كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 145-187
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 145-187
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وأما إلقاء الملح فيه، فالمذهب – كما قاله الروياني [في "تلخيصه"]-أنه يسلب الطهوية، والمشهور: أن الملح إن كان جبليا سلبها، وبه جزم الماوردي والمتولي وغيرهما.
قال الإمام: ومن ظن فيه خلافا فقد غلط.
المنسوب منهما في "الشامل" لصاحب "التلخيص": أنه لا يسلب، ولم يحك غيره.
وقد قيل: إنه منسوب في "الإبانة"إلى القفال.
وفي غيره المنسوب إليه مقابله، وهو الصواب؛ إذ مذهبه منع الطهارة بالماء الذي ينعقد [منه] الملح؛ فلا جرم قال في "التتمة": إن الوجهين في سلب الطهورية هنا مخرجان على جواز الطهارة بالماء الذي ينعقد منه الملح.
وقد قيل: إن الجبلي لا يسلب الطهورية أيضا؛ لأنه يذوب في الماء كالجمد.
قال الفوراني: وهو اختيار القفال.
فلا جرم حكى الغزالي وغيره في تغيره بالملح ثلاثة أوجه، ثالثها -وهو ما صححه في "الكافي"_: أن الجبلي يسلبه الطهورية بخلاف المائي.
تنبيه: إطلاق الشيخ التغيير يعرفك أمرين: أحدهما: أنه لا فرق فيه بين الطعم أو اللون أو الرائحة، وهو كذلك عند

العراقيين والمراوزة، وفي"التتمة" نسبته إلى قول ابن سريج، والرافعي حكاه عن "جمع الجوامع" قولا اختاره ابن سريج.
[و] قال المتولي: إن الذي نص عليه الشافعي أنه لا بد من تغير اللون والطعم والرائحة؛ لأن القليل من ماء الورد يغيره الرائحة والقليل من الخل يغير الطعم ولا يزيل [إطلاق] الاسم.
قال: وأصل الخلاف: إذا غسل الثوب من الخمر، فزال اللون وبقيت الرائحة – هل يحكم بطهارته؟ وفيه قولان: فإن قلنا: يحكم بطهارته، لم يسلب أحد الأوصاف الطهورية، وإلا سلبها.
قلت: وليس لقائل أن يقول: تمثيل الشيخ الخالط بالزعفران يدل على أنه لا يكفي عنده في سلب الطهورية تغير بعض الأوصاف؛ لأنه يغير الطعم واللون

والرائحة؛ لأنا نقول: تمثيله بالأشنان يأبى ذلك، والأشنان بضم الهمزة وكسرها.
وقد حكى الرافعي طريقا آخر: أن تغيره باللون وحده يسلبه الطهورية، وكذا تغير طعمه وريحه إذا اجتمعنا دون أحدهما.
الثاني: أنه [لا فرق] بين اليسير والكثير، وهو ما حكاه العراقيون والقاضي الحسين.
وقال الإمام: إن القفال قال به أيضا؛ [قياسيا] على التغير بالنجاسة، لكن الأظهر أن التغير اليسير لا يؤثر؛ فإنه لايسلب الماء الإطلاق بخلاف التغير الكثير.
وقاعدة الباب: اتباع الاسم.
وتخالف النجاسة؛ فإن التغير بها أفحش؛ ولذلك سلب قليلها الماء القليل الطهارة وإن لم يتغير، وهذا ما حكاه المتولي لا غير، عند الكلام فيما إذا لم يكن للنجاسة لون.
قال مجلي: وما قاله العراقيون إلى كلام الشافعي أقرب.
فرع: إذا كان المخالط لا يغير الماء؛ لموافقته لصفاته، ولو قدر مخالفا له في بعض الصفات لغيره التغير المؤثر، وذلك مثل أن يكون ماء [الورد الذي] انقطعت رائحته، والماء المستعمل إذا قلنا: إنه لو بلغ قلتين لا تجوز الطهارة به؛ كما قاله في "الكافي" وغيره ونحوهما -هل يسلبه الطهورية؟ ينظر: فإن كان أكثر من الماء سلبه بلا خلاف، لكن لماذا؟ هل للكثرة أو لأجل ظهور التغير عند مخالفة الصفات أو

بعضها؟ فيه وجهان ذكرهما أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
ومختار العراقيين -كما قال بعضهم، وهو المذكور "في تعليق البندنيجي" "والحاوي"، لا غير -: الأول.
ومختار المراوزة، وصاحب "المرشد"، وهو الذي القاضي الحسين_: مقابله.

قال ابن الصباغ: وهو بعيد؛ لأن الأشياء [يختلف حكمها] في ذلك: فمنها ما يغير قليله، ومنها مال لا يغير إلا الكثير منه، فأيها يعتبر؟ فإن قيل: بأدناها صفة، قيل: فاعتبروا هذا المخالط بنفسه؛ فإن له صفة تنفرد عن الماء.
فإن قيل: هذا لا يغير بحال، قيل: هذا مستحيل؛ لأنه إذاكان أكثر من المائع تبعه في الصفة.
والمراوزة قالوا: يعتبر الوسط في الألوان.
وقد سكت العراقيون عما إذا كان الماء وما وقع فيه سيين.
والمتولي وصاحب "الكافي" ألحقاه بحالة كثرة المخالط.
آخر: إذا كان على عضو من أعضاء طهارته زعفران أو سدر، فتغير الماء بملاقاته، هل يصح به طهارة ذلك العضو؟ فيه وجهان في "الذخائر"، سلف مثلهما في باب غسل الميت، وماهو الصحيح منهما، ومثلهما ما سنذكره آخر الباب.
قال: وإن تغير بما لا يختلط به كالدهن – أي: المطيب -والعود -أي: المطيب -وما في معناهما: كالعنبر -جازت الطهارة به في أحد القولين؛ لأنه تغير بالمجاورة، فلم يمنع من [صحة] الطهارة؛ كما لو تغير بجيفة بقربه؛ وهذا ما حكاه أبو الطيب وغيره

من رواية الربيع في "الأم"، ونقله المزني وغيره، ولم يورد البندنيجي والماوردي والقاضي الحسين غيره، وهو الأصح في "الكافي" وغيره.
ومقابله: أنه لا تجوز الطهارة به؛ لأنه لا فرق في النجاسة بين التغير بالمخالط والمجاور، وكذا في التغير بالطاهر، ويعني [بالمخالط في النجاسة]: المائع الذي لا يتميز بعد وقوعه فيها عن الماء: كالبول، وبالمجاور: إذا وقعت فيه ميتة، والفرق بينه وبين ما إذا تغير بجيفة بقربه: أنه [ثم] لم تحصل فيها ملاقاة، وهذا القول حكاه العراقيون عن رواية البويطي، والإمام حكاه عن رواية شيخه عن صاحب "التلخيص"، وقال: إنه غريب مزيف.
وقال ابن الصباغ: يحتمل أنه أراد به: إذا كان يختلط به.
ومسألة النجاسة غير خالية عن نزاع، كما ستعرفه.
ثم ما ذكرناه من تقييد الدهن والعود بالطيب هو ما ذكره في "الأم"، ولفظه: "ولو صب فيه دهن طيب، أو ألقي فيه عنبر، أو عود أو شيء ذو ريح لا يختلط بالماء، وظهر ريحه في الماء"، وهذا كالصريح في اختصاص الخلاف بما إذا كان التغيير بالرائحة فقط، وعليه جرى الماوردي، وهو يفهم الجزم فإنه إذا كان بالطعم أو اللون

كان من نوع التغيير بالمخالط.
فإن قيل: هل من ضابط يميز المخالط والمجاور؟ قلنا: قد قيل: إن المخالط: ما إذا طرح في الماء لم يتميز أحدهما في رأي العين، والمجاور: ما يتميز.
وقيل: إن المخالط ما إذا وضع في الماء لا يمكن فصله عنه، والمجاور: ما يمكن فصله.
وقيل: المرجع فيهما إلى العرف.
وعلى الأولين يتخرج تغير الماء بالتراب، هل [هو] تغير مخالطة أو مجاورة؟ فعلى الأول هو مخالط، وعلى الثاني: لا؛ لأنه يمكن فصله بعد رسوبه.
وعليهما أيضا يتخرج [ما سلف] من يتغيره بورق الأشجار، وحسن ما ذكره القاضي من الفرق بين الخريفي والربيعي.
وإذا عرفت ما ذكرناه، فخرج عليه الفروع، وليقع [عليه] التفريع على أن التغيير بالمجاورة لايسلب الطهورية؛ إذ به يظهر أثر التفريع، ولنذكر من ذلك ما قد يقع الاشتباه فيه: فمن ذلك: إذا وضع الزبيب، والقمح، والتمر، والحمص، والأرز، ونحو ذلك في الماء: فإن انحل منه شيء فهو تغير بالمخالطة، وإلا فتغير بالمجاورة؛ قاله الماوردي.
نعم، لو غلى القمح ونحوه بالنار، وتغير به، ولم ينحل منه شيء، فهل يسلبه الطهورية؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لو لم يغله.
الثاني: نعم؛ لأنه استجد له اسم المرق.

ومثل هذا الخلاف ما قيل [فيما] إذا تغير الماء بشحم أذيب فيه بالنار [هل يسلبه الطهورية أم لا؟ ومنه: ما إذا تغير الماء بوقوع المني فيه]، هل يسلبه الطهورية؟ فيه وجهان: أصحهما في " الروضة":نعم؛ لأنه مخالط.
والثاني: لا؛ لأنه لا يكاد ينماع في الماء كالدهن.
ومنه: إذا وقع كافور في الماء فغيره، هل يسلبه الطهورية؟ فيه وجهان في "تعليق أبي الطيب"، مأخذهما: أنه مخالط لكنه يبطىء ذوبه، أو مجاور.
والبندنيجي ادعى [أن المذهب] سلب الطهورية، وأن من أصحابنا من قال: إن كان الكافور كثيرا يخالطه جميعه فهو المسك، وإن كان قليلا لا يخالط كل الماء جاز التوضي به؛ لأن الرائحة رائحة مجاورة.
وليس بشيء.
وقال في "الحاوي": إن علم انحلال الكافور فيه سلبه الطهورية، وإن علم أنه لم ينحل لم يسلبه، وإن شك فيه نظر في صفة التغيير: فإن كان [قد] تغير الطعم دون الرائحة فهو دال على أنه تغير مخالطة، وإن تغيرت الرائحة فوجهان: أحدهما: يغلب فيه تغير المخالطة.
والثاني: تغير المجاورة.
وقال الإمام: إن كان صلبا وغير رائحته فهو تغير مجاورة، وإن كان رخوا وذاب في الماء وخالطه وظهرت رائحة الكافور فيه_: فمن لم يكتف من أئمتنا بأدنى تغير حكم بأن الماء طهور، ومن صار إلى أن التغيير اليسير بالزعفران يسلب الطهورية اختلفوا ها هنا: فذهب بعضهم إلى منع التطهر به؛ لأنه مخالط، وذهب الأكثرون إلى جوازه؛ فإن الكافور وإن كان مختلطا فليست المخالطة سبب التغيير، وإنما سببه قوة ريح الكافور؛ فهو في معنى تغير المجاورة.
ومنه: إذا وضع فيه القطران وتغير به, فقد نص الشافعي في "الأم"

على أنه لا يمنع الطهارة، وقال بعد ذلك بأسطر:"إذا خالط الماء قطران أو بان تغيره، منع جواز التوضؤ به".
قال جمهور الأصحاب: وليست على قولين؛ وإنما هي على [اختلاف] حالين؛ فإن القطران على ضربين: ضرب يختلط بالماء؛ فيمنع جواز التوضؤ: كالخل.
وضرب لا يختلط به وهو مثل [الدهن والعود المطيب].
قال الماوردي: قد وهم بعض أصحابنا فخرجه على قولين.
فائدة: إذا أطلق الأصحاب في [مسألة] قولين، فاعلم أن مرادهم: نسبة الخلاف فيها إلى الشافعي -رحمه الله -وتارة يكون الشافعي قد نص عليهما معا؛ فالنسبة إليه حقيقة، ثم له في نصه عليهما حالتان: إحداهما: أن يقول في مجلس واحد قولا ثم آخر بخلاف ذلك في غير تلك المسألة؛ فالنسبة إليه -أيضا -حقيقة، لكن إن عرف آخر قوليه فهو المعتمد، وهل يكون ذلك رجوعا عن [الأول] أم لا؟ فيه كلام نذكره في الباب، وهذه الحالة: الشافعي فيها مشارك لغيره من الأئمة.
والحالة الثانية: أن يذكرهما في مجلس واحد، وهذا ما اعترض عليه فيه، وقيل: إنه لم يقل به غيره [من الأئمة]، وإن حكم الله – تعالى – واحد عنده، ولا يحسن مع ذلك إطلاقه القول بقولين فيه.
وأجيب عن ذلك بأن مراد الشافعي بذكر القولين تعريف السامع أنه لا مدرك عنده لقول ثالث، وهو متردد في أيهما أرجح، لا أنه يوجب العمل بهما، ومثل هذا قد روي عن عمر -رضي الله عنه -فإنه قال: "تعتد الأمة بحيضيتين، فإن لم تحض فبشهرين أو شهر ونصف"، قال الإمام في "العدد": فمنهم من قال: هو شك من

الراوي، ومنهم من قال: هو ترديد قول عمر، وهو ظاهر الرواية، ثم قال هو وغيره [ثم]: وهذا شاهد بين في أن ترديد القول ليس بدعا.
نعم، إذاعمل بعد ذلك بأحد القولين -قال المزني: يكون إبطالا للقول الآخر، وعند غيره من أصحابنا لا يكون إبطالا [له]؛ وإنما يكون ترجيحا له على الآخر؛ كذا قاله الماوردي في كتاب الدعاوى، وقال في أول كتاب العتق: " إن الأصحاب اختلفوا فيما إذا ذكر الشافعي قولين، ثم كرر أحدهما، أو فرع عليه: فمنهم من يقول: لا تأثير لذلك، ومنهم من يقول: له تأثير في غيره لا يترجح عليه.
واختلفوا: هل يصير بهذا أرجح من غيره أم لا؟ والذي ذكره القاضي أبو الطيب في باب ضمان الأجزاء: أنه إذا ذكر قولين، ثم فرع على أحدهما -كان هو الصحيح الذي اختاره.
وتارة ينص في مسألة على قول، وفي نظيرها على قول يخالفه؛ فيعسر على بعض الأصحاب الفرق بينهما فيقول في المسألتين قولين بالنقل والتخريج، وبعضهم يرسل في هذه الحالة إطلاق القولين ونسبتهما إلى الشافعي على نوع من التجوز.
وإذا لم يكن للشافعي في مسألة بعينها نص، فالأصحاب يخرجونها على أصوله: فإن اتفقت أرسلو ذكر الحكم، وإن اختلفت عبروا عن الخلاف فيها بالوجهين، ومنهم من يتسامح ويطلق عليه قولين، وكثيرا ما يأتي الوجهان لاختلاف الأصحاب في مراد الشافعي بلفظه، ويعبر عن هذا النوع بالطريقتين.
وقد يذكر الشافعي قاعدة كلية، وينص في أحد أفراد القاعدة على ما يخالفها؛ فيقول بعض الأصحاب لأجل ذلك: في المسألة قولان، ويخطئه الأصحاب؛ فإن القاعدة العامة يجوز أن تخص؛ فلا تعارض المنصوص، والله أعلم.

قال: وإن وقع فيما دون القلتين [منه] نجاسة لا يدركها الطرف -أي: لا يشاهدها البصر _ مثل: أن تقع ذبابة على نجاسة رطبة، ثم تقع في الماء-[لم تنجسه؛ لأنها نجاسة] يشق الاحتراز منها؛ فعفا الشارع عنها؛ كغبار السرجين؛ وهذا ما أفهمه قوله في "المختصر":"إذا وقع في الإناء نقطة خمر أو بول [أو دم] أو أي نجاسة كانت مما يدركه الطرف، فقد فسد الماء، ولا تجزئه الطهارة به"؛ [فإنه يفهم أنها إذا لم يدركها الطرف تجزئه الطهارة به]، وقد اختاره الغزالي نت أصحابنا وصاحب "المرشد" وجماعة من المحققين؛ كما قال في "الروضة" وصححه.
قال: وقيل: تنجسه؛ لأنه قد تحقق وقوع النجاسة فيه؛ فصار بمنزلة ما لو أدركها الطرف، وهذا ما حكاه الفوراني عن نصه في مواضع، وغيره نسبه إلى ابن سريج، وأنه

خرجه من نصه -في" الأم" و"الإملاء" -على نجاسة الثوب بما لا يدركه الطرف من النجاسات، ولفظه:"إذا تحقق [حصول] النجاسة فيه نجس، سواء أدركها الطرف أو لم يدركها، وأنه قال: ما أفهمه كلام المزني لا يعارض المنطوق؛ فقد وافقه بعض الأصحاب في الحكم وقال: إن المزني أخل بالنقل؛ لأن الشافعي إنما فصل بين ما يدركها الطرف [وبين ما لا يدركها الطرف] في الثياب لا في الماء؛ فإنه قال في القديم:"إذا كان على ثوبه قدر كف من الدم فهو معفو عنه، وإن كان من سائر النجاسات: إن كان مما يدركها الطرف فمعفو عنه، وإن كان مما يدركها الطرف فليس بمعفو عنه"؛ كذا قاله القاضي الحسين، وهذه الطريقة صححها في "الكافي".
فمنهم من يقول: الثوب أيضا لا ينجس بما لا يدركها الطرف؛ كما ذكرناه عن النص، ولما ستعرفه من الفقه، وقوله في "الأم" و"الإملاء":"أدركها الطرف، أولم يدركها" أراد به: إدراك محل النجاسة وعدمه، لا إدراك نفس النجاسة.
ومنهم [من] يجري نصه فيهما على ظاهره، وهم المتقدمون من الأصحاب؛ كما قال الماوردي وصححه، وفرق بأن [الماء له] قوة [لدفع النجاسة] بخلاف الثوب، وهذا الفرق استضعفه الإمام؛ من حيث إن الماء القليل لا قوة له على دفعها، وهو كالثوب سواء.
[قال:] وقيل: فيه قولان؛ جمعا بين مقتضى النصين، وضعف الفرق بينهما، وتوجيههما ما ذكرناه، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي؛ كما قال الماوردي، وغيره قال: إنه حكاها مع الأولى في "شرحه"، وهذه الطريقة مطردة في الثوب أيضا، والفوراني قال: إنهما هاهنا مخرجان من الثوب.

وابن أبي هريرة قال بهما في الثواب، وقطع في الماء بالنجاسة، وفرق بثلاثة أوجه: أحدها: أن الثواب بارز لا يمكن الاحتراز فيه، بخلاف الماء في الإناء.
الثاني: أن يسير دم البراغيث وغيره من الدماء يعفى عنه في الثواب دون الماء.
ومن الأصاب من وافق ابن أبي هريرة على هذه الطريقة؛ نظرا للمعنى الثاني فقط، وقال-فيما إذا أصابت النجاسة الثواب وهو مبتل -: إنه ينجس قولا واحدا كالماء، وهذه خمس طرق، ووراءها طريقان: إحداهما: القطع بنجاسة الماء دون الثواب، والثانية: عكسها.
وما ذكرناه من المثال هو المذكور في أكثر الكتب، وأضاف إليه بعض الشارحين مثالا آخر ذكره الرافعي، وهو أن ينفصل رشاش من موضوع نجس؛ فيقع في الماء، بحيث يرى اضطراب الماء، ولا يدرك جرمه.
والضاربون للمثال الأول لم يفرقوا فيه بين أن يكون لما علق بالذبات من النجاسة لون لو قدر مخالفا للون الماء لظهر مخالفته أم لا.
وقال الغزالي: لعل الأصح أن ما انتهت قلته إلى حد لا يدركه الطرف مع مخالفته للون ما اتصل به فهو معفو عنه، وإن كان بحيث يدركه الطرف عند

المخالفة فلا يعفى عنه.
وللرافعي مباحثة في ذلك.
تنبيه: الضمير في قوله: "منه" يعود إلى الماء المطلق؛ لأنه الذي ورد عليه التقسيم من أول الباب إلى هنا؛ ويدل عليه تقييد [الشيخ] المسألة بما إذا كان دون القلتين، وغيره لا يختص محل الخلاف فيه بذلك؛ بل ما دون القلتين وفوقها فيه على حد سواء.
فإن قلت: هذا يفهم أن مالا يدركه الطرف من النجاسات إذا وقع فيما ليس بمطلق من الماء أو في مائع طاهر لا يكون حكمه الماء المطلق فيما ذكرنا، ولا

سبيل إلى أن يقال فيه: إنه لا ينجسه قولا واحدا؛ فيتعين أن يكون مفهومه أنه ينجسه قولا واحدا، ويشهد له ما سلف له من الفرق بينه وبين الثواب والماء.
وقياس قول الأصحاب: إن الخلاف في تنجيس الماء المطلق القليل بالميتة التي لا نفس لها سائلة, جار في نجاسة غيره من المائعات- يقتضي التسوية بين المائع والماء المطلق هاهنا أيضا للاشتراك في علة العفو، وهي مشقة الاحتراز.
قلت: حكاية الشيخ الطرق في تنجيس الثواب بما لا يدركه الطرف تنفي هذا الاحتمال، لكن لك أن تقول: لا نسلم أن القائل بالعفو عن ذلك في الثواب يعلله بما علل به العفو عنه في الماء؛ فإنه يجوز تعليله في الماء بأن فيه قوة الدفع؛ وفي الثواب بأن في طيرانها ما يجففها ونحوه، والحكم في المحل الواحد يجوز أن يعلل بعلتين، فكيف في محلين؟! ولأجل ذلك – والله أعلم - قال بعض الشارحين: إن الخلاف لا يجري في غير الماء المطلق، ولست أعتقد صحة ذلك؛ فإن القاضي الحسين حكى في " باب الأطعمة" عن الأصحاب: أن الفأرة والهرة وغيرهما من حيوانات الأرض إذا وقعت في دهن، وخرجت منه حية؛ لا ينجس، فإذا وقع في الدهن؛ فقد لاقى محلا نجاسا فوجب أن ينجس، ومعلوم أن من جملة الحيوانات ما لا يدرك ما على منفذه من النجاسة.
والخلاف بين القاضي [الحسين] والأصحاب في مسألة الدهن محكي في الماء القليل أيضا؛ صرح به الإمام وغيره.
فإن قلت: هل يمكن ترتيب الخلاف في ذلك على الخلاف في نجاسته بما لا يدركها الطرف، فإن قلنا: ينجس بما لا يدركها الطرف فهاهنا أولى؛ لأن النجاسة هنا يمكن إدراكها، وإلا فوجهان.
قلت: لا، بل المأخذان مختلفان: فمأخذ الخلاف فيما لا يدركها الطرف النظر.

إلى المشقة وإلى تحقق النجاسة، ومأخذ الخلاف هنا غيره؛ [لأننا لا نتحقق النجاسة على منفذ ذلك الحيوان]؛ لاحتمال أن يكون قد وقع في ماء كثير قبل ذلك؛ بل مأخذه النظر إلى الأصل والظاهر.
ومن هذا القبيل ماإذا أكلت الفأرة شيئا نجسا، ووردت على ماء قليل؛ فإن الطريقة المشهورة التي لم يورد الماوردي والقاضي الحسين والفوراني غيرها: أنها إن لم تغب الورود عليه نجسته، وكذا إن غابت ولم يحتمل ورودها على ماء كثير.
ولو غابت واحتمل الورود على ماء كثير، ففي نجاسته وجهان: أحدهما -في "الحاوي" -:التنجس أيضا.
ومنهم من يجري الوجهين في الجميع؛ كما حكاه البندنيجي وغيره؛ فتحصل ثلاثة أوجه، [كما] حكاها الغزالي وغيره، ثالثها: إن غابت قبل الورود عليه، واحتمل ورودها على ماء كثير؛ لم تنجسه، وإلا نجسته.
والطريقة المفصلة تجري في مسألة ولوغ الحيوان حيا في الدهن ونحوه.
قال: وإن كانت-أي: النجاسة -واقعة في الماء القليل مما يدركها الطرف: فإن كانت ميتة لا نفس لها سائلة، أي لا دم لها يسيل إذا قتلت أو شق عضو من أعضائها، وذلك مثل: الذباب، والبعوض؛ وبنات وردان، والعقارب، والخنافس، وهل الوزغ

والحيات من ذلك؟ قال الدراكي وأبو حامد الإسفراييني: لا، وقال الصيمري: نعم قال: لم تنجسه في أحد القولين؛ لقوله -عليه السلام _:"إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليملقه -وروي: فليغمسه -فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء، وإنه يبدأ بجناحيه الذي فيه الداء" رواه البخاري.

وجه الدلالة منه: أن الطعام قد يكون حارا؛ فيموت بالمقل، فلو كان نجسا لما أمر بمقله؛ ليكون شفاء لنا، وقد قال:" إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها"، والمقل: الغمس.
قال: وهو الأصلح للناس؛ لما فيه من رفع الحرج؛ ولهذا اختاره المزني.
وهو في" تعليق البندنيجي" ونسبه في " النهاية" و "الكافي" إلى الجديد، وهو الأصح في "الحاوي" و"الشامل" وغيرهما.
وفي الحاوي وتلخيص الروياني منسوب إلى القديم.
وادعى ابن المنذر أنه لا يعرف أحدا قال بنجاسته غير الشافعي.
وأبو الطيب حكى أن محمد بن المبارك ويحيى بن أبي كثير قالا به أيضا.

قال: وتنجسه في الآخر، وهو القياس -أي: على سائر الميتات -فإنه موافق لها في نجاسته بالموت فكذا في تنجيس الماء القليل به، وبكونه حيوانا لا يؤكل بعد موته؛ لنجاسته، فإذا ورد على ماء قليل بعد موته نجسه كالذي له نفس سائلة.
أو نقول: نجاسة مشاهدة وردت على ماء قليل فنجسته؛ كسائر النجاسات.
قال: أبو الطيب: ولا يلزمنا دود الخل ونحوه إذا مات فيه؛ لأن تلك نجاسة لم ترد عليه، وإنما هي مخلوقة منه.
وهذا القول حكاه البندنيجي عن القديم، وقال أبو الطيب: إنه المنصوص، وأجاب عن حجة الأول: بأن مقله لا يوجب موته؛ فلا حجة لهم فيه، وأيضا فإنه – عليه السلام – إنما قصد بيان السم والشفاء، ولم يقصد النجاسة والطهارة، وهذا كما نهى عن الصلاة في معاطن الإبل، ورخص في مراح الغنم، ولم يقصد النجاسة والطهارة؛ وإنما قصد أن في معاطن الإبل لا يصح الخشوع، وفي

مراح الغنم يصح.
وهذا مجموع ما رأيته للعراقيين، وهم متفقون على نجاسة الحيوان نفسه مع إجراء الخلاف في تنجيس الماء به حتى دود الطعام، والقول بنجاسة ذلك رواه محمد بن إسحاق بن خزيمة عن رواية المزني، واستدل له بقوله تعالى [فإنه رجس] وهو عائد إلى جميع ما ذكر، والرجس: النجس.
والإمام جزم بطهارة دود الطعام، ثم حكاه عن الصيدلاني؛ لأنه لا ينتقل عنه، وكذا حكاه الماوردي عن بعض أصحابنا بخرسان؛ ويدل عليه جواز أكله مع الطعام؛ على الأصح؛ كما قال في "الوجيز".
وعن القفال أنه طرد القول بالطهارة في كل حيوان لا نفس له سائلة مع القطع بتحريم أكله مستدلا بأن ما لا دم له بمنزلة الجمادات؛ لانتفاء الدم المعفن في البطن؛ والرطوبة التي فيه بمنزلة رطوبة النبات.
وقال القاضي الحسين في "تعليقه": إنه [قد] حكي عن رواية المزني عن

الشافعي، وأن القفال خرج الخلاف في نجاسة الماء بموته فيه على الخلاف [في] أنه هل تنجس بالموت أم لا؟ والمشهور الأول.
وعن صاحب " التقريب " أنه خرج قولا فارقا بين ما تعم به البلوى: كالذباب ونحوه؛ فلا ينجسه، وبين ما لا تعم به البلوى كالخنافس، والعقارب؛ فينجسه.
التفريع: إن قلنا [بالأول]: إنه ينجس الماء، فلا فرق بين أن يقل أو يكثر.
وإن قلنا: لا ينجسه، فذالك إذا لم يغيره؛ لقتله، فلو كثر وغير [طعمه، أو لونه، أو ريحه] فوجهان، حكاهما العراقيون عن رواية أبي حفص بن أبي العباس عن أبيه: أصحهما في "تلخيص الروياني": لا؛ كما لو تغير بطاهر؛ وهذا ما يقتضيه كلام الشيخ.
نعم هل يجوز استعماله في الطاهرة؟ قال في "الروضة" وغيره: لا.
وقال "الإمام": إن قلنا: إن هذا الحيوان لا ينجس إلا بالموت، فلا ينجس الماء وإن غيره، وأقرب معتبر فيه أن تجعل تغير الماء كتغيره بأوراق الأشجار؛ فإنها بمثابتها على هذا القول.
والثاني: أنها تنجس؛ كما لو تغير بوقوع قطرة بول أو خمر؛ وهذا أصح في "الروضة".
والخلاف جار كما قال في "الكافي" فيما إذا كثر دود الطعام حتى غيره.
وقد أفهم قول الشيخ:" وإن وقع فيما دون القلتين"، ثم قوله: "وإن كانت مما

يدركها الطرف ... " إلى آخره -أن ما كان نشوءه من الماء: كالعلق إذا مات فيه لا ينجس قولا واحدا [وهو قياس قول الأصحاب: إن دود الطعام فيه لا ينجس قولا واحدا].
نعم، لو أخذ ما نشوءه من الماء، ووضعه في ماء آخر بعد موته _ قال الرافعي: كان ينجسه على الخلاف.
ومثله قول ابن الصباغ والقاضي الحسين -فيما إذا أخذ الطعام ووضعه في طعام آخر أو ماء قليل _: إنه على القولين.
لكن الماوردي جزم القول بالنجاسة فيما إذا أخذ دود الطعام ووضعه في آخر؛ لإمكان الاحتراز منه، وقضيته طرد ذلك في الصورة الأخرى ثم من كلام ابن الصباغ والقاضي الحسين يؤخذ أن [الخلاف] في نجاسة الماء بما لا نفس له سائلة يجري وإن طرح فيه قصدا.
قال: وإن كان أي: الواقع فيما دون القلتين غير ذلك أي: غير النجاسة التي لا يدركها الطرف، والميتة التي لا نفس لها سائلة من النجاسات_نجسه، أي تغير، أولم يتغير، وهو فيما إذا تغير ثابت بالإجماع، وفيما إذا لم يتغير مختلف فيه [بين الأئمة].
وحجتنا على الخصم -وهو مالك رحمه الله -ما روى أبو هريرة رضي الله عنه -عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه، إنه لا يدري أين باتت يده؟ " رواه البخاري ومسلم، ولا

معنى لنهيه -عليه السلام -عن ذلك إلا أنه ينجس وإن كنا نعلم أن اليد لا تغير الماء.
روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا كان الماء قلتين لم ينجس"و "إن"

و"إذا" للشرط؛ فدل على أنه إذا كان دون القلتين ينجس، ولأن الماء القليل يمكن حفظه من النجاسة من غير مشقة، بخلاف الماء الكثير، فافترق حكمهما وعفي عنها في الكثير دون القليل.
فإن قيل: قد قال -عليه السلام _: "الماء طهور لا ينجسه شيء".

.............................................................................

قلنا: هو المحمول على [الماء الكثير]؛ جمعا بين الأخبار.
وما ذكره الشيخ هو المشهور.
وعن صاحب "البحر" حكاية وجه: أنه لا ينجس، راكدا كان أو جاريا.
وقال في "الحلية" له: إنه المختار، ويقال: إن الغزالي اختاره في"الإحياء"، والمذكور في "الوجيز" الجزم به وفي "الحاويط كما سنذكره.
تنبيه: قول الشيخ:" وإن كان غير ذلك من النجاسات نجسه" يقتضي أن الآدمي إذا مات في الماء كان في نجاسته [للماء] قولان؛ بناء على القولين في طهارته والأمر كذلك؛ صرح به القاضي الحسين وغيره.
وهو يفهم أن الماء القليل لا ينجس بموت السمك فيه، وكذا ماأبحنا أكله من حيوانات البحر بدون ذكاة، دون ما وقفنا حله على ذبحه، أو لم ينجسه أصلا على رأي كما ستعرفه، والأمر كذلك.
وقوله:" وإن وقع فيما دون القلتين منه نجاسته ... "إلى آخره يفهم أن الماء إذا كان واقعا عليها لا يكون الحكم كذلك، والكلام في هذا يحال على باب إزالة النجاسة.
نعم، فيه شيء لم يذكره ثم، وهو أن الإناء إذا كان فيه بول أو نحوه فصب عليه من الماء ما غمره -وهو كما قال البندنيجي سبعة أضعافه فأكثر -ولم يتغير الماء، ولم ينته إلى حد الكثرة – فهل يحكم بنجاسة الماء أم لا؟ [فيه خلاف].
قال أبو علي في " الإفصاح": لا، ويطهر الإناء؛ وهذا أشبه بكلام الشافعي؛ لأنه قال في اختلاف الحديث:" إذا ورد الماء على النجاسة لم ينجس؛ لأنا لو قلنا: ينجس لم يطهر الثوب".
وقال غيره: نعم؛ لأنه -عليه السلام -قال في الكلب يلغ في الماء "فليهرقه، ثم

ليغسله سبعا" وإذا قلنا: إنه يطهر كان في جواز التطهير به ما سنذكره في الماء القليل النجس إذا كوثر حتى زال تغيره ولم يبلغ قلتين.
فرع: إذا أخبره عدل أن هذا الماء نجس -قال الأصحاب: فلا يرجع إلى قوله؛ لأن المذاهب مختلفة في التنجيس، فقد يعتقد المخبر ما ليس بنجس نجسا.
نعم، لو كان المخبر يعلم أن المخبر يعتقد أن أنياب الباع طاهرة، وأن الماء إذا كان قلتين لا ينجس، إلا بالتغيير -فقد قال الشافعي: إنه حينئذ يقبل منه، ويرجع إليه.
ولو ذكر له من يثق بقوله: أنه رأى كلبا ولغ فيه، أو وقع فيه بول، ونحوه -رجع إليه سواء كان حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، بصيرا أو أعمى؛ كما حكاه ابن الصباغ والبندنيجي وغيرهما وغيرهما في باب الآنية.
وفي قبول قول الصبي في [مثل] ذلك خلاف يأتي مثله.
نعم، لوشهد واحد: أنه رأى الكلب ولغ في هذا الإناء، وآخر: أنه ولغ في غيره -حكمنا بنجاستهما؛ نص عليه في "حرملة".
ولو شهد اثنان: أنه وقت الزوال ولغ في هذا الإناء، وآخر، وفي ذلك الوقت ولغ من هذا ولم يلغ في غيره – قال الإمام_: عمل بقول أوثقهما.
وقال أبو الطيب: تعارضت البينتان: فإن قلنا بالتساقط صار كأن لا بينة، ويستعمل أيهما شاء.
وإن قلنا بالاستعمال، فلا يأتي قول القرعة، ولا قول القسمة، ويتعين

الوقف؛ فيدعهما ويتيم ويصلي، ويجب عليه الإعادة؛ لأن معه ماء مظنون الطهارة.
قال: وإن كان الماء -أي: الذي وقعت فيه النجاسة -قلتين ولم يتغير، فهو طاهر؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: قلت: يا رسول الله، إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وإنها يلقى فيها المحايض ولحوم الكلاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم:" الماء طهور لا ينجسه شيء" وكان ماؤها إذا زاد بلغ العانة، وإذا نقص بلغ دون العورة؛ [كذا ذكره أبو داود] وقال: إنه مسحها بردائه فكانت ستة أذرع.
وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" رواه أبو داود والترمذي، وصححه الدارقطني، ورواية الشافعي:"إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر لم يحمل نجسا" ومعنى "لا يحمل"أي: يدفع عن نفسه؛ كما يقال: فلان لا يحمل الظلم، أي: يدفعه عن نفسه.
ويعضده رواية أحمد:" إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء".
والحكم فيما إذا كان الماء دون القلتين، وورد عليه ماء نجس كمل به قلتين كالحكم فيما إذا وقعت فيه النجاسة وهو قلتان بل لو جمع قلة نجسة ومثلها في موضع واحد طهرتا إذا لم يكن ثم تغير، ولا يضر تفريقهما بعد ذلك.
ولو كان الماء في موضعين، وبينهما اتصال يحصل معه التراد والتدافع، فالحكم كذلك.
ولو كان لا يحصل: كما إذا كان في حفرتين قلتان، وبينهما نهر صغير غير عميق، وفي ما يتصل كل طرف منه بحفرة [منهما فإذا] وقع في إحدى الحفرتين نجاسة، قال الإمام: لست أرى أن ما في الحفرة الأخرى دافع لتلك النجاسة بحكم الكثرة والذي اشتهر فيه خلاف الأصحاب: أنه إذا كان معه ماء مطلق ناقص قدر جرة أو كوز، فغمس فيه كوزا أو جرة فيها من الماء النجس ما يكمل به قلتين، هل يحكم بطهارة مافي الجرة والكوز بهذا الاتصال أم لا؟ فيه وجهان، أصحهما [فيما إذا كان

الإناء ضيق الرأس: عدم الطهارة، ولم يحك الإمام عن الأئمة غيره، و] فيما إذا كان وايع الرأس الطهارة.
نعم، هل يطهر على الفور، أوبعد مكثه زمانا يمكن ان يزول فيه تغير ما [في الكوز] لو كان متغيرا؟ فيه وجهان: اختيار الشيخ أبي محمد الأول، وهو الأصح في "الكافي".
وقال الإمام: لست أعده من المذهب، واختار ترجيح مقابله، وهو الأظهر في "الرافعي".
ثم إذا لم نحكم بطهارة ما في الإناء حكمنا الماء الآخر.
والخلاف جار في عكس المسألة: وهو ما إذاكان في الجرة [ماء] طاهر والمغموس فيه ماء نجس، هل [نحكم بطهارته] أم لا؟ فإن لم نحكم بطهارته حكمنا بنجاسة ما في الجرة.
ويجري أيضا فيما لو كان الماءان نجسين.
والقلتان عند الشافعي خمسمائة رطل بالبغدادي؛ لأنه روي بإسناد لم يحصره بقلال هجر [كما سلف] فكانت هذه الرواية مقيدة للرواية المطلقة.
وقلال هجر كانت معروفة عندهم، ولذلك قال في حديث الإسراء في وصف سدرة المنتهى" فإذا ورقها كآذان الفيلة وثمرها مثل قلال هجر" فلو لم تكن معروفة

لهم ما شبه بها.
وقد قيل: إنها كانت تعمل بالمدينة.
قال الشافعي: والشيء إذا قرن بالكامل يطلق على ما دون النصف؛ فاستظهرت فجعلت الشيء نصفا، ولأنه غاية الشيء المضاف إلى القربتين.
قال أبو إسحاق: ونسبت إلى هجر، وهو موضع بقرب المدينة؛ لأنها أول ما عملت به.
قال ابن الجريح: ولقد رأيت قلال هجر، فرأيت القلة [منها] تسع قربتين، أو قربتين وشيئا ولأن ما زاد على النصف يقال فيه: ثلاثة إلا شيئا، ,لأنه شك فيه، ولو كان أزيد من النصف لما شك فيه.
وإذا جعلت القلة قربتين ونصفا كان مجموع القلتين خمس قرب.
وقرب الحجاز صغار وكبار -كما قال البندنيجي والروياني عن الشافعي -لا تسع الواحدة منها أكثر من مائة رطل.
فثبت بما ذكرناه [أن القلتين] خمسمائة رطل، وذلك بالأمنان مائتان وخمسون منا.
وقد قيل إنهما ألف رطل؛ لأن أكثر ما تسع القربة مائتا رطل؛ فنزلنا قول ابن جريح عليها؛ وعلى هذا يكون بالأمنان خمسمائة من.
وقيل: إنهما ستمائة رطل، وبالأمنان ثلاثمائة من، وهو اختيار القفال والزبيري صاحب "الكافي" -كما قال الإمام والفوراني -لأن"القلة" مأخوذة

من استقلال البعير وأبعرة الحجاز ضعاف لا تستقل بأكثر من وسق، وهو ستون صاعا؛ فيكون مائة وستين منا؛ فالقلتان ثلاثمائة وعشرون منا، فيذهب الوعاء والحبل بعشرين، ويبقى الخالص ثلاثمائة [من]، وادعى الغزالي: أن هذا ما عليه الفتوى، وهو في هذا متبع للفوراني؛ فإنه هكذا قال.
لكن الصحيح في "الكافي" للخوارزمي وغيره من كتب العراقيين الأول، وهو ما حكاه الماوردي عن سائر الأصحاب.
ويتايد بأن القلة -في اللغة_: هي الجرة العظيمة، سميت بذلك؛ لأن الرجل العظيم يقلها بيده، أي: يرفعها عن الأرض.
فعلى هذا: فتقديرها بالمساحة ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا عند تساوي الأضلاع وإن اختلفت فالمعتبر قدر ذلك بالحساب إذا كانت النجاسة الواقعة فيه مائعة، فإن كانت جامدة فسنذكر حكمه.
وهل الخمسمائة رطل تقريب أو تحديد؟ فيه وجهان: كلام بعض المصنفين -ومنهم الفوراني -يقتضي طردهما في كل ما جعلناه حدا لهما.
واختار ابن سريج وغيره أن ذلك تقريب، وهو الأصح في "الكافي" و"الوسيط" و"الرافعي".
واختيار أبي اسحاق الثاني.
[وقال الشيخ أبو بكر]: وهو الأصح عند أبي الطيب وغيره؛ كما قال الإمام.
فعلى هذا لو نقص رطلا واحدا أو أقل منه ضر.
قال الإمام: وهذا عندي إفراط؛ فالوجه في التفريع على هذا أنه لو نقص ما

يظهر، ولا يحمل على تفاوت يقع في كرات الوزن، هو [الذي] ينقص الحد.
وعلى الأول لا يضر نقصان رطل ورطلين؛ كما قال الماوردي والفوراني وغيرهما وهو ما حكاه الغزالي عن الأكثرين، وقال: إنهم لم يسمحوا بثلاثة، وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه.
ومنهم من لم يسمح بأكثر من ثلاثة؛ حكاه أبو علي في "الشرح" ولم يورد في "الكافي" غيره.
وفي" تعليق القاضي الحسين": أنه لا يضر على هذا نقصان من ومنين وثلاثة.
وعن صاحب "التقريب": أنه لا يضر نقصان نصف قربة من قلة، وهو الذي تردد فيه ابن جريح، وهو ما حكاه المتولي في التفريع على هذا الوجه.
قال الإمام: ولعل صاحب" التقريب" رد القلتين على هذا إلى أربعمائة رطل، ويسقط محل التردد، ثم يقع في الأربعمائة تقدير التقريب، ولست أعده من المذهب، وإنما هو خطأ ظاهر.
وقال الغزالي: لعل الأقرب أن يقال: إذا نقص قدرا لو طرح عليه شيء من الزعفران لو قدر طرحه على الكل، لظهر التفاوت في الحس -فهو مؤثر، وإلا فلا.
وهذا الضابط أولى من التقدير بالأرطال، فإن ذلك يسوق إلى التحديد بالأرطال، وهذا ما أبداه الإمام.
وعلى هذا لو وقعت النجاسة في ماء، وشك [فى أنه] هل نقص عنهما نقصا يضر أم لا؟ فيه احتمالان للإمام: ينظر في أحدهما إلى أن الأصل اعتبار القلة وهو الظاهر، وفي الآخر [إلى أن الأصل عدم] النقص الفاحش.

والمذكور في"الحاوي" وغيره فيما إذا شك بعد وقوع النجاسة في الماء هل هو قلتان أو أقل: فهو نجس.
وقال في "الروضة": المختار، بل الصواب الجزم بطهارته؛ لأن الأصل طهارته.
وقد أفهم قول الشيخ أمرين: أحدهما: [أنه] إذا كان عدم تغيره؛ لموافقة النجاسة له في الصفات، ولو قدر مخالفا له لغيره -لا يضر، وهو ماش على أصلهم في أن الاعتبار عند إلقاء المائع الطاهر على الماء المطلق بالأكثر، لكن المتولى جزم القول بأن الاعتبار في هذه الصورة باحتمال التغيير عند المخالفة، وفرق بينها وبين ماإذا ورد المائع الطاهر على الماء على وجه؛ فإن الطاهر لا يضاد الماءمن كل وجه فعلقنا الحكم بالغلبة.
والنجاسة تضادها من كل وجه؛ فلا يمكن اعتبار الغلبة؛ وهذا ما حكاه الرافعي أيضا، وقال: إن التفرقة بينهما تقع من وجه آخر، وهو أنا ثم نعتبر التقدير بالوسط كما سلف، وهنا نعتبره بأشد الصفات.
الثاني: أنه لا فرق في الحكم بالطهارة عند عدم التغيير بين أن تكون النجاسة مائعة كالبول أو جامدة كالميتة، وهو ما حكاه العراقيون.
نعم، قالوا: إن كانت النجاسة مائعة، هل يجوز استعمال الجميع، أويبقى قدر النجاسة؟ فيه وجهان: المذهب منهما -كما قال البندنيجي وأبو الطيب -الأول، وهو الأصح في "النهاية".
قال الرافعي: والوجه الثالث المذكور فيما إذا اختلط المائع [بمائع] طاهر جار ها هنا.
وقالوا -فيما إذا كانت النجاسة جامدة_: إن خرجت من الماء جاز استعماله جميعه، وإن لم تخرج منه: فإن كان الماء أكثر من قلتين، قال ابن القاص وأبو إسحاق:

يجب أن يستعمل من موضع يكون بينه وبين النجاسة قدر قلتين؛ لأنه لا حاجة [به] إلى أن يستعمل الماء وفيهةالنجاسة فليبتعد عنها؛ وهذا ما حكاه الإمام وغيره من المراوزة عن الجديد.
وقال ابن سريج، والإصطخري وعامة أصحابنا كما قال أبو الطيب وصححه: إنه يستعمله كيف شاء؛ لقوله -عليه السلام -:" إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس"؛ وهذا ما حكاه الإمام وغيره من المراوزة عن القديم وصححوه.
قال ابن الصباغ: وما ذكره أبو إسحاق وابن القاص غير صحيح؛ لأنه ماء محكوم بطهارته، والاعتبار بجميعه؛ فلا معنى لما ذكره، وهذا فيه منع؛ لأن المراوزة نقلوا عن أبي اسحاق: أنه قال بنجاسة ما جاوز النجاسة إلى قدر قلتين، وروده بأن ذلك يؤدي إلى تنجيس ما وراء القلتين بمقدار قلتين، وهكذا، ولا قائل به.
وإن قلنا يقول أبي إسحاق الذي نسبه المراوزة إلى الجديد -قال القاضي الحسين: قال القفال [من] أصحابنا: لم يذكروا في كيفية اعتبار القلتين حدا، وقالوا: لو كان في [بحر] عظيم، وتباعد عن النجاسة قدر نصف ظفر، واغترف منه يجوز؛ لأنه في العمق قد بلغ قلالا كثيرة.
وعندي يجب أن يكون بين موضع النجاسة والاغتراف قدر قلتين على استواء الأضلاع في الطول والعرض والعمق.
فأما إذا كان متفاوتا فلا يجوز؛ وهذا ما حكاه الإمام ومن تبعه، ووجهه: بأنا إنما راعينا ذلك؛ لأن العمق الخارج عن هذه النسبة لا يصلح أن يكون حائلا.
وقال القاضي الحسين تفريعا على هذا: المعتبر أن يكون بينه وبينها ذراع وربع في عرض ذراع وربع، بعمق ذراع وربع؛ وهذا إذا كان له عرض [فإن لم يكن له عرض] فيعتبر الطول والعمق -قال في "التتمة" -بمقدار ما فات من العرض في الحساب.
قال: وكذا لو عدم العمق، وكان له طول وعرض، يزيد في الطول والعرض بقدر ما

عدم من العمق بطريق الحساب.
كذا لو عدم الطول، وكان له عرض وعمق يعتبر الفائت بالحساب ويزيد في العرض والعمق؛ إذ لا مزية لعرض الماء على طوله وعمقه؛ فجاز أن يعتبر قدر القلتين [من إحدى هذه الجهات.
والقاضي الحسين يقول: إنه لو كان منبسطا على الأرض النجسة لا يجوز أخذه بالكوز إلا أن يكون بينه وبين جرم النجاسة قدر قلتين] عمقا وطولا، وإذا [كان] أقل من ذلك [لا يجوز].
وعلى ما قاله الأصحاب قال الفوراني: إذا كان بينه وبين النجاسة قدر شبر، فيأخذ طول شبر في عرض شبر في عمق شبر.
فإن كان بينه وبينها شبران فيأخذ طول شبرين في عرض [شبرين] في عمق شبرين، وقس على هذا.
وإن قلنا بما قاله ابن سريج، ونسبه المراوزة إلى القديم: لو كان الماء على مستو من الأرض عمق شبر أوفتر مثلا بحيث لا يكون التراد، فهل يجب التباعد؟ فيه وجهان ذكرهما الإمام عن رواية المحاملي في القولين والوجهين وإن كان الماء قلتين فقط -كما هي صورة الكتاب -فعلى رأي أبي إسحاق وابن القاص: لا يستعمل شيئا منه، وعلى رأي ابن سريج وغيره: يجوز أن يغتسل فيه ويتوضأ، وهل يجوز أن يتطهر بما يغترف منه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، وهو ما أشار إليه في "الشامل" بقوله -بعد حكاية مذهب أبي إسحاق وابن القاص في هذه المسألة_: ومن أصحابنا من قال هاهنا: لا يجوز الاستعمال لمعنى آخر، وهو أنه إذا غرف منه غرفة فالباقي نجس؛ فيجب أن يكون الذي في كفه نجس أيضا.
والثاني: يجوز، وهوالصحيح، ولم يحك في "الكافي" غيره؛ وهذا إذا لم تصعد النجاسة فيما اغترفه ولا سبق إلى ما اغترف به شيء فشيء من الماء، فإن

كان فالكل نجس.
قال في "التتمة": وأصل هذا الخلاف إذا كان معه جرة من الماء الطاهر فوضعها في ماء ناقص عن قلتين بقدر مافي الجرة وهو نجس، فهل يطهر؟ فإن قلنا: لا يطهر، لم تجز الطهارة بما اغترفه هنا، وإلا جاز.
والمراوزة قالوا في هذه الصورة: هل الماء طاهر أو نجس؟ فيه قولان: الجديد: أنه نجس.
والقديم: أنه طاهر، وهو الذي صححه القاضي الحسين والفورانيوالإمام وغيرهم.
وعلى هذا لا يجب على المستعمل اجتناب حريم النجاسة أيضا، وهو ما جزم به الإمام، وقال الرافعي: إنه المذهب؛ بخلاف الماء الحاري إذا كان فيه نجاسة جامدة فإنه يتجنبها وحريمها على ما سنذكره.
والفرق: أن الجاي يحرك النجاسة، والنجاسة تصادمه فيوجب ذلك تعدي النجاسة.
وفي الراكد، قرار الراكد يوجب تساوي أجزاء الماء في النجاسة فالقريب والبعيد على وتيرة واحدة.
وقال في "الوسيط": إن [الحريم نجس] في الماء الراكد أيضا.
وإذا عرفت أن ماذكرناه عرفت أن عدول الشيخ عن قوله:"وإن كان الماء قلتين ولم يتغير فهو طهور" إلى قوله:"فهو طاهر" لأجل ما ذكرناه من التفصيل والخلاف.
قال: وإن تغير فهو نجس؛ لقوله – عليه السلام_:"الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو لونه أو طعمه" رواه ابن ماجه، ومن رواية أبي داود

........................................................................

"خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه"، وقيس اللون عليهما؛ لأنه في معناهما، بل أبلغ منهما؛ لأن دلالته على بقاء النجاسة أبلغ من دلالة الطعم عليه؛ كذا قاله ابن الصباغ.
وقد قيل: إته جاء في رواية ذكر اللون، ولم يثبتها المحدثون.
فإن قيل: كيف يحسن على الأولى قياس اللون عليهما مع أن الحصر في الخبر يقتضي أنه لا يؤثر، والقياس في معرض النص فاسد [الوضع].
قلت: ذلك إذا اقتضى القياس إبطال النص، ونحن هنا لا نبطله، بل نعمل بموجبه، وقد ادعى ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة [فغيرت طعمه أو لونه أو ريحه] أنه ينجس ما دام كذلك.
وظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين: أحدهما: أنه لا فرق في نجاسته عند التغيير بين أن يكون بالمخالطة أو بالمجاورة: كما إذا ألقيت فيه جيفة فغيرته بريحها, وهو المشهور.
وعن الشيخ أبي محمد حكاية وجه آخر: أنه إذا تغير بالمجاورة, أنه لا ينجس كما لو تغير بريحها وهي بقربه والأصح عند الإمام وغيره الأول.
الثاني: أنه لا فرق بين أن يتغير كله أو بعضه؛ وهذا ما صرح به في

" المهذب" وغيره, وعبارة ابن الصباغ: "أنه إذا كان في موضع ماء راكد منبسط وفيه جيفة قد تغير ما قرب منها برائحتها ولم يتغير الباقي – فإن الكل نجس وإن كثر؛ لأنه ماء واحد, والماء الواحد لا يتبعض حكمه, فإذا كان بعضه نجسا كان جميعه نجسا.
وفي "زوائد" العمراني أن أصحابنا حملوا ذلك على إذا ما كان الماء قلتين فقط ومنهم من بحمل ذلك على ما إذا كان غير المتغير دون القلتين, وأن ظاهر كلام صاحب "المهذب" على الإطلاق.
وما حكاه عن الأصحاب يوافقه قول صاحب "التتمة": إن كان غير المتغير قلتين فأكثر لم ينجس؛ لأن ما تغير بالنجاسة لا يزيد على عينها.
نعم, لو أراد أن يستقي من غير المتغير فالحكم ما سلف في النجاسة العينية؛ وهذا هو المحكي عن القفال, والأصح في "الروضة" وإن كان ظاهر المذهب في "الرافعي" الأول.

قال: وإن زال التغير بنفسه – أي: بلا سبب من خارج – أو بماء, [أي]: صب عليه أو نبع – طهر؛ لزوال علة التنجيس, وهو التغيير.
وطهر: بفتح الهاء, ويجوز ضمها.
وظاهر كلام الشيخ: أنه لا فق في طهره بالماء بين أن يكون قدر القلتين أو أقل, وبه صرح الماوردي, وما ذكرناه من الحكم والتعليل في الصورتين هو ما أورده الجمهور.
وفي "التتمة" أن الإصطخري قال: [إنه] يطهر فيما إذا زال التغيير بنفسه؛ لأن نجاسته تثبت لوارد فلا تزول إلا بوارد.
قلت: ولعله هو القائل من أصحابنا – كما قال الماوردي [وغيره] عند الكلام في مناظرة أبي حنيفة في إزالة النجاسة بالمائع-: إن ارتفاع معنى الحكم ليس موجبا لارتفاع الحكم.
وزوال التغيير بالشمس أو الريح أو نبات شيء فيه كزواله بنفسه, صرح به الماوردي غيره.
وعلى المشهور إذا عاد التغيير؛ فإن كانت النجاسة جامدة وهي فيه ينجس, وإن كانت مائعة أو جامدة وقد أذيبت قبل التغيير الثاني لم يتنجس؛ قاله الماوردي.
قال: وإن زال بالتراب ففيه قولان: أصحهما: أنه يطهر لما ذكرناه.
قال الرافعي: ومنهم من يوجهه بأن التراب يوافق الماء في الطهورية فيتعاونان في دفع النجاسة؛ ولهذا يجمع بينهما في إزالة النجاسة؛ وهذا القول ذكره المزنب في "جامعه الكبير" واختاره, ووافق الشيخ على تصحيحه القاضيان: أبو الطيب, وأبو حامد.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل