كتاب الفرائض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الفرائض: جمع فريضة: وهي: فعيلة، من الفرض، والفرض: التقدير، قال الله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:237]، أي: قدرتم، وقال تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1]، أي: قدرناها وبيناها.
وقولهم: فرض [القاضي] النفقة أي: قدرها، وفرض الزوج مهر المثل أي: قدره.
ويسمى علم المواريث: [فرائض]؛ لاشتماله على أنصباء مقدرة، أو لكثرة دور الفرض في الكلام فيها، مثل قولهم: فرض الأم كذا، وفرض البنت كذا، وفرض الزوج كذا.
وقيل: أصل الفرائض: الحدود، من: فرَضت القوس وفرَّضتها: إذا حززت فيها حزًّا يؤثر فيها، فسميت قسمة المواريث: فرائض؛ لكونها حدوداً وأحكاماً مبينة.
وقيل: سمي فرائض؛ لأن الله تعالى قطع الأقارب بعضهم عن بعض، وبين لهم قدر استحقاقهم.
وقيل: لأن الله تعالى قال في آخر الآية: ﴿فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ﴾ [النساء: 11].
وقيل: سميت فرائض من الوجوب واللزوم؛ لأن الفرض بمعنى الإيجاب والإلزام.
قال أهل اللغة: العالم بها يسمى: فَرَضِيًّا، وفارضاً، وفريضاً أيضاً، كعالم وعليم.
وقد كانت المواريث على تسعة أوجه: أربعة منها كانت الجاهلية عليها فورد
الإسلام بإبطالها، وأربعة وجوه كان عليها أهل الإسلام فنسخها الله عز وجل، والوجه التاسع هو الذي عليه الإسلام إلى يومنا هذا كما سنذكر، وبه نسخ ما سواه:
فالأربعة الأولى: وراثة الرجال دون النساء، والكبار دون الصغار، ووراثة النساء كرهاً، وميراث الحليف، وكانت العرب تتوارث بالحلف والتناصر؛ طلباً للتواصل به، وصورته أن يقول: "هدمي هدمك، ودمي دمك، وسلمي سلمك، وحربي حربك، ترثني وأرثك، وتنصرني وأنصرك، وتعقل عني وأعقل عنك".
وأحد الوجوه الأربعة الثانية: التوارث بالحلف والتناصر، والثاني: بالإسلام والهجرة، والثالث: [التبني]، والرابع: على الوصايا، وقد نسخت الفرائض في الإسلام [ثلاث مرات]: نسخ التوارث بالحلف والنصرة الدال عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33]- بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآية [الأنفال: 72]، وقوله عليه السلام: [لا حلف في الإسلام]، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" أخرجه مسلم.
فكان الرجل [إذا آمن وهاجر إلى المدينة، وكان له بمكة ولد مؤمن، ولم يهاجر معه لم يرثه]، إذا مات، ويرثه جماعة المهاجرين [بالمدينة]، ثم نسخ ذلك بالقرابة والرحم بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: 6]، فنقل التوارث إلى الرحم، ولم يذكر مقاديره، فكان الرجل يجب عليه أن يوصي لوالديه وأقاربه؛ لقوله
تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180].
قال ابن سريج: فكان يجب على المحتضر أن يوصي لكل واحد من الورثة بما في علم الله تعالى [من الفرائض]، فكان من وفق لذلك مصيباً، ومن يتعداه مخطئاً.
قال الإمام: وهذا زلل، ولا يجوز ثبوت مثله في الشرائع؛ لأنه تكليف على عماية.
ثم نسخ وجوب الوصية بالآيات المذكورة في سورة النساء، قال صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:11]، "عجز الموصى أن يوصي كما أمر الله – تعالى – فتولى الله قسمتها بنفسه، إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث".
[ثم اعلم] أن تعلم الفرائض محثوث عليه، ومندوب إليه، قال صلى الله عليه وسلم: "الْعِلْمُ ثَلاَثَةٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ" أخرجه أبو داود وابن ماجه.
وروي أنه عليه السلام قال: "تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ؛ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبضُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، حَتَّى يَخْتَلِفَ الاِثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلاَ يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا" وغير ذلك من الأخبار، وقد روي عن عمر – رضي
الله عنه – أنه قال: "إِذَا تَحَدَّثْتُمْ فَتَحَدَّثُوا فِي الْفَرَائِضِ، وَإِذَا لَهَوْتُمْ فَالْهَوْا بِالرَّمْي".
ولم يترك أحد من [أكابر] الصحابة إلا وله الكلام في الفرائض؛ إلا [أن] الذين اشتهروا بعلمها أربعة: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت [رضي الله عنهم]، قال علماؤنا: ولم يتفق هؤلاء الأربعة قط على مسألة إلا وافقتهم الأمة، وما اختلفوا إلا وقعوا فرادى، أو ثلاثة في جانب وواحد في جانب.
واختار الشافعي من مذاهبهم مذهب زيد؛ لأنه اقرب إلى القياس، ولقوله عليه السلام: "أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ"، وعن القفال أن زيداً لم يهجر له قول، بل أقواله معمول بها، بخلاف أقوال غيره، ومعنى اختياره له: أنه نظر في أدلته فوجدها مستقيمة فاتبعها، لا أنه قلده؛ إذ المجتهد لا يقلد المجتهد.
قال: من مات وله مال ورث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَىَّ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَنَّا مَوْلَى مَنْ لا مَوْلى لَهُ، أَرِثُ مَالَهُ وَأَحُلُّ عَانِيَهُ" يعني: أفك عانيه، والعاني: الأسير، ومعنى
الأسير هنا: ما تتعلق به ذمته ويلزمه بسبب الجنايات التي سبيلها أن تتحملها العاقلة.
وقد جاء في رواية: "أَفُكُّ عُنيَّه".
بضم العين وتشديد الياء.
ويفسر ذلك ما روى مسلم والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلاًّ فَإِلَيْنَا"، وفي رواية لأبي داود [عن جابر] أنه قال: "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً، فَلأِهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيَاعاً، فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ".
والضياع – بفتح الضاد المعجمة -: العيال، وقال الخطابي: الضياع: اسم لكل ما هو معرَّض أن يضيع إن لم يتعهد، والكل – بفتح الكاف والتشديد اللام -: العيال والدين، وقال بعضهم: إنه ينطلق على الواحد والجمع، والذكر والأنثى، وجمعه: كلول، ومعناه: الثقل ثم استعمل في كل ضائع وأمر مثقل.
ثم الوراثة تارة تكون بسبب عام وهو الإسلام، وتارة تكون بسبب خاص وهو النكاح، والولاء، والقرابة، ومنع بعض أصحابنا – كما قاله القاضي [الحسين] في باب الوصية وغيره – هنا أن بيت المال ليس بوارث لمن لا وارث له خاص، وأن سبيله سبيل المال الضائع؛ لأنا نعلم أن له عصبة، لكنا لا نعرف عينه، وقد حكاه الروياني قولاً عن رواية ابن اللبان، قال: إلا المرتد فإنه لا يورث أي: سواء كان ما معه من المال اكتسبه في حال الإسلام أو حال الردة، وسواء
كانت الردة في الصحة أو في المرض، وقصد منع وارثه، والدليل على [أن] ذلك في بعض الصور، وهي ما اكتسبه في حال الردة و [في] الصحة: الإجماعُ، وفيما عداهما: القياسُ عليهما.
واستدل لذلك ابن الصباغ بما روى أبو بردة بن نيار قال: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى رَجُلٍ عَرَّسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنْقَهُ، وَأُخَمِّسَ مَالَهُ"، وهذا كان مرتداً؛ لأنه استحل ذلك، وقد أبدى الإمام احتمالاً في توريث المرتد بمن المرتد] على قولنا: إن ملك المرتد لا يزول إلا بالموت، تخريجاً من قولنا: إن ولد المرتد من المرتدة مرتد.
قال: ومن بعضه [رقيق وبعضه حر] ففيه قولان:
أحدهما: يورث عنه ما جمعه بحريته؛ لأن ملكه تام على [ما ملكه] بالحرية؛ فورث كمالِ من كله حر، وهذا هو الجديد.
والثاني: أنه لا يورث كما أنه لا يرث، وهذا هو القديم.
وللقائل بالجديد أن يقول: منع توريثه من أن يأخذ مالك بعضه الرقيق بعض ما ينتقل إليه، وهذا المعنى مفقود في الإرث منه.
تفريع:
إن قلنا بالأول ورثه أقاربه، ثم معتقه، وروى ابن اللبان وجهاً: أنه يكون بين الوارث ومالك بعضه [و] الرقيق على نسبة الرق والحرية، وحكاه المراوزة
أيضاً؛ لأن سبب الإرث الموت، وهو حال بجميع بدنه، وبدنه ينقسم إلى الرق والحرية؛ فيقسم ما خلفه كأكسابه.
وإن قلنا بالثاني، قال الشافعي – رضي الله عنه – يكون لسيده، وهو الأظهر عند الأكثرين؛ لأنه نقصه منع الإرث، فصار كمال وكان كله رقيقاً.
وقال الإصطخري [وابن سريج]: يكون لبيت المال؛ لأن السيد لا حق له في حريته، فلا يكون ميراثه له، ولا يرثه عنه قريبه؛ لبقاء أحكام الرق، فكان أولى الجهات به بيت المال.
قال الماوردي: "ولهذا عندي وجه أراه" وعلى ذلك جرى الفرضيون كما قال الرافعي وصححوه، وحكى في "البحر" في كتاب العتق أن أبا إسحاق المروزي حكى فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ما تركه يكون لسيده.
والثاني: أنه لوارثه.
والثالث: أنه بينهما.
[وأن] ابن أبي هريرة قال: نصوص الشافعي محمولة على اختلاف أحوال: فالذي نص [عليه] أنه لسيده: أراد إذا كان بينهما مهايأة، ومات في [زمان سيده]، وقد استهلك ما كان يملكه بحريته.
والذي نص أنه يكون [للوارث أراد: إذا كان موته في زمان العبد.
والذي نص] أنه يكون بينهما [أراد:] إذا لم يكن [بينهما] مهايأة، وفي ماله وفاء بالحقين، والعبد إذا ملك مالاً وقلنا: إنه يملك، فإنه لا يورث اتفاقاً من أصحابناً.
قال: وإذا مات من يورث بُدِئ من مالهن بمؤنة تجهيزه ودفنه، أي: من كفن وحفر قبر وغير ذلك؛ لما روي عن خباب بن الأرت قال: توفي [مصعب] بن عمير قُتِل يوم أحد، ولم يكن له إلا نمرة كنا إذا غطينا رأسه خرجت رجلاه،
وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غَطُّوا بِهَا رَاسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِر" خرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
والنمرة- بفتح النون وكسر الميم -: هي شملة مخططة من صوف، وقيل: فيها أمثال الأهلة، وكأنها أخذت من لون النمر؛ لما فيها من السواد والبياض، وهي من مآزر الأعراب، ولأنه يقدم في حياته بما يضطر إليه، فكذلك بعد مماته، وهذا إذا لم يتعلق بماله حق سابق على الوفاة، فإن تعلق مثل أن يكون مرهوناً أو جانياً، أو حجر عليه لفلس، وبائعو أمواله باقون، فإن مؤنة تجهيزه لا تصرف من ذلك.
وحكى الجويني في "الجمع والفرق" عن بعض مشايخنا أنه يقدم الميت على حق المجني عليه وحق المرتهن، وإن لم يخلف مالاً سواه.
قال: ثم تقضي ديونه، ثم تنفذ وصاياه، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12]، قال علي بن أبي طالب: إنكم تقرءون في كتاب الله تعالى، الوصية قبل الدين، وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدين قبل الوصية، وقد ذكرنا ذلك عن ابن عباس في كتاب الوصية، لكنه لم يسند ذلك إلى قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يمنع الدين انتقال الملك في التركة إلى الورثة على الجديد؛ لأنه لو كان باقياً على [الملك للميت] لوجب أن يرثه من أسلم أو عتق من أقاربه قبل قضاء الدين، وألا يرثه من مات قبل قضاء الدين من الورثة، فعلى هذا ما يحدث من زوائد وفوائد قبل قضاء الدين يسلم للورثة، وإن لم توف أعيان
التركة بالديون، ولا شك على هذا في أن الدين يتعلق بالتركة، لكن كتعلق [الرهن أو] الجناية؟ فيه قولان، ويقال وجهان:
أحدهما: [أنه] كتعلق الدين بالمرهون، لأن الشارع إنما أثبت التعلق نظراً للميت لتبرأ ذمته، فاللائق به ألا يسلط الوارث عليه.
وهذا أظهر فيما ذكره الإمام وغيره.
والثاني: أنه كتعلق الأرش [برقبة العبد الجاني] لأن كلاًّ منهما ثبت شرعاً من غير اختيار المالك، وسيكون لنا عودة إلى ذلك في القسمة [إن شاء الله تعالى.
وقد حكى الإمام في باب "صدقة الفطر" أن بعض أصحابنا ذكر قولاً بعيداً: "أن الدين يمنع حصول الملك للورثة"، وأن هذا القول ذكره شيخه والصيدلاني وغيرهما، وقال في كتاب "الشفعة": "إنه القديم، والمشهور نستبه إلى الإصطخري" وجهه: أنه لو بيع كانت العهدة على الميت دون الورثة؛ فدل على بقاء ملكه.
قال الإمام في زكاة الفطر: "وقد تردد المفرِّعون على هذا، فالذي صغا إليه معظمهم أن الأمر موقوف، فإن صرفت أعيان التركة في الديون تبينّا أن الورثة لم يملكوها، وإن أبرأ أصحاب الديون الميت، أو أدى الورثة الدين من خوالص أموالهم – تبينّا أنهم ملكوها بموت المورث، وما نقله الربيع من أن على الورثة إخراج الزكاة عن عبيد التركة إن بقوا لهم – يشعر بذلك.
وقال آخرون: "إن الملك يثبت للورثة عند زوال الدين من غير تبين"، قال: "وهذا في نهاية الضعف"].
وعلى هذا هل يمنع نقل كل التركة أم قدر الدين؟ فيه وجهان مذكوران في "النهاية"، والرافعي في آخر كتاب الشفعة، وقد حكى القاضي الحسين والفوراني في كتاب الوصية وجهاً: أن الوصية تمنع الإرث كما يمنعه الدين على رأي،
وهذا يظهر فيما إذا كانت الوصية بقدر من الثلث لا بشيء معين ولا بالثلث، ويكون مادته من قولنا: إن يسير الدين يمنع الإرث.
قال: ثم تقسم تركته بين ورثته لآيات النساء.
قال: والوارثون من الرجال،- أي: في الجملة – خمسة عشر: الابن، وابن الابن وإن سفل، والأب، والجد – أي: أبو الأب – وإن علا، والأخ للأب والأم، [والأخ للأب]، والأخ للأمن وابن الخ للب والمن وابن الخ للأب، والعم للأب والأم، والعم للأب، وابن العم للأب والأم، وابن العم للأب والأم، وابن العم للأب، والزوج، والمولى المعتق.
وقد عدهم الغزالي [وغيره] عشرة: اثنان من السبب وهما: المعتق والزوج، واثنان من أعلى النسب وهما: الأب والجد أبو الأب، واثنان من الأسفل وهما: الابن وابن الابن، وأربعة على الطرف وهم: الإخوة وبنوهم إلا بني الإخوة للأم، والأعمام وبنوهم إلا الأعمام من جهة الأمن وهم إخوة الأب لأمه خاصة، وإذا اجتمع هؤلاء المذكورون لم يرث منهم إلا ثلاثة: الأب، والابن، والزوج.
قال: والوارثات من النساء – [أي] على الجملة- إحدى عشرة: البنت، وبنت الابن وإن سفلت، والأم، [والجدة من قبل الأم]، والجدة من قبل الأب، والأخت للأب والأم، والأخت للأب، والأخت للأمن والزوجة، والمولاة المعتقة، ومولاة المولاة.
ومنهم من عدهن عشرة واكتفى بذكر المولاة عن مولاة المولاة، كما اكتفى بالمولى في جانب الرجال عن مولى المولى، وعدهن الغزالي، وغيره سبعة: اثنان من السبب، وهما: الزوجة، والمعتقة، واثنتان من أعلى النسب، وهما: الأم والجدة، واثنتان من أسفل، وهما: البنت وبنت الابن، وواحدة من الطرف وهي الأخت، وإذا اجتمعت المذكورات لم يرث منهن إلا خمسة: الزوجة، والبنت، وبنت الابن، والأم، والأخت من الأبوين، وإذا اجتمع من يمكن اجتماعهم من
الذكور والإناث ورث الأبوان، والابن والبنت، ومن يوجد من الزوجين.
والدليل على أن من ذكر وارث – الإجماع والنصوص التي ستعرفها، وعلى عدم وراثة غيرهم التمسك بالأصل.
واعلم أن من انفرد من الرجال حاز جميع التركة إلا الزوج والأخ للأم، ومن انفرد من النساء لم يحز جميع التركة إلا من لها الولاء.
قال: ومن قتل مورثه لم يرثه، أي: سواءٌ كان بمباشرة أو سبب، مضموناً بقصاص أو دية أو كفارة، أو غير مضمون لوقوعه عن حدٍّ أو قصاص، صدر من مكلف أو غير مكلف، [ووجهه: عموم قوله] صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِيرَاثٌ"، كما رواه عمر – رضي الله عنه – وقوله عليه السلام: "لاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئاً" كما رواه ابن عباس، ويروي: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَإِنَّهُ لا يَرِثُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ".
ولأنا لو ورثناه لم نأمن من مستعجل الإرث أن يقتل مورثه؛ فاقتضت المصلحة حرمانه.
قال: وقيل: إن كان متهماً في القتل، أي كالمخطئ، والحاكم إذا قتله في الزنى بالبينة، لم يرثه؛ [للتهمة باستعجال] الإرث، وإن لم يكن متهماً أي: كالحاكم إذا قتله في الزنى بإقراره ورثه؛ لأن [الإمام] مأمور بذلك، محمول عليه، ولاتهمة في حقه، ويحكي هذا عن تخريج ابن سريج وابن خيران، وطرد فيما إذا حفر بئراً في محل عدوان، أو وضع فيه حجراً فتعثر مورثه به فمات، قال الماوردي: وهو ينكسر بالخاطئ.
قال: وقيل: إن كان القتل يوجب ضماناً أي: ولو الكفارة لا غير، كما إذا رمى إلى صف الكفار في القتال، ولم يعلم أن فيهم مسلماً، وكان فيهم مورثه فقتله – لم يرث، لأنه قتل بغير حق، وإن لم نوجب ضماناً لقتله حدًّا أو قصاصاً، أو دفعاً لصياله، أو دفعه إذا كان باغياً – ورث؛ لأنه قتل بحق فأشبه قتل الإمام له في الحد، وهذا ما قال القاضي الروياني: إنه الاختيار، و [لا يبعد] تخصيص الأخبار بالقياس.
وقد تحصَّل مما ذكرناه أن الموجب للضمان مطلقاً يقتضي الحرمان، سواء كان بالقصاص أو الدية أو الكفارة، وفي القتل الذي لا يوجب ضماناً خلاف، وهو في بعض الصور مرتب على بعض عند بعضهم: فقتل الإمام المعترف بالزنى يترتب عليه قتله بالبينة، وأولى بأن يحرم، وقتله قصاصاً يترتب على قتله عمداً، وأولى بالحرمان، [لكونه مخيراً بين الفعل والترك، وقتله لدفع صياله، وبغية مرتب على قتله قصاصاً، وأولى بالحرمان]؛ لاحتمال إمكان
الدفع بدونه وقتله إذا كان عادلاً من الباغي، إذا قلنا بعدم وجوب الضمان على الباغي مرتب على المسالة قبلها وأولى بالحرمان؛ لكونه بغير حق.
وقد حكى الحناطي قولاً: أن القاتل خطأ يرث مطلقاً، وحكى عن صاحب التقريب وجه في مطلق القتل بالسبب: أنه لا يوجب الحرمان، وحكى [عن] ابن اللبان وغيره رواية وجه فيما إذا سقى الوارث الموروث دواءً، أو بط جرحه لكونه وليًّا عليه أنه لا يحرم، والصحيح الأول؛ لعموم الأخبار.
فرعان:
أحدهما: المكره على قتل مورثه لا يرثه، وإن قلنا: لا ضمان عليه؛ لأنه آثم، وقيل: يرثه.
الثاني: لو شهد على مورثه بما يوجب القتل قصاصاً أو حدًّا، وقتل بشهادته، ففي إرثه الخلاف المذكور فيما إذا قتله قصاصاً، ولو شهد على إحصانه، وشهد غيره بالزنى فهل يحرم شاهد الإحصان؟
قال ابن اللبان وآخرون: فيه مثل هذا الخلاف.
قال الرافعي: ويشبه أن يجيء فيه طريقة قاطعة بأنه لا يحرم، ولو زكى [الوارث] شهود الزنى ففيه الخلاف.
قال: ولا يرث أهل ملة من [غير] أهل ملتهم – أي كالمسلمين من الكفار – لما روي عن أسامة بن زيد [أن النبي] صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ" خرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، ولا فرق في ذلك بين
القريب والمعتق، ولا بين أن يسلم قبل القسمة أو يستمر على كفره.
قال الشيخ أبو محمد: "والفرق بين الميراث حيث لا يرث المسلم من الكافر، وبين النكاح حيث يجوز له نكاح بعض الكفار – وأن التوارث مبني على الموالاة والمناصرة، ولا موالاة بين المسلم والكافر بحال، ومواصلتنا لهم نوع تشريف لهم؛ فاختص بمن له أصل في الإحرام وهم أهل الكتاب.
قال: وإلا الكفار؛ فإنه يرث بعضهم من بعض مع اختلاف الملل؛ لأن جميع [الملل] في البطلان كالملة الواحدة، قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]، وقال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ [يونس: 32]، فأشعر بأن الكفر كله ملة واحدة، ولأن حقن دمهم بسبب واحد فورث بعضهم بعضاً كالمسلمين.
وقد حكى عن ابن خيران وغيره تخريج وجه: أن اختلاف الملل يمنع التوارث؛ بناءً على أن الكافر إذا انتقل من دين إلى دين لا يقر عليه، واختاره الأستاذ أبو منصور، ويدل عليه ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى" والصحيح الأول، والحديث محمول على الإسلام والكفر، ويؤيده أنه جاء في بعض الروايات: "لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ: لاَ يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ"، فجعل الثاني بياناً للأول.
قال: ولا يرث حربي من ذمي، ولا ذمي من حربي؛ لأن الموالاة انقطعت بينهما؛ فلم يتوارثا كالمسلم مع الكافر.
وهذا ما أورده الأكثرون، وهو الصحيح.
قال الرافعي: وربما نقل إجماع العلماء عليه، وحكى الإمام وغيره قولاً: أنهما يتوارثان، وبعضهم قال: ولنا قول: أن الذمي يرث من الحربي.
والمعاهد والمستأمن كالذمي، أو كالحربي؟ فيه وجهان: أصحهما الأول، والثاني محكي عن ابن سريج.
قال: ولا يرث العبد والمرتد من أحدٍ، أما امتناع [إرث] العبد؛ فلأنه لو ورث لكان الملك لسيده، والسيد أجنبي من الميت، فلا يمكن توريثه منه، والمدبر وأم الولد والمكاتب في هذا المعنى كالقن، ومن نصفه حر ونصفه رقيق لا يرث على الصحيح، وقد روي عن ابن سريج أنه ورثه بقدر ما فيه من الحرية، وبعضهم حكى عن المزني أنه خرجه قولاً للشافعي [- رضي الله عنه -] وبعضهم أثبته مذهباً للمزني، وعلى ذلك جرى الفرضيون، وبعضهم لم يثبت ذلك تخريجاً منه ولا مذهباً له، وما قاله بعد نقله عن الشافعي [- رضي الله عنه-] أننصف العبد إذا كان حرًّا يرث أباه إذا مات، والقياس على قوله: إنه يرث إنما قصد بهذا الكلام الاحتجاج على انه لا يورثن أي: لو ورث لورث، ثم على قول التوريث لو مات الحر وخلف ابناً نصفه حر وأخاً حرًّا، كان لابنه النصف ولأخيه النصف، ولو خلف اثنين نصفهما حر ففي مالهما قولان حكاهما الماوردي لأصحابنا تخريجاً على مذهبه:
أحدهما: النصف أيضاً.
والثاني: الكل.
وأما امتناع إرث المرتد؛ فلأنه لا سبيل إلى أن يرثه مرتد مثله لما ذكرناه، ولا مسلم؛ لخبر أسامة، وانقطاع الموالاة بينهما، ولا كافر أصليٍّ؛ لأنه لا يقر
على دينه، وذلك مقر عليه، فكانت المنافاة بينهما ثابتة؛ فبطل إرثه، وقد ذكرنا عن الإمام من قبل احتمالاً في إرثه من مثله.
قال: وإذا مات [متوارثان بالغرق أو الهدم] ولم يعرف السابق منهما، لم يورث أحدهما من الآخر، لأنه لا يعلم حياته عند موت صاحبه فلم يرثه، كالجنين إذا خرج ميتاً، ومن طريق الأولى لا يرث أحدهما من الآخر إذا احتمل موتهما معاً، وعلل الشيخ أبو حامد ذلك بأن لو ورثنا كل واحد من الآخر لحكمنا بالخطأ قطعاً؛ لأنهما إن ماتا معاً فقد ورثنا ميتاً عن ميت، وإن ماتا على الترتيب ففيه توريث من تقدم موته عمن تأخر.
تنبيه: كلام الشيخ صريح في عدم توريث أحدهما من الآخر، ومنه يفهم أنه لا يوقف بسبب الآخر شيء كان يستحقه لو تحقق موت صاحبه قبله، [بل يصرف مال كل منهما إلى من يرثه لو تحقق موت صاحبه قبله] لأنا إنما نوقف لمن يجوز أن يحكم له بالتوريث، والشيخ قد جزم هاهنا بأنه لا يورث أحدهما من الآخر، وهذا ما صرح به الأصحاب.
نعم قالوا: لو عرفنا موت السابق منهما ثم نسيناه وقف ميراثهما على الصحيح من المذهب حتى نتذكر؛ لإمكان ذلك، بخلاف التوقف في الحالة السابقة، فإن ذلك لا غاية له [تنتظر]، وليس كما إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة ومات ولم يبين، حيث يوقف إلى أن يصطلح؛ لأن معنا ثم أصلاً في حق كل [واحدة] منهن لا يعارضه أصل آخر، فلأجله أوقفنا إلى الاصطلاح وجوزناه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنا إذا جردنا النظر إلى أحدهما وقلنا: الأصل بقاء حياته إلى موت صاحبه فيرثه، أدى إلى ألا يرث؛ لأن الأصل في الآخر بقاء الحياة؛ فلا يورث، فيكون ما جعلناه سبباً للتوريث مانعاً منه، ونظير المسألة: ما إذا وقع في أحد الإنائين نجاسة، ولم تعرف عينها لا يمكن الأخذ بالأصل في كل واحد منهما؛ لما ذكرناه.
وقد ذكر وجه فيما إذا عرف السابق، ثم نسي: كما [لو] لم تعرف عينه أصلاً، وإليه مال
الإمام، وحكى [أن] ابن اللبان [حكى] عن بعض [أصحابنا] المتأخرين فيما إذا [تلاحق] الموتان ولم يعلم السابق: أنه يعطي كل وارث ما يتيقن أنه له، ويوقف المشكوك فيه، وحكاه أبو حاتم القزويني عن ابن سريج وقال: إن شيخه أبا الحسن – يعني ابن اللبان – قال به.
ثم جميع ما ذكرناه فيما إذا تحققت القرابة والموت اللذان يترتب عليهما [الميراث]، أما إذا انتفت القرابة باللعان فلا توارث بين المنفي والنافي، لكن ليس لتحقُّق وهو القرابة، وثبوت مانع كما ذكره بعضهم؛ بل لانتفاء السبب؛ فإن المانع إنما يكون بعد وجود السبب، وفي سلسلة [الشيخ] أبي محمد وجه مخرج: أن اللعان لا يقطع النسب بني النافي والمنفي؛ بناء على أن الملاعن لا يحل له أن ينكح المنفية باللعان إذا لم يكن قد دخل بأمها، وإذا انتفى التوارث بين المنفي [باللعان وبين] النافي، فهل ينتفي بينه وبين التوءم المنفي منه باللعان؟ فيه وجهان:
أصحهما، وبه قال أبو إسحاق: الانتفاء.
والثاني: يتوارثان بأخوة الأب، وهذا الوجه جار في التوءمين من الزنى، كما حكاه ابن الصباغ في باب اللعان والماوردي والحناطي وغيرهم.
وإذا شككنا في الموت كما إذا غاب شخص وانقطع خبره، أو جهل حالة بعد دخوله في حرب، أو انكسرت سفينة وهو فيها فلم يعرف حاله – لم يورث ماله إلا أن تقوم بينة على موته، أو تمضي مدة يحكم الحاكم فيها بأن مثله لا يعيش فيها؛ فحينئذ يحكم بميراثه لقاربه والوارثين حالة موته إذا ثبت بالبينة وحاله الحكمُ بموته إذا طالت مدته، كما صرح [به] المصنف وابن الصباغ والغزالي وابن اللبان، وأبو الحسن العبادي.
وعن الأستاذ أبي منصور انه قال في الحالة الثانية: إن الصحيح انه لا يقسم
ماله، ولا مدة ينتهي إليها؛ لاختلاف أعمار الناس في جميع الأعصار، وقد نص الشافعي – [رضي الله عنه] – [علي] أن زوجة المفقود تصبر إلى أن يعرف حاله؛ فكذلك هاهنا، ثم على الأول ما المدة المعتبرة في توريث ماله؟ مجموع ما ذكره أصحابنا أوجه:
أضعفها: أنه يكمل عمره بسبعين سنة.
والثاني: أنها ليست مقدرة، بل المعتبرة مدة يتيقن فيها بأنه لا يعيش [أكثر منها].
والثالث – وهو أرجحها -: أن المعتبر مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش أكثر منها.
وقد نقل عن ابن اللبان أنه لا يعتبر حكم الحاكم بعد مضي [مدة يعلم فيها موته، وقريب منه ما حكي عن إشارة العبادي في الرقم إلى أنه لا يشترط أن يقع حكم الحاكم بعد مضي] المدة، إذا كان قد ضرب له مدة لا يعيش في الأغلب أكثر من تلك المدة، فإذا انتهت فكأنه ذلك اليوم قد مات.
وأما ميراث المفقود من قريبه الذي مات في حال فقده قبل الحكم بموته – فموقوف أيضاً إلى أن يحكم بموته، ثم إن كان المفقود يستوعب ميراث القريب – وقف جميع ميراثه، وإن لم يستوعب: بأن كان في ورثة الميت من لا يختلف حاله بوجود المفقود أو عدمه- أعطى [الحاضر نصيبه، وإن كان يختلف نصيب الحاضر بوجود المفقود أو عدمه أعطي] الحاضر ما يتيقن أنه حقه، ووقف ما يشك فيه.
مثاله: [ما] إذا كان المفقود أختاً لأب، والميت امرأة، والوارث: زوج، وأم، وأخ لأب- فإن كان المفقود حيًّا كانت المسألة من ستة: للزوج ثلاثة، وللأم سهم، وللأخوين سهم، لا يصح عليهما؛ فتضرب المسالة في أصل الكسر – وهو ثلاثة – تبلغ ثمانية عشر، ومنها يصح للزوج تسعة، وللأم ثلاثة، وللأخ
أربعة، ويوقف للمفقود سهمان.
وإن كان ميتاً، فالمسألة من ستة: للزوج ثلاثة، وللام سهمان، وللأخ سهم، وبين المسألتين موافقة بالثلث، فتضرب ستة في ستة، أو ثمانية عشر في اثنين؛ تبلغ ستة وثلاثين؛ فالزوج لا يختلف حاله في الصورتين؛ فيعطى النصف – ثمانية عشر – والأم لها من مسألة الحياة: ثلاثة مضروبة في وفق مسألة الموت – وهو سهمان – بستة، وللأخ من مسألة الموت سهم مضروب في وفق مسألة الحياة – وهو ستة بستة، والباقي – وهو ستة – موقوف بين [الزوج] والأم والأخ والمفقود، فإن ظهر موته سلمت للأم، وبها يكمل لها الثلث، وإن ظهر حيًّا سلم للمفقود أربعة، وللأخ سهمان؛ يكمل له بهما ثمانية، وهي مثلا ما أخذت الأخت، وعلى هذا فقس.
ومسائل هذا الباب كثيرة؛ لا يسع هذا [الكتاب] استيعابها، والله [عز وجل] أعلم.
باب ميراث أهل الفرض
الإرث والميراث أصله: العاقبة؛ كما قاله المبرد، ومعناه هاهنا: الانتقال من واحد إلى واحد.
قال: وأهل الفرض: هم الذين يرثون الفروض المذكورة في كتاب الله تعالىن وغير الشيخ قال: [هو] كل من له سهم مقدر شرعاً؛ لا يزيد عليه ولا ينقص [عنه].
قال: وهي النصف، والربع، [والثمن]، والثلثان، والثلث، والسدس، وهم عشرة: الزوج، والزوجة، والأم، والجدة، والبنت، وبنت الابن، والأخت، وولد الأم، والأب مع الابن، أو ابن الابن، والجد مع الابن أو ابن الابن:
فأما الزوج فله النصف مع عدم الولد وولد الابن، وله الربع مع الولد وولد الابن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الآية [النساء:12].
قال: وأما الزوجة فلها الربع؛ مع عدم الولد وولد الابن، ولها الثمن مع الولد [وولد الابن]؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ الآية [النساء:12].
فثبت هذا [الحكم] بالنص عند فقد الولد، وعند وجوده، وقيس [عليه] ولد الولد؛ لإجماعهم على أنه بمنزلته في الإرث والتعصيب؛ فكذلك في حجب الزوجين وغيرهم.
ومنهم من قال: إن اسم "الولد" يقع على ولد الابن أيضاً؛ فهما مرادان باللفظ؛ ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: 31]، وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78]، وقوله عليه السلام: "أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ"، وقول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
تنبيه: الزوجة: - بالهاء- لغة قليلة، والأفصح الأشهر أن [يقال للمرأة]: زوج بلا هاء، وبه جاء القرآن، وقد جاءت بالهاء في الأحاديث الصحيحة [المشهورة].
وتحسن هذه اللغة في كتاب الفرائض؛ للفرق.
قال: وللزوجتين والثلاث والأربع ما للواحدة من الربع والثمن؛ لأنا لو جعلنا ذلك لكل واحدة لاستغرق المال، ولزاد نصيبهن على نصيب الزوج.
قال الرافعي: وهذا توجيه إقناعي، وكفى بالإجماع حجة، وبعضهم استدل على ذلك بعموم الآية.
قال: وأما الأم فلها الثلث مع عدم الولد وولد الابن، أو اثنين من الإخوة والأخوات-أي- سواء كانا من الأبوين أو من أحدهما- ولها السدس مع الولد، وولد الابن، والاثنين من الإخوة والأخوات؛ لقوله تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ الآية [النساء: 11]، فنصت الآية على أن للأم الثلث؛ إذا لم يكن للميت ولد ولا إخوة، وعلى أن لها السدس إذا كان له ولد أو إخوة.
وقد ذكرنا أن ولد الابن قائم مقامه في ذلك، وأما اكتفاؤنا بالأخوين مع أن الآية وردت بصيغة الجمع [لا التثنية؛ [فذلك] أن الجمع] قد يعبر به عن الاثنين، وقد روي أن ابن عباس احتج على عثمان، وقال: لا كيف تردها إلى السدس بالأخوين وليسا بإخوة، فقال عثمان: لا أستطيع رد شيء كان قبلي، ومضى في البلدان، وتوارث الناس به".
فأشار إلى إجماعهم عليه قبل أن أظهر ابن عباس الخلاف، وروي انه قال [له]: حجبها قومك يا غلام.
وأيضاً فإنه حجب يتعلق بعدد، فكان الاثنان أقله: كحجب البنات بنات الابن.
ولا يقوم أولاد الإخوة مقام الإخوة في حجبها من الثلث إلى السدس؛ لأنهم لا يسمون إخوة، والآية دلت على أن الحاجب لها الإخوة.
قال: ولها ثلث ما يبقى بعد فرض الزوج أو الزوجة في فريضتين، وهما: زوج وأبوان، أو زوجة وأبوان.
صورة الفريضة الأولى: إذا ماتت المرأة وخلفت زوجها وأبويها: فللزوج النصف، والباقي وهو النصف – [للأم ثلثه – وهو سدس الأصل – والباقي للأب.
وصورة الثانية: [إذا] مات الرجل وخلف زوجة وأبوين: للزوجة الربع، والباقي – وهو النصف] والربع-: للأم [ثلثه] وبقيته للأب.
ووجه الأصحاب ذلك بأنه شارك الأبوين ذوا فرض، فكان للأم ثلث ما فضل عن الفرض، كما لو شاركتها بنت؛ وبأن كل ذكر وأنثى لو انفرد لقسم المال بينهما أثلاثاً، فإذا اجتمعا مع الزوج أو الزوجة وجب أن يكون الفاضل
عن فرضهما بينهما أثلاثاً؛ كالأب والأخت، وذهب ابن سريج إلى أن لها في المسألتين الثلث كاملاً؛ عملاً بظاهر الآية، وعن أبي الحسن بن اللبان – كما أشار إليه الشيخ أبو حاتم القزويني – أن لها [الثلث كاملاً في الأولى].
قال الأصحاب: وذلك ليس بشيء؛ لما ذكرناه، مع أن فيه مخالفة لقاعدة الفرائض؛ فإن القاعدة فيها أنه إذا اجتمع ذكر وأنثى في درجة واحدة – كان للذكر ضعف الأنثى أو مساواتها، وهذا يؤدي إلى [تفضيل الأنثى] على الذكر، وعدل الأصحاب عن قولهم: إن للأم في [الصورة] الأولى السدس، وفي الثانية: الربع إلى ثلث ما يبقى؛ لموافقة [لفظ] الكتاب العزيز في بعض ذلك.
قال: وأما الجدة فإن كانت أم الأم أي: وإن علت، أو أم الأب، أي: وإن علت، [فلها السدس].
الأصل فيها: ما [روي] عن قبيصة بن ذؤيب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها فقال: "مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم [شيئاً]؛ فارجعي حتى أسأل الناس"، فسأل الناس، فقال [له] المغيرة بن شعبة: "شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَاهَا السُّدُسَ"، فقال:
"هلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ " فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة؛ فأنفذ لها أبو بكر [-رضي الله عنه-] السدس، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر؛ تسأله ميراثها، فقال: "ما لك في كتاب الله تعالى شيء، وما كان القضاء الذي قضى به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض شيئاً، ولكن هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيتكما خلت فهو لها".
وعن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمّ.
قال: "فإن كانت أم أب الأب" – أي: وإن علا – ففيها قولان:
أصحهما: أن لها السدس؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى السدس ثلاث جدات: جدتين من قِبَل الأب، وواحدة من قبل الأم؛ ولأنها جدة تدلي بوارث، فأشبهت أم الأب.
والثاني: لا ترث؛ لأنها جدة تدلي بجد؛ فلم ترث كأم أب [الأم]، وهذا
نقله أبو ثور عن الشافعي رضي الله عنه، والقولان روايتان عن زيد – [رضي الله عنه].
وضابط الوارثات – على القول الأول – أن يقال: كل جدة تدلي بمحض الإناث أو بمحض الذكور، أو بمحض الإناث إلى محض الذكور، وعلى القول الثاني: كل جدة تدلي بمحض الإناث، دون من تدلي بمحض الذكور، إلا أم الأب.
قال الماوردي: والحدة الأولى تسمى: جدة مطلقاً، والثانية – وهي أم الأب – هل تسمى جدة مطلقاً، أو مع التقييد؟ فيه خلاف للأصحاب، وعليه اختلفوا فيمن سئل عن ميراث جدة: هل يسأل عن أي الجدتين هي، أم لا؟ فمن جعلها مطلقة كأم الأم – قال: لابد من أن نسأله: عن أي جدة هي؛ قبل أن نجيبهن ومن جعلها جدة مع التقييد – [قال: له] إجابته قبل سؤاله.
ثم قال: والأصح أنه ينظر: فإن كان ميراثها يختلف في الفريضة؛ بوجود الأب الذي يحجب أمه – لم يُجِب عن سؤاله حتى يسأله: عن أي الجدتين سأل، وإن كان ميراثها لا يختلف – أجاب.
قال: وإن اجتمعت جدتان متحاذيتان – فالسدس بينهما؛ للحديث السابق، ولما روي عن القاسم بن محمد قال: جاءت الجدتان إلى أبي بكر – رضي الله عنه – فأعطى أم الأم الميراث دون أم الأب، فقال له بعض الأنصار: "أعطيت التي لو ماتت لم يرثها، ومنعت التي لو ماتت ورثها"، فجعل أبو بكر [-رضي الله عنه-] السدسَ بينهما.
ولأثر عمر السابق، ولم ينكر عليهما أحد.
وقيل: إن كانت أحداهما تدلي بجهتين – كالمرأة يتزوج ابنُ بنتها [بنتَ
بنتها] الأخرى، أو بنت ابنها؛ فيأتي لهما ولد، والأخرى بجهة واحدة: [كأم أبي أبيه – كان للتي تدلي بجهتين ثلثا السدس، وللتي تدلي بجهة]؛ ثلث السدس؛ قياساً على ابن العم إذا كان أخاً لأم؛ فإنه يرث بالقرابتين، وهذا ما ينسب إلى ابن سريج، ونسبه الرافعي إليه، وإلى أبي عبيد بن حربويه، [وحكى الماوردي أن الشيخ أبا حامد اختاره مذهباً لنفسه، وفي "الشامل" أنه حكى عن أبي عبيد بن حربويه] من أصحابنا – أن السدس يكون لها، يعني [لذات] القرابتين؛ ويدلي عليه ما حكيناه عنه في الوصايا أنه إذا أوصى لأقرب الناس إليه، وكانت له جدتان؛: أحداهما تدلي بجهة، والأخرى بجهتين – [أنها] هل تقدم؟ فيه وجهان، قد حكينا مثلهما في الميراث، لكن تعليله هنا يرشد إلى ما حكاه الرافعي عن ابي عبيدن [بن حربويه].
والمذهب: الأول؛ لأن القرابتين إنما تؤثران عند اختلاف الجهة، والجدودة قرابة واحدة.
قال: وإن كانت أحداهما أقرب من الأخرى، فإن كانت القربى من جهة الأم: كأم الأم – أسقطت البعدي [أي] من جهة الأم: كأم أم الأم، وجهة الأب: كأم [أب] الأب؛ وإنما أسقطت البعدي من جهة الأم؛ لأنها تدلي بها، فسقطت كأم الأم [مع الأم]، وهذه قاعدة: كل من أدلى بشخص – لا يرث مع وجوده وهو وارث، إلا ولد الأم مع الأم.
وإنما أسقطت البعدى من جهة الأب لأنهما جدتان: إحداهما أقرب من الأخرى، فسقطت البعدي بالقربى؛ كما لو كانتا من جهة واحدة.
قال: وإن كانت من [جهة] الأب، أي: القربى [من جهة الأب]: كأم الأب مع أم [أم] الأم – ففيه قولان:
أصحهما: أنها تسقط البعدي – أي: [التي] من جهة الأم – كما لو كانت القربى من جهة الأم، [والبعدي من جهة الأب].
والثاني: لا تسقط، بل تشتركان في السدس؛ لأن الأب لا يحجب الجدة من جهة الأم، فلئلا تحجبها الجدة التي تدلي به- كان أولى.
وتخالف القربى من جهة الأم؛ فإن الأم تحجب الجدة من قبل الأب، ولا ترث مع الأم جدة فحجبتها أمها.
وهذا القول هو أصح الطرق.
وأما إذا كانت البعدى من جهة الأب – فإنها تسقط قولاً واحداً، صرح به البغوي وغيره.
ثم لا تتم لك معرفة ما ذكرناه إلا [بمعرفة] تنزيل الجدات، فنقول: الواقعات في الدرجة الأولى منك أصولك، وهما الأب والأم، ثم لأبيك [أب وأم]، وكذلك لأمك، فالأربعة هم الواقعون في الدرجة الثانية من درجات أصولك، وهذه هي الدرجة الأولى من درجات الأجداد والجدات، ثم أصولك في الدرجة الثالثة: ثمانية؛ [لأن] لكل جد أباً وأمًّا.
وفي الدرجة الرابعة: ستة عشر، وفي الخامسة: اثنان وثلاثون، وهكذا.
النصف [من الأصول]، في كل [درجةٍ] ذكورٌ والنصف إناثٌ – وهن الجدات – فإذن في الدرجة الثانية من الأصول: جدتان، وفي الثالثة: أربعة، وفي الرابعة: ثمانية، وفي الخامسة: ستة عشر، وهكذا.
ثم منهن وارثات وغير وارثات، فإذا سألت عن عدد من الجدات الوارثات على أقرب ما يمكن من المنازل – فاجعل درجتهن بالعدد الذي سالت عنه، ومَحِّضُ نسبة الأولى إلى أمهات الميت، ثم أبدل من آخر نسبة الثانية أمًّا بأبٍ، وفي آخر النسبة الثالثة أمين بأبوين، وهكذا تنقص من الأمهات، وتزيد في الآباء حتى تُمَحِّض نسبة الأخيرة [أباً.
مثاله]: سئلت عن أربع جدات وارثات – فقل: هن أم أم أم أم،
وأم أم أم أب، [وأم أم [أبي] أب]، وأم أبي أبي أب، فالأولى من جهة أمه، والثانية من جهة أبيه، والثالثة من جهة جده، والرابعة من جهة جد أبيه، وهكذا إذا زدت لكل واحدة أباً.
ثم الوارثات في كل درجة من درجات الأصول بعدد تلك الدرجة؛ ففي الثانية ثنتان، وفي الثالثة ثلاث، وفي الرابعة أربع وهكذا، وسببه: أن الجدات ما بلغن نصفين
نصفاً من قبل الأم، ونصفاً من قبل الأب، ولا يرث من قبل الأم إلا واحدة، والباقيات من قبل الأب، فإذا صعدنا درجة تبدلت كل واحدة منهن بأمها، وزادت أم الجد الذي صعدنا إليه، وهذا كله بناء على الصحيح في أن أم أبي الأب ترث، أما إذا قلنا بمقابله، فلا يكون لنا من الجدات [وارث إلا اثنتان].
قال: وأما البنت فلها النصف إذا انفردت؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: 11]، وللابنتين فصاعداً الثلثان؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11]، وهذا ظاهر الدلالة على ما زاد على الابنتين، فوجه الدلالة فيه أن هذه الآية وردت على سبب خاص؛ وهو أن امرأة من الأنصار أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنتان، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد، [وأخذ] عمهما ماله، ولا تنكحان، ولا مال لهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَقْضِي اللهُ فِي ذَلِكَ"، فنزلت هذه الآية؛ فدعا النبي صلى الله عليه وسلم – المرأة وصاحبها فقال: "أَعْطِ الْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، وَالْمَرْأَةَ الثُّمُنَ، وَخُذِ الْبَاقِيَ".
وقد قال بعض العلماء: إن كلمة "فوق" هنا زائدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:12].
وقيل: المعنى: اثنتين فما فوقهما.
ولأن الأخوات في الإرث أضعف من البنات، وقد جعل الله للاثنتين منهن الثلثين؛ فالبنات [بهما] أولى.
قال: وأما بنت الابن فلها النصف، وللاثنتين فصاعداً الثلثان.
قال ابن يونس: والإجماع على قيام بنات الابن مقام بنات الصلب عند عدمهن، ولا فرق في بنات الابن بين أن تكون بنات ولد واحد، أو بنات عم؛ فإنهن يشتركن في الثلثين، وكذلك في السدس الفاضل عن نصيب البنت.
قال: ولها مع بنت الصلب السدس تكملة الثلثين؛ لما روي عن هزيل بن شرحبيل أنه قال: سئل أبو موسى عن بنت وبنت ابن وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف.
واتِ ابن مسعود فسيتابعني فسأل ابن مسعود، وأخبره بقول أبي موسى، فقال: "لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين، لأقضين فيها بما قضى [به] رسول الله صلى الله عليه وسلم: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وما بقي للأخت".
فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، قال: "لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم".
ولو كانت بنات الابن أكثر من واحدة كان [السدس] بينهن بالسوية.
ثم من قول الشيخ: تكملة الثلثين – يفهم أن بنات الصلب إذا استكملن الثلثين لا حق لبنات الابن بالفرض كما سيأتي؛ وإنما قدمت بنات الصلب على بنات الابن لقربهن.
قال: وأما الأخت فإن كانت من الأب والأم فلها النصف، وللاثنتين فصاعداً الثلثان؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: 176].
وقد روى جابر قال: اشتكيت وعندي أربع أخوات، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ما أصنع بمالي، وليس من يرثني إلا كلالة؟ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم
رجع فقال: "قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِي أَخَوَاتِكَ فَبَيَّنَ، وَجَعَلَ لَهُنَّ الثُّلُثَيْنِ" قال جابر: ففِيَ نزلت آيةُ الكلالة؛ فدل على أن المراد بالآية الاثنتان فما فوقهما.
قال: وإن كانت من الأب فلها النصف، وللاثنتين فصاعداً الثلثان؛ لظاهر الآية، ولها مع الأخت من الأب [والأم] السدس تكملة الثلثين؛ [لأنه يتساوين] في الدرجة، وفضل الأخوات [للأب] والأم على الأخوات للأب بقرابة [الأم]؛ فكان حكمهن معهن كبنات الابن مع بنات الصلب؛ لامتياز بنات الصلب بالقرب.
قال: والأخوات من الأب والأم مع البنات عصبة، فإن لم يكنَّ فالأخوات من الأب؛ للخبر [المروي عن] ابن مسعود، وتستوي الأخت من الأب فما فوقها في السدس؛ عند وجود الأخت للأبوين، ولا فرق في ذلك بين أن يكون مع البنات غيرهن: كزوج وجدة، أو لم يكن.
قال: وأما ولد الأم فللواحد السدس، وللاثنين فصاعداً الثلث، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12].
وهذه الآية نزلت في ولد الأم؛ بدليل ما روي أن سعد بن أبي وقاص وابن مسعود كانا يقرآنها: "وله أخ أو أخت من أم"، والقراءة الشاذة تحل محل الإخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ يجب العمل بها.
قال الأصحاب: وأولاد الأم يخالفون غيرهم من الورثة في خمسة أشياء:
أنثاهم عند الانفراد كالذكر، [و] مقاسمة الأنثى [منها] الذكر بالسوية، إرثه مع من يدلي به، وحجبهم من يدلون به حجب تنقيص، ذكرهم يدلي
بأنثى [ويرث] ولا يساويه في هذا أحد.
[قال: وأما الأب فله السدس مع الابن وابن الابن؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11]، والمراد بالولد هنا الابن [وابن الابن] وألحقنا به ابنه، لما ذكرناه من قبل].
قال: وأما الجد فله السدس مع الابن وابن الابن بإجماع الأمة، وهذا تمام من يرث بالفرض.
وإذا تأملت ما ذكرناه عرفت أن النصف فرض خمسة: البنت، وبنت الابن مع عدم البنت، والأخت من الأبوين، والأخت من الأب عند عدم الأولى، والزوج إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن.
[وأن الربع فرض اثنين: الزوج إذا كان للميت ولد أو ولد ابن، والزوجة إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن].
وأن الثمن [فرض الزوجة] أو الزوجات خاصة؛ إذا كان للميت ولد أو ولد ابن.
وأن الثلثين فرض أربعة: بنتا الصلب فصاعداً، وبنتا الابن فصاعداً عند فقد بنات الصلب، والأختان من الأبوين فما فوقهما، والأختان من الأب فما فوقهما عند فقد بنات الأب والأم.
وأن الثلث فرض الأم؛ إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة والأخوات.
وأن السدس فرض سبعة: لكل واحد من الأبوين عند وجود الابن أو [ابن الابن]، [وللأم عند وجود الولد]، [أو اثنين] من الإخوة والأخوات، وللجدة، ولبنات الابن عند وجود بنت الصلب، وللأخت من الأب مع الأخت من الأبوين، وللواحد من ولد الأم.
قال: ولا ترث بنت الابن مع الابن، ولا الجدات مع الأم، [ولا الجد
مع الأب]؛ للإجماع، [وقد] قيل في توجيه حرمان الجدات بالأم [: إنهن من قبلها] يدلين بها، فلا يرثن مع وجودها؛ كالجد مع الأب، وأمهات الأب إنما يأخذن سدس الأم؛ ولهذا إذا اجتمعت الجدات اشتركن فيه، فإذا أخذته الأم لم يبق لها نصيب يؤخذ.
قال: ولا الجدة أم الأب [مع الأب]؛ كما لا ترث الجدة أم الأم مع الأم، ولأنها تدلي بعصبته؛ فوجب أن يحجبها كأولاد الإخوة مع الإخوة.
فرع: جدتان متحاذيتان: أحداهما أم الأم، والأخرى أم الأب، ومعهما الأب، فلأم الأم السدس، ولا يقال: إن أم الأب تشارك أم الأم لولا الأب، فترجع فائدتها إليه، كما نقول في الأب، إذا وجد معه أخوان [من أب وأم]؛ فإن الأخوين يردان الأم من الثلث إلى السدس ولا يرثن؛ فرجعت فائدتهما إليه.
قال الغزالي: لأن استحقاق الجدة بالفريضة؛ فلا يناسب استحقاق العصوبة، وأما الأب والأخ في الصورة الأخرى فكلاهما يرث بالعصوبة؛ فأمكن رد الفائدة إليه.
قيل: وما ذكره يبطل بما لو كان بدل الأخوين الشقيقين أخوين لأم؛ فإنهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ولا يرثان، وترجع فائدتهما إلى الأب، وإن كانا يرثان بالفرض، والأب يرث بالتعصيب.
ولأجل عسر الفرق طَرَدَ بعض أصحابنا القياس وقال: ليس لأم الأم سوى نصف السدس، والله أعلم.
قال: ولا يرث ولد الأم مع أربعة: الولد، أي: ذكراً كان أو أنثى، ولد الابن، والأب، والجد؛ لأن الله – تعالى – جعل إرث ولد الأم في الكلالة، والكلالة: اسم للورثة ممن عدا الوالدين والمولدين.
قال الفرزدق:
وَرِثْتُمْ قناةَ المجدِ لا عَنْ كلالةٍ [عنِ] ابْنَي منافٍ شمسٍ وهاشمِ
وقد روى ذلك عن أبي بكر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.
وقيل: إن الكلالة اسم للذي لا ولد له ولا والد.
وقال الأزهري: يسمى الميت الذي لا ولد له ولا والد: كلالة، ويسمى وارثه: كلالة أيضاً.
[والآيتان في سورة النساء].
فثبت بهذا أن إخوة الأم إنما يرثون ميتاً لا ولد له ولا والد.
وقد اختلف في اشتقاق الكلالة؛ فقيل: من الإكليل؛ لأنه يكون حول الرأس دون أعلاه وأسفله، كذلك الإخوة.
وقيل: من كل يكل، كأنه [قد] كل طرفاه، وهؤلاء الإخوة يسمون: بني الأخياف، والأخياف: الأخلاط؛ لأنهم من أخلاط الرجال، وليس هم من رجل واحد؛ ولذلك سمي الخيف من منى؛ لاجتماع أخلاط الناس فيه، وقيل: لاختلاط ألوان الحصى فيه.
قال: ولا يرث ولد الأب والأم مع ثلاثة: الابن، وابن الابن، والأب؛ لأن الله تعالى جعل إرثهم في الكلالة، والكلالة هو: من لا والد له ولا ولد كما ذكرنا، وهؤلاء الإخوة يسمون: بني الأعيان؛ لأنهم من عين واحدة، أي: من أب واحد [وأم واحدة]، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "أَعْيَانُ بَنِي آَدَمَ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلاَّتِ".
قال: ولا يرث ولد الأب مع أربعة: الابن، وابن الابن، والأب، والأخ للأب والأم.
أما عدم إرثه مع الثلاثة الأول؛ فلما تقدم، وأما عدم إرثه مع الأخ من الأب والأم؛ فلترجيح جهة الأمومة مع الخبر السابق، [و] هؤلاء الإخوة يسمون بني العلات؛ لأن [أم] كل واحد منهم لم تَعُلَّ الآخر، أي: لم تَسْقِه لبن رضاعها، والعلل: الشرب الثاني، والنهل: الأول.
قال: وإذا استكمل البنات الثلثين لم ترث بنات الابن؛ لأنه ليس للبنات بالبنوة أكثر من الثلثين؛ للآية، فلو أشركنا فيه [بيني بنات الصلب وبنات الابن لسوينا بين القريب والبعيد، وذلك ممتنع، قال: إلا أن يكون في درجتهن أو أسفل منهن ذكر فيعصبهن؛ للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لان كل ذكر وأنثى لو انفردا كان المال بينهما ثلثاً وثلثين – وجب إذا كان معهما ذو فرض أن يكون الباقي بينهما كذلك، كما لو كان معهما زوج.
قال: وإذا استكمل الأخوات [للأب والأم الثلثين – لم ترث الأخوات]، من الأب إلا أن يكون معهن أخ فيعصبهن؛ للمعنى الذي ذكرناه في البنات وبنات الابن.
ولو كان معهن ابن أخ لهن – لم يعصبهن، بل يسقطن، ويأخذ [هو] ما بقي وهو الثلث؛ لأنه لا يعصب أخواته، فلا يعصب عماته، بخلاف ابن الابن؛ فإنه يعصب أخواته، فعصب عماته.
قال: ومن لا يرث – أي: بحال – كالعبد ونحوه – لا يحجب أحداً عن فرضه، أي حجب حرمان – وهو أن يسقطه بالكلية – أو حجب تنقيص – وهو أن ينقله من فرضه إلى فرض أنقص منه – لأنه لا يحجب حجب حرمان بالاتفاق، فلا يحجب حجب تنقيص كالميت والأجنبي، ولأن كل من ضعف بوضعه عن حجب الإسقاط، ضعف بوضعه عن حجب التنقيص [كذوي الأرحام.
أما من لا يرث لوجود من يحجبه – فلا يؤثر حجب الحرمان، وقد يؤثر حجب التنقيص:] كالأخوين لا يرثان مع الأب، ويردان الأم من الثلث إلى السدس.
قال: وإذا اجتمع أصحاب الفروض، ولم يحب بعضهم بعضاً- فرض لكل واحد منهم فرضه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضُ فَلأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ".
قال: فإن زادت الفروض على السهام أعيلت بالسهم الزائد.
اعلم: أن أصول مسائل الفرائض التي اصطلح عليها الفَرَضِيُّونَ؛ حتى تخرج سهاما لفريضة صحيحة لا كسر فيها، إن كانت الورثة عصبة – أخذت من عدد رءوسهم إن كان الجميع ذكوراً، وإن كانوا [ذكوراً] وإناثاً عددت كل ذكر بأنثيين، وجَمَلْتَ العدد، فما انتهى إليه فهو أصل المسألة.
مثاله: خلف أخوين لأب وأختين لأب فعُدَّ الأخوين بأربعة وضُمَّها إلى الأختين تبلغ ستة، فهي أصل مسألتهم؛ يكون لكل أخت سهم، ولكل أخ سهمان، وهكذا.
وإن كان الورثة كلهم أصحاب فروض، [أو فيهم صاحب فرض] وعاصب – فالأصول في هذا النوع – عند المتقدمين – سبعة: اثنان، وثلاثة، وأربعة، وستة، وثمانية.
وهذه لا تحتاج إلى تركيب، واثنا عشر، وأربعة وعشرون وهما مركبان من فرضين كما ستعرفه.
وسبب ذلك أن الفروض الستة وهي: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، [والثلث]، والسدس كسور مضافة إلى الشيء المعدود واحداً وهو التركة، ولا
يخلو إما أن يقع في المسألة واحد منها أو اثنان فصاعداً، فإن لم يقع فيها إلا واحد فالمخرج المأخوذ من ذلك الكسر هو أصل المسألة؛ فالنصف من اثنين، [والثلث] والثلثان من ثلاثة، والربع من أربعة، وعلى هذا فإن وقع فيها اثنان فصاعداً، فإن [كانا من] مخرج واحد فهو أصل المسألة، وإن كانا مختلفي المخرج أخذنا المخرجين، ونظرنا فيهما: فإن كانا متداخلين – كما إذا اجتمع السدس والثلث – فأكثر المخرجين أصل المسالة، وإن كانا متوافقين – [كما] إذا اجتمع السدس والثمن – ضربنا وفق أحد المخرجين في جميع الآخر؛ يحصل أربعة وعشرون؛ فهو أصل المسالة، وإن [كانا متباينين] كما – إذا اجتمع الثلث والربع- ضربنا أحد المخرجين في الآخر، وجعلنا أصل المسألة ما انتهى إليه الضرب، [وهو اثنا عشر]، وسأذكر بعد باب الجد والإخوة ما يعرف به [المداخل، والموافق، والمباين] ونحوه إن شاء الله تعالى.
ثم إذا فصلت ما نحن فيه قلت: كل مسألة فيها نصف وما بقي كزوج وأخ، أو بنت وعم، أو أخت وابن أخ؛ أو نصفان: كزوج وأخت – فهي من اثنين.
وكل مسألة فيها ثلثان وما بقي كأختين وبنتين، أو بنتي ابن وعم، أو ثلثان وثلث كأختين من أبوين وأخوين لأم – فهي من ثلاثة.
وكل مسألة فيها ربع وما بقي: كزوج وابن، أو زوجة وأخ، أو ربع ونصف.
[وما بقي: كبنت وزوج وعم، أو أخ – فهي من أربعة.
وكل مسألة فيها سدس، [وما بقي كأم وابن، أو سدس ونصف].
وما بقي: كأم وبنت وأخ، أو سدس وثلث وما بقي: كأم وزوج وعم – فهي من ستة.
وكل مسألة فيها ربع وسدس] وما بقي: كزوجة وأخ لأم وعم، أو ربع وثلث وما بقي: كزوجة وابني أم وعم، أو ربع وثلثان وما بقي: كزوجة وأختين وعم – فهي من اثني عشر، ولا تكون هذه المسألة إلا وفيها زوجة.
وزاد زائدون على الأصول السبعة ثمانية عشر وستة وثلاثين، وهذا يحتاج إليه في مسائل الجد إذا افتقر إلى مقدر وثلث ما بقي بعد المقدر كما سنذكره [ثم] إن شاء الله تعالى.
فإذا تقررت هذه الأصول التي يخرج منها السهام نظرت في السهام:
فإن استوعبتها الفرائض من غير زيادة فلا شيء للعاصب، وإن لم تستوعب فما بقي للعصبات؛ عملاً بالخبر المشهور.
وإن زادت الفروض على السهام – قال الشيخ: وأعيلت بالسهم الزائد أي: رفعت الفريضة وزيد في سهامها السهم الذي زاد؛ لأن العول هو الرفع، ومنه: عالت الناقة [بذنبها]: إذا رفعته، وعال الميزان؛ فهو عائل: إذا مال وارتفع.
قال: مثل مسألة المباهلة، وهي زوج وأم وأخت لأب، فيجعل للزوج النصف، وللأخت النصف، وللأم الثلث، فتعال الفريضة بفرض الأم، وهو سهمان؛ تصير من ثمانية: للزوج نصف عائل، وللأخت نصف عائل، وللأم ثلث عائل، أصل هذه المسألة من ستة؛ لأن فيها نصفاً وثلثاً، وقد تقرر أن النصف والثلث من ستة، وعالت بثلثها إلى ثمانية؛ فيقسم المال على ثمانية، [ويدفع للزوج ثلاثة من ثمانية، والأخت كذلكن وللأم سهمان تتمة الثمانية].
وإنما كان كذلك؛ لان الحقوق مقدرة متفقة في الوجوب، [وقد] ضاقت التركة عن جميعها، فقسمت على قدرها: كالديون والوصايا؛ ويشهد لذلك قضاء عمر – رضي الله عنه- روي أن امرأة ماتت في عهده عن زوج وأختين، فكانت أول فريضة عالت في الإسلام، فجمع الصحابة – رضي الله عنهم – فقال لهم:
"فرض الله – تعالى- النصف للزوج، وللأختين الثلثين، إن بدأت بالزوج لم يبق للأختين حقهما، وإن بدأت بالأختين لم يبق للزوج حقه؛ فأشيروا علي.
فأشار عليه ابن عباس –رضي الله عنه – بالعول، وقال: أرأيت لو مات رجل وترك ستة دراهم، ولرجل عليه ثلاثة دراهم، ولآخر أربعة، أليس يجعل المال سبعة أجزاء؟.
فأخذت الصحابة – رضوان الله عليهم – بقوله، ثم اظهر ابن عباس الخلاف بعد ذلك وقال: إن الذي أحصى رمل عالج عدداً [لم يجعل] في مال واحد نصفاً ونصفاً وثلثاً.
وروي عنه أنه قال: من شاء باهلته، [و] إن الذي أحصى رمل عالج عدداً ... وذكر بقية الخبر.
ومن هنا سميت مسألة المباهلة، والمباهلة: الملاعنة، والبهلة: اللعنة؛ يقال: بهله الله أي: لعنه الله، وهو الدعاء على الظالم من الفريقين، وقيل: هو التضرع إلى الله تعالى.
ثم العول في الفرائض يدخل في ثلاثة أصول، وهي التي إذا جمعت أجزاؤها الصحيحة ساوتها أو زادت عليها، وهي: الستة، وضعفها وهو اثنا عشر، وضعف ضعفها وهو أربعة وعشرون.
ولا يدخل العول فيما عداها من الأصول؛ لأن إذا جمعت أجزاءها الصحيحة نقصت عنها.
ثم الستة تعول أربع مرات: بسدسها إلى سبعة: كالمسألة التي وقعت في زمن عمر- رضي الله عنه – وبثلثها إلى ثمانية: كمسألة المباهلة، وبنصفها إلى تسعة: كما إذا خلف الميت أختين لأب وأمن واثنين من ولد الأم وزوج، وبثلثيها إلى عشرة: كما إذا خلف من ذكرناه وأمّاًن وتسمى هذه المسألة "أم الفروخ"؛ لكثرة السهام العائلة فيهان والشريحية لوقوعها في زمن شريح وقضائه فيها.
ومتى عالت إلى ثمانية أو تسعة أو عشرة فلا يكون الميت فيها غلا امرأة؛ لأنها لا تعول إلى ذلك إلا بزوج.
والاثنا عشر تعول ثلاث مرات: بنصف سدسها إلى ثلاثة عش: كما إذا خلف الميت زوجة، وأمًّا، وأختين لأب، وبربعها إلى خمسة عشر: كزوجة وأخت لأب وأختين لأم، وبربعها وسدسها إلى سبعة عشر: كهؤلاء، وأم، أو جدة.
ومن صور هذا العول: مسألة الأرامل، وهي: ثلاث زوجات، وجدتان، وأربع أخوات لأم، وثماني أخوات لأب، وهن سبع عشرة امرأة، وهي متساوية، ولا يكون العول إلى تسعة عشر إلا والميت رجل.
والأربعة والعشرون تعول مرة واحدة بالثمن إلى سبعة وعشرين: كزوجة وبنتين وأبوين.
وهذه المسألة تلقب بـ"المنبرية"؛ سئل عنها [علي - رضي الله عنه]- وهو على المنبر، فقال على الأَثِر: عاد ثمنها تسعاً، وهذا العول لا يكون [إلا] والميت رجل.
قال: وإن اجتمع في شخص جهتا فرض: كالأم إذا كانت أختاً - ورثت بالقرابة التي لا تسقط وهي الأمومة، ولا ترث بالأخرى - يعني: بالجهة الأخرى - مع الأولى؛ لأنه شخص اجتمع فيه سببان يورث بكل واحد منهما الأرض عند الانفراد، فورث بأقواهما، ولم يرث بهما: كالأخت من الأب والأم، لا ترث النصف بأخوة الأب والسدس بأخوة الأم، وذهب ابن سريج إلى التوريث بهما، [كما] حكاه ابن الصباغ.
وقال الشيخ أبو علي: إنه ذهب إلى ذلك في بعض المسائل، ولم يطلق.
ثم هذه المسألة ونظائرها إنما تتصور في نكاح المجوس ووطء الشبهة، وكما تظهر القوة بعدم السقوط تظهر أيضاً بأن يكون حجابها أقل من حجاب الأخرى.
ومثال الأقل: أم أم هي أخت لأب، ويتصور بأن يطأها ابنه؛ فتلد بنتاً فيطؤها فتلد ولداً - فالأولى أم أم وأخته لأبيه؛ فأم الأم لا تحجبها إلا الأم، والأخت للأب [تحجب] بجماعة كما سبق.
أما لو كانت الأم [التي] هي أخت هي الميتة، فللبنت النصف بكونها
بنتاً، وهل ترث الباقي بكونها أختاً؟ فيه وجهان، وهذه الصورة [هي] التي أشار إليها الشيخ أبو علي، كما حكاها الإمام في آخر "النهاية"، وصور المسالة بما إذا لم تخلف الميتة غيرها، والله أعلم.