كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 257-296
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطلاق

صفحات 257-296
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

العمر، فأول الوطء قابله جزء من المهر، فإذا لم نوجب المهر في آخره لم يؤدِّ ذلك إلى إخلاء الوطء عن المهر، ولو أوجبناه لأدى إلى إيجاب مهرين بإيلاج واحد، بخلاف الكفارة؛ فإن أول الفعل لم يتعلق به جزء من الكفارة، فإذا لم نوجب الكفارة في آخره أدى إلى إخلاء الفعل عن الكفارة، ولو أوجبناها لم يكن في ذلك إيجاب كفارتين بإيلاج واحد، وهذا مع الأول ما يوجد في طريق العراق، وذكر البندنيجي أن الأصحاب لم يختلفوا في إيجاب الكفارة في الصوم، والثالث مذكور في طريق المراوزة، حكاه الإمام والقاضي وغيرهما.
ثم ما الأظهر من الخلاف؟ ادعى الرافعي ها هنا أن الظاهر عدم وجوب المهر، وقال في أول كتاب الطلاق: إنه الأصح.
وذكر أن صاحب "العدة" ادعى أن ظاهر المذهب الوجوب، وهو موافق لإيراد الشيخ.
وأما سقوط الحد؛ فلأن أول الفعل كان مباحاً وانتهض شبهةً لسقوط الحد، قال ابن الصباغ: ولم يصر أحد من أصحابنا إلى وجوب الحد مع العلم بالتحريم، وفي "الرافعي" حكاية وجه فيه عن رواية ابن القطان وغيره، [و] أن القاضي الروياني اختاره؛ تنزيلاً للاستدامة منزلة الابتداء، وزَيَّفَهُ الإمام، وفي تعليق القاضي الحسين: أنا إن أوجبنا المهر لم يجب الحد، وإلا فوجهان، والأظهر منهما: عدم الوجوب.
قال: فإن أخرج ثم عاد، أي: وهو عالم بالتحريم، وهي جاهلة أو عالمة، ولم تقدر على دفعه- لزمه المهر؛ لأن الاعتبار في وجوب المهر بجانبها وهي غير زانية.
قال: وقيل: يلزمه الحد؛ لأنه وطء مستأنف في أجنبية خال عن الشبهة، فأشبه كما لو ابتدأه بعد الطلاق، وهذا ما اختاره القفال والقاضيان: أبو الطيب والروياني، وجزم به في "التهذيب".
قال: وقيل: لا يلزمه؛ لأن الوطء اسم لجميع الإيلاجات، وإنما وقع الطلاق بابتدائه من جهة الاستدلال ووقوع الاسم، وإذا كان كذلك اسماً للكل وأوله كان مباحاً لم يجب الحد به، كما لو استدام، كذا وجهه المحاملي، ويحكى هذا الوجه عن أبي الطيب بن سلمة، وهو الذي رجحه الشيخ أبو حامد ومن تابعه.
وفي "النهاية": القطع بوجوب الحد، وحكاية وجهين في وجوب المهر مرتبين

على الوجهين في الاستدامة، عن رواية الشيخ أبي محمد إذا كان العود متواصلاً قبل قضاء الوطر.
قال الإمام: ولم أَرَهُ إلا له، وباقي الأصحاب قاطعون بأن الإيلاج بعد النزع وطء مبتدأ في كل حكم، والممكن في توجيه ما ذكره: كونه بعد وطأة واحدة، ويمكن أن يشبه هذا باتحاد الرضعة، والصبي قد يلتقم الثدي ثم يلفظه ويلهو ثم يعود ويلتقم، والكل رضعة.
انتهى.
ووراء هذه الصورة ثلاث صور أخر تتعلق بهذا الفرع، وأخذ الحكم فيها من هذه الصورة ظاهر؛ فلذلك لم يذكرها الشيخ وغن ذكرها غيره: فالأولى: إذا كانا عالمين بالتحريم جرى الخلاف في وجوب الحد عليهما، فإن أوجبناه لم يجب المهر، وإلا وجب.
والثانية: إذا كانا جاهلين بالتحريم بأن اعتقدا أن الطلاق لا يقع إلا باستكمال الوطء، فلا حد، ويجب المهر.
والثالثة: إذا كانت المرأة عالمة بالتحريم قادرة على الدفع، والزوج جاهلٌ بالتحريم- لم يجب عليه الحد، وفي وجوبه عليها الوجهان، وعليهما ينبني وجوب المهر.
قال: وإن لم يف طولب بالطلاق؛ لما روى سهل بن أبي صالح عن أبيه أنه قال: سألت اثني عشر نفساً من الصحابة عن الرجل يُولِي، فقالوا كلهم: ليس عليه شيء حتىي مضي عليه أربعة اشهر؛ فيوقف: فإن فاء، وإلا طلق.
قال: وأدناه طلقة رجعية، أي: وهي رجعية إن وجد شرط الرجعة، أما وجه الاكتفاء بطلقة؛ فلأنه يصير بها مطلقاً، ولأن الطلقة الواحدة يتخلص بها؛ فإنها توجب البينونة بعد انقضاء العدة، وتوجب تحريمها على الزوج في الحال، وقال أبو ثور: إذا وقع الطلاق كان بائناً وليس له الرجعة؛ لأنها فرقة لإزالة الضرر فوجب أن تقع ثانياً كفرقة العنة، وفرق الأصحاب بينهما بأن فرقة العنة فرقة فسخ، والفسخ لا رجعة فيه، بخلاف الطلاق.

تنبيه: كلام الشيخ- رضي الله عنه- يقتضي أن مطالبة المُولِي تكون أولاً بالفيئة، فإن امتنع طولب بالطلاق، وكذلك ذكره الغزالي في "الوجيز" في أول الباب الثاني، وإيراده في "الوسيط" يقرب منه، وزاد المتولي في "البيان" فقال: وليس لها أن تطالب الزوج بالطلاق ابتداء؛ لأنه ليس بحق لها، وإنما حقها في الاستمتاع، فتطالب بما هو حقها، فإذا لم يوفها حقها حينئذ يأمره الحاكم بإزالة الضرر عنها، وإزالة الضرر عنها بالطلاق؛ لتتوصل إلى الاستمتاع من جهة غيره.
قال الرافعي: وعلى هذا فحيث قلنا: يأمره القاضي بالفيئة أو الطلاق، فذلك يعتبر عن مجموع ما يؤمر به، وكلام الإمام مباين لذلك؛ فإنه قال: ليس لها توحيد جهة الطلب للفيئة؛ فإن فيه تكليف شطط؛ فإن النفس قد لا تطاوع، ولولا ذلك لثبت للمرأة مطالبة الزوج بحق التمتع، كما يثبت له مطالبتها بالتمكين؛ فإذن لا تصح منها الطَّلِبَةُ إلا بتردد بين الوطء والطلاق، وإذ ذاك تكون مطالبته بممكن، والله أعلم.
قال: فإن لم يطلق ففيه قولان: أحدهما: يجبر عليه، أي: بالحبس والتضييق وماي ليق بحاله؛ ليفيء أو يطلق بنفسهن ولا يطلق عنه الحاكم، وهذا أحد قولي القديم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 227]، فأضاف الطلاق إلى الزوج؛ فثبت أنه يتعلق به، ولما روي أنه- صلى الله عليه وسلم- قال: "الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ"، ولأنه مخيَّر بين الفيئة والطلاق، فإذا امتنع لم يقم القاضي مقامه؛ كما لو أسلم على أكثر من أربع نسوة.
قال: والثاني: يطلق الحاكم عليه، وهو الأصح؛ لأنه حق معين تدخله النيابة؛ فإذا تعذر من جهة المستحق عليه ناب الحاكم عنه فيه، كقضاء الدين، ولأن مدة الإيلاء مقيدة بالشرع يقطعها الوطء وتتعلق بها الفرقة؛ فثبت للحاكم التفريق إذا انقضت بلا وطء كمدة العنة، ويفارق اختيار الأربع؛ لأنه لم يتعين حق واحدة منهن، بخلاف مسألتنا.
ثم إذا قلنا بهذا أو بالقول الأول، فإنما يطلق الحاكم أو يجبره على طلقة واحدة؛ إذ هي الواجبة عليه، وتكون رجعية إذا طلق عليه، فلو أجبره على أن يطلق ثلاثاً: فإن

قلنا: إن الحاكم ينعزل بالفسق، لم يقع عليه شيء، وإن قلنا: لا ينعزل، وقعت عليه طلقة.
تنبيه: حيث قلنا: يطلق الحاكم عليه، فذلك إذا امتنع بحضرته عن الفيئة والطلاق، ولا يشترط بعد ذلك حضوره وقت الطلاق، ولو شهد عليه شاهدان بأنه آلَى من زوجته، وامتنع بعد مضي المدة من الفيئة والطلاق- فلا يُطلق عليه، كذا قاله البغوي في "فتاويه"، وهو قريب مما قيل في تزويج القاضي عند عَضْل الولي.
فروع: لو طلق الحاكم عليه، ثم تبين أنه وطئ قبل ذلك- تبين أن الطلاق لم يقع، وكذلك لو ثبت أنه طلق قبل طلاق الحاكم [لم يقع طلاق الحاكم].
ولو وقع طلاق الزوج والحاكم معاً نفذا على الأصح، وقيل: لا ينفذ طلاق الحاكم.
ولو سبق طلاق الحاكم طلاق الزوج وقعا- أيضاً- على الأصح [وقيل:]، إن كان الزوج جاهلاً بتطليق القاضي لم يقع.
قال: فإن راجعها وقد بقي من المدة أكثر من أربعة أشهر، أي: إن كانت يمينه مقيدة بزمان- ضربت له المدة ثم يطالب بالفيئة أو الطلاق، وهكذا إن كرر الرجعة؛ لأن المانع من الوطء باق والمضاررة حاصلة؛ فكأنه راجَعَ ثم حلف ثانياً.
قال الإمام: وكان ينقدح في القياس أن يقال: كما راجعها تعود الطلبة؛ لاتحاد النكاح، لكنه لما طلق فقد أتى بأحد الأمرين اللذين طولب بأحدهما، فأثّر ذلك في سقوط الطلبة.
فإن قيل: الفيئة أحد الأمرين اللذين يتوجه عليه الطلبة بالإتيان بأحدهما، وإذا أتى به بطل الإيلاء؛ فهلا قلتم كذلك فيما إذا طلق؟! فالجواب: أن الفيئة ترفع اليمين؛ لحصول الحنث فيها، بخلاف الطلاق.

قال: فإن لم يراجعها حتى انقضت المدة، أو بانت، ثم تزوجها، فهل يعود الإيلاء؟ على الأقوال الثلاثة التي ذكرناها في كتاب الطلاق، وقد تقدم شرحها، وبينا ثَمَّ أن الراجح: عدم العود.
وقال الإمام في كتاب الظهار: لعل الأظهر في الإيلاء العود، وثمرة الخلاف ها هنا في توجُّه المطالبة عليه إن حكمنا بعود الإيلاء، لا في حصول الحنث بالوطء؛ فإنه لا خلاف أنه يحنث وتجب به الكفارة.
فرع: زوال ملك النكاح بالفسخ هل هو كالزوال بما دون الثلاث أو بالثلاث؟ فيه خلاف [تقدم، والله أعلم].


باب الظهار

الظهار: مشتق من لفظ "الظهر".
يقال: ظاهر الرجل من امرأته وتَظَاهَر وتَظَهَّر، تَظَهُّراً، إذا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي.
وسمي بذلك؛ لتشبيه الزوجة بظهر الأم، وإنما خص الظهر من أعضاء الأم؛ لأن كل مركوب يسمى ظهراً؛ لحصول الركوب على ظهره؛ فكأنه قال: نكاحك عليَّ حرام كنكاح أمي، فأقام "الظهر" مقام "الركوب"؛ لأنه محله، وأقام "الركوب" مقام "النكاح"، لأن الناكح راكب.
وقيل: إنه من العلو، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: 97] أي: يعلوه؛ فكأنه قال: عُلُوِّي عليكِ حرامٌ كعلوي على أمي.
وكان الظهار طلاقاً في الجاهلية كالإيلاء.
ويقال: كان أحدهم إذا كره صُحْبةَ امرأته، ولم يرد أن تتزوج بغيره

-[آلى منها] أو ظَاهَرَ؛ فتبقى محبوسة: لا ذات زوج يستمتع بها، ولا خَلِيَّة تنكح غيره، وهذا يشعر بأنه كان طلاقاً من وجه دون وجه، وكيف ما كان فقد نقل الشرع حكمه إلى التحريم بعد العود ووجوب الكفارة- على ما سيأتي-[وبقى محله وهي الزوجة.
قال مجلي، والغزالي: وهو من تصرفات الشرع البديعة التي لا يعقل لها معنى.
واختلف علماؤنا في أنه مع ذلك يُسْلك به مسلك الأيمان أو الطلاق]-

على ما سيأتي تفصيله- مع اتفاقهم على أن التلفظ به حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة: 2]، وقول الزور محرم.
ويفارق قوله: أنتِ عليَّ حرام؛ فإنه مكروه، وليس بمحرم، وإن كان إخباراً بما لم يكن؛ لأن الظهار عُلِّق به الكفارة [العظمى]، وهي إنما تجب بفعل ما هو محرم في

الأصل: كالفطر في رمضان، والقتل، والمعلق بلفظ التحريم كفارة اليمين، واليمين والحنث ليسا بمحرمين، وأيضاً: فالتحريم مع الزوجيَّة قد يجتمعان، والتحريم الذي هو كتحريم الأم مع الزوجية لا يجتمعان؛ فكان هذا الوصف أبلغ.
والأصل في الظهار مُفْتَتَحُ سورة المجادلة، وسبب نزول ذلك ما روى أبو داود بإسناده- في حديث مطول- وغيرُهُ: أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة- على اختلافٍ في اسمها ونسبها- فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكيةً، وأخبرته بذلك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حَرُمْتِ عَلَيْهِ" فقالت: انظر في أمري؛ فإني لا أصبر عنه! فقال- عليه السلام-: "حَرُمْتِ عَلَيْهِ"، وكررت وهو يقول: "حَرُمْتِ عَلَيْهِ"، فلما أَيِسَتْ اشتكت إلى ربها؛ فنزل قوله- تعالى-: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآيات [المجادلة: 1 - 4]. قال: من صح طلاقه، صح ظهاره؛ لعموم قوله- تعالى-: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2]، ومن لا يصح طلاقه، أي: إما لعدم الزوجية أو لوجود مانع، لا يصح ظهاره.
أما غير الزوج؛ فلأن الله تعالى حيث أثبت حكم الظهار إنما أثبته في النساء، ومطلق اسم النساء ينصرف إلى الزوجات كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226]، ولا زوجيَّة، ولأنا قد ذكرنا أنه كان طلاقاً في الجاهلية، وأن الشرع غير حكمه وبقي محله، ومحل الطلاق الزوجة.
وأما الزوج الذي [لا] يصح طلاقه؛ فلما ذكرناه في الطلاق، ويجيء فيه التفصيل المذكور في المكره والسكران.
ولا فرق في غير الزوج: بين أن يكون سيداً أو لا؛ لما ذكرناه، ولأنه لفظ يقتضي تحريم الزوجة؛ فاختص [حكمه بالزوجات كالطلاق- ولا بين أن ينجّز الطلاق أو يعلقه] بالزوجية، على الأصح؛ لما ذكرناه في الطلاق، وفي "الذخائر" حكاية قول عن رواية صاحب "التقريب": أنه يصح إذا علقه بالزوجية، وهو القول المحكي في

الطلاق- ولا بين أن يكون المظاهر حرّاً أو عبداً، مسلماً أو ذميّاً، صحيح الذكر أو مجبوباً- ولا بين أن تكون الزوجة سليمة الفرج أو رَتْقاء أو قَرْناء، بخلاف الإيلاء على رأيٍ؛ لأن الإيلاء يختص بالجماع فلا ينعقد حيث لا يفرض الضرر، والظهار يحرِّم الجماع وجملة الاستمتاعات، وبعض الاستمتاعات قائم مع وجود هذه العوارض؛ فأثر فيه الظهار، وإذا تأملت ذلك، فهمت أن كلام الشيخ منعكس مطرد على نسق الحدود.
قال: والظهار- أي: الشرعي-: أن يشبه امرأته بظهر أمه، أي: وإن عَلَتْ، أو بعضو من أعضائها، أي: التي لا تذكر للكرامة، فيقول: أنت علي كظهر أمي، أو: كفرجها أو كيدها: أما إذا شبهها بالظهر؛ فلما ذكرناه من قبل.
وأما إذا شبهها بما عداه؛ فلأنه شبه الزوجة ببعض أعضاء الأم؛ فكان كالتشبيه بالظهر، وهذا هو الجديد.
وهكذا حكم تشبيه بعض المرأة بظهر الأم، أو بعضو من أعضائها.
وإنما قلنا: إن الجدات من قبل الأم ومن قبل الأب كالأم؛ لأنهن أمهات والديه، ويشاركن الأم في حصول العتق وسقوط القصاص ووجوب النفقة.
ومن أصحابنا من جعلهن على الخلاف الذي نذكره في البنات والأخوات.
قال: وخرج فيه قول آخر- أي من قول قديم تأتي حكايته في المسألة بعدها: أنه لا يكون مظاهراً في غير الظهر، وهو في "التهذيب"، و"تعليق" القاضي الحسين منصوصاً في القديم من غير تعرض لكونه مخرجاً.
ووجهه: أن الظهار المعهود في الجاهلية التشبيه بالظهر، وقد ذكرنا أن الشرع إنما غير حكمه لا محله، وهذا الخلاف مشبَّه [بالخلاف] في أن الإيلاء هل يختص باليمين بالله تعالى؟ فعلى الجديد: لا يختص، وعلى القديم؛ إتباعاً لما كان في الجاهلية، والمذهب الأول.
والفرق: أن غير الأم ليست كالأم في التحريم؛ لأن الفرع دون الأصل، وغير

الظهر كالظهر في التحريم.
وفي "النهاية" وغيرها حكاية طريقة قاطعة عن الشيخ أبي علي: أن التشبيه بالفرج يلحق بالتشبيه بالظهر؛ فإنه تصريح بالمقصود من الكلام.
أما إذا كان العضو المشبه به يذكر للكرامة كالعين: فإن أراد الكرامة لم يكن ظهاراً، [وإن أراد الظهار، كان ظهاراً] على الجديد، وإن طلق فهل يحمل على الإكرام أو يكون ظهاراً؟ فيه وجهان، اختيار القفال منهما: الأول، والقاضي الحسين: الثاني، وهو الذي يشعر به إيراد البغوي.
وحكم التشبيه بالجسد والبدن [والجسم حكم التشبيه بالظهر؛ لدخوله فيه، وحكم التشبيه بالصدر والنظر والشعر]، حكم التشبيه باليد، لأنه في معناه، وكذا التشبيه بالرأس عند العراقيين وهو ما دل عليه كلام [الشيخ] حيث لم يخصصه بعضو دون عضو.
وحكى المراوزة فيه وجهين: أحدهما: هذا.
والثاني: أنه كالتشبيه بالعين حتى يجيء فيه التفصيل.
قال الرافعي: وهو الأقرب، وبه أجاب الشيخ أبو الفرج.
[وحكم التشبيه بالرُّوح حكم التشبيه بالعين عند الأكثرين]، وعند ابن أبي هريرة: أنه لا يكون ظهاراً ولا يصلح كناية عنه؛ لأن [الروح ليس] مما يَحُلُّه التحريم.
قال الرافعي: وهذا الخلاف ينطبق على خلاف قدمناه فيما إذا قال: روحِك طالق، وقد بينا ثَمَّ أن الأشبه وقوع الطلاق.
ويوافقه إيراد الشيخ أبي الفرج الزاز؛ حيث قال: إن كل ما يصح إضافة الطلاق إليه، يصح إضافة الظهار إليه، وما لا فلا.

ومقتضى هذا الإطلاق: [جريان الخلاف فيما إذا قال: شعرك علي كظهر أمي، وكذا فيما إذا قال: رِيقُكِ أو دمك أو ما في جوفك علي كظهر أمي، إن رأينا إيقاع الطلاق بذلك، كما حكيناه في كتاب الطلاق].
وإيراد الشيخ يأباه؛ لأنه حصر الظهار في التشبيه بالظهر أو بالأعضاء، وهذا لا يسمى عضواً.
واعلم أن لفظة "علي" في قوله: أنت علي كظهر أمي، وكذا ما في معناها من الصِّلات كقوله: أنت معي أو عندي أو مني أو [لي] كظهر أمي، ليست بشرط على المشهور في صحة الظهار، حتى لو قال: أنت كظهر أمي، كان مظاهراً؛ كما لو قال: أنت طالق، وإن لم يقل: مني.
وقال الداركي: إذا ترك الصلة كان كناية؛ لاحتمال أن يريد أنها محرمة على غيره كحرمة ظهر أمه عليه، بخلاف الطلاق؛ فإنه للإطلاق، وهي في حبسه دون حبس غيره، وهذا هو الذي يقتضيه إيراد الشيخ، وهو ما رجحه شيخه الشيخ أبو حامد القزويني.
قال: وإن شبهها بغير أمه من ذوات المحارم كالأخت والعمة، ففيه قولان: أصحهما: أنه مظاهر، وهو الجديد، وأحد قولي القديم؛ لأنه شبهها بظهر امرأة محرمة عليه بالقرابة على التأبيد؛ فأشبه التشبيه بظهر الأم.
والثاني- وهو الثاني من قولي القديم-: المنع؛ للعدول عن المعهود في الجاهلية.
قال: وإن شبهها بامرأة حرمت عليه بمصاهرة أو رضاع فإن كانت ممن حلت له في وقت ثم حرمت عليه، كحليلة الأب بعد ولادته والتي أرضعته، لم يكن مظاهراً؛ لأنهن دون الأم في التحريم، ولأنه يحتمل أن يريد الحالة التي كانت حلالاً له فيها؛ فلم يكن مظاهراً كما لو شبهها بالأجنبية التي لم تحل له، وهذا ما ذهب إليه الربيع والمزني وابن سريج وأبو إسحاق، رحمهم الله تعالى.
وقيل: إن ظهاره يكون على قولين؛ إذا قلنا: إنه يكون مظاهراً بالتشبيه بالأخت.

قال: وإن لم تحل له أصلاً- كزوجة أبيه قبل ولادته ومرضعة أحد أبويه- فعلى قولين كذوات المحارم، ولفظ الشيخ في "المهذب": فعلى القولين في ذوات المحارم، وكذلك لفظ البندنيجي، والذي حكاه الرافعي: أنهما مفرعان على القول الجديد، وهو الذي يرشد إليه كلام الشيخ ها هنا حيث ذكرهما، ولو كانا [هما] هما القولان في ذوات المحارم، لقال: فعلى القولين، وكلاهما مستقيم؛ لأن ما قاله ها هنا طريقة، وما قاله في "المهذب" طريقة أخرى حكاها الرافعي أيضاً.
ومن الأصحاب من قال: محل القولين في التشبيه بالمحرمات من الرضاع، أما المحرمات من المصاهرة فلا قولاً واحداً.
والفرق: أن الرضاع أقرب إلى النسب؛ من حيث إنه يؤثر في إنبات اللحم، وكذلك يتعدى تحريم الرضاع إلى الأمهات والأولاد، وفي المصاهرة لا يتعدى التحريم حليلة الأب والابن إلى أمهاتها وولدها، والصحيح الأول.
ويخرج من مجموع ما ذكرناه عند لاختصار سبعة أقوال أو أوجه: الاقتصار على التشبيه بالأم خاصة.
إلحاق الجد بها لا غير.
إلحاق محارم النسب.
إلحاق محارم الرضاع اللاتي لم يُعْهَدْن محلَّلات.
إلحاقهن وإن عُهِدْنَ محللات.
[إلحاق محارم المصاهرة اللاتي لم يعهدن محللات.
إلحاقهن وإن عهدن محللات].
ولا يحصل الظهار بالتشبيه بغيرها، سواء كن محرمات على التأبيد: [كزوجاته صلى الله عليه وسلم، والملاعن عنها، أو غير محرمات على التأبيد].
كالمطلقة ثلاثاً، والمُحْرِمة، والمجوسية، والمرتدة، والمعتدة.
وفي حصول الظهار بالتشبيه بزوجاته صلى الله عليه وسلم وجه حكاه القاضي الحسين في

"التعليق".
ولا يحصل [أيضاً] بالتشبيه بالأب؛ لأن الرجل ليس محل الاستمتاع ولا في معرض الاستحلال.
قال: وإن قال: أنت علي كأمي، أو: مثل أمي- لم يكن مظاهراً إلا بالنية، لا يحتمل أنها كالأم في التحريم أو في الكرامة، واستعماله في الكرامة أكثر؛ فلم يجعل ظهاراً من غير نية كالكنايات في الطلاق، وهذا ما حكاه القاضي حسين وابن الصباغ والبغوي وغيرهم.
وفي "الوسيط" حكاية وجه: أنه يكون مظاهراً عند الإطلاق، بخلاف ما إذا نوى الكرامة.
قال الرافعي: والوجهان كالوجهين فيما إذا قال: كعين أمي، أو هما هما.
قلت: ليس هما هما، ولا كهما؛ لأن القاضي الحسين والبغوي جَزَما في هذه الصورة بأنه لا يكون مظاهراً، واختيار القاضي الحسين في التشبيه بالعين: أنه يكون مظاهراً، وهو الذي يشعر به نظم "التهذيب"، ولو كانا كما قال لم يختلف الحكم عندهما.
قال: وإن قال: أنت طالق كظهر أمي، وقال: أردت الطلاق، أي: بقولي: أنت طالق، والظهار، أي بقولي: كظهر أمي- فإن كان الطلاق رجعيّاً صارت مطلقة؛ لوجود لفظه الصريح، ومظاهراً منها؛ لأ، الظهار يصح من الرجعية، وقد أتى به مع النية.
قال الرافعي: وفيه وجه حكاه أبو الفرج السرخسي عن القفال: أنه لا يصح الظهار؛ لأنا إذا استعملنا قوله: أنت طالق في إيقاع الطلاق لم يبق إلا قوله: كظهر أمي، وإنه لا يصلح كناية؛ إذ لا خطاب فيه.
وفي "النهاية" حكاية هذا الوجه فيما إذا قال: أنت علي حرام كظهر أمي، ونوى بقوله: أنت عليَّ حرام، الطلاق، وبقوله: كظهر أمي، الظهار، كما ذكره الشيخ من بعد، وسكت عن ذكره في هذه الصورة، ولا فرق بينهما.
قال: وإن كان بائناً لم يَصِرْ مظاهراً منها؛ لأن البائن لا يصح ظهارها.
هذا كله إذا كانت بنيةٍ كما ذكرنا، أما لو قال: أردت بقولي: أنت طالق، الظهار،

وبقولي: كظهر أمي، الطلاق، أو: أردت الطلاق والظهار بمجموع قولي: أنت طالق كظهر أمي- فإنه يقع الطلاق، ولا ظهار.
وأبدى الرافعي احتمالاً في الصورة الأولى في وقوع طلقة ثانية، وهو مستمد من وجه ستأتي حكايته عن الشيخ أبي محمد وغيره فيما إذا قال: أنت علي حرام كظهر أمي، ونوى الظهار بقوله: أنت علي حرام، والطلاق بقوله: كظهر أمي- أنه يقع الطلاق بهذه النية؛ لأن قوله: كظهر أمي- لعدم الاستقلال- قد خرج عن كون صريحاً؛ فأمكن أن يجعل كناية عن الطلاق.
قال: وإن قال: أردت بقولي: أنت طالق، الظهار، أي: وقولي: كظهر أمي، ثَبَّتُّ به ما أردت باللفظ الأول- وهو الظهار- لم يقبل منه، أي: ويقع الطلاق، ولا يحصل الظهار؛ كما لو نوى بالظهار الطلاق، وهذا الحكم فيما لو قصد الظهار بمجموع كلامه.
وحكي عن أبي علي الطبري وأبي الحسين في الصورة الثانية: أنه يلزمه الظهار- أيضاً- بإقراره، ولو أطلق هذا اللفظ ولم يرد شيئاً وقع الطلاق؛ لأنه أتى بلفظه الصريح، ولا يصح الظهار؛ لأن قوله: كظهر أمي، لا استقلال له، وقد انقطع عن قوله: أنتِ، بالفاصل الحاصل بينهما؛ فخرج عن الصراحة ولم يقصد به الظهار.
فرع: لو قال: أنتِ علي كظهر أمي طالق، قال القاضي ابن كج: عن أراد الطلاق والظهار حصلا، ولا يكون عائداً، وإن لم يرد شيئاً صح الظهار، وفي وقوع الطلاق وجهان؛ لأنه ليس في لفظ الطلاق مخاطبة.
قال: وإن قال: أنت علي حرام كظهر أمي، ولم ينو شيئاً، فهو ظهار، كذا نص عليه في "الأم"؛ لأن لفظ الحرام كناية عن الظهار، وقد خلا عن النية فسقط، وصار كما لو قال: أنت علي كظهر أمي، أو لأن لفظ الحرام يكون ظهاراً بانضمام نية الظهار إليه؛ فَلَأَنْ يكون ظهاراً بانضمام لفظِهِ إليه أولى؛ فإن اللفظ أقوى من النية، أو لأنه إذا قال: أنت علي كظهر [أمي]، كان ظهاراً؛ فإذا أكد ذلك بلفظ التحريم كان أولى، ويصير تقديره: أنت علي حرام كتحريم ظهر أمي.

وفيه وجه محكي عن الشيخ أبي علي: أنه لا يكون ظهاراً، وتجب كفارة يمين؛ بناءً على أن قوله: أنت علي حرام، صريح في إلزام الكفارة؛ فيكون كقوله: أنت طالق كظهر أمي، من غير نية.
ومن نصر النص قال: إنما يكون قوله: أنت علي حرام، صريحاً في الكفارة إذا تجرد، فأما مع [قوله]: كظهر أمي، فهو تأكيد لمقصود الظهار.
قال: وإن نوى الظهار، أي بقوله: أنت علي حرام، فهو طلاق في أصح الروايتين- أي المنقولتين عن "المختصر"- فإنه جاء في بعض نسخه: أنه يكون ظهاراً، وفي أكثرها: أنه يكون طلاقاً كما نقله الربيع والبويطي، ووجهه أن قوله: أنت علي حرام- مع نية الطلاق- بمنزله صريح الطلاق، وقد ذكرنا أنه لو قال: أنت طالق كظهر أمي، كان طلاقاً؛ فكذلك بالكناية مع النية.
والرواية الثانية- وهي التي أثبتها بعضهم قولاً- أنه يكون ظهاراً؛ لأن اللفظ الحرام صالح للظهار، وقد اقترن به لفظ الظهار ونية الطلاق، واللفظ الظاهر أقوى من النية الخفية.
وقيل: إنه يكون طلاقاً قولاً واحداً، وحيث قال الشافعي: إنه يكون ظهاراً، أراد: ما إذا نوى الطلاق بقوله: كظهر أمي، [لا بلفظ] "الحرام"، وإليه يرشد التعليل؛ لأنه لو نواه بقوله: أنت علي حرام، لم يحسن أن يقال: قد اقترن لفظ الظهار ونية الطلاق؛ لأن لفظ الظهار متأخر عن نية الطلاق فلا اقتران، وقيل: إنه يكون ظهاراً قولاً واحداً، وإنما الخلاف في أنه هل يقع الطلاق مع الظهار أم لا؟ وفي "الرافعي" استنباط وجه ها هنا: أنه لا يكون طلاقاً ولا ظهاراً من قولنا: إن لفظ الحرام لا يصلح كناية للطلاق- كما ذكرناه في كتاب الطلاق- لكونه صريحاً في إيجاب الكفارة، وقد وجد نفاذاً في موضعه فلا ينصرف عنه بالنية.
قال: وإن نوى به الطلاق والظهار، أي: نوى بقوله: أنت علي حرام، الطلاق، وبقوله: كظهر أمي، الظهار- كان طلاقاً وظهاراً، أي: إذا كان الطلاق رجعيّاً، أما إذا كان بائناً، فيكون طلاقاً لا غير.

وقيل: لا يكون ظهاراً، أي: وإن كان الطلاق رجعيّاً، وقد تقدم توجيه ذلك، وهذا الخلاف مفرع على قولنا: إنه إذا [نوى] به الطلاق خاصة يكون طلاقاً، أما إذا قلنا: إنه يكون ظهاراً، فلا يقع الطلاق ها هنا- أيضاً- ويكون ظهاراً.
وينتظم من مجموع ذلك ثلاثة أوجه.
أما إذا نوى بقوله: أنت علي حرام الظهار، وبقوله: كظهر أمي، الطلاق- صح الظهار، [ولم يقع الطلاق]، وعن الشيخ أبي محمد وغيره: أنه يقع الطلاق، ووجهه ما سبق.
ولو نوى الطلاق والظهار بمجموع كلامه أو بقوله: أنت علي حرام، لم يثبتا جميعاً، وفيما يثبت ثلاثة أوجه: أحدها- وبه قال ابن الحداد، ووافقه الجمهور، على ما حكاه الشيخ أبو علي-: أنه يخير، فما اختاره ثبت.
والثاني: يقع الطلاق؛ لأنه أقوى.
والثالث: أنه يثبت الظهار؛ لأن قوله: أنت علي حرام، يشملهما، جميعاً، فإذ نواهما، تعارضا وتساقطا، وقوله بعد ذلك: كظهر أمي، صريح في الظهار؛ فثبت.
فرع: لو قال: أنت علي حرام، ونوى به الظهار والطلاق- لم يحصلا، ويجيء فيما يثبت الوجهان الأولان، وفي "التهذيب" حكاية الوجه الثالث فيه أيضاً، على ما حكاه الرافعي في كتاب الطلاق، ووجَّهه بأن الأصل بقاء النكاح، وهذا إذا نواهما معاً، أما إذا نوى أحدهما بعد الآخر، قال ابن الحداد: عن نوى الظهار أولاً، ثم الطلاق [بعده]- حصلا جميعاً، وإن عكس، وكان الطلاق رجعيّاً، فكذلك الحكم، وإن كان بائناً حصل الطلاق دون الظهار.
قال الشيخ أبو علي: وهذا غلط عندي؛ لأن اللفظ الواحد إذا لم يجز أن يراد به التصرفان، فلا فرق بين أن يريدهما معاً أو أحدهما بعد الآخر، والحكم في هذه الصورة كالحكم فيه إذا نواهما معاً.
وأبدى الإمام احتمالاً في أنه لا يقع الطلاق ولا الظهار مستنبطاً من وجه حكاه

العراقيون فيما إذا اقترنت نية الطلاق ببعض لفظ الكناية: أنه لا يقع الطلاق؛ لأن كل واحدة من النيتين [لم تنبسط] على جميع اللفظ.
قال: وإن نوى به تحريم عينها، أي: ذاتها، بغير ظهار ولا طلاق، بل تحريمها مطلقاً- قُبِلَ؛ لموافقة لفظ الحرام، وعليه كفارة يمين- أي: لا غير- لما سيتضح.
وقيل: لا يقبل، ويكون مظاهراً؛ لأنه وصف التحريم بما يوجب الكفارة العظمى فلا يقبل في الرد إلى الصغرى، وهذا الخلاف- على ما حكاه الشيخ في "المهذب"، والمحاملي في "المجموع" والبندنيجي- مبني على الخلاف فيما إذا نوى به الطلاق.
فإن جعلناه طلاقاً، قبل منه ها هنا ولزمه كفارة يمين، ولا يكون مظاهراً.
ومقتضى هذا البناء: أن يكون الأول هو المذهب، وقد صرح به الإمام وابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد.
وفي "ابن يونس": أن الشيخ أبا حامد قال: إن الثاني هو المذهب.
ثم هذا- أيضاً- مفرَّعٌ على قولنا: إن لفظ التحريم ليس صريحاً في إيجاب الكفارة.
أما إذا قلنا: إنه صريح، فيقبل [قوله] قولاً واحداً؛ كما لو قال: أنت طالق كظهر أمي ولم ينو شيئاً.
صرح به الإمام.
واعلم أن الضمير في قوله: "به" يعود على جملة الأحكام، فينوي بقوله: أنت علي حرام، تحريم العين، وبقوله: أنت علي كظهر أمي، تأكيد ذلك التحريم، ولو نوى بقوله: أنت علي حرام، تحريم الذات، ولم ينو بقوله: كظهر أمي، شيئاً- كان الحكم كذلك، ولو نوى به الظهار لزمه كفارة يمين، وكان مظاهراً.
فرع: لو قال: أنت علي كظهر أمي حرام، ولم ينو شيئاً- كان مظاهراً.
وإن نوى بقوله: حرام تحريم عينها، فكذلك.
ومقتضى تحريم العين- وهو الكفارة الصغرى- يدخل في مقتضى الظهار وهو الكفارة العظمى.
وإن نوى بالحرام الطلاق فقد عقب الظهار بالطلاق؛ فلا عود، كذا قال المتولي.

قال: ويصح الظهار معجلاً؛ [للآية]، ومعلقاً على شرط، أي: مثل أن يقول: إن دخلت الدار، أو: إذا جاء رأس الشهر، أو: إن طلعت الشمس، فأنت علي كظهر أمي، فإذا وجد صار مظاهراً [منها]؛ لأن أصله كان طلاقاً في الجاهلية، والطلاق يصح تعليقه على الشروط، ولأن الظهار دائر بين شَبَهِهِ باليمين وبالطلاق، فهو يشبه الطلاق من حيث إنه لفظ يتعلق به التحريم، واليمين من حيث إنه يتعلق به الكفارة، وكل واحد منهما قابل للتعليق؛ فكذلك الظهار.
ومن هذا الشبه أخذ الخلاف المتقدم في أن الظهار المغلَّب فيه شائبةُ الطلاق أو شائبة اليمين؟ وبنى الأصحاب عليه ما إذا ظاهر من إحدى زوجتيه، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، ونوى الظهار: فإن غلبنا شائبة اليمين لم يصح، وإن غلبنا شائبة الطلاق كان مظاهراً [منها]، وهذا ما يوجد في طريقة العراق، واستدل الرافعي على صحة تعليق الظهار بما روى أن سلمة بن صخر جعل امرأته على نفسه كظهر أمه إن غشيها حتى ينصرف رمضان، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أَعْتِقْ رَقَبَةً".
والذي رواه أبو داود بسنده وخرجه الترمذي- أيضاً-: أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان.
وهو ظهار مؤقت لا معلق؛ فكان يحسن الاستدلال به على صحة تأقيت الظهار كما سنذكره، ولعل ما ذكره الرافعي رواية أخرى؛ فيحسن بها الاستدلال ها هنا.
قال: وإن قال: إذا تظاهرت من فلانة، فأنت عليَّ كظهر أمي، وفلانة أجنبية، فتزوجها، ثم ظاهر منها- صار مظاهراً من الزوجة؛ لتحقُّق الشرط، وإن ظاهر منها قبل أن يتزوجها، لم يَصِرْ مظاهراً من الزوجة؛ لعدم صحة الظهار، اللهم إلا أن يريد بقوله: إن تظاهرت، عين هذا القولِ لا معناه؛ فحينئذ يصير مظاهراً من الزوجة لوجود الشرط.
قال: وإن قال: إذا تظاهرتُ من فلانة الأجنبية، فأنت علي كظهر أمي، ثم تزوجها، ثم ظاهر منها- فقد قيل: يصير مظاهراً من الزوجة؛ لأن ظهارها تعلق

بظهار فلانة وقد وُجِدَ، وذكر الأجنبية في مثل ذلك للتعريف دون الشرط؛ كما لو قال: لا أدخل دار زيد هذه، فباعها ثم دخلها، حَنِثَ.
قال: وقيل: لا يصير مظاهراً؛ لأنها إذا نكحت خرجت عن كونها أجنبية، وهذا القائل يجعل ذكر الأجنبية شرطاً، وينزله منزلة ما لو قال: إن تظاهرت عنها أجنبيةً، والأول هو الأصح في "الرافعي" و"تعليق" القاضي الحسين، والثاني في "ابن يونس" أصح، قال ابن الصباغ: وهذان الوجهان يذكران في مسائل الأيمان، مثل أن يقول: والله لا أكلت من لحم هذا الحمل، فصار كبشاً، أو: لا كلمت هذا الصبي، فصار شيخاً، أو: لا أكلت هذه البسرة، فصارت رُطَبة، وأكل وكلم.
ثم لتعلم أن ذكر الأجنبية في المسألة الأولى ليس من لفظ المظاهر، وإنما هو إخبار عن الواقع، وهو في المسألة الثانية من لفظه؛ فلهذا ثار الخلافُ المذكور في إجرائه مجرى الشرط، أو مجرى التعريف؟ ولا خلاف [في] أنه شَرْطٌ فيما إذا قال: إذا تظاهرت من فلانة الأجنبية، والمذهب فيها: أنه لا يصير مظاهراً من الزوجة؛ لأنه لو تظاهر من الأجنبية بعدما تزوجها لم يوجد الشرط، وإن كان قبله لم يصح؛ فلم تتعلق به اليمين كما لو حلف: لا يبيع الخمر، فباعه؛ فإنه لا يحنث تنزيلاً لألفاظ العقود على الصحيح، وعند المزني أنه ينزل في مثل ذلك على صورة الظهار والبيع، وقد حكى [الإمام أن] من الأصحاب من وافقه.
وقال الرافعي في معرض التقوية له: وأيضاً فإن في تعليق الطلاق بالمستحيلات خلافاً قد تقدم في كتاب الطلاق.
قلت: وما قاله فيه نظر؛ لأنا حيث قلنا في المستحيلات بوقوع الطلاق، ألغينا التعليق ونجَّزنا الطلاق، والمزني ومن وافقه لم يلغيا التعليق، وإنما حملاه على الصورة؛ فلا يظهر أن بينهما مناسبة.
فرع: لو قال: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، فدخلت [الدار] وهو مجنون أو ناسٍ- فعن أبي الحسين بن القطان في حصول العود ولزوم الكفارة قولان.

قال القاضي ابن كج: وعندي أنها تلزم بلا خلاف؛ كما لو علق طلاقها بالدخول، فدخلت وهو مجنون، وإنما يؤثِّر الإكراه والنسيان في فعل المحلوف عليه.
قال الرافعي: وهذا هو الوجه.
قلت: الوجه ما قاله ابن القطان في الناسي؛ لأن وِزان الطلاق المعلق وزانُ حصول الظهار؛ إذ هو المعلق، وابن القطان لم يخالِف فيه، وإنما خالف في حصول العود ووجوب الكفارة، وهو أمر يحدث بعد وجود الظهار، وقد حصل في حالة النسيان؛ فكان كالفعل في تلك الحالة.
وقد حكى الرافعي بعد الكلام في هذا الفرع بأوراق- رأيَ صاحب "التهذيب" وغيره تخريجَ المسألة على حِنْث الناسي- وأن هذا حسن، وهو الذي أورده صاحب "التتمة" أيضاً.
وأما في المجنون: فالوجه القطع بعدم الوجوب؛ لما سيأتي أنه إذا جن عقيب الظهار، لا يكون عائداً؛ لأنه لم يمسكها بعد الظهار زماناً يمكن أن يطلق فيه فلم يطلق، والله أعلم.
قال: ويصح الظهار مطلقاً، أي بأن يقول: أنت علي كظهر أمي، أي: من غير تعيين وقت؛ للآية.
قال: ومؤقتاً في أصح القولين، وهو أن يقول: أنت علي كظهر أمي شهراً أو يوماً؛ لما روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان، ثم وطئها في المدة؛ فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتحرير رقبة، وسنذكر الحديث بقصته- إن شاء الله تعالى- ولأن الحكم إنما يتعلق بالظهار لقول المنكر والزور، وهو موجود في المؤقت.
والثاني: لا يصح مؤقتاً؛ لأنه لم يؤبد التحريم فأشبه ما إذا شبهها بامرأة لا تحرم عليه على الأبد، والقولان ينبنيان عند القاضي الحسين على أنه يتبع في الظهار المعنى

أو ينظر إلى معهود الجاهلية؟ فإن اتبعنا المعنى كان ظهاراً، وإلا فلا، ونسب الصحة إلى الجديد، والمنع إلى القديم.
قال الإمام: والأولى أن يقول: لا ظهار في القديم والجديد قولان، وهو يقرب من التردد في أن المغلَّب في الظهار مشابهة الطلاق أو مشابهة الأيمان؟ إن غلبنا مشابهة اليمين صح، وإلا لَغَا؛ لأن الطلاق لا يقع مؤقتاً، بل مؤبداً وقته لقوته، وليس للظهار تلك القوة.
ثم حيث حكمنا بالصحة، فهل يصح مؤقتاً [أم مؤبداً]؟ فيه قولان- ويقال: وجهان- مأخذهما أن المغلب فيه الطلاق أو اليمين: إن غلبنا الطلاق تأبد، وإلا تأقت، والمذكور منهما في طريقة العراق التأقيت، وهو الاصح، وظاهر نصه في "المختصر"، ومقتضاه [تغليب] شائبة اليمين.
وقد حكينا فيما إذا تظاهر من إحدى زوجتيه، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، ونوى الظهار- أنه يكون مظاهراً، وذلك يقتضي تغليب شائبة الطلاق، فليتأمل.
وحيث حكمنا بأنه لا يصح، فلو وطئ في المدة، فهل يجب عليه كفارة يمين؟ فيه وجهان، أصحهما في "ابن يونس": عدم الوجوب.
قال: ومتى صح الظهار، أي: المطلق، ووجدالعود، وجبت الكفارة؛ للآية، ثم ما هو السبب المقتضي للوجوب منهما؟ اختلفت فيه عبارات الأصحاب: فمنهم من يقول: هو الظهار، والعود شرط، وهو ما حكاه القاضي الحسين في "التعليق".
ومنهم من يقول: هو العود، فعلى هذا: ينبغي ألا يجزئ التكفير قبله، وقد حكاه البندنيجي في كتاب الأيمان وجهاً، لكنه جعل مأخذه: أن الوطء بعد الظهار حرام؛ فيكون بمثابة ما إذا حلف على معصية؛ فإن في جواز تقديم الكفارة على الحنث خلافاً يأتي في موضعه.

ثم صورة التكفير بعد الظهار قبل العود: أن يظاهر من رجعية أو من زوجة، ثم يطلقها عقيب الظهار، ثم يكفر، ثم يراجع.
ومنهم من يقول: هو مركَّب من العود والظهار، فعلى هذا: لا يجوز تقديمها على الظهار، ويجوز على العود.
وحكى الماوردي في كتاب الأيمان: أن أبا علي بن أبي هريرة يقول: إنها تجب بثلاثة أسباب: عقد النكاح، ولفظ الظهار، والعود، ولا يجوز تقديمها بعد النكاح عنده وقبل الظهار؛ لوجود سبب وبقاء سببين.
وعلله بعضهم بما ذكرناه عن البندنيجي من قبلُ.
ثم الكفارة التي يجوز تقديمها تكون بالعتق لا غير.
قال: والعود: هو أن يمسكها بعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق؛ لأن تشبيهها بالأم يقتضي ألا يمسكها زوجة، فإذا أمسكها زوجة فقد عاد فيما قال؛ لأن العود للقول عبارة عن مخالفته، يقال: فلان قال قولاً ثم عاد فيه، وعاد له، أي: خالفه، ونقضه.
ويخالف العود إلى القول؛ فإنه قول مثله، وهذا هو [القول] الجديد.
وفي القديم [ثم] حكاية قول- على ما حكاه الشيخ أبو حاتم القزويني-: أن العود هو [الوطء].
قال الإمام: وهو إن صح فهو في حكم المرجوع عنه.
قال: فإذا وجد ذلك، وجبت الكفارة واستقرت.
ذكر الشيخ هذه التتمة؛ ليحترز بها عن مذهب أبي حنيفة، فإن الكفارة عنده لا

تستقر في الذمة، وإنما شرعت لاستباحة الوطء كالرجعة، ودليلنا عليه: أن الله- تعالى- علق وجوبها بوجود أمرين عقوبة له، فإذا وجِدَا وجبت واستقرت ككفارة الجماع، وقوله- تعالى-: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 2]، تغليظٌ ضُمَّ إلى [أصل] العقوبة؛ للمبالغة في الرجوع والزجر، كما ضم التغريب إلى الجلد في الزنى.
وفيها- أيضاً- إشارة إلى أن العود لا يسقطها كما أن الجماع في الإيلاء يحُلُّ اليمين، ولا يوجب الكفارة على القديم، ويجوز أن يكون لنفي [قول] من قال: إنه إذا عجز عن جميع الخصال لا يثبت في ذمته؛ بناءً على أن الاعتبار بحال الوجوب؛ فإن الصحيح من المذهب: أنها لا تسقط، بل تثبت في الذمة.
قال: فإن مات قبل إمكان الطلاق، أي: لكونه مات عقيبه، أو لكونه جن عقيب الظهار ومات ولم يفق، أو عَقَّب الظهار بالطلاق- لم تجب الكفارة؛ إذ لم يوجد العود الذي هو سبب الوجوب أو شرطه، أما إذا أفاق فلا يكون عائداً ما لم يمض زمان يمكنه أن يطلق فيه، فلم يطلق.
وذكر الشيخ أبو علي أن بعض الأصحاب جعل كون الإفاقة في نفسها عوداً، على الخلاف الآتي في الرجعة.
ولا فرق في الطلاق بين أن يكون بائناً أو رجعيّاً، لأن بالبائن تزول الزوجيَّة بالكلية، وبالرجعيِّ تصير جارية إلى البينونة؛ فلم يحصل الإمساك على حكم الزوجية.
ويقوم مقام الطلاق في هذا الغرض فسخ أحد الزوجين النكاح، وانفساخه بسبب من جهته، وكذا ارتداد أحد الزوجين [وإسلامه] إذا كان مجوسيين، وإسلام المرأة خاصة، إذا كان الزوج كتابيّاً، وكان الإسلام بعد الدخول؛ لما ذكرناه في الطلاق الرجعي.
قال: وإن ظاهر من رجعية، لم يصر بترك الطلاق عائداً؛ لما ذكرناه.
قال: فإن راجعها، أو بانت [منه] ثم تزوجها، وقلنا بعود الظهار [فهل

تكون الرجعة والنكاح عوداً أم لا؟ فيه قولان: احدهما: لا؛ لأن العود استدامة الإمساك، والرجعة والنكاح ابتداء استباحة.
والثاني: نعم؛] لأن العود إذا حصل باستدامة الإمساك فابتداء الاستباحة أولى، ويجري الخلاف المذكور فيما إذا طلقها عقيب الظهار ثم راجعها، والأصح: أنه يكون عوداً في الصورتين، وهو المنصوص عليه في "الأم"، ومقابله مخرج من الرجعة، وقيل: إنه منصوص عليه أيضاً.
واعلم أن قول الشيخ: "وقلنا بعود الظهار"، فيه إشارة إلى أن الخلاف المذكور في عود الحنث المذكور في الطلاق يجري ها هنا، كما صرح به غيره.
قال: وإن ظاهر الكافر من امرأته، فأسلم عقيب الظهار، أي: وكانت زوجته قد أسلمت عقيب الظهار قبل الدخول- فقد قيل: إسلامه عود، وقيل: ليس بعود؛ بناءً على القولين في الرجعة، والجامع بينهما: أنه بإسلامه [صار] ممسكاً لها في النكاح كما برجعته، وفي طريقة المراوزة حكاية طريقة قاطعة بأنه لا يكون عوداً، بخلاف الرجعة، والفرق: أن الإسلام لا يقصد للإمساك على النكاح، وإنما ذلك يحصل تبعاً، بخلاف الرجعة.
واعلم أن المحوج إلى زيادة ما ذكرته من إسلامها- إن لم يكن لفظ الشيخ: "فأسلمها عقيب الظهار"- كما ذكره بعضهم- عدمُ إمكان إجراء الخلاف فيما ذكره الشيخ لو اقتصر عليه؛ لأن الزوجة إن كانت غير كتابية كان إسلام الزوج عقيب الظهار قاطعاً للنكاح إن كان قبل الدخولن ومَصِيرها جارية [إلى البينونة إن كان بعد الدخول؛ ولا يكون عوداً قولاً واحداً] كالطلاق، وإن كانت كتابية فإسلامه عود قولاً واحداً؛ لأن الزوجية دائمة، وقيد ابن يونس [محل] الخلاف بما إذا كان إسلامها بعد الدخول كما ذكره في "المهذب" وغيره من العراقيين والمراوزة، وهو مستغنٍ عنه؛ لما ذكرناه، بل تركه متعين؛ لأنه لو قدر الدخول، لكان قول الشيخ: "فأسلم عقيب الظهار" موهماً أن محل الخلاف ما إذا أسلم عقيب الظهار دون ما إذا

تأخر عنه، وليس الأمر كذلك؛ بل هو [جارٍ]- وإن تأخر عنه- إذا وقع في العدة.
وعلى مقتضى ما ذكرناه يكون محله ما إذا أسلم عقيب الظهار؛ فإنه لو تأخر عنه لم يكن عذراً قولاً واحداً؛ لحصول الفرقة، وفيه- أيضاً- تقليل للحذف فكان أولى.
وليس لقائل أن يقول: من شرط العود أن يمسكها زماناً يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق، وزمن إسلامه قبل الدخول لا يمكنه فيه أن يطلق؛ لاقترانه بإسلامها، وهو محل للانفساخ وهو مقدم على الطلاق؛ فالاشتغال فيه بالإسلام لا يكون عوداً قولاً واحداً؛ لأنا نقول: ما ذكره موجود في تجديد النكاح، ومع هذا جرى الخلاف فيه.
فإن قيل: لو ظاهر من امرأته بعد الدخول، ثم أسلم عقيبه، ثم أسلمت في العدة- لم نجعله عائداً بإسلامها، واستمرار النكاح [كما ذكرتم- كما يضاف إلى إسلام الزوج يضاف إلى إسلام الزوجة؛ لأن أحدهما لو تخلف للنكاح فلم غلبتم جانبه حتى أجريتم الخلاف في كونه عائداً، ولم تخرجوه على الخلاف] فيما إذا ارتدا معاً قبل الدخول بالنسبة إلى سقوط كل المهر أو بعضه؟ قلنا: لأن العود لما لم يمكن حصوله إلا من جهة الزوج غلبنا جانبه فيه؛ كما أحلنا الفرقة في الخلع عليه، وإن كان العقد منهما وجد؛ لأنه لا يمكن الفراق إلا من جهته، وكذلك في مسألة الردة فعلنا لما أن كانت ثمرة الخلاف ترجع إلى سقوط المهر، وهو لا يمكن إلا من جهتها، ورأيت للحموي: أن كلام الشيخ يمكن حمله على ظاهرة، ولا يحتاج إلى تقدير شيء معه، ووجَّه القول بعدم العود: بأنه لما أسلم عقيب الظهار كان بمنزلة طلاقها؛ فلا يكون عائداً، ومقابله بأن الإسلام لا يقصد لقطع الزوجية، بخلاف الطلاق، وأدعى أن في كلام الإمام والغزالي دلالة عليه، والظاهر أنه وهم، والله أعلم.
قال: وإن قذفها، ثم ظاهر منها، ثم لاعنها- فقد قيل: إنه صار عائداً، وهو ما ذهب إليه ابن الحداد؛ لأن كلمات الشهادة لا تتعلق بها الفرقة، وقد أمكنه أن يطلق بدلها.

وقيل: لا يصير عائداً وهو ظاهر النص، وبه قال ابن أبي هريرة وابن الوكيل وأبو إسحاق؛ لأن الكلمات بمجموعها موقعة للفراق، فإذا اشتغل بموجب الفراق لم يفترق الحال بين أن يطول أو يقصر؛ كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً، أو يا فلانة بنت فلان، أنت طالق.
وشرط صاحب "التهذيب" على هذا الوجه سبق المرافعة إلى الحاكم.
ولو قدم الظهار، ثم عقبه بالقذف، ثم باللعان- فالذي ذهب إليه الأكثرون، وادعى المحاملي فيه نفي الخلاف: أنه يصير عائداً.
وحكى المزني في "الجامع الكبير": أنه لا يشترط سبق القذف أيضاً، وبه قال ابن سلمة، حتى لو ظاهر وقذف على الاتصال واشتغل بالمرافعة وإثبات اللعان، لم يكن عائداًن وإن بقى أياماً فيه؛ لأن القذف لابد منه إذا كان يريد الفراق باللعان؛ فكان الاشتغال به شروعاً في أسباب الفرقة، كما إذا قال عقيب الظهار: أنت طالق على ألف درهم، فلم تقبل، فقال عقيبه: أنت طالق بلا عوض- لا يكون عائداً؛ لأنه كان مشغولاً بسبب الفراق.
فرع: لو قال: أنت علي كظهر أمي يا زانية أنت طالق، فهل يكون عائداً؟ فيه وجهان: أحدهما- وبه قال ابن الحداد-: أنه يصير عائداً.
قال الشيخ أبو علي: وهذا صحيح إن لم يلاعن بعده، أو لاعن، وقلنا: تقدم القذف شرط، أما إذا لم يشترط فلا يكون عائداً.
والثاني: أنه ليس بعائد؛ كما لو قال: يا زينب أنت طالق.
وتردد الإمام في أن ابن الحداد هل يسلم هذه الصورة؟ قال: وإن بقي من اللعان الكلمة الخامسة، [فظاهر منها، ثم أتى بالكلمة الخامسة]- لم يصر عائداً، وهذا متفق عليه؛ لأنه- والحالة هذه- فارقها بكلمة واحدة؛ فكان كما لو طلقها.
وفي "الجيلي": أنه قدق يل: يطرد الخلاف فيه أيضاً، وهو بعيد.

[قال:] وإن كانت الزوجة أمة، فابتاعها الزوج عقيب الظهار، فقد قيل: إن ذلك عود؛ لأنه لم يتحقق التحريم، وإنما نقلها من حل إلى حل، وذلك إمساك لها.
قال: فلا يطؤها بالملك حتى يكفِّر؛ لعموم قوله- تعالى-: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 2].
وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنه يحل له وطؤها من غير تكفير، وهو نظير وجه محكي فيما إذا طلقها ثلاثاً ثم ملكها، والفرق بينهما عند العراقيين ما تقدم في باب الرجعة.
قال: وقيل: ليس بعود- وهذا هو الأصح- وبه قال أبو إسحاق وابن أبي هريرة؛ لأن العود أن يمسكها زوجة، [وهذا لم يمسكها زوجة]، بل قد شرع في الشراء الذي هو سبب الفسخ؛ فصار كما لو طلقها- وعلى هذا: هل يكون الاشتغال بأسباب الشراء كالمساومة وتقدير الثمن عوداً؟ فيه خلاف قرَّبه الإمام من الخلاف [السابق] في أن الاشتغال بأسباب اللعان بعد الظهار والقذف هل يكون عوداً أم لا؟ ومقتضاه: ترجيح أنه عود، و [هو] الذي رجحه المتولي وغيره، وهو الحكاية عن ابن الحداد، والذي أجاب به في "التهذيب": أنه ليس بعود.
قال الإمام: وهذا الخلاف فيما إذا كان الشراء متيسراً، أما إذا كان [الشراء] متعذراً، فالاشتغال بيسيره لا ينافي العود عندي.
وفي "الذخائر" حكاية عن ابن الحداد في أصل المسألة: أنه يشترط اتصال القبول بالظهار، وهو أن يقول عقيب الظهار: اشتريت؛ لأنه به يتم العقد ويقع الفسخ.
قال مجلي: وعلى قوله يجب تقديم الإيجاب على الظهار، [وكيف يجب تقديم

الإيجاب على الظهار،] وكيف يصح هذا وقد فصل بين الإيجاب والقبول؟! قلت: أما الاعتذار عن هذا فسهل؛ لأنا قد حكينا وجهين في كتاب النكاح في أن الفصل بكلام أجنبي عن العقد هل يكون قاطعاً للقبول أم لا؟ فلعل ابن الحداد- إن صح عنه هذا- يعتقد أنه لا يضر.
نعم: ما قاله ابن الحداد إنما يحسن إذا كان يعتقد انتقال الملك إلى المشتري بنفس العقد، وأن النكاح ينفسخ به.
أما إذا قلنا: إنه لا ينفسخ به- كما حكيناه في باب ما يجوز من النكاح: أنه ظاهر النص- فلا يحسن منه أن يعتقد أن ذلك ليس بعود؛ لأن ذلك كالإتيان بكلمات الشهادة [في اللعان]، وهو يعتقد أنها عود.
قال: وإن ظاهر منها ظهاراً مؤقتاً، أي: وصححناه [مؤقتاً]، فأمسكها زماناً يمكن فيه الطلاق- صار عائداً كما في المطلق، وهذا ما أجاب به المزني.
وقيل: لا يصير عائداً إلا بالوطء، أي: في المدة؛ لأن الحل منتظر بعد المدة، فالإمساك يحتمل أن يكون للحل، ويحتمل أن يكون لأجل الوطء في المدة، والأصل فراغ ذمته من [التزام الكفارة]، وإذا وطئ فقد تحقق الإمساك لأجل الوطء، وهذا هو الصحيح وظاهر النص، وعلى هذا [هل] يحصل العود عند الوطء أو بالوطء نتبين أنه صار عائداً من وقت الإمساك عقيب الظهار؟ فيه وجهان: الذي ذهب إليه الصيدلاني والقاضي الحسين وغيرهما: الثاني.
وادعى الرافعي أن الأول أشبه.
وعلى ذلك ينبني حل الوطء.
فإن قلنا بالثاني كان الوطء حراماً، كما لو قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق قبله؛ فإنه لا يجوز له الإقدام على الوطء.
وإن قلنا بالأول كان له الوطء، لكن يجب عليه إذا غَيَّبَ الحشفة أن ينزع، كما ذكرنا فيما إذا قال: إن وطئتك فأنت طالق.

قال الإمام: وقد ذكرنا ثمَّ وجهاً أنه لا يحل له، ولاشك في خروجه ها هنا.
قلت: وفي ذلك نظر؛ لأن من قال به ثمَّ صور المسألة بما إذا كانت اليمين بالطلاق الثلاث؛ لأن الوطء يستعقب النزع، وهو حرام، ولا سبيل إلى حصوله في حالة الإباحة؛ فيمنع من الابتداء لأجل ذلك.
وها هنا النزع يمكن أن يكون في حالة هي حلال له، بأن يعلق العتق عن كفارته بالجماع، أو ينجزه عقيب تغييب الحشفة في الفرج؛ فينتفي المحذور، وهو يشابه ما أبديته فيما إذا كانت اليمين بطلاق [رجعي] [أي من قدرته على رجعتها عند تمام الإيلاج].
نعم: إن كان عاجزاً عن العتق اتجه جريانه، أما لو تأخر وطؤه إلى انقضاء المدة، زال الظهار، ولا يلزم به شيء.
قال: وإن تظاهر من أربع نسوة بكلمة واحدة، أي: مثل أن قال: هن علي كظهر

أمي، ووجد العود في حق الجميع- لزمه لكل واحدة كفارة في أصح القولين وهو الجديد؛ لأنه وجد الظهار والعود في حق كل واحدة منهن؛ فيلزمه أربع كفارات [كما لو أفردهن] بأربع كلمات.
قال: ويلزمه كفارة واحدة في القول الآخر وهو القديم؛ لورود الأثر عن عمر رضي الله عنه بذلك، ولأن الظهار [كلمة] يجب بمخالفتها الكفارة، فإذا تعلقت بجماعة لم تجب إلا كفارة واحدة كاليمين، ومثل هذا الخلاف فيما إذا قذف جماعة بكلمة واحدة، أو حنث في يمينين بفعل واحد، ومأخذ التردد النظر إلى تعدد الكلم أو إلى تعدد المحل.
قال الإمام وغيره: والخلاف في المسألة مردود إلى أن المغلب في الظهار مشابهة الطلاق أو الأيمان؟ إن قلنا بالأول لزمه أربع كفارات، ولم يختلف الحال بين أن يظاهر بكلمة واحدة أو بكلمات.
وإن قلنا بالثاني، لم تجب إلا كفارة واحدة؛ كما لو حلف ألا يكلم جماعة وكلمهم.
وعن القاضي الحسين أنه قال: لعل الخلاف في أن المغلب في الظهار شبه الطلاق أو اليمين مستنبطٌ من الخلاف في المسألة المذكورة، ولا يبعد استنباط الخلاف في الأصول من الفروع.
ثم إذا فرعنا على القديم، لم يشترط في وجوب الكفارة حصول العود في حق الكل بل يكفي وجوده في حق البعض، حتى لو طلق ثلاثاً منهن عقيب الظهار وجبت الكفارة للرابعة، وفي "التتمة": أنها لا تجب؛ كما لو حلف ألا يكلم جماعة، فإنه لا تلزمه الكفارة بكلام بعضهم، وفرق الإمام بأن كفارة اليمين إنما تجب بالحنث، والحنث لاي حصل إلا بأن يكلم الجميع، وفي الظهار إنما وجبت الكفارة؛ لأنه بالإمساك خالف قوله، والمخالفة تحصل بإمساك واحدة كما تحصل بإمساك الجميع.
ولو ظاهر منهن بكلمات على التوالي، وطلق الرابعة: لزمه بظهار الثانية كفارة

للأولى، وبظهار الثالثة كفارة للثانية، وبظهار الرابعة كفارة للثالثة، والله أعلم.
قال: وإن كرر لفظ الظهار في امرأة واحدة، واراد الاستئناف، ففيه قولان: أصحهما: أنه يلزمه بكل مرة كفارة، وهذا هو الجديد، وبه جزم القاضي الحسين في "التعليق"؛ لأنه كلام يتعلق به تحريم، فإذا كرره بقصد الاستئناف تكرر حكمه كالطلاق.
والثاني: أنه يلزمه للجميع كفارة واحدة، وهذا هو القديم؛ لأن اللفظ الثاني لم يؤثر في التحريم، فلم يتعلق به حكم كالظهار من الأجنبية، وقاسه الرافعي على ما إذا كرر اليمين على الشيء الواحد مرات، ثم قال: وربما أخذ القولان من القولين فيما إذا تظاهر من أربع نسوة بكلمة واحدة.
وفي "النهاية" إبداء احتمال في أن مأخذ الخلافِ الخلافُ المذكور فيما إذا كرر لفظ القذف على مقذوف واحد، وأبداه الجيلي جزماً.
قال الإمام: وهو غير سديد؛ فإن القذف يوجب الحد، ومن قضايا الحد الاندراج إذا اتحد الجنس ولم يتخلل استيفاء الحد، وهذا المعنى لا يجري في الكفارات.
وفي طريقة المراوزة حكاية طريقة جازمة بالتعدد.
ولو أراد التأكيد، فالحاصل ظهار واحد، فإن أمسكها عقيب [اللفظ الآخر]، فعليه الكفارة وإن فارقها ففي لزوم الكفارة وجهان: أظهرهما: المنع؛ لأن الكلمات المتكررة للتأكيد حكمها حكم الكلمة الواحدة.
وفي المسألة الأولى إذا قلنا بالتعدد: إن فارقها عقيب المرة الأخيرة، لم يجب عليه بها شيء، وهل تلزمه كفارة الظهار التي قبلها؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم.
ووجه المنع: أن الظهارين من جنس واحد، فما لم يفرغ من هذا الجنس لا يجعل عائداً.
قال الإمام: والوجه: الترتيب على صورة التكرار بإرادة التأكيد، فإن جعل بالتأكيد عائداً، ففي التجديد أولى، وإلا فوجهان، والفرق أن التأكيد كالجزء من الكلام، بخلاف التجديد؛ فإن من ضرورته قطع الكلام الأول واستئناف آخر.

قلت: وهو كذلك في "تعليق" القاضي الحسين؛ فإنه ذكر الخلاف في العود، وجزم بتعدد الظهار، وفي "الذخائر": أن الشاشي حكى عن "الحاوي" فيما إذا كرر لفظ الظهار خمس مرات مثلاً على قصد الاستئناف، أن من أصحابنا من قال: يكون الأول ظهاراً، والثاني عوداً وليس بظهار، والثالث ظهار، والرابع عود فيه، والخامس ظهار، وعلى هذا إذا كرره مرتين كان ظهاراً، ولو أطلق ولم يزد شيئاً؛ فهو كما لو نوى التأكيد عند ابن الصباغ والمحاملي والمتولي.
وفي طريقة المراوزة حكاية قولين في أنه إذا أطلق: هل يحمل على التأكيد، أو على الاستئناف، كما في الطلاق؟ لكن الأظهر ها هنا المصير إلى الاتحاد.
والفرق: أن الطلاق أقوى؛ فإنه يزيل الملك.
وضعفه ابن الصباغ، وقال: الأولى أن يقال: الطلاق له عدد محصور، والزوج مالك له، فإذا كرره، كان الظاهر استيفاء المملوك، والظهار ليس بمتعدد في وضعه ولا هو مملوك للزوج حتى يحمل على التعدد.
وهذا كله إذا تواصلت الكلمات، أما إذا تفاصلت، فإن كفر عن الأول قبل الإتيان بالثاني، لزمه أن يكفر عنه أيضاً.
وإن لم يكفر، وأطلق، أو قال: أردت الاستئناف- كان في تعدد الكفارة الخلاف السابق، وإن أراد التأكيد فهل يقبل منه؟ اختلف فيه جواب القفال.
قال الإمام: وهذا يدل على أن المغلب في الظهار معنى الطلاق أو اليمين؟ إن غلبنا الطلاق لم يقبل، وإن غلبنا مشابهة اليمين فالظاهر قبوله، كما ذكرنا في الإيلاء.
قال الرافعي: والأغلب مشابهة الطلاق؛ فيكون الأظهر أنه لا يقبل، وكذلك قاله البغوي وغيره.
فروع: [الأول] لو كان له امرأتان، فقال لإحداهما: إن تظاهرت منك فالأخرى علي كظهر أمي، ثم تظاهر من الأولى وأمسكها- لزمه كفارتان قولاً واحداً.
الثاني: قال في "التهذيب": لو قال لها: إن دخلت الدار [فأنت علي كظهر أمي

  • وكرر هذا اللفظ ثلاثاً- فإذا دخلت الدار] صار مظاهراً عنها، ثم إن قصد التأكيد لم تجب إلا كفارة واحدة، وإن قالها في مجالس، وإن قصد الاستئناف، تعددت الكفارة؛ ويجب الكل بعود واحد بعد الدخول، وإن طلقها عقيب الدخول لم يجب شيء، وإن أطلق فهل يحمل على التأكيد أو على الاستئناف؟ فيه قولان.
    الثالث: إذا قال: إن لم أتزوج عليك فأنت علي كظهر أمي، فإن تزوج فلا ظهار ولا عود، وإن لم يمكنه أن يتزوج [عليها] بأن مات هو أو ماتت هي عقيب "التعليق" فكذلك، وإنما يصير مظاهراً إذا فات التزويج عليها مع إمكانه، وحصل اليأس منه بأن تموت هي أو [يموت] هو، وحينئذ يحكم بكونه مظاهراً قبيل الموت.
    وفي لزوم الكفارة وحصول العود وجهان: قال ابن الحداد: تلزمه الكفارة، ويصير عائداً عقيب صيرورته مظاهراً.
    وقال الجمهور: لا كفارة عليه؛ إذ لا ضرورة بنا إلى تقدير تقديم الظهار وتقدير العود.
    ولو لم يتزوج عليها مع الإمكان حتى جن: فإن أفاق، ثم مات قبل التزوج- فالحكم ما بيناه.
    وإن اتصل الموت بالجنون تبين صيرورته مظاهراً قبيل الجنون.
    وحكى الشيخ أبو علي وجهاً: أنا لا نحكم بصيرورته مظاهراً إلا قبيل الموت.
    وهذا الوجه لا تظهر له فائدة على الصحيح.
    وتظهر فائدته- على رأي ابن الحداد- فيما إذا اختلف حاله في اليسار والإعسار، والله أعلم.
    قال: وإذا وجبت الكفارة، أي: في الظهار المطلق- حرم وطؤها إلى أن يكفر؛ لقوله- تعالى-: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3].
    ولا فرق في ذلك بين الوطأة الأولى وما بعدها؛ لما روي أنه
  • عليه الصلاة والسلام-: قال لمن ظاهر من امرأته ثم وطئها: "لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ".
    ويروي: "اعْتَزِلْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ".
    أما إذا وجبت الكفارة في الظهار المقيد بمدة، فإنه يحرم وطؤها إلى أن يكفِّر وتنقضي المدة، فإذا انقضت حل له الوطء بارتفاع الظهار، وبقيت الكفارة في ذمته، كذا حكاه الرافعي.
    واعلم أن كلام الشيخ يقتضي أن الكفارة إنما تجب بالظهار والعودة؛ [لأنه قيد التحريم بما إذا وجبت الكفارة، والكفارة إنما تجب بالظهار والعودة]- كما تقدم- وهذا ما أبداه الإمام احتمالاً ورجحه وجزم به الغزالي، ونسبه مجلي إلى بعض أصحابنا، وهو إشارة إلى الإمام، ثم قال: ويظهر أثر هذا في لمس يوجد بلذة على قولنا بتحريم ذلك في لحظة عقيب الظهار، وبقولنا: إن التشاغل بأسباب الشراء ونحوه لا يكون عوداً، فيوجد الوطء واللمس في ذلك، ويدل على أنه لا يحرم بنفس الظهار أمران: أحدهما: لو كان كذلك لما ارتفع التحريم بملك اليمين عقيب الظهار أو بالطلاق؛ كما لا ترتفع الكفارة بعد العود.
    والثاني: لو ثبت التحريم بنفس الظهار، لأوجب الطلاق وحرم الإمساك.
    ثم قال: وليس الأمر كذلك؛ بل ثبوت التحريم بنفس الظهار؛ لأن تشبيهها بظهر أمه معنىً يقتضي تحريمها عليه، وقد صححه الشرع وأوجب حكمه؛ فوجب أن يكون مقتضياً بنفسه التحريم، والتعليل الأول لا يصح؛ لأن اللفظ اقتضى التحريم في الملك، فإذا زال الملك فلا بقاء للتحريم، والتعليل الثاني لا يلزم؛ لأن الكفارة استقرت فلا تسقط، وقبل ذلك لم تستقر فسقطت لزوال سببها، كما نقول في تلف المال في الزكاة قبل التمكن.
    قال: وهل تحرم المباشرة بشهوة فيما دون الفرج؟ فيه قولان- وفي "الشامل": أنه قيل: وجهان-: أصحهما: أنها لا تحرم؛ لأن الظهار معنى [لا يخل بالملك] فلم يحرم

ذلك كالصوم، ولأن الوطء حرام لا يتعلق به مال؛ فلا يشاركه في التحريم مقدماته كوطء الحائض.
واحترزنا بقولنا: لا يتعلق به مال، عن وطء المحرِم، وكذا قاله الرافعي، وهذا هو الجديد، والذي عليه الأكثرون.
ومقابله منسوب إلى القديم، وغلى ترجيحه مال المتولي والإمام والقاضي الحسين في "التعليق"، ووجهه قوله- تعالى-: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3]، وذلك يشمل الاستمتاعات والوطء، ولأن الظهار سبب يوجب تحريم الوطء؛ فتحرم سائر الاستمتاعات كالطلاق.
وفي "الرافعي": أن ابن الصباغ مال إلى ترجيحه أيضاً، ولم أَرَ في "الشامل" ما يدل عليه غير أنه ذكر علة هذا الوجه، وعممها وقال: وما قالوه- يشير إلى من ذهب إلى القول الأول- ينتقض بالمسبيَّة وأمته إذا كانت أخته [من الرضاع]، وذلك منه لا يدل على ترجيحه، وحكى القاضي ابن كج طريقة قاطعة بعدم التحريم، ومن قال بها قال: المس في عرف الشرع ورد بمعنى الوطء في قوله- تعالى-: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237]، فيحمل عليه ها هنا.
ثم الخلاف يجري فيما عدا الوطء في الفرج، أو فيما فوق السرة ودون الركبة؟ الذي يقتضيه كلام الشيخ وابن الصباغ الأول، وقد صرح به القاضي الحسين في "التعليق".
وإيراد الغزالي يقتضي أنه خاص بالثاني؛ لأنه قال بعده: إن لم نحرم إلا الوطء ففي الاستمتاع بما دون السرة إلى الركبة خلاف مبني على أنا إن حرمنا ذلك في الحائض، عللنا: بانتشار الأذى، أو لخوف الوقوع في الوقاع.
قال: والكفارة أن يعتق رقبة؛ لقوله- تعالى-: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3]، ولما روى أبو داود بسنده عن سلمة بن صخر البَيَاضيِّ أنه ظاهر من امرأته شهر رمضان، ثم نزا عليها، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال له: "حَرِّرْ رَقَبَةً" فقال: والذي بعتك بالحق ما أملك غيرها- وضرب صفحة رقبته-[فقال له: "صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ"، فقال: وهل أصبت إلا من الصيام؟!] فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"أَطْعِمْ وَسْقاً مِنْ تَمْرٍ سِتِّينَ مِسْكِيناً"، فقال: والذي بعثك بالحق نبيّاً، لقد بتنا وَحِشَيْنِ ما لنا طعام؛ فأمره أن ينطلق إلى صاحب صقة بني زُرَيْقٍ؛ ليدفعها له، ويطعم منها ستين مسكيناً وسقاً من تمر، ويأكل هو وعائلته بقيتها.
وخرجه الترمذي أيضاً.
وقوله: وحشين، أي: جائعين، قاله الجوهري في الصحاح.
قال: مؤمنة؛ لأنه تكفير بعتق فكان من شرطه الإيمان ككفارة القتل، وقد ورد الشرع باعتبار الإيمان فيها، ولأن كل رقبة لم تجزئ في القتل، لم تجزئ في كفارة الظهار كالمعيبة، وهذه المسألة مما حمل الشافعي- رضي الله عنه- فيها المطلقَ على المقيد، وشبه ذلك بقوله- تعالى-: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]؛ فإنه محمول على المقيد في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2].
والكلام في [أن] الإيمان بماذا يحصل؟ وفي أي وقت يحصل- مذكور في كتاب اللقيط؛ لأن له تَعَلُّقاً به.
فرع: [الصبي] إذا أسلم، وقلنا: إن إسلامه يكون موقوفاً- فإذا أعتقه لا يحل له في الحال، لكن ينظر: إن بلغ ووصف الكفر، بانَ عدمُ إجزائه عن الكفارة، وإن استمر على الإسلام ففي إجزائه وجهان، والله أعلم.
قال: سليمة من العيوب التي تضر- أي: بضم التاء- بالعمل، أي: ضرراً بييناً؛ لأن المقصد من العتق تكميل حاله؛ ليتفرغ للعبادات والوظائف المختصة بالأحرار، وإنما يحصل هذا الغرض إذا استقل وقام بكفايته، أما إذا لم يمكن ذلك، لم يتفرغ وصار كَلّاً على نفسه وغيره، وهذا بخلاف العيوب في البيع، فإن المعتبر فيها ما ينقص المالية؛ لأن القصد من الأعيان ثَمَّ الماليةُ.
فإن قيل: الآية دلت على إعتاق رقبة مطلقة والمعيبة داخلة تحتها، فلم لا تجزئ كما ذهب إليه داود؟ قلنا: الرقبة إحدى ما يكفر بها؛ فلم يجزئ فيها ما يقع عليه الاسم كالإطعام، كذا قاله ابن الصباغ وغيره.
قال: كالعَمَى والزَّمانة، أي: في جميع البدن، أو في البعض الذي يمنع فقدُهُ الإجزاءَ، وقطع اليد والرجل أو الإبهام أو السبابة أو الوسطى؛ لأن هذه الأشياء تضر

بالعمل إضراراً بيناً.
قال: [فإن كان مقطوع] الخنصر والبنصر، أي: من يد واحدة، لم يجزئه، لأنه تذهب منفعة نصف الكف، وذلك ضرر بين.
والخنصر والبنصر مكسور أولهما وصادهما.
قال: وإن قطع إحداهما، أجزأه؛ لأنه لا يُحِل بالعمل ضرراً بيناً، وكذا لو قطعهما من اليدين، وفي "الجيلي" إشارة إلى ذكر خلاف في الإجزاء.
قال: وإن [كان مقطوع] الأنملة من الإبهام، لم يجزئه، لأن منفعتها تعطلت فأشبه ما إذا قطعت، وفي الأنملة تسع لغات: فتح الهمزة وضمها وكسرها، مع تثليث الميم، أشهرها وأفصحها: فتح الهمزة مع ضم الميم.
قال جمهور أهل اللغة: الأنامل: أطراف الأصابع.
وقال الشافعي: في كل إصبع غير الإبهام ثلاث أنامل.
وكذا قاله جماعة من كبار أئمة اللغة، والله أعلم.
قال: وإن كان من غيرها أجزأه، [أي]: ولو من الأصابع الأربعة؛ لأن منفعة الأصابع باقية فأشبهت الأصابع القصار، ولا تجزئ مقطوعة أنملتين من الأصابع التي يضر عدمها.
قال: وتجزئ العوراء والعرجاء عرجاً يسيراً، أي: بحيث لا يمنع متابعة المشي، والأصم والأخرس إذا فهمت إشارته؛ لأن ذلك لا يضر بالعمل ضرراً بيناً، أما إذا لم يفهم بالإشارة فلا يجزئ واحد منهما، حكاه الماوردي، وفي الأصم حكاية قول: أنه لا يجزئ وإن كان يفهم بالإشارة.
ومنهم من لم يثبته، وحمله على ما إذا كان لا يسمع مع المبالغة في رفع الصوت.
قال الرافعي: وهذا يشعر بالجزم بالمنع في هذه الحالة.
وروى عن القديم: أن الأخرس لا يجزئ، فمن الأصحاب من أثبته قولاً، ومنهم من حمله على ما إذا كان لا يفهم بالإشارة، ومنهم من حمله على ما إذا انضم إليه الصمم، وجزم ابن الوكيل بالمنع عند اجتماع الخرس والصمم- كما سنذكره-

وإجراء القولين فيما إذا انفرد.
وحكم تعويج الرِّجْل حكم العرج.
قال: فإن جمع [بين الصمم] والخرس، لم يجزه؛ لأن الاجتماع يؤثر زيادة في الضرار.
قال: ولا يجزئ الجنون المطبِق؛ لعدم حصول المقصود منه، ويجزئ من يجن ويفيق.
وهكذا لفظ ابن الصباغ وظاهر نص الشافعي- على ما حكاه الإمام- من غير تفريق بين أن يكون زمن الإفاقة أقل أو أكثر أو مساوياً؛ لأنه يمكنه الاكتساب في حال إفاقته.
وفي "الحاوي" أن زمن جنونه إن كان أكثر من زمن إفاقته أو [كانا سواء]، لم يجزه، وإن كان زمن إفاقته أكثر ففي إجزائه وجهان؛ لأن قليل الجنون يصير كثيراً.
وفي طريق المراوزة: إن كان زمن الجنون أكثر لا يجزئ، وإن كان أقل أجزأ، وإن كان مساوياً فوجهان، والأظهر الجواز.
فرع: إعتاق الأحمق يجزئ، وهو الذي يضع الشيء في غير محله مع العلم بقبحه، والمجنون يضعه مع الجهل.
قال: ولا يجزئ المريض المأيوس منه، أي: كمن به مرض السل، ولا النحيف الذي لا عمل فيه، وفي معناهما الشيخ الكبير الذي عجز عن العمل؛ لأن ذلك يخل بالمقصود.
وفي التجربة للقاضي الروياني: أن الأصحاب جوزوا إعتاق الشيخ الكبير، وأن القفال منعه إذا كان عاجزاً [عن العمل]، وهو الأصح، وهذا يدل على إجراء خلاف فيه عند العجز.
فرعان: أحدهما: لو أعتق المريض الذي لا يرجي برؤه، ثم بريء: فهل يتبين وقوعه الموقع؟ فيه وجهان أبداهما الإمام تردداً، ورجَّح الوقوع.
الثاني: لو أعتق غير المأيوس منه، ثم مات قبل البرء- لا يجب عليه إعتاق غيره،

على أصح الوجهين.
تنبيه: إطلاق الشيخ رضي الله عنه ذكر "الرقبة" من غير أن يقيد عمرها بسن يعرفك أنه لا فرق فيها بين الصغيرة والكبيرة، وذكره لوصف السلامة يعرفك أن إعتاق الجنين لا يجزئ؛ لأن وجوده حالة [العتق] لم يتحقق فضلاً عن سلامته.
نعم، لو انفصل وتحققت حياته حالة العتق كان في وقوعه [الموقع] تردد حكاه الإمام عن العراقيين، ووجه المنع- وهو ما دل عليه فحوى كلام المراوزة، على ما حكاه الإمام: أنه لم ينو كفارة صحيحة، وإنما هو كالمتلاعب.
واقتصاره على ذكر العيوب المشروحة [أعلاه] يعرفك أن ما عداها من قطع الأذنين والأنف والذكر والجذام والبرص وقطع أصابع الرجلين وغير ذلك، لا يمنع الإجزاء كما صرح بذلك غيره.
وحكى عن ابن أبي هريرة: أنه أجرى الحكم في أصابع الرجلين على التفصيل المذكور في أصابع اليدين.
قال: ولا تجزئ أم الولد؛ لأنها استحقت العتق بسبب الاستيلاد، فلا تجزئ عن غيره؛ كما لو باع من فقير طعاماً، ثم سلمه إليه عن الكفارة، وفي طريقة الخراسانيين حكاية قول: أنها تجزئ؛ بناءً على جواز بيعها.
قال: ولا المكاتب- أي: كتابة صحيحة- خلافاً لأبي ثور؛ لأن الكتابة سبب للحرية تمنع البيع؛ فمنعت الإجزاء في الكفارة، كأم الولد.
ومقتضى هذا التعليل: أنا إذا قلنا بجواز بيعه يجزئ إعتاقه، لكن إذا قلنا بإبطال الكتابة، وقد حكاه الجيلي مطلقاً، وعلل الغزالي المنع بعلتين: إحداهما: أنه ناقص الرق، كأم الولد.
والثانية: أن العتق يقع عن جهة الكتابة، بدليل استتباع الأكساب والأولاد.
وزاد الإمام علة ثالثة: وهي أن إعتاقه ناقص؛ [فإنه] ليس إعتاقاً محضاً، وإنما هو إبراء؛ إذ لو كان إعتاقاً لبقيت الذمة مشغولة بالعوض المسمى.

وعلى ذلك ينبني إجزاء عتق المكاتب كتابة فاسدة إذا قلنا: إنها تستتبع الأكساب، فتجري على العلة الأولى والثالثة دون الثانية، والظاهر الإجزاء.
فرعان: الأول: لو قال للمكاتب: إذا عجزتَ فأنت حر عن ظهاري، [أو قال للكافر: إذا أسلمتَ، فأنت حر عن ظهاري،] أو قال: إن خرج الجنين سليماً فهو حر عن ظهاري- فوجد الشرط، عَتَقَ، ولا يجزئ عن الكفارة؛ لأنه حين علَّق العتق لم يكن بحيث يجزئ عن الكفارة.
قال الرافعي: ويحتمل أن يقال: إذا لم يعتق عن الكفارة لم يعتق، على ما مر نظيره في الإيلاء.
الثاني: لو علق العتق عن الكفارة بدخول الدار، ثم كاتب العبد، ثم دخل الدار- ففي إجزائه عن الكفارة وجهان.
قال: ويجزئ المدبر والمعتق بصفة؛ لأن ملكه عليهما تام، بدليل نفوذ جميع تصرفاته.
ثم هذا فيما إذا نجَّز العتق عن الكفارة أو علَّقه بصفة توجد قبل وجود الصفة الأولى.
أما لو علقه بوجود الصفة الأولى لم يجزئه، والمرهون إن نفَّذنا عتقه، أجزأ عن الكفارة، وكذلك إذا لم نُنَفِّذْه في الحال ونفَّذناه بعد الانفكاك باللفظ السابق، قال الرافعي: ويكون كما لو علق عتقه عن الكفارة بشرط.
قلت: لو كان الأمر كذلك لزم ألا يجزئ- كما تقدم- فيما إذا علق عتق المكاتب على عجزه؛ بجامع ما اشتركا فيه من عدم القدرة على التصرف حالة اللفظ، وإعتاق العبد الجاني ينبني على الخلاف في نفوذ عتقه، ومن الأصحاب من لم يجوِّز إعتاق المرهون والجاني عن الكفارة، [وإن قلنا بنفوذ العتق لنقصان التصرفات].
قال: ولا يجزئ المغصوب، أي: الذي لا يقدر على الخلاص؛ لأنه ممنوع عن التصرفات فأشبه الزَّمِن، وقال القفال: يجزئه.
وهو ما جزم به في "الوجيز"، وحكى

الإمام الأول عن رواية بعض المصنفين عن أبي حامد ثم قال: وهذا رديء غير معتد به من المذهب، ولم أطلع عليه في طريقة العراقيين.
وفي "الجيلي": أنه يكون عتقه موقوفاً- على رأي- على تخليصه، أما إذا كان العبد يقدر على الخلاص فإنه يجزئ.
قال: وفي الغائب الذي انقطع خبره- أي: لا لخوف [في] الطريق- قولان، أي: بالنقل والتخريج؛ لأنه نص ها هنا على عدم الإجزاء، ونص ثَمَّ على أنه يخرج عنه زكاة الفطر، فمن الأصحاب من نقل جوابه من كل مسألة إلى الأخرى وجعلهما على قولين، مأخذهما تقابل الأصلين، ومنهم من أجرى النصين على ظاهرهما؛ عملاً بالاحتياط في المسألتين، وهو الأظهر.
وعلى هذا لو تواصل خبره بعد ذلك تبين الإجزاء؛ كما لو أعتق المتواصلَ الخبرِ ابتداءً.
فإن قيل: هل يجزئ ها هنا مثل الوجه المحكي فيما إذا أعتق المريض الذي لا يرجى برؤه فبرأ؟ قيل: قد يظهر أنه لا يجزئ.
والفرق: أن الإعتاق ها هنا اعتضد بأصل وهو بقاء الحياة؛ فلذلك لم يكن متلاعباً، وثَمَّ الأصل بقاء المرض؛ فهو متلاعب بالإعتاق؛ فلذلك لم يجزئه.
أما الذي انقطع خبره لخوف [في] الطريق ففي "الجيلي" حكاية عن "الحاوي": أنه يجزئ قولاً واحداً.
قال: وإن اشترى من يعتق عليه بالقرابة ونوى الكفارة لم يجزئه؛ لأن عتقه مستحَق بجهة القرابة فلا تجزئ عن غيرها؛ كما لو استحق عليه الطعام بالنفقة فدفعه إليه عن الكفارة.
وعن الأودني: أنه يجزئ إذا كان قد اشتراه بشرط الخيار.
والمذهب الأول.
وحكم تملك الهبة [وقبول] الوصية إذا قلنا يملك بها، حكم الشراء، وكذا لو ورثه ونوى او اشترى المكاتب من يعتق على سيده، ثم عجَّزه السيد ونوى عتق قريبه عن الكفارة.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل