كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 188-227
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 188-227
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ومقابله: أنه لا يطهر؛ كما لو زال [بطرح كافور أو] مسك أو نحوهما فيه, وهذا ما نص عليه في "حرملة" واختاره الشيخ أبو حامد.
وقال الفوراني وصاحب "الكافي" والرافعي: إنه الأصح, والروياني: إنه الأظهر.
وكلام أبي الطيب يفهم أن القولين منصوصان في "الجامع الكبير" و "حرملة".
والماوردي صرح بأنهما مذكوران في "الجامع الكبير" وابن الصباغ صرح بأنهما منصوصان في حرملة.
وقد أفهم كلام الشيخ أمورا: أحدها: أنه لا فرق في جريان الخلاف عند زوال لتغيير بين حالة كدورة الماء وصفائه, والمتولي خصه بحالة التكدر, وقال – فيما إذا صفا-: إنه يطهر؛ لأنا قد علمنا أن التراب قد جذب النجاسة إلى نفسه, وفارق أجزاء الماء والكثرة موجودة.
قلت: ومساق هذا التعليل أن يكون التراب مع النجاسة التي ضمها [إليه] كنجاسة عينية؛ فيأتي في استعمال الماء ما سلف.
الثاني: أنه لا فرق في التغيير الذي زال بالتراب بين أن يكون الطعم أو اللون أو الرائحة, وكلام النقلة مضطرب فيه: فالذي يرشد إليه كلام ابن الصباغ أنه الرائحة فقط, وهو ما حكاه الرافعي عن بعضهم, وقال: إن الأصول المعتمدة ساكتة عن ذلك.
قلت: ولا يستقيم [على] ما ذكره المتولي من تخصيص الخلاف بالتكدر, وبعض الشارحين قالوا بما اقتضاه كلام الشيخ, وهو ما يقتضيه كلام غيره؛ فإن في كلام القاضي الحسين والفوراني وغيرهما إشارة إلى أن اللون فيما نحن فيه كالرائحة, وبه صرح في "التتمة", وإذا صج ذلك في اللون كان الطعم مثله, وقال في "الروضة": إن المحاملي والفوراني وآخرين صرحوا به.
الثالث: أن زواله بغير التراب من الجامدات لا يطهره جزما، وهي طريقة الشيخ أبي حامد.
والفرق: التراب أحد الطهورين؛ فالتحق بالماء؛ ولهذا لو طرحه فيه فغيره

لا يسلبه الطهورية.
وبعض الأصحاب طرد القولين فيما إذا زال بالجص والنورة نحوهما، وهي ما صححها الرافعي وغيره قائلين بأن التراب لم يكن مزيلا لكونه طهورا، بل لكونه غير ساتر، والجص ونحوه مثله.
وعبارة ابن الصباغ مصرحة بأن القولين منصوصان في ذلك في"حرملة".
وقال الروياني في "تلخيصه": إن المزني نقلهما.
وفي "الكافي" حكايتهما قولين، وحكاية [الخلاف] في التراب وجهين.
قلت: والأصح عندي ما أفهمه كلام الشيخ؛ لأن الجص ونحوه إذا ألقي على الماء المطلق وغيره سلبه الطهورية عند العراقيين، وألحقه بسائر المائعات، حتى لو وردت عليه نجاسة غير معفو عنها نجسته، ولا تزول نجاسته إذا كانت قد غيرته بزوال التغيير، وإذا كان كذلك فزوال التغير بالنجاسة بعد إلقاء ذلك فيه يجوز أن يكون بعد تغيره بذلك وسلب طهوريته؛ فلا ينفع فيه الزوال، ويجوز أن يكون معه، وفي نفعه في هذه الحالة نظر، والأصل الحكم بنجاسته، فيبقى إلى أن يتحقق رفعه، وفارق هذا التغير بالتراب؛ فإنه إذا طرح في الماء قصدا وغيره لا يسلبه الطهورية عند العراقيين، وهو الصحيح؛ فلا جرم بأن الخلاف فيه -والله أعلم -يجري على الطريقة الطاردة للخلاف في الجص ونحوها هو طاهر غير مطهر؛ إذا بقي متغيرا.
ولو كان الماء أكثر من قلتين وقد تغير، فهو يطهر بما يطهر به إذا كان قلتين فقط، وبما إذا زال التغير بأخذ شيء منه ولم ينقص عن قلتين.
ولو كان الماء أقل من قلتين فطريق تطهيره أن يبلغ قلتين غير متغير، فإن كان متغيرا وهو دون القلتين؛ فصب عليه ماء حتى زال تغيره ولم يبلغ قلتين، فهل يطهر؟ فيه وجهان: أصحهما في "الكافي" و "الرافعي": لا.
ويقال: إنه اختيار القفال.

وأصحهما عند الباقين مقابله؛ كما في مسألة النجاسة.
وهذا في "النهاية" منسوب إلى ابن سريج، وخصه بما إذا قصد به الغسل؛ بناء على أصله في غسل النجاسة.
قال الشيخ أبو علي: وهذا تفريع على أن العصر لا يجب، فأما إذا شرطنا ذلك _ وهو غير ممكن هنا -فإن الوارد لا يتميز عن المورود، فإن الكل نجس.
وعلى قول ابن سريج، قال أبو الطيب: ولا تجوز الطهارة به؛ لأنه غسالة النجاسة؛ وهذا ما قال غيره: إنه المذهب.
وقال البندنيجي: إنه يجيء على مذهب ابن حيران: أنه يجوز أن يستعمل في الحدث؛ لما ستعرفه.
والذي رآه الإمام: أنه لا يطهر ما [لم] يبلغ قلتين، وعد ما صار إليه ابن سريج من الهفوات.
وإذا بلغ قلتين جاز استعمال الجميع.
وحكى ابن الصباغ وجها: أنه يبقى منه قدر النجاسة.
قال القاضي الحسين: لو صب عليه ماء مستعملا حتى بلغ قلتين، فهل يطهر؟ قال: إن قلنا: إن المستعمل إذا بلغ قلتين يجوز التطهر به، طهر هنا، وإلا فلا، كما لو كمله قلتين بمائع.
قال: وقال في القديم: إن كان الماء جاريا_أي: قليلا أو كثيرا_لم ينجس إلا بالتغير.
لما قسم الشيخ الماء الواقع فيه النجاسة إلى القليل والكثير، وبين الطاهر منه والنجس تفريعا على الجديد -التفت إلى ما انفرد به في القديم، فقال ما ذكره.
ووجهه: أن الماء وارد على النجاسة، وليس بمتغير؛ فكان طاهرا؛ كالماء

المصبوب على الثوب النجس إذا لم يتغير.
قال [الرافعي]: وهذا ما اختاره طائفة من الأصحاب.
ومحل هذا القول كما قال في"التتمة": في الماء الذي يجري على النجاسة الواقفة، وينفصل عنها.
وقال: إن صاحب "التلخيص" رواه هكذا عن القديم، والقاضي أبو الطيب قال: إن محله الجرية التي اشتلمت على نجاسة جامدة تجري مجرى الماء لا قبلها ولا بعدها، والجرية تنقص عن قلتين.
وكلام صاحب "الكافي" يقتضي تصويره بما إذا وقع في الجرية نجاسة مائعة، ولم تغيره، وهي دون القلتين؛ فإنه قال: المذهب: أنها نجسة.
وقيل: فيه قول آخر: أنها لا تنجس؛ وهذا مااقتصر الغزالي على إيراده تبعا لإمامه، ووجهه بأن الأولين ما زالوا يتوضؤن ويستنجون من الأنهار الصغيرة، يعني: و [هي] لا تنفك عن رشاش النجاسة غالبا.
قلت: والأقرب ما قاله المتولي، [و] في معناه ما قاله صاحب"الكافي".
وأما الجرية التي اشتملت على نجاسة جامدة تجري بجريها فهي شبيهة بالماء الراكد؛ ولذلك قال في"التتمة": فإن كانت قلتين فأكثر ففيها ما سلف، وإن نقصت عن قلتين فهي نجسة.
والإمام قال فيما إذا كانت النجاسة تجري بجري الماء في الأنهار التي يحتمل أن تغيرها النجاسة: إنه ينجس من الجرية التي فيها النجاسة، ولعله ما يتغير شكله بجرم النجاسة، وكذا ينجس ما يقرب منها مما ينسب إليها، وهو الذي يحرك النجاسة ويتراد عليها من اليمين والشمال؛ قاله الصيدلاني، وهو فحوى كلام شيخي.
وروي وجها آخر: أنه لا ينجس، وهو غريب ضعيف، لا أعده من المذهب.
وأما ما وراء ذلك مما عن يمين النجاسة ويسارها إلى جانبي النهر من تلك

الجرية، فقد ذهب [ذاهبون] إلى رعاية قولي التباعد بقدر قلتين فيه، والأكثرون على القطع بأنه لا يجب التباعد عن غير ما ينسب إلى النجاسة، فإن لم نعتبر القلتين في التباعد، فلا كلام، أي: في طهارته، وإن اعتبرنا القلتين، فقد سبق قياسه.
ولو كان النهر من الأنهار العظام الذي لا يتوقع تغيره بالنجاسة، والنجاسة جارية فيه -فالذي ذكره المعظم القطع بأنه لا تباعد بقدر قلتين، وإنما يجتنب محل النجاسة فقط، كما مضى مفصلا، ويستوي في ذلك الأمام والوراء واليمين واليسار.
وذكر صاحب " التقريب" وجها آخر: أن الأمر في ذلك كما في النهر الصغير، والنهر الصغير إذا كانت كل جرية منه [قدر] قلتين بالنسبة إلى النجاسة اليسيرة _ كالبعيرة مثلا -كالنهر الكبير بالنسبة إلى النجاسة الكثيرة؛ قاله الإمام.
وهذا حكم الجرية التي فيها النجاسة وأما ما قبلها من الجريات، فينظر فيه: فإن كانت النجاسة تجري بجري الماء، فهو طاهر، بلا خلاف؛ قاله ابن سريج؛ كما لو كان الماء يخرج من ابريق ويصادف النجاسة؛ فإنه طاهر وإن كان بعضه متصلا بالبعض المتصل بالنجاسة؛ وكذا ما بعد الجرية التي فيها النجاسة طاهر -أيضا _ نص عليه في "الأم".
وعن صاحب "التقريب" وجه: أن طهارة ذلك تتخرج على قولي التباعد.
قلت: وسأذكر ما لعله خرج منه.
وصاحب "الكافي" قال: إن ما مر بموضع الجرية التي وقع فيها عين النجاسة تتخرج طهارته على غسالة النجاسة؛ لأن بوقوع النجاسة في الجرية تنجستن وتنجس النهر، فما يرد على ذلك في حكم الغسالة، ولو كان ما هو أمام النجاسة مرتفعا، فالماء يتراد لا محالة، لكنه قد يجري مع هذا جريانا متباطئا.
قال الإمام: فالظاهر: أن حكمه حكم الماء الراكد.
ومن الأصحاب من قال: حكمه حكم الماء الجاري.
ولست أعده من المذهب.
وإن كانت النجاسة واقفة، والماء يجري عليها: فإن كانت ترد الماء، فما ردته

حكمه حكم ما بعدها، وما لم تصل إليه طاهر.
وعن صاحب "التقريب" طريقة مخرجة له على قولي التباعد.
وما يجري عليها وتحتها وجوانبها قد مضى ما قاله المتولي فيه.
وأبو الطيب وغيره من العراقيين قالوا: إن كان دون القلتين فنجس، وإن كان قلتين، ولم يتغير، فهو طاهر.
والماوردي وافق على ذلك فيماإذا كانت النجاسة تعم الماء، وحكى فيما إذا كانت راسبة في أسفل النهر ولا تمر بها الطبقة العليا من الماء، أو كانت النجاسة طافية على وجه الماء ولا تصل إلى أسفله، فهل نحكم بنجاسة الطبقة العليا في الصورة الأولى، والطبقة السفلى في الصورة الثانية؟ وجهان: أحدهما: لا؛ لأنها لم تمر على النجاسة، ولا لاقتها؛ فصارت كالماء المتقدم عليها.
والثاني: نعم؛ لأن جري الماء إنما يمتنع من اختلاطه بما تقدم وتأخر، وأما ما علاه واستفل من طبقاته فهو بالراكد أشبه، والراكد لا يتميز حكم أعلاه على أسفله.
وما يمر على النجاسة القائمة من الجريات: إن كانت كل جرية تنقص عن قلتين، فلم يكن بينه وبين النجاسة قلتان، فنجس على الجديد.
وإن كان بينه وبينها قلتان، وهو متصل، فعند أبي إسحاق وصاحب "التلخيص" والقاضي أبي حامد: أنه طاهر.
قال الروياني في"تلخيصه":وبه أفتي.
قلت: فلعل صاحب"التقريب" خرج ماذكره من هنا.
وقال سائر الأصحاب -وهو ما حكاه البندنيجي _: إنه نجس، وإن اتصل بذلك فراسخ مالم يجمع في حوض قلتان؛ لأن لكل جرية حكم نفسها، وهي نجسة؛ وهذا ما نسبه الإمام إلى ابن سريج، ثم قال: فإن قيل: الماء عن يمين النجاسة ويسارها إذا كان يبعد بعدا لا يصدم النجاسة، فهو طاهر، والظاهر: أنه لا يجب اعتبار القلتين فيما عن اليمين واليسار, فإذا انحدر الماء, فكيف يحكم ابن سريج بنجاسة جميع الماء المنحدر؟!

قلنا: إذا امتد الماء، كثر اضطرابه، والتقت الحواشي على الأوساط، وانعكست الأوساط على البطن؛ فيصير الكل كالشيء الواحد.
فروع: إذا كان ما حكمنا بنجاسته من الجريات لكونه دون القلتين، يرد على ماء راكد دون القلتين أيضا لكنه يبلغ بالجرية القلتين -فعن ابن سريج: أنه يطهر [الجميع] وإن لم يختلط به، قال: ويعرف ذلك بأن تكون الجرية كدرة، والراكد صافيا؛ كذا حكاه عن البندنيجي وابن الصباغ، ولم يكه غيره، وقال: إن الحكم كذلك فيما لو كان بجانبي النهر موضع منخفض يركد الماء فيه، وما فيه من الماء لا يبلغ قلتين، وفيه نجاسة لم تغيره، لو كان الراكد متغيرا، والجاري يمر عليه، ويتصل به، ولا يخلط به.
نعم: لو كان الراكد متغيرا، وكل جرية تمر به قلتان -قال ابن الصباغ: فقياس المذهب: أن يحكم بنجاسة كل جرية؛ لأن الجميع كالماء الواحد، وإذا انفصلت الجرية يحكم بطهارتها؛ لأتها انفصلت وهي قلتان غير متغيرة.
قلت: وإذا كان قياس المذهب نجاسة الجرية في حال اتصالها مع كونها قلتين، فالحكم بنجاستها إذا كانت دون القلتين والحالة هذه أولى وتبقى بعد الانفصال كذلك؛ لفقد الكثرة.
والإمام قال: إذا كان في حوض ماء راكد، ويدخل إليه ماء ضعيف، ويخرج _ فالمقدار الجاري هو الذي يدخل ويخرج، وما عن جانبيه وما تحت المجرى إلى العمق حكمه حكم الراكد، فلو كان على المقدار الجاري نجاسة تجري بجري الماء، والتفريع على أنه لا يجب التباعد، أو كان الماء كله جاريا، فلا ينجس الراكد – فإنه يجوز في هذه الصورة الاغتراف من جانبي القدر الجاري، فكيف يتعدى حكم النجاسة إلى ما وراءه؟ ولو وقعت النجاسة على [ماء له] حكم الركود، والمقدار الراكد أقل من قلتين، حكمنا بنجاسة الراكد.

ثم حاشية الجاري تلقى في جريانها نجاسة واقفة -وهي الماء الراكد -فقد يقتضي ذلك نجاسة الماء الجاري الضعيف في منحدره؛ فاقتضى قياس ماتمهد: أن النجاسة على المقدار الجاري لا تتعدى إلى الراكد، والنجاسة على الراكد إذا كان لأقل من قلتين يتعدى حكمهما إلى الجاري.
ولو كان في وسط النهر حفرة لها عمق، والماء يجري عليها، فقد حكى صاحب "التقريب" نصا للشافعي: أن للماء في الحفرة حكم الركود.
قال الإمام: ونحنونقول: إذا كان الماء الجاري يغلب مافي الحفرة ويبدلها ويخلفها في جار، وإن كان يلبث الماء قليلا ثم يزايل الحفرة، فله في زمان اللبث حكم الركود.
وإن كان لا يلبث بل يثقل حين كثر، ثم يشتد في الجري، فله في زمان التثاقل حكم الماء الجاري الذي بين يديه ارتفاع وهو متحرك على بطء.
وإن كان ما في الحفرة لابثا وفيه نجاسة، والماء يجري عليها، فماء الحفرة نجس، والجاري عليها في حكم الجاري على نجاسة واقفة لا تتزحزح.
فائدة: القديم إذا أطلق، فالمراد [به] ما صنفه الشافعي بالعراق، ويسمى: كتاب الحجة.
ورواة القديم -كما قال الوياني _: أحمد بن حنبل، والزعفراني،

وأبو ثور.
والجديد إذا أطلق فهو ما صنفه وأفتى به بمصر، ورواته: المزني، والربيع المرادي صاحب" الأم" -وقد ذكر الإمام في كتاب الخلع: أن"الأم" من الكتب القديمة، ولم أظفر بذلك لغيره -والبيع الجيزي، والبويطي، وحرملة، ومحمد

بن عبد الله بن عبد الحكم، وعبد الله بن الزبير المكي.
وقد اختلف كلام الأئمة في عد القديم من مذهب الشافعي: فقال الإمام في مسألة التباعد: ومما بلغنا ثلاث مسائل في كل منها قولان، والقديم منهما أصح من الجديد: أحدها: هذه.
وغيره يقول: إنها أربع عشرة مسألة.
وإنها تزيد على ذلك، وستعرفها في مواضعها [إن شاء الله تعالى].
وقال الإمام عند الكلام في سبق الحدث:" إن الشافعي إذا نص في القديم على شيء، وجزم في الجديد بخلافه، فمذهبه الجديد، وليس القديم معدودا من المذهب، لكن أئمة المّذهب يعتادون توجيه الأقوال القديمة".
وقد أعاد مثل هذا القول -أو قريبا منه -عند الكلام في جلد الميتة إذا دبغ، كما سنذكره، وقال في باب العاقلة: وقد ذكرت مرارا: أنه لا يحل عد القول القديم من المذهب الشافعي [مع رجوعه عنه].

وحكى القاضي الحسين والصيدلاني وغيرهما خلافا عن الأصحاب في أن الشافعي إذا قال فيالقديم شيئا، ونص في الجديد على خلافه، هل يكون رجوعا عن القديم له [أم] لا؟ وقد ذكرته في أول باب مايفسد الصلاة.
وبالجملة: فمن قال شيئا ثم قال بخلافه، فلا وجه لمقلده إلا العمل بالمتأخر [والله أعلم].
قال: وما تطهر به من حدث – أي: كالمستعمل في المرة الأولى في الوضوء عن حدث وغسل الجنابة والحيض والنفاس وغسل الميت إذا قلنا بطهارته.
قال: فهو طاهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:" الماء طهور ... " الخبر المشهور.
ولأنه ماء طاهر لاقى محلا طاهرا؛ فكان طاهرا؛ كما لو غسل به ثوب طاهر.
فإن قيل: لا نسلم أنه لاقى محلا طاهرا؛ فإن أعضاء المحدث نجسة.
قيل: لو كان كذلك لتنجس مالاقاه في حال الرطوبة، وقد روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه.
قال: غير مطهر في أظهر القولين.
اتبع الشيخ في هذه العبارة القاضي أبا حامد، فإنه هكذا قال في "جامعه".
ووجه الأظهر منهما ما روي أنه -عليه السلام _:" نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة"، وفي رواية: عن أن تتوضأ المرأة بفضل وضوء الرجل.

ولا يخلو إما أن يكون أراد بالفضل ما في الإناء أو ما ينحدر عن الأعضاء، ولا يجوز أن يكون الأول مرادا؛ لإجماعنا مع الخصم على جواز التوضؤ به، وعليه تدل الأخبار الصحيحة؛ فتعين الثاني.
ولأن الأولين مع تحرزهم في طهارتهم لم ينقل عنهم أنهم جمعوا الماء المستعمل، ولو كان التطهر به جائزا لفعلوه؛ لحيازة فضيلة الوضوء خصوصا وفي

الماء قلة عندهم.
ولا يقال: إنهم لم يجمعوه للشرب ومع ذلك فشربه مباح؛ لأن عدم جمعه للشرب لما فيه من العيافة؛ وهذا القدر لا يسقط الوضوء.
ومقابله: أنه مطهر لقوله تعالى ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان: 48] وطهور ليس بعنى طاهر كما تقرر؛ فهو إذن من الأبنية الدالة على التكرار: كصبور، وشكور، وقتول؛ فإن هذه أسماء لمن تكرر منه الصبر والشكر والقتل، وإذا دلت على التكرار دلت على جواز التطهر به مرة بعد مرة.
ولأنه استعمال لم يغير صفة الماء؛ فلم يسلبه الطهورية؛ كما لو غسل به ثوبا طاهرا؛ وهذا القول نسبه القاضي الحسين إلى القديم.
ويقال: إنه لم يحكه عن الشافعي غير عيسى بن أبان من أصحاب أبي حنيفة.
وأبو ثور قال: إنه سأل أبا عبد الله عنه فتوقف فيه، وعني بأبي عبد الله الشافعي.
وعلى هذا متى تغير بالاستعمال سلبه الطهورية، وهل يؤثر فيه التغيير اليسير أة لا بد من الكثير؟ فيه ما سلف بتغيره بالطاهرات؛ لأن تغيره ييكون بما على البشرة؛ قاله الإمام.
وقد ذهب بعض الأصحاب -وهو ابن سريج، وابن أبي هريرة -إلى القطع بالقول الأول، وقال: لا نأخذ مذهب صاحبنا من المخالفين، خصوصا وعيسى بن أبان لم يلق الشافعي، ورواية أبي ثور لا تنفي القول ولا تثبته فلا حجة فيها.
وعلى هذا فالجواب عن الآية: أن "فعولا" قد روي بمعنى ما يفعل به: كقولهم: سحور، وفطور، ونحو ذلك

ثم إن سلمنا أنها للتكرار، فالمراد ثبوت ذلك في للجنس أو في العضو الذي يمر عليه الماء.
والفرق بين استعمال ذلك في الطهارة واستعماله في غسل ثوب طاهر: ما أشار إليه الشافعي: أنه ليس على الثوب والأرض تعبد، بخلاف البدن.
وهذه الطريقة أصح عند الماوردي، والأولى طريقة أبي إسحاق والقاضي أبي حامد.
ثم لأجل ماذا امتنع استعماله في الطهارة به؟ فيه معنيان: أحدهما: تأدية الفرض به.
والثاني: لا، بل تأدي العبادة به.
قال الإمام: والمسلكان جميعا لا يصلحان لإثبات أصل المذهب؛ لقصورهما عنه، وإنما معتمد المذهب ما سلف.
واحترز الشيخ بقوله: "من حدث" عن المتطهر به من خبث؛ فإن حكمه في الطهارة والنجاسة سيأتي؛ وعن المستعمل لا في حدث ولا خبث المستعمل في الأغسال المسنونة، وفي تجديد الوضوء، وفي المرة الثانية والثالثة في الحدث، والخبث بعد طهارة المحل، وفي المضمضة والاسنتنشاق ونحوها – فإن في جواز الطهارة به وجهين حكاهما ابن سريج: أحدهما: نعم؛ لأن الشافعي جعل العلة فيه في الماء المستعمل كونه أدى به فرضا، وهذا لم يؤد به الفرض؛ ولأجل هذا ادعى الماوردي وابن الصباغ: أنه ظاهر المذهب، وصححاه، وكذا صاحب " الكافي ". والثاني: [لا]؛ لأنه مستعمل فيما أمر الشرع به، وحث عليه؛ فأشبه المستعمل في رفع الحدث.
وهذا ما اختاره القفال؛ كما قال الروياني في " تلخيصه" واختاره الإمام وصححه.
وقال القاضي الحسين؛ إنه مستبط من قول الشافعي: إن على الناس تعبدا في أنفسهم بالطهارة، وليس على الثواب تعبد ولا على الأرض تعبد.

والوجهان جاريان فيما توضأ به الصبي قبل البلوغ، كما قال القاضي الحسين.
وفي " الكافي ": الجزم بأنه مستعمل؛ لأنه مأمور به، مضروب عليه.
وهما - أيضا - يجريان فيما اغتسلت به الذمية من الحيض؛ لتحل للزواج أو السيد المسلم: فمن يقول: العلة تأدي الفرض به، يجعله مستعملا، ومن يقول: العلة تأدي العبادة به، فلا؛ لأن الكافر ليس من أهل العبادة.
وهذا إذا قلنا: إنه يجب عليها الإعادة إذا أسلمت، أما إذا قلنا: لا تجب الإعادة، فهو مستعمل قولا واحدا؛ قاله الإمام.
والمتولي بنى الخلاف على أنه هل يجب التجديد بعد الإسلام أم لا؟ فإن قلنا: يجب، جاز استعماله، وإلا فلا.
قلت: ومن هنا يظهر لك عدم جواز الطهارة بما استعمله الصبي في رفع الحدث؛ ولا خلاف في أن المستعمل في الكرة الرابعة في الوضوء والغسل مطهر؛ لأنه لم يتأد به فرض ولا عبادة، وفي معناه ما جدد به الوضوء والغسل، حيث لا يستحب، وما تؤضأ به الحنفي هل يلحق بما توضأ به الشافعي؟ فيه ثلاثة أوجه: ثالثها: إن نوى كان كما لو توضأ به الشافعي، وإلا فليس بمستعمل.
قال في " الروضة " والأصح: أنه مستعمل مطلقا.
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه لا فرق على أظهر القولين [بين] أن يستعمل المستعمل في الحدث في حدث آخر أو خبث، وهو ما عليه عامة الأصحاب؛ كما قال أبو الطيب وغيره، وحكو عن ابن خيران والأنماطي: أن المستعمل في الحدث لا يجوز أن يستعمل في حدث آخر، ويجوز أن يستعمل في الخبث؛ لأن للماء حالين: حالة رفع الحدث، وحالة إزالة الخبث، ولم يستوف إلا إحداهما؛ فتبقى

الأخرى؛ ولذالك قالا: إن المستعمل في الخبث لا يستعمل في خبث آخر إذا حكمنا بطهارته، ويستعمل في رفع الحدث.
قال الماوردي: ومنهم من منع استعماله في الحدث أيضا.
وفرق بأن حكم الخبث أقوى؛ فلم يجز استعمال المستعمل فيه في غيره، والصحيح الأول.
والحالتان إنما تثبتان على البدل، وإلا فللماء قوة إباحية الوضوء والغسل، ومع هذا فالمستعمل في لوضوء لا يستعمل في الغسل وبالعكس.
ثم هذا فيما إذا وقع أحد الاستعمالين منفكا عن الآخر، فلو وقعا معا بأن كان على عضو من أعضاء طهارته نجاسة؛ فصب الماء عليه بقصد رفع الحدث، فهل يحكم بطهارة المحل عن الحدث والخبث، أو عن الخبث فقط؟ فيه خلاف قدمته في باب "صفة الغسل"، ومثله [ما] سلف أول الباب، والذي نذكره هنا أن المتولي قال: إن الجنب لو قلب على رأسه ماء، وكان على بعض أعضائه نجاسة، فإن قلنا: إن المستعمل في الحدث يستعمل في الخبث، زالت به النجاسة، واحتاج إلى تجديد غسل ذلك المحل؛ لأجل الجنابة؛ لأنهما فرضان؛ فلا يؤديان بغسل واحد.
وإن قلنا: لا يستعمل في الخبث، فهل نحكم بطهارة الموضوع؟ فيه وجهان، أحدهما: نعم؛ لأن الماء قائم على المحل، وإنما ثبت له صفة الاستعمال بعد الانفصال.
قال: فإن بلغ قلتين، أي: بلغ الماء المستعمل في الطهارة قلتين، وقد قلنا: [إنه] لا يجوز استعماله إذا كان دونهما – جازت الطهارة به؛ لأن تأثير الاستعمال في الماء دون تأثير النجاسة [فيه]، وقد ثبت أن النجس إذا بلغ قلتين، جازت الطهارة به؛ فهذا أولى.
ولأن الكثرة تمنع ثبوت حكم الاستعمال في الابتداء؛ كما نص عليه الشافعي فتمنعه دواما؛ كما في النجاسة؛ وهذا ما نص عليه في " الأم " واختاره ابن سريج وأبو إسحاق وغيرهما.

وقيل: لا تجوز؛ لأن المنع من استعمال عند القلة خروجه عن اسم الماء المطلق بالاستعمال، وبلوغه ألف قلة لا يخرجه عن ذلك؛ وهذا ما حكاه الماوردي عن أبي العباس، واختاره في "المرشد".
خاتمة: وصف الماء بالاستعمال لا يثبت له ما دام يتردد على المحل، فإذا انفصل عنه، ثبت له، سواء انتقل عنه إلى الأرض أو إلى عضو آخر، حتى لو انتقل من إحدى اليدين إلى الأخرى، ثبت له حكم الاستعمال.
قال في"الروضة":وفي هذه الصورة وجه شاذ محكى في "البيان" في باب "التيمم": أنه لا يصير مستعملا؛ لأن اليدين [كالعضو الواحد] والبدن جميه في الغسل في حكم العضو الواحد في الوضوء، فلا يصير الماء مستعملا بانتقاله من عضو منه إلى عضو آخر.
وفي" الحاوي" حكاية وجه آخر: أنه لا يصير مستعملا بالانتقال كما في الوضوء، وصححه المراوزة، وبه قطع الفوراني والمتولي، وذلك مصور بما إذا نزل الماء من على وجهه إلى صدره، وقطع ما بينهما من الفضاء.
والأصح [الأول وهو] ما أبداه الإمام احتمالا.

أما إذا انتقل من عضو إلى عضو على الاتصال المحسوس، فالوجه القطع بأنه غير مستعمل؛ كما لو انتقل [في] العضو الواحد في الوضوء من محل إلى محل.
نعم قال الخضري: إذا انغمس الجنب في ماء قليل ناويا، ارتفعت جنابته عن أول جزء لاقى الماء، وصار الماء مستعملا.
قال: ويخالف ما لو صب الماء عليه حيث لا نحكم بالاستعمال بمجرد الملاقاة؛ لقوة الورود.
وعلى هذا فقد يقال: إنه يصير مستعملا بانتقاله عن عضو إلى عضو على الاتصال المحسوس في الجنابة، ومن محل إلى محل في العضو الواحد في الوضوء، والصحيح في مسألة الخضري: أنه لا يصير مستعملا، وترتفع جنابته عن [جميع] جسده، وأنه لا يثبت للماء حكم الاستعمال في حقه إلا بخروجه، وهو محكي عن

نص الشافعي في" الأم"، ورأيت في" الإبانة" أن الخضري رجع إليه.
قلت: وينبغي أن يكون استكمال طهارته قائما مقام خروجه [منه، يعني]: لو أحدث بعد استكمالها وقبل خروجه، ورام أن يجدد الطهارة، لا يجوز له ذلك؛ لأنا لم نثبت له حكم الاستعمال قبل استكمال الطهارة؛ لأجل المشقة، وهي منتفية هنا، لكن في "الكافي" في هذه الصورة: أنه يرتفع حدثه به؛ تفريعا على المذهب.
وأما استعماله بالنسبة إلى غيره، فيثبت قبل خروجه، وقبل استكمال طهارته، حتى لوأراد آخر أن يغتسل به في هذه الحالة لم يجز، لأن بنا ضرورة إلى بقاء حكم الطهورية للأول، ولا ضرورة بنا هنا إليها في حق الثاني.
وفي" الرافعي" حكاية وجه آخر: أنه لا يثبت الا ستعمال في حق غيره إلا بانفصاله، حتى إذا انغمس معه في الماء [آخر] ارتفع حدثه أيضا.
وعلى الأول لو انغمسا معا، ونويا تحت الماء جازت طهارتهما، ولو نويا عند إدخال أرجلهما فيه رفع الجنابة ارتفعت عن الجزء الذي اقترنت به النية فقط دون ما بعده، يوافق عليه الخضري وغيره، كما قال بعضهم، وقال في "الروضة":إنه الصحيح.
وفيه إشارة إلى أن الاستعمال لا يثبت فيه أيضا على وجه، وهو الذي ذكرناه عن رواية الرافعي في الحدث قبلها.
والمذكور في"التتمة"الأول.
ولو انغمسا معا، ونوى أحدهما قبل الآخر، قال في "الروضة": فالصحيح أنه يرتفع حدث السابق عن جميع بدنه.
وفيه وجه الخضري.

وفرع هذه المسألة: إذا أدخل المحدث الحدث الأصغر يده في الإناء بعد غسل الوجه قاصدا رفع الحدث عنها، ففي ارتفاعه عن جميعها، أو عن أول جزء منها فقط خلاف الخضري وغيره، وبعد انفصالها يثبت له حكم الاستعمال بلا خلاف.
نعم لو كان حالة إدخال اليد، قصد الاغتراف فقط، لا يصير الماء مستعملا.
فإن قيل: لو قصد المتوضىء بغسل يديه التبرد، وهو غافل عن نية الوضوء، كان في صرف نيته المستصحبة بهذه النية الحاضرة خلاف، فلم لا جرى مثله هاهنا حتى يكون الحكم كما لو أدخلها الإناء ولم يقصد شيئا؟ قلت: لأن من لم يجعل القصد التبرد حكما [قائل] بأنه حاصل بفعله الطهارة وإن لم ينوه؛ فلا يؤثر قصده شيئا، وهنا لا يستلزم وجود أحد القصدين حصول الآخر.
ولو أدخل اليد فب الإناء، ولم يحدد قصد رفع الحدث، ولا قصد الاغتراف، قال في "الكافي" وغيره: صار الماء مستعملا عند الانفصال.
وعبارة الإمام: إن تصور انتفاء القصدين جميعا، فهو كما لو قصد غسل اليد، فإن من نوى وعزبت نيته، ثم غسل بقية أعضائه من غير قصد، يرتفع الحدث عن أعضائه؛ كذا قال الغزالي.

ويمكن أن يقال: هيئة الاغتراف صارفة للنية المستصحبة إلى قصد الاستعمال؛ وهذا ما حكاه المتولي وجها عن بعض الأصحاب في الغسل من الجنابة، ولم يحك الفوراني فيها غيره.
وألحق المتولي مسألة [الوضوء] بها.
ويقال: إن البغوي قطع به، وعلى هذا لا يرتفع الحدث عن الكف ما لم يمر [عليه الماء مرة أخرى].
فرع: إذا غسل المحدث رأسه بدلا عن المسح، وقلنا: يجزئه، فهل يصير مستعملا؟ فيه وجهان: في "الحاوي": قال ابن أبي هريرة [لا]؛ لأن المستحق في الرأس مسحه بالبلل الباقي عليه؛ فلم يصر الفاضل عن غسله مستعملا فيه.
والثاني: أنه يصير مستعملا، كما لو احتاج في غسل وجهه إلى رطل، فغسله بعشرة؛ فإنه يصير مستعملا؛ وهذا أصح في "الروضة".
فلت: وللخلاف التفات على ما سلف في أن النجاسة لو كانت راسبة أسفل الماء الجاري بحيث لا تلاقيها طبقة الماء العليا، هل يحكم بنجاسة [الطبقة] العليا أم لا؟ وفيه ما سلف، والله أعلم.

باب الآنية

الآنية: جمع إناء، كسقاه وأسقية، ورداء وأردية، وجمع الآنية: الأواني، وهي ظروف المياه، فلما ذكر المياه ذكر ظروفها.
قال: تجوز الطهارة -أي: تباح -من كل إناء طاهر بالإجماع؛ فلا يحتاج ما ذكره الشيخ إلى قيد كما ذكره بعض الشارحين؛ إذ المدعى جوازها على الجملة، وهو حاصل، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ من شن من جلد، ومن تور من شبه، ومن قدح من خشب، ومن مخضب من حجر.
قال: إلا ما اتخذ من ذهب أو فضة؛ فإنه يحرم استعماله -أي: على الرجل والمرأة -في الطهارة وغيرها.
ذكر الشيخ غير الطهارة هنا؛ لأمرين: أحدهما: ما ستعرفه.
والآخر: أنه محل قيام الدليل؛ قال عليه السلام:" الذي يشرب في آنية

[الذهب] والفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم" متفق عليه.
وفي "نار" روايتان: النصب، والرفع.
ومعنى الخبر: أنه يلقى في جوفه بسبب [استعماله] ذلك نار جهنم، ومثله ما جاء في قوله تعالى: ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ [النساء: 10] والتجرجر: التصوت، يقال: جرجر فلان الماء في حلقه: إذا جرعه جرعا متتابعا يسمع له صوت.
وقال -عليه السلام_: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة)، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" متفق عليه.
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، وظاهر النهي التحريم، خصوصا وقد تأيد بالخبر الأول، فإن الوعيد بالعقاب إنما يكون على محرم، وإذا حرم الأكل والشرب فغيرهما من الاستعمالات أولى؛ لأنه دونهما في المعنى الذي لأجله حرما.
وبعضهم يقول: إنه -عليه السلام -نبه بذلك على سائر وجوه الاستعمالات؛ كما في قوله تعالى: ﴿الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ [النساء: 10] فإن الوعيد لا يختص بنفس الأكل.
ثم تحريم استعمال آنية الذهب والفضة لعينهما أو لمعنى؟ من الأصحاب من رواه مختصا بعينهما، كما اختص بهما القراض والنقدية وغيرهما.

ومنهم من قال: بل إنما حرم ذلك؛ لما فيه من الخيلاء والتزيي بزي الأعاجم.
وقال الإمام: الذي أراه أن معنى الخيلاء لا بد من اعتباره؛ فإنه مما يبتدر إلى الفهم، وإذا أمكن اعتبار المعنى فحسمه مع القول بالمعاني بعد.
وقد حكى الرافعي ذلك عن العراقيين أيضا، وأثر الخلاف يظهر في مسائل: منها: لو اتخذ آنية من ذهب أو فضة ورصصها من الظاهر، فعلى المعنى الأول يحرم استعماله وعلى الثاني: لا؛ إذ لا خيلاء في ذلك.
ولو رصصها من الظاهر والباطن، قال الإمام: فالذي أراه القطع بجواز الاستعمال؛ فإن الإناء من الرصاص وقد أدرج فيه ذهب مستور فيه.
قال الرافعي: والذي يجيء على رأى من جعل مناط التحريم العين: التحريم أيضا.
وفي "الروضة" حكاية طريقين في المسألة: إحداهما: تخريجه على الوجهين: أصحهما عنده الإباحة.
والثانية: القطع بها.
قلت: والأظهر التفصيل: فإن كان للرصاص المعمول على ذلك جرم يمكن أن ينفصل فلا يحرم، وإلى هذه الحالة يرشد قول الإمام:" إن الإناء من رصاص، وقد أدرج فيه ذهب" وإن كان لا يتحصل من الرصاص الموضوع عليه شيء جرى الوجهان.
ومنها لو اتخذ آنية من رصاص ونحوه، وغشاها بالذهب أو الفضة، بحيث لا يجتمع منه شيء لو عرض على النار -فعلى المعنى الأول: لا يحرم، وعلى الثاني: يحرم؛ لأن الخيلاء موجود فيه، فإن المراد بالخيلاء إظهار أن ذلك آنية ذهب وفضة، وذلك ينكسر به قلوب الفقراء.
ومن قال: إن معنى الخيلاء ملاحظ بلا شك، يعلل وجه الإباحة -هنا -بأنه لا يكاد يخفي المموه بغيره فينتقي معنى الخيلاء من ذلك، ولو كان يجتمع من ذلك شيء بالنار، حرم وجها واحدا.
وكلام الشيخ يقتضي في الصورة الأولى الجزم بالتحريم، وفي الثانية بمقابله، وإن كان في باب ما يكره لبسه, ألحق المموه بالذهب, بالذهب؛ وهذا كله تفريع على

الجديد في [أن استعمال] آنية الذهب والفضة حرام.
وقد حكى الزعفراني عن القديم: أن ذلك مكروه، وليس بمحرم؛ لأن ما فيه الخيلاء والتشبه بالأعاجم لا ينهض حجة في التحريم؛ وعلى هذا فالمموه بالإباحة أولى.
لكن الصحيح بالاتفاق الأول، بل قال الإمام: إن المراوزة لا يعرفون غيره، وأنهم نقلوا

-[أيضا]-

للشافعي في نفي التحريم بخيلاء، ثم أولوه وحملوه على أن المشروب في نفسه لا يحرم.
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه لا فرق في الآنية بين ما ذكر منها وما صغر: كالمكحلة، والمسعط، والمدهن، والمرشف ونحوه، وبه صرح الماوردي في كتاب الزكاة وألق به [الميل]، وقال: إن استعماله لأجل جلاء العين إذا احتاج إليه يكون مباحا: كربط السن بالذهب.
وعن الشيخ أبي محمد تردد في إباحة الظروف الصغيرة من الفضة، وضبط بعضهم الصغير منها بقدر الضبة التي لا تحرم بقصد الزينة.
ورأى الإمام القطع بتحريم الكل.
قال القاضي الحسين: وإذا أراد الإنسان استعمال الماورد الذي في آنية الفضة، فطريقه أن يقلبه في يساره، ثم يقلبه من يساره في يمينه، ويستعمله؛ فلا يكون محرما.
وليس من الاستعمال المحرم شم البخور الذي يصعد من على مبخرة فضة والقرب منها، نعم: الاحتواء على المبخرة منه.

قال: فإن تطهر منه، صحت طهارته؛ لأن المنع لا يختص بالطهارة؛ فلم يقتض الفساد: كالصلاة في الدار المغصوبة، والذبح بسكين الغير، وهذه وهي الفائدة الأخرى التي تقدم الوعد بها.
ولأن التطهير يقع بإجراء الماء على الأعضاء، وذلك يكون بعد انفصاله من الإناء.
قال: وهل يجوز اتخاذه؟ فيه وجهان: وجه الجواز: أن المنع بالاستعمال دون الاتخاذ.
قال البندنيجي وغيره: ولأنه لا خلاف في صحة بيعه.
وهذا فيه نزاع مذكور في كتاب البيع.
ووجه التحريم -وهو الصحيح -: أن ما حرم استعماله على الرجال والنساء، حرم

اتخاذه على هيئة الاستعمال، كالملاهي.
قال البندنيجي وغيره: لأن لا خلاف في وجوب الزكاة فبها، ولو كان الاتخاذ مباحا لكانت لا تجب على قول كالحلي المباح.
قلت: وهذا إنما يتم أن لو كانت الزكاة إنما تجب في المحرم، وهي تجب في المحرم والمكروه، واتخاذ الآنية من الذهب والفضة مكروه.
ثم الشيخ في حكاية الخلاف [في المسألة وجهين] متبع للماوردي وأبي الطيب هنا، وإلا فقد حكاه البندنيجي وكذا أبو الطيب وغيرهما في كتاب الغصب قولين.
ولا جزم قال ابن الصباغ: فبي تحريم الاتخاذ قولان، وقيل: وجهان.
قال المراوزة: وعلى الخلاف يتخرج اسحقاق صائغها أجرة عملها، ووجوب الغرم على كاسرها، فعلى الأول: يجب له الأجرة، وأرش النقص على كاسرها، وعلى الثاني: لا يجب ذلك.
وفي " النهاية" في الفروع المذكورة بعد باب الوليمة: أنه إذا غصب إناء من ذهب وزنه [ألف، وقيمته] ألف ومائة، وفرعنا على أن اتخاذ الأواني من الذهب حرام – يرجع عليه بألف ومائة على وجه، وذكر له نظيرا ثم.
وقد خرج الشيخ أبو محمد على الخلاف في استحقاق صائغها الأجرة: أنه هل يجوز تزيين الحوانيت والبيوت بها من غير استعمال؟ فإن قلنا: يستحق الأجرة، جاز

التزيين بها، وإلا فلا.
قال الإمام: والوجه عندي تحريم التزيين بها؛ للسرف مع الخلاف في حرمة الصنعة.
ومنصوص الشافعي على احترامها؛ فإنه قال: لو أصدق امرأة إناءين من ذهب أو فضة، وكسرت إحداهما؛ ثم طلقها قبل الدخول فقولان: أحدهما: أن الزواج يأخذ نصف قيمة المنكسر، ونصف الإناء الصحيح.
والثاني: يأخذ قيمة نصف الإناءين، ويترك الإناءين في يدها؛ فإن كان من ذهب فيقوم بالفضة، وإن كان من فضة فيقوم بالذهب.
قال: وما اتخذ من بلور أو ياقوت- أي: وما في معناه: كالعقيق والفيروزج وغير ذلك، ففيه قولان: أظهرهما: أنه لا يحرم استعماله؛ هكذا رأيته في نسخة عليها خط المصنف رحمه الله.
ووجهه: أن الشرع إنما نص على تحريم أواني الذهب والفضة؛ [فاختص المنع بها] وهذا [ما] حكاه الربيع، ونقله المزني وغيره، وهو الأصح في "التهذيب".
ومقابله نص عليه في "حرملة ": أنه يحرم؛ لأن في ذلك سرفا؛ فأشبه المتخذ من الفضة والذهب؛ وهذا مت نسب أبو الطيب إلى القديم، ومن هذا الخلاف استنبط ما سلف من أن تحريم آنية الذهب والفضة تعبد أو لأجل الخيلاء والتشبه بالأعاجم؟ فمن قال: إنه لا يتعدى التحريم [آنية] الذهب والفضة، قال بالتعبد.
ومن عداه إلى الياقوت ونحوه، راعي المعنى المذكور.
والإمام حيث قال: إن المعنى لا بد من ملاحظته، قال: إنما لم تحرم الآنية من الياقوت ونحوه؛ لأنه لا يعرف ذلك إلا الخواص من الناس؛ فلا يحصل التخييل وكسر قلوب الفقراء؛ بخلاف الذهب والفضة؛ فإنه يعرفها الخاص والعام.

وقد رأيت في كلام بعضهم بناء الخلاف في مسألتنا على الخلاف أن تحريم الذهب والفضة؛ أو لعينهما أو لأجل السرف: فإن قلنا: لعينهما، لم تحرم آنية الياقوت ونحوه.
وإن قلنا: لأجل السرف، فهو هنا أكثر؛ فيحرم.
تنبيه: البلور بكسر الباء وفتح اللام كسنور، قيل: ويجوز بلور بفتح الباء وضم اللام.
وقد أفهمك استثناء ما ذكره بعد تعميم القول بجواز الطهارة من كل إناء طاهر _ أن ما عدا المستثنى من الأواني الطاهرة باق على الإباحة، سواء كان خسيسا أو نفيسا؛ بسبب صنعه: كالزجاج المحكم، والخشب ونحوهما، وهو كذلك عندنا، ولا نعرف فيه خلافا إلا ما يحكى عن بعضهم: أن فيما نفاسته في صنعته وجها: أنه يحرم، ولم نره في كتاب يوثق بنقل صاحبه، بل الماوردي والشيخ أبو محمد ألحقا البلور بالزجاج المحكم في الجزم بعد التحريم.
نعم: حكى الماوردي وجهين في المتخذ من الطيب الرفيع: كالعود الرفيع، والكافور المصعد، والمعجون من المسك والعنبر، تخريجا على القولين في الياقوت ونحوه.
وأفهمك تقييد الطهارة الاحتراز عن الإناء النجس عينا؛ كالمتخذ من جلود الميتات قبل الدباغ والنجس بغيره -فإن فيه تفصيلا، وهو [أنه] إن كان ما فيه دون القلتين فلا يجوز، وليس ذلك لنجاسة الإناء، بل لنجاسة ما فيه: فإن تصور أن يكون طاهرا كما ذهب إليه بعض الأصحاب في الإناء الطاهر الذي ولغ فيه الكلب _ كما ستعرفه في بابه -جازت الطهارة منه.

[وإن كان ما فيه قلتين، فقط بني جواز الطهارة منه] على وجوب التباعد من النجاسة: فإن قلنا: يجب، لم تجز الطهارة [منه]، وإلا جازت بما يغترفه منه أول مرة.
وإن كان أكثر من قلتين، فيجوز الطهارة منه، من الموضع الذي يكون بينه وبين النجاسة مقدار قلتين، وأما مابينه وبين النجاسة دون القلتين، فعلى الخلاف.
وأواني المشركين هل تلحق بالأواني الطاهرة او بالمتنجسة؟ الكلام فيها وفي ثيابهم واحد، وهو أنه ينظر: فإن كانوا لا يتعبدون باستعمال النجاسة: كأهل الكتاب فهي كآنية المسلمين وثيابهم، واستدل لذلك في الأواني بقوله تعالى:} وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم {[المائدة:4] ومعلوم أنهم يطبخون في اوانيهم، واو كانت نجسة لما حل المطبوخ فيها، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة، وتوضأ عمر من جرة نصرانية، حكاه في "المختصر".
والجرة: إناء من فخار.
نعم: فال الأصحاب: يكره استعمال ذلك، لأنهم لا يتحرزون من النجاسات.
قال الشافعي: وأما مايلي أسافلهم - أي: من الثياب – أشد كراهة.
وخص البندنيجي الكراهة بما عدا آنية الماء، وقال: إن استعمال آنية الماء غير مكروهة، ويشهد لقوله فعله عليه السلام وفعل عمر.
وإن كانوا يتدينون باستعمال النجاسة: كطائفة من المجوس، والبراهمة من

الهنود الذين يغتسلون بأبوال البقر، تقرباً ففي جواز استعمالها وجهان أخذا من القولين في تعارض الاصل والغالب, والأصح منهما في "التتمة" التحريم, لما روي في حديث أبي ثعلبة الخشني أنه قال: يا رسول الله: إنا ننزل بلاد المشركين ونطبخ في قدورهم ونشرب في أوانيهم؟ فقال: استغنوا عنهم ما استطعتم, فإن لم تجدوا عنها بدا فارحضوها بالماء, فإن الماء طهور".
وفي "تعليق البندنيجي": أن الذي نص عليه الشافعي في القديم وحرملة : الإباحة، واختاره أبو إسحاق، وحمل الحديث على ما إذا تحقق نجاسة ذلك

بلحم خنزير وغيره.
والفرق على الوجه الأول بينه وبين ما إذا تحقق الطهارة، وغلب على ظنه الحدث، حيث يأخذ باليقين: أن الطهارة والنجاسة يتطرق إليهما الاجتهاد، وتنتصب عليهما العلامات، وما كان كذلك، وجب الاستمساك فيه بغالب الظن، كسائر المجتهدات، وليس يتطرق ذلك إلى الحدث، إذ ليس عليه علامة لائحة بها اعتبار، وهذا فرق الإمام.
ومجموع ما ذكرناه في أواني الكفار وثيابهم، يجري في أواني مدمني الخمر وثيابهم، وثياب القصابين الذين لا يحترزون عن النجاسة.
ثم ما ذكرناه في أواني الكفار وثيابهم، هو طريقة الجمهور أيضاً.
والماوردي قسم الكفار ثلاثة أقسام: فقال: من يتنزه من النجاسة: كأهل الكتاب، يجوز استعمال ثيابهم، [ومن لايتعبد بالنجاسة، ولايتنزه منها يجوز استعمال ثيابهم، ويكره]، ومن يتدين باستعمالها إن قل لبسه لتلك الثياب كرهت الصلاة فيها، وإن طال زمن لبسه لها، ففيها الخلاف السابق.
وأما الأواني: فإن كانت أواني أهل الكتاب الذين لا يأكلون لحم الخنزير فيجوز استعمالها وإن كانوا يأكلون لحم الخنزير، ففيها الخلاف السابق.
قال: وما ضبب بالفضة إن كان قليلاً للحاجة لم يكره، لقلته، وللحاجة إليها، وقد روي أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر، فاتخذ مكان الشق سلسلة من فضة.
أخرجه البخاري، وروي أنه كان لقدحه حلقة من فضة.
قال: وإن كان للزينة، أي: كان قليلاً للزينة، كره، لعدم الحاجة إليه ولا يحرم لقتله.
قال: وإن كان كثيراً للحاجة، كره للكثرة، ولا يحرم للحاجة.
انتهى.

قال: وإن كان للزينة – أي: كثيراً للزينة – حرم، لكثرته، وعدم الحاجة إليه، وهذه طريقة الداركي وغيره من متأخري الأصحاب، ولم يحك البندنيجي غيرها، واختارها في " المرشد".
قال: وقيل: إن كان في موضع الشرب، حرم – أي: وإن قل ودعت الحاجة إليه – كما قال الإمام، لأن بالفضة يقع الاستعمال.
قال: وإن كان في غيره، لم يحرم، إذا لا يقع بها استعمال، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي، أخذها من قول الشافعي في "المختصر": "وأكره المضبب بالفضة كي لا يكون شارباً على فضة".
قال: وقيل: لايحرم بحال، لأنه روى أن سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبيعته من فضة، ونعله من فضة، وما بين ذلك حلق الفضة، وكانت برة ناقته من فضة.
وأيضاً: فالدليل قام على تحريم إناء الذهب والفضة، والمضبب لا يسمى إناء ذهب أو فضة، وهذه طريقة أبي علي الطبري الزجاجي، وحمل الكراهة في لفظ

الشافعي على التنزيه، وهي مخصوصة بما إذا لم يعم التضبيب الإناء، فإن عمه، حرم كله قولاً واحداً، قال الماوردي.
وقد حكى الشيخ أبو محمد وجها يقابل هذه الطريقة: أن المضبب يحرم بكل حال، لما روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من شرب في إناء من ذهب أو فضة أو إناء فيه شيءٌ من ذلك، فإنما يجرجر في جوفه نار جهنم".
وبعض المراوزة قال: القليل للحاجة لا يحرم، والكثير للزينة يحرم، وفي الكثير للحاجة والقليل للزينة وجهان.
والماوردي قال: إن كان كثيراً للحاجة في فم الإناء حرم، وإن كان في غيره لا يحرم، وإن كان قليلاً للحاجة فلا يكره، وإن كان يسيراً للزينة فلا يحرم، وفي الكراهة وجهان: أحدهما: لا، كالثوب المطرز.
والثاني: نعم.
والفرق: أن الحرير أخف، لإباحته لجنس النساء.
وقال القاضي الحسين: إن كان في موضع الشرب، لا خلاف في التحريم، وكذا قاله في "التهذيب".
وإن كان في غيره: فإن كان قليلاً للحاجة، يجوز قولاً واحداً، وإن كان كثيراً لغير حاجة لا يجوز قولاً واحداً، وإن كان كثيراً لحاجة أو قليلاً لغير حاجة فوجهان.
والمراد بالقليل مالا يأخذ جانباً من جوانب الإناء: كدور أسفله أو رأسه، والكثير

بخلافه، واستبعد الإمام ذلك، من جهة أن الإناء قد يكبر، فيكون سعة سلفه ذراعاً في ذراع، فما يأتي عليه ثلث الإناء أو نصفه كثير متفاحش.
قال: والأولى ضبط القليل بما لا يلوح من البعد، والكثير بما يلوح منه.
وفيه نظر، لأنه إن أراد بالبعد ماوراء مجلس التخاطب، فيبعدألا يرى الضبة منه وإن قلت.
وإن أراد أكثر من ذلك، فلا ضابط لذلك يرجع إليه إلا العرف، ولو رجع إليه أولاً، لاستغنى عن ذلك.
ولا جرم: أن بعضهم قال: المرجع في القلة والكثرة الى العرف، وهو الأصح في "الروضة".
والمراد بالحاجة قدر الشعب، لا أنه لم يجد ما يضبب به غير ذلك، كذا قاله ابن الصباغ، وأيده بأنه لو لم يجد إلا إناء ذهب أو فضة، ومست الحاجة إلى استعماله جاز له استعماله، ثم قال: ويحتمل أن يعتبر عجزه عما يقوم مقام الفضة.
وهذه الطرق مفرعة على الجديد في تحريم آنية الذهب والفضة، ولا يلتحق الضبة المحرمة الاستعمال في الإناء الخاتم في كف الشارب، والدرهم في فمه أو في الإناء الذي يشرب منه.
وقد أفهم قول الشيخ: "وما ضبب بالفضة": أن المضبب بالذهب غير جائز بكل حال، وهو ما أورده الماوردي هنا في كتاب الزكاة، والشيخ في "المهذب" وحكاه ... البغوي عن العراقيين، وحكاه النواوي عن رواية أبي العباس الجرجاني والشيخ

أبي نصر المقدسي والعبدري.
ويوافق ذلك إطلاق القاضي الحسين: أنه لا يجوز أن يلبس خاتما من فضة أسنانه من ذهب.
والرافعي اقتصر على نسبته إلى رواية الشيخ في "المهذب"، ورجحه، ثم قال: والذي أورده الجمهور: أنه لا فرق بين الذهب والفضة في ذلك، وهو الذي اختاره والروياني في "تلخيصه"، وحكاه بعضهم عن المراوزة.
] و [عن الشيخ أبي محمد: أنه لا ينبغي أن يسوى بين الذهب والفضة في الصغر والكبر؛ فإن القليل من الذهب في إظهار الخيلاء بمثابة كثير الفضة، وأقرب

معتبر به فيه أن ينظر إلى قيمة ضبة الذهب إذا قومت بالفضة.
قال: ويستحب أن يخمر الآنية، لقوله – عليه السلام-: "أغلقوا الأبواب، وأوكئوا الأسقية، وخمروا الآنية، وأطفئوا السرج، فإن الشيطان لا يفتح مغلقا، ولا يحل وكاء، ولا يكشف إناء، وإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم".
والتخمير: التغطية؛ أخذً من الخمار؛ لأنه يغطى الرأس.
قال: فإن وقعها بعضها نجاسة، واشتبهت عليه تحرى – أي سأل الأحرى، وهو الاجتهاد.
قال: وتوضأ بالطاهر على الأغلب عنده؛ لأنه لا يشترط في الماء المستعمل في الطهارة اليقين بلإجماع؛ بل يكفي فيه ظن الطهارة؛ بدليل جواز الطهارة من الماء القليل مع القدرة على الماء الكثير، وإذا كان كذلك فالاجتهاد محصل للظن بها.
ونظمه قياساً: أنه سبب من أسباب الصلاة يمكن التوصل إليه بالاجتهاد؛ فجاز الاجتهاد فيه عند الاشتباه: كالقبلة.
والاجتهاد والتحري والتأخي بمعنى [وهو] بذل الجهد في طلب الشيء.
والجهد – بضم الجيم -: هو الطاقة.
وقال الماوردي في كتاب الأقضية: الاجتهاد: مأخوذ من جهاد النفس، وكدها في طلب المراد، وكذا الجهاد مأخوذ من إجهاد النفس في قهر العدو, والاجتهاد: هو طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه.
وزعم ابن أبي هريرة: أن الاجتهاد هو القياس، ونسبه إلى الشافعي من كلام اشتبه عليه في كتاب "الرسالة" والذي قاله الشافعي: أن معنى الاجتهاد [معنى] القياس, يريد به أن كل واحد منهما يتوصل به إلى حكم غير منصوص عليه.
وكيفية الطلب هنا: أن ينظر إلى تغير أحدهما، أو اضطرابه، أو ترشيش حوله، أو

قرب الكلب، منه أو نقصه ونحو ذلك.
قال: وقيل: إن كان معه ماء – أي: أو يقدر على ماء – يتيقن طهارته – أي: مثل أن كان معه إناء ثالث لا شك عنده في طهارته، أو كان على شط بحر أو نهر أو ماء كثير لم يتحر؛ لأنه قادر على إسقاط الفرض بيقين؛ فلا يسوغ له تأديته بالاجتهاد؛ كالمكي في القبلة، وهذا قول أبي إسحاق المروزي، وادعى أنه مذهب الشافعي؛ لأنه قال: وإذا كان في سفر، ومعه ماءان نجس أحدهما، ففرضه] الاجتهاد]، وإذا لم يكن معه ثالث طاهر بيقين.
وعن المزني: أنه منع التحري في الأواني مطلقاً، وقال: إنه يتيمم، ويصلين ولا يعيد؛ كما لو اشتبه عليه ماء وبول.
وعن بعض الأصحاب فيما حكاه الصيدلاني: أنه يجوز أن يهجم ويتوضأ بأحد الآنية، ويصلي، ولا إعادة عليه؛ لأن الأصل في كل منها الطهارة، وعدم وقوع النجاسة فيه، وفارق القبلة؛ لأنه ليس الأصل في كل جهة أنها القبلة.
قال الإمام: وهذا وإن كانل لا يعسر توجيهه، فهو بعيد عن المذهب جدا.
وحكي عن شيخه وبعض المصنفين: أنه لو ظن اللرجل طهارة أحد الإناءين من غير تعلق بأمارة، فله التعويل على الظن من غير أن يكون له مستند، فأما استعمال أحدهما من غير اجتهاد فلا، وهذا أشهر مما حكاه الصيدلاني، وقد حكاه القاضي الحسين والمتولي أيضاً، وعليه يدل النص، لأنه قال: أراق النجس على الأغلب عنده.
وبهذا يحصل في المسألة.
ورأى الأول أربعة أوجه، والصحيح الأول.
وقول أبي إسحاق باطل؛ لجواز الطهارة من الماء القليل مع وجود الكثير.
والشافعي إنما شرط فقد الإناء الثالث في وجوب الاجتهاد عليه، لا في جوازه؛ فإنه إذا كان معه إناء طاهر بيقين، كان بالخيار بين أن يجتهد وبين ألا يجتهد، والأولى استعمال الطاهر، بخلاف ما إذا لم يكن معه ثالث يتيقن طهارته؛ فإنه يجب عليه الاجتهاد؛ كما صرح به الماوردي وغيره.

والفرق بين ما نحن فيه والمكي في القبلة: أن اليقين ثم في محل الاجتهاد، وهو هاهنا في غيره.
وما ذكره المزني خطأ؛ لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة:6] وهذا واجد للماء.
وما رواه الصيدلاني باطل من جهة أن ذاك الأصل قد عارضه تحقق وقوع النجاسة؛ فارتفع به.
وما رواه الشيخ أبو محمد وغيره ضعيف؛ لأن الظن لا يغلب من غير سبب يقتضي تغليبه، والأمور الشرعية لا تبني على الألهامات والخواطر، ويتخرج على ما ذكره الشيخ من الخلاف مسائل: منها: إذا اشتبه عليه ماء طهور وماء مستعمل، فإن قلنا بالأول، جاز أن يجتهد فيهما، وإن قلنا بالثاني: فلا، بل يتوضأ بكل واحد منهما؛ كذا قاله البندنيجي والماوردي وابن الصباغ.
والقاضي أبو الطيب بنى ذلك على ما إذا اشتبه عليه إناء طاهر وإناء نجس، فانصب أحدهما قبل الجتهاد، هل يجتهد في الثاني أو يستعمله من غير اجتهاد؟ فيه وجهان: فإن قلنا بأنه يجتهد في الثاني، اجتهد هاهنا، وإلا توضأ من كل واحد منهما، والبناء الأول أشبه.
[والثاني يلتفت إلى أن الإقدام على الوضوء، هل يجوز مع عدم الظن بأن المتطهر به آلة للطهارة أم لا؟].
وماذكره في الفرع المبني عليه فيه مزيد نقل؛ فإن ابن الصباغ والشيخ في "المهذب" وغيرهمت قالوا: إنه هل يجتهد في الثاني أو لا؟ فيه وجهان اختار ابن سريج: أنه يجتهد، وقال غيره: لا, وهو الأصح في "المهذب".

وعلى هذا قال أبو علي في "الإفصاح": يتوضأ به؛ لأن الاصل الطهارة.
وقال القاضي أبو حامد في "الجامع": يتيمم ويصلي؛ لأن حكم الأصل قد زال فيه؛ لوجوب التحري.
والخلاف على النحو المذكور قد حكاه أبو الطيب – أيضا – في موضع آخر فيما إذا كان قد صب أحدهما بعد الوقت.
ومنها: إذا كان معه إناء طاهر, وإناء نجس, ويبلغ مجموعهما قلتين فأكثر, وهو قادر على خلطهما – قال الإمام: فعلى الأول: له الاجتهاد فيهما, وعلى الثاني: يجب عليه الخلط.
وهذا التخريج أبداه ابن الصباغ من عند نفسه.
ومنها: ما إذا اشتبه علي ماء, وماء ورد انقطعت رائحته [قال الإمام] فعلى الأول: يجوز له الاجتهاد, وعلى الثاني: يتوضأ من كل إناء, ويصلي صلاة واحدة.
قلت: وهذا البناء فيه شيء, والحق إلحاق هذه الصورة بما إذا اشتبه عليه ماء وبول , فإن ماء الورد والبول لا أصل لهما في التطهير.
فرع: إذا غلب على ظنه طهارة إناء, وتوضأ به, قال الشافعي: أستحب له أن يريق الآخر؛ كي لا يدخل عليه وقت صلاة أخرى, ويتغير اجتهاده, فإن أراقه فذاك, وإن أبقاه حتى دخل عليه وقت صلاة أخرى: فإن لم يحدث فهو باق على طهارته, وإن أحدث: فإن كان قد بقي مما استعمله بقية تكفيه لطهارة أخرى, اجتهد في الآخر وفيما بقي من الذي تطهر منه: فإن علم أن ما توضأ به هو الطاهر أو ظن ذلك, توضأ منه, وإن تيقن أن ما توضأ به هو النجس أعاد الصلاة, وغسل ما أصاب يديه وثيابه.
وفي المسألة قول شاذ: أنه لا إعادة عليه؛ كنظيره في القبلة, وهو محكي في كتب المراوزة ثَم.
وإن غلب على ظنه أن ما تطهر به أولا هو النجس, قال القاضي الحسين: فلا يستعمله, وله أن يريقهما أو يصب أحدهما في الآخر, ويتيمم ويصلي, ولا إعادة عليه.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل