عليه أن يتزوج؛ لقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فعلقه على اختيار المرء واستطابته، والواجب ليس كذلك، وقال تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، وذلك لا يجب أيضاً، وفي "شرح مختصر" الجويني أن بعض الأصحاب، قال: إن خاف الزنى وجب عليه النكاح.
وهو ما حكاه الجرجاني في "المعاياة" في كتاب الحج.
قلت: ويتجه بعضَ اتجاهٍ إذا لم يقدر على التسرِّي، أمَّا إذا قدر على التسري [فلا يتعين] النكاح دافعاً لمفسدة الزنى، ونقل القاضي أبو سعد أن بعض أصحابنا بالعراق ذهب إلى أن النكاح فرض على الكفاية، وأنَّه لو امتنع منه أهل قُطْرٍ أجبروا عليه.
أمَّا إذا لم يجد أهبة النكاح فلا يستحب له أن يتزوج، بل يكسر شهوته بالصوم؛ [للحديث السابق]، فإن لم تنكسر بالصوم لم يكسرها بالكافور وغيره، [ولكن يتزوج].
ثم اعلم أن قول الشيخ: "وهو جائز التصرف"، يخرج من ليس بجائز التصرف من الحَكَمَيْنِ عند الحاجة وعدمها، وهو عند عدم الحاجة ظاهر؛ لأنه لا

يكون مكروهاً في حقه، بل غير جائزٍ؛ لأن الولي إنما يتصرف على وجه النظر والمصلحة، ولا مصلحة [له] في ذلك.
وأمَّا عند الحاجة فلا يطَّرد في كل محجور عليه؛ لأن السفيه يستحب في حقه النكاح في الصور التي يستحب فيها للرشيد، ويجب على الولي إجابته إذا طلب، كذلك العبد إذا خشي على نفسه، ولم تندفع شهوته بالصوم يستحب في حقه، ويجب على المولى إجابته على [رأيٍ]، على ما سيأتي.
قال: "والأولى ألّا يزيد على امرأة واحدة"؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129]، ولأنه يحصل المقصود بها غالباً، وفي "الحاوي" في كتاب النفقات إبداء احتمالٍ لنفسه في أن هذا فيما إذا كانت تكفيه الواحدة، أمَّا من لا يقنع بالواحدة- لقوة شهوته- فالأولى به الزيادة؛ ليكون أغض لطَرْفه.
قال: "وهو مخير"- أي: غير المحجور عليه- بين أن يعقد بنفسه وبين أن يوكِّل من يعقد له؛ لأنه- صلى الله عليه وسلم-[قَبِلَ النكاح بنفسه، ووكّل عمرو بن أمية الضَّمْري في قبول نكاح أم حَبِيبة] ووكل في [قبول] نكاح ميمونة.

أمَّا لو وكل العبد أو السفيه من يقبل له النكاح، وجوزنا قبول السفيه بنفسه بإذن وليه-: فإن كان بعد إذن المولى والولي جاز، وإن كان قبل إذنهما لم يجز، قاله في "التهذيب".
وقال ابن كجٍّ: الإذن للسفيه في النكاح [لا يفيد] جواز التوكيل؛ لأنه لم يرفع الحجر إلا عن مباشرته.
تنبيه: يحتاج الموجِب للنكاح إذا كان القابل وكيلاً أن يعين الزوج في الإيجاب، فيقول: زوجت من فلان، ويحتاج الوكيل إلى تعيينه في القبول فيقول: قبلت النكاح لفلان أوله، فلو لم يقل: له، فعلى الوجهين فيما إذا قال الزوج: قبلت، ولم يقل: نكاحها.
قال مجلي: وها هنا أولى بالبطلان؛ لأنه ليس مخاطباً حتى ينعطف قوله: قبلت، على الخطاب، ويكون جواباً، بخلاف الزوج، ولا يحتاج إلى ذكر الوكالة في العقد، لكن الشرط- على ما حكاه المتولي- علم الولي [بها].
فرع: لو قال: زوجت ابنتي منك، فقال: قبلت نكاحها لفلان- لم ينعقد.
وإن قال: قبلت نكاحها، ونوى أن يقبله لموكِّله- وقع العقد للوكيل، ولم ينصرف للموكِّل بالنية.
وفي البيع لو قال: بعت منك، فقال: ابتعت لفلان- لم يصح، على أحد الوجهين في "التهذيب" و"التتمة" كما حكيناه ها هنا.
ولو قال: بعت منك، فقال: اشتريت، ونوى موكِّله- صح، ووقع العقد له.

ولو قال: بعت من فلان، فقال الوكيل: قبلت [له]- لم يصح، على ما حكاه في "التهذيب" هاهنا، وهو ما حكيته في كتاب الوكالة عن الشيخ أبي بكر، وأنه الذي اختاره الإمام، وأن الشيخ أبا محمد حكى فيه وجهين، وأيَّد وجه [الصحة بالنكاح] وفرّق الأصحاب بينه وبين النكاح بوجهين: أحدهما: أن الزوجين في النكاح بمثابة الثمن والمثمَّن في البيع، بدليل أنَّه يشترط [بقاؤهما لبقاء] العقد، ولابد من تسمية الثمن والمثمن في البيع؛ فلابد من [تسمية الزوجين] في النكاح.
والثاني: أن البيع يَرِدُ على المال، وأنه يقبل النقل من شخصٍ إلى شخصٍ؛ فيجوز [أن يقع] العقد للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكِّل، والنكاح يَرِدُ على البُضْع، و [أنه لا] يقبل النقل؛ ولهذا لو قبل النكاحَ وكالةً عن غيره، وأنكر ذلك الغيرُ الوكالةَ- لا يصح النكاح.
ولو اشترى بالوكالة، وأنكر [الموكل] الوكالة- وقع العقد للوكيل.
وهذا كله؛ لأن التزويج يقع من الموكِّل لا من المخاطِب، والبيع يتعلق بالمخاطِب دون من له العقد؛ ولهذا لو قال لوكيله: زوِّجْها من زيد، فقبل النكاح لزيد وكيله [صحّ]، ولو قال: بع من زيد، فباع من وكيل زيد لا يصح.
واعترض الشيخ مجلي على ذلك، فقال: وهذا على إطلاقه لا يصح، بل كان صورة صحّ فيها البيع لزيد- إمَّا بأن نسميه، أو [نقصده]- فإنه يصح، وكل موضع يئول [الأمر] إلى أن يجعل العقد للمشتري ينبغي ألا يصح.
قلت: والوجه حمل ما قاله الأصحاب على ما إذا بدأ وكيل البائع بالإيجاب، فقال: بعت منك، وقال وكيل المشتري: اشتريت لموكلي، وجوزناه، أو قال: اشتريت، ونوى موكله؛ لأن إيجاب وكيل البائع فاسد؛ لأنه لم يأذن [له] في البيع من غير زيدٍ، وقبول وكيل زيد مترتب على إيجاب فاسد؛ [فيكون فاسداً]، وحمل ما قاله مجلي على ما إذا بدأ وكيل المشتري بشِقِّ القبول،

فقال: اشتريت لزيدٍ، فقال وكيل البائع: بعتك؛ إذ لا مانع من الصحة.
قال: "ولا يجوز أن يوكل إلا من يجوز أن يقبل العقد لنفسه؛ لأنه إذا لم يملكه لنفسه ففي حقّ غيره أولى.
تنبيه: قول الشيخ: "يجوز أن يقبل العقد لنفسه": إن أراد به جواز نكاحه للتي وكل في قبول نكاحها، ورد عليه جواز توكيل أخي المرأة في قبول نكاحها إذا كان الولي الأب، وتوكيل الموسر في قبول نكاح الأمة، كما حكاه الرافعي قبيل كتاب الصداق.
وإن أراد ممن يصح منه أن يتزوج؛ ليحترز به عمن لا يجوز نكاحه كالمحرم وغيره- وَرَدَ عليه أن الكافر الذي يصح منه أن يتزوج لا يصح توكيله في قبول نكاح المسلمة، على ما حكاه ابن الصباغ في كتاب الوكالة، والرافعي قبل كتاب الصداق، على أن الإمام في كتاب الخلع حكى أن المسلم يجوز له أن يوكل الذمي في تزويج المسلمة من مسلم على المذهب الظاهر، وإذا جاز ذلك في الإيجاب ففي القبول أولى.
[وإن أراد] به نوع من وكل في قبول نكاحها [ورد عليه جواز توكيل الموسر في قبول نكاح الأمة].
قال: وإن وكل عبداً فقد قيل: يجوز؛ لأنه صحيح العبارة بدليل صحة قبوله لنفسه بإذن سيده، وإنما الحجر عليه لحق السيد؛ فوجب أن يصح تصرفه فيما لا ضرر على السيد فيه، وقبول النكاح لا ضرر على السيد فيه.
قال: "وقيل: لا يجوز؛ لأنه لا يصح أن يكون وكيلاً في الإيجاب؛ فلا يكون وكيلاً في القبول كالصبي"، واختلف الأصحاب في محل القولين: فمنهم من قال: محلهما إذا كان بغير إذن السيد، أمَّا إذا أذن السيد فيجوز قولاً واحداً، وإليه أشار في "التهذيب".
ومنهم من قال: محلهما إذا كان بإذن السيد، أمَّا إذا كان بغير إذن السيد فلا يجوز قولاً واحداً، وهو ما حكاه ابن الصباغ في كتاب الوكالة.
ومنهم من أجراهما مع وجود الإذن وعدمه.

وفي "الجيلي": أن منهم من أجراهما في جانب الولي، أمَّا في جانب الزوج فيجوز قولاً واحداً، وأنَّ الأصح الجواز مطلقاً، وكذلك حكاه النووي.
فروع: يجوز توكيل السفيه بقبول النكاح، وهل يفتقر إلى إذن الولي؟ فيه وجهان، قاله البغوي.
وهذا منه تفريع على أن السفيه يصح أن يقبل لنفسه بإذن وليه.
الفاسق يجوز أن يقبل النكاح لنفسه على الأصح، وفيه وجه حكاه الرافعي عند الكلام في ولاية الفاسق: أنّه لا يجوز أن يقبل لنفسه؛ بناءً على أنّه لا يكون وليّاً، والمشهور الأول، وهل يجوز أن يقبل لغيره؟ قال في "التهذيب": يجوز.
وقد حكيت في باب الوكالة عن المحاملي وغيره أنه لا يجوز، وهو ما حكاه ابن يونس.
ثم لو قال للوكيل: اقبل لي نكاح أي امرأة شئت، ففي صحة ذلك وجهان حكيتهما في باب الوكالة.
قال: "والمستحب ألا يتزوج إلا من يجمع الدين والعقل": أمَّا اعتبار الدين؛ فلما روى [مسلم] أنه- صلى الله عليه وسلم- قال: "تنكح المرأة لأربع: لِمَالِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، وَلِحَسَبِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" أي: افتقرت إن خالفت أمري في ذلك؛ لأن "ترب" بمعنى: افتقر، و"أترب" بمعنى: استغنى.
وقيل: إنه- عليه السلام- تكلم به على عادة العرب على طريق الدعاء.
ونقل الجيلي عن بعضهم أن "تربت يداك" أي: استغنت يداك، وأنه جعل "ترب" و"أترب" بمعنىً واحدٍ.

وأمَّا اعتبار العقل؛ فلأن القصد بالنكاح طول العشرة وطيب العيش، ولا يكمل ذلك إلا مع العاقلة؛ ولهذا المعنى استحب- أيضاً- أن تكون جميلة، وليس استحباب ذلك مأخوذاً من الحديث السابق؛ لأنه- عليه السلام- أخبر أن الواقع في الوجود جريان النكاح للأمور الأربعة، وحثّ على مراعاة وصف الدين؛ فلا يكون ذِكْره لما عداه دليلاً على استحباب ذلك.
ويستحب مع ما ذكرناه أن تكون [حسيبة، وأن تكون] بكراً إذا لم يكن به عذر؛ لأن الأبكار أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير، ومعنى: "أنتق أرحاماً" أي: أكثر أولاداً.
قاله القتبي.
وأن تكون ولوداً، وأن تكون غير قريبةٍ؛ كي لا يخلق الولد ضاوياً، أي: ضعيفاً؛ لأن شهوته لا تتم على قريبته.
وقال ابن الصباغ قبل باب الاختلاف في المهر من كتاب الصداق: لأن الولد يكون الغالب عليه الحمق.
وقد وردت الأخبار دالَّة على جميع ما ذكرناه.
فائدة: يستحب لمن رغب في نكاح امرأة أن ينظر إليها [مكرّراً؛ ليتأملها، بإذنها وبغير إذنها]؛ لما روى عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة، فقال له- عليه السلام-: "انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا"، أي: يجعل بينكما المودة والألفة.

وحكى الإمام وجهاً: أنه مباح مجرد، فإن لم يتيسر النظر إليها بعث إليها امرأة تتأملها وتصفها له، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم الذي يباح النظر إليه منها الوجه والكفان ظهراً وبطناً (أ) مع خوف الفتنة ودونها.
وحكى الحناطي في جواز النظر إلى المفصل الذي بين الكف والمعصم وجهين.
وفي "شرح" الجويني وجه: أنهي نظر إليها نظر الرجل إلى الرجل.
وأمَّا وقت النظر فبعد العزم على نكاحها وقبل الخطبة، وفيه وجهان آخران: أحدهما: ينظر إليها حين تأذن في عقد النكاح.
والثاني: عند ركون أحدهما إلى صاحبه، وذلك حين تحرم الخِطْبة على الخطبة.
قال: "فإن لم يكن جائز التصرف، فإن كان صغيراً، ورأى الأب أو الجد"- أي: أب الأب- عند عدم الأب تزويجَهُ، زوجه؛ لأن ابن عمر- رضي الله عنه- زوج ابناً له صغيراً، ولأنّ فيه حظّاً له، وهو أن يألف حفظ الفرج حين بلوغه، ولأنه لمَّا كان لهما ولاية تزويج الصغيرة، مع أنها تبقى في قهر الزوج أبداً- فَلَأَنْ يكون لهما تزويج الصغير مع تمكنه من الخلاص بالطلاق عند البلوغ أولى، وهل يجب [ذلك؟ أبدى] الإمام فيه تردداً، وكذلك في وجوب تزويج الصغيرة عند ظهور الغبطة، وهو في الصغير أظهر.
وهل له أن يزوجه بأكثر من امرأة [واحدة]؟ فيه طريقان:

أحدهما: أنه على قولين، وقيل: وجهين.
والطريق الثاني: أنه يجوز قولاً واحداً، وهو المنصوص، هكذا حكاه مجلي.
ثم كيفية القبول له والإيجاب كما ذكرناه في الوكيل.
فرع: لو كان الصغير ممسوحاً، حكى الرافعي عن الشيخ أبي محمد: أنه خرّج جواز إنكاحه على وجهين.
قال: "وإن كان مجنوناً"، [أي: كبيراً]، فإن كان يفيق في وقت لم يزوج إلا بإذنه؛ لأن له حالة استئذان، فلا يجوز تفويتها عليه؛ كالعاقل، وفي قول الشيخ: "لم يزوج [إلا بإذنه"، فائدتان: إحداهما: عدم ثبوت الولاية عليه في التزويج.
والثانية: أنه لو أذن، ثم جُنَّ قبل التزويج- بطل الإذن؛ فلا يزوج] إلا بإذن جديد؛ لأن الإذن يبطل بالجنون كما تقدّم في الوكالة، وقد صرح بذلك صاحب "التهذيب"، وحكى في "الذخائر" وجهين آخرين: أحدهما: أنه يزوجه وليه عند الحاجة في زمن جنونه وفي زمن إفاقته بغير إذنه، ويجعل كالمُطْبِق.
والثاني: إن كان زمن إفاقته أقل زوَّجه، وإن كان أكثر لم يزوجه.
ثم على هذا: لو كانا متساويين فمنهم من يقول: يجوز، ومنهم من يقول: لا.
قال: وإن كان لا يفيق- أي: وقد بلغ مجنوناً- وهو محتاج إلى النكاح- زوَّجه الأب أو الجد، أو الحاكم- أي: عند عدمهما- وجوباً عليهم عند مسيس الحاجة؛ لأن [في] ذلك رعاية لمصلحته، وحفظاً لدينه، وهل يحتاج الحاكم إلى مشورة الأقارب؟ فيه وجهان حكاهما البغوي.
وقيل: لا يزوجه إلا الحاكم؛ كما في البنت البالغة المجنونة، حكاه مجلي.
ثم الحاجة تقع من وجهين: أحدهما: أن تظهر رغبته في النساء؛ بأن يحوم حولهن، ويتعلق بهن، وما أشبه ذلك.
والثاني: أن يحتاج إلى امرأة تتعهَّدُه وتخدمه، ولا يوجد في محارمه من تقوم

بهذا الشغل، وتكون مؤنة النكاح أخفّ من مؤنة شراء أمة ومؤنتها، كذا حكاه البغوي وآخرون.
قال الرافعي: ولك أن تقول: إذا لم يجب على الزوجة خدمة الزوجة وتعهُّدُه، فكيف تزوج منه بهذا الغرض؟! وربما تمتنع [المرأة] وإن تَخَلفَ، ولا تفي إن وعدت، وربما يلتحق بالوجهين ما إذا تُوُقِّعَ شفاؤه.
أمَّا إذا بلغ عاقلاً ثم جُنّ، فهل يزوجه الأب أو الجد، أو الحاكم؟ ينبني على عود الولاية إلى الأب، إن قلنا: تعود، زوجه الأب أو الجد، وإلا زوّجه الحاكم، كذا حكاه مجلي والمتولي.
وأمَّا المجنون الصغير ففي وجهٍ: يُزَوَّج منه كما يزوج من البالغ، وعلى هذا فلا يتولاه [إلا] الأب والجد، والمذهب الظاهر منع التزويج منه؛ لأنه لا حاجة إليه في الحال، وبعد البلوغ لا يُدْرَى كيف يكون الأمر، بخلاف الصغير العاقل؛ فإن الظاهر حاجته إلى النكاح بعد البلوغ، ولا مجال لحاجة التعهد والخدمة؛ فإن الأجنبيات يجوز أن يقدمْنَ [على خدمته]، وفي "الذخائر" طريقان آخران: أحدهما: ذكر وجهين.
والثاني: أنه يجوز قولاً واحداً.
ومتى جاز التزويج من المجنون فلا يُزَوَّجُ إلا امرأةً واحدة.
قال: وإن كان سفيهاً- أي: محجوراً عليه- وهو محتاج إلى النكاح، زوجه الأب أو الجد، أو الحاكم، كما سبق في المجنون، وهذا إذا بلغ سفيهاً، أمَّا إذا بلغ رشيداً، ثم أُعيد الحجر عليه- فأمر نكاحه متعلق بالسلطان.
وذكر أبو الفرج الزَّارُ فيما إذا بلغ سفيهاً هل يزوجه الأب والجد أو السلطان- وجهين.
وأطلق ابن كجٍّ: أنه يزوجه الحاكم، وأنه إن جعله في حجر إنسان زوجه الذي في حجره.
وقالا لإمام: إن فوض إلى القيِّم التزويج زوج، وإلا فلا.
وهل يعتبر إذن السفيه؟ قال العراقيون: لا يعتبر عند ظهور حاجته، كما في شراء الطعام له.

وقال الخراسانيون: الصحيح أنه يعتبر؛ لأنه حرٌّ مكلف، والعبد لا يملك السيد إجباره على الصحيح، فكيف الحر المكلف؟! قاله المتولي.
ومعنى الحاجة: أن تكون به شهوة أو يحتاج إلى من يخدمه، ولم توجد ذات رحم محرم، وكانت [مؤنة] الزوجة اخف من ثمن جارية ومؤنتها، وقد تقدّم السؤال على ذلك.
قال المتولي والبغوي: ولا نكتفي بقوله: إنه محتاج، حتى يعرف ذلك بطبعه؛ لأنه قدي ريد [به] إفساد المال.
واكتفى الإمام والغزالي بقوله؛ لأنه أعرف بدواعيه.
ولو لم يكن به حاجة لم يزوج للمصلحة، وروى الإمام وجهاً: أنه يجوز التزويج منه بالمصلحة كالصبي؛ لأن العاقل لا يبعد أن تحنِّكه التجارب، بخلاف المجنون.
وهل يزوج بأكثر من [امرأة] واحدة؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه لا يجوز قولاً واحداً، وهو ما حكاه صاحب "التهذيب" و ["التتمة"].
والثاني- قال في "الذخائر": وهو الصحيح-: أنه على قولين كالصبي، والله أعلم.
قال: "فإن أذنوا له، فعقد بنفسه جاز"؛ لأنه مكلف صحيح العبارة، والنكاح غير مقصود بالحجر عليه، وإنما منع من التزويج [بغير الإذن] صيانة لماله؛ لأنه يفتقر إلى مُؤَن مالية، فلا يؤمن الإسهاب فيها، فإذا أذن له الولي زال المانع، كالعبد إذا أذن له السيد، وفيه وجه: أنَّه لا يجوز كالصبي.
وعلى المذهب فلابد أن يُعيّن له امرأة بعينها، أو نوعاً بأن يقول: تزوج من بني فلان، أو إحدى بنات زيدٍ، أو يقدر المهر.
وفي "الحلية" للشاشي حكاية وجهٍ: أن تعيين المرأة لابدّ منه، فلو أطلق الإذن فطريقان:

أحدهما: القطع بأنه يلغو.
والطريق الثاني: أن فيه وجهين، اصحهما- وبه قال ابن القطان-: أنه يكفي، ولا حاجة إلى التقييد؛ كما لو أذن السيد لعبده في النكاح، فإنه يكفي الإطلاق.
وفرق القائل الأول بينه وبين العبد: أن الشريفة تمتنع من نكاح العبد؛ فيؤمن المحذور، وهو كثرة المهر، بخلاف السفيه.
فرع: لو قال: انكِح من شئت بما شئت، قال بعضهم: إنه يبطل الإذن؛ لأنه رفع [للحجر] بالكلية، وإذا عين له امرأة لم يجز له نكاح غيرها، ولينكحها بمهر مثلها أو دونه، فإن زاد ففيه كلام يأتي في كتاب الصداق.
وفيه وجه: أنه يجوز [له] أن ينكح غيرها بمهر مثل المعينة أو دونه، إذا جوّزنا الإذن المطلق.
ولو قال: أنكِح [واحدة] من بني فلان، كان له أن ينكح واحدة منهن بمهر المثل.
ولو قدّر المهر، فقال: أنكح بألفٍ، ولم يعين امرأةً، فنكح امرأة بألفٍ، وهو مهر مثلها أو أقل- صح بالمسمّى، وإن كان أكثر صحب مهر المثل، وسقطت الزيادة.
وإن نكح بألفين: فإن كان مهر مثلها أكثر من ألف لم يصح النكاح، وإن كان ألفاً أو أقل صح على المذهب بمهر المثل، وسقطت الزيادة.
ولو قال: تزوج بألف ولا تزد، فنكح بألفين- قال مجلي: حكى الغزالي عن أبي المعالي: أنه لا يصح النكاح، وقال الغزالي: هذا لا يخلو عن إشكالٍ.
ولو جمع بين تعيين المرأة وتقدير المهر، فقال: أنكِح فلانة بألفٍ-: فإن كان مهر مثلها دون الألف فالإذن باطل، وإن كان ألفاً: فإن نكحها بألف أو بأقل صح النكاح بالمسمى، وإن زاد صح على المذهب بمهر المثل، وسقطت الزيادة، وإن كان مهر مثلها أكثر من ألف: فإن نكح بألف صح المسمّى، وإن زاد لم يصح النكاح، قاله في "التهذيب".
ولو أطلق الإذن، وجوزناه، فتزوج بأكثر من مهر المثل- صح النكاح، وسقطت الزيادة.
وإذا تزوج بمهر المثل أو أقلّ صح بالمسمّى.
نعم، لو نكح شريفة يستغرق

مهرها ماله فوجهان، اختيار الإمام منهما: المنع، وانه لا يصح نكاحه إلا إذا وافق المصلحة.
فروع: إذا التمس السفيه النكاح مع ظهور أمارة الحاجة إن اعتبرناه، أو دونه إن لم نعتبره- فعلى الولي الإجابة كشراء الطعام والشراب.
قال مجلي: وقد ذكر الغزالي أنه نقل عن الشافعي- رضي الله عنه- أنه قال: "إذا دعا للنكاح لا يزوجه الولي"، ثم قال: "وهذا محمول على ما إذا كان الولي غير الأب والجد"، [أي]: من وصي أو قيم، ثم قال: وهذا فيه نظرٌ؛ لأن الولاية على السفيه- إذا بلغ سفيهاً- تكون للأب والجد والوصي من جهتهما، [والحاكم]، وكل واحد من هؤلاء إذا ثبتت ولايته، له التزويج، لا نعلم فيه خلافاً على المذهب؛ فالوجه- إن صح النقل- حمله على ما إذا لم يكن به حاجة إلى النكاح، وعلى المذهب لو امتنع من تزويجه]، فتزوج بنفسه- أطلق الأصحاب فيه وجهين: أصحهما عند المتولي: أنه لا يصح، واستدرك الإمام وتابعه الغزالي فقالا: إذا امتنع فيراجع السلطان، فإن خفت الحاجة وتعذرت مراجعة السلطان، فحينئذ في استقلال السفيه الوجهان، ولو تزوج من غير مراجعة الولي لم يصح.
وقال الجيلي: [على الأصح].
وذلك يدل على ذكر خلاف فيه، ولم أره في غيره.
فلو دخل بها فلا حدّ، ولا يجب المهر على الأصح، سواء كانت عالمة أو لم تكن؛ لأنها مفرِّطة بعدم البحث؛ كمن باع من مفلس.

وقيل: يجب؛ لأنه أتلف البضع.
قال مجلي: والوجهان مبنيان [على القولين فيما إذا أذن الراهن للمرتهن في وطء الجارية المرهونة، فوطئ] على ظن الحلّ.
قال المتولي: هما مبنيان على العبد إذا نكح بغير إذن سيده ووطئ، وفيه قولان: فإن قلنا: يتعلق برقبة العبد، فقد جعلناه جنايةً؛ فيلزم في مال السفيه، وإن قلنا: يتعلق بذمة العبد، فالمذهب: أنه لا يلزمه شيء؛ لأنّا جعلناه دَيْناً بالرضا، ودين الرضا لا يثبت في حقّ السفيه.
فإن قلنا: لا يجب المهر في الحال، قال مجلي: "فهل يجب إذا فك الحجر عنه؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يجب، فماذا يجب"؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب مهر المثل.
والثاني: يجب أقل ما يستباح به البضع؛ ليقع التمييز بينه وبين السفاح، قاله في "التهذيب".
وقال مجلي بدل هذا الوجه: [يجب] أقل ما يُتموَّل في العادة.
[قال الغزالي: وفيه إشكال، ولكن أقرب ضابط: [ما له نفع] محسوس في العادة]، ولا يعد مشتريه سفيهاً.
ووجه إشكاله: أن الحبة الواحدة لا تتمول في العادة، ولا يصح إفرادها بالعقد، ويعد مشتريها سفيهاً، ولكن لو أتلفها متلف ضمنها، على المشهور من المذهب.
ولو اشترى صخرةً على رأس جبلٍ، أو جرّة من ماء على بحر- صح العقد، وإن كان سفيهاً.
هذا آخر كلامه، وما قاله من أنه لو أتلفها متلف ضمنها على الشهور، غير مسلَّم؛ فإن المشهور: أنه لا يضمنها.

ولو أقرّ السفيه بالنكاح لم يقبل؛ لأنه ليس ممن [يباشر] بنفسه، قاله البغوي.
وهذا يشكل بإقرار المرأة، وما فيه من التفصيل والخلاف، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
قال: وإن [كان يكثر] الطلاق سُرى بجاريةٍ، هكذا يوجد في أكثر النسخ، وحكى النووي: أن الذي ضبطه عن نسخة المصنف: [سُرِّي جاريةً، وهو الصواب، وأنه ضبط عن نسخةٍ للمصنف]: كثير الطلاق، وأن ما ذكرناه مع ما ذكره صحيحان.
و"سُرِّي": بضم السين، وهي مشتقة مِمَّاذا؟ سيأتي الكلام فيه في كتاب الأيمان.
وإنما قلنا: إنه يُسَرَّى جاريةً؛ لأنه أصلح له؛ إذ لا ينفذ إعتاقه، فلو تبرم بها أبدلت [له].
قاله الرافعي في كتاب الحجر.
ومعنى كثرة الطلاق: أن يزوجه ثلاث نسوةٍ على التدريج فيطلقهن، كذا حكاه القاضي الحسين في "التعليق" في باب ما يجوز للوصي أن يفعله في مال اليتيم من كتاب الوصية.
وحكى البندنيجي وصاحب "البحر" في هذا الموضع ما يخالف ذلك: أمَّا البندنيجي فإنه قال: إذا زوجه واحدة فطلقها، ثم أخرى فطلقها- سرَّاه جاريةً.
وأمَّا صاحب "البحر" فإنه حكى وجهين: أحدهما: أن يطلق ثلاث مرات.
والثاني: أن يطلق مرتين.
فإن أراد بذلك نفس الطلاق كان مخالفاً لما قالاه، وإن أراد به المطلقات، فهو راجع إلى ما حكيناه، والله أعلم.
قال: "وإن كان [عبداً] صغيراً زوجه المولى"؛ لأنه ليس أهلاً للتصرف فقام مقامه، كما يقوم مقام ولده الصغير.
وقيل: فيه قولان؛ كالبائع، وهذا ما رجحه النووي، وحكم المجنون حكم

الصغير، ذكره المتولي والبغوي.
فرع: لو كان للمرة عبد صغير، فأذنت في تزويجه، فيزوجه من يزوجها، أو من أذنت له [في التزويج]؟ فيه وجهان منقولان في "الذخائر".
قال: "وإن كان كبيراً تزوج بإذن المولى" أي: سواء كان المولى رجلاً أو امرأة، مسلماً أو كافراً، على ما حكاه الإمام؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "أَيُّمَا مَمْلُوكٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلَاهُ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ"، ويروي: "فَهُوَ عَاهِرٌ"، قال الترمذي وهو حسنٌ.
و"المولى" ينظم: الرجل والمرأة، والمسلم والكافر؛ فدلّ الحديث بمنطوقه على عدم الصحة عند عدم الإذن، وبمفهومه على الصحة عند وجود الإذن.
[و] لأن عبارته صحيحة، وإنما الغرض تحصيل رضا السيد؛ لأن حقوق النكاح تتعلق بمنفعته ورقبته، ومنفعته ملك للسيد؛ ولذلك يصح إذن المرأة لعبدها في التزويج، وإن لم يكن لها عبارة في النكاح.
وقيل: إذا كان لامرأة لا يصح نكاحه إلا بإذن وليها.
ويجوز أن يكون الإذن مقيّداً [بامرأة] بعينها، أو بواحدة من القبيلة أو البلد، ويجوز أن يكون مطلقاً، وإذا قيد فعدل العبد عن النكاح المأذون فيه لم يصح.
وحكى الحنطي وجهاً: أنّه لو كان قد نصّ على المهر، فنكح غير المعينة بذلك المهر أو أقل- صحّ النكاح.
وهذا الوجه مثل الوجه المحكى عن ابن كجّ في الإذن للسفيه، وقد تقدم، وإذا أطلق الإذن فله نكاح حرّة أو أمة في تلك البلد أو غيرها، لكن للسيد منعه

من الخروج إلى تلك البلد.
فرعان: أحدهما: لو رجع عن الإذن، ولم يعلم العبد به حتى نكح فهو على الخلاف في عزل الوكيل.
الثاني: لو طلق العبد [بعد] ما نكح بإذن السيّد، لم ينكح أخرى إلا بإذنٍ جديد، ولو نكح نكاحاً فاسداً فهل له أن ينكح أخرى؟ فيه خلاف مبني على أن الإذن [هل] يتناول الفاسد أم [لا، و] يختص بالصحيح؟ وهذا أصل سيأتي في الصداق إن شاء الله تعالى.
قال: وهل للمولى- أي: الموافق له في الدين- أن يجبره على النكاح؟ فيه قولان: أحدهما- وهو القديم-: نعم؛ لأنه مملوك له يملك بيعه وإجارته، فملك تزويجه بغير رضاه كالأمة.
والجديد: المنع؛ لأنه يملك رفع النكاح بالطلاق، فكيف يجبر على ما يملك رفعه؟! وأيضاً: فإن النكاح يُلزِم ذمّة العبد مالاً فلا يجبر عليه كالكتابة، ويخالف الأمة؛ فإنه يملك منفعة بضعها، فيورد العقد على ما يملكه، وهاهنا [مُسْتَمْتَعُهُ] ليس ملكاً له.
أمَّا إذا كان العبد مسلماً والمولى كافراً، فهل له إجباره؛ إذا رأينا للمسلم إجبار العبد [المسلم]؟ فيه الوجهان الآتي ذكرهما فيما لو كان السيد مسلماً، وله أمة كافرة، هل يملك تزويجها على ما حكاه الإمام؟ ومعنى الإجبار: أن يقبل لعبده البالغ النكاح بغير إذنه، أو يكرهه على القبول، ويصح؛ لأنه غير مبطل [في الإكراه]، قاله في "التهذيب"، وقال في "التتمة": قبول بالقهر لا يصح.
فرع: حيث قلنا: للسيد إجبار العبد، فلو أقر على العبد بالنكاح قبل منه، كما

في [حق] ابنته، قاله المتولي والبغوي.
قال: "وإن طلب العبد النكاح، فهل يجبر المولى عليه؟ فيه قولان:" أصحهما: أنّه لا يجبر؛ لأنه يشوِّش عليه مقاصد الملك وفوائده، فلا يجبر عليه كنكاح الأمة.
والثاني: يجبر على إنكاحه؛ لأنه مكلف دَعَا إلى نكاحه لحاجته، فكان على وليه إنكاحه كالمحجور عليه بالسفه، ولأن المنع من ذلك يوقعه في الفجور.
فعلى هذا: الحكمُ فيما إذا امتنع السيد كالحكم في السفيه إذا دعا إلى النكاح وامتنع الولي، وحكى الوزير ابن هبيرة في كتابه الذي حكى فيه ما أجمع عليه الأئمة الأربعة، وما اختلفوا [فيه]: أن على قول الإجبار يجبر على أن يزوجه أو يبيعه.
وهو حسنٌ.
وقد بنى بعضهم الخلاف في وجوب إجبار [السيد على الخلاف في وجوب إجبار] العبد: إن أجبر العبد لم تجب الإجابة، وإلَّا وجبت، [وعكس ذلك أبو الفرج السرخسي فقال: إن أوجبنا على السيد الإجابة إذا طلب العبد لم يجبر العبد، وإلا أُجبر كالأمة.
وأشار بعضهم إلى تخصيص الخلاف في وجوب الإجابة على السيد، [بقولنا: إن السيد] لا يجبر عبده على النكاح، أمَّا إذا أجبره فيبعد أن يقال: إن العبد أيضاً يجبر السيد.
قال الرافعي: والأصح ترك البناء من الطرفين.
وحكم المدبَّر والمعلق عتقه بصفةٍ حكم القن، ومن بعضه حرٌّ وبعضه رقيق لا يجبر على النكاح، ولا يستقل به، وهل يجاب إذا طلب؟ فيه الخلاف المذكور في القن.
والمكاتب لا يستقل بالنكاح، ولا يجبره السيد، لخروجه عن تصرفه، [ولو نكح بإذن السيد فطريقان: أحدهما: أنّه على الخلاف في تبرعاته بإذن السيد.
وأصحهما: القطع بالصحة، وهو ما حكاه الشيخ في باب الكتابة؛ لأن حقوق النكاح وإن تعلقت بكسبه فلها عوض ينتفع به؛ فصار كالطعام يشتريه

فيأكله]، وعلى هذا: فلو طلب من السيد، فوجوب الإجابة مخرَّج على الخلاف في القن، وأولى بأن يجب؛ لأنه لا يتضرر بنكاحه؛ لانقطاع حقه عن أكسابه في الحال، والعبد المشترك هل لسيده إجباره؟ وهل على سيده إجابته؟ فيه الخلاف المذكور في الطرفين.
ولو دعاه أحدهما إلى النكاح، وامتنع الآخر والعبد، فلا إجبار، ولو طلب أحدهما مع العبد وامتنع الآخر، فمن قال: يجبر- إذا كان كاملاً له- فها هنا أولى، ومن قال: لا يجبر، ثمَّ، فها هنا وجهان كالمكاتب.
هكذا ذكره صاحب "العُدَّة"، وحكاه ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامدٍ، ثم قال: وهذا بعيد؛ لأنه يملك نصفه ملكاً تامّاً، بخلاف المكاتب، وأيضاً يبطل بمن نصفه حرٌّ إذا طلب النكاح؛ فإن الحرية فيه أكثر من موافقة الآخر.
فرع: عبد الصبي والمجنون والسفيه [لا] يجبره وليه، وفيه وجه: أنه يجوز؛ لأن المصلحة قد تقتضيه، ولو طلب العبد التزويج فحكمه مع الولي كالحكم مع السيد.
واعلم أن من جملة المحجور عليهم المفلس، ونكاحه صحيح؛ لأنه ليس عليه في النكاح حجرٌ، ولكن لا تعطى الزوجةُ مُؤَنَ النكاح مما في يده؛ لأن حقّ الغرماء قد تعلق به فصار كالمرهون في يد المرتهن، وإنما لم يذكره الشيخ؛ لأنه تكلم [ها هنا] في المحجور عليه الذي [لا] يستقل بالنكاح، لا في مطلق المحجور عليهم، وبهذا يقع الجواب عمن عداه من المحجور عليهم، [والله أعلم].
فصل: ومن جاز لها النكاح من النساء، فإن كانت لا تحتاج [إليه] كره لها أن تتزوج؛ لما ذكرناه في حق الرجل؛ لأنها تتقيد بالزوج، وتشتغل عن العبادة.
قال: "وإن كانت محتاجة إليه"- استحب لها أن تتزوج؛ لما ذكرناه من حيث إن فيه تحصين الدين، وصيانة [الفرج]، والترفُّه عن النفقة وغيرها.
قال: "وإن كانت حرَّةً"- أي: وهي مكلفة- ودعت إلى كفءٍ- وجب على

الولي تزويجها، أي: سواء كانت بكراً أو ثيباً، بمهر المثل أو دونه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232]، والعضل هو المنع، وهو يزول بالتزويج، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعلي- كرم الله وجهه-: "ثَلَاثٌ لَا تُؤَخِّرْهَا: الصَّلَاة إِذَا دَخَلَ وَقْتُهَا، وَالْجِنَازَة إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّم إِذَا وَجَدَتْ كُفْئاً"، وفيه وجه: أنها إذا كانت بكراً لا يجب على الولي الإجابة، ولا يأثم بالامتناع؛ لأن الغرض يحصل بتزويج السلطان، ولأنها [مجبرة] من جهة الأب والجد، فكيف [نجبرهما] [على النكاح]؟! هكذا حكاه الرافعي، وحكاه الجيلي على الإطلاق من غير فرق بين البكر والثيب.
فرعان: أحدهما: البكر إذا عيَّنت كفئاً، وأراد الأب تزويجها من كفءٍ آخر- فأظهر الوجهين: أنه لا يجب تزويجها ممن عينته، وهو ما حكاه في "التهذيب"، وفي كلام الشيخ إشارة إليه حيث قال: "وجب على الولي تزويجها"، [ولم يقل: تزويجها] منه.
الثاني: لو التمست الصغيرة التزويج في أوان إمكان الشهوة، ففي وجوبه وجهان.
قال: "وإن كانت بكراً جاز للأب والجد تزويجها" أي: من كفءٍ بغير إذنها، صغيرة كانت أو كبيرة، بمهر المثل؛ لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا"، والبكر هي العذراء الباقية على حالتها الأولى، وصاحبة

البكارة، والجمع: أبكار، والمصدر: البَكَارة، بالفتح.
ثم ما ذكرناه فيما إذا لم يكن بين الأب وبينها عداوة ظاهرة، أمَّا إذا كانت فقد قال ابن كجّ في كتابه: ليس له إجبارها على النكاح.
هكذا نقله الحناطي عن ابن المرزبان، ثم قال: ويحتمل جوازه.
وحكى الحناطي فيه وجهين.
وحكى قولاً: أن الجد لا يجبر البكر البالغة كالأخ.
ووجه ظاهر المذهب: أنَّ له ولاية [عصوبة]؛ فأشبه الأب، وأيضاً: فإنه كالأب في ولاية المال، ووجوب النفقة، وحصول العتق؛ فكذلك هاهنا.
فروع: إذا طلب البكرَ كفئان أحدهما أكفأ، فهل [يجوز] له تزويجها من الآخر؟ الذي حكاه الإمام في أوائل كتاب الصداق: أنه لو زوجها منه صحّ، وهذا يدل على جوازه.
إذا طلب البكرَ كفء غلب على الظن أن تزويجها منه موافق لأقصى

الغِبْطة، [فهل يجب؟] قال الإمام في كتاب الصداق: لا يبعد أن يجب، ولا يبعد [ألا يجب] إن رأى الأب تأخير التزويج لتعلُّقه بالجِبِلَّة، ولكن الأظهر فيه الإعفاف والإتباع.
إذا أقرّ الأب أو الجد بالنكاح حيث يملك الإجبار، فإقراره مقبول؛ لقدرته على الإنشاء.
وحكى أبو عبد الله الحناطي وجهاً: أنه لا يقبل حتى تساعده البالغة، وهذا بعيدٌ؛ فإن [من] القواعد المطردة المنعكسة على ما حكاه الإمام في كتاب الإقرار، وفي باب ما على الأولياء، من كتاب النكاح-: "أنَّ مَنْ قدر على الإنشاء، قدر على الإقرار، ومن لا فلا"، ولا يستثنى من هذه القاعدة إلا مسائل: إحداها: الوكيل بالبيع وقبض الثمن إذا أقرّ بذلك، وكذَّبه الموكِّل- لا يقبل قول الوكيل، وإن كان قادراً على الإنشاء.
الثانية: إذا أقرّ الزوج بالرجعة في زمن العدة، لا يقبل منه على وجهٍ، وإن كان قادراً على الإنشاء.
الثالثة: الشخص يقر على نفسه بالرق فيقبل، ولا يقدر على أن يرق نفسه، قالها الإمام في كتاب الإقرار.
الرابعة- قالها أيضاً فيه-: العبد المأذون إذا أقرّ بعد الحجر عليه يقبل على وجهٍ، وإن لم يقدر على الإنشاء.
الخامسة: المرأة إذا أقرت بالنكاح، وصدقها الزوج- قبل منها على الجديد، وإن كانت لا تملك الإنشاء، وعلى القديم: يقبل إذا كانا غريبين، وإلا فيطالبان بالبينة.
ثم حيث تكلمنا في هذا الفرع فلنتعرض لما قاله الأصحاب فيه؛ تفريعاً على الجديد، فنقول: هل يكفي إطلاق الإقرار أم لابد من التفصيل كما في الدعوى على رأي؟ فيه وجهان، والأصح: الثاني.
ثم إذا كذبها الولي فهل يعمل بإقرارها؟ فيه وجهان:].
أحدهما- ويحكى عن القفال-: لا.
وأظهرهما- وبه أجاب [الشيخ في "المهذب"] وابن الحداد والشيخ أبو عليِّ-: نعم.
ويعضده ما قاله الإمام في [آخر] "النهاية" فيما إذا [حلف الأب] على

عدم التزويج [بعد الدعوى عليه]: أنها إذا أقرّت قُبِل إقرارها على الصحيح.
وعن القاضي الحسين [الفرق] بين العفيفة والفاسقة.
ويجرى هذا الخلاف فيما إذا عينت شهوداً وكذبوها.
وعلى الأول: لو كان الأب غائباً حين الإقرار لم ينتظر حضوره، بل تسلم للزوج في الحال للضرورة، فإن عاد وكذب فيحال بينهما، أو يستدام ما سبق؟ فيه وجهان: [فرجح] في "الوسيط" الأول، و [رجح] غيره الثاني، وإذا فرعنا على القديم، فأقرّا في الغربة، ثم رجعا إلى الوطن، فهل يحال بينهما؟ فيه هذا الخلاف.
فرع: على القول بقبول إقرارها وإن كذبها الولي، إذا أقرّ الولي المجبر لشخص، وأقرّت هي لآخر؟ فالمقبول [إقراره أو] إقرارها؟ حكى [أبو العباس] العبادي فيه وجهين عن الحليمي عن القفال الشاي والأودي.
وحكى الإمام قبل كتاب الصداق بست في ضمن فرع [أوله]: "إذا زوج الرجل إحدى بنتيه [ومات] ... "- تردداً ظاهراً عن الأصحاب في قبول إقرار البكر، ومعها من يجبرها.
قال: ويظهر في وجه القياس ألّا يقبل إقرارها، ومن أصحابنا من قال: يقبل إقرارها إذا استقلت بالنكاح، وفي تفريع هذا عُسْرٌ؛ فإنها لو أقرّت بأنها زوجة فلانٍ، [و] أقرّ الأب بأنه زوّجها من غيره، فإذا فرعنا على قبول إقرارها فكيف نقول؟! وما الوجه؟! يجوز أن يقال: الحكم للإقرار السابق، ويجوز أن يحكم ببطلان الإقرارين إذا اجتمعا، ولو رددنا إقرارها، لتخلصنا من هذا الخبط؛ فتحصلنا على أربعة احتمالات.
قال: والمستحب أن يستأذنها إن كانت بالغة، وإذنها السكوت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَالْبِكْرُ تُسْتَامَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا] صُمَاتُهَا"، ولا يجعل إذناً فيما يرجع إلى

التزويج بدون مهر المثل، وهل يصح العقد به إذا كان الزوج غير كفءٍ؟ قال ابن يونس: لا يصح.
وحكى المتولي فيه وجهين، وأن الصحيح من المذهب: الصحة؛ للحديث.
وإن زوجها غير الأب والجد فلابدّ من رضاها وإذنها بعد البلوغ [؛لقوله- عليه السلام-: "لَا تَنْكِحُوا الْيَتَامَى حَتَّى تَسْتَامِرُوهُنَّ"، والأمر إنما يكون بعد البلوغ،] وهل يشترط صريح النطق، أم نكتفي بالسكوت؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه يكفي السكوت؛ للحديث [السابق]، [و] جعله الإمام أظهر على ما حكاه في باب الإحصان من كتاب النكاح.
وفيه وجهٌ: أنه لا حاجة إلى الاستئذان، بل لو جرى التزويج بين يديها ولم تنكر [كان ذلك] رضاً، كما إذا جرى [فِعْلٌ] بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره، وإذا اكتفينا بالسكوت فيحصل الغرض، ضحكت أو بكت، إلا إذا بكت مع الصياح وضرب الخد؛ فلا يكون ذلك رضاً.
فرع: لو قالت: وكلته بتزويجي.
قال الرافعي: فالذين لقيناهم من الأئمة لا يعتدون به إذناً؛ لأن توكيل المرأة في النكاح باطل، ويجوز أن يعتد به إذناً؛ لما ذكرنا في باب الوكالة: أنها إذا

فسدت فالأصح أنه ينفذ التصرف بحكم الإذن.
قال: وإن كانت ثيّباً" [أي] عاقلةً] لم يجز لأحد تزويجها إلا بإذنها بعد البلوغ، [وإذنها بالنطق؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "الثَّيِّبُ تُسْتَنْطَقُ"، ولا استنطاق إلا بعد البلوغ] بالإجماع.
ولا فرق بين أن تحصل الثيابة بوطءٍ حلال أو بوطء شبهة أو بزنى.

وفي "شرح مختصر" الجويني: أن أبا إسحاق حكى عن القديم: أن المصابة بالفجور حكمها حكم الأبكار، واختاره.
ولو زالت البكارة بالسقطة أو الإصبع، أو حدّة الطمث، أو [طول] التعنيس- فظاهر المذهب: أنها كالأبكار، وعن ابن خيران وابن أبي هريرة: أنها كالثيب.
وحكى عن القاضي أبي حامد سماعاً: أن التي وطئت مجنونةً [أو مكرهة] أو نائمة حكمها حكم الأبكار؛ [لبقاء الحياء، وهذا خلاف ظاهر المذهب.
وفي المصابة في غير المَاتَى وجهان، أصحهما: أن حكمها حكم الأبكار].
فرع: لو ذكرت المرأة للولى أنّها ثيبٌ قبل قولها، فإن لم يُعْلم لها زوج فهل يسألها عن سبب الثيوبة؟ قال الماوردي: لا يسألها.
وقال الشاشي: عندي أنه يسألها: هل وُطِئت أم لا؟ فإن ذكرت أنها وطئت فاتهمها حلّفها.
قال مجلي: والذي اختاره الشاشي إنما يجيء على قولنا: [لا تأثير] لذهاب البكارة بغير الوطء.
قال: "وإن كانت مجنونة: فإن كانت صغيرة جاز للأب والجد تزويجها"؛ لأن الجنون إذا انضم إلى [الصِّغَر تأكدت] الولاية، وهي ليس لها حال تستأذن فيه، ولهما ولاية الإجبار على الجملة؛ فاقتضت المصلحة تزويجها.
وقال بعض الخراسانيين: لا [تزوّج] الثيب الصغيرة المجنونة.
وقال بعض البصريين: لا تزوج الصغيرة المجنونة، [و] حيث تزوج فلا يشترط في حقها وجود الحاجة؛ بل يكفي ظهور المصلحة.
قال الإمام: اتفق عليه الأصحاب، بخلاف المجنون؛ لأن النكاح يفيدها المهر والنفقة، ويغرم المجنون، ولا خلاف أنه لا يزوجها غير الأب والجد.
قال: "وإن كانت كبيرة"- أي: المجنونة- جاز للأب والجد؛ لما سبق، وللحاكم- أي: عند عدمهما- مع وجود القريب؛ لأن له الولاية العامة، ويرجى

أن يكون شفاؤها فيه، مع تضمنه مصلحة المهر والنفقة، وثبوت الولاية على مالها، وبهذا فارق باقي العصبات، وفارق ما لو كانت صغيرة.
وإذا زوج الحاكم راجع أقاربها، وهذه المراجعة، واجبة أو مستحبة؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها واجبة، فعلى هذا: لا يراجع إلا من تكون له الولاية عليها لو كانت عاقلة؛ قاله المتولي، فإن شاورهم فلم يشيروا بشيء استقل الحاكم، وهذا الوجه استضعفه الإمام، وذكر في "التهذيب" أنّه الأصح.
وإذا قلنا: إنها مستحبة، شاور عصباتها، فإن لم تكن شاور أقاربها؛ كالأخ والعم من الأم والخال، قاله المتولي.
وقيل: يزوجها القريب من الأخ والعم؛ لأن النسيب أشفق وأولى من الحاكم، فعلى هذا لا ينفرد القريب، ولكنه يحتاج إلى مراجعة الحاكم؛ فيقوم إذن الحاكم مقام إذنها، فإن امتنع القريب زوج الحاكمُ كما في العضل.
ثم الحاكم أو القريب إنما يزوج عند ظهور الحاجة، وذلك بأن تَبِين مَخَايِلُ الشهوة، أو يشير أرباب الطب بأن في تزويجها توقع الشفاء، ويكون إذ ذاك واجباً عليه.
وقال ابن الصباغ: لا يزوجها الحاكم إلا إذا قال أهل الطب: إن شفاءها في ذلك، فلو انتفى ذلك، وأراد التزويج لكفاية النفقة أو لمصلحة أخرى، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز؛ كما أن [الأب يزوج بمجرد المصلحة.
وأصحهما: المنع؛ لأن تزويجها يقع إجباراً، وغير] الأب والجد لا يملك الإجبار، وإنما يصار إليه للحاجة النازلة منزلة الضرورة.
وإذا جمعت ما ذكرناه واختصرت قلت: في تفسير الحاجة ثلاثة أوجه: أحدها: توقع الشفاء ليس إلا.
الثاني: ذلك، أو تبين مخايل الشهوة.
الثالث: ذلك، أو كفاية النفقة.
ثم هذا كله فيما إذا بلغت مجنونة، فلو بلغت عاقلة ثم جُنَّت فهل يزوجها الأب [و] الجد؟

قال مجلي

-[وهو في "الوسيط"]-

: فيه وجهان مرتبان على قولنا: إن ولاية المال لا تعود: منهم من قال: لا تعود ولاية النكاح كولاية المال.
ومنهم من قال: [إنها] تعود، وهو الأظهر؛ لأنهما كاملا الشفقةِ فكانا أولى من غيرهما.
وقال في "التتمة": يزوجها الأب بلا خلاف، ولكن إذا قلنا بعدم ولاية المال، فهل ينفرد أو يحتاج إلى إذن السلطان؟ فيه وجهان.
فرع: قال في "التهذيب": لو كانت تجن يوماً وتفيق يوماً، لا تزوج حتى تفيق وتأذن، [وتبقى على الإفاقة حتى يفرغ الولي من التزويج.
وقيل: هو كالجنون المُطْبِق] حتى لو زوجها في يوم جنونها جاز.
قلت: وينبغي أن [يجيء] فيه ما حكيناه في الرجل.
قال: وإن كانت أمة وأراد المولى- أي: المطلق [التصرف- تزويجها] بغير إذنها جاز، أي: سواء كانت كبيرة أو صغيرة، بكراً كانت أو ثيباً، مجنونةً كانت أو عاقلة، قِنّةً أو مدبَّرةً أو معلقاً عِتْقُها على صفةٍ؛ لأن النكاح يَرِدُ على منافع البضع، وهي مملوكة [له]، وبهذا [فارق] العبد.
وأيضاً: فإنه ينتفع بنكاح الأمة باكتساب المهر والنفقة.

فإن قيل: إذا قلتم: إن السيد يزوج بحكم الولاية، فكيف يزوج الثيب بغير إذنها، وولاية الأب أقوى الولايات، وهو لا [يملك تزويج] الثيب بدون الإذن؟ فالجواب: أن ولاية المال أقوى؛ بدليل أنه يزوج مع [حضور] الأب، والأب لمَّا كانت ولايته أقوى من ولاية غيره انفرد بتزويج البكر بغير إذنها؛ فكذلك [ولاية] السيد لما كانت أقوى ظهر له مزية على الأب، حتى يجبر البنت دون غيره، كذا أشار إليه المتولي.
قال: وإن دعت [المولى] إلى تزويجها، [لم يلزمه تزويجها]؛ لأنه يشوِّش عليه مقاصد الملك، وينقص قيمتها.
قال: وقيل: إن كانت محرمة عليه- أي: تحريماً مؤبداً- لزمه تزويجها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32]، ولأنها لا تتوقع منه قضاء الشهوة؛ فلابد من [إعفافها]، وهذا هو الأصح في "المعاياة" للجرجاني، وحكى في "الوسيط" الوجهين من غير تقييد بكونها محرمة عليه.
والمعتق بعضها [لا يجب تزويجها]، [قاله] مجلي.
وقال ابن الصباغ: يحتمل أن يخرج [على الوجهين] فيما إذا كانت محرمة عليه.
فرع: إذا كان لعبده المأذون [له] في التجارة أمة: إن لم يكن عليه دين جاز للسيد تزويجها بغير إذن العبد على أصح الوجهين.
والثاني: لا، إلا أن يأذن [العبد]، أو يعيد السيد الحجر عليه.
وإن كان عليه دين: فإن زوجها بإذن العبد والغرماء صحّ، وإن زوجها بإذن العبد دون الغرماء أو بالعكس لم يصح، على أصح الوجهين.

قال: "وإن كانت مكاتبة لم يجز للمولى تزويجها بغير إذنها"؛ لأنها كالخارجة عن ملكه.
وقيل: لا تزوج أصلاً؛ لأن ملك المولى مُخْتَلٌّ، وهي غير مالكة لأمرها.
قال: وإن دعت هي إلى تزويجها؛ فقد قيل: "يجب"؛ لأنها تنتفع بذلك، وتستعين به في أداء مال الكتابة.
وقيل: "لا يجب"؛ لأنها ربما عَجَّزت نَفْسَها، فتعود إليه ناقصة، والأول أصح، ورجح النووي مقابله، وقد ذكر الشيخ- رضي الله عنه-[حكم] تزويج الموقوفة وأم الولد في موضعه، [وذلك يغني عن الإعادة].
فصل: ولا يصح النكاح إلا بولي ذكر، أي: ليس بخنثى مشكل؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232]، نزلت في شأن معقل بن يسارٍ حين حلف ألّا يزوج أخته من مطلِقها، فلو كانت تستقل [بعقد النكاح] لما نهى عن عضلها، ولقوله- عليه السلام-: "لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ"، وقوله: "لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا نَفْسَهَا؛ إِنَّمَا الزَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَهَا".

وقال أبو ثور: إن عقدت بإذن الولي صحّ.
وحجتنا عليه: ما تقدم.
ولو رفع النكاح بلا ولي إلى حاكم يرى صحته، فحكم به- لم يُنقض حكمه فيه، خلافاً للإصطخري، ولو طلق ثلاثاً لم يقع طلاقه، ولا يحتاج إلى المحلِّل، خلافاً لأبي إسحاق.
قال في "الحلية": كان الشيخ أبو نصرٍ يعلل ذلك بأن الزوج عقد النكاح على رأي من التزم مذهبه فيه، فأوجب عليه حكم اعتقاده، وهو وقوع الطلاق، وهذا فيه نظر؛ فإن الزوج قد لا يعرف مذهباً، وهل للولي أن يزوجها قبل تفريق القاضي بينهما؟ فيه وجهان، اختيار القفال الشاشي منهما: المنع، وهو تخريج ابن سريج.
[فروع]: [إذا زال إشكال الخنثى، فهل يملك التزويج؟ قال في "البحر": ينظر: إن زال بقوله: أنا أميل إلى النساء، فلا؛ لأنه وإن قُبِلَ في حق نفسه حتى يتزوج امرأة لا يقبل على غيره.
وإن زال الإشكال بأمارات لا يرتاب فهيا، فله الولاية].
نكاح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هل كان ينعقد بغير ولي وشهود؟ [وفيه] وجهان: أصحهما في "البحر": نعم؛ لأن اعتبار الولي لأجل الكفاءة، وهو أكفأ الناس، واعتبار الشهود خشية الجحود، وهو مأمون منه، صلى الله عليه وسلم.

[الثاني] حكى في "الذخائر": أن المرأة إذا لم يكن لها ولي، وكانت في موضع لا حاكم فيه- ففيه وجهان: أحدهما: تزوج نفسها؛ للضرورة.
والثاني: يرد أمرها على رجل يزوجها.
[وفي "البحر": حكاية وجه: أنها تصبر إلى أن تجد وليّاً كما لو فقدت الشهود].
قال الشاشي: وكان الشيخ أبو إسحاق- يعني الشيرازي- يختار في مثل هذا أن يحكِّم فقيهاً من أهل الاجتهاد في ذلك؛ بناءً على التحكيم في النكاح، وقد كان شيخنا يرى ذلك ويفتى به.
وقال الشيخ أبو المعالي الجويني: هذا البناء لا يصح؛ لأن هناك جعلاه حكماً فيما يتنازعان فيه من أمر النكاح وغيره، فيصير النظر إليه فيما حكاه فيه خاصة، وهذه ولاية ممن لا يستحقها؛ فافترقا.
قال: "وإن كانت أمة زوَّجها السيد"؛ لما سبق، وهل ذلك بالملك أو بالولاية؟

فيه وجهان؟ أظهرهما: أنه بالملك، وعليه فروع ستأتي.
فرع: لا يزوج السيد أمة مكاتبه، ولا يزوجها المكاتب بغير إذن السيد، فإن توافقا، فقولان؛ كما في تبرعاته.
وقال في "التتمة": المكاتب يزوجها إن قلنا: إنه تصرُّفٌ بالملك، وإن قلنا بالولاية فلا؛ لأن الرق يمنع الولاية.
قال: إن كانت لامرأة- أي رشيدة- زوَّجها من يزوج المرأة- لأن المرأة ليست من أهل الولاية على البُضْع كما [قررنا] في حقّ نفسها؛ فكان التزويج إلى وليها لنفسها.
ونقل الإمام عن صاحب "التلخيص": أنه لا يزوجها إلا السلطان؛ لأن من عداه من الأولياء ليس بينه وبينها سبب ولا نسب، وحكاه في البسيط أيضاً، ثم قال: و [هذا] غلَّطه كل الأصحاب، وإن كان ما قاله لا يخلو عن احتمالٍ ظاهرٍ.
[ثم] قال الرافعي: وهذا غير مشهور عنه، ولا مذكور في "التلخيص"، وإنما المذكور والمشهور: أن معتقة المرأة يزوجها السلطان.
وقيل: لابد من اجتماع الحاكم والولي، حكاه ابن يونس، والله أعلم.
قال: "بإذنها- أي: بالنطق- سواء كانت بكراً أو ثيباً؛ لأنه تصرف في مالها، فلم يجز من غير إذنها".
قال مجلي: وحكى الغزالي وجهاً: أنه لا يحتاج إلى إذنها في تزويج أمتهان وهو خطأ.
قال: فإن كانت المرأة، [أي: السيدة]، غير رشيدة، أي: لصغر أو جنون أو سفهٍ- فقد قيل: لا تزوج، [لفقد إذن] السيدة شرعاً، ولا حظ فيه لها حتى يزوجها الولي؛ لأنه ينقص القيمة، وقد تحبل؛ فتهلك.
قال: وقيل: يزوجها أبو المرأة أو وجدها أي: إذا ظهرت الغبطة؛ لأن لهما ولاية الإجبار في الجملة، ويحصل به اكتساب المهر والنفقة، وتسقط عنها

النفقة، وهذا هو الأظهر، واختيار أبي إسحاق.
تنبيه: حكم أمة الصبي والمجنون والسفيه كذلك، وفي بعض الشروح وجه: أن أمة الصبية تزوج، وأمة الصبي لا تزوج؛ لأنه قد يحتاج إليها بعد البلوغ.
فإن جوزنا، قال الإمام: يجوز تزويج [أمة] البنت الصغيرة، وإن [لم] يجز تزويجها، ويجوز للسلطان تزويج أمة الصغير إذا ولى ماله.
قال الرافعي: وهذا يوافق وجهاً للأصحاب في أن ولي المال يزوج أمة الصغير [والمجنون]، نسيباً كان أو وصيّاً كسائر التصرفات المالية، والأظهر وجه آخر، وهو أن الذي يزوجها ولي النكاح الذي يلي المال، وعلى هذا غير الأب والجد لا يزوجها؛ لأنه لا يزوج الصغيرة والصغير، والأب [والجد] لا يزوج أمة البنت الصغيرة، فإن كانت مجنونة تزوج، وإن كانت لسفيه فلابد من إذنه.
فرع: من بعضها حرٌّ وبعضها رقيق، قيل: لا تزوج أصلاً؛ لضعف المالك والولاية؛ بسبب تبعُّض الرق والحرية، وهذا ما قال القاضي الحسين في كتاب العتق: إنه ظاهر المذهب.
وقيل: تزوج، وهو الصحيح.
وعلى هذا: فمن يزوجها؟ فيه أربعة أوجه: أحدها: يزوجها [مالك] البعض استقلالاً، وهو مفرَّع على أنه لا يورث، وأن ما خلفه يكون لمالك بعضه الرقيق.
والثاني: يوافقه القريب، وهو الأصح، واختيار ابن الحداد؛ بناءً على أنه يورث، فإن عدم القريب فالمعتق، فإن عدم فالسلطان، كما سيأتي.
والثالث: يوافقه معتق البعض؛ لأن القرابة لا يجوز أن تثبت مع بعض الشخص دون بعض؛ فكذلك الولاية المرتبة عليها، والولاء قد ثبت على بعض الشخص؛ فجاز أن تتبعض الولاية الثابتة [به]، وهذا أظهر عند الإمام.

والرابع: يوافقه السلطان؛ لأن القريب يمنع المعتق من التزويج، كما يحجبه عن الميراث، والسلطان يزوج بالولاية العامة إذا تعذرت الأسباب الخاصة.
فرع: إذا صححنا نكاحها، فأتت بولدٍ: ما حكمه؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين في كتاب العتق: أحدهما: أن جميع الولد يكون حرّاً.
والثاني: أن حكمه حكم أمه.
وقد ذكرتهما في [باب] عتق أم الولد.
قال: "وإن كانت حرّة زوجها عصباتها"؛ لأن الولاية تثبت لدفع العار عن النسب، وهو إلى العصبات.
قال: "وأولاهم الأب؛ لأن من عداه يدلى به، ثم الجد"، [أي]: وإن علا؛ لأن له ولادة وعصوبة، فقدم على من ليس له إلا عصوبة، ثم الأخ؛ لأنه يدلى بالأب؛ فكان أقرب، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم.
واعلم أن الترتيب في التزويج كالترتيب في الميراث، إلا في ثلاث مسائل: إحداها: الأخ والجد يستويان في استحقاق الإرث، وها هنا يقدم الجد؛ لاختصاصه بولاية المال.
والثانية: الأخ من الأبوين يقدم في الإرث على الأخ من الأب، وهاهنا قولان، كما سيأتي.
والثالثة: الابن في الميراث أولى العصبات، وفي التزويج لا ولاية [له] بالبنوة؛ لأنه لا مشاركة بين الابن والأم في النسب؛ فلا يعتني بدفع العار عن النسب؛ ولهذا لم تثبت الولاية للأخ من الأم.
قال: "ثم المولى"-[أي:] إذا كان رجلاً- ثم عصبة المولى- أي: رجلاً كان المولى أو امرأة- ثم مولى المولى، ثم عصبته، أي: وهكذا على ترتيبهم في الميراث؛ لقوله- عليه السلام-: "الْوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ".

أمَّا إذا كان المعتق امرأة فعن صاحب "التلخيص": أن السلطان يزوجها؛ لأن

من له الولاء ليس له التزويج، فكيف يزوج من يدلى به؟! والمذهب المشهور: أنه يزوجها في حياة المعتقة من يزوج [المعتقة] برضا المعتقة، وفي رضا المعتقة وجهان: أصحهما: أنه لا حاجة إليه.
والثاني: يشترط، فعلى هذا: لو عُضِلَتْ ناب السلطان عنها في الإذن، والتزويج إلى أوليائها، وفيه وجه حكاه الإمام عن رواية الشيخ أبي علي: أنه يزوجها ابن المعتقة.
وأمَّا بعد موت المعتقة فيزوجها من له الولاء على العتيقة كما ذكرناه، ويقدم الابن على الأب عند الاجتماع، وقيل باستمرار ولاية الأب، [وهو بعيد].
فروع: لو كن المعتق خنثى مشكلاً، قال في "التهذيب" في فصل الخناثى، من [كتاب] النكاح: لا تثبت [له] ولاية التزويج.
وقال الرافعي: ينبغي أن يزوجها أبوه بإذنه؛ ليكون قد زوجها وكيله بتقدير الذكورة، ووليها بتقدير الأنوثة.
الثاني: لو مات المعتق، وخلف ابنين زوَّجها كل [واحد] منهما على الانفراد كما في النسب.
حكاه في "الزوائد" عن ابن الحداد.
الثالث: المعتق إذا تزوج بحرّة الأصل، وأتت بابنةٍ- زوَّجها بعد العصبات الحاكم.
وقال الأستاذ أبو طاهر: التزويج إلى موالي الأب، حكاه صاحب "الإشراف".
قال: "ثم الحاكم؛ لقوله- عليه السلام-: "السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ".

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل