كتاب الطلاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
هكذا دلَّ عليه كلام الرافعي، وفي كلام الإمام ما يدل على أن العراقيين لم يشترطوا تصديق الواطئ بالشبهة، ونقل القاضي أبو الطيب عن أبي إسحاق وأبي علي الطبري- على ما حكاه ابن الصباغ- أنه يلاعن لنفيه ابتداء من غيره عرض على قائف.
وحكى- أيضاً- أن من الأصحاب من جعل في المسألة قولين، وحكاهما الرافعي وجهين، وأظهرهما: أنه يلاعن، وفي "النهاية" تضعيف غيره ها هنا.
وحكى مجلي في كتاب "الدعاوى والبنيات": إذا ولد مولود على فراش نكاح، فادّعاه مدّعٍ، وزعم أنه وطئها بشبهة- لم يقبل، ولم يعرض على القائف؛ لأن هذا يجرُّ فساداً، وسواء اعترف الزوج والزوجة بوطء الشبهة أو لم يعترفا؛ لأن الحق للولد، فإن أقام بينة على وطء الشبهة، قال أبو حامد الغزالي: عرض على القافة.
وقد بيّنا أن المذهب خلافه.
قلت: وما قاله من أن المذهب خلافه سيأتي الكلام عليه، وما حكاه [عن] الغزالي هو ما أبداه الإمام في ترديد كلامه في باب القافة؛ فإنه قال: إن قلنا: الرجوع إلى قول صاحب الدَّعْوى، فهذا يحرم نسب الفراش، وإن لم نقل ذلك أحوجنا الواطئ إلى إثبات الوطء بالشبهة؛ فإن اعتراف الزوج لا يؤثر فيما نراه، ولا أثر [لاعترافها بالمدعي، والمرعيُّ حقُّ الولد، وهذا أمر مشتبه، وعندي أن الذي أجراه الأصحاب] من غير تعرض لما ذكرناه في وطء ثبت بطريقه، وشهدت به عليه البينة.
انتهى.
وإذا تأملت ذلك فقد يظهر أنه مناقض للمحكي ها هنا، وسنعيد في أواخر باب ماي لحق به النسب طرفاً من الكلام المتعلق بهذه المسألة.
واعلم أن كلام الشيخ- رضي الله عنه- يتضمن صورتين.
إحداهما: أن ينسبها إلى وطء الشبهة.
والثانية: أن ينسبها إلى الزنى، والواطئ إلى الشبهة.
وقد تقدم الكلام في الصورة الأولى، وفي الثانية هو قاذف لها، وله أن يلاعن لدرء الحدّ، والحكم في اللعان لنفي الولد كما ذكرناه.
قال: وإن قال: هو من فلان وقد زنى بك وأنت مكرهة، ففيه قولان:
أصحهما: أنه يلاعن لنفيه؛ لتعذّر نفي الولد بغير اللعان.
والثاني: [لا] يلاعن؛ لأن آية اللعان وردت في الرمي بالزنى، وهناك يحتاج إلى الانتقام من المرأة وإشهار حالها، وقد انتفى ذلك.
وفي المسألة طريقان آخران:
أحدهما: ذهب أبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة [والطبري] إلى القطع بالقول الأول.
والثاني: القطع بالقول الثاني، ونسبه القاضي ابن كج إلى ابن سريج، وهو ما اختاره البغوي.
ثم هذا الخلاف يجري فيما لو قال: وطئك وأنت نائمة أو جاهلة.
وأما اللعان لغير نفي الولد فينبني على أن التعزير هل يجب لها عليه؟ وفيه خلاف مذكور في الكتاب في باب حدِّ القذف، والمنصوص- على ما حكاه المتولي ها هنا-: أنه يجب، وفي "الشامل" و"التهذيب": أن القول بالوجوب أصح الوجهين؛ لأن فيه عاراً يلحقها كما إذا قذف مجنونة.
فإن قلنا يجب عليه التعزير، فله أن يسقطه باللعان على ما حكاه المتولي والبغوي- ويتجه أن يجري فيه الوجه المذكور في نظائره.
وفي "الشامل": أنه ليس له إسقاطه باللعان، وهو قضية كلام ابن يونس؛ لاعتقاده أنه تعزير تأديب.
وإن قلنا: لا يجب التعزير، فهل له أن يلاعن لدرء حدّ فلان؟ فيه خلاف حكاه المتولي، والذي جزم به البغوي: أن له أن يالعن، ووجهه المتولي بأنه إذا قذف زوجته بأجنبي، ثم لاعنها ولم يسمّ الزاني في اللعان، وقلنا: لا يسقط حق الأجنبي- كان له أن يلاعن لإسقاط حد الأجنبي، وهذا ابتداء لعان، لإسقاط حد المرمي به
في حال ليس لها عليه مطالبة.
قال البغوي: ويخالف ما إذا قذف امرأته وأجنبية بكلمة واحدة؛ حيث لا يتمكن من إسقاط حد الأجنبية باللعان؛ لأن فعلها ينفك عن فعل الأجنبية، و [فعلها] لا ينفك عن فعل المرمي به.
فرع: لو اقتصر على قوله: ليس هذا [با] بن لي، حكى صاحب "التقريب" في جواز لعانه تردداً، وهذه الصورة أولى بجواز اللعان مما إذا أضاف إلى وطء شبهة؛ لأنه كان يحتمل الجهة التي يثبت فيها النسب، يحتمل جهة الزنى.
قال الرافعي: والذي أجاب به المُعْظَم: أنه لا يلتفت إلى ذلك، ويلحق الولد بالفراش، إلا أن يسند النفي إلى سبب معين ويلاعن.
قال: وإن قذف زوجته بزنى أضافه إلى ما قبل النكاح، ولم يكن هناك ولد- لم يلاعن، أي: ويجب عليه الحدّ؛ لأنه قذف غير محتاج إليه فلم يلاعن لأجله كما في قذف الأجنبية.
قال: وإن كان هناك ولدٌ، أي: يمكن أن يكون من المرمي بالزنى، كما إذا نسبها إلى الزنى قبل النكاح بساعة أو بيومين- فقد قيل: لا يلاعن، وبه قال أبو إسحاق المروزي، ورجحه الشيخ أبو حامد ومن تابعه كالمحاملي والبندنيجي؛ لأنه مقصّر بذكر التاريخ، وكان من حقه أن يقذف مطلقاً، وعلى هذا: له أن ينشئ قذفاً ويلاعن لنفي النسب، فإن لم يفعل فيحدّ، كذا قاله الرافعي، ومفهومه: أنه إذا أنشأ قذفاً ولاعن أنه لا يحد، وقضية كلام القاضي الحسين في "التعليق": أنه يحد؛ فإنه قال: فإن قلنا: ليس له اللعان، فعليه الحدُّ، وله أن ينشئ قذفاً ويلاعن لنفي النسب.
قال: وقيل: يلاعن، وبه قال أبو علي بن أبي هريرة والطبري كما لو قذف مطلقاً، وهذا أصح عند القاضي أبي الطيب، وإلى ترجيحه مال الإمام والقاضي الروياني وغيرهما.
فعلى هذا: يندفع الحدُّ عنه إذا لاعن، [وهل يجب عليها حد الزنى؟ فيه
وجهان].
وهل لها معارضته باللعان؟ فيه وجهان يجريان في كل لعان لمجرد نفي الولد؛ كما لو أقام البينة على الزنى أو صَدَّقته، كذا حكاه الرافعي، وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنا إن أوجبنا عليها الحدَّ فلها معارضته، وإلا فوجهان، وكذلك قال في "التهذيب": إن أصحهما: أنها لا تلاعن.
ورَدَّ المتولي الخلاف المنقول عن أبي إسحاق وغيره إلى وجوب الحد وعدمه، وجزم بأنه يجوز اللعان لنفي النسب، وأجري الخلاف في وجوب الحد- أيضاً- فيما إذا قذفها بعد البينونة بزنىً مطلقاً من غير إضافة إلى حال النكاح، وجعل الحكم في هذه الحالة كالحكم فيما إذا أضافه إلى ما قبل النكاح.
قال: وإن أبانها وقذفها بزنى أضافه إلى حال النكاح، فإن لم يكن هناك ولد، حُدَّ ولم يلاعن؛ لأنه قذف أجنبية من غير حاجة [إلى القذف]، وفي "شرح" أبي علي: أن له اللعان؛ لكونها لطخت فراشه بزعمه.
قال الغزالي: وهو بعيد.
قال: وإن كان هناك ولد منفصل، لاعن، لنفيه؛ لأنه محتاج إلى ذلك لنفي الولد، وإن كان هناك حملٌ، لم ينفصل، فقد قيل: لا يلاعن حتى ينفصل، وهو ما روي عنه في "الجامع الكبير"، وبه قطع أبو إسحاق؛ لأن هذا لعان لنفي الولد، فيعتبر تحققه، وقد يكون الذي تجده ريحاً.
قال: وقيل: فيه قولان، وهذا هو الأصح من الطريقين:
أحدهما: أنه لا يلاعن حتى ينفصل؛ لما ذكرناه، وهذا أظهر عند الشيخ أبي حامد وجماعة.
والثاني: أن له ذلك؛ خشيةً من اخترام المنيَّة كما له ذلك في صُلْب النكاح، ولأن حكم اللحوق يثبت في الحمل كما يثبت في الولد المنفصل؛ فأشبه الحملُ الولدَ المنفصل، وهذا ما أورده المزني في "المختصر"، وهو أظهر عند الشيخ في "المهذب" والبغوي وغيرهما.
وبنى بعضهم القولين على أن الحمل هل يلحق بالمعلوم؟ وفيه قولان، وهي
طريقة من أجراهما في اللعان بسبب الحمل في صلب النكاح، والقائل الأول فرق بينهما بأن في صلب النكاح يتصور جريان اللعان دون النسب المتعرض للثبوت، ولا يمتنع أن يجري اللعان على أصله، ثم الولد ينتفي مبيعاً تبعاً، والتبعية ليست منكرة في الحمل؛ فإن الحمل قد يثبت مبيعاً تبعاً للأم وإن كان لا ينفرد بالبيع، فكذلك لا يمتنع أن ينفي بيعاً، بخلاف ما بعد البينونة.
فرع: لو لاعن، ثم تبين أنه لم يكن حملٌ، وأن ذلك ريح وقد تَنَفَّسَ- حُدَّ، بخلاف ما إذا لاعن في صلب النكاح؛ فإنه لا يُحدُّ.
قال القاضي الحسين في "التعليق": لأن اللعان في صلب النكاح يفرد لدرء الحد وانقطاع الفرقة إن لم يكن نسب، ولا يلاعن بعد البينونة إلا لنفي النسب.
قال: وإن قذف أربع نسوة، لاعن أربع مرات، أي: سواء قلنا- يجب لكل واحدة حدٌّ- وهو الجديد- أو لا يجب لجميعهن إلا حدٌّ واحدٌ إذا كان القذف بكلمة واحدة- وهو القديم- لأن اللعان يمين، والأيمان لجماعةٍ لا تتداخل في الأموال؛ ففي اللعان أولى.
فعلى هذا: لو أتى بلعانٍ واحدٍ، لم يعتد به إلا في حق التي سماها أولاً، ولو لم يسمّ، وأشار إليهن، واكتفينا بذلك- لم يعتد به في حق واحدة منهن.
ولو رضين بلعانٍ واحد، لم يقنع به؛ كما لو رضي المدَّعون بيمين واحدة، ويشبه أن يجيء فيه الوجه المحكي في الكتاب في باب اليمين في الدعاوى، وقد يفرق بينهما بأن الاحتياط في أمر الأبضاع آكد.
وقيل: إن كان القذف بكلمة واحدة، وقلنا: يلزمه حدٌّ واحد- كفاه لعان واحد، وينسب إلى أبي إسحاق وابن القطان؛ لأن هذه اليمين حجة تثبت الحد فأشبهت البينة؛ ولذلك لو أقام على رجل شاهداً بحق وعلى آخر بحق آخر، يجوز أن يحلف معه يميناً واحدة يذكر فيها الحقين.
فعلى هذا: إذا توافقوا في الطلب، أو لم يشترط الطلب، حصل المقصود باللعان
الواحد، أما إذا اشترطنا الطلب وانفرد بعضهن بالطلب، فلاعن، ثم طلب الباقيات- فيحتاج إلى اللعان، كذا قاله الرافعي، وفيه نظر؛ لأن هذا الوجه مفرّع على القول باتحاد الحدّ، وقد حكى تفريعاً على القول باتحاد الحد: أن واحدةً منهن لو حضرت وطلبت الحدَّ، حدَّ لها، وسقط حق الباقيات؛ فكان لا يبعد أن يكون هذا مثله، وأيضاً: فإنا سنذكر فيما إذا قذف الزوجة بمعين وسماه في اللعان: أنه يسقط ما وجب عليه من حدّه، وإن لم يسمِّه فقولان؛ بناءً على اتحاد الحدّ؛ فكان ينبغي أن يجيء مثله ها هنا.
قال: فإن كان بكلمة واحدة وتشاحَحْن في البداية أقرع بينهن؛ إذ لا مزية، فإن بدأ بلعان واحدة من غير قرعة جاز؛ لأنْ الباقياتي صلن إلى حقهن من غير نقصان، وهذا معنى قول الشافعي: إن بدأ بواحدة من غير قرعة رجوتُ ألا يأثم.
وحمله الأصحاب- على ما حكاه القاضي أبو الطيب- على ما إذا لم يقصد تفضيل بعضهن على بعض وتجنب الميل.
قال: وإن وطئ امرأة في نكاح فاسد، فأتت بولد، فانتفى عنه- لاعن، وكذا لو كان حملاً على أحد الوجهين؛ لأنه يلحقه بحكم الفراش، ولا يمكنه نفيه بغير اللعان، فكان له نفيه باللعان؛ كما في النكاح الصحيح، ويسقط عنه الحد إذا لاعن لنفي الولد إن كان ثم قذف؛ كما انتفى به النسب، وحكى الرافعي أن في "أمالي" أبي الفرج السرخسي في نظير المسألة وجهاً: أنه لا يسقط ولا يجب بلعانه عليها حَدُّ في أحد الوجهين، وبه جزم القاضي الحسين.
وعلى هذا: هل لها معارضته باللعان؟ فيه الخلاف السابق.
وفي "الرافعي": أنه ربما بنى الخلاف في وجوب الحدّ عليها على أن المرأة تعارض لعانه بلعانها؟ فإن قلنا: تعارضه، وجب عليها حَدُّ الزنى، وإلَّا فلا يجب، وهو الأصح.
ولو قذفها، ولم يكن ثَمَّ ولد، وعلم فساد النكاح- فعليه الحدّ، وليس له إسقاطه باللعان، وكذا لو جهل على أحد الوجهين، وهما جاريان في سقوط الحد باللعان في حالة الجهل، كذا هو محكي في "تعليق" القاضي الحسين، والأصح منهما
- وبه أجاب ابن الحداد [في] الصورة الثانية- أنه لا يندفع، على ما حكاه الرافعي، ووجَّهه بأنا تبيّنا فساد النكاح؛ فيلغو كما لو علمنا الحال في الابتداء لا نمكنه من اللعان.
قال: واللعان، أي: المعتدُّ به، أن يأمره الحاكم، أي: أو نائبه فيه، فيقول أربع مرات: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به، أي: من الزنى إن كان [ذلك أما اعتبار أمر الحاكم في الاعتداد به؛ فلأنه يمين فلم يعتد به] قبل عرض الحاكم؛ كاليمين في جملة الخصومات، وأما اعتبار العدد في لفظ الشهادة؛ فللآية، وأما اعتبار تسمية ما رماها به؛ فلأنه المحلوف عليه.
قال: ويسميها إن كانت غائبة، أي: عن البلد، أو عن المجلس؛ لحيض أو كفر، ولم يرضَ الزوج بلعانها في المسجد، أو كان ذلك في المسجد الحرام، فيقول: زوجتي فلانة، ويرفع في نسبها حتى تتميز عن غيرها، وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد: حتى يميزها عن سائر زوجاته إن كان في نكاحه غيرها، قال الرافعي: وقد تشعرُ هذه اللفظة بالاستغناء بقوله: فيما رميت به زوجتي، عن الاسم والنسب إذا لم يكن تحته غيرها.
قلت: إن صح ذلك فيكون شرطه معرفة الحاكم بها.
قال: ويشير إليها إن كانت حاضرة، أي فيقول: زوجتي هذه، ولا يحتاج مع ذلك إلى ذكر اسمها ونسبها؛ لأن المقصود تمييزها، وذلك يحصل بما ذكرناه كما في سائر الأحكام.
واعلم أن تفسير الإشارة بما ذكرناه نقله البندنيجي والمتولي وغيرهما، ولم يتعرّض القاضي الحسين [في "التعليق"] في تفسيرها إلى ذكر الزوجيَّة؛ بل قال: يقول: هذه وكذلك البغوي، ولم يحك غير هذا القول.
قال: وقيل: يجمع بين الاسم والإشارة، أي: فيقول: زوجتي هذه فلانة، ويرفع في نسبها؛ لأن اللعان مبني على التغليظ والاحتياط، فيؤكد الإشارة بالتسمية ورفعِ النسب.
قال الرافعي: وقد يقال على قضية هذا التوجيه: لا يكفي في الحاضرة التسمية
ورفع النسب حتى يضم إليه إشارة، بل أولى؛ لأن الإعراض عن الإشارة والعدول إلى التسمية في الحاضرة قد يجر لَبْساً.
وفي "التتمة": أنه يكفي الإتيان بأحدهما: الاسم، أو الإشارة؛ اعتباراً بالنكاح.
قال: ويقول في الخامسة: وعليّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين؛ للآية، فإن كان هناك نسب ذكره في كل مرة؛ لأن كل مرة بمنزلة شاهد، فيقول: وإن هذا الولد أو الحمل- إن كان بها حملٌ- من زنى وليس منَّي، وإن كان الولد غائباً، قال: وإن الولد الذي ولَدَتْهُ على فراشي من زنىً [وليس مني، ولو اقتصر على ذكر الزنى لم يكفِ] عند الأكثرين، فلا ينتفي به الولد؛ لأنه قد يعتقد أن الوطء بالشبهة أو في النكاح الفاسد زنى، وفي "التهذيب": أن أصح الوجهين الاكتفاء به؛ حملاً للّفظ على حقيقته.
وعلى الأول: له أن يعيد اللعان لنفيه قولاً واحداً، وإن كان حملاً، وقلنا: لا يلاعن للحمل بعد البينونة إلَّا بعد الانفصال؛ لأن هذا اللعان بموجب القذف الأول، وقد كان يمكنه نفيه؛ فاستديم ذلك الحكم.
ولو اقتصر على قوله: ليس مني، فالمشهور: أنه لا يكفي؛ لاحتمال أن يريد به عدم المشابهة خَلْقاً وخُلُقاًن وفيه وجه.
قلت: يشبه أن يكون قائله هو الصائر إلى جعله قاذفاً [لأمَّهِ] بمثل هذا القول، ووجهَّه المتولي بأن عليه أن ينفي النسب عن نفسه، وليس ليه أن يبيَّن الجهة التي حصَل منها الولد.
ولو أغفل نفي الولد في بعض الكلمات الخمس احتاج إلى إعادة اللعان [لنفيه، دون لعان المرأة على الأصح.
وفيه وجه: أنها تحتاج إلى إعادة اللعان]-[أيضاً-] حكاه الشيخ أبو علي، وطرده، فيما إذا أتت بولد ونفاه، [ثم أتت بآخر لدون ستة أشهر ونفاه] ولاعن، فهل يحتاج إلى إعادة اللعان إن كانت قد لاعنت؟
والوجه في الصورة الأولى مستمدٌّ [مما سنذكره عن القفال وغيره: أنها تحتاج في
لعانها إلى ذكر الولد، وفي الثانية مستمد] من ذلك ومن وجه سنحكيه في الفرع بعده، والأصح: المنع.
ثم ظاهر كلام الرافعي يقتضي أن يعيد جملة كلمات اللعان؛ لأنه قال: ولو أغفل نفي الولد في بعض الكلمات الخمس احتاج إلى إعادة اللعان.
قلت: وكان يحتمل أن يقال: إن قصر الزمان أعاد الكلمات التي لم يذكر فيها الولد، وإن طال فينبني على أن كلمات اللعان لو تقطعت بفصول متخللة هل يجب إعادتها، أم يجوز البناء فيها والاعتداد بما مضى؟ وفيه تردد للأصحاب، والأشبه: اشتراط الموالاة عند الرَّافعي، والمذكور في "التهذيب" جواز التفريق، فإن قلنا: تجب الإعادة، فكذلك ها هنا، وإلَّا فلا، وهذه الإعادة ذكرها الإمام فيما إذا ماتت المرأة في أثناء لعانه.
فرع: لو لاعن لنفي ولدٍ، ثم أتت امرأته بولدٍ آخر لدون ستة أشهر من ولادة الأول، ولاعن لنفيه- هل يحتاج إلى ذكر [الولد] الأول في اللعان الثاني؟ فيه وجهان، الأصح منهما في "جمع الجوامع" للروياني: أنه لا يحتاج.
قال: وإن قذفها بزنَاءَيْن، أي: واكتفينا بلعان واحد- وهو الأصح- ذكرهما في اللّعان، أي: في كل مرة؛ لأنه قد يكون صادقاً في أحدهما دون الآخر، فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزناءَيْنِ.
وفيه وجه: أنه يلاعن مرتين؛ بناءً على أنه يجب لكل قذف حدٌّ.
قال: فإذا لاعن، أي وأكمل اللعان- سقط عنه الحد؛ للآية فإنها تدل على إقامة اللعان في حق الزوج مَقامَ الشهادة في حق غيره.
قال: وانتفى عنه النسب؛ لما روى مالك عن نافع عن ابن عمر- رضي الله عنهم- أن رجلاً لاعن امرأته في زمن- رسول الله- صلى الله عليه وسلم وانتفى عن ولدها؛ ففرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وألحق الولد بالمرأة.
قال: ووجب عليها حد الزنا، أي: إذا كان القذف بزنى أضافه إلى حال الزوجية وكانت مسلمةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: 8] إلى آخرها، وهذا يدل على وجوبه عليها بلعانه، ولأن اللعان بمنزلة البيّنة في إسقاط الحدّ عنه؛ فكان كالبينة في وجوب الحدّ عليها، ويخالف الزاني حيث لم يوجب عليه الحدّ بلعان الزوج؛ لأنه لو وجب لما تمكَّن من إسقاطه باللعان، وفي ذلك ضرر، بخلاف [الزوجة].
أما إذا قذفها بزنى أضافه إلى ما قبل الزوجية، ولاعن لأجل نفي النسب- فقد ذكرنا في وجوب الحدّ عليها وفي معارضتها لعانه بلعانها وجهين.
وأما إذا كانت ذمية، فقد نص الشافعي على أنها لا تجبر على اللعان، ولا تحد إذا امتنعت حتى ترضى بحكمنا، فإذا رضيت حكمنا في حقها بما نحكم به في حق المسلمة.
وللأصحاب طريقان:
أحدهما: تخريج المسألة على القولين في أنهم إذا ترافعوا إلى حاكمنا هل يجب عليه الحكم بينهم؟ فيه خلاف يأتي: إن قلنا: يجب، فإذا لم تلاعن أقام عليها الحد رضيت أو لم ترضَ، وإن قلنا: لا يجب، فإنما نحدّها إذا رضيت بحكمنا، والنص محمول على هذا القول.
والطريق الثاني- حكاه الإمام مع الأول-: القطع بأنها لا تجبر، ولا يجري عليها الحكم إلّا إذا رضيت؛ لأنه إذا لاعن الزوج انقطعت خصومته معها، وكان الباقي بعده حَد الزنى، وهو محض حق الله- تعالى- ونحن لا نجبر أهل الذمة على حقوق الله- تعالى- لأنها مَبْنِيّة على المسامحة.
[وقد حكى القاضي الحسين في "تعليقه" الطريقين في إقامة الحدّ على الكافر إذا أقرَّ بالزنى أو قامت عليه البيّنة: منهم من قال: في إقامة الحدّ عليه قهراً قولان.
ومنهم من قال: لا يقام عليه قولاً واحداً، إلَّا أن يرضى بحكمنا؛ لأنه من حقوق الله تعالى، وهي مبنيّة على المسامحة].
وعن القفال؛ بناءً على انقطاع خصومة الزوج باللعان: أنه إذا لاعن الزوج المسلم عن الزوجة المسلمة لم يتوقف عرض اللعان عليها على طلبه؛ بل يقوم به الحاكم
ويقول لها: إن لاعنتِ سلمتِ، وإلا أقمتُ عليكِ الحدّ.
قال الرافعي: ويقرب من هذا الكلام أن الذين جعلوا المسألة على قولين ذكروا أنه لا فرق بين أن يكون الزوج الملاعن مسلماً أو ذميّاً؛ وإن قطعنا بوجوب الحكم فيما إذا كان أحد الخصمين مسلماً والآخر ذميّاً، لأن الزوج إذا لاعن خرج عن أن يكون خصماً لها، وما بعد لعانه يتعلق بها على الخصوص؛ فتخرج الصورة عن أن تكون خصومة مسلم وذمّي.
واعلم: أن الرافعي- ها هنا- قد أطلق القول بأنها إذا لم تلاعن نحدّها إذا رضيت؛ على القول بأنه لا يجب الحكم.
ومقتضى ما حكاه ابن يونس في باب "عقد الذمة" عن الأصحاب: أنها لا تحدّ ما لم يحكم الحاكم بالحد، وترضى به بعد الحكم؛ فإنه قال على القول بعدم وجوب الحكم- إذا تراضوا- حكم بينهم، ويشترط إلزامهم بعد الحكم للزومه.
نعم حكى الإمام ثَمَّ إذا حكم حاكمنا- عند رضاهم- نفذَ حكمه، ولا خِيَرَةَ لهم بعد نفوذ الحكم، وهذا يوافق إطلاق الرافعي ها هنا.
قال: وبانت منه؛ لحديث ابن عمر- رضي الله عنهما- وهي تحصل ظاهراً وباطناً، وإن كان الزوج كاذباً.
وحكى أبو الفرج وجهاً [آخر]: أنها لا تحصل باطناً إذا كان الزوج كماذباً.
والمذهب الأول، والفرقة الحاصلة به فرقة فسخ عندنا؛ لأنها تحصل بغير لفظ فأشبهت الردة.
قال: وحرمت عليه على التأبيد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال للعجلاني- لما قال لامرأته بعد اللعان-: "كَذَبْتَ عَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكْتَهَا؛ هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثاً، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا"، فنفى السبيل على الإطلاق من غير تقييد؛ فلو لم يكن مؤبداً، لبيّن الغاية، كما بينها- سبحانه وتعالى- في تحريم المطلقة ثلاثاً، ولما روى ابن عباس وابن عمر- رضي الله عنهم- أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَداً".
وفيه- أيضاً- دلالة على حصول البينونة؛ إذ لو لم تحصل لكان الاجتماع حاصلاً، ولكان له عليها سبيل.
وهذه خمسة أحكام كلها تتعلق بلعانه، ولا تحصل قبل تمامه، ولا شيءٌ منها، ومن
الأصحاب من رَدَّ أحكام اللعان إلى ثلاثة، وأدخل البينونة في لفظ التحريم المؤبد، وقال: انتفاء النسب يختص بما إذا كان ثَمَّ ولدٌ ونَفَاهُ، وليس ذلك حكماً لمطلق اللعان.
وهذا ليس باختلاف في الحقيقة، والأولى المذكور أولاً؛ فإن التحريم المؤبد المتفق عليه يحصل عند وجود البينونة باللعان، أما إذا كانت البينونة حاصلة [قبل اللعان كان في التحريم المؤبد] وجهان حكاهما المتولي.
ثم كان من حق هذا القائل أن يقول في وجوب الحدّ عليها مثل ما قاله في النسب؛ فإن ذلك يختص بما إذا كان ثَمَّ قذفٌ، [أما إذا لم يكن ثم قذف]: بأن نسبها إلى وطء شبهة أو استكراه على الزنى- حيث يجوز اللعان- فإن لعانه لا يثبت عليها حَدّاً، فليس ذلك حكماً لمطلق اللعان.
فرع: لو كانت الملاعنة أمة، فملكها الزوج فقد ذكرنا في حل وطئها له طريقين:
أحدهما: طرد الخلاف المذكور في المطلقة ثلاثاً إذا ملكها قبل أن تنكح.
والثاني: القطع بعدم الحل.
وذكرنا الفرق.
تنبيه: قد ظهر لك أن اللعان يترتب عليه من الأحكام ما لا يترتب على إقامة البيّنة على زناها؛ فإنه لا يثبت من هذه الأحكام سوى حَدّ الزنى عليها، وأن إقامة البينة يترتب عليها وجوب الحدّ على الزاني [ولا يجب عليه] باللعان؛ فلذلك يُمَكَّن من الإثبات كل واحد منهما.
قال: فإن كان قد سمَّى الزاني في القذف وذكره في اللعان، أي: مثل أن قال: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنى بفلان- ويرفع في نسبه- أربع مرات، وكذلك في الخامسة.
قال: سقط عنه ما وجب عليه من حَدّه؛ لقوله- تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ...﴾ [النور: 6] إلى آخرها، فجعل للزوج الخروج باللعان، ولم يفصل بين أن يرمي رمياً مطلقاً أو مضافاً إلى رجلٍ بعينه، قاله المحاملي، وهو على اعتقاد من ذهب
إلى أن سبب نزول الآيات قصّة عويمر، وأن عويمراً لم يقذفها بمعيّن.
أما من اعتقد أن سبب النزول قصة هلال، فالآية دالة على خصوص المدَّعَى؛ لأن من قال: [إن] العبرة بعموم اللفظ، قطع بدخول السبب في الحكم، ولأن اللعان معنىً يتخلّص به عن قذفها؛ فتخلص به عن قذفه كالبيّنة.
قال: وإن لم يسمِّه- أي: في اللعان- ففيه قولان:
أحدهما: يسقط عنه، ويروي عن "الإملاء" و"أحكام القرآن"، واختاره المزني.
وقال الجيلي: إنه الأصح؛ لأنه أحد الزانيين فسقط حَدُّه باللعان كالمرأة، قال القاضي الحسين: ولأن العجلاني رمى امرأته بِشَرِيك بن السَّحماء، ولم يسمِّه في اللعان، ولم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه: هل يطلب حقه أم لا؟ ولو كان له حق ثابت على العجلاني لأخبره به؛ لأن الإمام إذا عرف حقّاً ثابتاً لواحد وهو لا يشعر به، وجب عليه أن يبعث إليه فيه ويخبره به.
وما قاله من أن الإمام يجب عليه أن يخبر بما عرفه من الحق صاحبَهُ قد يُمْنَعُ؛ فإن الإمام حكى في ذلك وجهين.
وبعدم الوجوب قال الشيخ أبو حامد- على ما حكاه البندنيجي- معبراً عن ذلك بأنه: يستحب أن يبعث إليه ويعرفه.
وعلى تقدير التسليم- وهو الذي عليه الأكثرون- فذاك مفروض فيما إذا لم يعلم من له الحق به، وهذه الواقعة قد اشتهرت ويبعد خفاؤها عن شريك؛ فلعل ترك الإرسال كان لعلم شريك بذلك.
وقد حكى هو- أيضاً- عن رواية الشافعي في "الإملاء": أنه- عليه السلام- سأل شريكاً، فأنكر.
قال: والثاني: لا يسقط، وهو المحكي في الجديد والقديم، على ما حكاه المحاملي وقال: إنه [الأصح]، وعلى ذلك جرى القاضي الروياني والنووي؛ لأنه حَدٌّ يسقط باللعان فكان من شرط سقوطه ذكره كما في جانب المرأة.
وبنى بعضهم القولين على أن وجوب الحدي ثبت أصلاً أو تبعاً لقذف الزوجة؟ فإن قلنا: يثبت تبعاً، سقط عنه تبعاً، وإن جعلناه أصلاً فلا بد من تسميته، ويشهد
للتبعية أنه يكفي طلبها اللعان، ولا تشترط موافقته.
وعلى الأصح: إذا أراد إسقاط الحد أعاد اللعان ويَذكره فيه، قال الإمام: وكذلك الزوجة.
تنبيه: الألف واللام في "الزاني" لبيان الجنس، حتى إن حكم الاثنين فما فوقهما كذلك.
قال: وقيل: إن كان اللعان في نكاح فاسد، لم يحرم على التأبيد؛ لأنه لعان لا يؤثر في التحريم وقطع النكاح، فلا يؤثر في تأبيد الحرمة الذي هو كالفرع والوصف له، وبهذا قال ابن الحداد، وهو يجري فيما إذا لاعنها بعد البينونة بقذف بزنى أضافه إلى حال الزوجية، سواء كان الحِلُّ ثابتاً له في الحال: كما إذا كانت أمة فاشتراها، أو غير ثابت، وفيما إذا لاعن لنفي النسب خاصّة ولو في صلب النكاح، على ما حكاه في "التتمة".
ولو لاعن لدرء حدّ المرمي [بالزنى خاصة]: كما إذا رماها برجل بعينه، وأقرت بالزنى، أو عَفَتْ- ففي "التهذيب" أنه قيل: يتأبد، ويحتمل غيره.
هذا لفظه.
قال: وليس بشيء؛ لعموم الخبر، ولأن اللعان معنىً لو وجد في صلب النكاح أوجب التحريم المؤبد؛ فكذلك إذا وجد خارجه كالرضا،.
ومحل هذا القول ما إذا كان اللعان لأجل النسب، أما إذا قذفها في النكاح الفاسد، ولاعن لنفي الحدّ، ثم بان أن النكاح كان فاسداً- قال ابن الصباغ: فلا يحرم وجهاً واحداً.
ولم يحكِ في "التهذيب" سواه، وفي كلام الرافعي إشارة إلى جريانه- أيضاً- إذا أسقطنا به الحدّ؛ لأنه قال عقيب القول بعدم سقوط الحدّ: وعلى هذا لا يتأبّد التحريم، ولا يثبت شيء من أحكام اللعان.
[قال في "الحاوي": وإذا قلنا بعدم التحريم المؤبد عند الملاعنة في المبتوتة، فهل يجري عليها حكم الطلاق الثلاث حتى لا تحل له إلَّا بعد زوج؟ فيه وجهان].
قال: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ
تَشْهَدَ} الآية [النور: 8].
قال: فيأمرها الحاكم أن تقول أربع مرات: أشهد بالله [إنه]، أي: إن زوجي، وتسمِّيه أو تشير إليه، والكلام فيه كالكلام المتقدم فيها.
قال: لمن الكاذبين فيما رماني به، أي: من الزنى؛ لأنه المنفيُّ، وتذكر ما رماها به من زنى أو أكبر منه، ولا تحتاج إلى ذكر النسب في اللعان عند الأكثرين؛ غذ لا يتعلق بلعانها، وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنها تقول: وإن الولد ولده.
ولم يحك سواه، وه وما حكاه الروياني في "جمع الجوامع" عن حكاية القفال وجهاً.
قال: وفي الخامسة: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ﴾؛ للآية [النور: 9]، ويقوم مقام أمر الحاكم فيما إذا كان الزوجان رقيقين لرجل أَمَره به؛ لأنه يملك إقامة الحدّ عليهما فأشبه الحاكم، كذا قاله في "المهذب" [و"الشامل"] وغيرهما.
وفي "التتمة": أن ذلك ينبني على أن السيد هل له سماع البينة على زنى رقيقه؟ وفيه خلاف: فإن قلنا: يسمع البيّنة، فيتولى اللعان، وإلَّا فلا، وهكذا زوج الأمة إذا قذفها ولاعن وأوجبنا الحدَّ عليها، فهل للسيد أن يتولى اللعان في حقها أم لا؟ فعلى هذين الوجهين.
قال: فإذا لاعنت سقط عنها الحدُّ؛ للآية.
قال: وإن أُبْدِل- أي: بضم الهمزة- لفظ الشهادة بالحلف أو القسم، فقد قيل: يجوز؛ لأن اللعان [عندنا يمين، ولفظ الحلف والقسم صريح في اليمين، ولفظ الشهادة] كناية؛ فكان الصريح أولى.
قال: وقيل: لا يجوز، وهو الأصح في "الرافعي"؛ لأن الله- تعالى- أمره بلفظٍ، فإذا أخلَّ به لم يعتقد به؛ كالشاهد إذا أخل بلفظ الشهادة.
وأجرى في "التهذيب" الوجهين فيما إذا قال: بالله إني لمن الصادقين، من غير زيادة، وقطع صاحب "التتمة" بالمنع فيه.
ويجريان أيضاً فيما لو أبدل لفظ اللعن بالإبعاد، ولفظ الغضب بالسخط.
قال: وإن أبْدَلَتْ لفظ الغضب باللعنة؛ لم يجز.
قال الشيخ أبو حامد
والمحاملي والبندنيجي: بلا خلاف؛ لأن المنصوص عليه الغضب، وهو أعظم من اللعن؛ لأن اللعن: الإبعادُ، والغضب يتضمنه وزيادة؛ ولذلك خُصَّ بجانب المرأة؛ لأن جريمة الزنى منها أقبح، من جناية القذف منه؛ ولذلك تفاوت الحدَّانِ.
وحكى المسعودي وجهاً: أنه يجوز، وكذلك الغزالي أيضاً.
قال: وإن أبدل الزوج لفظ اللعنة بالغضب، فقد قيل: يجوز؛ لأنه أغلظ، وقيل: لا يجوز- وهو الأصح في "التهذيب"- لأنه عدل عن المنصوص عليه.
قال: وإن قدّم لفظ الغضب أو اللعنة على الشهادة، [لم يجز]، أي: سواء كان [على] جملة كلماتها أو على بعضها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [النور: 7]، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور: 9] فشرط اللعن والغضب في الخامسة؛ فإذا أتى بهما قبل ذلك لم يعتد به.
قال: وقيل: يجوز؛ لأن المقصود من اللعان التغليظ، وقد حصل.
قال: والأول أصح.
وادّعى البندنيجي أنه المذهب؛ لأن اللعن والغضب لكونه من الكاذبين فيما شهد به، وذلك يتأخر عن الشهادة.
قال القاضي الحسين في "التعليق": وأصل هذه المسائل كلها أن المراعي في اللعان اللفظ، ونظم التنزيل، أو المراعى فيه المعنى؟ فعلى وجهين: إن راعينا نظم التنزيل فلا يجوز أن يأتي بغيره، وإلَّا فيجوز.
قال: وإذا لاعنت المرأة قبل الرجل لم يعتد به؛ لأن لعانها لدرء الحدّ عنها، وذلك يجب بلعان الزوج؛ فلم يصح لعانها قبله، ولأ، اللعنا إما يمين وإما شهادة، وكلٌّ منهما إذا تقدّم على وقته، لم يعتد به.
وهذا كله في كيفية لعان الناطق، أما الأخرس فيلاعن بالإشارة، فإن لاعن بالكتابة فيكتب كلمة "الشهادة" وكلمة "اللعن" أو "الغضب"، ويشير إلى كلمة "الشهادة" أربع مرات، وإلى الكلمة الأخرى مرة، ولا يكلّف أن يكتب [كلمة] "الشهادة" أربع مرات، وهذا الطريق الأخير فيه جمع بين الكتابة والإشارة، وهو جائز، لكن قضية التصحيح بالكتابة المجردة أن يكرر كتابة
كلمة "الشهادة" أربع مرات، هكذا حكاه الرافعي، وحكى [عن] الإمام بعد نقل المذهب في صحة لعان الأخرس أنه قال: ويختلج إشكال في الصدر في تأدية كلمات اللعان، لاسيما إذا عينا لفظ "الشهادة"؛ لأن الإشارات لا ترشد إلى تفصيل الصيغ.
قال: والذي ينقدح في وجه القياس: أن كل مقصود لا يختص بصيغة فلا يمنع إقامة الإشارة مقام العبارة، وما يختص بصيغة مخصوصة فيغمض إعراب الإشارة عنها، ولو كان في الأصحاب من يشترط في الأخرس الكتابة إن كان يحسنها، أو يشترط من ناطق أن ينطق بها ويشير إلى الأخرس ويقول: يشهد كذا، ويقرره الأخرس بالإجابة- لَقَرُبَ بَعْضَ القُرْبِ، فأما الإشارة المجردة فلا يهتدي إلى دلالتها على صيغة [مخصوصة].
وما تمنى أن يكون في الأصحاب من يقول به، حكاه في "البسيط" عن بعض الأصحاب، وهو كالمنفرد بالقول وينقله عن غيره.
قال: والمستحب أن يتلاعنا من قيام، أيك يقوم الرجل عند لعانه والمرأة جالسة، ثم تقوم المرأة عند لعانها ويجلس الرجل، والدليل على اعتبار ذلك: ما روى ابن عباس- رضي الله عنهما- في قِصّة هلال بن أمية أنه قام فشهد، ثم قامت فشهدت.
ولأن المقصود من اللعان الردعُ والزجر عن اليمين الفاجرة؛ فإذا لاعن قائماً كان أبلغ في الردع والزجر، ولا يجب ذلك؛ لأن اللعان إما يمين أو شهادة، وليس القيام واجباً في واحد منهما.
وفي "التتمة": أنه إذا لاعن وهو قاعد، لا يعتد به إلَّا أن يكون عاجزاً، واستدل عليه بقوله- عليه السلام- لهلال: "قُمْ وَاشْهَدْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ".
وفي "تعليق" القاضي الحسين ما يرشد إليه أيضاً؛ فإنه قال: يؤمر أن يلاعن قائماً، فإن عجز فقاعداً كما في الصلاة.
قال: فإذا بلغ الرجل إلى [لفظ] اللعنة أو المرأة الغضب، استحب [للحاكم أن يقول]: إنها- أي: اللفظة الخامسة- موجبة للعذاب، أي: في الدنيا، وعذاب
الدنيا أهون من عذاب الآخرة، أي: فاتَّق الله، و [إني] أخشى إن لم تكن صادقاً أن تبوء بلعنة الله.
ويقرأ عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الآية [آل عمران: 77].
قال: ويأمر رجلاً أن يضع اليد على فيه، ويأمر امرأة أن تضع اليد على فمها، أي: [إن لم ينزجر] بالوعظ، ثم يعيد الوعظ عند وضع اليد على الفم.
قال: فإن أبَيَا، أي: إلا إتمام اللعان، تركهما، روى نحواً من ذلك ابن عباس في قصة هلال.
ويستحب أيضاً أن يعظمها قبل اللعان؛ لما روى ابن عباس- رضي الله عنهما أنه- عليه السلام- في قضية هلال فعل ذلك.
وأن يذكر لهما عند اللعان لنفي النسب قوله- عليه السلام-: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللهُ الْجَنَّةَ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، احْتَجَبَ اللهُ مِنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ"، والمعنى في قوله: "وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ" لأنه في حالة النظر إليه يكون أرق وأشفق عليه، فإذا جحده ونفاه كان أبلغ في هتك الحرمة وارتكاب الجريمة، وما روى في حديث المعراج أنه صلى الله عليه وسلم: "رَأَى نِسْوَةً مُعَلَّقَاٍ بِثُدِيهِنَّ، فَسأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ حَالِهِنَّ، فَقَالَ: إِنَّهُنَّ اللاتِي أَلْحَقْنَ أَزْوَاجَهُنَّ مَن لَيْسَ [مِنْهُنَّ"، وقال- عليه السلام-: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ] مِنْهُمْ؛ فَأَكَلَ جَرَائِبَهُمْ، وَنَظَرَ إِلَى عَوْرَاتِهِمْ".
والجرائب: جمع "الجريبة"، وهي الحمال النفيس الذي يقصد بنفاسته، وعني به المواريث والنفقات.
قال: ويلاعن بينهما بحضرة جماعة، أي: من أعيان البلد وصلحائه؛ لأن ذلك [تعظيم للأمر].
وقد حضر اللعان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد- رضي الله عنهم- مع حداثة سنهم، والصبيان لا يحضرون المجالس إلَّا تابعين للرجال؛ فيدل على أنه قد حضر جماعة من الرجال فتبعهم الصبيان، ولأن اللعان مبني على التغليظ للرّدع، وجعله في جماعة أبلغ في الردع.
قال: أقلهم أربعة؛ لأن اللعان سبب للحدّ، ولا يثبت الحدّ إلَّا بأربعة؛ فاستحب أن يحضر ذلك العدد، [ومن هذا يظهر لك اعتبار كونهم من أهل الشهادة عُدُولاً؛ كما قاله الماوردي].
واستدل بعضهم على ذلك بقوله- تعالى-: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]، ولا دلالة فيها؛ فإن الإمام حكى في هذا الباب عند الكلام في اللعان في الحدّ أن معظم المفسرين قالوا: المراد بهم شهود الزنى؛ فلعل الغرض أن يعاينوا ذلك، فإن كان ثم ريب رجعوا إذا عاينوه.
قال: ويلاعن بينهما بعد العصر؛ لأن القصد من اللعان الزجر والردع؛ فاعتبر فيه الوقت الذي تكون اليمين فيه أغلظ؛ وهو بعد العصر، قال الله- تعالى-: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106]، ولقد أجمع المفسرون- على ما حكاه ابن يونس- أن المراد بالصلاة: صلاة العصر.
وروى أبو هريرة
أنه- عليه السلام- قال: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]- وَعَدَّ مِنْهُمْ-: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ الْعَصْرِ: لَقَدْ أُعْطِيَ بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطِيَ وَهُوَ كَاذِبٌ".
وحكى الإمام أن عمر كُتِبَ إليه في جارية ادّعِيَ عليها القذف، فأنكرت، فكتب في الجواب: أخِّروها إلى بعد صلاة العصر، ثم حَلِّفوها، ففعل فاعترفت.
وهذا إذا كان ثم طلبٌ حاثٌّ، فإن لم يكن قال القفال وغيره: تؤخّر إلى يوم الجمعة؛ فإنه أعظم في النفوس لأجل الساعة التي فيه.
قال: فإن كان بمكة، لاعن بين الركن والمقام؛ لأن شرف المكان الذي يقع فيه اللعان مطلوب؛ لأن اليمين تكون فيه أغلظ؛ فيحصل مقصود اللعان: وهو الزجر والرَّدْع، وذلك يختلف باختلاف الأماكن؛ فإن كان بمكة لاعن بين الركن والمقام- كما قال الشيخ-[وهو المسمى بالحطيم]؛ لأنه أشرف البقاع فكان اللعان فيه أغلظ، والدليل عليه: ما روى أن عبد الرحمن بن عوف رأى قوماً يحلفون بين الركن والمقام، فقال: على دمٍ؟ فقالوا: لا، قال: فعلى عظيم من المال؟ قالوا: لا، قال: لقد خشيت أن يَبْهَأَ الناس بهذا المقام.
وروى عن القفال: أنه يلاعن في الحِجْر.
قال: وإن كان بالمدينة، فعند منبر النبي صلى الله عليه وسلم- وهذا قول الشافعي في [غير] "المختصر"، وبه قال أبو علي بن أبي هريرة، وهو الصحيح في "التتمة"، ووجهه: ما روى عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ [وَلَوْ بِسِوَاكٍ، وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ".
فإن قيل: فقد روى جابر أنه- عليه السلام- قالك "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ]، تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"، وهذا يدل على شرف المنبر، فهلا قلتم
باللعان عليه؟ وقد روى أن الشافعي- رَضي الله عنه- قال في موضع آخر: يلاعن على المنبر، ويعضده ما روى أنه- عليه السلام- لاعن بين العجلاني وامرأته على المنبر.
فالجواب: ما قاله أبو علي بن أبي هريرة-: أن الصعود على المنبر علوٌّ وشرف، والملاعن ليس في موضع العلو والشرف، وما روى أنه صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأته على المنبر- محمولٌ على أنه- عليه السلام- كان على المنبر دونهما، ويؤيده: ما روى المتولي عن عبد الله بن جعفر أنه- عليه السلام- لاعن بين العجلاني وامرأته عند المنبر.
وقوله- عليه السلام-: "عَلَى مِنْبَرِي" محمول على معنى: عند منبري، كما رواه أبو هريرة؛ لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وعلى ذلك حمل نص الشافعي.
ووراء هذا القول وجوه أُخَر:
أحدها: أنه يلاعن بينهما على المنبر كما حكى عن نص الشافعي في موضع آخر؛ لحديث جابر والعجلاني وإجرائهما على ظاهرهما، وهو الذي صحّحه صاحب "التهذيب"، وفي كتاب القاضي ابن كج [حكاية] طريقة قاطعة به.
والثاني-[حكاه الماوردي-: أن الحاكم مخيّر بين أن يلاعن بينهما عند المنبر أو عليه.
والثالث-] قاله أبو إسحاق-: إن كان الخلق كثيراً لاعن على المنبر، وإلَّا فعند المنبر، وحمل اختلاف نص الشافعي في ذلك على هذين الحالين، ونفى أن يكون في المسألة خلاف، وحكى البندنيجي أنه المذهب، وقال المحاملي: إنه الأصح.
قال: وإن كان ببيت المقدس، فعند الصخرة؛ لأنه أشرف البقاع به، [وهذا قول أبي القاسم الصيمري وابن القطان، وحكى الماوردي عن الشيخ أبي حامد وطائفة: أنه
يكون على المنبر أو عنده؛ لأنه أخص بالشهرة] قال: وإن كان في غيرها من البلاد، ففي الجوامع؛ لأنها أشرف البقاع.
قال: عند المنبر أو على المنبر، كما قلنا في المدينة، وقد حكى ذلك- أيضاً- القاضي الحسين في "التعليق"، وقال ابن الصباغ: لا يختص بالمنبر؛ لأنه لا مزية لبعض الجامع على بعض، ويخالف المدينة؛ فإنه- عليه السلام- قال: "بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ"، وهو قضيّة ما حكاه في "المهذب" و"المجموع" للمحاملي "وتعليق" البندنيجي.
وفي "التتمة": أنّا إذا قلنا في المدينة: إنه يصعد على المنبرن فكذلك في غيرها، وإن قلنا: يلاعن عند المنبر، ففي غيرها وجهان.
فإن قيل: جزم الشيخ فيما إذا كان بالمدينة أنه يلاعن عند المنبر، وها هنا قال: "عند المنبر أو على المنبر"، وذلك يقتضي إما التخيير وإما التنويع باعتبار حالة الكثرة والقلة، والحكم في الصعود على المنبر في المسألتين واحد عند الأصحاب؟ فالجواب: أن ما ذكره الشيخ ها هنا يجوز أن يريد به التنبيه على أن الحكم في مسألة المدينة كذلك [كما حكيناه وجهاً، وأشار إليه الماورديب قوله: ويكون عند المنبر وعليه- على ما مضى].
على أني رأيت في بعض نسخ "الشرح" لابن يونس حكاية لفظ الشيخ فيه كلفظه في غير المدينة، ويجوز أن يكون ترجح عنده قول أبي علي بن أبي هريرة في المدينة؛ لأن منبر النبي صلى الله عليه وسلم موضع شريف، وأحد المتلاعنين كاذب في يمينه قطعاً؛ فنزه عن صعود الكاذب إليه، وليس لغيره من المنابر مثل هذا الشرف، ومما يعضد اعتبار ذلك: أن أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- كان لا يقف في الموضع الذي [كان] يقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم، [وعمر- رضي الله عنه- كان لا يقف في الموضع الذي كان يقف فيه أبو بكر]، بل نزل كل منهما عن موقف الآخر درجة؛ لما ذكرناه من الشرف، مع إمكان تحصيل المقصود، وعثمان- رضي الله عنه- لما لم يمكنه تحصيل المقصود مع مراعاة هذا الشرف- لم يفعله، والله أعلم.
قال: وإن كان أحدهما جنباً لاعن على باب المسجد؛ لأنه أقرب إلى الموضع
الشريف، والحائض بذلك أولى، وهذا إذا رأى الإمام تعجيل اللعان، فلو رأى تأخيره إلى انقطاع الدَّم والاغتسال جاز، قاله المتولي.
وهو في الجنب من طريق الأولى، بل [لو] قيل بوجوبه على القول بأن التغليظ [بالمكان واجب، لم يبعد؛ لقرب مدته.
قال: وإن كانا ذميين، لاعن بينهما في المواضع التي يعظمونها، وهي: الكنيسة لليهود، والبِيعة للنصارى، وبيت النار للمجوس؛ لأن ذلك عندهم كالمساجد عندنا، ولأن القصد تعظيم الواقعة وزجر الكاذب عن الكذب، وذلك في الموضع الذي يعظمه الحالف أبلغ.
وقيل: لا يأتي الحاكم بيت النار، وبه قال القفال، وهو الأصح في "تعليق" القاضي الحسين؛ لأنه لم يكن له حرمة في شريعة قط، بخلاف البِيعة والكنيسة.
وعلى هذا: فيلاعن بينهما في المسجد أو في مجلس الحكم، والأول أظهر في "الرافعي"، ودخول الحاكم هذه المواضع ليس للتعظيم؛ فلا جَرَمَ لم يحرم.
ولو كان الزوج مسلماً والزوجة ذميّة، لاعن كل واحد منهما في الموضع الذي يلاعن فيه لو كانا من ملة واحدة، فإن قالت: ألاعن في المسجد، ولم يرضَ الزوج بذلك- لم تُجَب إليه، وإن رضي به جاز.
وكذلك يجوز أن يتلاعن الذميان في المسجد إلّا المسجد الحرام، وإن كانا جُنُبَيْنِ، أو كانت المرأة قد انقطع حيضها، أو لم ينقطع وتحفظت- على أحد الوجهين في الجميع، كما حكاه البندنيجي، وفي "الرافعي": أنه أظهر في الجنب، وهو ما جزم به الغزالي في ["الوجيز"].
تنبيه: تقييد الشيخ هذا النوع من التغليظ بالذميين يعرفك أن من لا تعقد له الذمة من الكفار الذين لا يقتلون- كالوثنيين- إذا دخل علينا بأمان أو هدنة، مخالفٌ
لأهل الذمة فيه، وقد صرّح الأصحاب بأنه يلاعن بينهما في مجلس الحكم، ولا يأتي بيت الأصنام؛ لأنه لا أصل له في الحرمة، واعتقادهم غير مَرْعِيّ، [وفيه نظر].
[وبعضهم صرّح في باب "موضع اليمين" من كتاب "الأقضية" بأن دخول بيت الأصنام معصية، وعلى ذلك جرى الماوردي ثَمَّ.
وقد صرحوا] بأن ما عدا هذا النوع [من التغليظ] حكمُ أهل الذمة فيه كالمسلمين، [كما صرح به البندنيجي وغيره].
[وقال الماوردي: إنه يلاعن بين أهل الذمة، بعد الصلوات التي يُعَظِّمونها].
فرع: الزنديق هل يغلظ عليه بالوجوه المذكورة؟
فيه وجهان:
يوجه أحدهما: بأنه لا يعظِّم بقعة ولا زماناً؛ فلا يؤثر التخصيص في زجره.
والثاني: يغلظ عليه؛ لتناله عقوبة اليمين الفاجرة بصفة التغليظ؛ كما أنه يغلظ عليه في أصل التحليف بالله- تعالى- وإن كان لا يعظم اسم الله- تعالى- ولا يعرفه.
وهذا أظهر عند الغزالي.
والذي ذكره الأكثرون: أنه لا يغلظ عليه المكان ويلاعن في مجلس الحكم، وهو المنصوص.
وإذا لم يغلظ بالمكان ففي الزمان والجمع أولى، ويخالف التغليظ بأصل اليمين؛ فإن الأحكام المتعلقة باللعان موقوفة على ذلك، وحكم الدَّهْري حكم الزنديق.
قال: فإن ترك التغليظ بالزمان والجماعة جاز، قال الشيخ أبو حامد: كما لو ترك التأكيد في سائر الأيمان.
وقال الجيلي: لعدم وجوب ذلك بالإجماع.
وفيه نظر؛ لأن بعض المراوزة حكى في ذلك قولين؛ فكيف يمكن دعوى الإجماع مع ذلك؟!
قال: وإن ترك التغليظ بالمكان ففيه قولان:
أحدهما: أنه يستحب، وهو الأصح، وعن [ابن القاص] القطع به كالزمان والجماعة.
والثاني: أنه واجب؛ لأن اللعان في عصره صلى الله عليه وسلم كذا جرى؛ فأشبه العدد.
وفي "النهاية" حكاية طريقة في أن القولين في التغليظ بالزمان والمكان دون الجماعة، وهي التي صدَّر بها كلامه، وبها جزم القاضي الحسين في "التعليق".
وقال الرافعي: إنها أظهر، وإن القطع
-[أي: طريقة القطع باستحباب الجماعة]-
أظهر.
قال: وإن تلاعنا، ثم قذفها أجنبي، حُدَّ، أي: سواء كان بتلك الزنية التي قذفها الزوج بها أو غيرها؛ لما روى الترمذي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه- عليه السلام- لاعن بين هلال وامرأته، وقضى "أَلَّا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ، وَلَا تُرْمَى، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا؛ فَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ".
ولأن اللعان لا يسقط عن الأجنبي حد القذف به؛ فلا يسقط إحصانها في حقه به، وقيل: إذا قذفها بتلك الزنية ففيه خلاف، والظاهر وجوبه.
أما إذا لاعن الزوج دونها، ثم قذفها الأجنبي- ففيه وجهان:
أحدهما- حكاه الداركي-: أنه لا يحدّ؛ لأنه قد ثبت زناها بلعان الزوج فكان كما لو قامت البينة على زناها.
والثاني: أنه يجب؛ لما ذكرناه.
[وهذا ما قال به عامة الأصحاب كما هو في "شرح الفروع"]، وقد يحكي هذا عن ابن سلمة، ونسبه الشيخ في "المهذب" إلى
ابن سريج، والأول إلى أبي إسحاق كما حكاه القاضي أبو الطيب، ووافقهما على ذلك القاضي الروياني.
ونسب الشيخ أبو حامد- على ما حكاه الرافعي- الأول إلى ابن سريج، والثاني إلى أبي إسحاق، وكذلك البغوي، وخص محل الخلاف بما إذا قذفها بالزنية التي قذفها بها الزوج، أما إذا كان بغيرها فيجب، ولم يحك سواه، وكذلك الرافعي وقال: إن وجه الوجوب أصح، وإن نسبة الشيخ أبي حامد أثبت.
قال: وإن قذفها الزوج- أي: بعد تلاعنهما بزنىً آخر- عُزِّر، ولم يلاعن على المذهب، أي: عزر على المذهب ولم يلاعن؛ لما سنذكره، وقد جاء مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 5] وتقديره: أحوى غثاء.
وفي "الجيلي" و"الخلاصة" و"مختصر" الجويني ما يدل على أن الخلاف في التعزير [أو] اللعان؛ إذ قالا: فهل يلاعن أو يحد؟ فيه خلاف.
والمشهور ما ذكرناه، ووجه المذهب: أن اللعان في حقه كالبينة في حقها وحق الأجنبي، ولو أقام البينة ثم قذفها لم يحد؛ لأن حصانتها سقطت؛ فكذلك في اللعان مثله.
ويجب عليه التعزير للأذى والسب.
ووجه مقابله- وهو جوب الحدّ-: أن اللعنا وإن كان حجة للزوج فإنما تسقط به حصانتها في الحالة التي يوجد فيها اللعان وما بعدها، فأما قبل ذلك فحصانتها باقية، فإذا رماها بزنىً في تلك الحالة، لزمه الحدُّ، ويفارق البينة؛ لأنها تسقط الحصانة سقوطاً عامّاً، واللعان يسقطها سقوطاً خاصّاً، كذا قاله المحاملي، ومقتضاه: أنه إذا أضاف الزنى إلى ما بعد اللعان لا يحد، وأن محل الخلاف ما إذا أضافه إلى ما قبل اللعان، وقد صرّح به في أصل المسألة، وكذلك البندنيجي، وزاد: وأن يكون في حالة الزوجية.
وفي "التتمة": أن الخلاف مطرد في القذف بزنىً متأخر عن اللعان، وفي الزنى المتقدم على النكاح.
قال الرافعي: ووجوب الحدّ في الزنى المتقدم على اللعان أظهر؛ لمصادفته حال
الحصانة.
وهذه طريقة القاضي أبي الطيب، وعليها جرى [القاضي الروياني والبغوي، وجزم ابن الصباغ بوجوب الحد، وهو الذي رجحه] أبو علي والمتولي مع القول بإثبات الخلاف، وقال الرافعي: كأنه أقرب.
وعن القفال وأبي علي والصيدلاني من أصحابه: أن وجب الحَدّ هو القديم.
أما إذا لاعن الزوج دونها ففي "المهذب" و"الشامل" و"التهذيب": أنه لا يجب الحد، ولم يذكروا سواه، ويجب التعزير للسب والأذى.
وحكى الغزالي وغيره خلافاً فيه، والظاهر وجوب التعزير دون الحَدّ.
[ثم] هذا كله فيما إذا قذفها بغير ما رماها به أولاً، أما إذا كان القذف بالأول فلا يجب إلَّا التعزير، وأما كونه لا يلاعن، سواء قلنا بوجوب الحدّ أو التعزير؛ لأن القذف لم يكن به حاجة إليه؛ لأنه لا نسب فينفيه ولا زوجيَّة فيقطعها؛ فلم يكن له تحقيق ذلك باللعان، كما لو قذفها بعد البينونة ولا نسب.
قال: وإن أكذب الزوج نفسه، أي: في أيمانه- حُدَّ إن كانت محصنة، وعُزّر [إن كانت غير محصنة، ولحقه النسب؛ لأنه حق عليه فلزمه] بتكذيبه نفسه، بخلاف عودالفراش وزوال التحريم، فإنه حق له وقد بطل؛ فلا يتمكن من إعادته بتكذيبه نفسه، وهكذا الحكم في الأخرس إذا لاعن بالإشارة، ثم انطلق لسانه وقال: لم أرد اللعان بإشارتي، فيقبل قوله فيما عليه من لحوق النسب ووجوب الحدّ، ولا يقبل قوله فيما له حتى ترتفع الفرقة والتحريم المؤبد، ولكن له أن يلاعن في الحال؛ لإسقاط الحد ولنفي النسب- أيضاً- إذا لم يمض من الزمان ما يسقط فيه حق النفي.
ولو قال: لم أرد القذف أصلاً، لم يقبل قوله.
فرع: الناطق إذا أكذب [نفسه] هل يسقط عن المرأة حدّ الزنى؟ لم أَرَ فيما وقفت عليه من كتب الأصحاب تصريحاً به، غير أن الإمام ذكر في تعليل القول بأنها لا ترجم في الحرّ والبرد إذا ثبت ذلك باللعان- أن الملاعن قد يكون كاذباً، ثم
يشاهد المرجومة؛ فيرثى لها، ويرى تعرُّض نفسه [لحد الزنى] أهون؛ لما يتداخله من الرقة عليها.
وهذا يدل على أن الحدّ يسقط، وإلَّا لم يكن للتعليل بذلك معنىً.
قال: وإن أكذبت المرأة نفسها، أي: في يمينها.
حُدَّت حد الزنى؛ لأنه لا يتعلق بلعانها أكثر من سقوطه، وهو حق عليها؛ فعاد بتكذيبها نفسها، والله أعلم.
فروع:
لو ادعت المرأة على زوجها القذف، فأنكر، ثم قامت البينة عليه بالقذف- فله أن يلاعن لإسقاط الحدّ إن أبدى تأويلاً، وإلّا فوجهان، الذي حكاه العراقيون منهما- على ما قاله ابن الصباغ-: أنه يلاعن، وادعى المحاملي نفي الخلاف فيه، وكيفية لعانه أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما أتيت على من رميت إيّاها بالزنى، وإن كذبته البينة، فيه وجهان.
قال ابن الصباغ: ولا معنى لهذين الوجهين؛ فإنه لا يتغير الحكم بذلك.
وفي "المجموع" للمحاملي: أنا إذا قلنا: إنه أكذب نفسه، فإنما يلاعن لقذف مجدد وهو فائدة.
وقد اختلف الأصحاب في التأويل المراد:
فمنهم من قال: المراد به أن يقول: القذف هو القول المحرَّم، وأنا قد صدَقْتُ عليها ولم أقل محرماً.
وقال آخرون: بل المراد أن يقول الزوج: ما قذفتها، ولكن بعد أن أقامت البينة عليّ وطالبتني بالحد ألاعنها؛ لأنها زانية.
ولا يلزم من إنكار قذفها ألَّا تكون زانية.
وقيل: المراد به أن يقول: أنا ألاعن وأحقق بلعانها ما قامت على البينة بأني [قد] نسبتها إليه؛ لأن قوله: ما قذفتها، لا ينافي لعانه ولا تكذيب نفسه؛ لأنها قد
تكون زانية مع إنكاره قذفه إياها.
ولو لم يقل شيئاً من ذلك، لكن ادّعت عليه أنه [قال لها: يا زانية، فقال: ما قلت لها، وما هي بزانية- لم يكن له أن يلاعن؛ لأنه] قد اعترف أنها غير زانية فال يمكنه أن يلاعن على ضدّ ذلك، اللهم إلّا أن يمضي بعد الإقرار بأنها لم تَزْنِ زمانٌ يمكن تقدير الزنى فيه، وعليه يحمل ما روى عن القاضي من جواز اللعان.
وإذا لاعن فهل يسقط عنه الحدُّ الذي قامت عليه البينة؟ حكى الإمام فيه خلافاً.
ولو أقيم [عليه] بعض الحدّ؛ فقال: أنا ألاعن- فله ذلك، وإن كان قد امتنع من اللعان لشائبة الشهادة، وإلَّا فاليمين لا يمكن العود إليها بعد النكول، وكذلك إذا أقيم على المرأة بعض الحدّ؛ فقالت: ألاعن- مكنت منه، والله أعلم.
باب ما يلحق من النسب وما لا يلحق
قال: ومن تزوج بامرأة، فأتت بولدٍ يمكن أن يكون منه- لحقه نسبه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم-: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ" خرجه مسلم.
قال: ولا ينتفي عنه إلّا باللعان.
أما انتفاؤه باللعان؛ فلما ذكرناه من حديث ابن عمر، رضي الله عنهما.
وأما عدم انتفائه بغيره- وهو دعوى الاستبراء والحلف عليه- فلأن الشرع لم يرد به، وقياسه على فراش الموطوءة بملك اليمين لا يمكن، لقوته وضعف فراش الملك؛ [فتعين ما ذكرناه.
وهذا إذا كان التزويج صحيحاً، أما لو كان فاسداً فهل يلحقه بمجرد العقد كما في الصحيح، أو يتوقف لحوقه له على إقراره بالوطء كما في] ملك اليمين؟ فيه خلاف، المذكور منه في "التتمة"، وإليه يرشد كلام الشيخ في الباب قبله- الثاني.
وإذا احتجنا إلى الإقرار بالوطء فهل ينتفي الولد بدعوى الاستبراء كما في ملك اليمين، أو لا ينتفي إلا باللعان؟ فيه خلاف، والظاهر: الثاني، وهو الذي حكاه الشيخ في الباب قبله، وقد حكى ذلك الرافعي قبل الباب الثاني من العِدَد.
تنبيه: يندرج تحت كلام الشيخ ما إذا كانت الزوجة أمة، ثم استبرأها الزوج، وأتت بولدٍ يمكن أن يكون من النكاح ومن ملك اليمين.
وقد حكى الفوراني: أنه إن ادّعى الاستبراء بعد الوطء فالقول قوله، والولد منفيٌّ عنه، وإن لم يَدَّعِهِ بعد الوطء ونفى الولد فهل له اللعان؟ فيه قولان.
وفي "الرافعي": أنهما جاريان مع كون الولد ملحقاً بملك اليمين، والذي جزم به في "الوسيط" منهما: أنه لا يلاعن، وحكى الشيخ أبو علي وجهاً فيما إذا ادّعى الاستبراء بعد الوطء: أنه يلحقه بحكم النكاح، ولا ينتفي إلّا
باللعان؛ لقيام الإمكان وامتناع الإلحاق بالملك.
فائدة: زمن الإمكان تستفاد معرفته من كلام الشيخ في تصوير عدم الإمكان؛ لأن أحد النقيضين إذا عُلِمَ لزم منه معرفة النقيض الآخر.
قال: وإن لم يمكن أن يكون منه بأن يكون له دون عشر سنين، أو كان مقطوع الذكر والأنثيين جميعاً، أو أتت به امرأته لدون ستة أشهر من حين العقد، أو أتت به مع العلم بأنه لم يجتمع معها، أي: كما إذا طلقت [عقيب] النكاح، أو كان بينهما مسافة لا يمكن معها الاجتماع من حين العقد إلى إمكان العلوق بذلك الولد، أو أتت به لأكثر من أربع سنين من حيث اجتمع معها، أي: من آخر اجتماعه معها، مع وجود الغيبة التي لا يمكن معها الاجتماع، كما ذكرنا.
قال: انتفى عنه من غير لعان؛ لأن اللعان إما يمين وإما شهادة، وكل منهما جعل لتحقق ما يجوز أن يكون، و [يجوز] ألا يكون، فتحقق أحد الجائزين، وها هنا لا يجوز أن يكون الولد له؛ فلا يحتاج في نفيه إلى اللعان، وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون منه؛ لأنه في بعض الصور المذكورة معلوم، وفي بعضها دَلَّ الاستقراء عليه.
ووراء ما ذكره الشيخ أمور أخر لا غنى عن ذكرها؛ لتعلقها بما نحن فيه:
حكى الإمام الرافعي في كتاب "العِدَد" خلافاً عن "بحر الذهب" في أن المرأة إذا أتت بولدٍ لأكثر من أربع سنين من حين اجتمع معها هل ينتفي عنه من غير لعان؟
ونقل الإمام عن العراقيين أنهم حكوا عن الإصطخري أنه قال فيما إذا كان مقطوع الذكر والأنثيين جميعاً: إنه يلحقه، ولا ينتفي عنه إلَّا باللعان.
وكذلك حكاه عنه وعن الصيرفي وعن أبي عبيد بن حربويه، والماوردي وقال: حكى أن أبا عبيد قلد قضاء مصر، فقضى في مثل هذا بلحوق الولد؛ فحمله الخصيُّ على كتفه وطاف به في الأسواق وقال: انظروا هذا القاضي يلحق أولاد الزنى بالخدم، هكذا حكاه في كتاب العدد، وإلى ما ذهب إليه هؤلاء ذهب القاضي أبو الطيّب والصيدلاني- أيضاً- على ما حكاه الإمام.
وقال القاضي الحسين: إنه المذهب، وعليه نص في كتاب العدد، وكأنهم تمسكوا بما رواه المزني في "المختصر"؛ حيث قال: ولو كان بالغاً مجبوباً كان له أن ينفيه باللعان.
وأعرضوا عن روايته في "الكبير": أنه لا يلحقه.
وهي رواية الربيع.
وقال القاضي أبو حامد: إن استدَّت ثقبه المنى، انتفى عنه من غير لعان، وإن لم تستدَّ لم ينتفِ إلّا باللعان؛ لأنه يمكنه الإنزال.
وحمل الروايتين على هذين الحالين، والصحيح ما قاله أبو إسحاق، وهو حمل رواية المزني على ما إذا قطع أحدهما- كما حكاه عنه البندنيجي والمحاملي- وعلى ما حكاه الرافعي عنه فيما إذا كان مجبوب الذكر باقي الخصيتين، وحمل رواية الربيع على ما إذا قطعتا- كما ذكره الشيخ- لأنه يستحيل أن يُنْزِل مع قطعهما، وإن أنزل فهو ماء رقيق لا ينعقد منه الولد.
وفي "التتمة" حكاية وجه فيما إذا كان مقطوع الخصيتين: أنه لا يلحقه أيضاً.
وقال الفوراني فيه: يُرى لأهل الخبرة والأطباء ويعمل بقولهم.
وفي "الزوائد": أن القاضي أبا الطيب حكى عن بعض أصحابنا: أنه إذا كان مسلول البيضة اليمنى لا يلحقه؛ لأن من ليست له لا يُنْزِل.
وحكاه عنه الرافعي- أيضاً- عند الكلام في عدّة الحمل، وقال: إن البيضة اليسرى للشعر.
وإن الروياني نقل في "جمع الجوامع" أن ابن الحداد كان كذلك وكان له لحية طويلة وكان لا ينزل.
واعلم أن قول الشيخ: "بأن يكون له دون عشر سنين"، موافقٌ للفظ الشافعي- رضي الله عنه- وقد اختلفت عبارات النقلة فيه:
فالذي حكاه ابن الصباغ إجراء اللفظ على ظاهره، وأنها إذا أتت بولدٍ وله دون عشر سنين، لا يلحقه، وإن أتت به وله عشر سنين يلحق به، ويشهد لذلك ما حكاه الماوردي: أن عمرو بن العاص وُلِدَ له ابنه عبد الله وهو ابن عشر سنين.
والذي حكاه راوياً الشيخ أبي حامد المحاملي والبندنيجي-: أن مراد الشافعي بدون العشر: أن يأتي به لدون تسع سنين وستة أشهر، أما إذا أتت به لذلك أو فوقه لحقه، ولا ينتفي إلَّا باللعان.
وحكى الشيخ في "المهذب" الوجهين، وضعف ابن يونس الثاني بأن النبي صلى الله عليه وسلم
علق الضرب بترك الصلاة والتفريق في المضاجع بالعشر؛ فدل على أن البلوغ لا يتحقق بما دون ذلك، وصححه البغوي والقاضي الروياني.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنها إن أتت به وكان ابن دون عشر سنين، فهو منتفٍ عنه بغير لعان.
وإن كان ابن عشر سنين وستة أشهر وساعة لحقه.
وإن كان ابن عشر سنين، فوجهان:
أحدهما: لا يلحقه حتى يكون قد مضى من الحادية عشرة ستة أشهر وساعة، وهذا الخلاف عنده ينبني على خلاف حكاه في أنه لو احتلم في العشر قبل استكمالها: هل نحكم ببلوغه كما لو احتلم بعد استكمالها أم لا؟ وكذلك بناء الإمام، لكنه لم يذكر الساعة بعد الأشهر.
وحكى عن الفوراني وجهاً: أن البلوغ يحصل بالاحتلام في أثناء السنة التاسعة، وبنى عليه- أيضاً- لحوق النسب، وهو محمول على مضي ستة أشهر منها، كما صرّح به في "الإبانة"، وحكاه المسعودي- أيضاً- مع وجه آخر: أنه يعتبر [مضى] تسع سنين وستة أشهر وساعة الوطء.
وقد تحصل من مجموع ما ذكرناه في قدر المدة التي إذا انتقص عمر الزوج عنها لا يلحقه النسب ستة أوجه: عشر سنين وستة أشهر وساعة، عشر سنين وستة أشهر، عشر سنين، تسع سنين وستة أشهر وساعة، تسع سنين وستة أشهر، تسع سنين.
ثم على الوجوه كلها لا يحكم ببلوغ إلَّا أن يدعيه، فلو أراد أن يلاعن مع إصراره على دعوى عدم البلوغ، لم يُمَكَّنْ.
فإن قيل: لعانه إن كان بالغاً يفيد نفى النسب، وإن لم يكن بالغاً فالنسب منفي؛ فهلا يمكن من اللعان لهذا الغرض؟ فالجواب: أن فيه إقداماً على تحليف صبي، وذلك ممتنع.
ولو رجع بعد دعواه الصبي، وادّعى البلوغ ورام اللعان، مُكِّن منه، وقال الإمام: في كلام الأصحاب ما يدل على أنه لا يقبل قوله: أنا بالغ؛ للتهمة.
ويقرب من هذا ما أورده صاحب "التتمة"، وهو أنه إن لم يتهمه الحاكم،
حكم ببلوغه، ومكّنه من اللعان، وإن اتهمه ترك الأمر موقوفاً إلى أن يتحقق بلوغه.
تنبيه: ذكر النواوي في هذا الفصل على الشيخ مؤاخذتين:
إحداهما: أن الحريري في "درّة الغواص"، قال: لا يقال: اجتمع فلان مع فلان، وإنما يقال: اجتمع فلان وفلان.
وقد قال الجوهري: جامعه على، أي: اجتمع معه عليه.
الثانية: أنه لو قال بدل قوله: "من حين اجتمع معها": من حين فارقها- كان أصوب.
قال: وإن وطئها، ثم طلقها طلاقاً رجعياً، ثم أتت بولدٍ لأكثر من أربع سنين من حين الطلاق- ففيه قولان:
أحدهما: لا يلحقه؛ لأنها حرمت عليه بالطلاق تحريم المبتوتة؛ فأشبه ما لو كان الطلاق بائناً فإنه لا يلحقه، وعلى هذا تنقضي به العدة.
وقال بعض البصريين: إنها تنقضي بالأقراء أو بالأشهر قبله، وهو ما أبداه الماوردي من عند نفسه في كتاب العِدَد.
قال: والثاني: يلحقه، ولا ينتفي عنه إلَّا باللعان؛ لأن الرجعيَّة زوجة بدليل: أنه يصح طلاقها والإيلاء عنها والظهار منها واللعان، وتحب لها النفقة.
فعلى هذا: إلى متى يلحقه؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة: يلحقه متى أتت به من غير تقدير مُدَّة؛ لأن الفراش على هذا القول إنما يزول بانقضاء العدة.
والأصح في "المهذب" وعند ابن الصباغ والشيخ أبي حامد، والراجح عند الأكثرين- كما حكاه الرافعي-: أنه إذا مضت العدة بالأقراء أو الأشهر، ثم ولدت لأكثر من أربع سنين من انقضائها- لم يلحقه؛ لأنا نتحقق أن الحمل لم يكن موجوداً في الأقراء والأشهر فَتَبِين بانقضائها، وتكون كما لو بانت بالطلاق ثم أتت بولدٍ لأكثر من أربع سنين.
قال الرافعي: ولك أن تقول: هذا إن استمر في الأقراء لا يستمر في الأشهر؛ فإن
التي تحمل من النساء لا تعتد بالأشهر، فإذا حملت بان أن عدتها لم تنقض بالأشهر.
قلت: إطلاق هذا السؤال فيه نظر؛ لأن المعتدات بالأشهر عن الطلاق: إما من لم تحض قَطُّ، وإما آيسة، وما ذكره من الحكم ممنوع في القسم الأول؛ لأن من هذا حالها لو أكملت العدة بالأشهر ثم رأت الحيض، لا تعتد به ثانياً عمّن اعتدت عنه بالأشهر؛ فكذلك الحمل إذا ظهر بعد انقضاء العدة بالأشهر من طريق الأولى؛ لأنه دليل على الحيض، ومسلّم في القسم الثاني إذا رأت دم النفاس؛ لأنا نتبيّن أنها لم تيأس، وأما إذا لم تر الدم فقد حكى وجهين في أن التي لم تحض إذا حملت ولم تر دم النفاس هل تكون عدتها [عدة] من تعتد بالأشهر؛ لظاهر الآية، وهو ما حكاه عن "فتاوى" صاحب "التهذيب" في آخر العدد؟ أو يكون حكمها حمك من انقطع دمها بلا سبب؛ لأن الحمل لا يكون إلَّا لذوات الأقراء؟ وهذا الوجه يتعيّن في مسألتنا؛ لأنها قد حاضت.
وعلى هذا التقدير فقد يقال: إن ذلك لا يمنع الاحتساب بالأشهر؛ فلا فائدة في الإعادة ولا غاية تنتظر، وإذا كان كذلك كان هذا كالقسم الأول؛ فانتفى السؤال وإن لم يكن كذلك، بل نوجب استئناف العدة، كما إذا بلغت سن اليأس، وشرعت في العدة وأكملتها، ثم رأت الدّم- على رأي سنذكره من بعد- فلعل إطلاق الأئمة محمول على القسم الأولح فلا يحسن تعميم السؤال.
ثم الخلاف في أصل المسألة بناه بعضهم على أن السنين الأربع في الطلاق الرجعي تعتبر من حين الطلاق أو من حين انقضاء العدة؟ وفيه قولان، أصحهما في "التهذيب" وغيره: الأول، وبناه بعضهم على أن الرجعية فراش الزوجية باق فيها [أو لا]؟ وفيه خلاف مذكور في باب الرجعة، وذلك متقارب.
ويظهر من مقتضى البناء أن يكون الصحيح من القولين: أنه لا يلحقه الولدُ، وقد صرّح به النووي والماوردي في كتاب العدد، وفي الجيلي: أن الأصح خلافه.
والخلاف المفرع على القول باللحوق، مفروض- على ما ذكره القاضي الروياني في "البحر" وغيره- فيما إذا أخبرت بانقضاء العدة، أما إذا لم تقر فالولد الذي تأتي به- وإن طال الزمان- يلحقه؛ لأن العدة قد تمتد بتباعد الطُّهر.
وإن القفال نقل وجهاً
ضعيفاً: أنه إذا مضت ثلاثة أشهر، ثم أتت بولدٍ لأكثر من أربع سنين- لم يلحقه؛ لأن العادة انقضاء العدة في ثلاثة أشهر، وهذا ما رجحه في "التهذيب" وقال عن الأول: إنه ليس بصحيح.
ثم حيث حكمنا بلحوق النسب دامت المرأة معتدة إلى الوضع حتى يثبت للزوج الرجعة، ولها النفقة والسكنى، أما لو أتت به لأربع سنين، فقد أطلق الأصحاب في البائن أنه يلحقه؛ ففي الرَّجعيِّ أولى، واعترض منصور اليمني في "المستعمل" على الأصحاب، فقال: إذا لحقه الولد الذي أتت به لأربع سنين من وقت الطلاق لزم أن تكون مدة الحمل أكثر من أربع سنين؛ لتقدم العلوق على الطلاق؛ فينبغي أن يقال: لأربع سنين من وقت إمكان العلوق قبل الطلاق.
قال الرافعي: وهذا قويمٌ، وفي الإطلاق تساهُلٌ.
ولا فرق في ذلك بين أن تقرّ بانقضاء عدتها أو لا تقر؛ لأن النسب حق الولد فلا ينقطع بإقرارها، وقد يبنى إقرارها على الغالب ثم يظهر خلافه.
وقال ابن سريج: إذا أقرت بانقضاء العدة ثم ولدت؛ لم يلحقه إلَّا أن تأتي به لما دون ستة أشهر من وقت الإقرار.
وسنذكر في الباب من أين خرَّجه.
فرع: لو علّق طلاق زوجته بولادتها، فولدت ولدين بينهما دون ستة أشهر-[لحقاه وطَلَقَتْ بوضع الأول، وانقضت عدتها بوضع الثاني.
وإن كان بينهما ستة أشهر] فأكثر طلقت بولادة الأول، ولا يلحقه الثاني إن كان الطلاق بائناً؛ للعلم بأن العلوق به لم يكن في النكاح، بخلاف ما إذا لم يعلّق بالولادة بحيث يلحقه الولد إلى أربع سنين؛ لاحتمال العلوق في النكاح.
وإن كان الطلاق رجعيّاً، فكذلك الحكم إن قلنا: إن الأربع سنين تعتبر من حين الطلاق، وإن قلنا بمقابله لحقه إن أتت به لأربع سنين من ولادة الأول، وتنقضي العدةب وضعه- لحقه أو لم يلحقه- لاحتمال وطءٍ بشبهة بعد البينونة، قاله ابن الصباغ.
وفي "النهاية" في كتاب الطلاق: أنا إذا ألحقنا الولد به انقضت به العدة، وإن لم نلحقه به لا تنقضي [به] العدة، وهو مثل الوجه الذي اختار مثله الماوردي كما
حكيناه من قبلُ.
ولو أتت بثلاثة أولاد، وكان بين الولد الأول والثاني أقل من ستة أشهر، وبين الثاني والثالث أقل من ستة اشهر، وكان ما بين الأول والثالث أكثر من ستة أشهر فالأولان لاحقان به دون الثالث، قاله الرافعي في باب اللعان.
وفي "النهاية" في كتاب الطلاق في ضمن فصل أوله: لو قال: كلما ولدت ولداً فأنت طالق- أن هذه مغالطة؛ فإن ذلك لا يتصوّر وجوده؛ فإن الرحم إذا اشتمل على أولاد كانت المدة بين وضع الأول وبين وضع الأخير أقل من ستة أشهر؛ فإن الرَّحم ينتفض عما فيه ويبرأ عما حواه في أقل من ستة أشهر، والله أعلم.
قال: وإن أبانها، وانقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر، ثم أتت بولدٍ لستة أشهر من حين النكاح الثاني- فهو للزوج الثاني، أي: وإن أمكن أن يكون من الأول ولم ينسبه الزوج إليه؛ لأن فراشه حاضر قائم؛ فالإلحاق به أولى من الإلحاق بفراش قد انقطع وانقضى.
وأيضاً: فإن النكاح جرى على الصحة ظاهراً، وعلى تقدير أن يكون من الأول يكون في العدة ويبطل النكاح، ولا سبيل إلى إبطال الصحيح بالاحتمال، وهكذا الحكم فيما لو كان الطلاق رجعيّاً.
أما لو قال الزوج الثاني: هو من الزوج الأول، وأمكن أن يكون منه، أطلق العراقيون- على ما حكاه في "التهذيب" وغيره- أنه يعرض على القائف ولا يلاعن؛ للاحتمال.
وهذه المسألة قريبة الشبه مما إذا قال الزوج: وطئك فلان بشبهة، وصدقه فلان؛ من حيث إن فراش النكاح قائم في الموضعين، وفراش النكاح الأول، والواطئ قد زال [ظاهراً]، فقد يظن أنه يجيء فيها الكلام المذكور ثَمَّ فيما إذا ثبت الوطء في أن له اللعان من غير عرض على القائف، أو ليس له ذلك إلَّا بعد أن يُلحِقه القائف به، وسيأتي في أواخر الباب كلام في ذلك وفرقٌ بين المسألتين إن شاء الله تعالى.
وإن كان لا يمكن أن يكون منه: بأن أتت به لأكثر من أربع سنين من حين الطلاق
البائن، أو من حين انقضاء العدة في الطلاق الرجعي- على أحد القولين- فلا أثر لقوله.
ولو انعكس الحال؛ فكان لا يمكن أن يكون من الزوج الثاني، وأمكن أن يكون من الأول- فالحكم فيه كالحكم فيما لو لم ينكح، وقد سبق.
ولو لم نعرف وقت طلاق الأول ونكاح الثاني، وأنكر الزوج أنه ولد على فراشه- فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الولادة، [وينتفي عنه] من غير لعان؛ لأنه لم تثبت ولادته على فراشه.
فلو نكل عن اليمين رددنا اليمين عليها، فإن حلفت لحق نسبه بالزوج، ولا ينتفي إلَّا باللّعان.
وفي "الرافعي" حكاية قولٍ عن رواية أبيا لفرج الزاز فيما إذا ادعت المرأة أن الزوج راجعها أو جدد نكاحها أو وطئها بشبهة في العدة، وقد ولدت ولداً لأكثر من أربع سنين، وأنكر الزوج استحداث الفراش، ونكل عن اليمين- أن اليمين لا ترد عليها؛ لأنها لو حلفت لثبت نسب الولد، ويبعد أن يحلف الإنسان لفائدة غيره، وقد حكاه الإمام- في باب إنكار الزوج الولادة من كتاب اللعان- عن نص الشافعي، وأجراه فيما لو وقع الاختلاف في مثل ذلك في صلب النكاح.
وإن من الأصحاب من أوّل النص ولم يطرده.
قلت: ويشبه أن يجيء مثله ها هنا.
وإذا قلنا: لها أن تحلف، فلو نكلت فهل يحلف الصبي إذا بلغ ويثبت نسبه؟ فيه وجهان؛ بناءً على القولين في رَدَّ اليمين على الجارية المرهونة إذا أحبلها الراهن، وادّعى أن المرتهن أذن له في وطئها، ونكلا جميعاً، ونظائر ذلك.
وهذا كله إذا كان النكاح صحيحاً، أما لو كان فاسداً فسيأتي حكمه، إن شاء الله تعالى.
قال: وإن وطئ امرأة بشبهة، أي: مثل أن وجدها في فراشه، فظنها زوجته، أو زُفّت إليه غلطاً، فأتت بولدٍ يمكن أن يكون منه- لحقه ولا ينتفي عنه إلا باللعان؛ [لأنه وطء له حرمة في غير ملك فألحق الولد به، وتعين اللعان] لنفيه كالوطء في النكاح الصحيح، ويشبه أن يجيء فيه ما ذكر في النكاح الفاسد.
قال: ومن لحقه نسب يعلم أنه من زنى، لزمه نفيه باللعان؛ لأن ترك النفي يتضمن
الاستلحاق، وهو لا يجوز؛ كمالا يجوز أن ينفي من هو منه، قال- عليه السلام-: " [اشْتَدَّ] غَضَبُ اللهِ عَلَى امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، يَاكُلُ جَرَائِبَهُمْ، وَيَنْظُرُ إِلَى عَوْرَاتِهِمْ"، فنص على المرأة، وبيّن العلة، ومعلوم أن الرجل في معناها، وقد تقدّم في الباب قبله تفسير الجرائب.
قال الإمام: وفي القلب من اللزوم شيء.
ويجوز أن يقال: المحرم التصريح بالاستلحاق كذباً دون السكوت عن النفي؛ وذلك لأن اللعنا شهرة وفضيحة يصعب احتمالها على ذوي المروءات؛ فبعد إيجابه.
وفي "الرافعي": أن القاضي الروياني حكى عدم وجوب النفي عن جماعة من الأصحاب.
تنبيه: المراد بالعلم في لفظ الشيخ غلبة الظن؛ لأن غاية الأمر أن يعلم أنه لم يطأها وقد زنت بحضوره وأتت بولدٍ يمكن أن يكون من وطء الزاني، وذلك لا يحصِّل إلَّا غلبة الظن؛ لأنه يجوز مع ذلك أن يكون الولد من وطء شبهة، وقد عبّر ابن الصباغ عن ذلك، فقال: لأن ذلك يجري مجرى اليقين في أن الولد من الزنى، ومثل هذا يكتفي به في نسبة الولد إلى هذا الوطء؛ ألا ترى أن الإنسان إذا وطئ امرأة بشبهة ثم أتت بولدٍ يمكن [أن يكون] منه يلحق! وإن كان يجوز أن يكون من غيره؟! ثم الحكم في وجوب نفي الولد لا يختص بهذه الصورة؛ بل يجري فيما إذا علم أن الولد ليس منه وإن لم يعلم بأنها زنت، [كما إذا أتت] به ولم يكن قد وطئها، أو وطئها [وأتت به] بعد أربع سنين من حين الوطء أو قبل ستة أشهر منه؛ لأنه دائر بين أن يكون من زنىً- والحكم فيه كما تقدم- أو يكون من وطء شبهة، وهو وإن كان لا يوجب النفي باللعان- كما تقدّمت حكايته عن العراقيين- فذاك عند إمكان نفيه بالعرض على القائف لنسبته إلى واطئ بعينه، وها هنا قد تعذّر؛ فتعين نفيه باللعان.
على أن الرافعي عند الكلام في عدة الحمل حكى عن الروياني أنه نقل في "جمع
الجوامع": أن الحمل إذا كان مجهول الحال حمل على أنه من زنىَ.
ولو لم يحصل العلم بأن الولد ليس منه، بل غلب على ظنه ذلك، كما إذا أتت به بعد الوطء والاستبراء بستة أشهر أو أكثر إلى أربع سنين- فقد حكى الإمام في هذه المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يباح له النفي.
والثاني- حكاه عن العراقيين-: أنه إن رأى بعد الاستبراء مَخِيلَة الزنى التي تسلط على القذف، أو تيقن الزنى جاز، بل وجب، وهذا ما قاله في "التتمة"، وإن لم يَرَ شيئاً فلا يجوز له.
والثالث: يجوز النفي سواء وجدت مخيلة الزنى، أو لم توجد، ولا يجب بحال؛ لمكان التردد.
والأول هو المذكور في "تعليق" القاضي الحسين و"التهذيب".
قال الرافعي: وكلام أصحابنا العراقيين يوافقه.
قلت: كلام البندنيجي والمحاملي وابن الصباغ يوافق الوجه الثاني- كما حكاه الإمام عنهم- حيث قالوا: إذا شاهدها وقد زنت في طهرٍ لم يجامعها فيه، وأتت