كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يعضد ما ذكرناه.
ولأن ما وجب غسله وإراقته، وجب أن يكون كنجاسة سائر النجاسات.
قال: والخنزير- قال [بعضهم]: للإجماع عليه، وفيه نظر؛ لأنه يقال: إن الإمام أحمد قال بطهارته، وحكى الفوراني ذلك عن مالك أيضاً، واستدل له الماوردي بقوله- تعالى-: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145] فإن المراد بلحم الخنزير: هو جملته؛ لأن لحمه قد دخل في عموم الميتة فكان حمله على ما ذكرناه من الفائدة أولى من حمله على التكرار.
وغيره قال: لأنه أسوأ حالاً من الكلب؛ لأنه يجب قتله، ولا يجوز الانتفاع به، بخلاف الكلب.
قال: وما تولد منهما- أي: من كلب وخنزير- لأنهما أصله.
قال أو من أحدهما- أي: وحيوان طاهر- لأن مبنى النجاسة على التغليب.
قال: والميتة- أي: لحمها وإهابها:
أما اللحم: فلقوله- تعالى-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3]، وتحريم
ما ليس بمحرم ولا ضرر فيه، يدل على نجاسته.
وأما إهابها: فلقوله- عليه السلام-: "أَيُّمَا إِهَاب دُبغَ فَقَدْ طَهرَ".
[وفي "التتمة" حكاية وجه عن رواية ابن القطان أن جلد الميتة لا ينجس بالموت؛ وإنما الزهومة التي في الجلد تصيره نجساً؛ فيؤمر بالدبغ لإزالتها؛ كما يغسل الثوب من النجاسة].
قال: إلا السمك والجراد؛ يحل تناولهما لقوله- عليه السلام-: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ .. " الخبر المشهور.
والجراد- بفتح الجيم-: اسم جنس، واحدته: جرادة، ويطلق على الذكر والأنثى.
قال: والأدمي- في أصح القولين- لأنه- عليه السلام- قبل عثمان بن مظعون بعد موته ودموعه تجري على خده، ولو كان نجساً لما قبله مع طهور رطوبته.
ولأنا تُعُبدنا بغسله، والنجس لا يتعبد بغسله؛ لأن غسله يزيد النجاسة، كذا حكى عن ابن سريج.
ولأنه مكرم؛ كما دل عليه قوله- تعالى-: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، ولا يليق بكرامته الحكم بنجاسبته؛ وهذا القول نص عليه في "الأم" وبه قال الأنماطي وأبو العباس.
قال الماوردي في الجنائز وسائر أصحابنا: ومقابله أنه نجس؛ لأنه حيوان طاهر في الحياة، غير مأكول بعد الموت، فكان نجساً كغيره.
ولأنا تعبدنا بغسله، ولا نؤمر بغسل الطاهرات.
كذا قاله أبو إسحاق، وهذا القول أخذ من قول الشافعي: "إذا جبر عظمه بعظم نجس ومات لا يقلع؛ لأنه صار ميتاً كله"؛ فدل على أنه ينجس بالموت.
وكذا قوله في الجنائز: "ويتخذ إناءين: إناء يغرف به من الماء المجموع، فيصب في الإناء الذي يلي الميت، فإن تطاير من غسل الميت إلى الإناء الذي يليه لم يضر بالآخر- يدل على نجاسته أيضاً.
وكذا قوله: "لو اضطرب سن من أسنانه فأثبتها بذهب أو فضة لم تصح صلاته؛ لأنها صارت ميتة"، كذا حكاه عنه القاضي الحسين قبيل باب الساعات التي تكره فيها الصلاة، وابن الصباغ عزاه إلى نصه في "الأم" في باب الصلاة بالنجاسة.
وقد اختار هذا القول الصيرفي وأبو إسحاق، كما قال البندنيجي في الأطعمة، وقال في كتاب الصلاة: إنه المذهب.
وأبو الطيب نسب الأول إلى اختيار أبي إسحاق، والثاني إلى اختيار الأنماطي وأبي العباس، وقال: إنه القياس، فإنه لو قطع عضو منه في حياته لكان نجساً، ولو كان لا ينجس بالموت لم ينجس ما قطع منه كالسمك إذا قطع منه شيء لا ينجس.
وهذا من القاضي يدل على الجزم بأن ما أبين من الآدمي نجس، وبه صرح في باب الصلاة بالنجاسة.
وغيره حكى فيه طريقين: أصحهما: القطع بنجاسته، والثاني: حكاية خلاف فيه.
وعلى ذلك جرى الإمام والرافعي [هنا والماوردي] في الجنائز، لكن الماوردي
قال: الصحيح أنه نجس، ونسب القول بطهارته إلى الصيرفي.
والإمام قال: إنه الصحيح.
وكذا الرافعي وطرد الخلاف في المبان من السمك والجراد ومشيمة الآدمي، وصحح القول بطهارة الجميع.
والمذكور في "تعليق أبي الطيب"، والبندنيجي، و"التتمة" نجاسة المشيمة، وكلام الشيخ الذي سنبينه يدل عليه.
وقد أفهمك استثناء الشيخ الأشياء الثلاثة التي ذكرها من الميتات نجاسة ما عداها منها، وذلك يشمل مسائل:
منها: ما ليس له نفس سائلة: كالذباب ونحوه، وهو ما عليه العراقيون وغيرهم.
وقال القفال: إنها طاهرة؛ لأن النجاسة إنما تأتي من قبل انحصار الدم وانحباسه في العروق بالموت، واستحالته وتغيره، وهذه الحيوانات لا دم لها ولا استحالة، وما فيها من الرطوبة كرطوبة النبات.
ومنها: الدود المتولد من الطعام، وهو ما حكاه البندنيجي، وتضمنه كلام الإمام عند الكلام في تنجس الماء بما [لا نفس له سائلة] وبعضهم حكى قولاً آخر وصححه: أنه طاهر تبعاً لأصله، وعليه جرى في "الكافي"، وكذا الغزالي حيث قال: وما يستحيل من الطعام كدود التفاح والخل- طاهر، على المذهب.
والرافعي قال: إن الخلاف فيه كالخلاف فيما لا نفس له سائلة، وإن ما ذكره الغزالي اختيار القفال.
وعلى الأول: لا ينجس الطعام؛ عفواً.
وعلى الثاني: يحل تناوله مع الطعامز
قال في "الوجيز": على الأصح، وهو يشعر بخلاف فيه، وقد حكاه في "الوسيط"
والمذكور في "النهاية" حل أكله معه، وحكاية الخلاف في حل تناوله مفرداً، وصحح التحريم.
ومنها- كما قال بعضهم-: الجنين الذي يوجد ميتاً عند ذبح الأم، وليس الأمر كما أفهمه كلامه؛ فإنه طاهر، وكذا الصيد إذا مات بالضغطة على أحد القولين.
وكان ينبغي أن يستثنيه مع ما استثناه.
وهذا السؤال قد أورد الرافعي مثله على الغزالي، ولا يرد عليهما: أما الجنين؛ فلأن ذكاته بذكاة أمه بنص الخبر، وليس داخلاً في اسم الميتة، والصيد الميت بالضغطة لعلهما لا يريان حله والله أعلم.
قال: وما لا يؤكل لحمه إذا ذبح؛ لأن ذبحه لا يفيد حل أكله؛ فكذا طهارته؛ قياساً على ذكاة المجوس طرداً، والمسلم عكساً.
قال: وشعر الميتة؛ لأنه متصل بالحيوان حالة حياته وموته اتصال خلقة؛ فينجس بموته كالأعضاء، ولأنه مندرج تحت اسم الميتة يدل عليه [أنه] لو حلف لا يمس ميتة حنث [بمسه]؛ كذا قاله الماوردي.
والحكم في صوف الميتة ووبرها وريشها كالحكم في شعرها؛ لأن ذلك في معناه، وما سنذكره من الخلاف مطرد فيه؛ كما صرح الأصحاب.
فرع: إذا رأى شعراً ولم يعلم أنه طاهر أم نجس: فإن علم أنه شعر مأكول اللحم، فهو طاهر، وإن علم أنه شعر غير ماكول فهو نجس، وإن شك فيه، قال الماوردي: ففي طهارته وجهان من اختلاف أصحابنا في أصول الأشياء: هل هي على الحظر [فيكون نجساً] أو على الإباحة فيكون طاهراً؟ وهذا فيه نظر؛ لأن الخلاف المذكور مفرع على القول بمسألة الحسن والقبح، ونحن لا نقول به.
قال: وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حال حياته كالعضو الساقط منه حال حياته؛ وهذا ذكره الشيخ؛ بناء على ما جزم به في أن شعر الميتة نجس، وهو ما حكاه المزني والربيع بن سليمان المرادي والبويطي وحرملة وأصحاب القديم.
وروى إبراهيم البلدي عن المزني: أن الشافعي رجع عن تنجيس الشعور، وكذا حكاه القاضي الحسين في رواية لكنه لم يعزها لإبراهيم، [لم يذكر الفوراني غيرها]، وفي أخرى- وهي المشهور في كتب العراقيين-: أنه رجع عن قوله في شعور بني آدم: إنها نجسة، [وهي المنسوبة لإبراهيم].
والماوردي قال: إن ابن سريج حكى الأول عن الأنماطي عن المزني عن الشافعي، واختلف الأصحاب في هذه الرواية: فمنهم من لم يصححها، ومنهم من صححها، وهؤلاء اختلفوا في تعليل رجوعه:
فمنهم من علل ذلك بكرامتهم، وقال: الحكم في شعر غيره كما تقدم
ومنهم من قال: إنما رجع؛ لأنه ذهب إلى أنه لا روح فيه، بل قال الشيخ أحمد البيهقي: إن الشافعي قال في "الجامع": "إن الشعر لا روح فيه"، [وقال في كتاب الديات: "الشعر لا روح فيه"]، وعلى هذا فكل حيوان طاهر؛ فشعره طاهر حال الحياة وبعد الوفاة، على كل حال، وهذا لفظ البندنيجي وغيره من العراقيين.
وبعض المراوزة- لأجل هذه العلة- طرده في شعر الكلب والخنزير.
وقال الشيخ أبو محمد: إنه ظاهر المذهب.
وقال الإمام: إن أبا حامد المرورذي اختاره، وبه يحصل في الشعور أربع مقالات:
[طاهرة كلها].
طاهرة إلا شعر الكلب والخنزير.
نجسة كلها إلا شعر الآدمي، وهو الصحيح في "الإبانة".
نجسة كلها، وهو الصحيح.
وعلى هذا في طهارة شعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجهان:
أصحهما- في "تعليق القاضي الحسين"، وينسب إلى أبي جعفر الترمذي-: أنه طاهر؛ لأنه- عليه الصلاة والسلام- فرق شعره بين أصحابه.
ثم ظاهر قول الشيخ: "وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حال حياته" يقتضي إدخال شعر الآدمي وإن قلنا بطهارة جثته، [وهو ماض على طريقة أبي الطيب حيث جزم بنجاسة العضو المبان من الآدمي وإن حكمنا بطهارته] لأن الشعر على القول الذي عليه نفرع كالعضو، وقد صرح به الماوردي حيث قال- بعد حكاية [رواية] الرجوع عن تنجيس شعور بني آدم-: إن جمهور الأصحاب امتنعوا من تخريجها قولاً للشافعي- يعني في سائر الشعور وأما شعر بني آدم: فخرجوه على قولين:
أحدهما- وهو الأشهر عنه:- أنه نجس بعد انفصاله عنه؛ لأنه شعر من غير مأكول.
والثاني- وهو محكي عنه في الجديد: أنه طاهر؛ لأن ابن آدم لما اختص بالطهارة ميتاً، اختص شعره بالطهارة منفصلاً.
لكن البندنيجي وابن الصباغ والرافعي قالوا: إن الخلاف في طهارة شعر الآدمي ونجاسته مفرع على القول بأن الآدمي ينجس بالموت.
أما إذا قلنا: لا ينجس بالموت، كان شعره طاهراً على اختلاف أحواله.
قلت: والطريقة الأولى أقرب؛ عملاً بما قلناه، وأيضاً فإن القائل باختصاص الرجوع بشعر الآدمي علله بكرامة الآدمي، وهذا التعليل [ينافيه] الحكم بنجاسة [ميتته].
ثم حيث حكمنا بنجاسته عفي عن الشعرة والشعرتين منه في الثوب، وكذا في الماء القليل، كما حكاه البندنيجي وابن الصباغ.
وقد حكى الروياني العفو عن ذلك في الماء عن بعض الأصحاب، [وقال: إنه غلط].
قال الجيلي: ولو قطعت شعرة واحدة أربع قطع، فحكمها حكم الشعرة الواحدة؛ على الأصح، وإن الخلاف مبني على ما إذا تبددت النجاسة التي لا يعفى عنها- على البدن بحيث لا يدرك الطرف آحادها؛ فحكمها حكم ما لا يدركه الطرف أو حكم ما يدركه؟ فيه وجهان، أصحهما: الثاني، ذكره الغزالي في بعض تعاليقه.
قلت: وفي كلام الإمام الذي حكيته في باب طهارة البدن عند الكلام في العفو عن اليسير من سائر الدماء- إشارة إليه؛ فليطلب منه.
أما شعر ما يؤكل لحمه إذا انفصل منه في حال حياته [بتناثر فطاهر] كما جزم به القاضي الحسين والمتولي وغيرهما، وكذا إن انفصل منه بقطع أو قص، أو فصل منه بنتف، فوجهان:
وجه المنع: أن قطعه بمنزلة ذبح الحيوان، وقد حكاه الرافعي في المتناثر من الحيوان أيضاً.
والأصح فيهما الطهارة.
تنبيه: جزم الشيخ بنجاسة شعر ما [لا] يؤكل لحمه إذا انفصل في حال حياته يقتضي أموراً:
أحدها: إلحاق [ريش] ما لا يؤكل لحمه [به] كما ذكرناه؛ لأنه في معناه، وبه صرح غيره، وطرد القول بطهارته فيه.
وأما ريش ما يؤكل لحمه إذا فصل منه في حال حياته، وكذا الصوف والوبر من المأكول- كالشعر إذا فصل أو انفصل من المأكول، وقد تقدم.
الثاني: نجاسة ما انفصل منه من الأعضاء وغيرها من طريق الأولى، وذلك مما لا خلاف فيه إلا في الآدمي والمشيمة كما تقدم، وكذا فأرة المسك؛ فإنها تنفصل عن الظبية خلقةً وحشوها المسك، وتكون على موضع السرة منها، وهي ترمي في كل سنة فأرة، وينميها الرب- سبحانه- ملتحمة ثم تستشعر أطرافها قشفاً فتحتك بالصوان والمواضع الخشنة فتسقط.
وفي طهارتها وجهان، [أصحهما] الطهارة؛ لأنها تنفصل بالطبع؛ فهي كالجنين، ولأن المسك فيها طاهر، ولو كانت نجسة، لكان المظروف نجساً.
ومحل الوجهين إذا انفصلت في حياة الظبية كما ذكرنا أما إذا فصلت بعد موتها فهي نجسة؛ كاللبن.
قال الرافعي: [وقد] حكي وجه آخر: أنها طاهرة كالبيض المتصلب.
قال في "التتمة": والوسخ الذي ينفصل عن بدن الآدمي في الحمام وغيره- حكمه حكم ميتة الآدمي؛ لأن الوسخ متولد من البشرة.
قال: وكذلك الوسخ المنفصل عن سائر الحيوانات حكمه حكم الميتة.
الثالث: نجاسة ما انفصل منه من: قرن، أو ظفر، أو ظلف، أو سن، أو عظم- من طريق الأولى؛ لأن هذه بالأعضاء أشبه من الشعر بها، وقد اختلف الأصحاب في ذلك وفيه في الميت على طريقين:
إحداهما: إلحاقه بالشعر؛ فيكون فيه ما سلف من الخلاف؛ وهذه طريقة البندنيجي والماوردي.
والثانية: القطع بالنجاسة، وهي الصحيحة، واستدل لها في العظام بقوله- تعالى-: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ الآية: [يس: 78] والإحياء للميت.
ولأنها تألم؛ فيدل على أن الحياة تحلها، وما حلته الحياة ينجس بالموت، خلا ما استثناه.
قال الغزالي: ولأن الودك فيها نجس فيدل على نجاسة الطرف؛ إذ لا حياة في الودك.
وأراد أنا أجمعنا على أن الودك في حال الحياة طاهر، وبعد الموت نجس، والحياة لا تحله، فيقال: إنه ينجس بالموت؛ فدل على [أن] نجاسته بنجاسة ظرفه.
قال: ولبن ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي؛ لأنه عصارته، وكان مقتضى القياس نجاسته من الآدمي، كما صار إليه بعض أصحابنا، لكنه خلاف المذهب؛ تكريماً له، وهذا في لبن المرأة، أما لبن الرجل: فقد جزم [به] ابن الصباغ في كتاب الرضاع، وقاس عليه لبن الميتة.
وعن الإصطخري: أنه قال بطهارة لبن ما يؤكل لحمه من الطاهرات، وبعضهم يحكي عنه طهارة لبن الأتن الأهلية، وجواز شربه لأن لحمها ولبنها كان مباحاً، فحرم اللحم وبقي اللبن على الإباحة فإن النسخ لا يثبت [فيه] قياساً.
قال: والعلقة؛ لأنها دم خارج من الرحم؛ فكان نجساً كالحيض، قاله أبو إسحاق.
ومقابله- قاله ابن أبي هريرة- أنه طاهر؛ لأنه مبتدأ خلق حيوان طاهر؛ فكان طاهراً [كالمني، ولأنها دم غير مسفوح فكان طاهراً] كالكبد والطحال، وهذا ما صححه الرافعي.
وقد أفهم قول الشيخ وما ذكرناه من التعليل [القول] بطهارة المضغة، وهو الأشبه؛ لأنها إلى المني أقرب.
وغيره صرح بإجراء الخلاف فيها، وصحح القول بطهارتها، وقال: إنه يجري في البيضة إذا صارت دماً.
وصحح الروياني القول بالطهارة أيضاً، وجزم في "الكافي" بنجاستها في هذه الحالة، وحكى الوجهين فيما إذا صارت علقة.
[قلت:] ولو رتب الخلاف فيها على الخلاف في العلقة من الآدمي وأولى بنجاستها- لكان له وجه مما أسلفناه: أن مني الآدمي طاهر، على المذهب، ومني مأكول اللحم وغير مأكوله مختلف فيه، ولا خلاف في الطهارة إذا اختلط البياض والصفرة [ولم يتبين].
قال: ورطوبة فرج المرأة في ظاهر المذهب؛ لأنها رطوبة متولدة من محل النجاسة؛ فكانت منها، وهي ماء أبيض يخرج من قعر الرحم.
وقيل: إنه طاهر كالعرق، وهو الأصح في "الكافي" [و"المحرر"] وقد حكاه الماوردي في باب ما يوجب الغسل نصاً عن الشافعي في [بعض] كتبه.
والشيخ في دعواه أن الأول ظاهر المذهب- اتبع فيه البندنيجي؛ فإنه قال هكذا في باب التيمم؛ لأن الشافعي قال في "الأم" كما حكاه هو وغيره [ثم]: وللرجل المسافر الذي لا ماء [معه وللمغرب] في طلب الإبل- أن يجامع أهله، ويجزئه التيمم إذا غسل [ما أصاب] ذكره، وغسلت ما أصاب فرجها أبداً حتى يجدا الماء؛ فإذا وجداه فعليهما أن يغتسلا.
[ولا جرم] قال ابن الصباغ في التيمم: إن القول بطهارتها خلاف النص.
وقال القاضي الحسين- عند الكلام في بيع المسك في الفأرة-: لعل الأصح أنها نجسة.
وقال الإمام في باب أجل العنين: وكان شيخي يقول: تردد الأصحاب في نجاسة بلل باطن فرج المرأة، مأخوذ من اعتقاد بعضهم أن ما وراء ملتقى الشفرين لا يثبت له
حكم البطون، ويلتحق بداخل الفم إلى قدر حشفة معتدلة، وهذا عندي [خطأ؛ فإن] ما وراء الملتقى، من باطن الفرج؛ فلا معنى [لإبداء المراء] في ذلك.
وهذا من الإمام يقتضي ترجيح القول بالنجاسة.
وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا جامع الرجل، هل يجب عليه غسل ظاهر ذكره وما أصابه من الرطوبة، وكذا غسل ظاهر البيض كما قال الماوردي والقاضي الحسين ونجاسة مني المرأة كما تقدم.
وأما إذا خرج من باطن فرج المرأة رطوبة، قال الإمام- ها هنا-: فلا شك في نجاستها.
ومأخذ القول بالطهارة- فيما ذكرناه- أنا لا نقطع بخروجها وبهذا ظهر الفرق بين رطوبة باطن فرج المرأة وباطن الذكر، حيث قلنا: إن رطوبة باطن فرج المرأة ينجس المني، ولا كذلك رطوبة باطن الذكر؛ لأنها لزجة لا يخرج منها شيء، ولا يمازجها ما يمر بها، وأمثالها من الرطوبات في الباطن لا حكم لها، ولا كذلك رطوبة باطن فرج المرأة.
قال: وما ينجس بذلك، أي: من الأعيان الطاهرة؛ لقوله- عليه السلام-: "إِذَا وَقَعَتِ الفَارَةُ في السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِداً فَلْيُلْقِهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعاً فَلْيُرِقْهُ" رواه أبو داود.
00000000000000
وعدول الشيخ عن قوله: وما لاقى ذلك، إلى ما ذكره؛ لأنا مع الملاقاة قد لا نحكم عليه بالنجاسة، وذلك في صور:
إحداها: الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره، فإنا لا نحكم باجتنابه وإن لاقته النجاسة؛ لأنا لم نحكم بنجاسته، وهذه الصورة ترد على من صور كلام الشيخ بأن تلاقي النجاسة العين الطاهرة وأحدهما رطب.
والثانية: الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة لا يدركها الطرف؛ على طريقة من يقول: لا تنجسه.
والثالثة: إذا وجدت الملاقاة بين جافين فإنا لا نحكم بالنجاسة.
نعم، دخان النجاسة إذا قلنا بنجاسته- كما هو الصحيح عند أبي الطيب وغيره في كتاب الأطعمة- إذا أصاب الثوب ونحوه وهو جاف في العفو عنه وجهان حكاهما القاضي الحسين في كتاب الصلاة من غير تفرقة بين القليل والكثير، وغيره فرق فقال: القليل يعفى عنه دون الكثير، وقال الماوردي: الكثير منه إذا أصاب الثوب في العفو عنه وجهان حكاهما في باب الأطعمة.
فأفهم كلامه ذلك فيما إذا كان الملاقي له رطباً؛ فإنه قال: إذا قلنا: يعفى عن دخان النجاسة، فلو سجر التنور بالنجاسة، جاز الخبز عليه قبل المسح، وإلا فيجب مسح التنور قبل الخبز، والله أعلم.
ثم اعلم أن المتنجس بغيره تارة ينجس ظاهره فقط، وتارة ظاهره وباطنه؛ كما إذا طبخ اللحم بماء نجس، أو أسقى الحديد ونحوه بماء نجس، ونحو ذلك، وفي كل من الصورتين يمكن تطهيره وهو في الأولى بإفاضة الماء على الظاهر، وفي كيفية في الثانية وجهان:
أحدهما: يفعل بالماء الطاهر كما فعل بالنجس وهو ما حكاه المتولي، وكذا القاضي الحسين في كتاب الصلاة، وقال ثم: إن الدابة إذا راثت الشعير، فإن كان يصلح للزراعة ونبت فإنه يطهر إذا غسل بالماء، وإن كان بحيث لا ينبت لو زرع فإنه لا يطهر بالغسل.
وعليه جرى في "التتمة" و"الكافي".
والثاني: يكفيه إفاضة الماء على ظاهره، وفي اللحم يعصره، وظاهر نص الشافعي على هذا؛ فإن البندنيجي حكى في صلاة الخوف أن الشافعي قال: إذا حمى السلاح بالنار ثم صب عليه شيء نجس، فقيل: قد شربته الحديدة- فإن غسل ذلك طهر؛ لأن
الطهارة كلها إنما جعلت على ما يظهر ليس على الأجواف.
وكذا حكاه ابن الصباغ وقال في توجيهه: إن الباطن يتعذر إيصال الماء إليه وغسله؛ فيعفى عنه، ولم يحك غيره، وأنه يجوز أن يحمله في الصلاة.
والبندنيجي قال: إن هذا خلاف أصوله، لأنه يقول في الآجر إذا نجس ظاهره وباطنه: طهر ظاهره وجازت الصلاة عليه ولا تجوز فيه.
وهذا يعضد الوجه الأول.
والكلام في الآجر استوفيناه في باب طهارة البدن والثوب.
ويقرب من هذا النوع ما حكاه القاضي الحسين في آخر باب ما يفسد الماء [لأن الخف] إذا خرز بالهلب لا تجوز الصلاة فيه قبل غسله؛ لنجاسته، وهل تجوز بعد غسله؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم.
والثاني: لا؛ لأنه لا يتصور غسل باطن الثقب؛ لأنها مشدودة بالخيط، ولا يمكن إدخال الماء فيها وهي نجسة، لأن الهلب أصابها وقت الخرز.
وكأن الهلب- والله أعلم-: ما يعمل في رأس الخيط [من شعر الخنزير]؛ ليوصل الخيط إلى الثقبة، وبه صرح الجوهري في "الصحاح"، والله أعلم.
قال: ولا يطهر شيء من النجاسة بالاستحالة إلا شيئان.
هذا الحصر يرد عليه- كما قال بعضهم-: العلقلة؛ إذا قلنا: إنها نجسة؛ فإنها تطهر باستحالتها آدمياً، وكذا البيضة المذرة تطهر إذا استحالت فرخاً، ودم الظبية إذا استحال مسكاً طهر.
وجوابه: أن ما حكمنا بنجاسته من ذلك لا تتصور استحالته؛ إذ العلقة قبل انفصالها من المرأة، وكذا دم الظبية قبل انعقاده مسكاً وانفصاله عنها لا يحكم بنجاسته، وإنما يحكم بنجاسة ذلك بعد الانفصال، وحينئذ لا يتصور طرآن استحالته؛ لما ذكرناه، ومن ذلك يؤخذ أن الحكم بنجاسة البيضة المذرة إذا كسرت،
أما قبل كسرها فما في جوفها كالعلقة المتصلة بالمرأة، لكن قد حكى الرافعي وغيره في صحة بيعها وجهين جاريين في بيع حبات استحال باطنها خمراً، والمذهب: المنع؛ لأجل النجاسة، وحكى وجهين فيما إذا حمل البيضة المذرة في الصلاة والحبات المذكورة، وأظهرهما: المنع، فلو سلم ما ذكرناه عن هذه الصورة، لكان ما ذكره الشيخ من الحصر لا يرد عليه شيء.
نعم، نقل وجه أن الأعيان النجسة إذا ألقيت في المملحة والطراية، فاستحالت، أو صارت الميتة تراباً: أنها تطهر كما ستعرفه في باب طهارة البدن [والثوب]، وهو خلاف المذهب.
وقيل: إن طهارة الجلد بالدباغ من باب الإزالة.
وتوسط الإمام، فقال: فيه إزالة الفضلات التي على الجلد وإحالة لنفس الجلد.
والجمهور على ما ذكره الشيخ.
قال: الخمر؛ فإنها إذا انقلبت بنفسها خلا طهرت؛ لما روي أنه عليه السلام قال: "خَيْرُ خَلِّكُمْ خَلُّ خَمْرِكُمْ"، ولزوال علة التنجيس إلى غير خلف.
ويقال: إنه لا يكون العصير خلاً إلا بعد انقلابه خمراً.
قال: وإن خللت لم تطهر؛ لأنه توصل إلى استعجال الخل بفعل محظور، لا يحل؛ كما لو قتل مورثه، أو نفر صيداً من الحرم إلى الحل [وأخذه].
وإنما قلنا: إن التخليل محرم؛ لأن أبا طلحة أسلم وعنده خمور لأيتام، فقال:
يا رسول الله، أخللها؟ قال: "لاَ، أَهْرِقُهَا".
وظاهر كلام الشيخ [يقتضي:] أنه لا فرق في ذلك بين المحترمة وغيرها، وبين التخليل بإلقاء شيء فيها أو نقلها من الظل إلى الشمس، وعكسه، ونحو ذلك.
والعراقيون أطلقوا القول في التخليل إن كان بإلقاء شيء فيها لا يطهر، وإن كان بالنوع الثاني ففي الطهارة وجهان من غير تفرقة بين المحترمة وغيرها.
واختار في "المرشد" عدم الطهارة.
والمراوزة قالوا: التخليل حرام، وفي المحترمة وجه أنه لا يحرم؛ لأنها غير مستحقة الإراقة.
قلت: وهذا التعليل نخصه بالنقل من الشمس إلى الظل ونحوه دون التخليل بإلقاء شيء فيها من خل أو عصير أو خبز حار ونحو ذلك، وكلام الرافعي في حكايته يقتضي جوازه بذلك أيضاً، وإن صح فلعله قول من يرى أن الخمرة المحترمة طاهرة كما سلف، والمذهب الأول.
ولو خللت غير المحترمة بإلقاء شيء فيها لم تطهر لعلتين:
إحداهما: سلفت.
والثانية: أن ما ألقى فيها نجس بملاقاتها، فإذا زالت الشدة المطربة بقيت نجاسة الملقى؛ فينجس بها الخل؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن أبي يعقوب، وقال هو والإمام: إنه فاسد؛ فإنه لا معنى لتنجس الملح إذا كان هو الملقى مثلاً إلا اتصال الخمر، وجوهر الملح على الطهارة، فإذا انقلبت الخمر خلا فمن ضرورة ذلك أن تنقلب تلك الأجزاء التي لاقت الملح، فتطهر؛ كالدن.
وهذا قد تعرض الغزالي وغيره لجوابه، حيث قالوا: الملح إذا تنجس بالخمر لا
تحصل طهارته إلا بالماء تعبداً، وخالف الدن، فإن ذلك من ضرورته.
قالوا: وعلى العلتين يخرج ما لو نقلها من الشمس إلى الظل وعكسه، أو السدادة ونحو ذلك؛ فعلى العلة الأولى لا تطهر، وعلى الثانية تطهر، وهو الأصح "الكافي" و"الرافعي"؛ تبعاً لـ"الوجيز"، وعليهما يخرج أيضاً ما لو وقع فيها [شيء] من غير قصد، فعلى الأولى تطهر، وعلى الثانية لا، وهو الأظهر في "الرافعي".
وعليهما يتخرج- أيضاً- ما لو ألقى في العصير ماء أو بصلاً بعد العصر فتخمر، ثم تخلل، فعلى الأولى يطهر، وعلى الثانية لا، وهو الأصح في "الكافي".
وقال البغوي: إنه لو ألقى الماء حال العصر طهر بلا خلاف؛ لأنه من ضرورته، بخلاف إلقاء البصل ونحوه.
ولو لم يوجد منه سوى قصد الإمساك للتخليل، قال في "الوسيط": فالظاهر طهارتها.
وفيه وجه.
أي: إنها لا تطهر، وبه صرح ابن كج، والقاضي الحسين، وقالا: أنها لا تحل؛ لأن إمساكها حرام؛ فلا يستفاد به نعمة.
والخلاف في هذه الحالة مفرع على قولنا: إنه لو نقلها من الشمس إلى الظل لا تطهر.
قال القاضي الحسين: ولو أمسكها بنية أن تشتد خمرتها، فانقلبت خلاً، فإن قلنا: لو أمسكها لتصير خلاً لا تطهر، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق: أنه ثم قصد ما هو مباح، وهنا قصد محذوراً.
وأما المحترمة فإن خللت بإلقاء شيء فيها، لم تطهر، [ويجيء على قياس القول بطهارتها وأن النظر إلى العلة الثانية الحكم بطهارتها] وإن نقلها من الشمس إلى الظل ونحوه فالوجهان جاريان عندهم بالترتيب وأولى بالطهارة، والقاضي الحسين سوى بينهما، وصحح القول بعدم الطهارة؛ وإن وجد مجرد الإمساك [فهي طاهرة] عندهم؛ بناء على أنه لا يجب إراقتها، وهو المشهور عندهم، وبه الفتوى.
وحكى الإمام عن بعض أئمة الخلاف [وهو في "تعليق" القاضي الحسين] أنه
لا يجوز إمساكها، بل يضرب عن العصير إلى أن تصير خلاً، [فإذا تصور] منا اطلاعه وهو خمر أرقناه، وهذا ما حكاه العراقيون كما حكاه في "الاستقصاء" وغيره.
ولا جرم أنهم لم يفصلوا بين المحترمة، وهي التي اعتصرت بقصد الخل فصارت خمراً، وغيرها وهي التي اعتصرت للخمرية.
ولو ألقى العصير في الدن لا بنية الخمرية ولا بنية الخل، ثم أحدث نية الخل قبل أن تصير خمراً، فهي محترمة، ولو أحدثها بعد أن صارت خمراً، فهل يحل إمساكها على طريقة المراوزة؟ قال القاضي الحسين: يحتمل وجهين، أظهرهما: نعم.
وحيث حكمنا بطهارة [الخمر، حكمنا بطهارة] ظرفها حتى الموضع الذي أصابه الخمر في حال الغليان وإن كان لا يصل إليه في حال كونه خلاً.
وعن "البيان": أن الداركي قال: إن كان الظرف بحيث لا يتشرب شيئاً من الخمر طهر، وإن كان يتشرب منه لم يطهر.
والمذهب الأول.
قال: وجلد الميتة سوى جلد الكلب والخنزير- إذا دبغ فإنه يطهر؛ هذا الفصل يقتضي أمرين:
أحدهما: أن ما حكم بنجاسته من الجلود غير جلد الكلب والخنزير يطهر ابالدباغ.
ودليله: ما روي أنه تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ " فقالوا: إنها ميتة! فقال: "إنما حرم أكلها، إذا دبغ الإهاب فقد طهر" أخرجه مسلم.
وروى الشافعي بسنده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر".
قال الترمذي: هو حسن صحيح، [وقد أخرجه مسلم].
والإهاب: اسم للجلد قبل الدباغ.
فإن قيل: روى أبو داود بسنده عن عبد الله بن عكيم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى جهينة: "إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".
وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: إن إسناده جيد.
وفي لفظ آخر: "أتانا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل وفاته بشهر أو بشهرين" وهذا يدل على أن الانتفاع به منسوخ.
قيل في جوابه: كل حديث نسب إلى كتاب ولم يذكر حامله فهو مرسل، ولا حجة عندنا في المرسل.
وأيضاً: فقد قال علي بن المديني: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات ولعبد الله بن عكيم سنة، وكان يرويه مرة عن مشيخة قومه بأرض جهينة، ولو صح حملناه على الانتفاع [به] قبل الدباغ؛ فإن لفظ "الإهاب" منطبق عليه، [وبعد الدباغ يطلق عليه] أديما، وسختياناً.
والدباغ المحصل للطهارة يكون بالشث [والقرظ] معاً والأشياء الحريفة المنشفة للفضلات المعفنة، المانعة من الفساد إذا أصابه الماء والمطيبة لريحه: كقشر الرمان، والعفص، ونحوهما، دون ما لا يفعل فيه ذلك كالتتريب والتشميس والتمليح، نص عليه حيث قال كما حكاه أبو علي في "الإفصاح": "لا يجوز بالتراب والرماد".
وقال أبو الطيب: لم أر للشافعي في ذلك نصاً، وينبغي أن نرجع إلى أهل الصنعة، فإن كان للتراب [والرماد مثل] فعل القرظ ونحوه جاز الدباغ بهما.
وفي "الرافعي": أن بعض أصحابنا أطلق القول بالاكتفاء بالإلقاء في الشمس والتراب كما صار إليه أبو حنيفة، وبعضهم قال: [إنه] لا يجوز بما عدا الشث والقرظ؛ لقوله- عليه السلام-: "أليس في الشث والقرظ والماء ما يطهره"؛ ولأن التطهير من ولوغ الكلب يختص على الأظهر بما نص عليه الشرع وهو التراب؛ فكذا هذا، والصحيح الأول.
والشب، قال الأزهري: بنقطة من أسفل: [شيء] يشبه الزاج، ومن رواه بالثاء ثالثة الحروف، فقد صحف.
والذي صدر به أبو الطيب كلامه- وهو ما نقوله-: أنه بالثاء ثالثة الحروف، وهو شجر مر الطعم.
قال في "الإفصاح": إنه شيء يدبغ به.
وقال الأزهري: لا أعلم هل يدبغ به أم لا؟
ثم ما ذكرنا جواز الدباغ به هل يشترط أن يكون طاهراً أم لا؟
فيه وجهان:
أصحهما في "الرافعي" وغيره: لا، وبه جزم في "التهذيب".
ووجهه أنا لو قلنا: إنه لا يطهر بذلك، لزم أن يقال: إذا استعمل فيه دواء طاهراً
أن يحكم بطهارته، ومعلوم أن الثاني لم يؤثر فيه، فكيف يوجب الطهارة؟ والذي صححه في "التتمة" مقابله.
والخلاف جارٍ في الدباغ بالرمل، وإن جزم بعضهم بالمنع فيه.
ثم إذا قلنا باشتراط لطهارة في الآلة، فهل يشترط معها استعمال الماء؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو ما حكاه الإمام عن المحققين: لا.
والثاني- وعليه يدل الخبر: نعم.
فعلى هذا لو لم يستعمله، فالجلد نجس العين، فإن طلب تحصيل طهارته، استعمله، وهل يشترط أني ضيف إليه شيئاً من آله الدباغ؟
قال الشيخ أبو محمد: نعم.
وقال الإمام: لا يبعد عدم اشتراطه، وقد حكاه الرافعي وجهاً.
وعلى الوجهين: هل يشترط استعمال الماء بعد الفراغ من الدباغ؟ فيه وجهان: أصحهما في "التهذيب": لا.
وأظهرهما- كما قال الرافعي-: نعم، وهو ظاهر المذهب في "التتمة"، والأقيس في "الشامل"، والأصح في "النهاية"، وهو المذكور في "تعليق البندنيجي" عن أبي إسحاق.
[فإن قلنا بالأول، حكمنا بطهارة ما انفصل عن الجلد من فضول آلة الدباغ].
وإن قلنا بالثاني، حكمنا بنجاستها، واشترطنا أن يكون الماء طهوراً، بخلاف الماء المستعمل في أثنائه إذا اشترطناه؛ فإنه لا يشترط طهوريته [حتى يجوز] بالمتغير بآلة الدباغ.
وإذا قلنا: يجوز الدباغ بالنجس، فالخلاف في استعمال الماء في أثناء الدباغ كما تقدم، ويجب إفاضة الماء الطهور عليه بعد الدباغ بلا خلاف، والله أعلم.
الأمر الثاني: أن جلد الكلب والخنزير وفروعهما لا يطهر بالدباغ.
ووجهه: أن الطهارة بالدباغ جاءت من جهة أنه يمنع تعرضه للفساد كالحياة،
والحياة لا تفيد طهارة ما ذكرناه؛ فالذكاة أولى.
ووجه الأولوية: أن الدباغ يفيد طهارة الجلد فقط والحياة تفيد طهارة جملة الحيوان.
وقد ألحق بعض الأصحاب بذلك كما حكاه ابن الصباغ وغيره جلد الآدمي إذا حكمنا بنجاسته، لكن من جهة أن دباغه معصية؛ فإن فيه امتهاناً [له].
وقد قيل: إنه لا يتأتى دبغه، فإن تأتي، فظاهر كلام الشيخ وغيره طهارته بالدباغ؛ فإنه لا امتهان فيه، وإنما الامتهان في استعماله، وهو لا يجوز بحال.
قال: ويحل بيعه، أي: ويصح في أحد القولين؛ لأنه جلد طاهر منتفع به؛ فجاز بيعه؛ كجلد المذكى، وهذا هو الجديد.
ومقابله محكى عن القديم: أنه لا يجوز؛ لأن النص ورد بالانتفاع فيختص به، ولو صح بيعه لكان الانتفاع بثمنه، لا به، ومثل ذلك أم الولد والعين الموقوفة يجوز الانتفاع بهما، ولا يجوز بيعهما، وهذا ما ذكره العراقيون من التوجيه، وجزموا مع ذلك بطهارة باطن الجلد كظاهره، وقال القفال: لا ينقدح هذ القول إلا أن نقولك يطهر بالدباغ ظاهر الجلد دون باطنه، وهذا قد حكاه القاضي الحسين عن القديم، وفرع عليه- أيضاً- عدم جواز الصلاة فيه والانتفاع به في الأشياء الرطبة.
قال الماوردي: وإذا قلنا: لا يجوز بيعه، إذا أتلفه متلف، لا يجب عليه غرمه، حكاه في كتاب السرقة، والصحيح الأول؛ فإنه روي عن ميمونة أنها قالت: "ماتت شاة لنا، فدبغنا جلدها، وكنا ننبذ فيه حتى صار شنّاً" والشن: القربة البالية.
وقد قال الإمام عقيب حكاية القول الثاني ونسبته إلى القديم: ومعتقدي: أن الأقوال القديمة ليست من مذهب الشافعي حيث كانت؛ لأنه جزم القول على مخالفتها في الجديد، والمرجوع عنه لا [يكون] مذهباً للراجع.
وهذا رأي لبعضهم سبق به كما حكيته في أول باب ما يفسد الصلاة.
ثم محل القول بالصحة إذا لم يكن على الجلد شعر أو كان ولم يدخله في البيع، بل أخرجه.
أما إذا كان قد أدخله فيه، فينبني على أن الشعر، هل يطهر بالدباغ تبعاً للجلد على قولنا: إنه نجس، أم لا؟ وفيه قولان:
أولهما: رواه الربيع الجيزي واختاره في "المرشد" تبعاً للروياني وأبي إسحاق الإسفراييني.
والمشهور عند الجمهور: الثاني، وعليه نص في "الأم"، وهو ما يفهمه كلام الشيخ حيث لم يستثنه.
فإن قلنا: إنه طاهر، صح البيع، وإلا بطل في الشعر، وفي الجلد قولاً تفريق الصفقة.
ولو أطلق بيع الجلد، ولم يتعرض لذكر الشعر نفياً ولا إثباتاً، فهل يدخل في المبيع؟ وجهان في "الحاوي"، ولا يخفى تفريعهما، والقولان في حل البيع جاريان-كما قال البندنيجي وغيره- في حل الأكل إذا كان الحيوان المدبوغ جلده مما يؤكل، وقد حكاهما الشيخ في باب الأطعمة، ويجريان في إجارته.
وطردهما القفال في حل أكله من غير المأكول، وهو بعيد مع الخبر.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أنا إذا قلنا: لا يجوز بيعه، فلا يحل أكله، وفي إجارته وجهان.
وإن قلنا: يحل بيعه تجوز إجارته، وفي حل أكله وجهان.
والذي رجحه ابن الصباغ: المنع؛ للخبر.
قال: وإذا ولغ الكلب أو الخنزير أو ما تولد منهما أو من أحدهما في إناء- أي: وتنجس بنجاسة ما فيه؛ إذ الولوغ يختص بما إذا كان في الإناء شيء، أما إذا لم يكن فيه
شيء، فيقال: [لحس الإناء، والشرب أعم من الولوغ؛ فإن كل شرب ولوغ، ولا يلزم] العكس- لم يطهر حتى يغسل سبع مرات- أي: الإناء- إحداهن بالتراب.
ووجهه في الكلب قوله- عليه السلام: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب"، وفي رواية: "إحداهن بالتراب"، أخرجه مسلم عن رواية أبي هريرة وقال أبو داود: "السابعة بالتراب".
وأما في الخنزير؛ فلأنه أسوأ حالاً منه؛ بدليل ما ذكرناه، وفروعهما في معناهما.
وفي "تعليق أبي الطيب": أن ابن القاص حكى أن الشافعي قال في القديم: يغسل دفعة واحدة، وفارق الكلب؛ لأنه مخالط مألوف لهم؛ فغلظ فيه زجراً [كما غلظ الحد في الخمر زجراً] دون غيره من المحرمات التي لا تؤلف، ولا كذلك الخنزير، ولأن في ولوغ الكلاب الكلب؟ فاعتبر فيه العدد؛ حذاراً منه، ولا كذلك الخنزير.
والصحيح الأول، بل قال أبو علي الزجاجي: طلبت ما نسب إلى القديم فلم أجده؛ ولهذا قطع بعضهم بنفي القول القديم.
ومنهم من يقول: الذي ذكره في القديم: أنه يغسل، ولم يقل مرة واحدة؛ فنحمله على الغسل سبعاً.
فإن قيل: قد روى مسلم عن عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب"، وهذا يقتضي أن تكون الغسلات ثمانياً.
قلنا: أخبارنا تدل على السبع، ويحمل هذا الخبر على ما إذا غسل السبع بالماء وحده؛ فإنه يجب عليه أن يغسله ثامنة بالتراب.
وقال ابن الصباغ: المراد إقامة التراب في واحدة من السبع مقام ثامنة؛ لأنه أحد الطهورين.
وهذا أقرب؛ لأن الخصم وهو الإمام أحمد يقول: يغسله سبعاً بالماء، والثامنة يعفره بالتراب وحده.
ثم المستحب- كما نص عليه في "حرملة": أن يجعل التراب في الغسلة الأولى؛ للخبر، واعتضاده بالنظافة؛ فإنه إذا جعله فيها، ورد بعدها ما يزيله، بخلاف ما إذا جُعِلَ في الأخيرة.
وبعض الأصحاب يقول: يستحب أن يكون في الثانية.
وبعضهم يقول: يستحب أن يكون فيما قبل الأخيرة.
ولا يكفي وضعه بدون مائع كما أفهمه كلام الشيخ، وما استدللنا به من الخبر، وهو يقتضي- أيضاً- أن يستعمل مع الماء، ولا يضر وضعه على المحل، وصب الماء فوقه، ولا وضعه في الماء وغسل المحل به كما قاله المتولي وغيره.
ولو استعمله مع مائع غير الماء، فوجهان في "التتمة"، أحدهما: لا يجزئ؛ لما ذكرناه.
وغيره قال: إن جعل ذلك في ثامنة أجزأه، وإن جعله [في] سابعة، فهو محل الوجهين، وأصحهما: المنع؛ لأجل الخبر.
ومقابله موجَّه بأن مقصود هذه الغسلة التراب، وقد وصل إلى المحل.
ثم في قدر ما يكفي منه أوجه:
أحدها: ما يتكدر به الماء، وهذا ما أبداه الإمام ومن تبعه.
والثاني: ما ينطلق عليه الاسم.
والثالث: ما يعم محل الولوغ.
وحكاها الماوردي.
وقد أفهم كلام الشيخ أموراً:
أحدها: أنه لا يجب إراقة ما ولغ فيه الكلب وإن تنجس، وإن كان ظاهر الخبر السالف [ونحوه] في الباب يدل عليه، وللأصحاب في ذلك وجهان أُخِذَا من قول الشافعي- رضي الله عنه-: "وعليه أن يهريقه"، فبعضهم حمله [على] الوجوب؛ لما ذكرناه، وبعضهم حمله على الاستحباب، وهم الجمهور، وقالوا: الأمر به في الخبر لمن أراد التطهير؛ إذ لا يمكن إلا به.
الثاني: أن الكلب ونحوه إذا لحس الإناء، كان ما ذكره من الحكم أولى، ووجهه ظاهر.
الثالث: أن الكلب ونحوه لو أدخل رأسه الإناء، ولم يعلم: هل ولغ فيه [أم لا]؟ لا يثبت الحكم المذكور، لفقد تحقق الشرط، وهو كذلك بلا خلاف إن خرج فمه جافّاً، وإن خرج رطباً فوجهان في "الحاوي"، أصحهما: أن الحكم كذلك؛ عملاً بالأصل، ورطوبة فمه يجوز أن تكون من لعابه.
الرابع: أن ما أصاب الإناء من بدنه غير فمه بإثبات ما ذكره من الحكم أولى؛ لأن فمه أطيب ما فيه، وعرقه ووبره في معناه، وروثه وبوله من طريق الأولى، وهذا هو المذهب، والمذكور في أكثر الكتب.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أن غير اللعاب كسائر النجاسات، واختصاص ما ذكرناه بمحل النص؛ إذ هو خارج عن القياس.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أنه تفريع على القديم.
وإذا قلنا بمقابله، فلو كانت العين التي أصابت الإناء لا تزول إلا بثلاث غسلات، قال في "التتمة": فالأولى محسوبة من السبع، وهل تحسب الثانية والثالثة منها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ فيغسل بعد ذلك ستّاً، واحدة منهن بالتراب، لأن غسلات ولوغ الكلب حكمية، والثانية والثالثة إزالة للعين.
ولو وقعت قطرة من المائع الذي ولغ الكلب فيه على شيء، وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب.
[الخامس:] أنه لو ولغ الكلب الواحد مراراً في إناء، أو ولغ فيه كلاب: أنه يكفي في ذلك السبع؛ إذ الألف واللام في "الكلب" للجنس لا للعهد، وللأصحاب في ذلك أوجه: أصحها: أن الحكم كذلك، وعليه نص في "الأم" و"حرملة"، ولم يورد في "التتمة" سواه.
والثاني: أنه يجب غسله لكل مرة سبعاً إحداهن بالتراب؛ لأن الشافعي قال: إذا بال رجل صُبَّ على بوله ذَنُوبُ ماءٍ، وإذا بال رجلان صُبَّ عليه ذنوبان.
قال أبو الطيب: وهذا غير صحيح؛ لأن النجاسة ثّمَّ زادت مساحة محلها ببول الثاني، فزاد صب الماء، ولا كذلك ها هنا.
ولأن تلك نجاسة عينية، وهذه نجاسة حكمية.
والثالث- حكاه الماوردي-: أن الكلب الواحد وإن تعدد ولوغه لا يجب غير السبع، وإن تعدد الكلاب وجب لكل كلب [غسل] سبع مرات.
ولا خلاف في أنه إذا وقعت في الإناء بعد الولوغ نجاسة، كفاه [غسله سبع مرات، بل لو وقعت قبل] غسل السابعة كفته.
قال: فإن غسل بدل التراب بالجص أو الأشنان- أي: وما في معناهما: كالصابون ونحوه- ففيه قولان، أي: منصوصان في "الأم":
أصحهما: أنه يطهر؛ لأنه جامد أمر باستعماله في النجاسة، فقام ما هو في معناه في تحصيل المقصود مقامه كما في الاستنجاء.
ومقابله: أنه لا يطهر؛ لأنه جامد عين للتطهير؛ فلا يقوم غيره مقامه؛ كما في التيمم.
واختلف الأصحاب في محلهما على ثلاثة طرق، حكاها القاضي الحسين:
أحدها: أن محلهما إذا لم يقدر على التراب؛ فإن الشافعي- رضي الله عنه- حيث [نص] عليهما فرض المسألة إذا كان في بحر، فإن كان يقدر عليه فلا يطهر قولاً واحداً.
ومنهم من قال: بل محلهما إذا قدر على التراب، أما إذا لم يقدر عليه، فيجوز قولاً واحداً.
ومنهم من قال: القولان في الحالين؛ وهذه الطريقة صححها الروياني، وهي طريقة أبي إسحاق، ولم يحك العراقيون والماوردي معها غير الأولى.
ويجيء من مجموع الطرق في المسألة ثلاثة أقوال، ثالثها: يقوم ذلك مقام التراب عند العجز عنه، ولا يقوم مقامه عند القدرة عليه، وبها قال أبو الطيب [بن سلمة]؛ كما حكاه الماوردي، وهي التي حكاها الإمام.
وفي "التتمة" و"الوسيط": [أن] من الأصحاب من جوز ذلك في الثوب دون الإناء؛ لأن التراب يفسد الثوب، وقد نسبه الروياني إلى القفال، وهو بعيد.
وقد جعل في "الوسيط" مأخذ الخلاف في المسألة: أن التعفير تعبد محض، أو معلل بالاستطهار بغير الماء؛ ليكون فيه مزيد كلفة وتغليظ، أو معلل بالجمع بين نوعي الطهور؟
فعلى الأول: لا يقوم الصابون والأشنان مقامه عند الوجود، وعند العدم وجهان.
وعلى الثاني: يجوز في الحالين.
وعلى الثالث: لا يجوز في الحالين.
وعلى الخلاف تُخرج فروع أخر:
منها: [أن] التراب النجس، هل يقوم مقام الطاهر؟ فعلى الأول والثالث: [لا.
وعلى] الثاني: نعم.
وعلى الخلاف يخرج ما لو ولغ الكلب في حفرة محتفرة في تراب، هل يجب التعفير؟
إن قلنا: يكفي التراب النجس؛ فلا يجب، وهو الأظهر في الرافعي، وإلا وجب.
ومنها: التراب إذا مزج بالخل: فعلى الأول لا يكفي، وعلى الثاني والثالث يكفي.
وقد صور ابن الصلاح هذه الصورة بما إذا غسله سبعاً بالماء وحده، ثم أوصل التراب مرة ثامنة إلى المحل بالخل، وإليه يرشد كلام الإمام، [قال]: أما إذا مزج التراب بالخل، ثم استعمل مع الماء، فذاك جائز قطعاً، ولا يتجه فيه خلاف إلا وجه ضعيف في أن ذلك يخرج التراب عن كونه طهوراً، وليس ذلك مراد المصنف؛ فإنه إنما منع منه على وجه التعبد.
قال: وإن غسل بالماء وحده، أي: ثمان مرات، فأقام الثامنة مقام التراب، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يطهر؛ لأن الماء آكد من التراب في التطهير، ولأنا قد قررنا: أن التراب أقيم مقام غسلة ثامنة؛ فهي أولى مما أقيم مقامها.
والثاني: لا يطهر؛ لأن الشرع ورد بالتراب؛ فلا يقوم الماء مقامه، وإن كان وكد منه وبدلاً عنه؛ كما نقول فيمن وجد ماء يكفيه لوجهه ويديه فقط، وقلنا: لا يجب عليه
استعماله، ويتيمم، فاستعمله في وجهه ويديه بدلاً عن التراب؛ وهذا ما صححه أبو الطيب وغيره، وقال الروياني: إنه ظاهر المذهب، والأوجه الثلاثة في معنى التعفير تنطبق عليه.
وكلام الغزالي وابن الصلاح يقتضي أن مأخذ الأول النظر إلى الجمع بين نوعي الطهور.
وهذا الخلاف- كما قال الماوردي- مفرع على قولنا: إن الجص والأشنان يقوم مقام التراب، أما إذا قلنا: لا يقوم مقامه، فلا يكفي الماء وجهاً واحداً، وكلام الغزالي ينازع فيه إذا تأملته.
وقيل: إن الخلاف مفروض عند عدم التراب، أما مع وجوده فلا يجوز وجهاً واحداً حكاه الروياني والإمام احتمالاً؛ وهذا وجه ثالث حكاه الماوردي عن أبي إسحاق المروزي.
والقائلون بإجراء الخلاف مع وجوده يظهر أن يكون هم القائلون بأن مأخذ الخلاف: أنه لو غمس الإناء في ماء كثير هل يكفي عن السبع والتعفير أم لا؟ [و] فيه خلاف سنذكره، فإن قلنا: إنه يكفي، كفت الثامنة، وإلا فلا.
وقد أفهم قول الشيخ: أنه لا يكفي في تطهير الإناء جعله في ماء كثير، ولا مكاثرة ما فيه من الماء إذا كان دون القلتين حتى يبلغ قلتين وإن طهر الماء.
وقد حكى الإمام وغيره: أنه إذا بلغ الماء قلتين، طهر على المشهور، وفي طهارة الإناء أوجه:
أحدها: ما اقتضاه كلام الشيخ [أنه لا] يطهر، وهو ما حكاه الروياني عن ابن الحداد، وظاهر الخبر يعضده.
والثاني: أنه يطهر؛ فإن الولوغ لو صادف الماء قلتين فأكثر لم ينجس الإناء، فكذا إذا بلغ قلتين، وجب أن يطهر؛ تبعاً له.
والثالث: إن كانت نجاسة الإناء تبعاً لنجاسة الماء؛ بأن كان الولوغ في الماء، ولم يلق شيءٌ منه جرمَ الإناء، طهر تبعاً، وإن لاقى جزءاً منه فلا يطهر.
والرابع: إن مكث الماء بعد بلوغه حد الكثرة في الإناء مقدار غسل سبع مرات،
حكم بطهارته، وإلا فلا.
قال الإمام: وأصحها الثاني، ويليه الأول، والثالث والرابع ضعيفان جداً.
وقد حكى الروياني وجهاً في المسألة: أنه يكفيه التراب بعد ذلك فقط، وصحح ما صححه الإمام.
والخلاف يجري- كما قال الإمام- فيما لو وضع الإناء [في ماء] كثير، والذي ذكره العراقيون منه الأول والثاني.
وقد قيل: إن الماء لا يطهر- أيضاً- إذا انتهى إلى قلتين؛ بناءً على أن الإناء لا يطهر وأن نجاسته كنجاسة عينية لا حكمية؛ كما هو أحد الوجهين، وأن التباعد من النجاسة العينية مقدار قلتين واجب.
والقول بطهارته مفرع على ما عدا ذلك؛ كذا قاله الإمام، واستحسنه، وقال: إنا إذا حكمنا بطهارة الماء دون الإناء وأن نجاسته حكمية، فنقص عن القلتين- لا ينجس، دون ما إذا قلنا: إن نجاسته عينية.
قال: ويجزئ في بول الغلام الذي لم يطعم النضج؛ لما روى البخاري ومسلم عن أم قيس بنت محصن: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه، ولم يغسله.
وفي رواية: فدعا بماء فرشه.
وروى الترمذي عن عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بول الغلام الرضيع: "ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية".
وقد أبعد بعض الأصحاب، فحكى قولاً: أن الجارية ملحقة بالغلام فيما ذكرناه؛ لقول الشافعي- رضي الله عنه-: "ولا يتبين لي فرق بين الصبي والصبية".
قال القاضي الحسين: وهو أقيس القولين، وكذا القفال كما حكاه الروياني في "التلخيص"، وقال: إنه اختيار جماعة [من أصحابنا].
وقال البندنيجي: إنه ليس بشيء.
وقال الإمام: لست أعرف له وجهاً مع مخالفته القياس والخبر.
وفي "التتمة": أن من الأصحاب من قال في بول الغلام قولاً: إنه لا يطهر إلا بالغسل كالجارية؛ لأجل ما ذكره الشافعي من عدم الفرق.
والمذهب المشهور الأول، ومراد الشافعي: أنه [لا] يتبين لي بينهما فرق من جهة المعنى وإن فرقت السنة بينهما، وكذا حكاه البندنيجي عنه، وبه يظهر لك ضعف ما فرق به الأصحاب بينهما من [أن] بول الصبية ثخين أصفر منتن يلصق بالمحل، وبول الصبي رقيق أبيض لا رائحة له فهو كالماء.
ويَطعم بفتح الياء والعين، والمراد: لم يطعم ما يستقل به: كالخبز، ونحوه.
وعبارة القاضيين أبي الطيب والحسين، والبندنيجي وابن الصباغ: ما لم يأكل الطعام.
وقيل: ما لم يطعم شيئاً غير اللبن، وهو المذكور في "البحر".
وفي "النهاية" ذكر العبارتين، والثانية هي التي ذكرها النووي.
قال الإمام: وليس في الحديث تعرض لمطعم الغلام، وإنما فهم الفقهاء ذلك من وجهين.
أحدهما: أنه نقل أنه- عليه السلام- أتى بالحسن ليسميه ويطعمه، وهذا على قرب العهد بالولادة.
والثاني: أنا لا نتوهم امتداد هذا الحكم على الدوام ولا نرى منه مردّاً إلا أن يطعم ويحتوي جوفه [على] ما يستحيل، واللبن لا يناط به؛ فإنه لا يستحيل استحالة مكروهة.
والنضح: الرش بالماء، والمجزئ منه هنا تعميم مواضع البول رشّاً وإن لم يتردد ولم يقطر؛ هكذا قال الصيدلاني، ولم يورد ابن الصباغ والبندنيجي غيره.
وقال الخطابي: النضح هنا: صب الماء من غير رش ولا عصر، ومنه قيل للبعير الذي يستسقي عليه: الناضح؛ لأنه يصب عليه الماء.
وعلى هذا ينطبق قول الشيخ أبي محمد إنه لا يكتفي بنضح وأدنى رش، ولكن يجب أن يكاثر بالماء حتى ينتقع، ولكن لا يجب عصر الغسالة؛ وبهذا يقع الفرق بينه وبين سائر النجاسات؛ فإن في العصر فيها خلافاً.
وهذا ما حكاه القاضي الحسين، وقال [الإمام]: لست أعده من المذهب؛ فإن هذا ليس رشّاً، بل هو مكاثرة في غمر
وترك عصر، وقد يذكر أن الأصح أن العصر لا يشترط في إزالة جميع النجاسات إذا تحقق زوالها.
وعبارة الرافعي: أنه لابد من أن يصيب الماء جميع موضع البول.
ثم لإيراده ثلاث درجات:
إحداها: النضح المجرد.
الثانية: النضح مع المكاثرة والغلبة.
الثالثة: أن ينضم إلى ذلك الجريان والسيلان.
ولا حاجة في الرش إلى الدرجة الثالثة، وهل يحتاج إلى الثانية؟ فيه وجهان، أظهرهما: نعم.
والرش والغسل يفترقان في أمر السيلان والتقاطر.
قال: ويجزئ في غسل سائر النجاسات، أي: باقيها غير ما ذكرناه؛ أخذاً من "السؤر" بالهمز وهو البقية لا من "السور" المحيط بالشيء.
قال: كالبول والخمر وغيرهما- أي: مما يزول أثره بالغسل- المكاثرة بالماء إلى أن يذهب أثره.
ووجهه في البول: ما روى أبو هريرة أن أعرابيّاً دخل المسجد فقال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد تحجرت واسعاً"، فما لبث أن بال بناحية المسجد، فكأنهم عجلوا عليه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بذَنُوب من ماء- أو سَجْل [من ماء]- فأهريق عليه، ثم قال عليه السلام: "علموا ويسِّروا ولا تعسروا" أخرجه البخاري.
والذنوب- بفتح الذال المعجمة-: الدلو إذا كانت ملأى، والسجل: بسين مهملة مفتوحة وجيم ساكنة، وهي الدلو الكبيرة إذا كان فيها ماء.
ووجه الدلالة من ذلك: أنه لو لم يكن مطهراً لما أمر به؛ إذ صب الماء تكثير للنجاسة في المسجد.
ووجهه فيما عدا البول القياس عليه.
والمراد بذهاب الأثر: أن تصير النجاسة مستهلكة لا يظهر لها لون ولا طعم ولا ريح، فإذا وجد ذلك، حصلت الطهارة مهما كان قدر الماء، ولا يتعين له قذر.
وقد حُكِيَ عن الشافعي نصان:
أحدهما: أنه يطرح على البول سبعة أضعافه من الماء و [قد] قال باشتراطه بعض الأصحاب كما حكاه الصيدلاني.
قال الإمام في باب الصلاة بالنجاسة: وهذا لست أعرف له توقيفاً، ولا له تحقيق من جهة المعنى.
وقال ابن الصباغ في الباب: عن أبي إسحاق أنه قال: لم يقل الشافعي ذلك تقديراً، وإنما قاله تجربة؛ فعلم أن البول لا يغمره إلا سبعة أضعافه.
والثاني: أن الذنوب متعين؛ لإزالة بول الشخص الواحد، وإن بال اثنان لم يطهر إلا دلوان، وبظاهره أخذ الإصطخري والأنماطي وابن خيران، [وقالوا: يتعين في بول الثلاثة ثلاثة، وهكذا في الزيادة]، قال أبو الطيب وغيره: وهذا غير صحيح؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون البول الكثير واليسير سواء، وهذا لا يجوز، ومراد الشافعي- رضي الله عنه-: أن بول الاثنين يريد من الماء أكثر مما يريده الواحد.
وقد أفهم كلام الشيخ أمرين:
أحدهما: أنه لا يشترط العصر فيما يمكن عصره كالثياب ونحوها، ولا ما يقوم مقامه فيما لا يمكن عصره وهو نضوب الماء في الأرض.
والعراقيون مطبقون على عدم اشتراط النضوب في طهارة الأرض وفي اشتراط العصر فيما يمكن عصره وجهان:
أصحهما عند أبي الطيب وغيره: لا؛ كما لا يشترط نضوب الماء في الأرض، وهو شربها له من غير جفاف؛ قاله في "الصحاح".
والثاني: أنه يشترط؛ لأن النجاسة كامنة فيه، وقد صحح هذا [عن] آخرين، والشيخ أبو علي بني الخلاف في العصر على غسالة النجاسة، فقال: إن قلنا: إنها طاهرة، فلا يجب، وإلا وجب.
وكلام العراقيين لا ينافيه، بل يوافقه.
ولو لم يتفق العصر، وقد قلنا باشتراطه، فزال الماء بهبوب الرياح ونحوه- ففي الحكم بالطهارة وجهان:
أصحهما عند الإمام والعراقيين- كما قال في "الكافي"-[نعم؛ لأن المقصود ذهاب الماء من العين وقد حصل.
والثاني: لا، [قال في "الكافي":] وهو الأصح في طريقنا؛] كما لو وقع شيءٌ من الغسالة قبل جفافها على شيء آخر؛ فإنه لا يطهر بالجفاف، ولكن الفرق ظاهر.
والمراوزة طردوا الخلاف في اشتراط العصر في نضوب الماء في الأرض وطهارته بجفافه إذا اشترطناه كما ذكرناه، في الثوب.
ولا خلاف في أن البلل الباقي بعد العصر والنضوب لا يضر.
الأمر الثاني: أن الإجزاء المذكور يحصل إذا ورد الماء على النجاسة، وإن كان دون القلتين، وهو مما لا خلاف [فيه] بين الأصحاب، سواء وجد ذلك عن قصد أو بدون قصد، مثل: أن يصب الماء من غير قصد على ثوب نجس، وكان ينحدر منه، ودفع الماء متوالٍ حتى زالت النجاسة.
نعم، لو وردت العين المتنجسة على الماء القليل، فالمشهور نجاسة الماء، وعدم طهارة العين، وهو ما قطع به الصيدلاني؛ لأنه عليه السلام فرق بين الوارد والمورود بقوله الذي أخرجه مسلم: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثاً".
وقد قيل: إنه يطهر، وهو اختيار ابن سريج، كما لو كان الماء وارداً.
وقيل: إنه قال: لو وقع في الإناء بطيران الريح، لم يطهرن بخلاف ما إذا طرحه قصداً، فظن به اشتراط القصد في إزالة النجاسة، وقد صرح [به] عنه القاضي الحسين في باب النية في الوضوء، وقال: إن أبا سهل الصعلوكي قال به أيضاً، وهو في "التتمة" كذلك.
والقاضي أبو الطيب حكى هذا الوجه- أيضاً- لكنه لم ينسبه لأحد، ولفظه: إذا