كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 313-352
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 313-352
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يستحب إذاً أن يترشش عليه.
وهذا فيه نظر؛ لأن المستحب في هذه الأحوال ان يرسل يديه لا أن ينفضهما؛ فما ذكره الشيخ على عمومه، وعليه اقتصر الرافعي.
[ثم] إذا خالفونفض يديه لم يكن مكروها؛ لما روى عن ميمونة: أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل، فأتيته بالمنديل فلم يأخذه، وجعل ينفض الماء بيديه.
متفق عليه.
قال: ولا ينشف أعضاءه؛ لما [ذكرناه من خبر ميمونة، وقد] روى أن أم سلمة ناولت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوباً؛ ليتنشف به من وضوئه فأبى، وقال: "إني أحب أن أبقي علي وضوئي".
وقد قيل إن ترك التنشيف غير مستحب، وفعله غير مستحب أيضاً؛ فيكون فعله وعدمه سيين.
وقيل: إن التنشيف مستحب؛ لما فيه من الاحتراز عن الغبار.
والذي حكاه العراقيون ما ذكره الشيخ.
وإذا قلنا به، فهل يكون مكروهاً أو فاعله تاركاً للأولى؟ فيه وجهان في "التتمة"، والظاهر من كلام الشافعي منهما - كما حكاه الإمام عن العراقيين - الثاني، ويشهد له ما روى ابن المنذر بإسناده عن قيس بن سعد قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعنا له غسلاً فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسية فالتحف بها، وكأني أنظر إلى أثر الورس على عكنه.

وفي "الرافعي" وجه ثالث عن القاضي الحسين: أنه يكره في الصيف دون الشتاء، لعدم البرد.
قال: ولا يستعين في وضوئه بأحد؛ لما روى أن أبا بكر هم بصب الماء على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا أحب أن يشاركني في وضوئي أحد"، وروى أن المقول له عمر حين أراد صب الماء على يده، عليه السلام.
وقيل: إن القائل عمر.
قال بعضهم: وفي كلام الشيخ رمز إلى أنه لو أمر غيره بغسل أعضائه، فالكراهة أشد وإن صح الوضوء؛ كالغسل المنوي تحت الماء وإن لم يوجد منه سوى النية.
قال: وإن استعان به جاز، أي: من غير كراهة؛ لأن المغيرة بن شعبة أعان النبي صلى الله عليه وسلم

في [وضوئه]؛ لضيق كم جبة كانت عليه؛ كما ستقف عليه في باب المسح على الخفين.
وروى عن صفوان بن عسال قال: "صببت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر"، وروى أن أسماء والربيع بنت معوذ صبتا الماء على يديه.
وفي "تعليق القاضي الحسين" في باب الوكالة: أن الاستعانة بالغير في الطهارة، هل تكره؟ فيه وجهان حكاهما غيره هنا، وأصحهما: لا؛ وهذا في حق من يمكنه ألا يستعين.
أما من لا يقدر على الوضوء إلا بالاستعانة - كالأقطع - فإنه يجب عليه أن يستعين، "لو بأجرة المثل إن وجدها فاضلة عن كفايته وكفاية من تلزمه كفايته ليومه وليلته وقضاء ديونه، فإن لم يجد صلى وأعاد؛ كمن لم يجد ماء ولا ترابا؛ لأن عدم وجدان معين نادر.
وقد أفهم ما ذكره الشيخ في الباب أنه لا يستحب معه شيء آخر، وللأصحاب خلاف في استحباب مسح الرقبة بعد مسح الأذنين: فمنهم من قال: هو مستحب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنه أمان من الغل".
ومنهم من قال: هو أدب.
وعلى الوجهين يبني أنه هل يمسحها بماء جديد أو بماء الأذن؟ فإن قلنا: إنه مستحب مسحها بماء جديد، وإلا مسحها بماء الأذن؛ كذا حكاه الإمام عن شيخه، واقتصر عليه الرافعي.
والقاضي الحسين قال: إذا قلنا: إنه سنة، اكتفي فيه بماء الأذنين.
ومال الروياني

إلى أنه يمسحها بماء جديد.
وقد بقي من الآداب أن يبدأ في غسل الوجه بأعلاه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعله، وهو أسهل.
ويبدأ في غسل اليدين والرجلين بأطراف الأصابع إن كان يغسل بنفسه، وإن كان غيره يصب عليه غسل من مرفقه وعقبه إلى أطراف الأصابع.
وأن يضع الإناء عن يمينه إن كان يغترف منه، وإن كان يقلب على يده منه وضعه على يساره.
وسيكون لنا عود إلى شيء من ذلك الباب بعده, إن شاء الله تعالى.

باب فروض الوضوء وسننه

الفرض والواجب مترادفان عندنا، والمراد به- هنا-: الركن لا المحدود في كتب الأصول بأنه الذي يذم تاركه شرعاً، ولو على بعض الوجوه، إذ حكم الصبي ... فيه كالبالغ.
قال وفروض الوضوء ستة: النية، لما تقدم، ومن هنا يظهر لك أن الكافر لا يصح ... وضوءه، لأنه ليس من أهل النية، وفيه وجه ستعرفه في "باب صفة الغسل" ... وهو مفرع على الصحيح في أنه إذا ارتد بعد الوضوء لا يبطل، وأما إذا قلنا: يبطل، فلا يصح في حال الكفر بلا خلاف.
قال: عند غسل الوجه، أي: عند ابتداء غسل شيء من الوجه، لتكون مقترنة ... بأول العبادة، واحتجنا إلى ما ذكرناه من التقدير، لأن استمرار النية إلى تمام غسل ... الوجه ليس بشرط، حتى لو نوى عند أول شيء غسله منه وعزبت قبل تمام غسله ... لم يضره، بخلاف النية في الصلاة، فإنه يشترط أن تقترن بكل التكبيرة، لأن أول التكبيرة ترتبط إفادته بتكميلها، وغسل بعض الوجه لا يتوقف مقصودهعلى تكميله، وما ذكره ... الشيخ تفريع على الصحيح في أنه لو نوى عند غسل سنة من سنن الوضوء، ثم عزبت ... نيته قبل غسل شيء من الوجه- لم يعتد بها، ووراءه ما سلف من الأوجه.
والوجه الصائر إلى الاكتفاء باقترانها بغسل الكفين- إذا قلنا: إنه من سنن ... الوضوء- جار فيما إذا اقترن بالسواك، وقلنا: إنه من سننه، كما صرح به الأئمة, لكن ... لك أن تقول: ذاك وجه معزي إلى ابن سريج, وابن سريج يرى أنه لا بد من اقترانها بالوجه كما سلف.
ثم على ما ذكره الشيخ إذا اقترنت نيته بغسل الوجه لا يناله ثواب ما يتقدمه من ... السنن لخلوه عن النية.

وفي"الحاوي" وجه آخر: أنه يناله، كما لو نوى صوم التطوع في أثناء النهار، وقد ... أبداه الإمام احتمالاً لنفسه، ثم فرق بأن الصوم في حكم الخصلة الواحدة، والوضوء ... يشتمل على أركان متغايرات، فالانعطاف فيها أبعد.
واحتاج الشيخ هنا إلى بيان وقت النية، لأنه لم يذكره في الباب قبله, بل أفهم ... كلامه أن المستحب أن تكون أول ما يشرع في الوضوء.
قال: وغسل الوجه للكتاب والسنة والإجماع كما سلف, وهذا الفرض إنما ... يتحقق وجوده إذا غسل جزءا من الرأس ومن الحلق ومن تحت الحنك, وحينئذ ... يجب ذلك, إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, وقد صرح به المتولي وغيره.
قال: وغسل اليدين مع المرفقين، لما تقدم، وغسل جزء من العضد لا بد منه، لما ... ذكرناه.
ولو كان عليهما شعر كثيف لزمه غسل ما تحته، لأن ذلك نادر، صرح به القاضي ... الحسين وغيره.
وقد تقدم الكلام فيما إذا نبت له إصبع زائد أو كف وتدلت له جلدة.
ولو انقلع من ... محل الفرض شيء، وجب غسل ما ظهر منه.
نعم، لو كان ذلك بعد الغسل لا يلزمه غسل ما ظهر، كما إذا حلق الشعر بعد ... المسح عليه، أو قص الظفر فظهر من اللحم شيء كان مستترا به.
قال: ومسح القليل من الرأس، لأنه إذا فعله صدق عليه أنه مسح رأسه عرفاً، ... وتنزلت الآية عليه، كما تنزل قول القائل: فلان قبل رأس اليتيم، أو: مسحها، أو ... : ضرب رأس فلان – على بعضها، ولأن الآية وإن دلت بظاهرها على أنها [آلة] يمسح بها، فالإجماع على أن المراد: مسحها هي، وحينئذ تكون الباء في الآية للتبعيض، وإلا لم يكن لها فائدة، ويدل على ذلك أن السنة تثبت أن الاستيعاب غير واجب، فإن المغيرة بن شعية روى أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى عمامته، وفي رواية: بمقدم رأسه، والتقدير بجزء لا يهتدي إليه إلا بتوقيف، ولم يوجد، فتعين أن يكون الواجب مسمى المسح من غير تقدير.

فإن قيل: الشرع قد قدره بالناصية، إذ لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على أقل منها، والرواية الأخرى محمولة عليها، فينبغي أن يتقدر بها، ويكون فعله – عليه السلام – مبيناً للمراد من الآية، وقد اختار هذا صاحب "التهذيب".
قيل: فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج مخرج البيان، إذ لم ينقل تعقبه لوقت الحاجة إليه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولأنه لو كان بياناً لتعين المسح على الناصية، والخصم يجوز] مسح [قدرها من الرأس.
فإن قيل: صيغة الأمر بمسح الرأس] في الوجه [في التيمم واحدة، وقد أوجبتم تعميم الوجه بالمسح.
قيل: هو في التيمم بدل مغسول كله، لأجل الضرورة، ولا ضرر في التعميم، فوجب كالأصل، والمسح على الرأس هنا أصل، فكان مستقلا بحكمه.
واحترزنا بقولنا: "لأجل الضرورة" عن المسح على الخفين، فإنه جوز للحاجة، وقيد عدم الضرر يخرجه أيضاً، لأن استيعاب مسحه يضر به.
وقد أفهم كلام الشيخ أموراً: أحدها: أن المسح على الشعر بدل، لأنه قد جعل الفرض مسح القليل من الرأس، ... والشعر ليس برأس حقيقة، ويوافق هذا المفهوم ما حكاه الإمام ومن تبعه عن ابن ... خيران: أنه لو مسح على الشعر، ثم حلقه استأنف المسح على الرأس، كما لو مسح ... على الخف، ثم ظهرت الرجل.
والعراقيون نسبوا هذا المذهب لابن جرير الطبري وهو صاحب مذهب، ... وجزموا بأنه لا يستأنفه، وأن الشعر أصل كبشرة الرأس، ويدل عليه أنه لو كان بعض ... بشرة الرأس ظاهرا وعلى بقيتها شعر, فمسح على الشعر – أجزأه.

وفي "زوائد" العمراني أن الفقيه أبا بكر بن جعفر قال: لو مسح شعر رأسه، ثم حلقه قبل الفراغ من الطهارة – وجب عليه إعادة المسح، وغسل القدمين؛ لأن المتوضىء مالم يفرغ.
في حكم من لم يتوضأ؛ بدليل: أنه لو لبس الخف قبل كمال الطهارة، لا يمسح عليه.
ثم على المشهور يحمل كلام الشيخ على إرادة مايسمى رأساً؛ فإن الشعر يسمى به؛ فإنه مأخوذ مما رأس وعلا، وليس في هذا إلا أن فيه جمعاً بين إرادة الحقيقة والمجاز بلفظ واحد، وذلك جائز عند بعض أصحابنا، وحس هنا؛ لأن فيه تنبيهاً على أنه لو مسح على الشعر الخارج عن الرأس – وإن كان منتبه فيها – لا يجزىء، وهو مما لا خلاف فيه.
نعم، اختلفوا فيما لو مسح على شعر خرج عن منبته، ولم يتعد حد الرأس: هل يجزئه أم لا؟ والصحيح: الإجزاء.
ووجه المنع: أنه زائل عن منبته؛ فشابه الخارج عن الرأس.
ومن القسم الأول: ما إذا كان شعره أجعد على الرأس، وإذا مد خرج بالمد عن

سمت الرأس، فمسح على القدر الذي لو مد خرج عن سمتها.
والقاضي الحسين قال: إنه كذلك إذا مده، ومسح على الطرف الخارج، أما إذا لم يمده، بل مسح عليه، وهو على الرأس، ففي الأجزاء وجهان، أصحهما: المنع.
الأمر الثاني: أن المسح إذا كان على الشعر لا يتقدر بثلاث شعرات؛ لأن ما دونها بعض الرأس، وهو الذي نص عليه الشافعي، واختاره البغداديون من أصحابنا.
وعن صاحب "التلخيص": أنه يتقدر بثلاث شعرات، كما في حلق الرأس في الحج، واختاره البصريون من أصحابنا.
قال الرافعي: وقد أفهم كلام بعض النقلة احتمالاً في اعتبار قدر ذلك – أيضا - في المسح على البشرة.
والقائلون بالأول فرقوا بأن المسح متعلق بالرأس في الآية، والشعر ليس متعيناً له؛ ولذلك لو مسح على محل لا شعر فيه، أجزأه؛ بخلاف الحلق؛ فإنه منصرف إلى الشعر إجماعاً، و"الشعر" اسم جمع؛ فلا يصدق على أقل من ثلاث.
واختار صاحب "الحاوي" مذهباً لنفسه، وقال: الحق أن يكون المعتبر المسح بأقل شيء من أصبعه [على أقل شيء [من رأسه؛ لأنه أقل ما يقتصر عليه في العرف، وما دونه خارج عن حد العرف، فامتنع أن يكون حدا.
الثالث: أنه لو أدخل يده تحت شعره، ومسح البشرة، أجزأه، وهو ما حكاه القاضي الحسين والمتولي، وصدر به الرافعي كلامه.
قال القاضي: وهذا بخلاف الوجه، فإنه لو غسل البشرة وترك الشعر، لم يجزئه؛

لأن اسم الوجه لما يواجه به الإنسان غيره، وذلك يقع على ظاهر الشعر.
والرأس: اسم لما رأس واعتلى، وهذا واقع على الكل.
الرابع: أنه لو غسل الرأس بدلاً عن المسح، لم يجزئه؛ لأنه لا يسمى مسحاً.
ومن طريق الأولى: إذا قطر الماء عليه ولم يجر، وكذا إذا وضع يده مبلولة على الشعر ولم يمرها؛ لفقد حقيقة المسح، وهو وجه في المسائل محكي في الثانية والثالثة عن اختيار القفال.
لكن الصحيح في الكل – وهو المذكور في أكثر الكتب – الإجزاء، بل ادعى الإمام في الأولى: الوفاق عليه.
نعم، لا يستحب، وهل يكره؟ فيه وجهان: أظهرهما عند العراقيين وصاحب "الروضة": لا، ومقابله: هو ما حكاه الإمام عن الأكثرين.
الخامس: أنه لا فرق في الإجزاء بين أن يمسح بيده، أو بخرقة مبلولة أو خيشة، ونحو ذلك، وهو مما لا خلاف فيه.
قال: وغسل الرجلين مع الكعبين؛ لما ذكرناه، وتعميمهما واجب، حتى لو كانت أصابعهما أو بعضهما ملتفة، لا يمكن إيصال الماء إلى باطنها إلا بالتخليل - وجب، وعليه حمل قوله- عليه السلام-: "خللوا بين أصابعكم؛ كي لا يخلل الله بينها بالنار".

نعم، لو كانت ملتصقة خلقة، لا يجب تفريجها، بل لا يستحب، ولو فرجها بعد الطهارة، لم يجب غسل ما ظهر إذا لم يحدث نجاسة، وكذا الكلام في أصابع اليدين.
ثم هذا الفرض مخصوص بغير لابس الخف [في مدة المسح، أما لابس الخف]، فغسل الرجلين ليس فرضا متعينا في حقه؛ لما ستعرفه.
قال: والترتيب - على ماذكرناه- للكتاب، والسنة، والقياس: أما الكتاب: فظاهر الآية، ووجه الدلالة منها: إذا قلنا: إن "الواو" للترتيب – كما

ذهب إليه الفراء، وثعلب، وأكثر أصحاب الشافعي، كما قال الماوردي – ظاهر.
وإذا قلنا:] لا [تقتضيه، وهو الصحيح – فمن وجهين: أحدهما: أنه أمر بغسل الوجه بحرف الفاء الموجب للتعقيب والترتيب إجماعا، وإذا ثبت تقديم الوجه – ثبت استحقاق الترتيب؛ لأنه لا قاتل بوجوبه في بعض الأعضاء دون بعض.
فإن قيل: الفاء الموجبة للتعقيب تكون في الأمر والخبر، وأما في الشرط والجزاء، فلا.
قيل: هي موجبه للتعقيب في الموضعين، وليس فيها إذا أفادت الجزاء بعد الشرط ما ينبغي أن يسقط حكمها في التعقيب، على أن الجزاء لا يستحق إلا بعد تقدم

الشرط فلذلك استعمل فيه لفظ التعقيب دون الجمع.
فإن قيل: سلمنا أنه توجبه هنا, لكن المعقب هنا غسل جميع الأعضاء, ولا يمكن التعبير عنها مفصلة إلا بذكر اسم كل واحد منها؛ فيقع ذكر الأول من ضرورة التفصيل, ونظيره قول القائل لغلامه: "إذا دخلت السوق, فاشتر اللحم والفاكهة والخبز"؛ فإنه لا يقتضي الترتيب في الشراء.
وجوابه أن قوله - عليه السلام- في الحديث الذي سنذكره: "ثم يغسل وجهه كما أمر الله - تعالى- ثم يغسل قدميه مع الكعبين؛] كما أمر الله] " - يدل على أنه مقصود في نفسه.
الوجه الثاني: أنه ذكر ممسوحا بين مغسولين, ومن عادة العرب أن تجمع بين المتجانسين إلا لفائدة في إدخال غير جنسه فيما بين جنسه؛ فلولا أن الترتيب مستحق, لجمع بين المتجانسين.
وقد اعترض بعضهم على هذا, فقال: الترتيب وقع في الآية؛ لبيان أن أعضاء الحدث انقسمت إلى مكشوف - غالبا -: كالوجه واليدين؛ لتعرضهما للتلوث, والوجه أشرفهما؛ فلذلك قدمه؛ كما قدمت اليمين على اليسار, ثم قدمت الرأس على الرجلين؛ لأنه أشرف المستورين.
وأما السنة: فما روى مسلم عن عمرو بن عبسة قال: "قلت: يا رسول الله, أخبرني عن الوضوء؛ فقال: ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق - إلا

خَرَّت خطايا فيه وأنفه من الماء, ثم يغسل وجهه - كما أمر الله - إلا خرت خطايا وجهه مع أطراف لحيته مع الماء, ثم يغسل يديه إلى مرفقيه إلا خرت خطايا يديه مع أطراف أنامله مع الماء, ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء, ثم يغسل قدميه مع الكعبين - كما أمر الله- إلا خرت خطايا رجليه من أطراف أصابعه مع الماء ". وفي البخاري أنه - عليه السلام- توضا مرتبا, وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة غلا به" أي: بمثله.
وقد روي أنه - عليه السلام- قال: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه؛ فيغسل وجهه, ثم يمسح رأسه, ثم يغسل رجليه" , ولو ثبت هذا

لكان نصا في الباب.
وأما القياس: فلأنه عبادة ترجع في حال العذر إلى شرطها؛ فوجب أن يكون الترتيب] من شرطها؛ كالصلاة.
فإن قيل: قد ثبت أن الترتيب] شرط؛ فهل يسقط في حالة ما؟ قلنا: نعم، على قول للشافعي في صورة، ووجه للأصحاب في صورتين: فالأولى: إذا نسيه؛ فإن للشافعي قولاً قديماً: أنه لا يضر؛ كما لو نسي الفاتحة في الصلاة، أو الماء في رحله وتيمم، أو النجاسة على يديه وصلى.
وفي الجديد: لا يجزئه، وهو ما يقتضيه كلام الشيخ.
والثانية: إذا اغتسل في مكان الوضوء، فإن] الجمهور] على سقوطه في هذه الحالة.
قال الماوردي: وهو ظاهر المذهب.
ومنهم من قال: لا يسقط، والترتيب عليه في هذه الحالة - في أعضاء وضوئه واجب، وهذا الإطلاق يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون اغتساله في الماء بعد مكثه فيه قدر ما يترتب على أعضائه أو لا، وبه صرح الرافعي، والغزالي؛ تبعاً للإمام في حالة إمكان ترتبه على الأعضاء، لكن الجواز في هذه الصورة لم يحك القاضي الحسين والمتولي وابن الصباغ غيره؛ وعلى هذا لماذا أجزأه؟ قيل: لأن الماء يترتب على أعضاء وضوئه في لحظات لطيفة.
وقيل: لأنه صير الوضوء غسلاً.
وعلى المأخذين ينبني ما إذا لم يلبث في الماء قدر ما يترتب فيه الماء، أو نكس

الغسل؛ فعلى الأول: لا يجزئه، وعلى الثاني: يجزئه.
والقاضي الحسين - وكذا المتولي - بنيا الخلاف على أن الحدث الأصغر يحل جميع البدن أو أعضاء الطهارة فقط؟ فعلى الأول: يجزئه الغسل؛ ولو أغفل لمعة في بدنه لا يجزئه؛ كما قال القاضي الحسين.
وعلى الثاني: لا يجزئه إلا غسل الوجه إن اقترنت النية به.
والثالثة: إذا أمر أربعة فوضئوه في حال واحد، هل يجزئه أم لا؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين" يقربان من الخلاف فيما لو كان على المعضوب حجة الإسلام، وحجة منذورة؛ فاستأجر شخصاً لإقاع حجة الإسلام عنه، وآخر لإقاع الحجة المنذورة عنه، فأحرما بهما في عام واحد - هل يجزئه أم لا؟ والمذهب منهما في "التتمة" -: أنه لا يحسب له إلا غسل الوجه، وهو المذكور في "الشامل" لا غير.
ومن قال بالإجزاء يقول: الشرط في الوضوء عدم التنكيس.
وقد ألحق القفال بهذه الصورة ما إذا شك هل الخارج من ذكره مني أو مذي، ونحوه؟ وستعرف ما فيه.
قال: وأضاف إليه - أي: إلى ماذكرناه في القديم - التتابع.
التتابع: عبارة عن تطهير العضو بعد العضو؛ بحيث لا يجف المغسول قبيله قبل شروعه فيه، مع اعتدال الزمان والمكان؛ فلا اعتبار بشدة الحر والبرد، ولا بالبلاد الشديدة الحرارة أو البرودة.
قلت: وينبغي أن ينظر إلى اعتدال المستعمل له؛ فلا يعتبر بمن عليه حرارة،] أو ضدها]، والاعتبار في الغسل بآخر غسلة.

وقضية ما ذكره الأصحاب من الحد: أنه لا ينظر إلى جفاف الممسوح من الرأس قبل غسل ما بعده؛ بل المعتبر - في هذه الحالة - جفافها لو غسلت، وهو الحق، وقد أعرض بعضهم عن ذلك، وقال: المرجع في ذلك إلى العرف.
ومنهم من يقول: إذا مضى بين العضوين زمان يمكن إتمام الطهارة فيه - انقطع التتابع.
قلت: فلو اعتبر فيه ما يفوت به تدارك الخلل الواقع في الصلاة - لم يبعد؛ لأن التتابع فيها شرط بلا خلاف.
وإذا عرفت ما المعنى بالتتابع، فوجه وجوبه: أن مطلق أمر الله - تعالى - يقتضي الفور والتعجيل، وذلك يمنع التفريق، ولأنه - عليه السلام - توضأ على الولاء، وقال: "هذاوضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وعني: إلا بمثله.
ولأنها عبادة ترجع في حال العذر إلى شطرها؛ فوجب أن يكون التتابع من شرطها كالصلاة,] أو لأنها عبادة يبطلها الحدث؛ فأبطلها التفريق كالصلاة].
قال: فجعله سابعا، أي: فجعل الفرض سبعا.
أتى الشيخ بهذه الزيادة؛ دفعا لتوهم من يتوهمون أن الضمير في قوله: "إليه" يعود إلى الترتيب؛ فلا يزيد الفرض على الست.
وقد أضاف بعضهم إلى ذلك الماء الطاهر؛ فعده فرضا آخر, وبه تكمل الفروض ثمانية, حكاه الماوردي.
والجديد: أن التتابع غير واجب؛ لأن ابن عمر روى أن النبي ?"توضأ في السوق, فغسل وجهه, ويديه, ومسح رأسه, فدعي إلى جنازة, فأتى المسجد, فدعا بماء فمسح على خفيه, وصلى عليها".

قال الشافعي: وبين ذهابه من السوق إلى المسجد تفريق كثير, وقد روى ذلك ... موقوفا على ابن عمر, ولم ينكره عليه أحد, ولأنه عبادة لا يبطلها التفريق اليسير؛ فلا يبطلها التفريق الكثير؛] كالحج, أو عبادة يجوز تفريق النية فيها على بعضها, فجاز التفريق الكثير] فيها؛ كالزكاة.
قال البندنيجي وغيره: فعلى هذا هل يحتاج إلى تجديد النية؛ إن لم يكن ذاكرا لها؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأنه ما انقطع حكم النية.
وعلى مقابله: هل يستأنف الوضوء أو يبني؟ قال القاضي الحسين وغيره: فيه وجهان ينبنيان على تفريق النية على أعضاء الطهارة.
والقولان: في تفريق الوضوء جاريان في تفريق الغسل, وهل يجريان في تفريق التيمم؟ قال ابن القطان وطائفة: نعم.
وقال الجمهور: لا؛ بل يبطل بالتفريق قولا واحدا.
وبعضهم ألحق الغسل بالتيمم في حكاية الطريقين,] لكنه قال إن الصحيح فيهما

تخريجهما على القولين، والطريقة] الثانية: القطع بأنه لا يضر فيهما, وهل القولان فيما إذا كان التفريق بعذر أو بغير عذر؟ فيه طريقان: منهم من عمم، ومنهم من خصهما بغير المعذور بالجواز، وإليه يميل نصه في "الأم"، وهو المشهور، واستدل له المسعودي بأن الشافعي جوز في القديم تفريق الصلاة بالعذر؛ فإنه إذا سبقه الحدث يتطهر ويبني؛ ففي الطهارة أولى.
والعذر، مثل انقلاب الماء فيسعى في طلبه، أو هربا من سبع، ونحوه، وهل يلتحق به النسيان؟ فيه وجهان للشيخ أبي محمد، قال الرافعي: والأظهر الإلحاق.
فرع: إذا شك المتوضىء بعد فراغ الوضوء في أنه ترك فرضا أم لا _ فلا أثر لشكه؛ كما لو شك بعد الفراغ من الصلاة في ركن منها، ولا يقدح في ذلك الإقدام على الصلاة مع شك في الطهارة؛ كما لو تيقن الطهارة وشك في الحدث.
وقال ابن الصباغ: يحتمل أن يقال: لا تجوز له الصلاة؛ لأن الوضوء يراد لغيره، والأصل عدم إتيانه بكل أركانه.
وفي"تعليق" القاضي الحسين عند الكلام في الشك في النية في الصلاة: أنه لو شك بعد الفراغ من الوضوء: هل مسح رأسه أم لا؟ فيه قولان: القديم: أنه لا شىء عليه.
والجديد: أن عليه المسح؛ لأن الأصل أنه لم يأت به.
قال: وسننه عشر: التسمية؛ لأنه قد ثبت مشروعيتها، وقوله_ عليه السلام_:"من توضأ وذكر الله على وضوئه، كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله، كان طهورا لأعضاء وضوئه"_ يدل على أنها غير فرض فيه؛ لأنه حكم بالتطهير بدونها.

ولأن الوضوء عبادة ليس في آخرها نطق؛ فلم يجب في أولها؛ كالصوم.
وقوله_ عليه السلام_:" لا وضوء لمن لم يسم الله" _ محمول على الكمال.
وقد ذهب بعض المراوزة إلى أنها ليست بسنة الوضوء، وقال: هي محبوبة في كل أمر ذي بال؛ فلا اختصاص لها بالوضوء.
وعن الشيخ أبي حامد أنها هيئة فيه؛ فإن الهيئة: ما يتهيأ به لفعل العبادة، والسنة: ما كانت في أفعالها الراتبة فيها.
قال الماوردي: وهذه ممانعة في العبارة مع تسليم المعنى.
قال: وغسل الكفين؛ لأنه _ عليه السلام _ كان يفعله، ولم يذكره في حديث عمرو بن عبسة، ولو كان فرضا لذكره، وقال للسائل عن الوضوء:" توضأ كما أمرك الله تعالى"، وليس فيما أمر الله غسلهما مرتين.
وعن بعض المراوزة: أنه ليس من سنن الوضوء.
وأبو حامد قال: إنه هيئة فيه، لا سنة.
قال: والمضمضة والاستنشاق؛ لأنه _ عليه السلام _ كان يفعلهما، وقال:"عشر من السنة ... " وعدهما منها، وفي رواية:"عشر من الفطرة ... "، والفطرة هي السنة.
قال: ومسح جميع اللرأس _ أي: استكمال مسح جميع الرأس _ لأنه الأكثر من

فعله صلى الله عليه وسلم، وقد دللنا على عدم وجوبه؛ فكان سنة.
وعن المزني أنه فرض، كما صار إليه مالك.
وفي"الحاوي": أن مالكا يقول: إنه لو ترك ما دون ثلاث شعرات_ لم يضره.
والمزني يوجب الاستيعاب، وعلى المذهب أنه لو كان به أذى يمنعه من الاستيعاب؛ فالمستحب أن يمسح على ناصيته وعلى عمامته؛ كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم نص عليه الشافعي.
والناصية: ما بين النزعتين.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه إذا مسح جميع الرأس، كان الزائد على أقل ما يجزىء نفلا، وهو الصحيح.
ومن الأصحاب من يقول: الكل سقط به الفرض والخلاف جار فيما لو طول الركوع في الصلاة، أوالقيام، أو أخرج البعير في الزكاة عن خمس، أو البدنة أو البقرة عن الشاة في دم التمتع؛ وأصله _ كما قال القاضي الحسين في [باب] صوم التمتع، والمتولي هاهنا _ أن الوقص في الزكاة عفو أو فرض النصاب يتعلق بالجميع؟ قال: ومسح الأذنين؛ لأنه _ عليه السلام _ كان يفعل ذلك، ولم يأمر به الأعرابي؛ فدل على أنه سنة.

فإن قيل: بل أمره بهما؛ لأنهما من الوجه، والوجه أمر الله بغسله؛ ويدل على أنهما من الوجه قوله _ عليه السلام _ في سجوده:" سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه".
قيل: لو كانا من الوجه لغسلهما بمائه، وقد أفردهما بالمسح، والوجه المذكور في الخبر المراد به: الكل؛ كما في قوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ [الرحمن: 27] ولأن العرب تعطف على الجوار.
والمراد بالأذنين: ظاهرهما، وباطنهما، وصماخاهما، وبعضهم يجعل الصماخ سنة أخرى.
ثم من شرط الاعتداد بمسحهما سنة: الإتيان بهما بعد مسح الرأس على الصحيح في "الروضة".
قال: وتخليل اللحية الكثة _ أي: ومافي معناها _ لأنه _ عليه السلام _ كان يخلل لحيته؛ كما ذكرنا، ولا يجب؛ لأنه لم يأمر به السائل عن الوضوء؛ فكان سنة.
[وعن المزني]: أنه واجب.
ورواه ابن كج عن بعض الأصحاب.
قال الرافعي: فإن أراد المزني: فمفرداته لا يعد من الذهب؛ إذ لم يخرجها

على أصل الشافعي، وإن أراد غيره، حصل وجه موافق لما ذهب المزني.
قال: وتخليل أصابع الرجلين، أي: إذا كان الماء يصل إلى جميع بشرتها بدونه؛ لأنه – عليه السلام – كان يفعله؛ كما ذكرناه في خبر وائل بن حجر، ولم يأمر به السائل.
قال: والابتداء باليمنى؛ لأنه _ عليه السلام – كان يفعل ذلك في اليدين والرجلين؛ كما سلف، وقالت عائشة:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يب التيامن ما استطاع في شأنه كله: في طهوره وترجله وتنعله" أخرجه مسلم، ولفظ البخاري موضع"يحب":"يعجبه".
وقال _ عليه السلام، كما رواه أبو هريرة_:"إذا لستم إذا توضأتم؛ فابدأوا بأيمانكم" وهو محمول على الندب؛ لأن الله تعالى أطلق غسلهما؛ فلم يجب فيه ترتيب؛ لأنهما كالعضو الواحد؛ بدليل أن ظهور إحدى الرجلين من الخف؛ كظهورهما، والعضو الواحد لا ترتيب فيه.
وكلام الشيخ يقتضي استحباب البداية باليمين في مسح الأذنين، وهو وجه حكاه في "الوضة"، عن "البحر"، لكن قد سلف ما قاله الماوردي فيه، فإن كان الشيخ يراه حملنا كلامه هنا على ما لا يستحب الإتيان به دفعة واحدة: وهو اليدان والرجلان، وفي غيرهما بالنسبة إلى العاجز؛ كما سلف.
قال: والطهارة ثلاثا ثلاثا، أي: استكمال الطهارة ثلاثا ثلاثا في المغسول والممسوح؛ لأنه – عليه السلام – كان يفعل ذلك؛ كما سلف.
وروى أنه "توضأ مرة

مرة" رواه البخاري عن ابن عباس.
وروى – أيضا – عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله غليه وسلم "توضأ مرتين مرتين"، وقال البغوي: حديث حسن صحيح، وقال: إن أهل العلم اتفقوا على أن الواجب مرة مرة، وإذا أتى به مرتين [مرتين]، قال الشافعي: فهو فضيلة، وثلاثا ثلاثا سنة.
ولو زاد على الثلاث – فهل يكون مكروها؟ قال الشيخ أبو حامد: لا؛ لأنه زيادة خير وبر.
والجمهور على أنه مكروه، ومنهم: البندنيجي تلميذ أبي حامد؛ لأنه جاء في رواية: أنه توضأ ثلاثا ثلاثا وقال:"من زاد على هذا فقد أساء وظلم"، وفي رواية:"من زاد أو نقص فقد أساء وظلم "، ومراده: نقص عن الوحدة، وإلا فقد ذكرنا أنه اقتصر على مرة ومرتين.
وإساءته تكون بالنقصان، وظلمه لازيادة؛ لأنه وضعها فب غير محلها، وقيل عكسه، ويشهد له قوله تعالى: ﴿آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا﴾ [الكهف: 33] [أي] ولم تنقص.
وفي " الروضة " حكاية وجه ثالث: أن الزيادة على الثلاث محرمة.
وعلى المشهور: لو شك: هل فعل شيئا من ذلك مرة أو مرتين أو ثلاثا؟ ففيما يقدره وجهان: أصحهما: أنه يأخذ بالأدنى؛ كما في الصلاة إذا شك في عدد ركعاتها.
والثاني – ذكره الشيخ أبو محمد -: أنه يأخذ بالأكثر؛ حذارا من أن يزيد غسلة

رابعا؛ فإنها بدعة، وترك سنة أهون من إقحام بدعة.
وقيل له: إنما تكون بدعة عند تحقيق الزيادة.
فرع: تجديد الوضوء مستحب؛ لقوله – عليه السلام -: " من توضأ على طهر كتبت له عشر حسنات"رواه أبو داود.
ومحل الاتفاق على استحبابه إذا صلى بالأول فرضا وأراد أن يصلي فرضا آخر؛ لأنه – عليه السلام-كان يتوضأ في غالب أحواله لكل صلاة.
فلو صلى بالأول فرضا وأراد أن يصلي نافلة، فهل يستحب له التجديد؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين ". ولو صلى بالأول نفلا وأراد أن يصلي فرضا، فهل يستحب؟ فيه وجهان مشهوران بناهما القاضي الحسين على المعنيين في سلب طهورة الماء المستعمل: فإن قلنا: إنه يؤدي الفرض، فلا يستحب التديد هاهنا، وإلا استحب.
ولو أدى [به] سجدة شكر أول تلاوة، أول فعل بعده ما يتوقف على الوضوء- غير الصلاة- قال في "التتمة":فلا يستحب له التجديد، ولا يكره؛ لأنه أدى بالأول ما له تحليل وتحريم.
ولو لم يؤد به شيئا أصلا، فإن قلنا: لا يستحب عند الصلاة النفل به، فهنا أولى، وإلا فوجهان حكاهما الإمام، قال: ولعلهما فيما إذا مضى بعد الطهارة الأولى زمان يمكن فيه فعل النافلة دون ما إذا لم يمض ذلك؛ لأنه يصير في حكم غسلة رابعة.

قلت: ولو أخذ بما قلنا: إنه يقطع الموالاة على القديم، لم يبعد.
واعلم: أن الشيخ ذكر في الباب قبله أشياء لم يعدها في هذا الباب من الفرائض ولا من السنن، وهي استصحاب النية إلى آخر الطهارة، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق والاستعانة.
وعد في الباب من السنن ما لم يذكره في الباب قبله، وهو: البداءة باليمين، ولعله نسيه في الأول؛ فاستدركه في هذا الباب.
وأما ما لم يذكره هنا مما ذكره في الأول؛ فلعله يرى أن السنة ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم على فعله، وهذه الأشياء قام الدليل على طلبها، ولم يصح مواظبته- عليه السلام- عليها؛ فلذالك لم يدخلها في السنن وإن كانت مستحبة؛ ويرشد إليه قوله:"ويستحب إذا فرغ من الوضوء أن يقول .. " إلى آخره؛ وحينئذ فيكون مائلا لما قاله أبو حامد في غسل الكفين ونحوه؛ كما سلف.
وقد أضاف غيره إلى العشرة تطويل الغرة والتحجيل.
وتطويل الغرة: غسل مقدم الرأس حالة غسل الوجه؛ فإن الغرة - كما قال ابن ظفر في كتابه الملقب بـ "نجباء الأنباء" -: ما استدق من شعر الرأس.
وعن بعض الأصحاب أنه فسره بذلك، مع غسل صفحة العنق، وهو ما حكاه المتولي.
والتحجيل: غسل ما فوق المرفقين عند غسلهما، وما فوق الكعبين عند غسلهما.
وقد فسر كثيرون - كما قال الرافعي - الغرة بما فسرنا به التحجيل وأعرضوا عن ذكر ما حوالي الوجه.
والإمام قال: إن الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم تطويل الغرة غسل شيء من عضده.

وأضاف ابن القاص – كما قال في" الحاوي" – إلى ما ذكرناه مسح العنق بعد مسح الأذنين، وبعضهم أضاف إليه الدعوات المأثورة عند غسل الأعضاء؛ كما سلف.
وزاد الغزالي: السواك، وهوالمحكي عن ابن سريج، وقد تقدم الكلام فيه.
والموالاة- على الجديد – معدودة من السنن والآداب، وقد ذكناه في الباب قبله.
ومنها- كما قال الرافعي-: استصحاب النية إلى آخر الطهارة، وأن يقول بعد التسمية:" الحمد لله الذي جعل الماء طهورا"، وأن يجمع في النية بين القلب واللسان، وأن يتعهد المؤقين بالسبابتين، وما تحت الخاتم بتحريك الخاتم ثم إن كان الماء يصل إليه بدونه، وإلا فهو واجب.
وأن يبدأ في غسل الرأس والوجه واليدين والرجلين، بما ذكرناه.
وألا يتكلم في أثنائه، ولا يلطم الوجه بالماء، وأن يتوضأ في مكان لا يرجع رشاش الماء إليه، وأن يمر اليد على الأعضاء المغسولة.
والله تعالى أعلم.

باب المسح على الخفين

الأصل في جوازه - مع ما سنذكره من الأخبار - ما روى مسلم عن جرير قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه" قال الترمذي: وكان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن اسلام جرير كان بعد نزول"المائدة"؛ أي: فلا تكون آية "المائدة" الدالة على إيجاب غسل الرجلين، ناسخة للمسح كما صار إليه بعض الصحابة وغيرهم.
ورواية مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم"صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه؛ فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه؟ قال:"عمدا صنعت يا عمر".
يدل على ذلك - أيضا - أن سورة "المائدة" نزلت سنة ست من الهجرة قبل

الفتح، وقد روى عن الحسن البصري أنه قال:" روى المسح على الخفين سبعون رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقد ادعى الغزالي والمتولي أنه رخصة لم ينكرها إلا الروافض، وأضاف الإمام إليهم من يعرف بالانتماء إليهم.
والقاضي الحسين نسب المنع إلى علي بن أبي طالب والشيعة.
وأبو الطيب نسبه إلى الخوارج، والإمامية، وأبي بكر بن داود، وأنها رواية عن مالك؛ مستدلين بأن سورة "المائدة" ناسخة لها؛ فإنها تقتضي إيجاب غسل الرجلين على قراءة، أو مسحهما على أخرى، وليس مسح الخف واحدا منهما.
وحجتنا عليهم: ما تقدم.
قال: ويجوز المسح على الخفين؛ لما ذكرناه، وفي لفظ"الجواز" تنبيه على أمرين: أحدهما: أنه غير واجب، وغير مستحب، وغير مكروه، وهو المشهور.
لكن أبو الطيب حكى ها هنا عن الشافعي: أنه مكروه، وحكى القاضي الحسين عنه في باب "القصر أنه قال:"وأحب للمسافر.
أن يمسح على خفيه؛ إذا كان يغسل رجليه رغبة عن السنة"، ومفهومه أنه إذا كان يغسلهما – لا رغبة عن السنة- لا يستحبه.
الآخر ثم القول بعدم وجوبه محمول على الغالب؛ وإلا فلو كان المحدث لابس خف بالشرائط التي تبيح المسح، وقد دخل عليه وقت الصلاة، ووجد من الماء ما

يكفيه لو مسح على الخف، ولا يكفيه لو غسل الرجلين – فالذي يظهر وجوبه؛ لقدرته على الطهارة الكاملة، ولا [يأتي فيه] الخلاف الذي سنذكره في التيمم؛ لوضوح الفرق.
قال: في الوضوء؛ أي: ولا يجوز في الغسل؛ لما روى صفوان بن عسال قال:"كان رسول الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين وروى من طريق آخر: إذا كنا سفرا- ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول وغائط [ونوم] " رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
وقد جاء في رواية عن صفوان بعد قوله."من بول"-.
"من الحدث إلى الحدث" خرجهما القاسم بن زكريا المطرز بإسناده.
وسفر: جمع"سافر"؛ كركب: جمع "راكب".
ثم الفرق بين الوضوء والغسل من حيث المعنى: أن الوضوء يتكرر، والحاجة إلى

لبس الخف عامة، ولو كلف نزعه في كل وضوء لشق، ولا كذلك عند الجنابة؛ لأنها لا تتكرر كتكرره، ولأن الجنب لا يتمكن من المسح؛ لأن عليه غسل جميع بدنه، ومع ذلك ينزل الماء في الخف؛ فيؤدي إلى الإضرار به، ولا كذلك في الوضوء.
قال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة؛ لما روى مسلم عن علي - كرم الله وجهه- قال:" جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم".
وروى الشافعي بسنده عن أبي بكر أن" النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر، فلبس خفيه – أن يمسح عليهما" وهذا هو الجديد.
وعن القديم: أنه يتقدر لا بمدة؛ بل له المسح إلى أن تصيبه الجنابة؛ كما هي رواية

عن مالك؛ لما روى أبو داود عن أبي بن عمارة- وكان قد صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى القبلتين - أنه قال: يارسول الله، أأمسح على الخفين؟ قال:"نعم".قال: يوما؟ قال: "ويومين".
قال: ثلاثة؟ قال:"نعم، وماشئت" [ومن] طريق أخرى - قال فيه حتى بلغ سبعا-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم، وما بدا لك" ولأنه مسح بالماء؛ فلم يكن مؤقتا كمسح الرأس والجبيرة.
والصحيح الأول، بل قد حكى ابن الصباغ عن الزعفراني أنه قال: إن الشافعي رجع عنه بـ"بغداد" قبل خروجه إلى" مصر"وكذا حكاه البندنيجي؛ وحينئذ فلا يكون في المسألة إلا قول واحد؛ كما ذكر الشيخ.
والخبر المستدل به للقديم قد قال أبو داود: إنه اختلف في إسناده، وليس بالقوي،

وبعضهم يقول: في إسناده مجاهيل، ولو صح حملناه على مسحات يتخللها غسل الرجلين في أوقاتها؟ كما يحمل قوله – عليه السلام -:"التراب كافيك، ولو لم تجد الماء [عشر حجج" على تيممات]؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث.
قال الإمام: والوجه عندي المعارضة بنصوص التأقيت، ثم الأصل غسل القدمين؛ فلا تثبت رخصة المسح إلا بثبت، والفرق بين ما نحن فيه والمقيس عليه: أما المسح على الرأس؛ فلأنه أصل، وأما الجبيرة؛ فلأن الداعي إلى المسح عليها في الأصل الضرورة، وهي موجودة في الدوام، والداعي إلى المسح على الخف الحاجة وهي تزول غالبا في المدة المذكورة.

قال الأصحاب: وعلى هذا يتصور أن يصلي المقيم في مدته ست صلوات في أوقاتها؛ بأن يحدث في وقت صلاة منها مضي ما يسعها، ويمسح ويصليها، ثم يصليها في اليوم الثاني في أول وقتها.
ويتصور أن يوقع صلاة أخرى جمعا مع الأولى في وقتها إذا كانت الصلاة مما تجمع؛ وذلك بعذر المطر.
ويتصور أن يصلي المسافر في مدته ست عشرة صلاة في أوقاتها، وأخرى بالجمع؛ كما ذكرنا.
أما إذا أجنب في أثناء المدة انقطعت [مدة المسح]؛ لوجوب غسل الرجلين، وهكذا الحكم في المرأة إذا حاضت أو نفست، قاله الرافعي، واستدل له بحديث صفوان.
وفيه نظر؛ لأن حديث صفوان يدل على أن المسح على الخف لا يقوم مقام غسل الرجلين في الجنابة، لا أنه تبطل مدة المسح.
نعم، إن كان لا يتأتى غسل الرجل في الخف فالنزع واجب؛ لأجل الغسل، فإذا نزع بطلت به المدة، وإذا لم ينزع: هل نقول: تبطل؛ تنزيلا لوجوب النزع منزلته، أم لا؟ هذا محل الاحتمال.
وإن كان يتأتى غسل الرجلين في الخف ينبغي ألا تبطل مدة المسح؛ [بناء على أن الوضوء لا يندرج تحت الغسل]، ويصير ذلك بمنزلة ما قاله الأصحاب فيما إذا دميت رجله في الخف؛ إن أمكن غسلها فيه – لم تبطل المدة، والله أعلم.

واعلم أن الشيخ اتبع في إطلاق لفظ السفر الخبر، وهو محمول عند أصحابنا على السفر الذي تقصر فيه الصلاة بلا خلاف؛ حتى تشترط فيه المسافة، وألا يكون معصية.
فلو كان قصيرا أو معصية، لا يستبيح به مدة المسافر، ويستبيح في القصير مدة المقيم، وهل يستبيح في المعصية ذلك؟ فيه وجهان في "الشامل" وغيره في كتاب: صلاة المسافر؛ إذ هناك تكلم الشافعي والأصحاب فيها-: أحدهما- وهو ظاهر المذهب في " تعليق" القاضي الحسين، والأصح عند الغزالي وغيره:- نعم؛ لأن المعصية صيرت السفر كالمعدوم، والحاضر يجوز له ذلك.
والخلاف جار في مقيم عاص بإقامته؛ كما إذا نوى القيام ببلدة؛ لفعل بعض المعاصي.
والعبد إذا أمره سيده بالسفر فأقام، فإنه يجب عليه السفر؛ صرح به أبو الطيب في الأولى، والإمام عن رواية الصيدلاني في الثانية.
وحكى عن شيخه أنه قال: الحاضر إذا كان [يدأب] في معصية، لا تتأتى إلا بإدامة الحركة [فيها]، ولو مسح على الخفين، لكان ذلك عونا له على ما هو فيه – فيحتمل أن يمنع الترخص.
قال: وما ذكره حسن صحيح.

قال الأصحاب: والرخص التي تتعلق بالسفر ستة: منها ما يختص بالطويل بلا خلاف وهي: المسح على الخفين، ةالقصر، والفطر.
ومنها ما يجوز في الطويل والقصير بلا خلاف، وهو: الصلاة على الراحلة ونحوها، وفي هذا شيء ستعرفه إن شاء الله.
ومنها ما اختلف قول الشافعي فيه، وهو: الجمع في السفر، والتيمم، منهم من ألحقه بالقسم الأول، ومنهم من ألحقه بالقسم الثاني.
قال: وابتداء المدة – أي: في حق المسافر والمقيم – من حين يحدث بعد لبس الخف؛ لما ذكرناه من رواية المطرزي عن صفوان، ولأنها عبادة مقدرة بوقت؛ فكان أول وقتها من حين جواز فعلها؛ كالصلاة، وهذا دليل على من ادعى أن أول وقتها من حين المسح، وهو أبو ثور، وأحمد.
[و] على من قال: إنه من وقت اللبس، وهو الحسن البصري.
ثم [هذا] الدليل يدل على امتناع تجديد [الوضوء] المشتمل على مسح الخفين، ولا شك في أنه مكروه.

قال: فإن مسح في الحضر ثم سافر، أو مسح في السفر ثم أقام – أتم مسح مقيم؛ لأنها عبادة يختلف حكمها بالحضر والسفر، فإذا اجتمع [فيها] الأمران غلب حكم الحضر؛ كما في القصر، ولا فرق على هذا بين أن يقع كل المسح في الحضر أو بعضه، حتى لو مسح إحدى رجليه في الحضر، ومسح الأخرى في السفر – أتم مسح مقيم، وهو المذكور في"التتمة"، وعن القاضي الحسين أنه اختار في هذه الصورة أنه يتم مسح مسافر؛ نظرا إلى تمام المسح.
وقد أفهمك قول الشيخ في جواب المسألتين:"أتم مسح المقيم"- أمرين: أحدهما: أن الاعتبار في كون المدة مدة مقيم أو مسافر، بحالة وقوع المسح، لا بوقت الحدث، وهو كذلك.
وعند المزني [أن] الاعتبار [في ذلك] بوقت الحدث؛ كما أنه الاعتبار في ابتداء المدة، واستدل لذلك لو لم يمسح في الحضر حتى مضى يوم وليلة، لا يمسح بعد ذلك، كذا حكاه الداركي عنه.
وقال أبو الطيب: إن هذه الحكاية عنه ليست بصحيحة، ومذهبه فيها كمذهبنا، ووجهه أن المسح هو المقصود؛ فكان الاعتبار به؛ كما أن الصلاة لما كانت هي المقصودة – كان الاعتبار في قصرها بحالة فعلها؛ إذا وقع في وقتها، وقد وافق المزني على ذلك.
ثم لا فرق على هذا بين أن يخرج وقت صلاة وجبت عليه بعد الحدث أو لا عند الجمهور.
وعند أبي إسحاق أنه إذا أحدث في الحضر، ودخل عليه وقت صلاة، ولم يصلها حتى خرج الوقت وهو مقيم، وسافر ومسح في السفر – يتم مسح مقيم؛ لأنه كان

يجب عليه المسح في الحضر؛ فنزل منزلة فعله.
الثاني: أن الثانية مصورة بما إذا بقي من مدة المقيم شيء؛ كما إذا [كان] قد مسح دون يوم وليلة؛ لأن فيه تنبيها على محل خلاف المزني.
أما إذا كان قد مسح [في السفر يوما] وليلة فأكثر، ثم أقام – استأنف وفاقا.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن في"تعليق البندنيجي" أن أبا العباس – يعني ابن سريج - حكى عن المزني أنه قال: إذا كان مقيما ثم سافر، أو مسافرا ثم أقام – بنى إحدى المدتين على الأخرى، ويقسط ذلك على مر الزمان: فإن كان مقيما؛ فمضى من مدة الإقامة ثلثها من حين الحدث، ثم سافر – له أن يمسح بعد أن حصل مسافرا يومين وليلتين ثلثي مدة السفر في مقابلة ما بقى من مدة الحضر وهو ثلثا يوم وليلة.
وإن كان مسافرا، فمسح يوما وليلة، ثم حضر – فقد مضى له ثلث مدة السفر؛ فيضيف إلى هذا ثلثي مدة الحضر، وقال: هذا هو القياس.
قال أبو العباس: ولسنا نناظره إذا وافقنا على المذهب، ولو قال هذا الحكم - ناظرناه، وقلنا: إما أن يغلب حكم الحضر دون السفر، أو العكس، فأما الجمع بينهما فمحال؛ لأنه يفضي إلى أن يصلي ركعة من الظهر، وهو مسافر، ثم إذا أقام يضيف إليها ركعتين؛ فيصلي الظهر ثلاثا، وهو خلاف الإجماع.
أو يصلي من الظهر ركعتين في الحضر، ثم يسافر؛ فيصلي الظهر ثلاثا، وهو خلاف الإجماع.
قال: وإن شك في وقت المسح، أو في انقضاء مدة المسح – بنى الأمر على ما

يوجب الغسل؛ لأن الأصل وجوب الغسل، والمسح رخصة بشرط، فإذا وقع الشك في الشرط، رجعنا إلى الأصل.
وصورة الشك في وقت المسح أن يتيقن أنه مسح في الحضر أو السفر، وشك: هل أحدث وقت الظهر أو وقت العصر مثلا؟ ويلزم بهذا التصوير الشك في الانتهاء أيضا.
وصورة الشك في انقضاء مدة المسح: أن يتيقن أنه أحدث وقت الظهر مثلا، وشك: هل وقع مسحه في الحضر، فتكون آخر مدته ثاني يوم الظهر؟ أو في السفر؛ فتكون أخر مدته رابع يوم الظهر؟ وبهذا التصوير وقع الشك في الانتهاء دون الابتداء.
وقد صور بعضهم الأولى بالصورة الثانية، والثانية بالأولى، وليس بشيء.
وقد خالف المزني فيما إذا شك هل أحدث وقت الظهر أو العصر؟ فقال في "الجامع الكبير" – كما حكاه البندنيجي-: إنه يبني الأمر على أنه أحدث وقت العصر؛ لأن الأصل عدم حدثه وقت الظهر.
وغلط فيه بما ذكرناه.
قال: ولا يجوز المسح إلا أن يلبس الخف على طهارة كاملة.
عنى بالكاملة: التامة، حتى [إنه] لا يجوز أن يمسح إذا تطهر، وغسل إحدى رجليه وأدخلهما الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلهما الخف، والدليل على ذلك: قوله- عليه السلام – في حديث أبي بكرة:"إذا تطهر فلبس خفيه – أن يمسح عليهما".
وقوله – عليه السلام – للمغيرة بن شعبة حين رام نزع خفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وضوئه:" دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين" – كما أخرجه مسلم _[يدل على اشتراط الطهارة.
وروى الشافعي بسنده عن المغيرة بن شعبة [قال]:قلت: يارسول الله، أأمسح

على الخفين؟ قال:"نعم، إذا أدخلتهما طاهرتين، ولفظ"إذا" شرط، والشرط يقتضي العدم بعدمه].
فإن قيل: هذا يدل على أن الرجل لا تدخل في الخف إلاطاهرة، وإذا غسل إحدى رجليه وأدخلهما في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلهما الخف _ صدق ذلك؟ قلنا: ماكانت الطهارة شرطا فيه – اشترط تقدمها بجملتها عليه؛ كالصلاة.
ثم خبر أبي بكرة يمنعه؛ لأن الفاء تقتضي التعقيب والترتيب، وقام الدليل على أن التعقيب هنا غير واجب؛ فبقى وجوب الترتيب على ظاهره.
ثم إن إطلاق الطهارة يقتضي الكمال؛ يدل عليه: أن من توضأ، ولم يغسل إحدى رجليه – إذا حلف إنه غير متطهر لا يحنث؛ ولهذا قال الرافعي: إن لفظ"التمام" [في "الوجيز"] لا حاجة إلى ذكره.
وجوابه: أنه أتى به؛ للتنبيه على محل الخلاف؛ فإن المزني وأبا ثور وأبا حنيفة قالوا- فيما إذا غسل إحدى رجليه، ,أدخلهما الخف قبل غسلهما، وغسلهما فيه - جاز له المسح.
والمشهور عنه الأول.
ثم عندنا إذا غسل إحدى رجليه، وأدخلهما في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف – إذا أراد أن يمسح عليهما – ينزع الأولى ثم يلبسها.
وعن ابن سريج: أنه لابد من نزعهما، ويستأنف لبسهما، لأن حكم كل واحدة منهما يرتبط بالأخرى؛ ألا ترى أن نزع إحداهما بعد الحدث يوجب نزع الأخرى؟! والمشهور الأول.
والفرق: أن اللبس هنا لم يقع في محله؛ فكان كعدمه، بخلافه.
ثم المراد باللبس الذي يشترط فيه الطهارة: إدخال القدم في موضع مقرها [من الخف] مستقرة، حتى لو أدخل الرجلين في ساق الخف قبل أن يغسلهما،

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل