كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 242-281
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النفقات

صفحات 242-281
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تنبيه: زمني- مقصور، يكتب بالياء-: جمع "زمن".
قال: وأما الأولاد فلا تجب نفقتهم إلا أن يكونوا فقراء زمني، أو فقراء مجانين، أو قراء أطفالاً؛ أي لا يتهيأ منهم العمل؛ لأن الله- تعالى- نص على وجوب كفاية الأطفال بقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: 233] إلى آخرها؛ وذلك لعدم القدرة على الاكتساب، والمجانين والزمنى كذلك؛ فألحقوا بهم.
وأوجب أبو ثور النفقة مع اليسار.
قال: فإن كانوا [أصحاء بالغين]، أي: غير مكتسبين بأيديهم والأصل بهذه المثابة لم تجب نفقتهم، لأن الأصل في وجوب نفقة القرابات الصبا، وألحق به الزمانة والجنون؛ لمشابتهتهما حالة الصبا [وإذا] كانوا أصحاء متمكنين من الحيلة والتكسب- خرجوا عن أن يكونوا ملحقين بالصبيان.
قال: وقيل: فيه قولان كالأب، وهذا الطريق أظهر عند الرافعي.
وقد أجريت الطريقة الأولى في الأب أيضاً، لكن الفرق- على ما حكاه الشيخ وجماعة- أن حرمة الوالد [آكد] من حرمة الولد، بدليل: وجوب إعفافه، وعدم وجوب القصاص عليه بقتله، فتأكد وجوب نفقته؛ لقبح تكليفه اكتساب النفقة مع قدرته عليها، والطفل إذا بلغ إلى حد يقدر على الاكتساب فيه، حكمه في هذا المعنى حكم البالغ، حتى يفصل فيه بين أن يكون [ممن يليق به الاكتساب بيده أم لا، هكذا قاله الرافعي.
وفي "النهاية": أنه لا يشترط أن يكون] الولد عاجزاً عن الكسب، بل اتفق الأصحاب على أن استكسابه وإن كان يرد مقدار نفقته، فعلى الأب الإنفاق عليه، مع أنه لا خلاف أن الأب لو أراد أن يعلمه بعض الحرف؛ لاستصلاح معاشه، والنظر في عاقبة أمره- فله ذلك، وإذا علم حرفة، فكيف ينتظم في النظر تعطيلها، وقد ينساها إذا تركها؟ وإذا كان يتجه لهذا الرأي إعماله، فأي معنى لإحباط منفعته؟ وقد رأيت لبعض الأصحاب أنه ليس للأب أن يجشم ولده الكسب، وهذا ثلمة عظيمة.

نعم: إن كان ذلك يحط من منصبه، فليس له ذلك.
وعلى الجملة: ما اتفق عليه الأصحاب من وجوب نفقته على الأب، مع كونه كسوباً تأثيره يظهر فيما إذا ترك الاكتساب بالهروب، أو لم يطعه، مع تكليفه، فلما جاع- عاد طالباً للنفقة؛ فإنه تجب نفقته؛ بخلاف البالغ.
وما ذكرناه من الطرق هو المشهور للأصحاب، ولم يفرقوا بين اكتساب واكتساب.
ومنهم من وضع الخلاف [أولاً] في اشتراط العجز عن الكسب اللائق به، ثم قال: إن شرط ذلك ففي اشتراط العجز عن كل كسب بالزمانة وجهان، ورأوا الأعدل والأقرب: الاكتفاء بعجزه عما يليق به من الاكتساب، وإجراء النفقة، مع القدرة على الكنس وحمل القاذورات وعلى ذلك جرى الإمام والغزالي.
قال الرافعي: وهذا حسن.
فرع: لو كان مال الولد غائباً، فعلى الوالد أن ينفق عليه قرضاً موقوفاً: فإن قدم ماله سالماً- رجع الأب بما أنفق عليه، سواء أنفق بإذن الحاكم أو بغير إذنه، إذا قصد الرجوع؛ لأن أمر الوالد في حق ولده أنفذ من حكم الحاكم.
وإن هلك مال الولد قبل قدومه، لم يرجع عليه بما أنفق من حين تلف المال؛ لأنه بان أن نفقته واجبة عليه، حكاه الماوردي.
تنبيه: اقتصار الشيخ من الأقارب على ذكر الأصول والفروع، مع شمول الاسم لغيرهما- يعرفك أن [هذا] الحكم مختص بهما، ولا يتعداهما إلى غيرهما.
وقد خالف أبو ثور في وجوب نفقة الولد على الوارث؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]، وأشار الشافعي إلى الجواب عن ذلك بأنها لو كانت على الوراثة لوجب على الأب ثلثا نفقة الولد، وعلى الأم الثلث، وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: 233]. وأما قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فقد قال ابن عباس: ألا تضار الأم بانتزاع الولد منها.

ثم النفقة الواجبة بالقرابة قدر الكفاية؛ لحديث هند، فيعطى من الطعام ما يستقل به، ويتمكن من التردد والتصرف به، ولا يقتصر معه على ما يسد الرمق، ولا ينتهي بما يعطى إلى [حد الشبع.
وقال ابن خيران: إنها تتقدر بما تتقدر به نفقة الزوجة].
والظاهر المشهور: الأول؛ لأنها تجب على سبيل المواساة؛ لتزجية الوقت، ودفع حاجته الناجزة، فيعتبر أصل الحاجة وقدرها.
ولا يشترط انتهاؤه إلى حد الضرورة.
وهل المعتبر كفاية مثله أو كفايته في نفسه؟ وفيه شيء سأذكره في آخر الباب.
ويجب لها مع الطعام الإدام؛ كي لا تختل القوى.
وفي "التهذيب" ما ينازع في وجوب الإدام.
وتجب له الكسوة والسكنى على ما يليق بالحال، وإذا احتاج إلى الخدمة، وجب مؤنة الخادم- أيضاً- وكذا لو احتاج إلى الدواء وأجرة الطبيب وجب، قاله الرافعي في قسم الصدقات.
قال: ومن وجبت نفقته وجبت نفقة زوجته- أي: أباً كان أو ابناً- لأن ذلك من تمام الكفاية، وهذا ما حكاه القاضي أبو حامد [وغيره وجهاً، ونسبه صاحب "الإكمال" إلى الشيخ أبي حامد]، واستبعده القاضي الروياني، والأظهر في نفقة زوجة الابن: أنها لا تجب، وادعى صاحب "الإجمال": أن عليه معظم الأصحاب.
والفرق أن الابن يجب عليه أن يعف أباه؛ فوجب عليه أن ينفق على زوجته؛ إذ لو لم يجب ذلك- لاختارت الفسخ، ووجب عليه أن يزوجه بامرأة أخرى، وهكذا فلا يحصل القيام بالواجب، والابن لا يجب إعفافه؛ فانتفى هذا المعنى.
وما ذكره في الأب مفروض في الزوجة الواحدة، أما لو كان له زوجتان فأكثر فالأصح: أنه تجب نفقة واحدة منهما يدفعها إلى الأب.
وفي "البسيط" وجه: أن نفقتهما تسقط.
وكما تجب نفقة زوجة القريب تجب كسوتها.
قال في "التهذيب": ولا يجب الإدام، ولا نفقة الخادم؛ لأن فقدهما لا يثبت الخيار.

قال الرافعي: وقياس ما ذكر من أن الابن يتحمل ما وجب على الأب وجوبهما؛ لأنهما واجبان على الأب مع إعساره.
وحكم أم ولد القريب حكم زوجته.
ولو كان للوالد أولاد ففي "التتمة": أنه يجب على الابن الإنفاق عليهم من جهة أن نفقتهم واجبة على الأب، فيتحملها عنه كنفقة الزوجة، والظاهر: عدم الوجوب، والفرق: أن نفقة الأولاد لا تجب مع الإعسار؛ بخلاف نفقة الزوجة، ولأنه لو لم ينفق على زوجته لفسخت النكاح؛ فيتضرر الأب.
قال: ولا تجب نفقة الأقارب على العبد؛ لأنه أسوأ حالاً من المعسر، وهي لا تجب عليه.
والفرق بينها وبين نفقة الزوجة من وجهين: أحدهما: أنها تجب بطريق المعاوضة، والعبد من أهل المعاوضة، ونفقة القريب [تجب] مواساة، والعبد ليس من أهل المواساة، والثاني: أن نفقة الزوجة تجب مع اليسار والإعسار؛ فوجبت على العبد مع إعساره، ونفقة القريب تجب في حال اليسار؛ فسقطت عن العبد بإعساره.
قال: ولا تجب على المكاتب؛ لأنها مواساة، وليس من أهلها؛ لأن ما في يده إما غير مملوك له- كما حكيناه من قبل- أو مملوك مستحق في كتابته؛ فصار باستحقاقه فقيراً.
قال: إلا أن يكون له ولد من أمته؛ فتجب نفقته-[أي] سواء أولدها بإذن السيد أو بغير إذنه- لأنه تابع له إن عتق وعائد إلى سيده إن رق؛ فالنفع عائد إلى من له الملك.
ويلتحق بذلك ولد المكاتبة من النكاح إذا قلنا: إنه تابع لها، وتجب قيمته إذا قتل لها، أما إذا قلنا: إنه مملوك للسيد، أو تكون قيمته للسيد إذا قتل، مع القول بأنه تابع لها- فلا ينفق عليه؛ [لأنها واجبة على السيد.
ولو كان أبو الولد مكاتباً، فإن كان من غير سيدها- لم يجز أن ينفق

عليه]، وإن كان من سيدها، وقلنا: إنه مملوك للسيد- أطلق الأصحاب القول بجواز [الإنفاق] عليه.
قال الرافعي: ولا يصح [القول] بتجويز [الإنفاق] من ماله على ملكه بغير إذنه.
وإن قلنا: إنه يتبعها، فلا؛ لاحتمال أن يعتق أحدهما دون الآخر.
ومن نصفه حر ونصفه رقيق إذا كان يقدر [على النفقة] بما اكتسبه بنصفه الحر: هل تلزمه نفقة القريب؟ فيه قولان محكيان في "تعليق" القاضي الحسين.
وقال في "البسيط" الظاهر أنها تلزمه.
وهو ما جزم به في "الوسيط"؛ لأنها كالغرامات.
وهل تلزمه نفقة تامة، أو نصف القيمة؟ حكى ابن كج والقاضي الحسين في ذلك وجهين.
قال: ولا تجب إلا [على] من فضل عن نفقته ونفقة زوجته- أي: في يومه وليلته- لما روى عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ابدأ بنفسك تصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك" خرجه مسلم.
والمعنى في تقديم نفقة الزوجة على القريب: أنها تجب لحاجته؛ فقدمت كنفقة نفسه.
ولأنها تجب بطريق [المعاوضة] فقدمت على ما يجب بطريق المواساة.
واعترض الإمام بأنها إذا كانت كذلك كانت نفقتها كالديون، ونفقة القريب في مال المفلس تقدم على الديون، وخرج لذلك احتمالاً في المسألة، وأيده بما روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، معي دينار.
فقال: "أنفقه على نفسك".
فقال: معي آخر؟ فقال: "أنفقه على ولدك".
فقال: معي آخر؟ فقال: [أنفقه على أهلك"]، فقدم نفقة الولد على نفقة الأهل كما قدم نفقته على نفقة الولد.

ويقرب من هذا ما حكاه القاضي الحسين في "التعليق" وجهاً: أن نفقة الأب مقدمة على نفقة الزوجة؛ لأن له سبيلاً إلى إسقاطها بالطلاق.
وفي "التتمة" وجه: أن نفقة الولد الصغير مقدمة على نفقة الزوجة، وإنما لم تجب عند انتفاء الفضل؛ للحديث، وفي "التهذيب" وغيره حكاية وجه: أن نفقة الولد الصغير تجب مع الإعسار، فيقترض، أو يقترض عليه إلى اليسار.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه الصحيح من المذهب كنفقة الزوجة؛ لأن ذلك من توابع النكاح وحقوقه، والأظهر الأول.
ويباع في نفقة القريب ما يباع في الدين من المسكن والخادم وغيرهما.
وفي المسكن والخادم وجه كما في الدين.
وإيراد القاضي الحسين في "التعليق" قد يقال: إنه يشعر به؛ فإنه قال: ولا يلزم أحد بنفقة أحد من الأقرباء حتى يفضل عن مؤنته من طعامه ومسكنه وملبسه وما ينام عليه، وما يستعمله في وضوئه وأكله وشربه مما لا غنى لمثله عنه.
وليس كذلك؛ لأنه صرح- قبل ذكر ذلك- بأنه يباع؛ فتعين حمل ذلك على كراء المسكن.
وكيف يباع عقاره؟ فيه وجهان: أحدهما: يباع منه كل يوم بقدر الحاجة.
والثاني: يستقرض عليه إلى أن يجتمع ما يستكمل بيع العقار له.
وحكم القدرة على الإنفاق عليه بالاكتساب حكم القدرة بالمال، عند الجمهور.
وفيه وجه: أنه لا يجب كما في قضاء الدين.
وفي "ابن يونس" حكاية الخلاف فيمن لم تجر عادته بالاكتساب، والجزم بالوجوب فيمن جرت عادته به.
وفي "التتمة": حكاية الاختلاف في الاكتساب لأجل نفقة الولد، والقطع بعدم وجوبه [كنفقة الوالد] وفرق بأن نفقة الوالد سبيلها سبيل المواساة، ولا يكلف أن يكتسب ليصير من أهل المواساة، وأما الولد فسبب حصوله الاستمتاع؛ فألحقت نفقته بالنفقة الواجبة للاستمتاع، وهي [نفقة] الزوجة، وهذا يدل على

اعتباره جريان الخلاف في الاكتساب لنفقة الزوجة، وقياس نفقة القريب عليها.
لكن في كلام الإمام وغيره: أن في وجوب الاكتساب لنفقتها وجهين مرتبين على وجوب الاكتساب لنفقة القريب، وهي أولى بالمنع؛ لالتحاق نفقتها بالديون.
قال الإمام: وينتظم بحسب ذلك: أنا إذا أوجبنا الاكتساب لنفقة القريب لا نوجب النفقة للقريب الكسوب، وإنما يجري ما قدمناه من الخلاف فيه إذا كان من له النفقة غير كسوب، ومن فيه الكلام كسوباً.
فرع: إذا كان الولد صغيراً أو مجنوناً مكتسباً، والأب أو الجد ممن تجب نفقته لو كان للابن مال- فلهما أن يؤجراه، أو يأخذا من أجرته نفقتهما.
ويجيء في جواز أخذهما النفقة بأنفسهما من مال المجنون الوجه الذي تقدمت حكايته، وفي وجوب استكسابه إشكال الإمام في وجوب نفقته على الأب.
ولا يجب عليه قبول الهبة والوصية؛ صرح بذلك القاضي الحسين.
قال: وإن كان له ما ينفق على واحد- أي: أو بعض نفقته- وله أم وأب، فقد قيل: الأم أحق لزيادة ضعفها وامتيازها عن الأب بالحمل والوضع والرضاع والتربية، وقد روي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أبر؟ قال "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أباك"، وهذا هو الأصح.
قال: وقيل: الأب أحق؛ مكافأة لتقدمه في وجوب النفقة عليه، مع امتيازه بالعصوبة.
قال: وقيل: يجعل بينهما؛ لاستوائهما في القرابة الموجبة للنفقة.
قال: وإن كان له أب وابن، فقد قيل: الابن أحق؛ لثبوت نفقته بنص القرآن.
وقيل: اأآب أحق؛ لزيادة حرمته وهذا هو الأصح عند النووي وفي "الجيلي".

قال الشيخ أبو حامد: والوجهان إذا كان الابن بالغاً أو مراهقاً، أما لو كان صغيراً، كان أولى وجهاً واحداً.
قال ابن الصباغ: والقاضي ذكر ثلاثة أوجه، الثالث: أنهما سواء.
ولم يفصل بين الصغير والكبير والطفل.
ونسب الرافعي الثالث إلى اختيار القفال.
وتجري الأوجه في الأب والبنت والأم والابن، وفي الجد وابن الابن، وكذا في الجد والابن على أحد الطريقين، وفي الثاني: يقدم الابن.
قال: وإن كان له ابن، وابن ابن، فقد قيل: الابن أحق؛ لابتداء وجوبها عليه، دون نفقة ابن الابن التي انتقلت إليه عن أبيه ولأنه أقرب.
وهذا هو الأصح، ولم يحك الماوردي سواه.
قال: وقيل: يجعل بينهما؛ لأن الابن لا يمنع [نفقة ابن الابن بدليل حال القدرة؛ فصارا كالابنين أو البنتين، والحكم فيهما الاستواء]، اللهم إلا أن يختص أحدهما بمزيد عجز؛ بأن كان مريضاً أو رضيعاً، فيقدم على ما حكاه في "البحر".
وهذا الخلاف يجري فيما لو اجتمع أب وجد.
ولو كان الأبعد زمناً ففي "التهذيب": أنه أولى.
فروع: أحدها: ابن وبنت، الصحيح أنهما كالابنين.
وفيه وجه: أن البنت أولى؛ لضعفها، وهذا إذا استويا أما لو كان أحدهما صغيراً لا يقوم بنفسه، والآخر يقوم بها أو أحدهما صحيحاً، والآخر مريضاً- فالصغير والمريض أولى؛ حكاه الماوردي.
الفرع الثاني: ابن بنت، وبنت ابن، حكى الروياني أن بنت الابن أولى؛ لضعفها [وعصوبة] أبيها.
الفرع الثالث: أب أب، وأب أم، الأول أولى؛ لاجتماعهما في الدرجة، وانفراده بالتعصيب، فلو اختلفت الدرجة، واستويا في العصوبة، أو عدماها، فالأقرب أولى، وإن كان الأبعد عصبة تعارض القرب والعصوبة؛ فاستويا.

الفرع الرابع: جدتان لإحداهما ولادتان، وللأخرى ولادة واحدة- فإن كانا في درجة واحدة فذات الولادتين أولى، وإن كانت أبعد فالأخرى أولى.
ومثل هذا يجري فيما إذا اجتمع في بنت البنت قرابتان، دون بنت [بنت] أخرى من غير عصوبة.
تنبيه: حيث قلنا: يوزع الفاضل، فذاك إذا كان يسد مسداً، أما إذا لم يسد فالقرعة، وإذا لم يكن ثم من تجب عليه نفقة الموجودين لولا العجز عن تمام نفقتهما، أما إذا كان مثل أن يكون الأب هو العاجز عن نفقة أحدهما [وله أب موسر، وجب على الأب نفقة أحدهما] وعلى أبيه نفقة الثاني، ثم لهما الإنفاق عليهما بالشركة، أو يختص كل واحد منهما بواحد، فإن اختلفوا عمل بقول من يدعو إلى الاشتراك.
وهكذا الحكم فيما لو كان للأبوين المحتاجين ابن لا يقدر إلا على نفقة أحدهما، وللابن ابن موسر، لكن عند الاختلاف يرجع إلى اخيتار الأبوين في النفغقة إن استوت نفقتهما.
وإن اختلفت اختص أكثرهما نفقة بمن هو أكثر يساراً، كذا قالهما في "البحر".
قال الرافعي: والقياس أن يسوي بين الصورتين، بل ينبغي في الصورة الثانية أن يقال: تختص الأم بالابن؛ تفريعاً على الأصح، وهو تقديم الأم على الأب، وإذا اختصت به تعين الأب لإنفاق ابن الابن.
قال: وإن احتاج، وله أب وجد موسران، فالنفقة على الأب؛ لأنه أحق بالمواساة من الأبعد.
قال: وإن كان له أم وأم أم فالنفقة على الأم؛ لما ذكرناه.
وذكر الشيخ هاتين المسألتين؛ ليعرف بهما ما في معناهما، وضابطه: أن كل من أدلى بشخص لا يلاقيه الوجوب دونه ولا يساويه، وهذا مما لا خلاف فيه، فجد الأب مع الجد كالجد مع الأب، وأم أم الأم مع الأم؛ كأم الأم مع الأم فيما ذكرناه .... وهكذا.
قال: وإن كان له أب وأم أو جد وأم، فالنفقة على الأب والجد:

أما وجوبها على الأب؛ فلقصة هند.
وأما وجوبها على الجد؛ فلأنه مشارك للأب في الولادة والتعصيب، وقد يقع عليه اسم الأب، قال الله تعالى- ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ وقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78]؟ وفي طريقة المراوزة حكاية وجه منسوب إلى القفال: أن الابن البالغ توزع نفقته على أبيه وأمه، دون الصغير؛ لأن وجوب نفقته عليه من أثر الولاية عليه.
وعلى هذا: فهل يستويان، أو تجب عليهما أثلاثاً؟ فيه وجهان، والراجح الثاني.
وحكاية وجهين في الجد مع الأم؛ تفريعاً على أن الأب ينفرد بالوجوب: أحدهما: أنها على الأم دونه.
والثاني: أنها توزع عليهما، وفي كيفية التوزيع الوجهان، والظاهر الأول، وبه يظهر لك أن الأب إذا اجتمع مع الجدة أم الأب كان الوجوب عليه من طريق الأولى، وكذلك إذا اجتمع أب أب، وإن علا مع أم الأم وإن علت.
قال: وإن كان له أم أب، وأم أم، فقد قيل: هما سواء؛ لاستوائهما في الدرجة والأنوثة، وهذا هو الأصح، وادعى القاضي الحسين أنه الذي عليه أكثر الأصحاب.
قال: وقيل: النفقة على أم الأب؛ لإدلائها بعصبة.
هذا ما يوجد في طريق العراق، وهو كذلك في طريق المراوزة- أيضاً- لكن مأخذ العراقيين في الاختلاف النظر إلى التساوي في الدرجة أو إلى الإدلاء بالعصبة، أو القرب بالإدلاء بالعصبة، وهو مطرد عندهم فيما إذا وجدت الجدتان من جهة الأب خاصة، وإذا اجتمع معهما جد في درجتهما، غير جد الأب وإن علا، ومثال ذلك أم أم الأب، وأبو أم أب، وأم أب اب- فعلى الأول: يشتركون في الوجوب، وعلى الثاني: تختص به أم أب الأب.
وقال الماوردي: وأرى وجهاً ثالثاً، وهو عندي أصح: أنه إذا اجتمع فيه مع تساوي الدرجة وارث [وغير وارث]- فإن الوارث أحق بتحملها من غير الوارث، فإن اشتركا في الميراث، تحملها منهم من كان أقرب إدلاء بعصبة، وإن اختلفت رحمهم تحملها الأقرب فالأقرب، وارثاً كان أو غير وارث.

فعلى هذا: يشترك في تحملها أم أب الأب وأم أم الأب؛ لاشتراكهما في الميراث، ويسقط عن أب أم [الأب]؛ لسقوط ميراثه.
قال الماوردي: وعلى هذه الوجوه الثلاثة يكون التفريع.
[وأجراه] في الحالة الأولى مع جزمه بتقديم الإرث من أي جهة كان.
ولا يجري ما قاله العراقيون فيما إذا كانت الجدتان من جهة الأم؛ إذ لا يتصور أن يكون فيها عصبة، والمتبع فيها- عند التساوي- القسمة، وعند التفاوت في الدرجة الأقرب.
ويجيء على طريقة الماوردي فيما إذا اجتمع أب الأم وأم الأم: أن النفقة تجب على [أم] الأم، دون أب الأم.
وإذا اجتمع أم أم الأم، [وأبو أم الأم]، وأبو أب الأم، وأم أب الأم- فعلى طريق العراقيين يكون عليهم بالسوية، وعلى طريق الماوردي يكون على أم أم الأم؛ لأنها الوارثة من جميعهم، فإن عدمت، وجبت بعدها على أب أم الأم؛ لأنه أقرب [إدلاءً بوارث]، فإن عدم وجبت على أب أب الأم، دون أم أب الأم.
والمراوزة لهم طرق في مناط الترجيح عند اجتماع جدتين وجدين من قبل الأب، ومن قبل الأم يتفرع عليها هذه المسألة وغيرها، وجملتها خمس طرق: إحداها: اعتبار القرب، وإن استويا في القرب، ففي التقديم [بالإرث] وجهان [فإن استويا في أصل الإرث فيستويان أو تكون النفقة بحسب الإرث؟ فيه وجهان].
والثانية: اعتبار الإرث، فإن استويا في الإرث، وأحدهما أقرب، فالنفقة عليه؛ فإن تساويا في القرب، فالنفقة عليهما، ثم يسوي، أو يراعى قدر الإرث؟ فيه وجهان.
والثانية: اعتبار الإرث؛ فإن استويا في الإرث، وأحدهما أقرب، فالنفقة عليه؛ فإن تساويا في القرب، فالنفقة عليهما، ثم يسوي، أو يراعى قدر الإرث؟ فيه وجهان.
وإن كانا غير وارثين، فالنظر إلى الإدلاء بالوارث.
والثالثة: اعتبار ولاية المال في حالة ما، أو الإدلاء بمن له ولاية المال إن عدم ذلك، أو القرب ممن له ولاية المال، إن عدم الإدلاء به.
والرابعة: اعتبار الذكورة، فإن كانا ذكرين، أو أنثيين فالاعتبار بالإدلاء

بالذكر، فإن استويا في الإدلاء فالاعتبار بالقرب.
والخامسة: الاعتبار بالإرث والذكورة جميعاً، فإن اختص أحدهما بالمعنيين فالنفقة عليه.
وإن وجدا فيهما، أو لم يوجدا، أو وجد أحدهما في أحدهما، والثاني في الثاني- فيعتبر القرب.
فالقول الأول من مسألة الكتاب قال به من ذهب إلى الطريقة الأولى والثانية والخامسة؛ لانتفاء المرجح.
والقول الثاني قال به من ذهب إلى الطريقة الثالثة والرابعة.
ومما يتفرع على هذه الطرق: إذا كان له أب أب، وأب أم- فعلى الأول: النفقة [عليهما.
وعلى أب الأب على الباقي.
وإذا كان له أب أم، وأم أب- فعلى الأول والخامس: النفقة عليهما] وعلى أم الأب في الباقي.
فرع: إذا كان له جدتان متحاذيتان، ولإحداهما ولادتان فهي أولى، وإن كان لإحداهما ولادتان، والأخرى أم عصبة – فهما سواء.
تنبيه: سكت الشيخ عن جانب الفروع؛ لاستغنائه بما ذكره في جانب الأصول؛ فإن الابن وولده، والبنت وولدها بمنزلة الأب مع الجد والأم مع الجدة، والابن والبنت إذا اجتمعا بمنزلة الأب والأم؛ فالنفقة واجبة على الابن.
وفي طريقة المراوزة حكاية وجه في البنت مثل الذي حكيناه في الأم.
والبنت مع ابن الابن بمنزلة الأم مع الجد؛ فتكون النفقة على ابن الابن.
وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنها عليهما بالسوية، ولا يجيء فيهما ما قيل في الأم: أنه يجب عليها الثلث- على رأي- لأن البنت وابن الابن ميراثهما مستو؛ بخلاف الأم والجد.
وبنت الابن وبنت البنت بمنزلة أم الأم وأم الأب، وفيهما قولان: أحدهما: التساوي؛ لاستوائهما في الدرجة والأنوثة.

والثاني: النفقة على بنت الابن؛ لأنها تدلي بعصبة.
والضابط الذي يتخرج عليه مسائل هذا القسم: أن الموجودين متى استويا في الدرجة والوراثة أو عدمها، والذكورة والأنوثة- فالنفقة عليهما، فإن كان أحدهما غائباً أخذت حصته من ماله، وإن لم يكن له مال حاضر استقرض عليه.
قال ابن الصباغ: وينبغي إذا لم يجد من يقرض أن يلزم الحاضر أن يقرضه؛ لأن نفقته عليه، إذا انفرد، وهذا ما أبداه القاضي الحسين في "التعليق".
وإن اختلفا، فمن الأًحاب من ينظر إلى القرب أولاً، ومنهم من ينظر إلى الذكورة أولاً.
كل ذلك على ما ذكرناه من قبل، والأظهر- عند الإمام والبغوي وغيرهما-: الطريق الأول، ويدل على قوة القرب أن من اعتبر الإرث أو الذكورة قطع عند استوائهما فيهما بالاعتماد على القرب، والمعتبرون للقرب ترددوا عند استوائهما في الدرجة في أنه هل يعتبر الإرث أو الذكورة؟ واختيار العراقيين من ذلك ما أشرنا إليه، ولنذكر من المسائل ما يظهر لك فائدة الاختلاف في المأخذ: فمنها: إذا كان له ابن ابن، وابن بنت النفقة [عليهما- إن اكتفينا بالقرب، وعلى ابن الابن على ما عداه.
ومنها: بنت ابن، وابن بنت] النفقة على بنت الابن إن اعتبرنا الإرث، وعلى ابن البنت إن اعتبرنا الذكورة، وهما مذكوران في "الحاوي"، وعليهما إن اكتفينا بالاستواء في الدرجة، والأوجه الثلاثة مذكورة في "الشامل".
ومنها: بنت، وابن بنت، إن راعينا الذكورة فهي على ابن البنت، وإن راعينا القرب أو الوراثة، فهي على البنت، وقد حكاهما في "المهذب".
فرع: لو كان له ابن وولد خنثى مشكل، فإن قلنا عند اجتماع الابن والبنت: النفقة عليهما؛ فكذلك هاهنا، وإن قلنا: النفقة على الابن فوجهان: أحدهما: النصف على الابن، والنصف الآخر يستقرضه الحاكم، فإن بان أنه ذكر، وجب عليه، وإلا فالرجوع على الابن، كذا قاله الرافعي.
والأولى أن ييقال: وإن بان أنه أنثى رجع به على الابن؛ لأنه قد لا يظهر أنه ذكر ولا أنثى، ويستمر إشكاله.

وأظهرهما- وهو ما حكاه ابن الصباغ-: أنه يؤخذ الجميع من الابن؛ لأنه بصدد أن يكون الجميع عليه، فهو أولى بالمطالبة.
وحكى الماوردي- بدل الوجه الأول- أنها عليهما نصفين بالسوية، فإن بان أنه أنثى رجعت عليه بما أنفقت.
فرع آخر: لو كان له بنت وولد خنثى، إن قلنا لو اجتمع الابن والبنت- تكون النفقة عليهما، فكذلك هاهنا، وإن خصصناها بالابن فوجهان: أحدهما: الإنفاق على الخنثى؛ لاحتمال كونه ذكراً، فإن بان أنه أنثى رجعت على أختها بالنصف.
والثاني: لا يؤخذ منه إلا النصف؛ لأنه المستيقن، ويؤخذ من البنت النصف، فإن ثبتت ذكورته رجعت بما أنفقت عليه.
قال ابن الصباغ: وهذا أقيس، والله أعلم.
وقد بقي قسم ثالث، وهو اجتماع واحد من الأصول وواحد من الفروع، قال الأئمة: يجيء فيه الطرق؛ فيقدم الأقرب في طريق، والوارث في طريق، والولي في طريق، والذكر في طريق.
وإذا وجبت النفقة على وارثين، فيجيء الخلاف في أن التوزيع يكون بالسوية أو بحسب الإرث، وتفصيل هذه الجملة بذكر صور: أب وابن، فيه ثلاثة أوجه، حكاها ابن الصباغ: أحدها: أن النفقة على الأب؛ لأنها ثابتة بالنص، ويحكى هذا عن اختيار أبي عبد الله الحسين.

والثاني: [على] الابن؛ لأن عصوبته أقوى، ولأنه أولى بالقيام بشأن أبيه؛ لعظم حرمته، وهذا أظهر في "الحاوي"، وأصح عند البغوي والروياني، واختيار صاحب "التلخيص".
والثالث: أنها عليهما؛ لاستوائهما في القرب، وهذا والذي يليه هما المذكوران [في "الحاوي"، وهو والأول هما المذكوران] في تعليق البندنيجي.
وعلى هذه الوجوه ما إذا اجتمع أب وبنت، وما إذا اجتمع جد وابن ابن.
وفي أم وبنت طريقان: أظهرهما: مجيء الأوجه.
والثاني: القطع بأنها على البنت، ويحكى هذا عن القاضي أبي حامد وغيره، وكأنهم اعتمدوا في الإيجاب على الأب معنى الولاية، واستصحاب ما كان في الصغر والذكورة؛ وكذا الخلاف فيما لو اجتمع الابن والأم.
ويجري الطريقان في جد وابن، وطريق الجزم بالوجوب على الابن هو المذكور في "الحاوي".
ويجريان- أيضاً- في أب وابن ابن.
قال في "التهذيب": والأصح: أنه لا نفقة على الأصول ما دام يوجد واحد من الفروع، قريباً كان أو بعيداً، ذكراً كان أو أنثى.
قال: وإن مضت مدة، ولم ينفق فيها على من تلزمه نفقته من الأقارب- أي: الصغير منهم والكبير- لم تصر ديناً عليه- أي: وإن كان متعدياً بذلك- ولم يفرضها القاضي؛ لأنها وجبت، لدفع الحاجة الناجزة، وقد زالت.
ولأن التمليك فيها غير واجب، بدليل الاكتفاء بالغداء والعشاء مع القريب، وما لا يجب فيه التمليك، وانبنى على الكفاية يستحيل مصيره ديناً في الذمة.
وهذا بخلاف نفقة الزوجة التي احترز الشيخ عنها بقوله: "من الأقارب"، فإنه يجب فيها التمليك، وتستحق معاوضة في مقابلة الاستمتاع، والأعواض لا تسقط بمضي الزمان.

وفي الصغير وجه حكاه الشيخ أبو علي: أنها تصير دينًا في الذمة.
قال الإمام: ولا ينبغي أن يعتد به, ولولا علو ذلك الحاكي؛ لما استجزت حكايته.
أما إذا فرضها القاضي, ففي "الجيلي": أنه لا أثر لذلك, وفي "الرافعي": أنها تثبت قي ذمته.
وكذا لو أذن في الاستقراض؛ لغيبته أو امتناعه, أو استقرض البالغ عند تعذر مراجعة القاضي [وأشهد, أو لم يشهد] على أحد الوجهين, أو الأم إذا جعلنا لها الأخذ من ماله عند الامتناع من الدفع, على أحد الوجهين – عند عدم الإشهاد أيضًا, أو الجد عند عدم الأب على أضعف الوجهين في "النهاية".
ولو أنفق الجد من ماله بإذن الحاكم, يرجع على الأصح, وفي "البحر" وجه: أنه لا يرجع.
ولو أنفقت الأم من مالها على الطفل في غيبة الزوج وعدم القدرة على ماله, فهل ترجع؟ ينظر: إن أشهدت رجعت, وإلا فإن لم نجوز لها الاقتراض فلا يثبت لها الرجوع, [من طريق الأولى, وإن جوزناه ففي الرجوع وجهان.
ثم إذا أثبتنا لها الرجوع] فذاك فيه إذا لم تقصد التبرع, فأما إذا قصدته فلا ترجع.
قال الإمام: ويجب أن يقال: إنما ترجع على أحد الوجهين إذا قصدت الرجوع.
فرع: لو تلفت النفقة في يد القريب وجب إعطاء غيرها, وكذا إن أتلفها, لكن يجب عليه إذا أتلفها غرم بدلها يطالب به عند اليسار.
قال: وإن احتاج الوالد – أي: وإن علا من قبل الأبوين – إلى النكاح, وجب على الولد إعفافه, أي: إذا لم يقدر الوالد عليه – على المنصوص – أي: في كتاب الدعاوى والبينات – لأنه تدعو حاجته إليه, ويستضر بفقده؛ بسبب تعرضه للزنى؛ فوجب على الولد؛ كالنفقة.
وقيل: فيه قول مخرج: أنه لا يجب؛ لأنه قريب مستحق النفقة؛ فلم يستحق الإعفاف كالابن, وهذا خرجه ابن خيران, قال الجيلي: من إعفاف الأم؛ فإنه لا يجب – على الأصح, وعزاه إلى الشافعي.
وقيل: خرجه مما إذا استحق النفقة في بيت المال؛ فإنه لا يستحق الإعفاف على الأصح, وعزاه إلى شرح "التلخيص".

وقيل: خرجه مما إذا وجبت نفقة الولد على الأب؛ فإنه لا يجب إعفافه.
وحكى – أيضًا – في "البحر" وجهًا: أنه يجب على الأب والجد.
والمذهب الأول؛ لأن فوات نفس الابن محتمل لإبقاء نفس الوالد؛ فأولى أن يحتمل فوات ماله, بخلاف الابن.
والأم تأخذ من الزوج ما نوجبه على الابن؛ بسبب أبيه؛ فلا يمكن الإلحاق بها.
فعلى هذا: في محل الوجوب ثلاثة طرق: أشبهها – عند الرافعي -: أنه يجب حيث تجب النفقة, فيجب في حال الزمانة, وكذا مع الصحة, على أحد القولين.
وهل يجب للأب الكافر؟ على الوجهين.
الثاني: أنا إن أوجبنا النفقة للصحيح فهاهنا أولى, وإلا فوجهان, الذي عليه أكثر الأصحاب منهما – على ما حكاه في "الشامل" -: عدم الوجوب.
وهذه [هي] المذكورة في "المهذب" و"الحاوي", ويتخرج منها: أنه لو كان قادرًا على النفقة, عاجزًا عن مؤنة التزويج – ففي وجوب إعفافه الخلاف, وقد صرح به وجهين, والأظهر الوجوب.
والثالث: أن النفقة إذا لم تجب, فكذلك الإعفاف؛ وإن وجبت, ففي وجوب الإعفاف قولان.
والفرق: أن الحاجة إلى النفقة أهم؛ ولذلك يجوز للمضطر أكل طعام الغير, ولا يجوز مثل ذلك في الجماع.
والمراد بالحاجة إلى النكاح: أن يخاف [العنت أو] يضر به التعزب, ويشق عليه.
وأبدى الإمام احتمالًا في الثاني: أنه لا يكفي, وقد حكاه مجلي وجها إذا لم يكن فاسقًا, أما إذا كان فاسقًا فإنه يعتبر في حقه زيادة الشهوة وجهًا واحدًا, ويقبل قوله في الحاجة من غير يمين, لكن لا يحل له الطلب إلا عند وجود الحاجة.
والمراد بالإعفاف: أن يهيئ له مستمتعًا يعفه عن الفاحشة؛ بأن يعطيه مهر حرة مسلمة, أو كتابية.

وفي الكتابية وجه: أنها لا تكفي.
وفي الأمة وجه: أنها تكفي.
أو يقول له: انكح وأنا أعطى المهر.
أو يباشر النكاح عن إذن الأب, ويعطي المهر أو يملكه جارية تحل له, أو ثمنها.
وبهذا يظهر لك أن الأب إذا قدر على شراء جارية لا يجب على الابن إعفافه.
وليس للأب أن يعين النكاح, ولا يرضى بالشراء, ولا أن يعين امرأة رفيعة المهر؛ لفضيلة جمال أو شرف.
وإذا اتفقا على تعيين المهر, فتعيين المرأة بعد ذلك إلى الأب.
ولا يجوز أن يزوجه أو يملكه عجوزًا شوهاء كما لا يجوز أن يطعمه في النفقة طعامًا فاسدًا.
ولو أيسر الأب بعد أن ملكه جارية, [أو ثمنها] – لم يكن له الرجوع؛ كما لو دفع إليه النفقة, فلم يأكلها حتى أيسر؛ كذا قاله في "المهذب" وغيره, وفيما قاله في النفقة نظر؛ من حيث إنه لا يجب فيها التمليك, وقد زالت الحاجة, وهي باقية على ملك الولد.
ولو ماتت الأمة, أو الزوجة التي حصلها له الابن, [أو فسخ نكاح الزوجة بعيب أو ردة, أو بأن أرضعت من كانت زوجة له – فيجب على الابن] تجديد الإعفاف.
وحكى الشيخ أبو حامد وجهًا: أنه لا يجب, وهو في "المهذب" محكي في الموت.
وعلى المذهب: لو طلقها, أو خالعها, أو أعتق الأمة – نظر: إن كان بعذر من شقاق, أو نشوز وغيرهما, ففيه وجهان: أظهرهما – وهو المذكور في "التهذيب" -: أنه يجب التجديد, كما في الموت, إن كان بغير عذر فلا.
وأطلق في "المهذب" الجواب بالمنع من غير تفصيل.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه إذا طلق عليه فعليه أن يزوجه مرة اخرى, أو يسريه,

[فإن طلق الثانية, لم يزوجه بعد ذلك, ولكن يسريه] , ويسأل الحاكم أن يحجر عليه؛ حتى لا ينفذ إعتاقه.
وإذا وجب التجديد: فإن كان الطلاق بائنًا فذلك في الحال, وإن كان رجعيًا فبعد انقضاء العدة.
فرع: إذا اجتمع أصلان محتاجان, فإن وفي مال الابن بإعفائهما وجب, وإلا قدم الأقرب إذا استويا في العصوبة, أو عدمها, فإن كان الأبعد عصبة, دون الأقرب: كجد الأب, وأب الأم – فالعصبة أولى.
قال الشيخ أبو حامد: الذي يجيء على المذهب: أنهما سواء, حكاه في "العدة" عنه, على ما نقله العمراني.
وفي "الرافعي": أن الشيخ أبا عليّ حكاه وجهًا, وإذا استويا خصص أحدهما بالقرعة.
قال: وإن احتاج الطفل إلى الرضاع وجب إرضاعه – أي: على من تجب عليه النفقة – إن لم يكن له مال؛ وكذا مؤنة خدمته؛ لأن ذلك في حق الصغير بمنزلة النفقة في حق الكبير.
قال: وإن [كان أبواه] على الزوجية, وأرادت أمه أن ترضعه – أي: متطوعة – لم يمنعها الزوج؛ لأنها أشفق على الولد من الأجنبية, ولبنها أصلح له وأوفق, وهل هذا على سبيل الوجوب [أو الاستحباب؟ فيه وجهان: أحدهما – وهو اختيار القاضي أبي الطيب -: أنه على سبيل الوجوب] وهو نازع إلى أن الأب إذا وجد متبرعة, وطلبت الأم إرضاعه بأجرة: أنه يجب عليه الأجرة؛ لما سنذكره, وإلى هذا المأخذ أشار الإمام, ونسب هذا الوجه إلى رواية صاحب "التقريب" وطرده فيما إذا كانت تنقطع عن توفية حق الزوج؛ لزمان اشتغالها.
والثاني: أنه على سبيل الاستحباب؛ فله منعها من إرضاعه, وهو الذي عليه جماهير الأصحاب, وجزم به في "المهذب" وقال: إن المنع مكروه, وكذلك

البندنيجي؛ لأنه يستحق الاستمتاع بها في الأوقات المصروفة إلى الرضاع, وهذا نازع إلى القول المقابل؛ لما أشرنا إليه, وسيأتي أنه الذي صححه بعضهم.
وقال الماوردي: الصحيح: أنه ينظر في سبب المنع: فإن كان لأجل الاستمتاع وفي أوقاته كان له المنع, [وإن كان لغير الاستمتاع وفي غير أوقاته لم يكن له المنع] فإن قلنا: ليس له المنع, أو توافقا عليه – فهل تزاد نفقتها [للإرضاع]؟! فيه وجهان: أحدهما – وبه قال أبو إسحاق والإصطخري -: نعم, وهو الذي حكاه القاضي الحسين.
والأصح – وبه قال عامة أصحابنا, كما حكاه البندنيجي -: المنع؛ لأن النفقة لا يختلف بحال المرأة وحاجتها.
قال الرافعي: والأولى أن نقول: هذه الزيادة تحتاج إليها لتربية الولد, وعلى أبيه القيام بالكفاية.
قال: وإن امتنعت من إرضاعه, أي غير اللبأ – لم [تجبر عليه]؛ أي: إذا وجد غيرها؛ لقوله تعالى: (وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) [الطلاق: 6] وإذا امتنعت فقد حصل التعاسر.
ولأنه في حق الصغير بمنزلة النفقة في حق الكبير, وهي لا تجب على الأم مع يسار الأب؛ فكذلك هاهنا.
وقال المزني [و] أبو ثور: [و] يجب عليها إرضاعه حولين, أما إرضاع اللبأ الذي لا يعيش [الولد] بدونه فواجب عليها؛ لإبقاء النفس.
قال الرافعي: والمراد من إطلاقهم: أنه لا [يعيش إلا به, أي: لا يستوي ولا تشتد بنيته إلا به, وإلا فشاهدنا من] يعيش بلا لبأ.
وقال الإمام: ما ذكره الأصحاب هو المذهب, وعليه التعويل, وتمام البيان في ذلك: أنا لا نشترط فيما يلزمه من ذلك القطع بهلاك المولود, ولكن إذا ظننا هلاكًا, او وقوعه في سبب يفضي إلى الهلاك بدرجة – فيجب السعي في دفعه؛

فحينئذ وقوع السلامة من ذلك لا يمنع من هذا الاحتمال.
ثم لها أن تأخذ الأجرة على ذلك إن كان لمثله أجرة.
وقال الماوردي – فيما لو احتيج إلى ذلك بعد البينونة -: ولو قيل: لا أجرة لها؛ لأنه حق واجب قد تعين عليها, وعجز الأب عنه؛ فجرى مجرى نفقته إذا أعسر الأب وأيسرت – لكان له وجه.
وهذا يجيء في مسألتنا من طريق الأولى؛ لما ستعرفه؛ وهو ما حكاه ابن يونس.
وأما إذا لم توجد مرضعة غيرها وجب عليها أيضًا, ولا يختص هذا بالأم, بل لو لم توجد إلا مرضعة أجنبية وجب عليها.
قال: وإن طلبت الأجرة, فقد قيل: يجوز استئجارها, واحتج له بقوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [الطلاق: 6] , ولو لم يجز استئجارها لم يكن لها أجر وهذا [هو] الأصح في "الرافعي", والذي حكاه القاضي الحسين, وقاسه على جواز استئجارها على الخياطة وغيرها.
قال: وقيل: لا يجوز؛ لأنه يحق الاستمتاع بها في تلك الحالة؛ فلا يجوز أن يعقد عليها عقدًا آخر؛ وهذا ما حكاه الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ, وطرده الماوردي فيما لو استأجرها لخياطة ثوب, وقال: إذا خاطته, لا تستحق الأجرة, وصارت متطوعة به.
وإلى ذلك أشار الرافعي بقوله: وربما طرد ذلك في استئجارها للخدمة وغيرها.
وطرد ابن يونس الوجهين فيما إذا أجرت نفسها لإرضاع طفل آخر.
فعلى الأول: إذا استأجرها: فإن الإرضاع لا يمنع من الاستمتاع, ولا

ينقصه – فلها مع الأجرة النفقة, وإن كان يمنع أو ينقص فلا نفقة لها, على ما حكاه في "التهذيب".
وقال في كتاب العدد: إذا كان الولد من غيره, واحتاجت إلى الخروج, أو حصل إخلال في التمكين -: فإن وجب عليها الإرضاع حتى لا يجوز للزوج منعها لعدم مرضعة, فأذن: فهل تسقط نفقتها؟ فيه وجهان؛ كما لو سافرت بإذنه في حاجتها, وهذا بعينه يتجه جريانه هاهنا.
وفي "الذخائر" حكاية وجهين – من غير تفصيل – فيما إذا أرضعت ولد غيره بإذنه.
وعلى الثاني: إذا أرضعت على طمع الأجرة ففي استحقاقها أجرة المثل وجهان: قال ابن خيران: تستحق؛ لأنها لم تبذل منفعتها مجانًا.
وقال أكثرهم: لا تستحق, ولو استحقت لجاز استئجارها.
فرع: هل يجوز لها أن ترضع ولد غيره بأجرة؟ الذي ذكره الماوردي: أنه لا يجوز.
وكذلك لو أرادت التطوع برضاع غير ولدها, وخدمة غير زوجها.
وفي "الشامل" في كتاب الإجارة حكاية وجه: أنه يجوز بغير إذنه, ويثبت له الخيار في فسخه, وجزم بالجواز فيما إذا كان بإذنه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه قيل: لها أن ترضع ولد غيره بالأجرة؛ كما لها أن تغزل.
ثم قال: وهذا فاسد؛ لأن الشافعي نص في امرأة المفقود: إذا حضر الزوج الأول فله أن يمنعها من أن ترضع ولد الثاني إلا اللبأ؛ فكذلك له أن يمنعها من أن تشتغل بإرضاع ولد الغير.
وإذا قلنا بجواز ذلك, قال في "البيان": كل موضع لزمت فيه إجارة الزوجة نفسها, ولم يكن للزوج فسخها, فهل يمنع الزوج من وطئها؟ فيه وجهان, المذكور منهما في "التهذيب": أنه يمنع, لكن لا تستحق عليه النفقة.
قال: وإن كانت بائنة جاز استئجارها؛ لانتفاء المانع المذكور, فإن طلبت أجرة

المثل قدمت على الأجنبية, أي: إذا طلبت – أيضًا – أجرة المثل, لأن الله تعالى إنما جعل للأب أن يرضع ولده غيرها إذا تعاسرت, [وهي لم تتعاسر] , ولأن المؤنة عليه فيها مثل المؤنة في غيرها, ولها فضل الحنو والشفقة, وحق الحضانة؛ فلا يفوت [عليها] , وتكون أولى به.
قال: وقيل: إن كان للأب من يرضعه [من غير] أجرة ففيه قولان: أصحهما: أن الأم أحق؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [الطلاق: 6] ولما ذكرناه.
ولأن الرضاع وجب لحق الولد, ولبن الأم أصلح له, وقد رضيت بعوض المثل؛ فكانت أحق به, وهذا ما نقله المزني عن نصه في بعض المواضع, وقال: إنه أحب إليّ.
والقول الثاني – وهو المنقول في عامة الكتب, وصححه الرافعي -: أن للأب الانتزاع, وإرضاعه للأجنبية؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 233]. وبالقياس على ما لو طلبت أكثر من أجرة المثل.
وقد قطع بهذا القول قاطعون, منهم: أبو إسحاق, والإصطخري, وابن سريج, وابن أبي هريرة.
وقال أبو إسحاق: لا يُعرف للشافعي إلا هذا القول, وما حكاه المزني ليس فيه ما يدل على خلافه.
وهذا الخلاف [يشابه ما إذا تبرع] أجنبي بحفظ مال الطفل, وأبى الأب إلا بأجرة – فأصح الوجهين: أن الأب لا يجاب.
ويجري الخلاف فيما لو طلبت أجرة المثل, ووجد من ترضى بدونها, على ما حكاه أكثرهم.
وفي "الحاوي": أنه ينظر في قدر نقصان الأجرة: فإن كان بقدر زيادة الإدرار و [فضل] الاستمراء [كانت الأم أحق؛ لأن نقصان الأجرة يصير في مقابلة اللبن, وترجح الأم بفضل حنوها.

وإن كان النقصان من أجرة المثل أكثر من فضل الإدرار والاستمراء] كان على القولين؛ كما لو وجد متطوعًا.
فعلى الأول: لو اختلفا: فقال الأب: وجدت متبرعة وأنكرت – فهو المصدق بيمينه, وكان يتجه أن يخرج وجه: أنه لا يحلف, كما سيأتي فيما إذا ادعى إرادة سفر النقلة.
وعلى الثاني: للأب انتزاعه منها كما ذكرناه, ولا يكلف أن يأتي المرضعة [وترضعه في بيتها, ولا تمنع الأم من زيارته, قاله ابن الصباغ, وسيأتي في باب الحضانة] ذكر خلاف فيه.
قال: ولا تجب أجرة الرضاع لما زاد على حولين؛ لأن الله – تعالى – جعلهما تمام مدة الرضاع, ولا يجوز أن يفصل عن أمه قبل تمامهما من غير رضا الأبوين.
وفيه احتمال للإمام إذا لم يتضرر به الولد.
وإن اتفقا على فطامه قبل تمام الحولين جاز إذا لم يتضرر الولد.
ويجوز لكل منهما فصاله بعد الحولين, على ما حكاه البغوي وغيره.
فصل: ومن ملك عبدًا أو أمة, لزمه نفقتهما وكسوتهما؛ أي: سواء كان العبد صغيرًا أو كبيرًا, عاقلًا أو مجنونًا, مكتسبًا أو غير مكتسب, صحيحًا أو زمنًا؛ لما روى الشافعي بإسناده عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف, ولا يكلف من العمل ما لا يطيق", وفي رواية: "إلا ما يطيق".
وروى مسلم عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملكه قوته".

ولأن السيد مالك لتصرف عبده وكسبه؛ فوجب أن يكون ملتزمًا لنفقته وكسوته؛ لما يلزمه من حراسة نفسه.
وقد اتفق العلماء على إيجاب النفقة للملوك, والمرا بالنفقة: الطعام والإدام, وذلك غير مقدر, بل الواجب فيه قدر الكفاية؛ كنفقة القريب, وفي قدر الكفاية وجهان: أحدهما: كفاية مثله في الغالب, [و] لا يعتبر حاله في نفسه.
والثاني: يعتبر حاله في نفسه؛ فتراعى رغبته وزهادته, فإن لم يكفه ما يكفي مثله غالبًا فعلى السيد الزيادة, وهذا ما اختاره ابن الصباغ.
وقال الماوردي: إن كان يؤثر فقد الزيادة في قوته وبدنه لزمت السيد, وإلا فلا.
قال الرافعي: وينبغي أن تجيء هذه الوجوه [قويها وضعيفها] في نفقة القريب.
وجنس النفقة: غالب القوت الذي يطعم منه المماليك في البلد.
فإن كان دون قوت السادة لم يجب عليهم أن يطعموهم إلا منه.
وما ورد من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إخوانكم خولكم, جعلهم الله تحت أيديكم, فمن [كان] أخوه تحت يده – فليطعمه مما يأكل, ويكسوه مما يلبس" – فهو محمول على مكارم الأخلاق, أو في حق من قوته من جنس قوت العبيد, وكسوته متقاربة؛ للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة.
والمرجع في الأدم والكسوة – أيضًا – إلى العرف.
ويجري على حال السيد في اليسار والإعسار؛ فيجب من رقيق الجنس وخشنه, ولا يجوز الاقتصار في الكسوة على ستر العورة, وإن لم يتأذ بالحر والبرد.
فرع: لو كان السيد يطعم ويلبس دون المعتاد غالبا, إما بخلا أو رياضة – فيلزمه رعاية الغالب للرقيق, أو له الاقتصار على ما اقتصر عليه السيد؟ فيه وجهان, أشبههما الأول.

قال: فإن كانت الأمة للتسري فضلت على أمة الخدمة في الكسوة؛ للعرف, [وهذا هو الأصح.
وقيل: لا تفضل؛ لتساويهما في المقتضى للوجوب] وهو الملك, وكالعبد إذا كان شريفًا.
وهذا الخلاف يجري في الطعام – أيضًا – وفي ذات الجمال وإن لم تكن سرية.
ومنهم من أجراه في العبد الشريف, والظاهر التسوية.
واعلم أن ظاهر إطلاق الأئمة يدل على أن هذا الخلاف في الوجوب؛ لأنهم عللوه بأنه من المعروف, ولفظ الإمام: يجب التفاوت.
وفي "المهذب" أن ذلك استحباب.
قال: والمستحب أن يجلس – أي: بضم الياء – الغلام الذي يلي طعامه معه, فإن لم يفعل – أي: المالك, ويحتمل أن يريد المملوك – أطعمه منه؛ لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه قد كفاه حره ودخانه فليقعده ليأكل معه, وإلا فليناوله أكله من طعامه", وروى: "إذا كفى أحدكم خادمه طعامه ودخانه فليجلسه معه, فإن أبى فليروغ له اللقمة واللقمتين".
والأكلة بالضم: اللقمة, وروغها, أي: رواها دسمًا.
وقيل: إنهما سواء في الاستحباب.
وقيل: يجب عليه الترويغ والمناولة, فإن أجلسه معه فهو أفضل.
وقيل: الواجب أحدهما, لا بعينه.
والظاهر الأول.
وأصل الاستحباب في إطعام الطعام اللذيذ يشمل الذي يليه وغيره.

والمراد بالطعمة: ما يسد مسدًّا، دون الذي يهيج الشهوة ولا يقضي النهمة.
فائدة: لو دفع الطعام إلى العبد، ثم أراد إبداله – ذكر القاضي الروياني: أنه لا يجوز له ذلك عند الأكل، ويجوز قبله.
وقال الماوردي: إن تضمن الإبدال تأخير الكل لم يجز، والله أعلم.
قال: ولا يكلفه من الخدمة ما يضر به؟ للخبر، ولقوله – عليه السلام-: ["لا ضَرَرَ ولا إِضْرَارَ".
قال الشافعي: ومعنى قوله- عليه السلام-:] "وَلاَ يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لاَ يُطِيقُ"، يعني – والله أعلم -: إلا ما يطيق [الدوام عليه، لا ما يطيق] يوماً أو يومين أو نحو ذلك ثم يعجز.
ومعنى كلام الشافعي: أنه لا يجوز أن يكلفه ما يطيقه يومين أو ثلاثة، ولا يطيقه على الدوام.
قال: ويريحه في وقت القيلولة- وهي النوم نصف النهار – دفعاً للضرر، وكذا إذا عمل بالنهار أراحه بالليل، وبالعكس.
ويستعمله في الشتاء النهار، مع طرفي الليل، ويتبع في ذلك العادة الغالبة.
قال: وفي وقت الاستمتاع عن كانت له زوجة؛ لأن إذنه في النكاح يتضمنه، وقد تقدم الكلام فيه في كتاب النكاح.
قال: وإن سافر به أركبه عقبة، أي: وقتاً مؤقتاً؛ حتى لا يكلفه ما لا يقدر على المداومة عليه عادة.
والعقبة: بضم العين.
قال: ولا يسترضع الجارية إلا ما فضل عن ولدها، أي: المملوك له، أو ولده؛ لأنه لو استرضعها أكثر من ذلك، لأضر بها بسبب ولدهان وقد قال تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: 233]. ولأن نفقته عليه، وطعامه اللبن، وكما لا يجوز أن ينقص من طعامه غير اللبن عن كفايته، كذلك [من] طعامه اللبن.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه إذا أراد أن ينتزعه منها، ويرضعه من غيرها –

جاز؛ لأنها ملكه، والاستمتاع بها حقه.
والصحيح: الأول؛ لأن فيه إحالة بينه وبينها، وليس له ذلك؛ لإفضائه إلى الوله، صرح به الإمام.
أما إذا كان مملوكاً لغيره، أو حرًّا، فله أن يسترضعها من شاء؛ لأن الولد إرضاعه واجب على مالكه، أو والده؛ كذا قاله الماوردي.
ولو رضي السيد بأن ترضعه مجاناً لم يكن لها الامتناع؛ لأن ذلك محض حقه.
ويجوز له في أوقات الاستمتاع أن يضم ولدها منه أو المملوك له إلى غيرها.
وأبدى الإمام فيه تخريج الوجه الذي حكاه عن صاحب "التقريب" في الزوجة.
وله إجبارها على الفطام قبل الحولين إذا اجتزأ الولد باللبن، وعلى الإرضاع بعد الحولين وإن كان يجتزئ بغير اللبن، إلا إذا تضررت به، وليس لها الاستقلال بالفطام ولا الإرضاع.
قال: وإن مرضا أنفق عليهما؛ لأن نفقتهما مقدرة بالكفاية؛ فأشبها الأقارب.
فرع: تجوز المخارجة، وهي ضرب خراج معلوم على الرقيق يؤديه كل يوم أو أسبوع، مما يكتسبه.
وقد صرح بذلك الشيخ في باب التدبير، وليس للعبد أن يجبر سيده عليها، ولا للسيد إجبار العبد عليها؛ كعقد الكتابة.
وعن القاضي أبي حامد تخريج قول: أن للسيد ذلك.
وإذا تراضيا، فليكن له كسب [دائم يفي] بذلك الخراج، فاضلاً عن نفقته وكسوته إن جعلهما في كسبه، وإذا ما يكسبه، فالزيادة مِيرة من السيد إلى عبده.
وإن ضرب عليه خراجاً أكثر مما يليق بحاله، وألزمه به منعه السلطان منه، ويجبر نقصان بعض الأيام بالزيادة في بعضها.
ولا يخفى أن ذلك عقد جائز، فإن فسخ وفي يد العبد فاضل من كسبه فهو للسيد.
فصل: وإن ملك بهيمة وجب عليه القيام بعلفها؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي اطَّلَعْتُ في النَّارِ، فَرَأَيْتُ امْرأَةٌ تُعَذَّب، فَسَأَلْتُ عَنْهَا، فَقِيلَ: إِنَّهَا رَبَطَتْ هِرَّةً، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَسْقِهَا، وَلَمْ تَاكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ

حَتَّى مَاتَتْ؛ فَعَذَّبَها اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
ولأنها ذات روح تتضرر بترك الأكل؛ فوجب عليه القيام به كما في العبد.
ثم للبهيمة ثلاث أحوال: إحداها: أن تكون معلوفة، لا ترعى، فعليه [ان يعلفها، ويسقيها حتى ينتهي إلى أول شبعها وريها، دون غايتها، وليس له أن يعدل بها إلى المرعي إذا لم تألفه.
الثانية: أن تكون راعية، لا تعلف، فعليه] إرسالها في المراعي حتى تشبع من الكلأ وتروى من الماء، ويعتبر في هذه الحالة أمران: أحدهما: أن يكون في الموضع الذي ترعى فيه [ماء] مشروب.
والثاني: ألا يكون فيه سباع، فإن لم يتهيأ له ذلك كانت القسم الأول.
والثالثة: أن تكون جامعة بين الأمرين، فإن كانت مكتفية بكل منهما كان مخيراً؛ وإن لم تكتف إلا بهما فعليه الجمع بينهما.
تنبيه: العلف بفتح اللام: ما تطعمه البهيمة من شعير وتبن وحشيش وغيرهما، وبإسكان اللام: مصدر علفها علفاً، ويجوز هاهنا الوجهان.
قال: ولا يحمل ما يضر بها بالقياس على العبد.
قال: ولا يحلب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها؛ لأنه خلق غذاء للولد؛ فلا يجوز منعه منه كما في ولد الأمة.
والمراد: أن يفضل عما يقيمه؛ حتى لا يموت، كذا قاله الروياني.
وذكر في "التتمة": أنه لا يجوز الحلب إذا كان يضر بالبهيمة لقلة العلف، وأنه يكره [تركه] إذا لم يكن في الحلب إضرار بها؛ لما فيه من تضييع المال، والإضرار بالبهيمة.
وان المستحب ألا يستقصي في الحلب، ويبقى في الضرع شيئاً.
وأن يقص الحالب أظفاره؛ كي لا يؤذيها بالقرص.
والنحل يبقى له في الكوارة شيء من العسل إلا أن يكون الانتشار في الشتاء،

ويتعذر الخروج؛ فيبقى له أكثر، وإن قام مقام العسل شيء آخر لم يتعين إبقاء العسل، وقد قيل: تشوى دجاجة وتعلق على باب الكوارة؛ فيأكل منها.
وديدان القز تعيش بورق الفرصاد، فعلى مالكها تخليتها لتأكل منه، وإذا جاء وقت استكمالها الغزل جاز تجفيفها بالشمس وإن كانت تهلك؛ لتحصيل فائدتها.
قال: وإن امتنع من الإنفاق على رقيقه أو بهيمته – أجبر على ذلك، أي: إذا كان له مال ولكنا لم نصل إليه؛ لأنه حق وجب عليه القيام به، فإذا امتنع من أدائه، أجبر عليه؛ كنفقات الزوجات.
وكيفية إجباره: أن يؤمر بالإنفاق عليه، [أو بان] يبيعه، أو يؤجره إن أمكن إيجاره، أو يعتقه إن كان يمكن أو يذبح ما يحل أكله.
أما إذا كان له مال ظاهر فيباع عليه، وفي كيفية بيعه وجهان: أحدهما: شيئاً فشيئاً.
والثاني: يستقرض عليه على أن يجتمع شيء صالح؛ فيباع منه بقدره، فإن لم يمكن بيع بعضه، باع جميعه، صرح به الماوردي.
قال: فإن لم يكن له مال، أي: وأصر على الامتناع – أكري عليه إن أمكن إكراؤه؛ لأن بذلك يحصل المقصود.
قال: فإن لم يمكن بيع عليه، أي: منه بقدر الحاجة كما تقدم؛ لأنه الممكن، وللحاكم أن يجبره على البيع، فإن تعذر بيع البعض، بيع الكل؛ فإن تعذر بيع الكل، أنفق عليه من بيت المال؛ فإن لم يكن فيه مال، فهو من محاويج المسلمين، يقومون بكفايته.
وقد أبدى الشيخ أبو محمد في بيع بعض اللقطة لأجل النفقة احتمالاً: أنه لا يجو كي لا تأكل نفسها، وهو ما أبداها أبو الفرج الزاز، وقد يتجه جريان مثله هاهنا.
قال: فإن كان له أم ولدن ولم يمكن إكراؤها ولا تزويجها، فيحتمل أن تعتق عليه- أي: بضم التاء الأولى- كما للزوجة فسخ النكاح، إذا تعذرت عليها

النفقة الفائتة عليها، وهذا موافق لما حكاه في "التتمة" عن الأودني: أن السيد يؤمر بعتقها.
ويحتمل ألا تعتق؛ لأن الزوجة بالفسخ يمكنها أن تتوصل إلى تحصيل النفقة الفائتة عليها، وهذه لا تتمكن من ذلك، بل نفقتها في بيت المال بعد العتق، وكذلك هي في حال الرق إذا عجز السيد عنها، كما ذكرناه.
وفرق القاضي الحسين بينهما: بأن الأمة لما لم يكن لها رفع ملك اليمين بالعجز عن الاستمتاع، فكذلك بالعجز عن النفقة، بخلاف الزوجة.
وبأنها لا تصل إلى النفقة بمثل السبب الذي استحقت على سيدها برفع الملك؛ بخلاف المرأة؛ فإنها تصل إلى النفقة بمثل السبب الذي استحقت به على زوجها النفقة؛ وهو النكاح.
وهذا الخلاف كالخلاف المحكي في الكافر إذا أسلمت أم ولده.
والله عز وجل أعلم.

باب الحضانة

الحضانة - بفتح الحاء -: تربية الطفل، والقيام بأمره ورعايته، واعتماد ما يصلحه؛ وهي ولاية وسلطنة، لكنها بالنساء أشبه.
مأخوذة من الحضن - بكسر الحاء - وجمعه: أحضان، وهو: الجنب؛ فإنها تضمه إلى حضنها.
يقال: احتضنت الشيء: جعلته في حضني، وحضنت الصبي.
وانتهاء مدتها: سن التمييز، وما بعده، يسمى كفالة إلى البلوغ، فإذا بلغن انتهى إلى حد الكفاية؛ كذا رتبه الماوردي.
قال- رحمه الله تعالى-: إذا تنازع النساء في حضانة الطفل قدمت الأم؛ لما روى ابن خديج بسنده عن عبد الله بن عمر أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ابني هذا كانت بطني له وعاء وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، ويريد [أن] ينتزعه مني؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَنْتِ أَحقُّ بِهِ مَا لَم تَنْكِحِي"، فانطلقت به.
ولأنها بتربية ولدها أخبرها، وعليه أصبر؛ لما جبلت عليه من فضل الميل إلى الأولاد، وكثرة الحنو والإشفاق.
[قال: ثم أمهاتها، الأقرب فالأقرب، أي: من الوارثات؛ لمشاركتهن الأم في تحقق الولادة والإرث].
قال: ثم [أم الأب]؛ لمساواتها للأم في المعنى الذي ذكرناه، [وإنما قدمت

عليها أمهات الأم وإن علون لأن الولادة فيهن محققة، وفي أمهات الأب – لأجل الأب – مظنونة.
ولأنهن أقوى ميراثاً من أمهات الأب؛ لأنهن لا يسقطن بالأب، وتسقط أمهات الأب بالأم.
قال: ثم أمهاتها؛ لما ذكرناه في أمهات الأم.
قال: ثم أم الجد، ثم أمهاتها، أي: المدليات بالإناث دون ذكور.
وهكذا؛ لأن لهن ولادة ووراثة كالأم وأمهاتها، ولأنهن أكثر شفقة، وأقوى قرابة؛ ولذلك يعتقن على الولد.
قال: ولا حق لأم أب الأم؛ لما سنذكره من بعد.
قال: ثم الأخت من الأب والأم؛ لأنها راكضت المولود في بطن واحد، وشاركته في النسب؛ فهي أشفق عليه.
ثم الأخت للأب، ثم الأخت للأم، قدمتا على غيرهما؛ لاشتراك الأولى معه في النسب، ومراكضة الثانية معه في البطن، وقدمت الأولى على الثانية؛ لأنهما استويا في الشفقة والقرب، واختصت هي بقوة الإرث وزيادته.
ولأنهما أختان من أهل الحضانة؛ فقدم أقواهما ميراثاً على الأخرى؛ كالأخت من الأبوين مع الأخت [من الأب].
و [لأن اجتماع الأخت من الأب مع الطفل كان في صلب الأب، وهو ابتداء النشوء واجتماعه مع الأخت من الأم في الرحم بعد ذلك؛ فكان السابق من السببين أولى بالتقديم.
قال: وقيل تقدم الأخت للأم على الأخت للأبي؛ لأنها تدلي بالأم؛ فقدمت على من يدلي بالأب مع المساواة في الدرجة؛ كأم الأم مع أم الأب؛ وهذا تخريج ابن سريج، وبه قال المزني في "الكبير".
ونقل عن أبي إسحاق أنه قال به برهة من الزمان ثم رجع عنه.
وظاهر كلام الشيخ وكذلك كلام الماوردي وغيرهما يقتضي أن هذا [في]

الجديد، وفي "النهاية": أنه مخرج من القول القديم.
قال: والأول هو المنصوص، ووجهه ما ذكرناه.
والفرق بين الأخت من الأمن وبين الجدة من الأم: أن الجدة من الأم مساوية للجدة من الأب في الميراث، وامتازت بزيادة الإدلاء بالأم التي هي أصل في الحضانة.
وفي الأخت من الأب زيادة في الإرث، وقوة؛ بسبب كونها تعصب في وقت، وذلك مقابل لإدلاء الأخت من الأم بالأمومة التي هي أصل؛ فيتعارضان، ورجح جانب الأخت من الأب بأن القوة فيها – وهي الميراث – صفة في نفسها؛ فكانت أولى بالترجيح من اعتبار صفة في غيرها.
قال: ثم الخالة؛ لإدلائها بالأم، مع مساواتها لها؛ فقدمت الخالة للأب والأم، ثم الخالة للأب، ثم الخالة للأم.
قال الماوردي: وعلى قول ابن سريج والمزني تقدم الخالة للأم على الخالة للأب، ومن الأصحاب من اسقط حضانة الخالة للأب؛ لإدلائها بأب الأم؛ كأمه، قال: وهذا ليس بصحيح؛ لمساواتها للأم في درجتها؛ فصارت مدلية بنفسها، وخالفت أم أب الأم المدلية بغيرها.
قال: ثم العمة؛ أي: على ما ذكرناه؛ لان إدلاءها بإخوة الأب كإدلاء الخالات بإخوة الأم؛ فتقدم العمة للأبوين، ثم العمة للأب، ثم العمة للأم.
قال الشيخ في "المهذب": وعلى قياس قول المزني، وابن سريج: تقدم العمة من الأم على العمة من الأب؛ وهذا وجه حكاه القاضي الحسين، مع القول بأن الأخت للأب مقدمة على الأخت من الأم، [وكذلك حكاه في الخالة من الأب مع الخالة من الأم]، ووجهه بأن الجهة التي قدمت الأخت للأب بها هو التعصيب، وكثرة الإرث، ولم يوجد معنى الإرث في العمات والخالات بحال؛ فلم يبق إلا مجرد الحضانة، ومن كان إدلاؤها بأنثى في هذا الباب كانت أولى؛ لأنهن الأصل فيه.
وبعد هؤلاء تقدم بنات الأخوات، ثم بنات الإخوة، ثم بنات سائر العصبات، قرباً فقرباً، ثم بنات الخالات، ثم بنات العمات – على القول: بأن لهن حقًّا في الحضانة، وهو الراجح الذي يقتضيه إيراد الأكثرين إلا الغزالي؛ فإنه جعل الأظهر

خلافه- ثم خالات الأم، ثم خالات الأب، ثم عماته – كما ذكرناه – ويجيء فيه خلاف ابن سريج، وهذا هو الصحيح عند الروياني.
وفي وجه تقدم بعد العمات: خالات الأم، ثم خالات الأب، ثم عماته، ثم خالات أم الأم، ثم خالات أم الأب، ثم خالات الجد، ثم عماته، وهكذا تستعلي درجة بعد درجة.
ولا يستوعب عمود الأمهات كما استوعبت أمهات الأمهات؛ لأن البعدي من أمهات الأم وارثة كالقربى، والعمات والخالات بخلافهن؛ فاعتبر فيهن قرب الدرج.
فإن عدمن جميعاً، فالحضانة لبنات الأخوات، ثم بنات الإخوة، ثم إلى بنات العصبة، ثم إلى بنات الخالات، ثم إلى بنات العمات.
وفي وجه: بنات الأخوات والإخوة يقدمن على العمة، وهو ما حكاه الإمام والغزالي والبغوي.
قال: وقال في القديم: تقدم الأم، ثم أمهاتها – أي: المدليات بالإناث، ثم الأخوات؛ لأنهن ركضن مع الطفل في صلب واحد وبطن واحد.
ثم الخالة؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم في قصة بنت حمزة قال: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ"، ويؤيده ما حكاه ابن عطية عن السدي في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: 100] [أنه رفع] أباه وخالته؛ لأن أمه كانت قد ماتت.
قال: ثم أمهات الأب، ثم أمهات الجد، ثم العمة؛ لما ذكرناه.
ولا فرق في الأخوات بين أن يكن من الأبوين أو من أحدهما؛ كما صرح به ابن الصباغ والبندنيجي والقاضي الحسين، والرافعي في آخر الفصل، وقال قبله: القولان متفقان على تقديم جنس الأخوات على الخالات؛ لقرب الأخوات، وهذا ما يقتضيه إطلاق الشيخ.
فعلى هذا: تقدم الأم، ثم أمهاتها، ثم الأخت من الأب والأم، ثم الأخت من الأب، ثم الأخت من الأم، ثم الخالة للأب والأم، ثم الخالة للأب – على أن لها حقًّا – ثم الخالة للأم، ثم أمهات الأب، ثم أمهات الجد، ثم العمة، وهكذا صور الإمام.
وعلى مقتضى تخريج ابن سريج: تقدم الأم، ثم أمهاتها، ثم الأخت من

الأبوين، ثم الأخت من الأم، ثم [الأخت] من الأب، ثم الخالة من الأبوين، ثم الخالة [من الأمن ثم الخالة من الأب] ثم أمهات الأب، ثم أمهات الجد، ثم العمة.
وحكى ابن يونس وغيره: أنه أخر الأخت [من] الأب عن الخالة أيضاً، وأن على هذا تقدم الأم، ثم أمهاتها، ثم الأخت للأبوين، ثم الأخت للأم، ثم الخالة، ثم أمهات الأب، ثم أمهات الجد، ثم الأخت للأب، ثم العمة، وهذا ما حكاه في "المهذب" عن القديم.
وما حكاه عن ابن سريج في تقديم الخالة على الأخت من الأب [ضعيف جدًّا؛ لأنه في تقديم الأخت للأم على الأخت من الأب-] نظر لاستوائهما في الميراث، وكون الأخت من الأم امتازت بالإدلاء بالأم؛ فرجحت، وهاهنا الأخت وارثة، والخالة غير وارثة؛ فلا استواء حتى تترجح بالإدلاء بالأم، بل وجد في الأخت للأب مرجحان: الإرث، وكون القوة في نفسها، وذلك أولى من مرجح واحد.
وفي "الحاوي": تخصيص القديم بتقديم الأخت من الأبوين على أمهات الأب؛ موجهاً ذلك بأنها تدلي بالأبوين؛ فكانت أولى ممن تدلي بأحدهما، وأفسده بأن الولادة والبعضية أقوى، ولثبوت ميراثهن مع الأبناء.
وهذا الخلاف يعرفك اضطراب هذا القول، وعلى كلا القولين فالعمة مؤخرة عن الخالة.
قال: والأول أصح؛ لأن النظر إلى الشفقة وشفقة الجدات من قبل الأب؛ كما قاله الإمام – في الغالب – تزيد [على شفقة الأخوات والخالات؛ فقدمن.
قال الإمام: وهذا – على ظهوره – قد لا ينتهي] إلى القطع، والوجه الذي يفسد به القديم: أنه قدم الأخت من الأب على الأخت من الأم، ولا إدلاء للأخت من الأم إلا بالأم؛ فاضطرب بهذا تقديم الاتصال بجانب الأم، ثم الأخت من الأب بنت أبي المولود أصله، وتقع الثانية بالنسبة إليه حاشية في نسبه؛

فلاح بمجموع ذلك إيضاح وجه القول الجديد، واضطراب القول القديم.
وفي "تعليق" القاضي الحسين بعد ذكر توجيه القول القديم: وهذا صحيح، إلا أن فيه شيئاً واحداً، وهو أنه قدم الأخت للأب على الجدة للأب، ولو كان القياس على هذا كان تقديم الجدة عليها أولى، ولعله إنما فعل هذا؛ لأن لها قوة التعصيب في بعض الحالات، وليست للجدة هذه القوة بحال.
قال: وإن اجتمع مع النساء رجال، قدمت الأم، أي: على الأب ومن عداه؛ للخبر المذكور في أول الباب.
والمعنى فيه: أنها تساوي الأب في القرب والشفقة، وتختص بالولادة المحققة، ولصلاحية الحضانة بسبب الأنوثة.
وأيضاً: فالأب لا يتسغني في الحضانة عن النساء، أو لا يكاد يباشرها، وهي تباشرها.
قال: ثم أمهاتها، أي: اللاتي ذكرناهن؛ لأنهن يشاركن الأم في الشفقة والأنوثة والولادة المحققة، فألحقن بها.
قال: ثم الأب؛ لأن من عداه إن أدلى به فهو مقدم عليه [كما في الإرث، وإن لم يدل به فمن يدلي به مقدم عليه]، والمقدم مقدم.
قال: ثم أمهاته، أي من جهة الإناث؛ لأن لهن ولادة ووراثة؛ فأشبهن أمهات الأم.
وفيه وجه- ويقال: [قول مخرج]: أنهن يقدمن على الأب؛ لولادتهن، وزيادة صلاحيتهن للحضانة، وهو جار في الأخت من الأب، مع الأب، وإن كانت فرعاً له، ومدلية به.
قال: ثم الجد، ثم أمهاته؛ لما ذكرناه، وقدم الجد على الأخت وإن قاسمها في الميراث؛ لعدم إمكان التبعيض؛ كما في ولاية النكاح.
قال: ثم الأخوات – أي: على الترتيب المتقدم – لأنهن راكضن معه في الصلب والبطن، وأخرن عن الجد، لعدم ولادتهن، وقدمن على الخالات والعمات؛ لإدلائهن بالأبوين والعمات والخالات يدلين بالجدين.

وفي أمهات الجد والأخوات مع الجد ما ذكرناه في أمهات الأب والأخوات معه.
قال: ثم الخالة، ثم العمة؛ على ظاهر النص، أي: الذي حكاه المزني؛ لأنه لما عدم من له الولادة والمساوي للمولود في الدرجة؛ كان الانتقال إلى المساوي للأصل في الحضانة- وهما الأبوان – أولى، وقدمنا الخالة على العمة؛ لإدلائها بالأم المقدمة على الأب، وهذا هو الذي عليه الأكثرون، ونص رواية الربيع.
قال: وقيل: تقدم الأخت للأب والأم والأخت للأم والخالة على الأب، وهو الأظهر؛ لأن كلاًّ منهن ذات حضانة تدلي بالأم؛ فسقط الأب معها؛ كالجدة أم الأم.
فإن قيل: أم الأب – وإن علا- والأخت للأب مقدمة على الأخت للأم والخالة- على الأصح- والأب مقدم على أمه وابنته- على الأصح، والمقدم على المقدم مقدم.
قيل: لا يلزم ماذكرتموه؛ ألا ترى أن الأب لا يحجب الجدة عن السدس، [وأمه تحجبها] عن نصفه، وإن كان يحجب أمه، وهذا القول خرجه ابن سريج، والإصطخري، وأبو إسحاق، لكن في الأخت من الأم والخالة، إذا لم يكن معهم أخت لأب، ولا أم أب، وافترقوا فيما إذا وجد معهم أخت للأب، أو أم الأب- على ما حكاه البندنيجي وغيره: فذهب الإصطخري إلى أن الأب أولى؛ لأن الأخت للأب تسقط الخالة والأخت للأم، وكذلك أم الأب تسقطهما، والأب يسقط أمه وبنته؛ فيسقط الكل، وترجع الفائدة إليه؛ كما قيل في الأخوين، إذا اجتمعا مع الأب والأم؛ فإنهما يردان الأم من الثلث إلى السدس، ويفوز الأب بما سقط من نصيب الأم.
وقال غيره: تقدم الخالة والأخت من الأم؛ لأن الأب يسقط أمه وبنته، وإذا سقطتا بقي مع [الأخت للأم والخالة] فهو كالخالة [الأولى]، وبهذا أخذ الشيخ، فإنه جعل الأخت من الأب والأم ملحقة بالأخت من الأم، وأسقط ما اتصفت به من أخوة الأب بهذا المعنى.
وهذا كله تفريع على الجديد، أما إذا فرعنا على القديم، وقلنا: إنهن يقدمن

على أمهات الأب؛ فكذلك يقدمن على الأب، لا سيما إذا قدمنا أمهات الأب على الأب، فلما تظافر القديم، وأحد قولي الجديد المخرج على ذلك، جعله الشيخ الأظهر، وإن كان الماوردي جعله من زلة أبي سعيد الإصطخري لما في الأب من الولادة والاختصاص بالنسب، وفضل الحنو والشفقة التي يدور عليها حق الحضانة.
فرع: إذا كان بدل الأب أباه: فإن قدمناهن على الأب – فكذلك على أبيه، وإن قدمنا الأب، فكذلك الجد يقدم على الخالة والأخت للأم، وهل يقدم على الأخت للأب؟ فيه وجهان؛ الظاهر منهما في "تعليق" البندنيجي: أنها أولى منه؛ لأن لها حضانة، والمذكور في "الشامل" ان الجد أولى.
قال: وإما الإخوة –أي: العصبات وبنوهم [والأعمام وبنوهم] فإنهم كالأب والجد في الحضانة يقدم القرب منهم فالأقرب، على ترتيب الميراث على ظاهر النص؛ لوفور شفقتهم، وقوة قرابتهم بالإرث والولاية.
ويثبت للأخ من الأم- أيضاً – الحضانة؛ لمراكضة الطفل في البطن، ووجود شفقته عليه؛ فيقدم بعد الآباء الإخوة من الأبوين، ثم من الأب ثم من الأم.
وعلى ما ذكره المزني وابن سريج يقدم الأخ من الأم على الأخ من الأب.
وفي "الشامل" حكاية وجه: أنه لا يقدم عليه أيضاً؛ لأنه ليس من أهل الحضانة بنفسه، وإنما يستحق بقرابته، والأخ للأب أقوى.
[فإذا انقرض الإخوة، قدم أولاد الإخوة من الأبوين، أو من الأب، ولا حق لأولاد الأخ من الأم؛ لما ستعرفه.
فإذا انقرض أولاد الإخوة قدم العم من الأبوين، ثم من الأب، ثم بنوهم، ولا حق للعم من الأم.
فإذا انقرض الأعمام وبنوهم قدم عم الأب، ثم عم الجد، وعلى هذا الترتيب.
وفي "الحاوي" وغيره حكاية وجه: أن الأعمام يقدمون على بني الإخوة، فإذا انقرض الأعمام قدم بنو الإخوة وإن سفلوا، فإذا انقرضوا فمن يقدم على هذا الوجه؟ فيه وجهان: أحدهما: أولاد الأعمام وإن سفلوا.

والثاني: يقدم عم الأب على أولاد العم، فإذا انقرض أعمام الأب، قدم أولاد العم، وإن سفلوا، وهكذا.
وفي الأخ من الأم – أيضاً- وجه: أنه يتأخر عن الأعمام.
قال: وقيل: لا حق لهم في الحضانة؛ لأن الذكورة بعيدة عن الحضانة؛ لافتقارها إلى الاستنابة فيها، وإنما أثبتت للأب والجد؛ لما لهما من الولادة، ووفور شفقتهما، واعتنائهما بأمر الولد؛ ولذلك ثبتت لهما الولاية، وهذا المعنى مفقود في هؤلاء؛ فلا يتعدى الحكم إليهم، والقائل بهذا حمل قول الشافعي –رضي الله عنه-: وكذلك العصبة يقومون مقام الأب، إذا لم يكن أقرب منهم من الأم وغيرها" على أن لهم تأديبه وتعليمه نهاراً.
وهذا الوجه يجري في الأخ من الأم – أيضاً – ومنهم من حكى وجهاً فيه دونهم؛ لأنه لا عصوبة له ولا ولاية.
فرع: إذا أثبتنا الحضانة لأولاد العم، ففي ثبوتها للمعتق عند فقد الأقارب وجهان، أحدهما: المنع، وهو ما أجاب به الماوردي؛ لعدم القرابة التي هي مظنة الشفقة.
فعلى هذا: لو كانت له قرابة، وهناك من هو أقرب منه، فهل ترجح؛ لانضمام عصوبة الولاء إلى عصوبة القرابة؟ فيه وجهان محكيان في "الحاوي" وغيره، ومثاله: ابن عم وعم.
واعلم أن قول الشيخ: "وأما الإخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم، فإنهم كالأب والجد في "الحضانة"، إن أجرى على ظاهره لزم منه عند اجتماع الرجال والنساء أن يقدموا بعد الآباء والأمهات على جميع النساء من الأخوات والخالات والعمات ومن يدلي بهن من بناتهن؛ لاختصاصهم بالنسب، واستحقاقهم القيام بتأديب المولود ونقله إلى وطنهم، وهو وجه حكاه الماوردي وابن الصباغ، والشيخ في "المهذب" وغيرهم.
وإن حمل على أهل الحضانة دون المنزلة كان ذلك مع ظاهر ما قدمه من قوله: "ثم الأخوات، ثم الخالة، ثم العمة على ظاهر النص"، يقتضي ألا يتقدم أحد بعد الآباء والأمهات من الذكور على الأخوات والخالات والعمات [و] لا يتقدم بعد الأخوات على الخالة، وهو وجه

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل