كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 203-242
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 203-242
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لا يَمَسَّ الُقْرآنَ إِلا طَاهِرُ".
قال: وحمله؛ لأنه في معناه.
قال: والجلوس في المسجد؛ لقوله- عليه السلام-: "إِني لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبِ وَلاَ حَائِضٍ" رواه أبو داود؛ ولأن حدثها أشد من الجنابة، وقد قال- سبحانه وتعالى- فيها: ﴿وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43].
قال بعضهم: لو قال الشيخ: "واللبث في المسجد" كما قال في الجنب- كان أحسن من قوله: "الجلوس"؛ إذ يوهم أن القيام جائز، وقد رأيته كذلك في بعض النسخ.
وإذا حرم اللبث حرم الاعتكاف؛ لأنه لبث مخصوص.
قال: وقيل: يحرم عليها العبور فيه؛ حذاراً من التلويث؛ فإن الدم قد يزيد؛ فيلوث المسجد، وهو ظاهر نصه؛ فإنه قال: "وأكره مر الحائض في المسجد"، وهو الأصح في "النهاية"، ولم يحك الماوردي هنا غيره.
[قال:] وقيل: لا يحرم؛ كما لا يحرم على الجنب، وهذا اختيار أبي إسحاق وابن سريج، وإليه ميل ابن الصباغ، وهو الأصح عند الرافعي، ولم يحك البندنيجي والشيخ في "المهذب" غيره، وكذا الماوردي في كتاب الصلاة.
ومحل الخلاف إذا أمنت التلويث بأن تلجمت، واستثفرت على العادة، والدم على العادة، فإن تركت ذلك، أو جاوز الدم قدر العادة- حرم وجهاً واحداً.
قال الرافعي وغيره: وهذا ليس من خاصية الحيض؛ بل المستحاضة ومن به سلس البول، ومن به جراحة نضاحة، يخشى من مروره التلويث- ليس له العبور.
وقد رأيت في "تعليق القاضي أبي الطيب" عند الكلام في الصلاة على الميت في المسجد: أن الحائض إذا لم تكن قد استحكمت [من] نفسها، واستوثقت، فإنه

يكره لها دخول المسجد، وإن كان محكماً لم يكره لها دخوله، ودل كلامه-[ثَمَّ] – على أنها كراهة تنزيه.
وقد عد الشيخ في "المهذب" من المحرمات عليها: الطهارة، واعترض عليه بأن المحرم يتعلق بالإثم بفعله، وأي إثم عليها في إمرار الماء على بدنها؟ وأجيب عنه بوجهين: أحدهما: أنه أراد بقوله: "حرم" امتناع الصحة؛ لأنه قال في تعليله: لأن الحيض يوجب الطهارة، وما أوجه الطهارة منع صحتها؛ كخروج البول، فاستنتج دليله بمنع الصحة؛ فدل على أنه مراده، وبه صرح أبو الطيب حيث قال: إنه يمنع من صحة الغسل؛ فإن الجنب إذا حاضت لم يصح غسلها عن الجنابة.
واعترض عليه ابن الصباغ بأن ما قاله يرجع إلى تعلق الغسل بالحيض؛ لأن الغسل لا يفيد شيئاً؛ لوجود الحيض أي: وهو قد ذكر من أحكام الحيض وجوب الغسل؛ فهو إذن مكرر، ومثل هذا لا يرد على الشيخ؛ لأنه لم يذكر وجوب الغسل به.
والثاني: إجراؤه على ظاهره، ويكون ذلك إذا قصدت بفعلها التعبد؛ فإنها فعلته في حال لا يصح منها مع العلم، ومن فعل ذلك فقد ارتكب محرماً؛ لتلاعبه؛ ولهذا المعنى قلنا: إنه يحرم عليها الصوم، وإلا فالإمساك بدون قصد القربة، لا يحرم عليها، ولا فرق في عدم صحة الطهارة منها بين الصغرى والكبرى.
نعم، إذا قلنا: الحائض تقرأ القرآن، فأجنبت صح غسلها للجنابة، قاله الإمام.
قال الشيخ أبو محمد: ويصح غسلها لأجل الإحرام والوقوف بعرفة؛ لأنه فيهما للنظافة لا للطهارة.
قال: وإذا انقطع الدم ارتفع تحريم الصوم، لأن تحريمه بالحيض لا بالحدث؛ بدليل صحته من الجنب، والحيض قد زال؛ فوجب زوال موجبه؛ لأن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها.
قال: وتبقى سائر المحرمات- أي: التي ذكرها- إلى أن تغتسل، ووجهه في

المباشرة قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] أي: ينقطع دمهن، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ﴾ فأتبع الشرط [الشرط] فتوقف الحل على وجودهما؛ كما لو قال لامرأته: لا تكلمي زيداً، فإذا كلمت زيداً ودخلت الدار، فأنت طالق- لا يقع الطلاق عليها إلا عند وجود الشرطين.
ومثل هذه [الآية] قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6].
وقيل: إن نظيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] فإن مفهوم الآية يقتضي ارتفاع التحريم السالف بنكاح [غيره] ومطلق التحريم لا يرتفع؛ بل الذي يرتفع: التحريم الناشئ من الطلاق الثلاث وإن بقي تحريم كونها أجنبية منه وفي نكاح غيره.
كذلك تحريم الوطء في الحيض يرتفع بانقطاع الدم وإن بقي تحريم مواقعتها قبل الغسل الدال عليه قوله- تعالى-: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، وهذا حسن بالغ.
فإن قيل: لا نسلم أنهما شرطان؛ بل شرط واحد، والتقدير: لا تقربوهن حتى يطهرن- أي: ينقطع حيضهن- ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ - أي: انقطع حيضهن- ﴿فَآتُوهُنَّ﴾.
وإن سلمنا أن المراد بالثاني: التطهر [بالماء]، فلا نسلم أنه للغسل؛ بل هو غسل الفرج أو غسل أعضاء الوضوء.
قلنا: أما الأول فعنه أجوبة: أحدها: أن ابن عباس ومجاهداً قالا: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن بالماء؛ وبهذا يحصل جواب الثاني أيضاً.
والثاني: أن التطهر في الآية منسوب إليهن، وانقطاع الدم ليس إليهن، فلو كان هو المراد لقال: فإذا طهرن.

والثالث: أنه مدح المتطهرين، والمدح إنما يكون على ما يفعله المرء، وقد ذكرنا أن انقطاع الدم ليس إليهن.
والرابع: أنه قرئ ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد، وهي تقتضي توقف إباحة القربات على فعل الطهرة بعد انقطاع دمهن.
وأما الثاني فجوابه- غير ما ذكرناه:- أن التطهر ورد في القرآن بمعنى الغسل؛ فحمل عليه، قال الله- تعالى-: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] ووجهه فيما عدا المباشرة؛ لأن المنع منه لأجل الحدث، وهو باق.
وقد أفهم كلام الشيخ أن التيمم [لا] يقوم مقام الغسل في إباحة ما ذكرناه إذا وجد شرطه، ولا شك في أنه يقوم مقامه؛ ولذلك قال بعضهم: كان الأحسن أن يقول: "ويبقى سائر المحرمات إلى أن يتطهرن"؛ ليندرج فيه التيمم.
قلت: هذا قد دل عليه قوله: "يجب التيمم عن الأحداث كلها إذا عجز عن استعمال الماء"، فلم يكن به حاجة إليه، بل لو قال ذلك لكان صريحاً في أنها إذا عدمت الماء والتراب- يحرم عليها الصلاة، والمذهب وجوبها، كما سلف.
لكن لك أن تقول: الصلاة عند فقد الماء والتراب ليست بصلاة حقيقة؛ وإنما هي صورة صلاة؛ ولذلك يحرم عليها فيها قراءة القرآن، على رأي، ويجب إعادتها.
والمشهور في هذه الحالة: أنه لا يباح للزوج وطؤها، وبه جزم المتولي والقاضي الحسين والماوردي وحكى الرافعي وجهاً آخر: أنه يجوز كصلاة الفرض.
وهذا القائل يشبه أن يكون هو القائل بأنه يحتاج عند كل وطء إلى تيمم؛ كما يحتاج عند كل صلاة فرض إليه؛ كذا حكاه الماوردي وجهاً في المسألة.

والمشهور أنه يكفيه تيمم واحد لوطئات.
نعم، الخلاف مشهور في أنها إذا تيممت وصلت فريضة: هل تستبيح الوطء؟ وكذا [فيما] إذا تيممت لفريضة وخرج وقتها: هل تستبيح الوطء بعد خروجه، والصحيح فيهما: نعم.
قال في "التتمة": ويباح وطؤها بالتيمم في الحيض كما تباح الصلاة.
فرع: الذمية إذا انقطع حيضها لا يجوز للزوج وطؤها حتى يغسلها.
قال القاضي الحسين: وينوي الزوج عنها، وإذا أسلمت لم يجب عليها الغسل، على أصح الوجهين في "تعليق القاضي الحسين" قال: وهما جاريان في المجنونة إذا انقطع حيضها، واغتسلت في حال جنونها لأجل الوطء، وأفاقت هل يجب عليها الغسل، أم لا؟ وقضية هذا التشبيه أن يكون المغسل لها الزوج، وينوي عنها.
وقد قال الإمام في باب غسل الميت: إنا لا نبيح لزوجها قربانها حتى تغتسل، والنية لا تتأتى منها؛ فيكفي في استحلالها إيصال الماء إلى بدنها.
نعم، لو أفاقت هل تعيد الغسل؟ فيه خلاف كالخلاف في الذمية إذا اغتسلت لتحل للزوج المسلم، ولم يصر أحد من أئمتنا إلى أن قيمها يغسلها وينوي عنها، كما ذكرنا أن غاسل الميت ينوي عنه، بل لم يتعرضوا لذلك بنفي [ولا إثبات].
والخلاف- كما قال الإمام- جار [فيما] إذا امتنعت، وغسلها زوجها؛ فإنه يستبيح وطأها، [وهل تستبيح الصلاة]؟ فيه الوجهان.
قال الإمام: وفي المسألة احتمال حسن وهو القطع بإيجاب الغسل عليها من

حيث إنها امتنعت عن النية، وهي من أهلها.
واعلم أن بعض الشارحين أورد على الشيخ سؤالاً، فقال: الطلاق يحرم بالحيض، فيزول [التحريم] بمجرد الانقطاع من غير غسل؟ ولم يستثنه الشيخ.
قلت: وهو غير وارد؛ لأن كلامه عائد إلى ما ذكره من المحرمات، والطلاق لم يذكره؛ فإنه محرم على الزوج لا عليها.
نعم، العبور في المسجد إذا قلنا: إنه يحرم عليها، يزول على وجه حكاه الماوردي والإمام ورجحه في "الروضة"، والشيخ لم يستثنه.
وجوابه: لعل الشيخ رأى أنه لا يزول؛ كما اقتضى كلام الإمام ترجيحه وإن قال في "الروضة": إنه ليس بشيء.
فإن قلت: قولك: إنه لم يذكر الطلاق؛ فإن تحريمه على الزوج- باطل بذكره تحريم الاستمتاع بها فيما بين السرة والركبة، وهو حرام على الزوج.
قلت: لا؛ فإن تحريم الاستمتاع بذلك شامل لهما، بخلاف الطلاق في الحيض.
واعلم أن تحريم الصلاة وإن دام إلى الغسل، لا يسقط قضاء ما فات من الصلوات بعد الانقطاع وقبل الغسل، كما في الجنب، وهذا مما لا خلاف فيه، وبه صرح الماوردي [وغيره].
قال: وأقل النفاس مجة.
النفاس- بكسر النون-: الدم الخارج من الفرج بعد ولادة ما تنقضي به العدة.
مأخوذ من النفس: وهي الدم، ولا فرق [فيه] بين أن يكون الخارج حياً أو ميتاً، ولا بين أن يكون الدم أسود أو أحمر، مبتدأة كانت المرأة في الولادة أو لا، وهذا مما لا خلاف فيه.
نعم، اختلفوا [في أمور: أحدها:] الصفرة والكدرة، هل تكون نفاساً في غير المعتادة، أم لا؛ كما

اختلفوا في مثلها في الحيض؟ صرح به الفوراني، وصاحب "العدة" والبغوي وغيرهما، وقطع الماوردي بأنها نفاس [لأن الولادة للنفاس] فلم يحتج إلى اعتبار شاهد في الدم، وليس كذلك الحيض.
الثاني: الدم الخارج عقيب العلقة والمضغة التي شهد القوابل أنه يخلق منها الولد لو بقيت، إذا قلنا: لا تنقضي بها العدة، ولا يثبت بها الاستيلاد- قال الماوردي: لا يكون نفاساً.
وأطلق المتولي القول بأنه يكون نفاساً.
الثالث: الدم الخارج مع الولد، لا قبله ولا بعده، هل يكون من النفاس أم لا؟ فيه وجهان: اختيار أبي إسحاق وابن القاص: أنه نفاس، وهو الأصح في "الشامل"، وقال في "الكافي": إنه الأصح في طريق العراق.
والمذهب في "تعليق البندنيجي"، والأصح في غيره، وفي طريقة صاحب "الكافي": لا.
الرابع: الدم الخارج قبل الولادة إذا اتصل بالدم الخارج بعدها، حكى الماوردي-[في أنه] هل يكون نفاساً أم لا- وجهين.
أما إذا لم يتصل بما بعد الولادة، فلا يكون نفاساً، وجهاً واحداً.
وسلك الإمام في حكاية الخلاف طريقاً آخر، فقال: إذا طلقت، وبدت مخايل الولادة، وانحل الدم- فالمذهب: أنه لا يكون نفاساً.
وحكى صاحب "الإفصاح" وجهاً بعيداً: أنه نفاس حتى يعتبر ابتداؤه منه، وهو غير معدود من المذهب.
ثم حيث قلنا: لا يكون ما قبل الولادة نفاساً فهل يكون حيضاً؟ إن قلنا: إن الحامل لا تحيض، فلا، ويكون دم فساد.
وإن قلنا: إنها تحيض، وكان بين انقطاعه وبين ما جعلناه نفاساً مدة أقل الطهر فهو [دم] حيض؛ وإلا فوجهان:

أصحهما: أنه حيض، كما سلف.
وقيل: إذا بدت مخايل الطلق لا يكون الدم الخارج نفاساً ولا حيضاً؛ حكاه في "العدة".
إذا عرفت ما هو النفاس فأقله- كما قال الشيخ- مجة، [أي: دفعة] وهي برفع الميم، مأخوذة من "مججت الماء": إذا رميت به من فيك، وكأن الرحم رمى بالدم رمية واحدة، ثم ينقطع.
ودليله الاستقراء.
وعبارة الغزالي وإمامه والفوراني: أن أقله لحظة.
وأبو الطيب يقول: [إن] أقله ساعة، وهو ما حكاه ابن الصباغ عن بعض نسخ المزني والبندنيجي وابن الصباغ والشيخ في "المهذب".
والأكثرون يقولون: لا حد لأقله.
وقال الماوردي: إنه لا نص للشافعي في كتبه عليه؛ وإنما روى أبو ثور عنه أنه قال: "أقله ساعة"، واختلف الأصحاب [في] أن الساعة حد لأقله أم لا؟ على وجهين: أحدهما- وبه قال أبو العباس وجماعة البغداديين-: نعم.
والثاني- وبه قال البصريون-: أنه لا حد لأقله؛ وإنما ذكر الساعة تقليلاً وتعريفاً، لا أنه جعلها حداً، وأقله مجة من دم، وهذا ما ذكره الشيخ، وقد قال ابن يونس: إنه الموجود في بعض نسخ المزني.
وأثر الخلاف [يظهر]- كما قال المزني- فيما إذا ولدت، ولم تر دماً، هل

يصح غسلها قبل مضي ساعة [من الولادة؟ إن قلنا: إن أقله ساعة]، فلا، [وهو] الأصح.
وهذه المرأة تسمى ذات الجفوف، ومثلها في نساء الأكراد كثير.
وقد اختار المزني لنفسه أن أقله [أربعة أيام؛ لأن أكثر النفاس أربعة أضعاف أكثر الحيض؛ فكان أقل النفاس] أربعة أضعاف أقل الحيض.
قال الإمام: وهذا غير لائق بفقه المزني وعلو منصبه؛ فإن المقادير لا تنبني على الخيالات السخيفة.
وأنا أقول: هذا إنما قاله المزني؛ تخريجاً على مذهب الشافعي: أن أكثره ستون يوماً؛ وإلا فمذهب المزني أنه أربعون يوماً، كما سنذكره.
قال: وأكثره ستون يوماً، كذا دل عليه الاستقراء.
قال الأوزاعي: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين.
وعن ربيعة: أنه كان يقول: أدركت الناس يقولون: أكثر ما تنفس المرأة ستون يوماً.
وفي "ابن يونس" أن المزني قال: وأكثره أربعون يوماً، ولم أره في غير منسوباً إليه؛ بل تفاريعه التي [تأتي] تدل على موافقته المذهب في أن أكثره ستون يوماً.
نعم، حكى عن صاحب "البحر" أنه روى عن بعض الأصحاب: أن أكثره أربعون يوماً؛ تمسكاً بما رواه أبو داود عن أم سلمة أنها قالت: "كانت النفساء تجلس على

عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يوماً وأربعين ليلة".

0000000000000000000000000

وقال الخطابي: إن محمد بن إسماعيل أثنى على هذا الحديث.
وحكى الدارقطني: أن أم سلمة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: [كم] تجلس المرأة إذا ولدت؟ قال: "أَرْبَعُونَ يَوْماً إِلا أَنْ تَرىَ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ".
وقد حكى أبو عيسى الترمذي في "جامعه" عن الشافعي- رضي الله عنه- ما يوافقه؛ فإنه روى فيه [عنه] أنه قال: إذا جاوز دم النفاس أربعين، لم تدع الصلاة بعد ذلك.

والصحيح الأول، والخبر محمول على بيان الغالب منه.
وابتداؤه يكون من بعد الولادة إذا اتصل بها الدم على المذهب، وهو ما حكاه البندنيجي، ورد به على أبي إسحاق.
وقيل: إنه من الم الذي خرج مع الولد؛ [بناء] على مذهب أبي إسحاق.
وقيل: إنه من الدم الذي خرج قبل الولادة، وجعلناه نفاساً، كما سلف.
أما إذا لم يخرج بعد [الولد دم]، ورأته بعد ذلك، ولم ينته النقاء إلى أقل الطهر، فهل يكون ابتداء النفاس من وقت الولادة أو من وقت رؤية الدم؟ فيه وجهان في "النهاية"، والمذكور منهما في "تعليق القاضي الحسين": [الثاني].
ولو كان الدم قد طرأ بعد مضي أقل الطهر من حين الولادة، فالأصح في "تعليق القاضي الحسين" أنه حيض.
وقيل: إنه نفاس، ويظهر على هذا أن يجيء في وقت ابتدائه الوجهان.
[قال: وغالبه أربعون يوماً؛ لما ذكرناه من الخبر، وهو الغالب في الوجود].
قال: وإذا عبر الدم الأكثر- أي: جاوز الستين- فهو كالحيض في الرد إلى التمييز، أي: إذا كانت [المرأة مميزة] بأن ترى الدم القوي والضعيف ولم يزد القوي على أكثره فترد إليه؛ كما ذكرناه في الحيض، وهذا إذا كان الدم القوي هو الأول.
فلو كان الضعيف الأول، والقوي بعده- فيظهر أن يقال: إن كانت مدة الضعيف أقل من أقل الطهر، يتخرج على الوجهين في أنه هل يشترط في التمييز أن يقع القوي أولاً أم لا؟ وإن كان الضعيف أكثر من أقل الطهر فهو كما لو لم تر الدم عقيب الولادة، ورأته بعد خمسة عشر يوماً منها، وقبل مضي ستين يوماً، وقد سلف.

ولا فرق في الرد إلى التمييز عند وجود شرطه- كما سلف في الحيض- بين أن تكون المرأة معتادة أو غير معتادة [على المذهب].
[وقيل: النظر في المعتادة إلى العادة] دون التمييز، كما مضى مثله في الحيض.
قال: والعادة، أي: إذا [كانت المرأة] لها عادة تعرفها؛ بأن ولدت ثلاث مراـ، ونفاسها فيها أربعون يوماً، ثم ولدت ودام بها الدم، وكذا لو ولدت مرتين، ونفاسها أربعون، على المشهور.
ولو ولدت مرة واحدة، ورأت النفاس أربعين [يوماً] ثم ولدت ثانياً، واستمر بها الدم- ففيها الخلاف؛ كما في الحيض.
قال: والأقل والغالب، أي: إذا كانت المرأة مبتدأة في النفاس، ففيما ترد إليه القولان في المبتدأة في الحيض.
أحدهما: أقل النفاس.
والثاني: غالبه.
وقيل: إنها ترد إلى الأقل قولاً واحداً، والمشهور الطريقة الأولى؛ كما في الحيض.
والتعليل السالف في رد المبتدأة إلى أقل الحيض يقتضي ألا يجعل للمبتدأة في النفاس إذا أطبق [بها] الدم [نفاس] أصلاً؛ بناء على أنه [لا أقل] للنفاس؛ فإنه يحتمل أن تكون ذات جفوف، وقد أشار إليه البندنيجي بقوله: إذا لم يكن لها

تمييز ولا عادة، فكم تنفس؟ على قولين: أحدهما: اليقين لحظة، أو لا شيء أصلاً.
والثاني: غالب نفاس النساء.
وهذا لم أره في غيره، وإن اقتضاه التخريج- كما ذكرنا- بل قال الأصحاب: لو كانت عادة المرأة أن تلد ولا تنفس إذا ولدت، وولدت واستحيضت- فهي كالمبتدأة في النفاس؛ فيجري فيها القولان، حكاه الإمام وغيره.
ولهؤلاء أن يقولوا: لا نسلم أن تعليل رد المبتدأة في الحيض إلى أقله يقتضي ألا يجعل لها نفاس أصلاً؛ بل مقتضاه: أن يجعل لها نفاس؛ لإجماعهم على أن المبتدأة ما رأته من الدم حيض، وإن احتمل أن يكون جميعه دم فساد، وهو يدل على أن مرادهم باليقين في القدر، لا في أصل الوجود، والله أعلم.
وما ذكره الشيخ في الأحوال الثلاثة هو المذهب في "تعليق البندنيجي" و"الكافي"، والأصح في غيرهما، ووراءه وجهان: أحدهما: أن الدم إذا جاوز الستين كانت الستين نفاساً، وما زاد استحاضة، وقد نسبه المتولي إلى المزني، وحكاه في "العدة" قولاً عن الشافعي والصورة كما ذكرنا.
والثاني: أن النفاس ستون، وما زاد عليها حيض بشرطه.
قال ابن الصباغ: وهذا بناء على قولنا: إنها إذا رأت الدم قبل الولادة يكون حيضاً إذا قلنا: [إن] الحامل تحيض، وهو ما حكاه الإمام عن الشيخ أبي حامد، وقال: إنه متروك عليه.
والفرق بين أن يتصل الدم بآخر النفاس وبأوله: أن الدم المتصل بأوله قوي يتخلل الولادة؛ فإن الولادة إذا تخللت أقوى من الطهر يتخلل، ولا كذلك إذا [ما] اتصل بآخره.
ومحل هذا الوجه – كما قال الماوردي- فيمن لم تكن مبتدأة بالحيض والنفاس، أما المبتدأة بهما: فلا خلاف في أن ما جاوز الستين استحاضة.
نعم، هل يكون نفاسها الستين، أو ما سلف؟ فيه الخلاف، وكلام الرافعي كالصريح في أن الخلاف في المعتادة كالمبتدأة؛ لأنه لما ذكر أن ظاهر المذهب ما

ذكره الشيخ، قال: وفيه وجهان آخران: أحدهما: أن الستين نفاس وما زاد استحاضة بخلاف ما في نظيره من الحيض؛ لأن الحيض محكوم به ظاهراً لا قطعاً؛ فجاز أن ينتقل عنه إلى ظاهر آخر، والنفاس مقطوع به؛ إذ الولادة معلومة، والنفاس هو الدم الخارج بعد الولادة؛ فلا ينتقل عنه إلى غيره إلا بيقين، وهو مجاوزة الأكثر.
فعلى هذا يجعل الزائد استحاضة إلى تمام طهرها المعتاد.
والمردود إليه في المبتدأة، أي: من أكثر الطهر أو غالبه أو أقله، على ما مر.
ثم ما بعده حيض.
وعلى المذهب الذي اقتصر الشيخ على إيراده في الأحوال الثلاثة، ما حكمنا بأنه نفاس وانقضى، جعلناه بمنزلة حيضة كاملة، ويحكم بأن ما بعده طهر، ونحيضها على ما يقتضيه حالها، كما سلف.
قال الإمام: ولا يبعد على طريقة أبي حامد أن نجعل ما نحيضها إياه [يعقب ما] اعتددنا به نفاساً، وهو غير معتد به.

وقد أفهم قول الشيخ: "فهو كالحيض .. " إلى آخره: أن المتحيرة، والذاكرة للعدد الناسية للوقت، والذاكرة للوقت الناسية للعدد- لا تكون في النفاس.
ولا شك في أن المتحيرة لا تتصور في النفاس؛ بناء على المذهب المشهور [في أن] من عادتها ألا ترى نفاساً أصلاً إذا ولدت، ورأت الدم، وجاوز الستين-أنها كالمبتدأة؛ لأنه حينئذ يكون ابتداء نفاسها معلوماً وبه ينتفي التحير.
وأما الذاكرة للعدد الناسية للوقت: فيتصور بأن تقول: عادتي أن أنفس عشرة أيام، وما أدري هل كنت أراها عقب الولادة أو [بعدها] وقيل: تقضي مدة أقل الطهر من حين الوضع.
أو تقول: كنت أعلم أني لا أراه في أول يوم الولادة، ولا أعلم هل كنت أراه في ثانيه أو ثالثه أو رابعه؟ وهكذا إلى تمام أربعة عشر يوماً.
وإذا تصور ذلك أمكن أن نجعلها كالذاكرة للعدد الناسية للوقت في الحيض، وإن لم أره للأصحاب؛ ولعل تركهم لذلك بناء على ما سلف في أن ذات الجفوف إذا رأت الدم [وأطبق بها] حتى جاوز الستين يكون لها نفاساً.
نعم، هل تكون العشرة التي هي عادتها تعقب ولادتها أو لا؟ فيه نظر، والله أعلم.
وأما الناسية للعدد الذاكرة للوقت فتصورها سهل، وقد صرح الأصحاب فيها بقولين: أحدهما: أنها كالمبتدأة، وهو ما رجحه الإمام؛ لأن ابتداءه معلوم.
والثاني: أنها تأخذ بالأحوط في قضاء الصلوات.
ولا تتصور فيما عدا ذلك؛ لأنا لا نأمرها بالاحتياط إلا عند مجاوزة الدم أكثر النفاس، وحينئذ يحكم بانقطاع حكم النفاس يقيناً؛ فلا يبقى معه احتياط في المستقبل.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أنا على قول الاحتياط نأمرها بالصوم، وتقضي وتصلي، ولا يأتيها زوجها أبداً.
وهذا قد يستنكر؛ لما ذكرنا.
وجوابه: أن هذا ليس لاحتمال أن يكون زمن صيامها وصلاتها ووطئها نفاساً؛ ولكن لأنه يجر لبساً في ابتداء دورها في الطهر والحيض، وإليه أشار الإمام.

وحكم التلفيق في النفاس كالتلفيق في الحيض، والستون [فيه] كالخمسة عشر يوماً في الحيض، والشروط: الشروط، فإذا ولدت ورأت ساعة دماً ثم [نقاء ساعة] أو يوماً أو أياماً دون خمسة عشر يوماً، ثم رأت دماً ثم نقاء، وهكذا- فالدم نفاس، وفي النقاء الذي بينه قولان، قال أبو الطيب: ولا يختلف المذهب فيه.
نعم، لو رأت الدم أولا، ثم النقاء خمسة عشر يوماً، ثم رأت يوماً وليلة دماً، وهكذا إلى تمام الستين- فالدم الأول نفاس، وفي الدم الثاني وما بعده وجهان: أحدهما: أنه دم حيض، وهو ما صححه القاضي الحسين.
والثاني: أنه نفاس.
فعلى هذا في الطهر الذي بين الدماء القولان في التلفيق، فلو كان [ما رأته] من الدم بعد النقاء دون أقل الحيض، فعلى القول في المسألة قبلها: إنا نجعله حيضاً، نجعله في هذه [المسألة] دم فساد، وعلى القول الآخر نجعله نفاساً، وفيما بين الدماء من النقاء- على هذا- القولان.
قال الصيدلاني: ومحل الخلاف في جعل الدم الطارئ بعد الطهر الكامل نفاساً- إذا انقطع على الستين، فأما إذا جاوز الدم الستين، وصارت مستحاضة: فالذي بعد الطهر الكامل ليس بنفاس وجهاً واحداً؛ وإنما هو حيض.
قال الإمام: ولا وجه عندي غير هذا وما أطلقه الأئمة منزل عليه.
فرع: محله تقدم، ولكن أخرناه؛ لأنه يتعلق بأصول سلفت: إذا ولدت توءمين بينهما زمان، فمن أي وقت يعتبر ابتداء النفاس؟ فيه أوجه: أحدها: عقيب ولادة الأول.
قال الصيدلاني: بشرط ألا تنقضي مدة [أكثر] النفاس قبل ولادة الثاني، فإن انقضت قبل ولادته [اعْتُبِرَ له] نفاس ثان؛ باتفاق أئمتنا.
وقال الشيخ أبو محمد: إذا فرعنا على أنه نفاس واحد، فإن ابتداءه من الأول، فما رأته بعد ولادة الثاني- وقد مضت مدة أكثر النفاس من ولادة الأول- دم فساد، وهذا ولد تقدمه النفاس.

ومنهم من قال: يكون ما بعد ولادة الثاني- والصورة كما ذكرنا- دم حيض.
وقد حكى الوجهين القاضي الحسين، وكذا الإمام قال: إنهما مفرعان على قولنا: إن ما رأته الحامل من الدم قبل الوضع يكون دم فساد، أما إذا قلنا: إنه يكون حيضاً، فهنا أولى.
والفرق: أن الغالب في الحامل أنها لا ترى دماً لانسداد فم الرحم، فإن رأته فقد تقدر أنه دم فساد؛ لندوره فنزل منزلة ما تراه الصبية قبل التسع، فأما إذا ولدت وانفتح فم الرحم فاسترخاء الدم من الرحم ليس بدعاً؛ بل النادر ألا ترى دماً [إذا ولدت].
قال: ثم إذا جعلناه حيضاً، فلو كان بين ما رأته قبل الولادة وبعدها أقل من أقل الطهر لم نحكم بأنه حيض؛ [إذ التفريع على أنه حيض] يوجب مراعاة أحكام الحيض فيه، وهذا بعيد عن التحصيل، وبه يظهر ضعف ما فرع عليه.
والثاني: من عقيب ولادة الثاني، وهو المذهب في "تعليق البندنيجي"، والأصح في "الكافي" وكذا عند الشيخ أبي محمد والبغوي وأصحابنا العراقيين، كما قال الرافعي.
فعلى هذا ما رأته من الدم قبل ذلك، هل يكون دم فساد أو حيض؟ فيه الوجهان.
قلت: والوجهان في الأصل يشبه أن يكون مأخذهما: أن الدم الخارج مع الولد هل يكون نفاساً أو لا؟ لأن بقاء الولد الثاني بمنزلة بقاء بعض الولد الأول.
وكذلك أجراهما المتولي فيما لو أسقطت عضواً من الولد، ورأت الدم بعده.
والثالث- وهو الأصح عند الإمام والمتولي، والمختار في "المرشد" – أن لكل ولد نفاساً، فإن تم نفاس الأول قبل ولادة الثاني، ابتدأت للثاني نفاساً كاملاً، وإن ولدت الثاني قبل استكمال نفاس الأول، دخلت بقية النفاس الأول في الثاني، كما في العدة.
قال: وإذا نفست المرأة- أي: رأت دم النفاس- حرم عليها ما يحرم على الحائض- أي: حتى تمكين الزوج أو السيد من الاستمتاع بها فيما بين السرة والركبة أو بالوطء فقط- ويسقط عنها ما يسقط عن الحائض- أي: إذا نفست غالب النفاس أو أكثره- ووجه ذلك: أنه دم حيض احتبس لأجل الحمل؛ فكان خروجه مجتمعاً كخروجه في وقته؛ ولهذا قال الأصحاب: إنه يحرم على الزوج الطلاق فيه، وبه صرح

الرافعي في كتاب الطلاق وإن كان كلامه هنا بخلافه.
أما إذا جرى أقل النفاس فلا تسقط الصلاة وإن حرم فعلها، نبه عليه البندنيجي.
تنبيه: نفست المرأة: بضم النون وفتحها، والفاء مكسورة فيهما؛ إذا ولدت- أي: ورأت الدم- ويقال في الحيض: نفست بالفتح لا غير، كذا قاله النواوي.
وقال ابن التلمساني: نفست المرأة- بضم النون-: إذا ولدت لا غير، وبالفتح والضم إذا حاضت.
قال: وتغسل المستحاضة فرجها؛ للطهارة عن النجاسة، وتعصبه- أي: وجوباً- إذا كان الدم كثيراً؛ ليرد الدم وعليه [يدل] قوله- عليه السلام-: "فَإِذَا خَلَّفَتْ [ذلك] فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لتَسْتثفِرْ بثَوْبٍ، ثُمَّ [لتُصَلِّ] " كما رواه أبو داود.
وتستثفر بتاء معجمة باثنتين من فوق مفتوحة، وسين مهملة ساكنة، وتاء مفتوحة بثلاث ساكنة، وفاء مكسورة، وراء مهملة، ومعناه: أن تجعل المرأة على قبلها خرقة أو غيرها والقطن أمس؛ لأنه جاء في حديث حمنة بنت جحش: أنه- عليه السلام- قال لها: "أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ"، فلو احتاجت إلى حشو الفرج بذلك حشته.
نعم، لو كانت صائمة، قال الرافعي: لا تفعل ذلك بالنهار، وهذا يدل على أنها

تفطر به، وهو آخر جوابي القاضي الحسين.
ولقائل أن يقول: قد تعارض في هذا مصلحة الصلاة والصوم، فأيهما تقدم؟ ينبغي أن يتخرج على ما إذا ابتلع بعض خيط قبل الفجر، ثم طلع وطرفه خارج، كما سنذكره في الصوم.
وإذا فعلت ما ذكرناه، أخذت خرقة أخرى مشقوقة الطرفين فتدخلها بين فخذيها، وتضعها على ما وضعته على الفرج، وتخرج أحد طرفيها إلى بطنها والآخر إلى صلبها، وتشد أحد الطرفين بالآخر إلى خاصرتها اليمنى، ثم تفعل بالطرف الآخر كذلك على خاصرتها اليسرى، وهذا مأخوذ من ثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها يمسك به السرج، وهكذا يفعل بالميت إذا غسل.
فإذا فعلت المستحاضة ذلك محكماً، وسال الدم بعد ذلك لم يضر، دون ما إذا قصرت في الشد؛ فإنه يلزمها استئناف الطهارة والصلاة، وهذا إذا سال في الصلاة.
[فأما إذا] سال قبل دخولها في الصلاة- ولا تقصير من جهتها- ففي وجوب استئناف الطهارة وجهان في "الحاوي"، وبنى عليهما: أنه لو جرى في الصلاة ولا تقصير، هل تتنفل بعد فراغها أم لا؟ ولو كان الدم يسيراً كفاها سد الفرج [بقطعة قطن] ونحوها، ومحل وجوب التعصيب إذا كانت لا تتأذى به، فإن تأذت به، وأحرها اجتماع الدم في الموضع- فلا يلزمها، وتباح لها الصلاة مع السيلان، قاله في "التتمة".
فرع: إذا زايلت العصابة محلها، وجب التبديل والتنظيف؛ لتعدي النجاسة محل العفو.
وقال الإمام: إن كانت المزايلة بحيث لا يمكن الاحتراز منها عفي عنها؛ كما يعفى عن الانتشار في محل الاستنجاء.
تنبيه: تعصبه: هو بفتح التاء وإسكان العين، وبتخفيف الصاد، ويجوز ضم التاء، وفتح العين، وتشديد الصاد.
قال: وتتوضأ لكل فريضة؛ لقوله- عليه السلام- لفاطمة بنت أبي حبيش: "وَإِذَا

كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقُ" رواه أبو داود.
وجاء في رواية الترمذي أنه- عليه السلام- قال لها: "فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعي الصَّلاة، وَإِذَا أَدْبَرَتْ، [فَاغْسِلي عَنْكِ] الدم وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت".
ووضوءها يبيح الصلاة، ولا يرفع الحدث، على المذهب.
فعلى هذا فلا يجزئها إلا نية استباحة الصلاة؛ كما في التيمم.
وقد قيل: إنه يرفع الحدث، وقياسه: أن تصح بنية رفع الحدث فقط، ولم أره.
وقيل: يرفع الحدث الماضي دون المستقبل والمقارن؛ وعلى هذا تنوي رفع الحدث الماضي، والاستباحة للمقارن والمستقبل، وبه قال القفال، وغلطه الإمام.
تنبيه: قول الشيخ: "وتتوضأ" بالواو- يقتضي أنه لا يشترط تعقب الوضوء غسل الفرج وتعصيبه، وقد قال في "الحاوي": إنه شرط.
وإن توضأت بعد تطاول الزمان من ذلك، كانت كالعادم للماء إذا تيمم وعلى بدنه نجاسة بقدر على غسلها، هل يصح؟ وفيه وجهان: أحدهما: أن وضوءها باطل بكل حال، وتستأنف غسل الفرج والوضوء.
والثاني: أنه جائز، وتغسل الفرج إن أمكن.
ويمكن أن يحمل كلام الشيخ على ما قاله في "الحاوي" بأن تحمل الطهارة [في] قوله: "بعد الطهارة" على طهارة الحدث والخبث، والله أعلم.
وقوله: "لكل فريضة" ظاهره يفهم أنه عائد إلى الوضوء فقط، وهو وجه حكاه

الأصحاب، وقالوا: لا يجب تجديد غسل الفرج وتعصيبه إلا إذا ظهر الدم، والأصح وجوب ذلك عند كل صلاة؛ لأن باطن ذلك نجس، واحتمل في صلاة واحدة للضرورة.
فعلى هذا يكون قول الشيخ: "لكل فريضة" عائداً إلى غسل الفرج وتعصيبه، والوضوء.
وقوله: "لكل فريضة" يفهم أن النوافل لا يتوقف فعلها على ذلك، وهو المذهب سواء بقي وقت الفريضة أو خرج، وبه جزم في "الكافي" وغيره.
وقيل: إنه إذا خرج الوقت لا تتنفل.
وقيل لا تستبيح النافلة بحال، وإن استباحت الفريضة مع الحدث الدائم للضرورة، حكاه في "الروضة".
قال: ولا تؤخر بعد الطهارة الاشتغال بأسباب الصلاة- أي: كستر العورة، والتحري في القبلة، والأذان، والإقامة، وانتظار الجمعة والجماعات، والدخول فيها؛ تصوناً من خروج الحدث بقدر الإمكان.
ومن هذا يؤخذ أنها لو توضأت قبيل الوقت بحيث اتصل آخره بأول الوقت- يجوز، وقد حكاه بعضهم عن رواية ابن الصباغ عن بعض الأصحاب، لكن الأصح في "النهاية" وبه جزم البندنيجي والماوردي وأبو الطيب: [أنه] يجب أن يقع كله في الوقت.
فرع: إذا كانت ترجو أن يقع الانقطاع في آخر الوقت، فهل الأفضل في حقها التأخير أو التعجيل؟ فيه وجهان كما في التيمم، حكاه في "التتمة".
قال: فإن أخرت-[أي]: لغير سبب من أسباب الصلاة- ودمها يجري، استأنفت الطهارة- أي: ابتدأتها- لأن ما جرى من الحدث كان يمكن الاحتراز عنه؛ فنقض الطهارة؛ كما في غير المستحاضة؛ وهذا ما حكاه الماوردي وجهاً في المسألة، وصححه، واختاره في "المرشد"، وحكاه أبو الطيب احتمالاً عن ابن سريج مع آخر: أنها لا تستأنف؛ بل لها أن تصلى ما لم يخرج الوقت.
وقال أبو الطيب: إنه [الذي] قاله الأصحاب، وردوا احتمال ابن سريج الأول.
والماوردي لم ينسب لابن سريج غير الثاني، ثم قال: وفيه وجه ثالث: أنه يجوز تأخيرها؛ لانتظار أسباب كمالها: كالجماعة، وقصد البقاع الشريفة، وأن يبادر بسترة

يستقبلها وما جرى هذا المجرى؛ لأن تأخير الصلاة لهذه الأسباب مندوب إليه.
ولا يجوز تأخيرها لغير هذه الأسباب؛ لأنه ليس مندوباً إليه.
وهذا صريح في جواز التأخير لانتظار الجماعة، والمشهور الأول.
وقيل: لها أن تصلي به وإن خرج الوقت، حكاه في "الشامل"، وهو ينسب [إلى] الخضري.
قال: وإن انقطع دمها في أثناء الصلاة- أي: انقطاعاً مبتدأ لم تجر عادتها به- استأنفت الطهارة والصلاة؛ لأن علة العفو عما عليها من النجاسة وما يتجدد من الحدث بعد الوضوء- الضرورة، وقد زالت، وهذا نصه.
وقيل: تمضي فيها؛ كالمتيمم إذا رأى الماء في [أثناء الصلاة] فإن النص: أنه يمضي، ومنه خرج ابن سريج هذا القول؛ كما خرج من هنا إلى ثم قولاً: أنه يستأنف، والصحيح تقرير النصين، والفرق: أن المستحاضة لم تأت عن طهارة الحدث المتجدد والخبث ببدل، بخلاف المتيمم؛ فإنه أتى عن طهارة الحدث بالبدل، ولا خبث عليه.
نعم، لو كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها، فهو نظير المسألة.
وعن الشيخ أبي محمد: أن أبا بكر الفارسي حكى قولاً عن الشافعي- رضي الله عنه-: أنها تخرج من الصلاة، وتتوضأ، وتزيل النجاسة، وتبني على صلاتها.
وقيل: يمكن أن يكون هذا بناء على القول القديم في سبق الحدث.
وفي "تعليق القاضي الحسين" في كتاب التيمم: أن أبا بكر الفارسي حكى في "عيون المسائل" في المستحاضة قولين، ثم قال: إذا قلنا: لا تمضي على الصلاة، فإذا اغتسلت وعادت، هل تبني، أو تستأنف؟ حكمها حكم من سبقه الحدث وهو في الصلاة.
قال في "الكافي": والمراد بالانقطاع ألا يخرج الدم إلى الظاهر.
أما إذا كان عادته أن ينقطع ويعود قبل إمكان إتمام الصلاة- مضت فيها قولاً واحداً.
نعم، لو دام الانقطاع أعادت، قولاً واحداً.
وعن الشيخ أبي حامد حكاية عن ابن سريج: أنه يتخرج على الخلاف في الانقطاع المبتدأ في الصلاة.

وإن كان عادته أن ينقطع، ولا يعود حتى يمضي قدر إمكان الطهارة والصلاة، أو أخبرها أهل الخبرة بأن مثل هذا الدم هذا حاله- استأنفت، قولاً واحداً، وهذا يكون في حق من صلت عند ضيق الوقت؛ إذ من عادتها أن ينقطع عنها الدم هذا القدر- لا يجوز لها أن تصلي مع جريان الدم في آخر الوقت، كما قدمناه، فلو أنه عاد على خلاف عادتها قبل الإمكان، ففي وجوب إعادة الوضوء وجهان، أظهرهما: أنه لا يجب.
ولو انقطع دمها قبل الدخول في الصلاة انقطاعاً مبتدأ، فقد أفهم كلام الشيخ: أنها تستأنف الطهارة، قولاً واحداً.
والماوردي قال: إن كان ذلك ولم يبق من الوقت ما يسع الطهارة والصلاة- فحكمها كما لو انقطع في الصلاة، وإن كان الوقت يسعهما، استأنفت قولاً واحداً، فلو عاد قبل إمكان الطهارة، ففي وجوب إعادتها الوجهان.
ولو خالفت حين انقطع وصلت، فعاد الدم: إن قلنا: لو عاد قبل الصلاة تستأنف الطهارة، فهنا تستأنف الطهارة والصلاة؛ وإلا فوجهان عن ابن سريج، أصحهما: الاستئناف المتردد في النية.
قلت: ونظيرهما ما لو صلى رجل خلف خنثى، ثم ظهرت رجوليته من بعد.
[والوجهان يجريان- كما قال الغزالي- فيما إذا انقطع دمها وبعد من عادتها العود].
قال الرافعي: وإذا قلنا بالصحيح فلو توضأت بعد الانقطاع، وشرعت في الصلاة، ثم عاد الدم- فهو حدث جديد، يجب عليها أن تتوضأ، وتستأنف الصلاة.
قال: وحكم سلس البول وسلس المذي- أي: الذي يحدث من غير سبب من وطء ونحوه- حكم المستحاضة لأنها نجاسة متصلة لعلة، تنقض الطهارة؛ فكانت كدم الاستحاضة؛ فيجري فيها جميع ما سلف.
ولا يجوز لمن به سلس البول أن يعلق قارورة يقطر فيها؛ لأنه يحمل نجاسة في غير معدنها بغير ضرورة.
أما من يحصل له سلس المذي بسبب من الأسباب فحدثه كسائر الأحداث في

غسله، ووجوب الوضوء.
ومن به سلس النجو كمن به سلس الاستحاضة [ومن به] سلس الريح، يتوضأ لكل فريضة، ومن به سلس المني، عليه أن يغتسل لكل فريضة.
قال الماوردي: قال الشافعي- رضي الله عنه-: وقل من يستديم به المني؛ لأن معه تلف النفس.
ومن به جرح يخرج منه الدم، أو ناصور- وهو علة تحدث في حوالي المقعدة، ويقال بالسين أيضاً- حكمه حكم المستحاضة فيما يرجع إلى سده وغسله في أول دفعة، وكذا عند كل صلاة على أحد الوجهين، ولا يجب تجديد الوضوء بحال إلا أن يخرج الدم من أحد السبيلين كدم البواسير.
ولو كان به جرح غير سائل، فسال في حال الصلاة- انصرف، وغسل الجرح، واستأنف الصلاة وجوباً، قاله في "الكافي".
فرع: من بها دم فساد، فيه وجهان في "الحاوي": أحدهما: أن حكمها حكم المستحاضة فيما ذكرناه.
والثاني: أنه حدث كسائر الأحداث وإن كان في ندرته كسلس المذي، والفرق: أنه إذا وقع يدوم، وهذا لا يدوم، وإن دام فهو آيل إلى حيض أو استحاضة.
تنبيه: سلس البول وسلس المذي: إن قرأته بنصب اللام، تعين أن تقول: "حكم الاستحاضة، وهو المذكور فيما وقفت عليه من النسخ، وإن قرأته بكسر اللام، تعين أن تقول: "حكم المستحاضة"؛ لأنه يكون صفة للرجل.
فرع: إذا كان من به سلس البول لو صلى قائماً، سال بوله، وإن صلى قاعداً استمسك، فهل المستحب أن يصلي قاعداً أو قائماً فيه وجهان، أصحهما في "الروضة" و"الكافي": الثاني، ولا يعيد على الوجهين معاً، والله أعلم.

باب إزالة النجاسة

قال: النجاسة: هي البول .. إلى آخره، فاعلم أن الشيخ لما تكلم في إزالة النجاسة احتاج إلى تعريفها؛ إذ الكلام على الشيء بالرد والقبول فرع كونه معقولاً.
والنجاسة لغة: كل مستقذر.
وفي اصطلاح العلماء: كل عين حرم تناولها على الإطلاق مع إمكانه، لا لحرمتها، أو استقذارها، أو ضررها في بدن أو عقل.
وما ذكره الشيخ: أنواعها، وقد قيل: هذا يجوز؛ فإن النجاسة حكم الشرع على الأعيان المذكورة بامتناع استصحابها في الصلاة، وهذه الأعيان يتعلق الحكم بإطلاق النجاسة عليها كإطلاق العلم على المعلوم والقدرة على المقدور.
قلت: ولأجله حسن قول الشيخ من بعد: "وما ينجس بذلك" وإلا كان كلاماً ركيكاً وقد اعترض بعضهم على الشيخ، فقال كلامه يدل على أمرين: أحدهما: أن هذه الأعيان نجسة.
والثاني: نفي النجاسة عما سواها.
وليس الثاني بثابت.؛ لما ستعرفه.
وأنا أقول: الأول دال على أن هذه الأعيان نجاسة لا نجسة، والثاني ثابت؛ لأن كلام الشيخ يشمل ما ذكره وما في معناه، كما سنبينه- إن شاء الله تعالى- ومنه يظهر لك: أنه لا شيء بعده؛ فصح كلامه.
والدليل على نجاسة البول قوله- عليه السلام-: "اسْتَنْزِهُوا منَ الْبَولِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الَقبْر مِنْهُ" رواه الدارقطني.
وقال- عليه السلام لما مر بقبرين: "إِنَّهُما لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْله" رواه مسلم.
وفي رواية "لاَ يَسْتَنْزِهُ عَنِ البَوْلِ أَوْ مِنَ البَوْلِ"؟

والظاهر أن الألف واللام في الخبر وكلام الشيخ؛ للتعميم، وقد استثنى أبو جعفر الترمذي بول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما روي عن أم أيمن أنها شربت بوله عليه السلام؛ فقال لها: "إِذَن لاَ تَلِجُ النَّارَ بَطْنُكِ".
وبعضهم استثنى بول ما يؤكل لحمه، ويقال: إنه قول الشافعي.
والرافعي قال: إنه قول الإصطخري، وإن الروياني اختاره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت على البعير، فلولا أن بوله طاهر، لما فعل ذلك؛ خشية من التلويث المطلوب عكسه بقوله- تعالى-: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي﴾ [الحج: 26].
وأئمة المذهب حملوا خبر أم أيمن على التداوي، وكذا قوله- عليه السلام- للعرنيين: "لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى إِبِلنَا، فَأَصَبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا"؛ فإن عندنا يجوز التداوي بجملة النجاسات إلا الخمر؛ كما تقدم في الأطعمة، وهي قضية عين

تطرق إليها الاحتمال فسقط بها الاستدلال.
وقد قال الشافعي في خبر العرنيين: إنه منسوخ؛ إذ فيه أنه مثل بهم، ثم قام في مقام الأمر بالصدقة، ونهى عن المسألة؛ كذا حكاه الإمام عنه.
وطوافه على البعير لا يدل على طهارة بوله؛ كما أن حمله أمامة بنت أبي العاص في الصلاة لا يدل عليه، والطفل أسوأ حالاً من البهيمة في إرسال النجاسة، على أن عادة الإبل أنها لا ترسل، النجاسة في سيرها.
قال: والغائط؛ لقوله عليه السلام: "إِنَّمَا تَغْسِلُ ثَوْبَكَ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِي وَالدَّمِ وَالْقَيْء" رواه أحمد من حديث ثابت بن حماد بسنده عن عمار، وقد خرجه الدارقطني والبزار، وثابت بن حماد أحاديثه مناكير.
والغائط – في الأصل-: [هو المكان] المطمئن، وأطلق على الفضلة المستقذرة

[من الآدمي]؛ لملازمتها له في الغالب.
والسرجين من البهائم [في معناه].
وقد روى البخاري عن ابن مسعود أنه- عليه السلام- أُتِي بحجرين ورَوْثة؛ فألقى الروثة، وقال: "إِنَّهَا رِجْسُ"، ويروي: "رِكْسُ"، وهو الرجيع، وذرق الطيور في معناه.
والقول- أو الوجه- المحكي في بول ما يؤكل لحمه مطرد في روثه وذرقه حكاه صاحب "البيان" والرافعي.
وعلى الأول- وهو المذهب-[في] جرو السمك والجراد وما لا نفس له سائلة وجهان في "الإبانة"، وكذا الوجه المحكي في بول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جار في روثه، كما قال في "الإبانة" و"تعليق القاضي الحسين".
وهما فيما لا نفس له سائلة مفرعان- كما قال الإمام- على قولنا بطهارة ميتته، واستبعد القول بطهارة روثه؛ فإن ميتته لا تحل؛ فلا يؤثر القول بطهارة ميتته في طهارة روثه؛ فإن الآدمي لا ينجس بالموت، وفضلاته نجسة ولكن الفرق واضح.
وفي "تعليق البندنيجي" أنه سأل الشيخ- يعني: أبا حامد- عن جرو السمك والجراد؛ فإن الناس يأكلون الصغار من ذلك على جهته؟ فقال: كل هذا طاهر، فقلت: فما الذي يصنع بقول الشافعي: "لأنه بول"؟ فقال: ينبغي أن يقال: هو نجس، فقلت: فما تقول في جب أقام فيه سمك، ومعلوم أنه بال وذرق؟ فقال: ينبغي أن يكون الحكم في أبوال هذه وأوراثها- أنه نجس معفو عنه؛ لأن الاحتراز عنه لا يمكن.
والإنفحة من السخلة المأكولة إذا لم تطعم غير اللبن إذا ذبحت، طاهرة؛ لإطباق الأمم على استحلال الجبن مع علمهم بأن انعقاده بالإنفحة فنزلت من جهة الحاجة منزلة أصل اللبن الذي أبيح لأجل الحاجة.

وحكى الغزالي وإمامه والماوردي وجهاً: أنها نجسة، وهو القياس؛ لأنها لبن مجتمع في باطن الخروف، يستحيل فيخرج إذا ذبح ويخثر به اللبن، والمستحيل نجس.
قال الإمام في باب حد الزنى، والوجه القطع بالأول؛ لما ذكرناه.
وهي بكسر الهمزة، وفتح الفاء، والحاء المهملة المخففة، ويجوز [بتشديد الحاء].
قال: والمذي؛ لما روي عن علي قال: كنت رجلاً مذاء، فكنت أستحيي أن أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمكان ابنته، فأمرت المقداد، فسأله فقال: "لِيَغْسِلْ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّا".
رواه مسلم.
والمذي: بسكون الذال المعجمة، والياء المخففة، وقيل: إنه مكسور الذال، مشدد الياء، وقيل: إنه مكسور الذال مخفف الياء الساكنة.
وهو ماء أبيض رقيق [لزج] يخرج عند المداعبة والنظر بالشهوة وبغير شهوة.
وقد قيل: إن جزء من المني؛ لأن سببهما جميعاً الشهوة.
قال: والودي: وهو ماء أبيض ثخين يخرج عقيب البول، متقطعاً كدراً.
قال الإمام: والغالب أنه يخرج عند حمل شيء ثقيل، وفيه ثلاث لغات: أشهرها: أنه بدال مهملة ساكنة.
والثانية- حكاها الجوهري-: أنه بتشديد الياء.
والثالثة- قالها صاحب "المطالع"-: أنه بالذال المعجمة.
ودليل نجاسته: أنه خارج من مخرج البول، لا يخلق منه [مثل أصله]؛ فكان كالبول، ولأنه يصحبه.
قال: وقيل: ومني غير الآدمي- أي مأكولاً كان أو غير مأكول- لأنه نجس بعد الموت؛ فكان نجساً قبل نفخ الروح فيه، وخالف مني الآدمي؛ فإنه طاهر بعد الموت، ولأنه

من الفضلات المستحيلة في الباطن؛ فكان نجساً كالبول؛ وهذا أظهر في "الرافعي.
فإن قيل: قضية هذا التوجيه، وكذا الأول إذا قلنا: إن الآدمي ينجس بالموت- أن يكون منيه نجساً.
قلنا: قد قال [به] صاحب "التلخيص" تخريجاً، كما قاله القاضي الحسين وغيره.
والماوردي قال: إن الكرابيسي حكاه عن القديم.
وفي "التتمة" حكاه عن الشافعي- رضي الله عنه- ولم يقيده بالقديم، وسوى بين رطبه ويابسه [وأنه يكفي فيه الفرك]، ويدل عليه خبر [عمار].
والصحيح: أنه طاهر؛ لخبر عائشة: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".

[أخرجه مسلم]، وفي بعض الطرق: "ثم يصلي فيه"، ولو كان نجساً لما اكتفى في إزالته بالفرك.
قال بعضهم: وفي الاستدلال بهذا نظر مع الحكم بطهارة بوله عليه السلام.
وجوابه: أنه ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على عدم اختصاصه بذلك، وهو ما روى الدارقطني عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المني يصيب الثوب، فقال: "أَمطْهُ عَنْكَ بِإذْخِرَةٍ؛ فَإِنَّمَا هُوَ كَمُخَاطٍ أَوْ بُزَاقٍ".

ولأنه لا يليق بكرامة الآدمي الحكم بنجاسة أصله؛ ولهذا حكمنا بطهارة لبنه.
وظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في طهارة مني الآدمي بين الرجل والمرأة، وهو ما قال أبو الطيب: إنه المذهب الصحيح [ولم يحك البندنيجي غيره.
قال أبو الطيب:] وحكى ابن القاص [أن مني المرأة] نجس.
وليس بمشهور.
وقال في التيمم: ولم يرد بذلك أن مني المرأة نفسه نجس، بل هو طاهر؛ وإنما [المراد]: أنه ينجس بملاقاته عرق فرج المرأة؛ فإنه نجس فينجس بملاقاته.
وعلى هذا ينطبق قول القاضي الحسين وغيره من المراوزة: إن طهارة مني المرأة تنبني [على] أن رطوبة فرجها طاهرة أم نجسة؟ وقد حكى الإمام عن صاحب "التلخيص"- وهو ابن القاص- طريقة على عكس ما ذكرناه، وهي الجزم بنجاسة مني المرأة، وحكاية القول في مني الرجل، وأن الأصحاب أنكروا عليه، ورأوا القطع بطهارة مني الرجل.
قال: [وقيل]: ومني ما لا يؤكل [لحمه] غير الآدمي؛ لما ذكرناه، وخالف مني الآدمي؛ لكرامته، ومني مأكول اللحم؛ لأن لبنه طاهر؛ فألحق به منيه.
وقد أفهم قول الشيخ: [وقيل] أن المذهب: أن مني كل حيوان طاهر، وهو وجه، قال في "الشامل": إنه ظاهر المذهب.
وقال البندنيجي: إنه أقيس، واختاره في "المرشد".
وبيض ما لا يؤكل لحمه في معنى مني ما لا يؤكل [لحمه] ففيه الخلاف وهو مطرد في بذر القز.
والمذكور في "تعليق أبي الطيب" نجاسة بيض ما لا يؤكل لحمه.
وبيض ما يؤكل لحمة طاهر إجماعاً، وهل يجب غسل ظاهره؟ فيه خلاف يأتي.
نعم، لو ماتت الدجاجة ونحوها، وفي جوفها بيض، ففيه ثلاثة أوجه، حكاها الماوردي هنا، والروياني في "تلخيصه": أحدها: أنه نجس؛ لأنه قبل الانفصال جزء منها.

والثاني: أنه طاهر؛ لتميزه عنها؛ فصار بالولد أشبه.
والثالث: إن كان قوياً فهو طاهر [مأكول] وإن كان ضعيفاً رخواً فهو نجس؛ وهو قول أبي الفياض وابن القطان، ولم يورد [أبو الطيب] في باب الأطعمة غيره، ورجه الروياني.
والقاضي الحسين والغزالي قالا: إن لم يتصلب، فهو نجس، وإن تصلب، فوجهان، وعليه جرى الرافعي.
قال: والدم؛ لقوله- تعالى -: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]، ولحديث عمار.
وظاهر الخبر وكلام الشيخ: أنه لا فرق بين دم ودم، حتى دم [ما لا نفس له] سائلة: كالبراغيث، والقمل، والبق، ونحو ذلك، وبه صرح أبو الطيب والقاضي الحسين.
والمعنى فيه ما قاله الإمام: [وهو] أن هذه الأشياء لا دم لها، ولكنها تقرص وتمتص، ثم قد تمجه.
وقد قال أبو جعفر الترمذي: إن دم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاهر؛ لأن أبا طيبة الحاجم شربه؛ فقال [له]- عليه السلام-: "إذن لا تُتَّجع بَطْنك".

وأئمة المذهب يحملون ذلك على التداوي؛ ولذلك روي أنه- عليه السلام- نهاه عن ذلك.
وقيل: إن دم السمك طاهر؛ لأنه ليس على حقيقة الدماء، وأنه يبيض إذا بقي وغيره يسود.
والصحيح- كما قاله أبو الطيب قبيل كتاب الضحايا- أنه نجس؛ لما ذكرناه.
وقيل: إن الدم المتحلل من الكبد والطحال طاهر.
قال: والقيح؛ لأنه دم متعفن، والصديد في معناه، بل أولى، وكذا ماء القروح إن أنتن، وإن لم ينتن ففيه طريقان: إحداهما: أنه طاهر، وهو المختار في "المرشد".
والثانية: حكاية قولين فيه: أحدهما- نص عليه في "الإملاء"-: أنه كالعرق.
والثاني- نص عليه في "الأم"-: أنه كالقيح.
قال: والقيء؛ لحديث عمار، ولأنه من الفضلات المستحيلة في مقرها إلى فساد؛ فكان كالغائط، وهو مهموز.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه إذا لم يتغير يكون طاهراً.
وهو بعيد.

وفي معنى القيء المدة الصفراء والسوداء؛ فهي نجسة.
وفي البلغم الذي يقطع من المرئ وجهان: أصحهما- في "الكافي" وهو المحكى عن الشافعي في "التتمة"-: أنه طاهر كالذي نزل من الرأس وهي النخامة فإنه لا خلاف في طهارتها.
وما يسيل من الفم عند النوم، قال في "التتمة"-: إن كان متغير الرائحة فهو كالقيء؛ وإلا فهو طاهر.
وقال غيره: إن كان من اللهوات فطاهر، وإن كان من المعدة فنجس [كالقيء]، وإن شك في أنه من الرأس أو من المعدة، فالأولى الاحتياط.
قال الأصحاب: والطريق في معرفة ذلك أنه ينظر: فإن طال زمنه فهو من المعدة، وإلا فمن اللهوات.
وقال في "الكافي": إن كان يميل إلى الصفرة فهو من المعدة، وإن كان لا يميل إليها فهو من الدماغ.
وظني أني رأيت لبعضهم: إن كان رأسه على وسادة، فهو من اللهوات؛ وإلا فمن المعدة.
قال: والخمر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: 90] والرجس – بالسين- المرادبه: النجاسة، وأيضاً فقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أمر بالاجتناب من كل وجه.
فإن قيل: بل المراد: المبعد؛ لأن الأنصاب والأزلام مبعدة [وليست بنجسة] قيل: حمله على المبعد مجاز؛ فيستعمل فيما لم يمكن استعمال الحقيقة فيه خاصة وهو الأنصاب والأزلام، دون ما يمكن استعمال الحقيقة فيه وهو الخمر؛ وذلك بناء على جواز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه.
ولأنه مائع غير مضر حرم تناوله لمعنى فيه؛ فأشبه الدم، وهذا هو المذهب، سواء كانت الخمرة محترمة أو غير محترمة.
وقيل: إن كانت محترمة- وهي التي عصرت للخلية، فاستحكمت خمريتها- أنها

طاهرة؛ لحرمتها، ويضمنها متلفها.
قال الإمام: وهو بعيد جداً؛ فإن ما يجب الحد بشربه، يبعد الحكم بطهارته وضمانه؛ فالوجه أنها ليست مضمونة وإن حرم إتلافها؛ كالجلد الذي لم يدبغ [بعد].
وعن الشيخ أبي على حكاية وجه في المثلث المسكر- الذي [نحرمه ويبيحه] أبو حنيفة-[أنه] طاهر مع القطع بالتحريم.
قال الإمام: ولست أعرف له وجهاً.
ثم ما ذكرناه إذا كانت الخمرة ظاهرة، فلو استحال باطن حبات العنقود خرماً، ففي الحكم عليه بالنجاسة خلاف قدمناه.
وعبارة القاضي الحسين: أنه لو ألقى النورة وعناقيد العنب في الدن بنية الخل فصارت خمراً- لا خلاف أنها نجسة، وهل يجب الضمان على من أراقها، وهل يجوز بيعها؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا يحل البيع، ولا ضمان على المريق؛ كالمصفي.
والثاني: يحل البيع ويجب الضمان على المريق؛ لأنها غير معدة للشرب، بخلاف المصفى، حكاه في كتاب الرهن.
قال: والنبيذ؛ لأنه في معنى الخمر.
وعن "البيان" حكاية وجه: أنه طاهر؛ لاختلاف الناس فيه، بخلاف الخمر.
قال: والكلب؛ لقوله- عليه السلام-: "طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُم إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يغسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أُولاهُنَّ بالتُّرَابِ"، وفي رواية: "إِحْداهُنَّ"، أخرجه مسلم.
وروى مسلم أيضاً أنه عليه السلام- قال: "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاء أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ،

ثُمَّ ليَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ".
وهذان يدلان على نجاسة سؤره؛ إذ الأمر بتطهير الطاهر وإراقته، خلاف الظاهر، وإذا كان سؤره نجساً دل على نجاسة فمه، وإذا كان فمه نجساً كانت سائر أعضائه كذلك، لأن فمه أطيب من غيره، ويقال: إنه أطيب الحيوانات نكهة؛ لكثرة ما يلهث.
ومفهوم قوله- عليه السلام-[في] الخبر المشهور: "الهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجسَةٍ"

0000000000000

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل