كتاب النفقات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
النفقة: من "الإنفاق"، وهو الإخراج.
ولوجوبها ثلاثة أسباب: ملك النكاح، وملك اليمين، وقرابة التعصيب.
والأول والثاني يوجبان النفقة للمملوك على المالك، دون العكس؛ لاشتغال المملوك، وكونه محبوساً برقه؛ ليتفرغ لمالكه.
والثالث يوجب النفقة لكل واحد من الفريقين على الآخر؛ لشمول معنى التعصيب والشفقة.
باب نفقة الزوجات
بدأ الشيخ- رحمه الله- بنفقة الزوجات؛ تبعاً للشافعي- رضي الله عنه- لأنها تجب بطريق المعاوضة في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولا تسقط بمضي الزمان؛ فهي أقوى من غيرها؛ فلهذا بدأ بها.
قال: يجب على الزوج نفقة؛ زوجته للكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34].
والدليل فيها من وجهين:
الأول: قوله: ﴿قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ والقيم على غيره هو المتكفل بأمره.
والثاني: قوله: ﴿وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] فنص على وجوبها بالولادة في الحال التي تتشاغل بولدها عن استمتاع الزوج؛ ليكون أدل على وجوبها عليه في حال استمتاعه بها.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: 50] فدل على وجوب النفقة؛ لأنها من جملة الفروض.
ومن السنة: ما روى الشافعي- رضي الله عنه- بإسناده عن أبي هريرة: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، معي دينار؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ".
قال: معي آخر؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ".
قال: معي آخر؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ".
قال: معي آخر؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ".
قال: معي آخر؟ قال: "أَنْتَ أَعْلمُ".
وروى البخاري عن أبي هريرة أنه- عليه السلام- قال: "وَابْدَا بِمَنْ تَعُولُ؛ تَقُولُ المَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ المَمْلُوكُ: أَطْعِمْني وَاسْتَعْمِلنِي، وَيَقُولُ الابْنُ: أَطْعِمْنِي، إِلَي مَنْ تَدَعُنِي؟ " قَال: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَمِعْتُ؟ قَالَ: مَا هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيرَةَ.
وأجمعت الأمة على وجوب نفقة الزوجات على الجملة.
قال: فإن كان موسراً لزمه مدان من الحب المقتات في البلد، أي: غالباً، وإن كان معسراً لزمه مد، وإن كان متوسطاً لزمه مد ونصف.
أما اعتبار التفاوت بين الموسر وغيره فالدليل عليه قوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي: ضيق ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7].
وأما اعتبار المدين في حق الموسر، والمد في حق المعسر- فقد تمسك الأصحاب فيه بأن الشرع قدر النفقة بالاجتهاد، ولا يجوز اعتبارها بقدر الحاجة؛ لأنه لو كان كذلك لسقطت نفقة المريضة ومن هي مستغنية بالشبع في بعض الأيام، وإذا بطل هذا المأخذ، وجب أن تلحق بما هو شبيه بها، وأشبه شيء بها الكفارات؛ لأن كل واحدة منهما طعام واجب بالشرع؛ لسد الجوعة؛ فيستقر في الذمة.
وأيضاً: فقد اعتبر الله- تعالى- جنس الإطعام في الكفارة بنفقة الأهل بقوله- تعالى-: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89]؛ وذلك يدل على المشابهة والمقاربة، وأكثر ما أوجبه الشرع في الكفارة مدان للمسكين الواحد في كفارة الأذى، وأقل ما أوجبه للواحد فيها مد في كفارة اليمين والظهار والوقاع؛ فوجب أن يكون هاهنا كذلك.
وأما اعتبار المد والنصف في حق المتوسط؛ فلأنا لو أوجبنا عليه المدين، لأضررنا به، ولو أوجبنا لها المد لأضررنا بها، وهو متردد بينهما؛ فوجب عليه من نفقة كل واحد منهما نصفها؛ دفعاً للضرر.
وأما اعتبار الحب المقتات في البلد؛ فلأن الله- تعالى- أوجب النفقة
بالمعروف، ومن المعروف أن يطعمها ما يطعم أهل البلد.
وأما اعتبار الحب، دون الدقيق والخبز؛ فبالقياس على الكفارات.
ولا فرق في ذلك بين القمح والأرز والشعير والتمر والأقط في حق أهل البوادي الذين يقتاتونه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن بعض أصحابنا قال: إن كان الأغلب في بعض البلاد أنهم لا يطحنون الأطعمة بأيديهم، لم يفرض لها إلا الدقيق، وإن كانت العادة أن المرأة تطحنه برحى يد فلا بأس أن يفرض لها الحنطة.
وعلى المذهب: هل يجب عليه أجرة طحن الحب وخبزه؟ ينظر:
إن لم تكن ممن جرت عادتها بتعاطي ذلك بنفسها وجبت، وإن كانت ممن جرت عادتها بذلك- كأهل البوادي- كان عليها دون الزوج، صرح به الماوردي.
وفيه وجه: أنها تجب مطلقاً.
ووجه: أنها لا تجب مطلقاً.
ولو نذرت الطعام أو باعته، فهل يسقط حقها من مؤنة إصلاحه؟ فيه تردد للإمام.
هذا هو المشهور من المذهب، ووراء ما ذكرناه في قدر الطعام قولان آخران:
أحدهما- عن رواية الشيخ ابي حامد: أنه يعتبر بقدر الكفاية كنفقة القريب، وقد يحتج له بقوله- عليه السلام- لهند، وقد قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيح، ما يعطيني من النفقة ما يكفين ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" كما رواه مسلم، فسوى بينها وبين الولد، وفي هذا الحديث فوائد نذكرها من بعد، إن شاء الله تعالى.
وبأن النفقة تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، والتمين يعتبر بكفاية الزوج؛ فوجب أن يكون ما يقابله من النفقة مقدراً بكفاية المرأة كالمقاتلة، لما لزمهم كفاية المسلمين في جهاد عدوهم استحقوا على المسلمين في بيت مالهم قدر كفايتهم.
والثاني- عن رواية صاحب "التقريب"-: أن الاعتماد فيه على فرض القاضي، وعليه أن يجتهد في ذلك.
وروي عن ابن خيران وغيره: أن النفقة لا تتقدر بالمقادير المذكورة، ولكن يتبع فيه عرف الناس في البلد.
وزفي صفة الطعام- تخريجاً عن ابن سريج- وجه: أنه لا ينظر إلى الغالب، وإنما يعتبر ما يليق بحال الزوج إلحاقاً للجنس بالقدر، وهذا ما أبداه الإمام تردداً فيما إذا كان الغالب قوتاً، ولكن الفقراء يعتادون اقتيات غيره.
وعلى المذهب: لو لم يكن في البلد قوت غالب، ففي "الرافعي": أن الواجب ما يليق بحال الزوج إن كان يأكل ما يليق به؛ فإن كان قوته أقل من الحال اللائق به كالمتزهدين فإنا نعتبر الائق به، قاله مجلي.
وفي "الحاوي": أنه إذا اختلف قوت بلدهما، وجب لها الغالب من قوت مثلها، فإن كان مختلفاً كان الزوج مخيراً دونها.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون للمرأة منصب أو لا، ولا بين المسلمة
والذمية، والحرة والرقيقة: [والصحيحة والمريضة والصغيرة والكبيرة]؛ بل إنما يختلف باليسار وغيره- كما ذكرناه- وقد اختلفت عبارات الأصحاب في ضبط ذلك: فالذي ذكره الماوردي: أن الموسر من يقدر على نفقة الموسرين في حقنفسه وحق كل من يلزمه نفقته من كسبه، لا من أصل ماله.
والمعسر من لا يقدر على أن ينفق من كسبه على نفسه وعلى من تلزمه [نفقته، إلا] نفقة المعسرين، وإن زاد عليها كانت من أصل ماله، لا من كسبه.
والمتوسط هو: أن يقدر على أن ينفق من كسبه على نفسه، وعلى من تلزمه [نفقته] نفقة المتوسطين، فإن زاد عليها كان من أصل ماله، وإن نقص عنها فضل عن كسبه.
والذي ذكره القاضي الحسين: أن الموسر من يزيد دخله على خرجه، والمعسر من يزيد خرجه على دخله، والمتوسط من يستوي دخله مع خرجه.
وقد أورده صاحب "التهذيب" مع وجه آخر: أنه يرجع في ذلك إلى العادة، والعادة تختلف باختلاف البلاد، وهذا ما حكاه المتولي.
قال الرافعي: وأحسن قيل فيه ما أورده الإمام والغزالي: أن من لا يملك شيئاً أصلاً، أو يملك من المال ما [لا] يخرجه عن استحقاق سهم المساكين فهو معسر، فإن ملك ما يخرجه عن استحقاق سهم المساكين: فإن كان لا يتأثر بتكليف المدين فهو موسر، وإن كان يتأثر بأن يرجع إلى صفة المسكنة لو كلف مدين فهو متوسط، أي: ولم يتأثر بالمد والنصف، كما صرح به الإمام، ولا بد مع ذلك من النظر إلى الرخص والغلاء.
والقدرة على الكسب الواسع لا تخرجه عن حد الإعسار في النفقة، كذا حكاه الغزالي.
وفي "المهذب": أن القدرة بالكسب كالقدرة بالمال.
قال مجلي: ومضمونه: أنه إذا كان يقدر على التكسب، كلفه؛ كما لو كان يقدر بالمال.
وأراد مجلي بذلك: نفقة المتوسط [أو الموسر] عن كان كسبه يفي بها، وسنذكر في الباب الثاني خلافاً في وجوب الاكتساب لأجل النفقة.
فإن كان الزوج عبداً فليس عليه إلا نفقة المعسرين، وكذا المكاتب، وكذا من بعضه حر وبعضه رقيق، على أصح الوجهين في "البندنيجي" وغيره.
وفي الثاني: يوزع على الحصتين إن كان موسراً بنصفه [الحر، أو متوسطاً.
والنظر في اعتبار اليسار وما عداه إلى وقت طلوع الفجر، وهو الوقت] الذي يجب فيه تسليم النفقة، ولا نظر إلى ما يطرأ بعده من يسار أو إعسار؛ صرح به في "التهذيب".
ويجيء- على ما سنذكره عن "المهذب"-: أن يعتبر ذلك وقت طلوع الشمس.
فرع: لو اختلفا في يساره وإعساره، فإن لم يعرف له مال فالقول قوله، وإن عرف له مال أيسر به، فالقول قولها.
وهذا يظهر على قول من اعتبر وجود المال في اليسار، وأما على طريقة القاضي والماوردي فالذي يظهر أنه لا أثر لوجود المال أو عدمه.
تنبيه المد يجمع على: أمداد، ومداد، بكسر الميم.
قال: فإن رضيت بأخذ العوض، [أي]: من ذهب أو فضة- جاز على ظاهر المذهب؛ لأنه طعام مستقر في الذمة لمعين؛ فجاز أخذ العوض عنه، كالقرض.
وقيل: لا يجوز، وهو الأصح في "تعليق" القاضي الحسين؛ لأنه طعام واجب في الذمة بالشرع، فلم يجز أخذ العوض عنه كطعام الكفارة.
ولأنه طعام يثبت في الذمة ببدل؛ فلا يجوز العدول إلى بدله قبل القبض كالسلم.
وفيما ذكرناه من علة ظاهر المذهب- وهو قول أبي إسحاق- ما ينفي ذلك.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه ثالث فارق بين النفقة المستقرة الثابتة في الذمة؛ فيجوز الاعتياض عنها، وبين النفقة المستقبلة؛ فلا يجوز.
وكأنه يشير- والله أعلم- إلى نفقة اليوم قبل مضيه؛ فإنها متعرضة للسقوط بالنشوز.
وحكم أخذ الخبز والدقيق عند بعضهم حكم أخذ الذهب والنقرة؛ فيخرج على الخلاف، وهو ما حكاه ابن يونس والفوراني.
وفي "الشامل": أن الذي يجري على قول أصحابنا: أنه لا يجوز؛ لما فيه من الربا.
وفي "الرافعي": أن القاضي الروياني وغيره تابع العراقيين عليه، يعني: على عدم الجواز.
وفي "التهذيب": الجزم بأنها إذا رضيت بأخذ الدقيق والسوييق والخبز جاز.
ولعل وجهه ما ذكره مجلي: أنها بذلك قابضة لحقها، وليس من باب المعاوضات، وإنما أسقطت مؤنة الإصلاح.
وعلى هذا التعليل ينبغي أن تكون من جنس حقها.
وفي "الذخائر" حكاية الخلاف، لكنه مرتب على الخلاف في الفضة، وأولى بالمنع.
وعلى كل حال: فلا يجوز الاعتياض عن النفقة المستقبلة، ولا بيعها من الغير بحال.
ولو كانت تأكل مع الزوج على العادة، ففي سقوط نفقتها بذلك خلاف مبني على جواز بيع المعاطاة.
قال الغزالي: والأحسن السقوط، والقياس عدم الإجزاء، وهو الذي اختاره الروياني والمحكي في "تعليق" البندنيجي.
قال البندنيجي: وهذا إذا لم ترض بذلك عوضاً، فإن رضيت به عوضاً سقطت وجهاً واحداً.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنها ترجع عليه بالنفقة، ويرجع عليها ببدل ما أنفق.
قال: ويجب لها من الأدم ما تحتاج إليه من أدم البلد، أي: من زيت، أو سمن، أو شيرج، أو جبن، أو خل، أو لبن.
أما أصل وجوب الأدم؛ فلأن الله – تعالى- قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وليس من المعروف أن يدفع إليها القوت بلا أدم؛ فإن الطعام لا ينساغ أكله في الغالب إلا به.
وأما كونه يرجع فيه إلى أدم البلد؛ فلأن الشرع لم يضبطه بشيء، ولا له نظير في الشرع يقاس عليه؛ فتعين حمله على العرف كالحرز والإحياء، والعرف يختلف.
وقد قال الأئمة: [إن كان بالعراق فالأدم فيه الشيرج والزيت، و] إن كان بخراسان أو بالحجاز فالأدم فيه السمن، وإنكان بالشام – قال القاضي الحسين: أو مصر- فالأدم فيه الزيت.
وإنما خص بذلك؛ لأنه أصلح للبدن، وأخف مؤنة؛ فإنه لا يحتاج في التأدم به إلى طبخ ولا كلفة، هذا كلام ابن الصباغ، وظاهره يقتضي حصر الأدم في الأدهان.
قال مجلي: وكذلك كلام الشيخ أبي حامد؛ فإنه ذكر هذه العلة، وزاد فيها: أنه
قل طعام يطبخ إلا وفيه الدهن؛ فلهذا خص الدهن من سائر الآدام بالإيجاب، ثم قال: وهذا الذي قالاه ظاهر قول الشافعي في "الأم" رأيته.
وقال بعض أصحابنا: لا يختص بجنس الدهن.
انتهى.
وهو ما حكاه الرافعي، وإليه أشار الماوردي، كما ذكرناه أولاً.
ثم ذلك يختلف- أيضاً- باختلاف الفصول، فقد تغلب الفاكهة في أوقاتها؛ فتجب.
قال القاضي الحسين: الرطب في وقته [واليابس في وقته].
قال الرافعي: والوجه المذكور في جنس القوت- أنه ينظر إلى عادة الزوج دون الغالب- يعود في الأدم أيضاً.
وأما قدر ما يؤتدم به فالمرجع فيه اجتهاد القاضي وفرضه، فإذا قيل: إنه يكفي في إدام كل مد من الطعام أوقية من الدهن مثلاً- أوجبنا لامرأة الموسر أوقيتين، ولامرأة المعسر أوقية، ولامرأة المتوسط أوقية ونصف.
وما نقل عن الشافعي من أنه قال: "مكيلة زيت أو سمن"، فقد قال الأئمة: إنه تقريب، لا تقدير.
وفي "الجيلي": أن بعض أصحابنا قال: المراد بمكيلة الزيت والسمن: أربعون درهماً.
قال: ومن اللحم على حسب عادة [أهل] البلد، أي: فإن كان أهل البلد يأكلون اللحم في كل أسبوع مرة وجب [لها] كذلك، والأولى أن يكون في يوم الجمعة، وإن كانوا يأكلونه في كل أسبوع مرتين وجب كذلك، والأولى أن يكون في يوم الجمعة، وفي يوم الثلاثاء أخرى.
وإن كانوا يتأدمون باللحم كان تأدمها اللحم.
قال الماوردي: وكذلك إن كانت عادتهم أن يتأدموا بالسمك كان أدمها السمك.
والمرجع في قدر ذلك إلى العرف- أيضاً- حتى لو كان الواحد منهم يتأدم بأكثر من رطل من لحم فقدره معتبر بعرفهم، صرح به الماوردي.
وما قاله الشافعي من أنه يطعمها في كل أسبوع رطل لحم، فهو محمول عند الأكثرين على عادة أهل مصر؛ لعزة اللحم عندهم يومئذ.
وفي "الرافعي": أن الرطل محمول على المعسر، وعلى الموسر رطلان، وعلى المتوسط رطل ونصف.
وفي "التهذيب": أنه يجب في وقت [الرخص] على الموسر في كل يوم رطل، وعلى المتوسط في كل يومين أو ثلاثة، وعلى المعسر في كل أسبوع.
وفي وقت الغلاء يجب في أيام مرة، على ما يراه الحاكم.
وقال قائلون: وحكاه الشيخ أبو محمد عن القفال-: إنه لا يزيد على [ما] ذكره الشافعي في جميع البلاد، ويجب عليه مع اللحم الملح والحطب وأجرة الطبخ إن لم تجر عادتها بالطبخ.
فرع: هل يجب لها في اليوم الذي يعطيها فيه اللحم أدم؟ أبدى الرافعي فيه تردداً لنفسه.
فرع آخر: إذا تبرمت بالجنس الواحد من الأدم، لا يلزم [الزوج] إبداله على الأظهر.
وعلى هذا لو أبدلته بجنس آخر فلا اعتراض له.
وكذا لو صرفت ما أخذته من الطعام في الأدم، وبالعكس.
ومن الأصحاب من جوز له المنع من إبدال الأشرف بالأخس، وله على هذا منعها من بدل أكل الأدم من طريق الأولى.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنها لو أرادت أن تصرف ما أخذته فيما يهزل بدنها، ويذهب حسنها- كان له منعها على أحد الوجهين.
قال: ويجب لها ما تحتاج إليه من الدهن للرأس والسدر، أي: أو ما في معناه من الخطمي والطين والمشط؛ لأنها تحتاج إلى ذلك لإصلاح شعرها؛ فوجب عليه كنفقة بدنها.
ويلتحق بما ذكرناه الأشنان والصابون والقلي للثياب؛ صرح به في "التهذيب".
والمراد بالمشط- على ما حكاه الماوردي- آلة المشط من الأفاويه والغسلة؛ إذا كان ذلك من عرف بلادهم.
والذي يظهر أن مراد الشيخ به: الآلة المعروفة، وفيه لغات: مشط، ومشط-[بضم الميم وإسكان الشين وضمها] – ومشط بكسر الميم، وممشط، ويقال له: مشقأ ومشقا، مهموز وغير مهموز، ومشقاء، ممدود.
ثم المرجع في جنس الدهن وغيره إلى العرف، حتى لو كانت ممن لا يعتادون الادهان إلا بما طيب بالورد والياسمين وجب.
و [المرجع] في قدره إلى كفاية مثلها ووقته في كل أسبوع مرة.
قاله الماوردي.
وفي "ابن يونس" أنه قيل: إن ذلك [لا] يجب- وأبداه الإمام وغيره احتمالاً في الدهن- فيما إذا قال الزوج: هذا للتجمل والتزين، وأنا لا أريده.
ويجب لى الزوج أجرة الحمام إن كانت عادتها بدخوله.
قال الماوردي: وذلك في كل شهر مرة.
وأشار بعض أصحاب الإمام إلى خلاف في وجوب الحمام، وبالمنع أجاب البندنيجي، وألحقه بالطيب.
وكذلك أطلق القاضي الحسين جوابه بالمنع.
والذي أورده الغزالي: أنها لا تجب إلا إذا اشتد البرد.
ويجب عليه ثمن ماء الاغتسال، إن كان سببه جماعاً أو نفاساً، على أصح الوجهين؛ لأن الحاجة إليه جاءت من قبله، بخلاف ما إذا كان سببه جنابة؛ فإنه لا يجب إذ لا صنع منه؛ وكذا لو كان حيضاً على أصح الوجهين.
قال الرافعي: وينظر على هذا القياس في ماء الوضوء إلى أن السبب من جهته كاللمس، أو لا من جهته؟
واعلم أن تقييد الشيخ الدهن للرأس يفهم أنه لا يجب عليه الدهن للجسد؛ لأجل
أنه لا يراد للزينة، بخلاف الرأس؛ فإنه من الزينة التي تدعو إلى الاستمتاع بها.
وفي "الحاوي": إلحاق الدهن للجسد بالدهن للرأس في الوجوب.
قال: ولا يجب عليه ثمن الطيب، أي: الذي يقصد للزينة؛ لأن ذلك يراد للتلذذ والاستمتاع، وذلك حق له.
نعم: يجب عليها استعماله إذا أحضره لها، وكذا الخضاب في اليدين والرجلين.
وكذا الكحل لا يجب على الزوج، صرح به الرافعي، وقرنه بالخضاب.
وفي "الحاوي": أن الكحل الذي يراد للزينة كالإثمد يجب على الزوج الإتيان به.
أما الطيب الذي يقصد لقطع [الزهوكة]- إذا لم تنقطع بالماء والتراب- فيجب؛ لأنه من جملة آلة التنظيف؛ فأشبه المشط.
وكذا يجب المرتك وما في معناه؛ لقطع الصنان إذا لم ينقطع بالماء والتراب، وحكى فيه بعض أصحاب الإمام وجهاً.
فرع: يجب على الزوج أن يحضر لها ما تنتفع به من آلة الطبخ والشرب والاستعمال كالإبريق والمدية، ولا يتعين في ذلك نوع، بل يجري فيه الخزف والخشب والحجر.
وأبدى الرافعي احتمالاً فيما إذا كانت شريفة: أن يجب له الظروف النحاسية، وهو مستمد من قول الغزالي: "وأما النحاس فطلبه ترفه، وقد يليق بالشريفة؛ فهو كالزيادة على لبس الكرباس".
قال: ولا أجرة الطبيب- أي: والفاصد- ولا شراء الأدوية؛ لأنا لزوج بمنزلة [المستأجر، والزوجة بمنزلة] الدار المستأجرة والدواء وما في معناه لحفظ البدن؛ فلا يجب على الزوج كما لا يجب على المستأجر عمارة الدار، بخلاف الدهن وما في معناه؛ فإن ذلك في معنى غسل الدار وكنسها، وذلك على المكتري؛ فلا جرم وجب على الزوج.
[وفي "التتمة" في قسم الصدقات، عند الكلام في أنه هل يجوز أن يصرف لزوجة الغير من سهم الفقير شيء أم لا؟ إشارة إلى وجه في أن مداواتها تجب على الزوج]، ولعله [مفرع] على القول بأن نفقتها مقدرة بالكفاية؛ فإنها حينئذ تكون كالقريب، والله أعلم.
قال: ويجب من الكسوة ما جرت العادة به.
أما وجوب أصل الكسوة؛ فلقوله تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، ولما روى الترمذي عن أبي هريرة في حديث مطول: "أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ، أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ"، وقال: إنه حديث حسن صحيح.
ولأن الكسوة كالقوت في كون البدن لا يقوم إلا بها.
وأما كون الواجب ما جرت العادة به؛ فلقوله تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] رد ذلك إلى العرف، ولأن الإجماع على أنه لا يكفي ما ينطلق عليه الاسم، كما حكاه الرافعي؛ فامتنع إلحاقها بالكسوة في الكفارة؛ فتعين العرف.
قال: فيجب لامرأة الموسر من مرتفع، أي: بكسر الفاء- ما يلبس نساء [أهل] البلد، أي: من قطن، أو غزل، أو خز، أو حرير؛ لأن الشرع أوجب التفاوت بين الموسر والمقتر، والكسوة مقدرة بالكفاية في حق امرأة الموسر والمقتر؛ فلم يمكن الزيادة عليها؛ فيرجع بالتفضيل إلى انوعها؛ إذ العرف يقتضيه، بخلاف النفقة؛ فإنها لما لم يكن القصد منها الكفاية جاز اعتبار التفاوت بين الموسر والمقتر بالزيادة.
وفيما عدا القطن وجه: أنه لا يجب، وهو محكي عن الشيخ أبي محمد؛ متمسكاً بظاهر ما روي عن الشافعي: أن الموسر يعطي من لين البصرة أو الكوفة أو واسط، والمعسر من غليظها، والمتوسط ما بينهما.
وأراد: المتخذ من القطن؛ لأن هذا لباس أهل الدين، وما زاد عليه رعونة.
والجمهور حملوه على أن ذلك كان عادة ذلك الوقت.
نعم، لو كانت العادة لبس الثياب الرقيقة- كالقصب الذي لا يصلح ساتراً- فلا يعطيها منه؛ لأنه لا يعطيها إلا ثوباً واحداً؛ فلا تصح الصلاة فيه، ولكن يعطيها من الصفيق الذي يقرب منه في الجودة، كالدبيقي والكتان المرتفع.
قال: ولامرأة المعسر دون ذلك، أي: من غليظ القطن والكتان، ويجب لامرأة المتوسط ما بينهما، كما قلنا في النفقة، وفيهما الوجه الجاري على ظاهر النص، هذا هو المشهور.
قال الرافعي: وفي كلام أبي الفرج وإبراهيم المرورذي: أنه ينظر في الكسوة إلى حال الزوجين جميعاً، فيجب عليه ما يلبس مثله مثلها في العادة.
وفي "الذخائر": أن بعض أصحابنا قال: يعتبر حال الموجة، وأن يكون بحيث إذا فرض لها ذلك، لا يجاوز حد مثلها، [وإلا اقتصر] بها على ما يجب لمثلها.
ثم قال: وينبغي أن يفصل؛ فيقال: إن قلنا: إن الكسوة تمليك، فيعتبر العرف في جنس الواجب كالنفقة.
وإن قلنا: إنها إمتاع، فوجهان:
أحدهما: يعتبر بالزوجة.
والثاني: يعتبر بالزوج – كالوجهين في المسكن.
قال: وأقل ما يجب، أي: لامرأة الموسر وغيرها- قميص وسراويل ومقنعة ومداس للرجل، وإن كان في الشتاء- ضم إليه جبة- أي: محشوة بالقطن- وهذا أكثر الواجب؛ لأجل حصول الكفاية به، وذلك يختلف بطولها وقصرها، وهزالها وسمنها.
ويجب أن يكسوها في السنة مرتين: كسوة في الشتاء، وكسوة في الصيف إذا بليت عند انتهاء أمدها، وهو ستة أشهر الفصل، فإن بقيت بعده أو بليت قبله، فسيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: لم اعتبرتم في الكسوة الكفاية، ولم تعتبروها في القوت؟
قيل: لأن الكفاية في الكسوة متحققة بالمشاهدة؛ فاعتبرناها لضبطها، وكفاية القوت غير متحققة ولا مشاهدة؛ فلم نعتبرها للجهل بها، مع كونها وجدت بطريق المعاوضة المقتضية الصون عن الغرر بقدر الإمكان.
ويقوم مقام المداس المكعب والنعل، ومقام السراويل الإزار، ومقام الجبة الفرو إن كانت عادتهن بلبس ذلك.
وعن "المنهاج" للجويني: أن السراويل لا تلزم في الصيف، وإنما تلزم في الشتاء مع البرد.
وفي "الحاوي" خلافه، وإن كانت عادتهن ترك لباسه، بخلاف ما إذا كانت عادتهن ترك [لباس] شيء في أرجلهن كأهل القرى في البيوت؛ لأن في ترك السراويل هتك عورة، ويؤخذ بها في حق الله- تعالى- جميع النساء.
وقال أبو الفجر السرخسي: إذا لم تستغن بالثياب في البلاد الباردة عن الوقود؛ فيجب من الحطب والفحم بقدر الحاجة.
ولا فرق في وجوب ما ذكرناه على المذهب بين الحضرية والبدوية، كما صرح به البندنيجي.
وفي "الحاوي": أن الاعتبار في الكسوة والطعام بموضع مقامها حتى لو كانت الزوجة بدوية، وهو حضري، وأقام بها في البادية- وجب عرفهم، وإن أقام في الحاضرة فعرف الحاضرة.
وكذلك لو كان بدوياً، وهي حضرية: فإن أقام بالبادية اعتبر عرف البادية، وإن أقام في الحضر اعبتر عرف الحاضرة، وإيراد القاضي الحسين قريب من ذلك.
تنبيه: المقنعة والمقنع- بكسر الميم- من "التقنيع".
قال الجوهري: والقناع أوسع من المقنعة.
المداس: بفتح الميم، وحكى كسرها.
قال: ويجب لامرأة الموسر ملحقة، أي: إن كان صيفاً، وكساء تتغطى به- أي:
إن كان شتاء- ووسادة ومضربة محشوة بقطن لليل، وزلية أو لبد تجلس عليه بالنهار، أي: إذا كان شتاءً، ونطعاً إن صيفاً، وكانت عادتهم ذلك؛ لما ذكرناه.
وإيراد الغزالي ربما يفهم أنه يجب زلية غير اللبد تحت المضربة.
قال الرافعي: والمفهوم من كلام الجمهور: أن المفروش على الأرض من الزلية أو اللبد أو الحصير واحد ليلاً ونهاراً.
وفي المضربة وجه: أنها لا تجب، بل تنام على ما تفرشه نهاراً، حكاه العراقيون.
وفي "النهاية" حكاية عنهم: أن المضربة تجب في الليل، وهل تجب لها زلية تفرشها بالنهار؟ فعلى قولين.
أما لو كانت ممن عادتهن الغطاء باللحاف في الشتاء، وجب.
ولو كانوا لا يعتادون في الصيف لنومهم غطاء غير لباسهم، لم يلزمه شيء آخر، حكاه الماوردي وغيره.
قال: ولامرأة المعسر كساء أو قطيفة؛ بحسب العرف.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يدل على أنه لا يجب لامرأة المعسر ما يجب لامرأة الموسر من آلة النوم وما تجلس عليه.
قال ابن يونس: وقد ذهب إليه بعض العراقيين، والجمهور على أن امرأة المعسر يجب لها النازل مما ذكرناه، ولامرأة المتوسط ما بينهما، وهو ما حكاه في "المهذب".
وفي "الحاوي": أن ذوي الإقتار وسكان القرى يكتفون في نومهم بالبسط المستعملة لجلوسهم؛ فلا يفرض لها فراش.
وفي "التتمة": أنه يجب لامرأة المعسر حصير في الصيف، ولبد في الشتاء.
تنبيه: الملحفة- بكسر الميم-: من الالتحاف.
الوسادة- بكسر الواو- والإسادة: [لغتان.
الزلية: بكسر الزاي، وتشديد اللام والياء، وجمعها: الزلالي.
اللبد: بكسر اللام، جمعه:] لبود.
القطيفة- بفتح القاف-: دثار مخمل، وجمعه: قطائف وقطف؛ كصحائف وصحف.
[و] في "الجيلي": أنه كساء كبير عريض أبيض.
قال: وإن أعطاها كسوة مدة، وبليت قبلها، أي: [لا لسخافتها، بل لزيادة] في الاستعمال، كما صرح به الماوردي وابن الصباغ وغيرهما- لم يلزمه إبدالها؛ كما لا يجب بدل طعام اليوم إذا نفد قبل انقضاء اليوم.
[أما] إذا تلف لسخافته فيجب إبداله.
قال: وإن بقيت بعد المدة لزمه التجديد؛ كما لو بقي قوت يومها إلى غد؛ فإنها تستحق فيه قوتها، وهذا هو الأصح عند الجمهور، والمذهب في "تعليق" البندنيجي.
قال: وقيل: لا يلزمه، أي: حتى تبلى، بخلاف القوت.
والفرق: أن الكسوة معتبرة بالكفاية، وهي مكفية، والقوت معتبر بالشرع.
ولا فرق- على هذا القول- بين أن تكون قد لبستها في المدة أو لا، صرح به القاضي الحسين في "التعليق".
وقال الماوردي، وتابعه ابن الصباغ: إن الأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن ينظر في الكسوة: فإن بقيت لجودتها لم تستحق بدلها؛ لأن الجودة زيادة، وإن بقيت لصيانتها عن اللبس، استحقت بدلها كما لو لم تلبسها.
وهذا كله فيما عدا الجبة، فأما الجبة: فإن كانت من القطن فتجدد في كل سنة، وإن كانت من الديباج ففي سنتين، والعرف في ذلك متبع.
وأما الدثار من اللحف والقطيفة والأكسية فهو أبقى من الكسوة، فيتبع فيه- أيضاً- العرف، هذا ما حكاه العراقيون.
وبنى المراوزة ذلك على أن الكسوة هل يجب تمليكها للزوجة كما يجب تمليك الطعام والإدام، أو لا يجب، وتكون إمتاعاً كما في المسكن والخادم؟ وفيه خلاف عندهم، والذي ذهب إليه ابن الحداد منهما، ويقال: إنه قضية نصه في "الإملاء"، واختيار القفال-: [الثاني].
قال ابن الصباغ: وقد وافق ابن الحداد بعض أصحابنا، وإيراد الفوراني والمسعودي يقتضيه.
وأصحهما عند الأكثرين، وينسب إلى النص: الأول.
وفي "التهذيب" طرد هذا الخلاف في كل ما ينتفع به مع بقاء عينه كالفرش وظروف الطعام والشراب والمشط، وكلام الفوراني في المشط يوافقه.
وكلام القاضي في "التعليق" يقتضي إلحاق الفرش ونحوه مما يخرج عن كسوة البدن بالمسكن؛ فإنه قال: لا يجب إبداله ما لم يبل ويتخرف ولا يتهيأ الانتفاع به.
وألحق في "البسيط" الفرش والظروف بالمسكن.
رجعنا إلى المقصود: فإن قلنا بالأول، وبليت قبل المدة من غير تقصير- لم يجب التجديد، وفيه وجه ضعيف.
وإن قلنا بالثاني وجب، وإن كان بتقصير منها، كما إذا كثر تردادها وتحاملها عليها؛ فهو كما لو أتلفتها، وإتلافها مبني على الخلاف- أيضاً-: إن قلنا بالأول لم يجب لها ولا عليها، وإلا فتجب عليها القيمة، وعليه الإبدال.
وأبدى الإمام احتمالاً في وجوب البداءة بأيهما.
ولو بقيت بعد المدة: إن قلنا بالأول وجب الإبدال، وإن قلنا بالثاني فلا.
ويتفرع على هذا المأخذ عندهم مسائل يأتي بعضها في الباب، منها: لو استأجر لها كسوة، أو استعارها، إن قلنا بالثاني جاز، وكانت العارية مضمونة على الزوج دونها، وإن قلنا بالأول فلا.
قال: ويجب تسليم النفقة إليها في أول النهار؛ لأن الواجب حب؛ فتحتاج إلى طحنه وخبزه، فلو لم يسلم لها في أول النهار لم تنله عند الحاجة؛ فيلحقها الضرر.
ومراده بأول النهار: طلوع الشمس، كما صرح به في "المهذب"، وهو ما حكاه الرافعي في كتاب الضمان، وقضية كلام الماوردي في باب الإعسار بالنفقة؛ حيث قال: "الوقت الذي تستحق فيه نفقة يومها هو أول أوقات التصرف فيه؛ لأنها إن طالبته مع طلوع فجره خرجت عن العرف، وإن أخرها إلى غروب شمسه أضر بها.
والجمهور على أنه تجب بطلوع الفجر.
قال في "البسيط" عند الكلام في وقت الفسخ:
فإن قيل: ما معنى قول الأصحاب: إن النفقة تجب بطلوع الفجر؟
قلنا: معناه: أنه تجب وجوباً موسعاً كما في الصلاة، أو معناه: أنه إن قدر وجب عليه التسليم، وإن ترك عصى ربه، ولكن لا يحبس ولا يخاصم، ومن هذا يظهر أنه لا تلزم من طريق الأولى، كما صرح به الإمام.
قال: فإن سلفها نفقة مدة، فماتت قبل انقضائها- رجع فيما بقي؛ لأنه دفع عما يلزمه ويستقر عليه في المستقبل، فإاذ تبين خلافه استرد؛ كالزكاة المعجلة.
وهذا الحكم فيما لو بانت منه.
وفيه وجه: أنه لا يسترد؛ بناء على أنها ملكت ما سلفه لها كما ذهب إليه ابن الحداد، وصححه الرافعي، أما إذا قلنا: إنها لا تملك بالتسليف- وهو الأظهر في "النهاية"- فلا نزاع في أنه يسترد.
ثم هذا فيما عدا اليوم الذي حصل فيه الموت أو البينونة، أما ذلك اليوم فلا يسترد ما يقابله، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه.
وفي "الرافعي": حكاية وجه فيه، ولم يطرده فيما إذا مات، بل سكت عنه.
فرع: حيث قلنا: لا تملك، فكلما شرعت في يوم ملكت ما يقابله في وقت وجوب التسليم.
قال: ويجب تسليم الكسوة في أول الفصل، يعني: فصل الشتاء أو الصيف، كما ذكرناه؛ لأنه وقت الحاجة إليها.
قال: فإن أعطاها الكسوة، [ثم ماتت] قبل انقضاء الفصل؛ أي: الذي قبضت الكسوة له- لم يرجع؛ لأنه دفعها، وهي واجبة عليه؛ [فلم يرجع]؛ كما في نفقة اليوم، فإن الكسوة بالنسبة إلى الفصل كالنفقة بالنسبة إلى اليوم.
قال: وقيل: يرجع؛ لأن الكسوة لمدة لم تأت؛ فكان له الرجوع فيها؛ كما لو عجل نفقة أيام.
قال: والأول [أصح]؛ لما ذكرناه.
والمراوزة قالوا: إن قلنا: إنها إمتاع، استرد، وإلا فلا.
وفي الرافعي: حكاية وجه: أنه يسترد وإن قلنا: إنها تمليك، ثم قال: ويمكن تنزيل وجه الاسترداد على الوجه الغريب الذي حكاه القاضي ابن كج في نفقة اليوم الواحد مع تسليم: أن كسوة الفصل كنفقة اليوم.
واعلم أنا حيث قلنا: يسترد، فذاك إذا كانت العين باقية، فإن كانت تالفة فالواجب [رد بدلها].
قال: وإن تصرفت فيما أخذت من الكسوة ببيع أو غيره- أي: مثل الهبة والإجارة- جاز؛ لأنه عوض مستحق بسبب النكاح؛ فجاز التصرف فيه؛ كالمهر، وهذا هو الصحيح.
وقيل: لا يجوز؛ لأن له غرضاً في جمالها، وعليه ضرر نقصانه، وهذا قول ابن الحداد، وقد وافقه عليه بعض أصحابنا كما حكاه ابن الصباغ، وهو مبني على أن الكسوة إمتاع، والأول على القول بأنها تمليك.
فإذا قلنا بمذهب ابن الحداد فقد قال أبو إسحاق: إن لها أن تلبس ما دون المأخوذ كما في النفقة، [والظاهر المنع؛ لما للزوج من غرض التزين، وهل يجوز لها أن تتعوض عن الكسوة شيئاً إن قلنا: إنها تمليك؟ فيه وجهان كما في النفقة] قاله المتولي.
قال: ويجب لها سكنى مثلها؛ لأن المعتدة تستحقها؛ فالزوجة أولى.
وظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الاعتبار فيها بما يليق بها، وهو ما حكاه المراوزة، وطردوه في كل ما الغرض منه الإمتاع حتى يجري في الكسوة على
رأي، بخلاف ما الغرض منه التمليك؛ فإنه يعتبر فيهجانبه لعظم الضرر فيه.
فعلى هذا: من لم تكن عادتها بسكنى الخان لابد من سكناها في دار أو حجرة، وينظر- أيضاً- إلى سعتها وضيقها.
والذي حكاه الشيخ في "المهذب"، وقال الجيلي: إنه في "الخلاصة"، وإنه خلاف المذهب- أن الاعتبار في المسكن بحاله في اليسار والإعسار والتوسط؛ كما في النفقة.
ومن أراد الجمع بين الكلامين سلك طريق المتولي، وقال: إنا نعتبر مسكناً يليق بها [متفاوتاً بين] الغني والفقير والمتوسط؛ كما في النفقة، وهو يتضمن النظر إلى الجانبين معاً.
وعلى كل حال: فلا يشترط في المسكن أن يكون ملكاً له، بل يجوز أن [يكون] مستعاراً أو مستأجراً.
قال: وإن كانت المرأة ممن تخدم، أي: في بيت أبيها، لمنصبها وشرفها، دون ما إذا طرأ لها ذلك في بيت زوجها؛ كما صرح به أبو حامد، أو من سكان الأمصار دون أهل البوادي؛ كما قاله الماوردي.
قال: وجب لها خادم واحد، أي: سواء كان الزوج موسراً أو معسراً، حراً أو عبداً؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، وقال- عليه السلام- لهند: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" وهذا من جملة الكفاية.
ولأنه يجب عليه نفقتها؛ فوجب عليه إخدامها إذا كانت ممن تخدم؛ كالأب لما وجب عليه نفقة ولده وجب عليه نفقة من يخدمه، وهو الحضانة.
وأشار المزني إلى اختلاف قوله في وجوب الإخدام، وقد أثبته بعضهم، والجمهور قطعوا بالوجوب، وحملوا النصوص المشعرة بخلافه على ما إذا لم تكن ممن تخدم.
وفي "التتمة"- عند الكلام في دليل وجوب الخدمة-: أن اليسار شرط في
وجوب الخدمة، وإنما اكتفينا بخادم واحد؛ لأن الذي يجب على الزوج كفايته في حق المخدومة الشريفة- على ما قاله أبو الفرج السرخسي- الطبخ والغسل ونحوهما، دون حمل الماء إليها للشرب، وحمله إلى المستخدم؛ فإن الترفع عن ذلك محض رعونة لا عبرة بها.
وعلى ما حكاه في "التهذيب": بحمل الماء إلى المستخدم، وصبه على يدها، وغسل خروق الحيض ونحوها، وذلك كله يحصل بالواحد.
ولا يشترط في الخادم أن يكون مملوكاً له، بل يجوز ذلك، ويجوز أن يكون مستعاراً، أو حراً يسمح بالخدمة أو مستأجراً.
ولا يجب عليه أن يستأجره بأكثر من قدر نفقة الخادم، سواء كان المستأجر حراً، أو رقيقاً، قاله مجلي.
وفي كلام الماوردي ما يدل على خلافه، وسنذكره في الباب.
نعم، يشترط أن يكون امرأة أو صبياً أو محرماً.
وقيل: يكفي الشيخ الهم ومملوكها، وهل يجوز أن يكون ذمياً؟ فيه وجهان.
والمرجع في تعيين الخادم إليه ابتداء، جزم به الماوردي، وهو الأظهر في الرافعي.
وفيه وجه حكاه القاضي أبو الطيب: أنه يرجع فيه إليها.
وأما في الدوام إذا توافقا على خادم في الابتداء فإليها، أو كانت قد حملت معها خادماً، فأراد إبداله- لم يجز إلا إذا ظهرت ريبة وخيانة.
ولا خلاف أن له [أن] يمنع ما زاد على الخادم الواحد من دخول منزله؛ وكذلك إذا استخدمت من لا تخدم خادماً فله منعه؛ كما له إخراج مالها من داره.
ولو كانت الزوجة أمة، واقتضى منصبها وجمالها أن تخدم- ففي وجوبه وجهان:
أظهرهما- واقتصر الأكثرون عليه-: المنع.
وفي "الوجيز": مقابله أصح.
ومن نصفها حر ونصفها رقيق في معنى الأمة، صرح به القاضي الحسين.
ولو كانت الزوجة ممن لا تخدم، لكن مرضت وعجزت عن خدمة نفسها- أطلق الأكثرون وجوب إخدامها، وهو مقتضى إطلاق الشافعي، رضي الله عنه.
ولا فرق فيه بين الحرة والأمة.
وإذا لم تحصل الكفاية بواحد فيزاد بحسب الحاجة.
وفصل بعضهم فقال: إن [كان] المرض دائماً وجب الإخدام؛ لأن [العذر] الدائم لا ينقص عن مراعاة الحشمة.
وإن لم يكن دائماً لم يجب؛ كأسباب المعالجة، وعلى ذلك [جرى] المبلغون عن الإمام.
وفرق الماوردي بينه وبين المعالجة بأن الخدمة من جنس ما يجب على الزوج بخلاف المعالجة.
قال: فإن قال الزوج: أنا أخدمها بنفسي، لم يلزمها الرضا به؛ لأنها تستحيي منه، وذلك يمنعها من استيفاء خدمتها، ولأن فيه عاراً عليها.
وقال أبو إسحاق، وأبو علي بن أبي هريرة: له ذلك.
واختاره الشيخ أبو حامد.
وعن القفال، أو غيره: أن له ذلك، فيما لا تستحيي منه: كغسل الثوب، واستقاء الماء، وكنس البيت، وطبخ الطعام، دون ما يرجع إلى خدمة نفسها: كصب الماء على يدها، وحمله إلى المستخدم، ونحو ذلك، وهذا ما حكاه الغزالي.
والأظهر ما في الكتاب، وإن كان البندنيجي قد قال: إنه ليس بشيء.
قال: وإن قالت: أنا أخدم نفسي، وآخذ أجرة الخادم- لم يلزمه الرضا به؛ لأن القصد به ترفيهها، وذلك لا يحصل بخدمة نفسها.
وأشار الغزالي إلى خلاف فيه بقوله: فالظاهر: أنه لا يلزم.
وإذا قلنا بالظاهر، فلو توافقا على ذلك ففي "التتمة": أنه على الخلاف في الاعتياض عن النفقة.
ولو تبرع أجنبي عنها أو عنه، سقطت خدمتها؛ قاله الماوردي.
قال: ويجب عليه نفقة الخادم وفطرته.
أما وجوب النفقة؛ فقد وجه بأنه من المعاشرة بالمعروف.
ووجهه ابن الخل: بأن الواجب يقف على ذلك.
وأما وجوب الفطرة، فمحله كتاب زكاة الفطر.
وقد قال الإمام: ثم إن الأصح: أن فطرته لا تجب.
ثم المسألة مصورة في "الحاوي" وغيره بما إذا كان لها [خادم]، واتفقا على أن يخدمها بكفاية المؤنة وغيرها.
وألحق الرافعي والبندنيجي بذلك الحرة إذا رضيت بمثل ذلك.
أما لو كان الخادم له، فنفقته واجبة عليه بحكم الملك.
وإذا كان مستأجراً أو مستعاراً، فنفقته عليه؛ إن كان حراً، أو على سيده؛ إن كان رقيقاً.
والخادم يطلق على الذكر والأنثى، [بغير الهاء]، وجاء لغة قليلة في الأنثى: خادمة.
قال: فإن كان موسراً لزمه للخادم مد وثلث من قوت البلد، وإن كان معسراً أو متوسطاً لزمه للخادم مد.
وتمسك الماوردي- في اعتبار تقدير نفقة خادم امرأة الموسر بالمد والثلث- بأن نفقة المخدومة مدان، وهذه تابعة لها؛ فلا تساويها، ولا يمكن إيجاب مد ونصف؛ لئلا نساوي بينها وبين نفقة المتوسط؛ فاقتصر فيه على مد وثلث، وهو ثلثا نفقة المخدومة.
وتمسك في اعتبار المد في حق المتوسط بأنه ثلثا نفقة المخدومة على وزان ما سبق في المعسر، وإن كان مقتضى ما ذكرناه من القياس أن يكون الواجب له ثلثي مد كي لا تحصل التسوية بينهما وبين نفقة المعسر وأجيب [بأن المد لا يقوم بدن- في الغالب- إلا به؛ فسوينا بينهما فيه للضرورة الداعية للتسوية] كالعدد والحدود [تنقص بالرق] عن حال الحرية فيما يتبعض من الأقراء
والأشهر والجلد، ويسوي بينهما فيما لا يتبعض من الحمل وقطع السرقة.
وعن القفال الشاشي- في اعتبار المد والثلث-: أن للخادمة والمخدومة في النفقة [حالة] كمال وحالة نقص، وهما في حالة النقصان يستويان وفي حالة الكمال يزاد للمفضولة ثلث ما يزاد للفاضلة؛ كما أن للأبوين في الميراث حالتي كمال ونقصان، وهما في حالة النقصان- وهو أن يكون للميت ابن- يستويان، ويكون لكل منهما السدس، وفي حالة الكمال- وهي إذا انفردا- يكون المال بينهما أثلاثاً [يزاد للأم] ثلث ما يزاد للأب.
وقال غيره في ذلك: إن نفقة الخادم على المتوسط ثلثا نفقة المخدومة؛ لأن نفقة المخدومة مد ونصف، ونفقة الخادم مد؛ فلذلك ينبغي أن تكون فقة الخادم على الموسر ثلثي نفقة المخدومة عليه، وذلك مد وثلث.
قال في "البسيط": وهذه المدارك بأصول أبي حنيفة أشبه بها من أصولنا، لكن لما بطلت الكفاية اكتفوا بمثل هذه التقديرات.
ووراء ما ذكرناه وجوه أخر:
أحدها: أن نفقة الخادم [مد لا] تختلف باختلاف الأزواج.
والثاني: أنه يجب على المتوسط للخادم مد وثلث؛ كالموسر، وهو ما حكاه البندنيجي، وفي "البحر" نسبه قائله إلى الغلط.
والثالث: [أنه يجب] على المتوسط مد وسدس.
وفي "الوسيط": أن اعتبار المد والثلث تقريب، لا تقدير؛ إذ لا تقدير للشرع فيه.
وأما اعتبار قوت البلد؛ فلأنه من المعاشرة بالمعروف، وقد حكي فيه وجه: أنه يجعل دون ذلك؛ كما يأتي في الإدام.
واعلم أن المد والثلث، وكذا المد إنما يجب للخادم إذا قام بجميع ما يستحق من الخدمة الواجبة على مثله، أما إذا تعاطى الزوج بعضها- كما حكيناه- فهل يستحق الخادم- والحالة هذه- ما قدر له؟ فيه خلاف مبني على أن الأمة إذا
سلمت إلى الزوج ليلاً، دون النهار- هل تستحق تمام النفقة؟ وفيه كلام سيأتي، فإن قلنأ: لا تستحق التمام، وهو ما حكاه الغزالي- فقد قيل: يحتمل أن تشطر، ويحتمل أن توزع على الأفعال، كما حكاه أيضاً.
قال: ويجب عليه أدمه من دون جنس أدم المرأة- على المنصوص- وهو الأصح للعرف.
فعلى هذا: يكون أدم المرأة من الزيت الجيد، والخادم من الزيت الدون.
وقيل: من جنس أدمها؛ كما لزمه من جنس طعامها، وهذا ما حكاه الماوردي.
وقيل: لا يلزمه للخادم أدم أصلاً، بل يكتفي بما يفضل عن المخدومة.
وهل يجب للخادم اللحم؟ فيه خلاف بناه البندنيجي وغيره على أن الأدم يجب من أدم المخدومة أم لا؟ فإن قلنا: يجب منه وجب، وإلا فلا.
وأما قدر الأدم، فهو بحسب الطعام.
قال: ولا يجب للخادم الدهن والسدر والمشط؛ لأن ذلك يراد للزينة، والخادم لا تتزين له، بل اللائق بحال الخادم [أن تكون شعثة؛ كي لا تمتد إليها الأعين بخلاف الزوجة].
نعم، لو كثر الوسخ وتأذت بسبب الهوام، فعليه أن يعطيها ما تترفه به.
وهذا ما استدركه القفال، واستحسنوه، وقريب منه ما حكي عن الصيدلاني: أنها إن احتاجت إليه عند تلبد شعرها وجب.
وأطلق صاحب "العدة" وجهين في أنه هل يعطي الخادم المشط والدهن؟
قال: ويجب لخادم امرأة الموسر قميص ومقنعة.
أما وجوب أصل الكسوة فبالقياس على النفقة؛ لأنها من المعاشرة بالمعروف.
وأما القميص والمقنعة؛ فلأن ذلك أقل ما يحصل به الستر، وتقتضيه العادة.
وفي "التتمة": أن المقنعة تجب في الشتاء، وفي الصيف للحرة، وإن كانت أمة فلا إذا كانت عادة الإماء في البلد كشف الرأس.
وهذا منه يدل على ما حكيناه عن الرافعي في إلحاق الحرة المتبرعة بخادمها.
ويجب لها مع ما ذكرناه في الشتاء: جبة صوف، [أو] محشوة قطناً، أو فرو،
على حسب العادة؛ ليدفع عنها البرد.
قال: وخف، أي: إذا كانت تخرج إلى الطريق في الحوائج؛ لأنها محتاجة إلى الخروج لقضاء حاجتها، والمعهود في حق النساء لبس الخف عند الخروج.
وكذلك يجب لها إذا كانت تخرج ما تلتحف به؛ لما ذكرناه.
قال: ولا يجب لها سراويل؛ لأن المقصود منه الزينة وكمال الستر، والخادمة لا تحتاج إلى الزينة ولا إلى كمال الستر، إذا كانت أمة؛ فإن ساقها ليس بعورة، كذا علل به الرافعي.
ومقتضاه: أن يجب إذا كان الخادم حرة- إن لم يكن ما ذكره علة واحدة- كما حكيناه عن المتولي في المقنعة.
وفي "التهذيب" حكاية وجه: أنه يجب مطلقاً، وصححه ووافقه القاضي الروياني على تصحيحه.
قال: ويجب لها كساء غليظ أو قطيفة؛ أي: تتغطى بذلك، ووسادة، أي: تنام عليها.
وفي "التتمة": أنه لا بد لها من شيء تجلس عليه: كباريه في الصيف، وقطعة لبد في الشتاء.
وفي "البحر": أنه لا يجب لها فراش، ويظهر أن يكون اختيار الشيخ هاهنا؛ لأنه لم يتعرض له، وإن كان قد ذكر في "المهذب" وجوبه، كما سنذكره.
قال: ولخادم امرأة المعسر عباءة، أو فروة، والمرجع في ذلك كله إلى العرف.
وقال الغزالي: الغرض أن الكسوة تجب للخادم، إلا أنه [لا] تكون أحسن جنساً من كسوة المخدوم.
ويختلف ذلك باختلاف البقاع، ومقتضى هذا: أن يساوي المخدوم في القدر والجنس، وإنما الاختلاف في النوع، كما قلنا في الأدم، وهو قضية كلام الشيخ في "المهذب"؛ فإنه قال: يجب لخادم كل زوجة من الكسوة والفراش والدثار، دون ما يجب للزوجة، ويستثنى منه السراويل.
وقد سكت الشيخ والأصحاب عن التعرض لكسوة خادم امرأة المتوسط، ويحتمل- على ما قاله الشيخ هاهنا في امرأة المعسر- أن تلتحق بها في القدر كما في النفقة.
ويحتمل أن يجب لها ما بين كسوة امرأة الموسر والمتوسط، خصوصاً إذا قلنا بما حكاه في "المهذب".
تنبيه: العباءة: بفتح العين والمد، والعباية: بالياء- لغتان.
الفرو- بغير هاء-: هذا الملبوس المعروف، وجمعه: فراء.
وقد استعمله الشيخ بالهاء، وهي لغة، وقيل: "الفرو" واحد "الفراء"؛ فإن كان كالجبة فاسمها: فروة.
قال: وتجب النفقة إذا سلمت نفسها إلى الزوج- أي: في الموضع الذي عينه- أو عرضت نفسها عليه- أي: وإن لم ينقلها إلى موضع، ولا استمتع بها- لأنها سلمت ما ملك عليها، فملكت واستحقت ما بإزائه؛ كالأجير إذا سلم الدار المكراة إلى المكتري، أو عرضها عليه- يستحق عليه الكرا.
وصورة العرض أن تقول: سلمت نفسي إليك، فإن اخترت أن تصير إلى، وتأخذني وتستمتع بي- فذاك إليك، وإن اخترت جئت إليك في أي مكان شئت.
أو ما يؤدى هذا المعنى.
قال: وإن كانت صغيرة- أي: لا يوطأ مثلها- ففيه قولان:
أصحهما: أنها لا تجب؛ لأمرين:
أحدهما: أن فقد الاستمتاع بالصغر أغلظ من فقده بالنشوز [في الكبر؛ لإمكانه في حال النشوز، وتعذره في الصغر فكان إلحاقه بالنشوز] في سقوط النفقة أولى.
والثاني: أن النفقة في مقابلة التمكين والاستمتاع؛ فصارت بدلاً في مقابلة مبدل، وفوات المبدل موجب لسقوط البدل، وإن كان فواته بعذر كسقوط الثمن بتلف المبيع، وهذا القول هو المنصوص عليه في "الأم" وهو مع الثاني في "الإملاء".
والقول الثاني: أنها تجب؛ لأنها محبوسة عليه، وفوات الاستمتاع بسبب هي معذورة فيه، فأشبهت المريضة والرتقاء.
وبنى المراوزة القولين على القولين في أن النفقة تجب بالتمكين أو بالعقد.
واعلم أن المسألة مصورة في "المهذب"، "وتعليق" القاضي الحسين، و"الرافعي" بما إذا سلمت إليه، أو عرضت عليه، حتى قال الرافعي: لو لم تسلم إليه كانت كالكبيرة.
وفي "النهاية": أنه لا حاجة في الصغر في تقدير النفقة إلى وعد الزفاف، عند إمكان الاستمتاع، بل تستقر النفقة في الصغر مع السكوت وترك التعريض وفاقاً، وإذا جاز الإمكان كان الحكم كالكبيرة، وهذا قد يؤخذ من ظاهر كلام الشيخ هاهنا من حيث إنه جعله في مقابلة تسليمها نفسها.
أما إذا كانت الصغيرة يمكن وطؤها فيجب لها النفقة وجهاً واحداً إذا سلمت إلى الزوج، أو عرضت [عليه، والمخاطب بذلك هو الولي.
فلو سلمت هي] نفسها، [فتسلمها الزوج- وجبت، ولو عرضت نفسها] ولم يتسلمها الزوج، قال ابن الصباغ: ينبغي ألا تجب حتى يتسلمها؛ لأن بذلها لا حكم له.
وهذا ما حكاه الرافعي عن المذهب، وأبداه مجلي عن بعض الأصحاب جزماً، وذكر لنفسه احتمالاً في وجوبها.
قال: وإن كان الزوج صغيراً، أي: لا يتأتى منه النكاح، وهي كبيرة- أي: وعرضت نفسها على وليه، لا عليه؛ كما صرح به الرافعي- ففيه قولان:
أصحهما: أنها تجب؛ لأن الاستمتاع مستحق عليها دونه، وقد وجد التمكين من جهتها؛ فوجبت النفقة، ولم تسقط بعذر من جهته؛ كما لو هرب.
وكما لو تعذر على المستأجر استيفاء المنفعة يعذر فيه بعد تسليم العين، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم"، وهو مع الثاني في "الإملاء".
والقول الثاني: أنها لا تجب؛ لأن التسليم أو التمكين لا معنى له إلا بتسليم أحد أو تمكينه منه، ولم يوجد.
ومن الأصحاب من جزم بالأول، وأجرى الخلاف [في الصورة الأولى.
قال
القاضي الحسين: وهو سديد، وذكر ما عللنا به] القول الثاني.
قال الرافعي: ولك أن تقول: إن قضية القولين معاً في أن النفقة تجب بالعقد أو بالتمكين.
ومن الأصحاب من قال: إن كانت جاهلة بصغره، وجبت وجهاً واحداً، [وإلا فلا كذا قاله الغزالي.
وذكر الرافعي: وإلا فقولان.
وهو موافق لرواية الإمام عن بعض المصنفين، فيحصل من ذلك مع إجراء كلام الغزالي على ظاهره أربعة طرق.
أما إذا كان الزوج يمكن جماعه كالمراهق فتجب النفقة وجهاً واحداً] بالعرض على وليه والتسليم إليه، وإن كان بغير إذن الولي، كما صرح به البغوي.
ولو كان الزوجان صغيرين لا يتأتى منهما الجماع، ففي وجوب النفقة- أيضاً- قولان في "الإملاء" و"الأم"، أصحهما- عند الماوردي: الوجوب، وفي "الشامل": أن المنصوص عدمه.
وقال القاضي الحسين: إن قلنا في المسألة قبلها: لا تستحق، فهاهنا أولى، وإن قلنا تستحق، فهاهنا قولان.
قال: وإن كانت مريضة، أو رتقاء، أو كان الزوج عنيناً- وجبت النفقة.
أما إذا كانت مريضة أو رتقاء؛ فإنه وجد منها التسليم الممكن، ويمكن الاستمتاع بها من بعض الوجوه، مع أنها [معذورة بما يدوم فترك الإنفاق عليها مما يضر بها وتخالف الصغيرة من حيث إنها] في قبضته؛ لما يلزمها من تسليم نفسها إليه، والصغيرة ممنوعة منه؛ لأنه لا يجب تسليمها إليه، كذا فرق به الماوردي.
وقال القاضي الحسين: لأن المرض عارض بعد التسليم، فلا يكون حكمه حكم العارض الموجود في أصل العقد؛ ألا ترى أن العيب الحادث بعد التسليم لا يجعل له الخيار كالعيب الموجود في أصل العقد؟
ويظهر من الفرق الأول: أن تكون الصورة في الصغيرة كما حكيناه عن الإمام،
وأن محل الكلام في المريضة إذا سلمت إلى الزوج، وهو على طريقة من يوجب تسليمها إليه، أما على طريقة من لا يوجب تسليمها- كما حكيناه في موضعه- فنفقتها تجب، وإن لم يوجد عرض، ولا تسليم، وقد صرح به مجلي وغيره.
ويظهر من الفرق الثاني أن محل الكلام في المريضة إذا حدث المرض بعد التسليم، وكلام الأئمة يشعر بأنه لا فرق بين أن يحدث بعده أو قبله، وقد صور في "التهذيب" المسألة بما إذا سلمت نفسها وهي مريضة أو رتقاء، وألحق المفضاة بهما.
ثم هذا إذا لم يكن لها سبب في المرض، أما إذا تسببت فيه، ثم استمر- ففيه التردد المذكور في إحرامها؛ صرح به الإمام عند الكلام في نفقة المطلقات.
وأما إذا كان الزوج عنيناً؛ فلما ذكرناه من قبل، والفرق بينه وبين الصغير على رأي: أنه يحصل له بها الأنس، وبعض الاستمتاع، بخلاف الصغير.
ولأن العلة التي اقتضت عدم إيجاب النفقة على الصغير مفقودة هاهنا.
وحكم من يلحقها بالجماع شدة ضرر: إما لصلوبة جسدها وضيق فرجها، وإما لعظم خلقة الزوج وغلظ ذكره- حكم الرتق في وجوب النفقة، ولا يجب عليها تمكينه.
ولو اختلفا فيما يمنع من الوطء، فادعته [المرأة]، وأنكره الزوج- فلها أن تبينه بشهادة النسوة، وهل يكفي فيه شهادة امرأة واحدة أو لا بد من أربع نسوة؟ فيه وجهان، أظهرهما: الثاني.
قال: ولا تجب النفقة إلا بالتمكين التام؛ لأنها لا تعد مسلمة بدونه، ومعناه ما ذكرناه أولاً.
وقال الإمام: والتمكين أن تقول المستقلة، أو أهلها إن كانت محجوراً عليها: مهما أسقطت الصداق رفعنا إليك.
وهل التمكين سبب أو شرط؟ فيه خلاف يأتي.
واحترز الشيخ بلفظ "التمام" عما إذا قالت: أنا أسلم نفسي إليك [ليلاً دون النهار أو نهاراً دون الليل، أو: في البلد الفلاني دون غيره، أو في المنزل الفلاني- فإن النفقة لا تجب؛ بدليل أنه لم يحصل التمكين المقابل بالنفقة.
قال: فإن كانت أمة فسلمها السيد] ليلاً ونهاراً، أي إما في بيت الزوج، أو في البيت الذي بوأها إياها- إن قلنا بوجوبه- وجبت نفقتها؛ [لوجود التمكين التام كالحرة.
قال: وإن سلمها ليلاً ولم يسلمها نهاراً لم يلزمه نفقتها]؛ لقصور استمتاعه عن حالة الكمال؛ فالتحقت بالحرة إذا سلمت نفسها ليلاً دون النهار، وهذا قول أبي إسحاق وجمهور الأصحاب.
قال: وقيل: يلزمه نصف النفقة؛ اعتباراً بما تسلمه، وهذا قول ابن أبي هريرة.
وقال الماوردي: هو أظهر عندي، وعبر عنه بأنه يجب على الزوج عشاؤها؛ لأنه يراد لزمان الليل، وعلى السيد غداؤها، لأنه يراد لزمان النهار، وعليه من الكسوة ما تتدثر به ليلاً، وعلى السيد منه ما تلبسه نهاراً.
وهذا الوجه قد حكي في الحرة مثله إذا سلمت نفسها في وقت دون وقت: أنها تستحق من النفقة بقدر ما سلمت، وهو ما أجاب به [أبو الفرج].
وقيل: يلزمه جميع النفقة، لوجود كمال التسليم المستحق عليها بالعقد، وهذا لا يجري فيالحرة؛ لأنه لم يكمل التسليم المستحق عليها.
نعم: لو كانت مستأجرة قبل العقد فقد حكى الماوردي أن الزوج لا يستحق تسليمها إلا ليلاً، ويثبت له الخيار في فسخ النكاح، إن كان جاهلاً بإجارتها، ولا يسقط برضا المستأجر من التمكين من الاستمتاع.
وإن كان عالماً فلا خيار له، فإذا لم يفسخ فالذي يظهر مما ذكرناه: أن يكون حكمها حكم الأمة في جريان الوجه الثالث، ولم أره، بل المصرح به في
"التتمة" عدم الاستحقاق؛ تفريعاً على القول بأنها إذا سافرت بإذنه في حاجتها تسقط نفقتها.
وفي "تعليق" إبراهيم المروزي حكاية وجهين فيما إذا تزوجها وهي صائمة، في استحقاق النفقة، وهو [نظير] المسألة، لكنه لم يبين؛ فيجوز أن يكون أحدهما: أنها تسقط.
والآخر: استحقاق الشطر.
ويجوز أن يكون غيره؛ فلا يتحصل من ذلك المطلوب.
قال: وإن كان الزوج غائباً، فعرضت نفسها عليه، ومضى زمان، أي: بعد العرض، لو أراد المسير فيه لكان قد وصل، أي: ولا عذر في الطريق- وجبت النفقة من حينئذ؛ لأن التقصير من جهته؛ فأشبه ما لو عرضت نفسها عليه وهو حاضر.
قال الماوردي: وهذا قول البغداديين من أصحابنا.
وصورة العرض: أن تمضي إلى الحاكم، وتبذل التسليم بعد ثبوت الزوجية عنده، ويكتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي فيه الزوج، ليعلمه بذلك، فإذا أعلمه فقد حصل الغرض.
وفي "الرافعي": أن من الأصحاب من لم يتعرض للرفع إلى القاضي ولا للمكاتبة، وقال: تجب النفقة من وقت وصول الخبر إليه، وبمضي زمان إمكان القدوم عليها.
وهكذا أورد صاحب "التهذيب".
ثم هذا إذا عرف مكانه، فلو غاب ولم يعرف مكانه، قال في "التتمة": فإذا جاءت المرأة إلى الحاكم، وأظهرت الطاعة له- فالحاكم يكتب إلى حكام البلاد التي تتردد إليها القوافل من تلك البلدة في العرف والعادة حتى ينادي في تلك
البلاد باسمه: فإن ظهر في بعض البلاد فالحكم كما سبق، ولو لم يظهر فرض الحاكم لها النفقة في [ماله، ولو كان له مال حاضر، وأراد الحاكم أن يصرف إليها النفقة في] حال غيبته- أخذ منها كفيلاً بما يصرفه؛ لأنه لا يؤمن أن يظهر وفاته أو طلاقه.
قال: ولا تجب النفقة إلا يوماً بيوم؛ إذ التمكين سببها مع تقدم العقد؛ لكونها تدور معه وجوداً وعدماً عند النشوز، والتمكين كذل كيحصل وهذا قول البغداديين من أصحابنا.
وقال البصريون: تجب بالعقد والتمكين، فجعلوا الوجوب معلقاً بالعقد وحدوث التمكين معاً.
وهذا يحتمل معنيين:
أحدهما: أن كل واحد منهما جزء السبب، وهو الظاهر.
والثاني: أن السبب: العقد، والتمكين شرط، على عكس الوجه الأول، وبه صرح الماوردي عنهم وستظهر لك ثمرة هذا الاختلاف من بعد كما ظهرت من قبل.
قال: وقال في القديم: تجب، أي: نفقة مدة النكاح جميعاً بالعقد؛ كما يجب المهر به؛ ولأنها لو كانت تجب بالتمكين لما استحقتها الرتقاء والمريضة، لكنها لو نشزت سقطت؛ فيكون ضدها- وهو التمكين- شرطاً في استقرار الوجوب، وهو معنى قول الشيخ، إلا أنه لا يجب التسليم إلا بالتمكين [يوماً بيوم]؛ كما أن الأجرة الحالة تجب بالعقد، ولا يستقر وجوبها إلا بالتسليم، لكن الأجرة يجب تسليمها بالعقد جملة؛ للعلم بها، وجملة النفقة غير معلومة.
وقد صرح بالمعنى الذي ذكرناه الماوردي في كتاب الرهن، حيث قال: وفي القديم تجب النفقة بالعقد جملة، وتستحق قبضها بالتمكين، والجديد هو الأول، وهو الصحيح.
واستدلله بأن النبي صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ عَائِشَةَ [وَدَخَلَ] بِهَا بَعدَ سَنَتَينِ، وما نقل أنه أنفق عليها قبل أن يدخل بها، ولو كان النقل، ولو
كان حقاً لساقه إليها، [ولما استحل أن يقيم على الامتناع من حق واجب عليه، ولكان إن أعوزه الحال يسوقه إليها] من بعد، أو يعلمها بحقها ثم يستحلها؛ لبراءة ذمته؛ وذلك يدل على عدم الوجوب بالعقد.
ولأن النفقة مجهولة، والعقد لا يوجب مالاً مجهولاً، وإذا لم تجب بالعقد فتجب بالتمكين يوماً فيوماً.
وهذان القولان ادعى ابو الفرج السرخسي أنهما منقولان في "الإملاء"، وادعى الإمام وغيره أنهما مستخرجان من معاني كلام الشافعي- رضي الله عنه- وادعى الرافعي أن من جملة ما يدل على ذلك ما حكيناه عن الماوردي أولاً.
وفيه نظر؛ لأن الماوردي صدر كلامه بأنها لا تجب بالعقد، وأن على قول البصريين تجب بالعقد والتمكين شرط، ومحال أن يجب الشيء قبل وجود شرطه.
نعم، يمكن رده إليه؛ بأن يجعل التمكين- على قول البصريين- شرطاً في التسليم، لا في نفس الإيجاب؛ كما حكاه عن القديم.
واعلم أن في هذه العبارة: "أن النفقة تجب بالتمكين [أو بالعقد] "- تساهلاً؛ فإن الإمام قال: إن النفقة الدارة لا تجري مجرى الأعواض- على التحقيق- وإنما هي كفاية في مقابلة ارتباط المرأة بحالة الزوجية؛ فإن للزوج سلطان منعها عن التسليط، فقابل الشرع ما أثبت له من الأحكام عليها بإيجاب كفاية وظييفتها عليه، والصداق هو المذكور على صيغة الأعواض في مقابلة البضع، ثم صح عند المحققين أنه خارج عن حقائق الأعواض، وإذا كان لا ينتصب الصداق عوضاً محققاً فالنفقات لا يتحمل ثبوتها عوضاً في العقد، ولكن انقدح معنيان:
أحدهما: احتباسها بالعقد على الزوج.
والآخر: تمكن الزوج من الاستمتاع.
ولم يختلف العلماء أنها لو نشزت فلا نفقة لها في زمان النشوز؛ فلما لم
تكن النفقة عوضاً لمنافع البضع حتى يتوقف استقرارها على توفية المنافع المقابلة مقابلة الأعواض على التحقيق- قال قائلون: تجب بالعقد النفقة، ومعناه أنها تجب بالاحتباس الذي أوجبه العقد.
وقال آخرون: تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، والله أعلم.
قال: فلو ضمن عنه نفقة مدة معلومة، أي: في المستقبل- جاز، أي: تفريعاً على القول القديم؛ لأن في القديم يصح ضمان الدين الذي لم يجب، ولم يوجد سبب وجوبه؛ فكيف وقد وجد الوجوب؟ وعلى هذا: فلا يضمن إلا نفقة المعسرين، وإن كان الزوج موسراً أو متوسطاً؛ لأنها المنتفية.
وفي "التتمة" وجه آخر: أنه يصح ضمان نفقة المعسرين والمتوسطين؛ لأن الظاهر استمرار حاله.
ولو ضمن النفقة مطلقاً، ولم يقيد بمدة- قال الرافعي: لم يصح ضمان ما بعد الغد، وفي ضمان الغد وجهان؛ أخذاً من الخلاف فيما إذا قال: أجرتك كل شهر بدرهم.
قلت: وهذا لا يحسن إذا كان التفريع على القديم؛ لأن ضمان المجهول فيه جائز، كما تقدم.
وقد حكى الشيخ أبو حامد أن الشافعي قال: لو قال الأب لولده: ضمنت لك النفقة أبداً- فهذا ضمان مجهول.
وقد أجازه كذا حكاه مجلي في الضمان.
وعلى القول الجديد: لا يصح ضمان نفقة الزمان المستقبل؛ لأنه ضمان ما لم يجب.
وأشار الإمام إلى أنه على قولين، مع تفريعنا على أن ضمان ما لم يجب باطل؛ لأن سبب وجوب النفقة على تعاقب الأيام ناجز.
وهذا ما أورده الغزالي حيث قال: وفي ضمان نفقة المرأة الغد- وكذا كل ما لم يجب ولكن جرى سبب وجوبه- قولان في الجديد.
قال الرافعي: "وفيه إشكال، لأن سبب النفقة إما النكاح أو التمكين في النكاح: إن كان الأول فالنفقة واجبة؛ فكيف قال: ولم تجب؟ وإن كان الثاني فالسبب غير موجود.
ويجوز أن يقال في الجواب: ليس المراد من سبب الوجوب هاهنا ما [يقترن به] الوجوب؛ بل المراد منه الأمر الذي إذا وجد، استعقب الوجوب ظاهراً عند وجود أمر آخر، ويتأيد ذلك بأنهم نقلوا قولين فيما إذا ضمن أرش الجناية وما يتولد منها، ومعلوم أن الجناية ليست سبباً لما يتولد منها إلا على هذا التفسير.
وأما عند قولنا: سبب الوجوب النكاح أو التمكين، فنعني به: ما يقترن به الوجوب، هذا آخر كلامه في كتاب الضمان.
قلت: [و] قد يظهر أن الخلاف الذي حكاه الإمام في الجديد يستنبط مما حكيناه عن البغداديين والبصريين في أن النفقة بماذا تجب؟ ويتفرع على القولين- الجديد والقديم- أيضاً [فوائد] عند المراوزة:
منها: لو اختلفا في التمكين، فقالت المرأة: مكنت وسلمت نفسي من وقت كذا، وأنكر الزوج- فإن قلنا بالقول الجديد فالقول قوله، وعليها البينة، وإلا فقولها، وهو ما نسبه البغوي إلى "الإملاء".
وقد أشار الروياني إلى القطع بأن القول قوله، وهو الذي يقتضيه إيراد الشيخ على القول القديم- أيضاً- فإنه جعل التسليم شرطاً في وجوب التسليم، والقاعدة: أنه متى وجد الشك في الشرط لا يترتب الحكم، ويكون الشيخ نبه بقوله: "إلا أنه لا يجب التسليم إلا بالتمكين يوماً فيوماً" إلى هذا الحكم.
ومحل الخلاف مصور في "الوجيز" و"الوسيط" بما إذا تنازعا في النشوز.
قال الرافعي: ولفظ الأكثرين كما صورناه فيه، ويجب أن يكون ما ذكره محمولاً عليه.
أما إذا توافقا على حصول التمكين، واختلفا في أنها نشزت وخرجت عن الطاعة أم لا- قال: فينبغي أن يقطع بتصديقها؛ فإن الأصل عدم النشوز، واستمرار الواجب، وهكذا ذكره القاضي ابن كج بعدما أجاب فيما إذا اختلفا في أصل التمكين بأن القول قوله.
وحكى مع ذلك وجهاً ضعيفاً: أن القول- أيضاً- قوله؛ لأن الأصل براءة الذمة.
هذا آخر كلامه، وما أبداه احتمالاً ونقلاً عن
القاضي هو ما حكاه الإمام، [و] هو- أيضاً- في نكاح المشركات.
ومنها: إذا لم يطالبها بالزفاف، ولم تمتنع هي منه، ولا عرضت نفسها عليه، ومضت مدة- فتجب النفقة على القديم، وأما على الجديد، فلا، وهو ما حكى الإمام عن العراقيين القطع به، وهو قضية ما ذكرناه من قبل، وبه يظهر تقوية الاحتمال، ثم قال: وليس من الممكن القطع به.
قال: وإن نشزت، أي: منعته من الاستمتاع بها في الموضع الذي أراده من غير عذر، أو سافرت بغير إذنه، أي: ولم تكن معه، أو أحرمت، أو صامت تطوعاً، أو عن نذر [في الذمة أو نذر] معلق بزمان بعينه نذرته بعد النكاح بغير إذنه- سقطت نفقتها؛ لأنها تجب بالتسليم، أو تستقر به؛ فسقطت بالمنع؛ كالأجرة إذا امتنع الآجر من تسليم العين حتى مضت مدة؛ فإنه يسقط ما بإزائها.
ولأنها وجبت؛ لكونها معطلة المنافع بسبب الزوج، محبوسة عنده؛ ولهذا لو امتنع من الإنفاق عليها كان لها أن تمتنع من التمكين؛ فإذا نشزت، سقط ما يقابل التمكين.
ولا فرق في النشوز بين أن يكون من مكلفة أو غير مكلفة، ولا بين أن تكون حائلاً أو حاملاً.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن من أصحابنا من قال: إن قلنا: إن النفقة للحمل، وجبت.
والأصح خلافه؛ لأن ذلك بعد البينونة.
ولا فرق بين أن يكون في جملة اليوم، أو بعضه على الأصح.
وفي وجه: إذا وجد في أثنائه توزع نفقته على زمن التمكين والنشوز فيه، كما تقدم.
فعلى هذا: لو نشزت بالليل دون النهار، أو بالعكس- استحقت الشطر، ولا نظر إلى طول أحدهما وقصر الآخر.
ولا فرق في السفر بغير الإذن بين أن يكون في حاجتها أو حاجته.
نعم، لو سافرت معه من غير إذنه، عصت، واستحقت النفقة؛ قاله الرافعي في قسم الصدقات.
وألحق في "التهذيب" عصيها بسفرها بغير الإذن، ولو خرجت من منزله بغير إذنه سقطت النفقة وإن لم يوجد السفر، اللهم إلا أن يكون لزيارة أبيها أو عيادته؛ فلا تسقط، كما صرح به البغوي.
وكذا لو خرجت لإشراف المنزل على الانهدام، أو كان لغير الزوج؛ فأزعجت.
ولو عادت إلى المنزل بعد غيبة الزوج فلا تعود نفقتها- على الأصح- ما لم تعرض نفسها عليه، كما تقدم.
وفيه وجه: أنها تعود بالعود، وقيده في كتاب "التهذيب" بما إذا كان الخروج في غيبته، وجزم بعدم العود فيما إذا كان الخروج في حضوره والعود في غيبته.
وقال الإمام: الذي أرى نظمه أن نشوزها إن ظهر وانتشر كان في عود النفقة بعودها إلى الطاعة الخلاف السابق، وإن جرى نشوز خفي من غير إظهار ثم فرض العود، ففي المسألة طريقان: