كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 283-292
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 283-292
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

طرح الثوب في الإناء وفيه الماء ففيه وجهان: الصحيح: أنه نجس.
والثاني: أنه إن قصد بطرح الثوب فيه غسل النجاسة منه طهر الثوب، كما لو كان الماء وارداً.
[قال:] وهذا ليس بشيء؛ لأن غسل الصبي والمجنون والكافر النجاسة جائز وإن لم يصح منهم قصد.
فرع: وإذا تنجس الزيت بالنجاسة هل يمكن تطهيره؟ إن كانت النجاسة وَدَك ميتة ونحوه فلا، وإن كانت بولاً ونحوه مما لا دهنية فيه، ففي إمكان تطهيره خلاف: اختار أبو الطيب في باب الأطعمة إمكانه، وهو ما قال البندنيجي: إنه المذهب، [وقال الماوردي: إنه ظاهر المذهب].
وبه قال جمهور أصحابه: عدم إمكانه، وهو الأصح في "تعليق" القاضي الحسين، وقال: إن حكم السمن حكم الزيت، وأبو الطيب والبندنيجي جزماً فيه بعدم إمكان غسله، وألحق القاضي أبو الطيب به الودك.
والزئبق متفق على عدم إمكان غسله.
قال القاضي الحسين: لأنه لا يتقطع عند ملاقاة الماء على الوجه الذي يتقطع عند [إصابة] النجاسة.

قال: والأفضل أن يغسل ثلاثاً؛ لأن ذلك مستحب عند الشك في النجاسة بقوله عليه السلام: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ .. " الخبر؛ فذاك مع تحققها أولى، ولا يجب؛ لأنه روى أن ابن عمر قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل النجاسة سبعاً، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعلت الصلاة خمساً، والغسل من الجنابة مرة، وغسل النجاسة مرة.
قال: وما لا يزول أثره بالغسل- أي: المعتاد- بحيث ينزل الماء بعد الحَتِّ والتحامل صافياً كالدم وغيره إذا غسل وبقي أثره، لم يضره.
التمثيل بالدم يقتضي أن مراده بغيره ما هو مثله مما له لون لا يزول أثره بالغسل، فإن الذي يُبْقي الدم من الأثر بعد الغسل المعتاد إنما هو بقايا اللون، وإذا كان كذلك فوجهه في الدم ما روى أبو هريرة أن خولة بنت حكيم أتت النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: يا رسول الله، إني ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: "إِذا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ"، قالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: "يَكْفِيكِ المَاءُ لاَ يَضُرُّكِ أَثَرُهُ" أخرجه أبو داود، ورواية البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها دم الحيضة، كيف تصنع؟ قال: "تحته، ثُمَّ تَقْرُصهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ" وفي رواية: "لِتَقْرصْه، ثُمَّ لتَنضَحْهُ بِمَاءٍ ثُمَّ لتُصَلِّ فِيهِ"، وذلك يدل على المدعي أيضاً؛ إذ لم يفصل بين بقاء لونه بعد ذلك أو لا.
[ثم هذه] الرواية وإن دلت ظاهراً على وجوب الحَتِّ وهو الحك بطرف شيء،

وهو بالتاء ثالثة الحروف، والقرص وهو الدلك بأطراف الأصابع- فالأولى تقتضي حمله على الاستحباب؛ للجمع بينهما، وبعض أصحابنا يحملها على أن الماء كان عندهم قليلاً فأمرها بذلك؛ لتخف النجاسة.
ثم القول باستحباب الحت والقرص منسوب في "الرافعي" إلى معظم الأصحاب، وقال: إنَّ نقل بعضهم يشعر باشتراطه، وهو ظاهر كلام الغزالي.
قلت: وهذا من الرافعي يوهم خلافاً في أنه إذا تأتي [إزالة ذلك] بالحت والقرص، هل يجب أم لا؟ وكلام أبي الطيب وابن الصباغ يوهمه، أيضاً.
وكلام الماوردي يفهم أن محل استحبابه إذا كان أثر النجاسة يزول بدونه، فإن داود يقول: إنه لا يجزئ، ويجب الحت والقرص، [ولعل هذا] هو الأصح، وعليه ينطبق كلام المتولي، بل قال: إذا لم يقدر على إزالة رائحة الخمر إلا [بنوع] معالجة، وجب.
وأعم منه قول القاضي الحسين في باب ما يفسد الماء: إن النجاسة العينية يجب إزالة عينها، فإن لم يذهب الأثر، فعليه أن يغسله بالأشنان وغيره، ويستقصي فيه، فإن لم يذهب فالظاهر أن يكون معفوّاً عنه؛ لقول عائشة: "كنا نغسل الثياب من دم الحيض، ويبقى فيه بقعة أو بقع، فنمسحها بالحناء، ونصلي فيها".
وقد استحب الأصحاب لأجل ذلك لطخ الأثر بالحناء ونحوه.
واقتصر بعض الأصحاب على العفو عن أثر الدم، وقال: لون غيره يدل على بقاء عينه؛ فلا يعفى [عنه].
وفي "الجيلي" حكاية قول عن "اللباب": أنه لا يعفى عن اللون مطلقاً، وهو في "الحاوي" و"التتمة" وجه نسبه الإمام إلى صاحب "التلخيص"، والصحيح العفو عن اللون الذي تعسر إزالته مطلقاً.

وقد أفهم كلام الشيخ- كما قررناه- اختصاص العفو بأثر اللون، وسكت عن ذكر المحل الذي يعفى عنه إذا بقي فيه، والمراوزة قالوا: الطعم لا يعفى عنه بلا خلاف؛ لأنه يدل على بقاء العين [قطعاً] ولا يعسر زواله.
وصور الرافعي ذلك بما إذا دَمِيَتْ لثته أو تنجس فاه بنجاسة أخرى، فغسله، ودام طعم النجاسة فيه.
وأما الرائحة فإن سهل إزالتها فلا يعفى عنها، وإن عسر- كما في بول المُبَرْسَم، والخمر العتيقة- ففي العفو عنها بعد المبالغة قولان: ينظر في أحدهما إلى أن الغالب من الروائح الزوال، والحكم للغالب، وفي الآخر إلى عسر الاستخراج.
وهذا ما قال القاضي الحسين: إنه المنصوص، وهو أصح في "النهاية" موجهاً بأن رائحة الخمر الزكية قد تبقى في البيت أياماً بعد نقل ظرفها.
واللون إذا سهل إزالته فلا عفو، وإن عسر كلطخات الدمامل فهو عفوٌ.
وقال القاضي الحسين: يجب أن يرتب على الرائحة، فإن قلنا: بقاء الريح لا عفو عنه، فعند بقاء اللون أولى.
وإن قلنا بالعفو عن الريح، فالعفو عن اللون يحتمل وجهين: أحدهما: أنه كالريح.
والثاني: لا يعفي عنه.
والفرق: أو اللون أقوى؛ لأنه في الحقيقة جزء لطيف من العين؛ فلا يتصور انفكاك اللون عن العين، والريح قد يُنفك عنها بدليل ما ذكرناه في نقل الخمر.
واقتضى كلامهم: أنه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يصيب الثوب ويبقى ما ذكرناه فيه، أو يصيب غيره، والقاضي الحسين [صرح] به فيما إذا أصاب الثوب، وقال: إنه لو صبغ الثوب بصبغ نجس، فغسله بالماء وأنعم الغسل، وبقي اللون، قالوا: يحكم بطهارته؛ لأن الماء يقدر على إزالة النجاسة ورفعها، ولا يقدر على قطع الألوان ورفعها من المحالِّ، فإذا أورد الماء عليه، علمنا أن ما [يمر] عليه من النجاسة قد

زالت وإنما بقي [اللون].
قال: ويدل على ذلك: أن الصبغ النجس عند الانفراد إذا غمر بالماء يحكم بطهارته، واللون دائم كما قبل الغسل.
وكذا إذا اختضبت المرأة بالحناء النجس، ثم غسلته يحكم بطهارة المحل وإن بقي اللون؛ لما ذكرناه من المعنى.
وقد ذكر القاضي هذا مرة أخرى في باب الأطعمة.
وقال الإمام هنا فيما إذا صبغ الثوب بصبغ نجس معقود [و] لم ينفصل؛ لانعقاده، وزاد وزن الثوب [به]: الذي يظهر عندي اجتناب مثله، والذي ذكره الأصحاب من العفو عن الأثر أراه إذا لم يقدر له وزن، ويسبق إلى الذهن أنه لون بلا عين وإن كان غير ممكن، ولكن الشرع مبناه على ظواهر الأمور.
قلت: وهذا لعله أقرب، وما ذكره القاضي من الاستشهاد على ما ذكره بأن المرأة إذا اختضبت بالحناء النجس ثم غسلته يحكم بطهارته- فقد قال الماوردي في باب الصلاة بالنجاسة: إنه حكى عن الشافعي- رضي الله عنه-: أنه نص عليه؛ لأن اللون عرض والنجاسة لا تخالط [العرض]، وإنما تخالط العين، فإذا زالت العين التي هي محل النجاسة، زالت النجاسة بزوالها.
وقال في باب ما يفسد الماء: إنه لو خضب شعره أو بدنه بخضاب فيه بول أو خمر، ثم غسله، فبقى [لونه] فإن كان الباقي لون النجاسة، فالمحل المخضوب نجس لا يطهر حتى يزول اللون.
وإن كان الباقي لون الخضاب فقط، ففي نجاسته وجهان: فإن قلنا بنجاسته، أعاد ما صلاه، وهو عليه بعد زواله.
والعراقيون لم أقف في كلامهم على بقاء الأثر فيما عدا الأرض، وأما في الأرض، فقالوا: إن كان الباقي بعد الغسل لون النجاسة لا يعفى عنه بلا خلاف؛ فإن اللون عرض، والعرض لا يقوم بنفسه، فكان بقاؤه دليلاً على بقاء عينه.
وإن بقي الريح، ففي العفو عنه وجهان في "تعليق" أبي الطيب وقولان منصوصان في "الحاوي" [وغيره]، وعزاهما ابن الصباغ إلى "الأم":

أحدهما: أنه كاللون.
والثاني: [أنه] يطهر؛ لأن الرائحة تتعدى محلها، فعُفِي عنها، كما يعفَى عن تغير الماء بجيفة بقربه، ولا كذلك اللون؛ فإنه لا يتعدى محله؛ فلا يعفى عنه.
والماوردي قال في الأرض ما قاله العراقيون، وقال: إنه لا يعفى عن الريح في الثوب قولاً واحداً؛ لأن حكم النجاسة في الأرض أخف؛ لكونها معدناً للنجاسة.
وأما في الإناء إذا بقيت فيه الرائحة، ففي العفو طريقان: منهم من قال: هو كالأرض.
ومنهم من قال: يطهر قولاً واحداً؛ لأن بقاء الرائحة [فيه]؛ لطول المكث وكثرة المجاورة.
فإن قُلْتَ: قد رجع حاصل ما نقلته أنه لا يعفى عن اللون في الأرض والثوب والإناء قولاً واحداً، وفي العفو عن الريح ما سلف، وما ذكره الشيخ من المثال كما قررتموه يقتضي العفو عن اللون مطلقاً، وهو مخالف للمنقول.
قُلْتُ: يمكن أن يحمل المنقول على ما إذا بقي لون النجاسة، وهو ظاهر اللفظ، وكلام الشيخ في بقاء أثر اللون لا اللون نفسه؛ فلا منافاة بينهما، والله أعلم.
تنبيه: عدول الشيخ عن قوله: إذا غسل وبقي أثره طهر، إلى قوله: "لم يضر"- يفهم أن المحل لا يطهر، وإنما هو معفو عنه، وهو ما أبداه الرافعي احتمالاً [لنفسه]، وشبهه بالأثر بعد الاستنجاء ودم البراغيث، وأيده بأنه ليس في الأخبار تصريح بالطهارة، وإنما تقتضي العفو والمسامحة.
وقد تعرض في "التتمة" لمثل هذا في الرائحة، فقال: إن قلنا: لا يطهر، فهو معفو عنه، كدم البراغيث، لكن الذي أطلقه الأكثرون القول بالطهارة.
وقال القاضي الحسين: لأنه لو كان نجساً معفوّاً عنه، لكان إذا أصابه بلل تنجس، كمحل الاستنجاء، وها هنا لا يصير نجساً بإصابة البلل؛ لقول عائشة: "فنلطخه بالزعفران ونصلي فيه"، وعلى هذا يكون تقدير كلام الشيخ: لم يضر في منع الحكم

بالطهارة، والله أعلم.
قال: وما غسل به النجاسة- أي: وهو قليل وارد عليها كما تقدم- فهو طاهر، أي: سواء طهر المحل أو لم يطهر؛ لعموم قوله عليه السلام: "خَلَقَ اللهُ المَاءَ طَهُوراً لَا يُنَجِّسُهُ إِلا مَا غَيَّرَ .. " الخبر.
ولأنه لا يمكن حفظه من النجاسة؛ فلم ينجس إلا بالتغير، كالماء الكثير.
و [لأنه] لا ينجس بملاقاة النجاسة قبل الانفصال وفاقاً؛ فوجب أن يكون بعد الانفصال كذلك؛ إذ ليس له بعد الانفصال حال لم يكن عليها قبل الانفصال؛ وهذا ما حكاه في "المهذب" وجهاً عن أبي العباس، و [عن] أبي إسحاق، وكذا أبو الطيب قبله، والماوردي نسبه إلى الداركي وطائفة، وقال في "الوسيط": إنه القديم، وقال القاضي الحسين: القديم أنه طهور، وعليه جرى الرافعي.
وهذا الوجه يعبر عنه بأن حكم الغسالة إذا لم تتغير [كحكمها] قبل الغسل.
وقيل: هو نجس- أي: في الحالين- لأنه ماء قليل لاقته نجاسة فنجسته، كما في غير حالة الإزالة، وهذا وجه في "المهذب" منسوب إلى الأنماطي، وفي "الشامل" وغيره نسبته إليه فيما إذا انفصل وقد طهر المحل، وأنه وجهه بأنا حكمنا بانتقال النجاسة إليه قطعاً.
والقاضي الحسين قال: إنه نقله قولاً.
والإمام قال: إنه خرجه قولاً.
أي: في الجديد، كما قال الرافعي.
وهذا الوجه يعبر عنه بأن حكم الغسالة حكم المحل قبل غسله بها، كالماء المستعمل في الحدث، ومنه خرج.
وقيل: إن انفصل وقد طهر المحل فهو طاهر؛ لأنه- عليه السلام- أمر بصب ذنوب على بول الأعرابي في المسجد، ولو لم تكن الغسالة طاهرة، لما أمر بذلك؛ لأن فيه تكثيراً للنجاسة في المسجد.

وإن انفصل ولم يطهر المحل فهو نجس؛ لأن المنفصل جزء من المتصل، والمتصل نجس، فكذا المنفصل.
وهذا وجه حكاه في "المهذب" عن ابن القاص، والماوردي نسبه إلى أبي إسحاق وجمهور الأصحاب، وصححه في "التتمة".
وابن الصباغ والبندنيجي قالا: إنه ظاهر قوله- أي: الشافعي-[في "أحكام القرآن"، ولا جرم قال الإمام: إنه نص عليه، وأبو الطيب: إنه المذهب، والغزالي] والرافعي: إنه الجديد، ويعبر عنه بأن حكم الغسالة حكم المحل بعد الغسل.
وأثر الخلاف يظهر فيما لو وقع من غسلة من غسلات الكلب شيءٌ على شيء طاهر، هل يجب غسله أم لا؟ وماذا يغسل؟ فإن قلنا بالأول، فالمشهور: أنه لا يجب غسله؛ لأن غسل الطاهر لا يلزم.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر: أنه يجب؛ لما يعلق عليه من حكم الولوغ المستحق للغسل؛ وعلى هذا في قدر غسله وجهان: أحدهما: مرة.
والثاني: بعدد ما بقي، كما سنصفه.
وإن قلنا بالثاني، ينظر: فإن كان الواقع من [الغسلة] الأولى غسله سبعاً، إحداهن بالتراب.
وإن كان من الثانية، فستّاً.
وإن كان من الثالثة، فخمساً، وهكذا.
ثم إن كان التعفير وجد فيما قبل الغسلة التي الماءُ الواقع منها، لم يحتج إليه، وإلا فلابد منه.
وإن قلنا بالثالث: فإن كان الواقع من الأولى [غسله] ستّاً.
[وإن كان من الثانية، فخمساً].
وإن كان من الثالثة، فأربعاً، وهكذا.
اللهم إلا أن يكون من السابعة، فإنه لا يوجب الغسل؛ لأن المحل بعده طاهر، كذا

صرح به الإمام وأبو الطيب، وقال: إنه المذهب.
وحكم التعفير كما سلف.
وقال الماوردي فيما إذا كان من السابعة- والتفريع على ما ذكرناه-: يجب أن يغسل مرة أيضاً، ويكون حكم الولوغ ساقطاً، وحكم النجاسة باقياً.
وحكى هو وغيره من أهل الفريقين وجهاً آخر: أنه يجب غسله مرة واحدة من أي غسلة وقع؛ لأن كل غسلة ترفع سُبع النجاسة، فلزم غسل ما أصابته مرة.
أما إذا غسلت النجاسة بالماء الكثير، ولم يتغير، فهو طاهر بلا خلاف.
وإن كان بماء قليل، وقد وردت النجاسة [عليه]، فحكمه قد سلف.
وإن كان الغسل بماء قليل ورد على النجاسة، وانفصل متغيراً فهو نجس بلا خلاف.
وفي الحكم بطهارة المحل إذا لم يبق للنجاسة أثر فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين، وأصحهما في "التتمة": الحكم بالنجاسة، وهو ما اقتضاه كلام ابن الصباغ؛ لأنه شرط في طهارة المحل مع ما ذكرناه انفصال الماء [غير متغير].
وألحق القاضي الحسين والمتولي بهذه الحالة ما إذا انفصل الماء غير متغير، لكن زاد وزنه، فيكون الماء نجساً، وفي طهارة المحل الوجهان، صرح بهما في "التتمة".
فروع: إذا حكمنا بطهارة الغسالة لا يجوز استعمالها في إزالة نجاسة أخرى على الجديد، وبه جزم البندنيجي والإمام هنا، وفي جواز استعمالها في رفع الحدث وجهان: أصحهما: لا، وقال البندنيجي: إنه المذهب.
وإذا حكمنا بنجاسة الغسالة إذا لم يطهر المحل، فلو لم تحصل الطهارة إلا بمجموع غسلات، فما عدا الأخيرة نجس، ولو خلط الجميع، ولم يبلغ قلتين وهو غير متغير- فوجهان: أحدهما- وهو الأصح في "الشامل"، والمذهب في "تعليق" أبي الطيب،

والمختار في "المرشد": أنه نجس؛ لأنه ماء قليل خالط ماء نجساً.
والثاني: أنه طاهر؛ لأن جميع الغسلات في حكم غسلة واحدة؛ إذ بمجموعها طهر المحل.
وهكذا الحكم فيما لو جمعت الغسلات من ولوغ الكلب وهي غير متغيرة.
ولو بلغ مجموع الغسلات قلتين طهر، سواء كان من غسالة كلب أو غيرها.
وفي "الكافي" وجه: أن غسالة الكلب لا تطهر وإذا بلغت حد الكثرة.
والأصح الأول.
والخلاف المذكور فيما إذا خلط ما حكمناه بطهارته ونجاسته من الغسالة جَارٍ فيما لو كان في الإناء بول أو ماء نجس فغمره بماء طهور حتى زال أثر النجاسة، هل يطهر الإناء وما فيه أو لا؟ قال أبو علي في "الإفصاح": إن الأشبه بمذهب الشافعي الطهارة.
وفي "النهاية" نسبة هذا إلى ابن سريج وأن الشيخ أبا علي قال: هذا منه تفريع على أن العصر لا يجب، ولا يشترط غزالة الغسالة، فأما إذا شرطنا ذلك فهو غير ممكن؛ فإن الوارد لا يتميز عن المورود عليه، فالكل نجس.
قال الإمام: وهذا عندي- إن صح النقل- من هفوات ابن سريج، ثم قال ابن سريج: ينبغي أن يكون الوارد أكثر من المورود عليه، حتى يحصل الغسل بهذه الجهة، وكلام الأصحاب السالف لا يقتضي ذلك.


فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل