كتاب الطلاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لوجود الصفات الثلاثة فيه.
فروع:
أحدها: لو قال: إن كلمت رجلاً فأنت طالق، فكلمت زوجها، أو أباها، إن كان قصده مجرد الصفة طلقت؛ لأن الصفة قد حصلت.
وإن كان قصده منعها من مكالمة الرجال، فلا يقع الطلاق؛ لأن الرجل لا يقصد منع امرأته من مكالمته ومكالمة أقاربها، وإنما يمنعها [من] مكالمة الأجانب؛ قاله في "التتمة".
[الفرع الثاني:] لو قال [لها]: أنت طالق إن كلمت فلاناً وفلاناً، [وفلان مع فلان، إياك عني يا هذه، فكلمت فلاناً وفلاناً]- وقع؛ لأن اليمين انعقدت في الأصل على كلامهما، وقوله: وفلان مع فلان، لا يتعلق به حكم؛ لأنه ابتداء كلام.
قال المحاملي: والدليل عليه أن ما أخرجه مخرج الشرط نصبه، والكلام الثاني، حيث كان ابتداء [كلام] أتى به مرفوعاً.
ووجهه ابن الصباغ بأنه ليس بمعطوف على الأولين، ثم قال: وفيه نظر؛ لأن قوله: [و] فلان مع فلان) يقتضي أن يكون كلامها لفلان وفلان في حال كون فلان مع فلان، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: 154]؛ فكانت هذه الجملة حالاً من الأولة، فكذلك ها هنا.
وحكى في "التتمة" ما قاله ابن الصباغ وجهاً عن الأصحاب.
وفي الرافعي أنه الأظهر.
الفرع الثالث: ولو قال: إن كلمت زيداً أو عمراً فأنت طالق، فكلمت أحدهما- طلقت، وارتفعت اليمين؛ حتى لا يقع بكلام الآخر شيء [آخر].
وكذا [لو] قال: إن دخلت الدار أو كلمت زيداً.
ولو قال: إن دخلت الدار، وإن كلمت زيداً، فقد [كرر حرف] الشرط؛ وذلك يوجب تكرير الجزاء؛ [فيقع الطلاق بأية واحدة من الصفتين وجدت، وإذا وجدتا جميعاً، وقعت] طلقتان.
ومن هذا القبيل، ما إذا قال: إن دخلت هذه الدار وإن دخلت الدار الأخرى- فأنت طالق.
قال ابن الصباغ: معناه: عن دخلت [هذه] الدار فأنت طالق، وإن دخلت الدار الأخرى، وقال: في الجواب عائد في الدخول الثاني، كذا حكاه الرافعي.
الفرع الرابع: لو قال: إن كلمت زيداً وعمراً فأنت طالق، لم [تطلق إلا بكلامهما] جميعاً.
الفرع الخامس: لو قال: أنت طالق إن كلمت زيداً وعمراً وخالداً، لم تطلق إلا بكلام جميعهم.
[ولو قال: أنت طالق إن كلمت زيداً ولا عمراً ولا خالداً، فإن كلمت واحداً منهم، طلقت].
الفرع السادس: لو قال: أنت طالق إن لبست، إن ركبت، لم تطلق إلا باللبس والركوب، لكنه يشترط أن تلبس أولاً، ثم تركب بعده، حتى لو ركبت ثم لبست، لم تطلق.
وكذا لو قال: إذا قمت إذا قعدت، لم تطلق حتى يوجد القعود ثم [القيام؛ قاله] في المهذب.
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت زيداً، قال: في التهذيب: لم تطلق إلا بوجودهما، ويشترط تقديم الكلام على الدخول، وهو مماثل لما حكيناه عن المهذب، وضابطه: أنه لا يقع الطلاق ما لم تأتِ بالآخر في اللفظ أولاً، وبالأول آخِراً.
وفي النهاية أن الأصحاب قالوا: يشترط ترتيب الكلام على الدخول؛ حتى لو كلمته، ثم دخلت- لم تطلق؛ لأنه في الحقيقة علق وقوع الطلاق عليها، عند الدخول
بكلام زيد، وهذا كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت مُدَبَّر، فالتدبير يقف على [دخول الدار]، وليس هذا كما لو قال: [إن كلمت] ودخلت)، يشترط وجود الصفتين لا غير؛ لأن الواو للجمع خصوصاً في المعاملات؛ وهذا يوافق ما حكاه الرافعي عما جمع من فتاوى القفّال: أنه يشترط وجود المذكور أولاً [أو لا]؟ وكذلك نقله القاضي الحسين في التعليق، ثم قال: والعراقيون قالوا [على] عكسه.
وإيراد الغزالي في الوجيز موافق لذلك، وإن كان الرافعي [نسب ذلك] إلى سبق القلم؛ لأن إيراده في "الوسيط" مخالف له ثم، [قال الإمام: و] هذا ما ذكره الأصحاب والقاضي، وعندي في المسألة الأولى نظر؛ فإنه ذكر صفتين من غير عاطف، فالوجه الحكم بتعليق الطلاق بهما، فأما الترتيب، فلا معنى للحكم به، ولا فرق بين أن يقدم ذكر الطلاق أو يؤخره.
وأبدى القاضي في المسألة الثانية احتمالاً في اقتضاء الترتيب؛ على ما حكاه في التعليق.
قال: وإن قال [لها]: أنت طالق أن دخلت الدار بفتح الهمزة وهو يعرف النحو، طلقت [في الحال]؛ لأن [أن] المفتوحة وما بعدها تقدر بالمصدر واللام، وكأنه قال: [أنت طالق] لدخولك الدار؛ فصار تعليلاً.
ولا فرق في وقوع الطلاق بين أن تكون قد دخلت الدار أو لم تدخل.
أما إذا كان لا يعرف النحو، تعلق الطلاق على دخول الدار؛ لأن الجاهل [بذلك] لا يفرق بين المفتوحة والمكسورة؛ وهذا ما قاله الشيخ أبو حامد وأورده الإمام، والغزالي، والبغوي.
وقال القاضي أبو الطيب: يقع الطلاق في الحال، سواء كان عالماً [بالنحو] أو جاهلاً؛ لأن هذا مقتضى اللفظ؛ فلا يعتبر فيه جهل اللافظ، بل تحمل الألفاظ على
مقتضاها في اللسان، ولا يعتبر من غير قصدٍ، فإن قال: أردت به التعليق، فإن كان يعرف النحو، لم يُقبل، وإن كان جاهلاً باللسان قُبِل؛ إذ لا فرق بينهما عنده.
قال الرافعي: وهذا أظهر، وإلى ترجيحه ذهب ابن الصباغ، وهو الذي صدّر به المتولي كلامه.
قال: الشيخ مجلي: وفي ذلك نظر؛ لأن [أن] المفتوحة مع ما بعدها تقدر بالمصدر واللام؛ على ما ذكرناه، فيصير قوله: لرضا فلان؛ فعلى هذا يُدَيَّن فيه إذا قال: أردت التعليق، [وهل] يقبل في الحكم؟ على الوجهين من غير فرق بين العالم والجاهل.
وفي الشامل: أن أبا العباس بن القاص قال في المفتاح: إذا قال لزوجته: أنت طالق أن شاء الله بفتح الهمزة، وقع في الحال، ولم يذكر في الشامل عنه سواه.
وحكى الرافعي في هذه المسألة ثلاثة أوجه عند الكلام في المشيئة:
أحدها: هذا.
والثاني: عدم الوقوع مطلقاً، وعزاه إلى الحناطي.
والثالث: الفرق بين أن يكون ممن يعرف العربية؛ فتطلق في الحال، أو لا [يعرف]؛ فلا تطلق.
قلت: وقد جرى في مسألة الدخول من هذه [الأوجه]، الأول، والثالث، وأما الثاني، وهو عدم الوقوع مطلقاً فوزانه في مسألتنا: ألا تطلق إلا بدخول الدار من غير فصلٍ بين [العارف بالنحو وغيره]، ولم أره، ويتجه جريانه أيضاً إذ لا يظهر بينهما فرق.
فروع:
أحدها: لو قال: أنت طالق أن طلقتك بفتح الهمزة، يحكم بوقوع طلقتين: واحدة بإقراره، وواحدة بإيقاعه في الحال؛ وذلك لأن المعنى: أنت طالق؛ لأني طلقتك؛ قاله الرافعي.
الفرع الثاني: لو قال: [أنت طالق إذ دخلت الدار]، قال الأصحاب: يقع
الطلاق لأن إذْ لما مضى من الزمان، وسواءً كانت قد دخلت الدار، أو لم تدخل؛ لأنه أوقع الطلاق، وجعل دخول الدار الماضي عذراً، لا تعليقاً.
قال مجلي: وجعلها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مثل أن بفتح الهمزة على التفصيل المذكور، وهذا أبداه الرافعي احتمالاً من عنده.
الفرع الثالث: لو قال: إن دخلت الدار، أنت طالق فهل تطلق في الحال، أو لا تطلق إلا بدخول الدار؟ فيه وجهان محكيان في الذَّخائر، وهما كالوجهين [المحكيين] اللذين حكيناهما فيما إذا قال: إن شاء الله أنت طالق، والمشهور منهما: عدم الوقوع في الحال.
[الفرع الرابع:] لو قال: أنت طالق طالقاً، قال في "التتمة": حكى القاضي [و] الإمام فيه وجهين:
أحدهما: لا يقع الطلاق أصلاً بهذه الكلمة؛ لأن قوله: طالقاً نصب على الحال؛ فيكون تقديره: أنت طالق حالة ما تكونين طالقاً، والمرأة لا تكون طالقاً، إنما تكون مطلقة، فالصفة لا توجد؛ فلا يقع الطلاق.
والثاني: تقع طلقة، ويكون تقديره: أنت طالق؛ فصِرتِ طالقة بما أوقعت عليك من الطلاق.
وحكى الشيخ أبو عاصم العبادي: أن في الحال لا يقع شيء، ولكن [إذا طلقها] تقع عليها طلقتان، وتكون طالقاً بمعنى: مطلقة، فيصير تقديره: إذا صرت مطلقة فأنت طالق.
ونقل مجلي هذه المسألة عن "الأم"، وأنها تطلق في الحال طلقة.
ويسأل عن مراده بقوله: طالقاً، فإن قال: أردت به الحال، طلقت ثانية؛ لأن الحال في معنى الصفة؛ فكأنه قال: أنت طالق بعد تقدم طلقة عليك، وإن قال: أردت [طلقة] ثانية، طلقت ثانية، وإن قال: أردت به التأكيد، قبل منه وحلف، [قال مجلي: وقوله: ["و]
حلف": يدل على أنه إذا طلق وقع طلقتان]؛ لأنه حلفه على إرادة واحدة، فلولا أن مطلقه يقتضي طلقتين، لم يكن لتحليفه وجه.
قلت: لا دلالة في ذلك؛ لأن التحليف يجوز أن يكون خشية من إرادته طلقة ثانية، أو إرادته الحال؛ لأن مطلقه يقتضي وقوع طلقتين، وهذا كما [جاء في] قوله صلى الله عليه وسلم لركانة: حين قال: "إني طلقت زوجتي سهيمة ألبتة، والله ما أردت إلا واحدة"، والله أعلم.
لو قال: أنت طالق مريضةٌ، لم يقع الطلاق إلا إذا مرضت؛ لأن الحال بمنزلة الظرف للفعل؛ فلا يقع قبلها.
ولو قال: مريضة، فإن الطلاق لا يقع أيضاً إلا في حال المرض؛ لأن ذلك لحن لا يغير المعنى.
وذكر البندنيجي في "مذهبه": أنه إن كان من أهل الإعراب وقع الطلاق في الحال؛ لأن قوله: مريضة، صفة لها وليست حالاً، وإن لم يكن من أهل الإعراب لم يقع في الحال، ويعلق على مرضها.
كذا حكاه في "الشامل" ثم قال: وهذا ليس بصحيح؛ لأن "مريضة" نكرة، ولا تكون صفة لمعرفة، وقد عرفها بالإشارة إليها؛ فلا تكون إلا حالاً، وإنما لحن في إعرابها.
قلت: وقد وقفت على هذه المسألة في مذهب البندنيجي، والذي رأيته منقولاً فيه: أنه علق طلاقها بصفة هي المرض، متى مرضت طلقت؛ لأنه إذا نصب كان على الحال، وإن رفع كان معناه: تطلقين وأنت مريضة، وهكذا لو قال: أنت طالق [رجعة، فنصب]، أو: رجعة، فرفع، والله أعلم.
قال: وإن قال: أنت طالق لرضا فلان، طلقت في الحال.
أي: سواء رضي أم سخط؛ لأن اللام فيما لا ينتظر مجيئه وذهابه للتعليل؛
فكأنه علل وقوع الطلاق برضا فلان، وجعله عذراً له.
وعن ابن خيران- فيما علقه الحناطي-: أنه إنما يقع في الحال إذا نوى التعليل، أما إذا أطلق ولم تكن له نية، فإنما يقع إذا رضي فلان كما في قوله: أنت طالق للسنة، والمنصوص الأول، ونزل ذلك منزلة قول القائل: أنت حر لوجه الله.
قال: وإن قال: أردت: إن رضي فلان، أي: أردت به التعليق، قبل منه أي: في الظاهر والباطن؛ لأن ذلك يحتمل الشرط وإن كان ظاهره العلة؛ ألا ترى أن قوله: أنت طالق للسنة، معناه: إذا [جاء زمان] السنة، فإذا فسره بما يحتمله قبل منه.
و"قيل: لا يقبل"، أي: في الحكم، ولكن يدين؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ؛ فأشبه ما إذا قال: أنت طالق، ثم قال: أردت: إن دخلت الدار.
وهذا هو الأصح في الرافعي، والأول أصح عند ابن يونس، وهو الظاهر عند مجلي.
ولو قال: أنت طالق برضا فلان أو بقدومه، فهو تعليق؛ كقوله: إن رضي أو قدم، قاله في "التهذيب"، وألحق بهما في "النهاية" ما إذا قال: لقدوم فلان؛ فإنه يحمل على التأقيت؛ لأنه يبعد التعليل بالقدوم، بخلاف الرضا.
قال: وإن قال: أنت طالق، ثم قال: أردت: إن دخلت الدار- لم يقبل في الحكم؛ لأنه خلاف الظاهر، ويدين فميا بينه وبين الله عز وجل؛ لاحتماله.
قال الغزالي: الأقيس: أنه لا يُدَيَّنُ أيضاً، وقد تقدم الكلام على ذلك؛ والفرق بينه وبين قوله: أنت طالق، ثم يقول: أردت: إن شاء الله- في آخر باب عدد الطلاق.
فروع:
لو قال: أنت طالق إن، فمنعه غيره من الكلام؛ بأن وضع يده على فيه، ثم قال: أردت أن أعلق بكذا- صدق بيمينه؛ لدلالة [حرف] الشرط على ما يدعيه، وإنما
حلفناه؛ لجواز أن يكون قصده التعليق على شيء حاصل.
ولو سكت بنفسه، قال في "التتمة": طلقت.
وحكى العبادي في "الزيادات" في هذه الصورة، [و] فيما لو قال: أنت طالق لولا، أو قال: إن، وسكت- خلافاً في وقوع الطلاق.
ولو قال: أنت [طالق] إن أكن، فوضع غيره يده على فمه، فلما أطلق، أتم كلامه، وذكر الشرط- قال العبادي: أفتى فقهاء هراة بوقوع الطلاق، فسئلت فأفتيت ألا يقع [الطلاق]، فطلبت، فوجدت السلف قالوا كما قلت؛ فرجعوا.
قال: وإن قال: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم قال: أردت: في الحال، أي: وإنما سبق لساني إلى الشرط- "قبل منه"؛ لأن فيه تغليظاً عليه، فلو قال: أردت شهراً، معناه: إن دخلت الدار إلى شهر.
قال: القاضي الحسين في "التعليق": الصحيح أنه لا يُدَيَّنْ فيما بينه وبين الله- عز وجل- وفيه وجه: أنه يدين.
وإيراد صاحب "الشامل" يعضد هذا الوجه؛ حيث قال قبل كتاب الرجعة: إذا حلف حالف بعد مجلس الحكم، ونوى ما يجوز أن يراد باللفظ في مجاز اللغة، تعلقت اليمين في الباطن، وأما في الظاهر: فإن كان في طلاق، لم يقبل منه، وإن كان [في] اليمين بالله تعالى، أو نذر، فالقول قوله؛ لأن ذلك لا يتعلق به حق يطالب به، فلو قال: والله لا أكلت ولا شربت، وأراد به: في مكة، أو على ظهر الكعبة، اختصت يمينه بذلك، وكذلك لو قال: نسائي طوالق، ونوى به أقاربه دون زوجاته، لم تطلق الزوجات، وكذلك لو قال: جواري أحرار، ونوى به سفنه- لم تعتق إماؤه.
وفرق القاضي الحسين بين قوله: والله لا أكلم فلاناً، ثم قال: نويت شهراً، حيث يقبل منه قوله فيما بينه وبين الله تعالى، كما نص عليه الشافعي- وبين [تقييد] دخول الدار بالنية، إلى شهر على الصحيح عنده؛ لأنه لم يتعلق به حق آدميين، بل
حق الله تعالى، [حتى لو تعلق به حق الآدميين، لا يقبل قوله فيما بينه وبين الله تعالى، مثل] أن يقول: إن كلمت فلاناً فأنت طالق، ثم قال: نويت شهراً.
وما ذكره من الفرق حسن في القبول ظاهراً كما ذكره ابن الصباغ، أما في القبول بطناً فلا.
فرع: لو قال لزوجتيه: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما طالقتان، فدخلت كل واحدة منهما إحدى الدارين، فوجهان:
أحدهما: تطلقان؛ لدخولهما الدارين.
والثاني: لا؛ لأن قضيته دخول كل واحدة منهما الدارين؛ ألا ترى أنه لو قال لواحدة: إن دخلت الدارين، اعتبر أن تدخلهما، فكذلك إذا ضمها إلى غيرها، وهذا هو الصحيح في "المهذب".
ولو قال: إن أكلتما هذين الرغيفين، فأكلت كل واحدة منهما رغيفاً، قالوا: يقع الطلاق؛ لأنه لا مساغ فيه للاحتمال الثاني، وأجرى فيه الشيخ في "المهذب" الوجهين.
قلت: ويتجه أن يكون الخلاف في هذه [المسألة] مبنياً على المسألة الأولى، وعلى مسألة تعليق الطلاق بالمستحيل، وبيانه: أنا إن قلنا في المسألة الأولى بوقوع الطلاق، فكذلك ها هنا؛ لوجود الصفة، وإن قلنا: لا يقع؛ لأن الصفة دخول كل واحدة منهما الدارين، فهنا تكون الصفة أكل كل واحدة الغريفين، وذلك مستحيل، فيتخرج وقوع الطلاق على التعليق بالمستحيل، والله أعلم.
قال: [قال في "الشامل" عند الكلام في السنة والبدعة: إذا قال لها: إذا قدم أبوك فأنت طالق، فقالت له: عجلها لي، فقال: عجلتها لك- نقل المزني في "المنثور" عن الشافعي: أنها لا تعجل].
وإن قال: إذا جاء رأس الشهر، فأنت طالق، ثم قال: عجلت لك ذلك- لم يتعجل.
وصورته- على ما حكاه البندنيجي في مذهبه- أن يقول لها: أنت طالق تلك الطلقة الساعة، وقد عجلت إيقاعها عليك الآن، وإنما كان كذلك؛ لتعلقه بالوقت المستقبل، كما لو نذر صوم يوم معين، وكما أن الجعل في الجعالة لم تعلق استحقاقه بالعمل
لم يتعجل بتعجيل المالك، وكذا حق الفسخ بالعنة لا يتعجل بتعجيل الزوج، وهذا ما حكاه ابن الصباغ والمحاملي والبندنيجي والمتولي.
وحكى القاضي الحسين في "التعليق"- والصيغة هذه- أن الطلاق يقع الآن، وإذا جاء رأس الشهر لم يقع غيره، بخلاف ما إذا قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال: عجلت لك ذلك الطلاق الآن- فإنه يقع [الطلاق]، وإذا دخلت الدار وقعت أخرى، ولم يحك في الصورتين غير ذلك.
وحكى الإمام ذلك في الصورة الأخيرة، لكن بصيغة أن الطلاق يقع في الحال، وإذا وجدت الصفة وقعت أخرى على أحد الوجهين، ثم قال: وحاصله: أن المعلق هل يقبل التنجيز أم لا؟
ومأخذ الوجهين عند بعضهم: ما إذا علق الطلاق على صفة، ثم بانت منه بالثلاث، ثم تزوجها بشرطه، [ووجدت الصفة في النكاح الثاني- فهل يقع الطلاق المعلق بالصفة؟ وفيه الخلاف الآتي.
ومنهم من قال: إنها تقع وإن لم نحكم بعود الصفة في الصورة] التي ذكرناها؛ لأن المعلق ما كان مرتبطاً بطلقة معينة، ولا خلاف [في] أنه لو علق طلقة ثم نجز طلقة مطلقة، فالتعليق لا ينحل بقوله: نجز ما علقت، [لأنه] تصرف منه في فك التعليق، وليس ذلك إلى المعلق.
وقد أشار إلى ذلك الإمام عند الكلام في عود الحنث، وذكر الفوراني أن الكلام في هذه المسألة مبني على ما إذا قال: إذا حلفت بطلاقك، فأنت طالق، ثم قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق:
قال ابن سريج: لا تطلق؛ لأن هذا ليس بيمين، وإنما هو تأجيل للطلاق.
وقال غيره: تطلق؛ لأنه يمين.
قال: فعلى هذا لو قال: إذا جاء رأس الشهر، فأنت طالق، ثم قال: عجلت تلك
الطلقة- فعند ابن سريج ينحل التعليق، ويقع ذلك الطلاق الآن، وعند غيره: يقع طلقة في الحال بقوله: عجلت، ثم إذا جاء رأس الشهر تقع أخرى.
انتهى.
قلت: وكأن ابن سريج لما [أن] قال: إنه تأجيل للطلاق، ألحقه بإسقاط الديون، ومن هذه المادة يؤخذ الفرق بين ما قاله القاضي الحسين في الصورة الأولى والثانية، من حيث إن مجيء رأس الشهر يقبل التأجيل [به]، بخلاف دخول الدار.
وفرق في "التتمة" بين ما نحن فيه وبين الدين المؤجل، حيث قلنا: بتعجيل إسقاط الأجل على أحد الوجهين- بأن هناك أصل الدين واجب، وإنما تأخرت المطالبة؛ فكان التعجيل موافقاً لمقتضى العقد، وها هنا أصل الطلاق ما ثبت، وإنما ثبت عند الشرط، فهو نظير الجعل في الجعالة؛ لما كان المجعول له لا يملك البذل في الحال، فإذا قال له الجاعل: عجلت لك الجعل المشروط، لم يتعجل استحقاقه.
قال: "وإن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم بانت منه، ثم تزوجها، ثم دخلت الدار- ففيه ثلاثة أقوال"، أي: مجموعة من القديم والجديد؛ لأن [المنقول في] القديم: أنها إن بانت بما دون الثلاث، عادت الصفة، وفي الجديد قولان.
وإن بانت بالثلاث ففي الجديد: لا تعود الصفة، وفي القديم قولان؛ فانتظم منهما الأقوال الثلاثة:
أحدها: تطلق؛ لأن التعليق والصفة وجدا معاً في الملك، وتخلل البينونة لا يؤثر؛ لأنه ليس وقت الإيقاع ولا وقت الوقوع.
والثاني: لا تطلق، وبه قال المزني وأبو إسحاق، واختاره الإمام، والشيخ- رضي الله عنه- في كتاب الخلع حيث قال: ففيه قولان، أصحهما: أنه يتخلص من الحنث، وبه أجاب القاضي الروياني، وإيراد ابن الصباغ يقتضي ترجيحه.
ووجهه المزني بأن المراد: إما أن يكون النكاح الأول أو الثاني، ولا يجوز أن يكون الثاني مراداً؛ لأنه يكون تعليق طلاق قبل النكاح؛ فتعين الأول، وقد ارتفع،
ولأنه لو قال لامرأته: إذا بنت مني ونكحتك، ودخلت الدار، فأنت طالق، أو قال: إذا دخلت [الدار] بعد ما بنت مني ونكحتك، فأنت طالق- فالذي صححه المعتبرون من الأصحاب، منهم القفال: أنه لا يقع الطلاق إذا دخلت الدار بعد البينونة والنكاح، ولا يخرج على القولين، وغلطوا من قال بتخريجه.
ولو كان الطلاق يقع في النكاح الثاني عند الإطلاق، لما امتنع التصريح بما هو مقتضى الإطلاق.
قلت: وقد يمتنع، كما إذا قال الرجل لآخر: بعتك هذا بألف إن شئت، فإن البيع لا يصح على أحد الوجهين، وإن كان عند الإطلاق لا يقبل البيع إلا إذا شاء.
وكما إذا قال الشاهد- فيما يعلم أن شهادته فيه بالاستفاضة-: مستند شهادتي الاستفاضة، قبل أن يسأل عن المستند- فإن شهادته لا تسمع على الأصح، كما حكاه ابن أبي الدم في كتابه الملقب بـ "أدب القضاة"؛ فيجوز أن يكون هذا من هذا القبيل.
والجواب عن الأول: أن الذي منع من صحة البيع صورة التعليق، وحقيقته هنا لا تعرف، والله أعلم.
والثالث: إن عادت بعد الثلاث، لم تطلق؛ لأنه استوفى ما علق من الطلاق، وهذه طلقة جديدة، وإن عادت قبلها، طلقت؛ لأن العائد الباقي من [الطلقات؛ فيعود بصفتها]، وكانت معلقة بذلك الفعل المعلق عليه، فيعود لذلك، وجعل في "التهذيب" هذا القول [أصح] المذهب، وكلام الإمام يقتضيه؛ حيث قال: والمصير إلى وقوع الحنث بعد وقوع الثلاث على نهاية البعد، حتى لا يكاد ينتظم فيه تعبير عن توجيه؛ فإن الرجل إذا علق ثلاث طلقات بوجود
صفة، فإنما علق ما يملك تنجيزه من الطلقات، فإذا نجز ما يملك فقد انحل ملكه المعلق، وكان التنجيز بمثابة الاستيفاء؛ فلا يبقى للتعليق متعلق، ويستحيل بقاء تعليق لا متعلق له.
قال: "والأول أصح"، وكذا قال المحاملي، ووجهه في "المهذب" بما ذكرناه، وقد ظهر لك بما ذكرته أن الأصح خلافه.
تنبيه: البينونة بما دون الثلاث تحصل بالطلاق قبل الدخول وبعده، بعوض أو بغير عوض، مع انقضاء العدة.
وألحق الرافعي ها هنا الردة بما ذكرناه، وحكى في آخر كتاب الإيلاء وجهين في أن فرقة الفسخ: هل هي كالفرقة بالطلاق الثلاث أو بما دونها؟
وقيد الخلاف في كتاب الظهار بفرقة انفساخ النكاح بالملك، وحكاه طريقين، وجزم البندنيجي في مذهبه بأنه كالفرقة بما دون [الثلاث]، فتعود الصفة في القديم قولاً واحداً، وفي الجديد على أحد القولين.
والله أعلم.
باب الشك في الطلاق، وطلاق المريض
الشك في الاصطلاح هو: التردد بين شيئين على السواء، والمراد به ها هنا: مطلق التردد، سواء أكان على السواء أو أحد الطرفين راجحاً، كما هو المراد فيما إذا شك هل أحدث أم لا؟
قال: إذا شك هل طلق أم لا [لم تطلق].
قال المحاملي في "المجموع": وهو إجماع.
ولأن الأصل عدمه وبقاء النكاح، وهذا كما أنه يستصحب أصل التحريم عند الشك في النكاح، وأصل الطهارة عند الشك في الحدث وعكسه، وهذا أصل ممهد في الشريعة، لا يعدل عنه إلا أن يعارضه أصل آخر [أو ظاهر]- كما تقدم، وسيأتي، إن شاء الله تعالى- وليس ذلك في كل أصل ولا ظاهر.
قال الإمام: وهذا إذا انحسم باب الاجتهاد، وطرأ الشك، فإنه يؤيد أحد الطرفين باليقين السابق، ويستصحب ما كان، فأما إذا أمكن الاجتهاد؛ كمسائل الاختلاف، نحو اختلاف العلماء في بقاء النكاح [وعدمه مثلاً؛ فإنا لا نقول: ترددنا في بقاء النكاح] وعدمه، فنستصحب الأصل الذي كان، بل الطريق فيها الاجتهاد والاعتماد على الدليل.
ثم ليعلم أن الشك تارة يكون في صورة التنجيز [ولا يخفى]، وتارة في صورة التعليق، مثل أن يقول: إن كان هذا الطائر غراباً فأنت طالق، [فطار]، ولم يعلم، وسيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
قال: "والورع أن يراجعها" أي: [إن كان] الطلاق المشكوك فيه يمكن معه الرجعة، أما إذا لم يمكن، كما إذا كان قبل الدخول مثلاً، فالورع: أن يجدد النكاح إن
كان له فيه رغبة، وإلا فينجز طلاقها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم-: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ".
قال: وإن شك هل طلق طلقة أو أكثر، لزمه الأقل؛ لأنه المستيقن، والأصل [فيه] عدم ما زاد عليه.
فإن قيل: التحريم بسبب الطلاق قد تحقق، وقد حصل الشك فيما رفعه من الرجعة، أو إصابة زوج آخر [مع] تجديد النكاح؛ فلا يرتفع التحريم مع الشك فيما يرفعه، كما إذا أصاب الثوب نجاسة ولم يعرف موضعها؛ فإنه يغسل جميعه.
قلنا: لا نسلم تحقق مطلق التحريم، بل التحريم المحقق هو ما يزول بالرجعة؛ فالزيادة عليه غير محققة، بل مشكوك فيها؛ فلم يعترض على القدر المحقق.
وأما القياس على النجاسة، فليس [وزان مسألتنا]؛ لأنه بغسل بعض الثوب لا يرتقع ما تيقنه من النجاسة؛ لأنه ليس لها قدر معلوم، [حتى] يستصحب أصل العدم فيما سواه؛ فوجب استصحابه إلى أن يتيقن الطهارة، وها هنا قدر الطلاق مرة واحدة أو اثنتين معلوم؛ فيستصحب أصل العدم فيما سواه، ووزان النجاسة من مسألتنا: أن يتحققها في طرف من الثوب، ويشك في إصابتها طرفاً آخر، وحينئذ فلا يجب غسل الموضع المشكوك فيه.
فرع: لو قال: أنت طالق طلقة أو طلقتين، طلقت طلقة؛ لأنها محققة، والزائدة مشكوك فيها؛ فلا تقع؛ لأن الأصل عدم وقوعها، قاله في "التتمة".
قال: والورع إن كانت عادته أن يطلق الثلاث؛ لأنه لو تركها من غير طلاق احتمل ألا يكون قد طلقها [فلا تحل لغيره بيقين، ولو راجعها، احتمل أن يكون قد طلقها ثلاثاً؛ فلا تحل له بيقين]، وقد قال- صلى الله عليه وسلم-: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ"، وهذا وإن كان فيه إعادة الضمير على الجملة المذكورة أولاً، والظاهر إعادة الضمير على أقرب مذكور- فالحامل عليه القرينة، وقد جاء في الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ [البقرة: 249]؛ فإن الاستثناء يعود على الشرب للقرينة، وإن كان الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور، أو إليهما جميعاً كما ذهب إليه الشافعي في آية القذف.
أما إذا تيقن أنه أوقع الطلاق، وشك هل هو طلقة أو أكثر، وكانت عادته أن يطلق الثلاث- فالورع في حقه أن يبتدئ من الطلاق ما يكمل به الثلاث مع ما تحققه، لا أن يبتدئ [إيقاع] الثلاث؛ لما في ذلك من إيقاع زيادة على العدد الشرعي ظاهراً، وهو ممنوع من ذلك.
ولفظ الشيخ في "المهذب" في هذه الصورة: وإن كان الشك في الثلاث فما دونها طلقها ثلاثاً؛ لتحل لغيره بيقين.
ونوقش في التعليل؛ لأنها حلال للغير [بيقين] على كل تقدير، وأوله بعضهم على إضمار الخطبة، وقال: تقديره: لتحل لغيره [الخطبة بطريق التعريض] بيقين؛ [لأنها قبل أن يكمل إيقاع الثلاث مشكوك في إباحتها.
وقال بعضهم: لفظ الشيخ: لتحل بغيره]- بالباء لا باللام- وهذا فيه نظر؛ لأ، فيه تغيير اللفظ من غير فائدة؛ لأنها تحل لغيره والحالة هذه، وإن لم يطلقها [ثلاثاً بيقين].
نعم، فيه فائدة، وهي أنها إذا عادت إليه بعد أن طلقها ثلاثاً، ملك عليها الثالث بيقين.
وحمله بعضهم على ما إذا اتفقت رجعة بعد حالة الشك، ثم أراد أن يفعل الورع، فإن الورع في حقه- والحالة هذه- أن يطلقها الثالثة؛ لتحل للغير بيقين؛ لأنه لو تركها، احتمل أن يكون الواقع ما دون الثلاث، فتكون الرجعة صحيحة فلا تحل، واحتمل أن الواقع الثلاث فتحل، فإذا طلقها الثالثة حلت للغير بيقين.
فرع: [لو] شك هل طلق أم لا، ثم راجعها تورعا، ثم طلقها طلقتين- فالورع أن يطلقها ثالثة؛ لما ذكرناه عن التعليل.
قال: وإن طلق إحدى المرأتين بعينها، ثم أشكلت عليه، أي: بأن طلقها في ظلمة، أو: وهي مُوَلِّيَةٌ ظهرها [إليه] أو من وراء حجاب، أو شافهها بالطلاق، أو نواها عند قوله: إحداكما طالق، ثم نسيها- وقف عن وطئها حتى يتذكر، أي: على سبيل الوجوب؛ لأن إحداهما حرمت عليه بالطلاق، والأخرى بعلة الاشتباه، كما لو اشتبهت المحرمة عليه بالرضاع مثلاً بغيرها؛ فإنه يمنع من [نكاحهما جميعاً]، هكذا أشار إليه في "الشامل" وغيره.
ولو فرق بينهما بأن: ثم الأصل التحريم، وقد شككنا في جواز الإقدام؛ فرجعنا إلى الأصل، وها هنا الأصل في كل واحدة منهما الإباحة، وقد شككنافي المحرم، فيستصحب الأصل- لكان له وجه، ولكن هذا المعنى موجود في مسألة الأواني، ومع هذا فلا يجوز الإقدام على واحد منهما من غير اجتهاد على المذهب، مع أن الاختلاط في الأبضاع محال، ولأنه قد يؤدي إلى إباحة وطء كل واحدة منهما مع تحقق تحريم وطء إحداهما.
فإن قيل: قد حكى الشيخ في باب الرضاع: إذا وطئ رجلان امرأة، فأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما، فارتضع طفل بلبنه، ثم مات الولد قبل أن يتبين نسبه من أحدهما، وأراد المرضع أن يتزوج ببنت أحد الرجلين- أنه ليس له ذلك على وجه، وهو وزان ما ذكره هنا، [وعلى وجه: يجوز أن يتزوج بنت أحدهما،
فإذا تزوجها حرمت عليه بنت الآخر، فهل للأخرى مثل هذا الوجه هنا]، وكأن وطأه لإحداهما يعين الطلاق من الأخرى؟
قلنا: لو قيل به لزم أن يجعل الوطء تعينا للطلاق في الأخرى والنكاح فيها، والوطء لا يكون تعيناً، كما سيأتي بيانه.
فرع: هل يطالب بالبيان، والحالة هذه قبل التذكر؟
ينظر: إن صدقناه في النسيان فلا مطالبة، ولا مدخل للقاضي في ذلك.
وإن كذبناه، وبادرت واحدة وقالت: أنا المطلقة- لم يقنع منه [في] الجواب بأن يقول: نسيت، أو: لا أدري، وكان ما يقوله محتملاً، ولكن يطالب بيمين جازمة على أنه لم يطلقها، وإذا حلف، تعين الطلاق في الأخرى، وإن أقر، تعينت الأخرى للنكاح، قاله البغوي.
وإن نكل، حلفت، وقضي باليمين المردودة، هكذا حكاه الإمام وغيره على ما حكاه الرافعي، وألطق صاحب "التتمة" و"الشامل": أنه يطالب بالبيان، ولم يتعرضا لهذا التفصيل، ولعله محمول عليه.
وحيث قلنا: إنه يحلف يميناً جازمة، فذلك إذا وقع الطلاق على إحداهما بإيقاعه، أما إذا قال: من دخلت الدار منكما فهي طالق، ودخلت إحداهما، وقالت كل واحدة: أنا دخلت- فإن ها هنا يحلف على نفي العلم، ثم لا يكون الحلف بذلك إقراراً للثانية [بالدخول]، بل يحلف للثانية- أيضاً- كذلك، قاله [البغوي و] الفوراني في "الإبانة".
ثم هذا كله إذا كان الطلاق بائناً، فلو كان رجعياً، فهل يلزمه أن يبين؟ وهكذا فيما إذا كان الطلاق مبهماً هل يلزمه أن يعين؟ فيه وجهان.
حكاهما الإمام، وأن الأصح منهما: أنه لا يلزمه؛ لأن الرجعية زوجة.
[فرع] آخر: إذا قال: على الطلاق، وله زوجات، ونوى- قال في "الذخائر": يقال له: بين، فإن أراد به واحدة معينة، كان كقوله: زوجتي طالق؛ فإنه يقع على واحدة
منهن، وعليه البيان، وإن أراد: من جميعهن، طلقت كل واحدة طلقة، كقوله: زوجاتي طوالق، ولابد من النية، حكاه قبل باب الاستثناء.
قال: فإن قال: هذه، لا بل هذه- طلقتا؛ لأن [هذا البيان] بيان إقرار وإخبار عن التي طلقها، فإذا قال ذلك فقد أقر بطلاق الأولى، ثم رجع عنه، وأقر بطلاق الثانية، فقبل ما أقر به ثانياً، ولم يقبل رجوعه عن طلاق الأولى، وألحق القاضي الحسين بهذه الصورة في الحكم والتعليل، ما إذا قال: هذه وهذه، وكذا إذا قال: هذه بعد هذه، وهو المذكور في "التهذيب"، بخلاف ما إذا قال: هذه بعد هذه، [أو: هذه] ثم هذه، أو: هذه فهذه؛ فإن الأولى تطلق دون الثانية، وفرق في "التهذيب" بينهما بأن هذه الحروف للتعقيب؛ فلا تصلح للإيقاع، وحرف الواو للعطف، و [حكم المعطوف] حكم المعطوف عليه، وبل معناه ما ذكرناه.
واعترض الإمام على ذلك، فقال: كيفما قدر موجب الكلام ففي قوله: هذه ثم هذه، اعتراف بالطلق فيهما؛ فليكن الحكم كما في قوله: [أردت] هذه وهذه.
قال الرافعي: والحق الاعتراض.
وحيث حكمنا بالوقوع عليهما، فذاك فيما يتعلق [بحكم الظاهر]، فأما فيما بينه وبين الله- تعالى- فالمطلقة هي التي نواها، وعينها لا غير، وقد أشار إلى ذلك الشيخ في "المهذب" بقوله في الحكم: وصرح به الإمام، ثم قال: حتى لو قال: إحداكما طالق، ونواهما جميعاً، فالوجه عندنا: أنهما لا تطلقان، ولا يجيء فيه التردد المذكور فيما إذا قال: أنت طالق واحدة، ونوى ثلاثاً؛ لأن حمل إحدى المرأتين عليهما جميعاً لا وجه له، وهناك يتطرق إلى الكلام تأويل بيناه.
قلت: وهذا من الإمام بناءً على المذهب الصحيح في أن الإقرار بالطلاق من غير أن يصدر منه في نفس الأمر طلاق، لا يكون إنشاء للطلاق.
أما إذا قلنا: إنه يكون إنشاء للطلاق، كما قاله الشيخ أبو محمد تخريجاً من أن الإقرار بالرجعة في زمن الرجعة [رجعة]- فتطلق [في] الباطن أيضاً.
فروع:
لو كانت الزوجات ثلاثاً، فقال: هذه بل هذه بل هذه، طلقن؛ لما ذكرناه.
ولو قال: هذه [بل هذه أو هذه]، فقد طلق الأولى، وأبهم الطلاق في الثانية والثالثة؛ فيكلف البيان.
ولو قال: هذه أو هذه، لا بل هذه، فقد طلق الثالثة وأبهم الطلاق في الأولى والثانية؛ فيكلف البيان.
ولو قال: [طلقت] هذه أو هذه وهذه، قال أبو العباس: فقد أبهم الطلاق في الأولى والثانية، وطلق [الثالثة]؛ لأن معنى قوله: وهذه، أي: وطلقت هذه.
قال البندنيجي: قال الشيخ- كأنه يشير إلى الشيخ أبي حامد-: ظاهر الكلام غير ذلك، بل أبهم الطلاق بين الأولى، [والثالثة] والثانية؛ لأن قوله: وهذه، معناه: طلقت هذه أو هاتين، ولو قال: عينت هذه أو هذه وهذه، فجعله من جزأين، جعل الأولى جزءاً والثانية والثالثة جزءاً- قال القاضي الحسين في "التعليق": يقال له: بين، فلو بين الأولى، وقع عليها الطلاق، ولا يقع على الباقيتين، ولو بين واحدة من الجزء الثاني، يقع عليها الطلاق، دون الأولى، وهذا إذا أراد بقوله: وهذه، وصلا بالثالثة، فأما إذا قال: أردت بقولي: أو هذه، وصلا بالأولى، يقع الطلاق على الثالثة، ويقال له: بين إحدى الأوليين، فلو قال: هذه، ووقف ساعة مديدة، ثم قال: وهذه أو هذه- يقع الطلاق على الأولى دون الثانية والثالثة.
قال: "وإن وطئ إحداهما لم يتعين الطلاق في الأخرى"، علل الأصحاب ذلك بأن الطلاق لا يقع بالفعل؛ فكذلك بيانه، ولأنه لو وطئها لم يكن بياناً للطلاق، ولو
كان بياناً لوقع الطلاق عليها، كما لو قال لكل واحدة [منهما]: هذه المطلقة؛ فإنهما تطلقان.
ووجهه البندنيجي: بأن هذا البيان إخبار عن التي طلقها، والفعل لا يقع بالخبر، وإذا بين الطلاق في الموطوءة، وجب [عليه] المهر؛ لجهلها بأنها المطلقة، وأما الحد: فإن كان عالماً بأنها المطلقة، وكان الطلاق بائناً- وجب، وإلا فلا.
وإن بينه في غير الموطوءة، قبل؛ فلو ادعت الموطوءة أنه أرادها حلف، فإن نكل حلفت، وحكم بطلاقها، وعليه المهر، ولا حد للشبهة؛ فإن الطلاق يثبت في الظاهر باليمين، هكذا قاله الرافعي.
قلت: وفي سماع دعواها على الإطلاق نظر، بل كان ينبغي أن يقال: إن علمت بالطلاق، ثم مكنته من الوطء فلا تسمع دعواها، كما إذا زوجت المرأة برضاها أو بدونه من رجل، ثم مكنته من الوطء، وادعت بعد ذلك أن بينها وبينه رضاعاً محرماً- فإنا لا نسمع دعواها على المذهب، إلا أن تبدي عذراً، فتسمع، على احتمال أبداه الغزالي.
وإن لم يعلم بالطلاق، بأن يكون قد نوى المطلقة، ولم يظهر لها بالقرائن أنه نواها، أو عرفت ذلك ولكن وطئت مكرهة- فإنه تسمع دعواها، ولعل الإطلاق محمول على ذلك.
قال: وإذا عين وجبت العدة من حين الطلاق؛ لأنه وقت وقوعه.
هذا هو الظاهر، وخرج فيه قول آخر أنها تعتد من حين التعيين.
قال الإمام: وبنى الأصحاب هذين القولين-[الظاهر، والمخرج: أنه تعتد- على القولين] في المستفرشة بالنكاح الفاسد إذا فرقنا بينهما، فالعدة تعتبر من آخر وطأةٍ، أو من وقت التفريق بينهما؟
ووجه الشبه: أن الأمر ملتبس، واختلف القول في تاريخ ابتداء العدة كذلك إذا لم يبين، والأمر ملتبس في ظاهر الأمر مع كل واحدة، فإذا فرض البيان، كان هذا كالتفريق.
قال الإمام والقاضي: والأصح الفرق بينهما، وذلك أن في تلك المسألة افترشها؛ فالعدة من وقت التفريق، وها هنا لم يفترشها؛ فإنه يمنع عن النساء.
وفي "الذخائر" عن "الحاوي" حكاية وجه آخر: أن الطلاق يقع من حين التبين، ونقل عنه: أنه ليس بشيء، فلأجل ذلك لم يفرع عليه.
فرع: حيث حكمنا بوقوع الطلاق عليهما فيما إذا قال: هذه بل هذه- وما شابه ذلك- قال الجيلي: تكون عدة الأولى من حين الطلاق، والثانية من حين اللفظ؛ لأنه لما أن قال: هذه، أخبر بأنها مطلقة من قبل، ثم لما [أن] قال: بل هذه، أخبر بطلاقها؛ فتطلق من هذا الوقت.
وما قاله لم أره لغيره، وفيه نظر؛ لأنه لما قال: [بل] هذه، أضرب عن [الأولى]، واعترف بأن هذه هي المطلقة باللفظ الأول؛ فينبغي أن تكون عدتها أيضاً من وقت الطلاق؛ لما قلناه.
[قال: "والنفقة عليه إلى أن يعين"؛ لأنهما محبوستان بعقد النكاح، وأبدى القاضي الحسين في "النفقات" احتمالاً آخر فيما إذا عين: أنه لا نفقة عليه].
قال: "وإن طلق إحداهما لا بعينها" أي: مثل أن قال: إحداكما طالق، أو إحدى زوجتي طالق، ولم يَنْوِ بقلبه واحدة منهما، ولا أشار إليها- "لزمه أن يعين" أي: على الفور؛ لرفع حبسه عمن زال ملكه عنها، فلو أَخَّرَ، عَصَى وَعُزِّرَ؛ كما إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة وأسلمن [معه].
والتعيين يحصل بأن يقول: هذه المطلقة، أو: هذه [هي] [التي] تبقى في قيد النكاح، ولو كانت النسوة ثلاثاً، وأشار إلى اثنتين منهن، فقال: من أردته بالطلاق في هاتين- انحصر الاختيار فيهما، وعليه أن يعين واحدة منهما، حكاه الإمام والرافعي في "نكاح المشركات".
قال: فإن قال: هذه، لا بل هذه، طلقت الأولى دون الثانية؛ لأن التعيين ها هنا ليس إخباراً عما سبق؛ وإنما هو إنشاء اختيار، وليس له إلا اختيار واحدة؛ فيلغو اختيار ما بعدها، ولا فرق في ذلك بين أن يوقع الطلاق عند التعيين، أو يسنده إلى وقت إطلاق اللفظ المبهم- على ما سيأتي- لأنا وإن أسندناه، فلا نجعل التعيين إخباراً، وإنما هو إنشاء تتمة اللفظ، ويخالف الحالة الأولى؛ فإنه يخبر هناك عن أمر سابق، ويجوز أن يكون صادقاً في الخبر الأول، وكذلك في الثاني، فإذا اجتمع الإقراران لم يكن بد من الواحدة بهما.
فرع: لو قال: امرأتي طالق، وله امرأتان، وأشار إلى إحداهما، ثم قال: أردت الأخرى- فهل يقبل منه؟ فيه وجهان، حكاهما الرافعي عن أبي العباس الروياني:
أحدهما: يقبل ذلك منه؟
والثاني: تطلقان.
قال: "وإن وطئ إحداهما، تعين الطلاق في الأخرى على ظاهر المذهب"؛ لأن هذا تعيين شهوة واختيار؛ فصح بالوطء، لدلالته على شهوته واختياره، ولأن الظاهر من حال المسلم أنه إنما يطأ من يحل له وطؤها؛ فصار كوطء الجارية المبيعة في زمن الخيار؛ فإنه يكون فسخاً من البائع، أو إجازة من المشتري، كذا قاله الإمام [، وهذا ما اختاره المزني، وصححه الشيخ في "المهذب"، والبغوي]، والقاضي ابن كج، وقال أبو إسحاق- على ما حاكه عنه البندنيجي-: إنه المذهب.
وكذلك
قاله المحاملي في "المجموع"، وأن سائر الأصحاب صاروا إليه.
قال: "وقيل: لا يتعين"، وهذا اختيار أبي علي بن أبي هريرة، وادعى ابن الصباغ والمتولي: أنه ظاهر المذهب كما في المسألة قبلها، ولأن ملك النكاح لا يحصل بالفعل ابتداء؛ فلا يتدراك بالفعل، وكذلك لا تحصل الرجعة [بالوطء]، ويخالف وطء الجارية المبيعة بشرط الخيار؛ فإن ملك اليمين يحصل بالفعل ابتداء؛ فجاز أن يتدارك بالفعل.
وبنى القفال هذا الخلاف على الخلاف في أن الطلاق بعد التعيين متى يقع، على ما سيأتي:
فإن قلنا: إنه يقع عند اللفظ، فالوطء يتعين.
وإن قلنا: [يقع] عند التعيين، فالفعل لا يصلح موقعاً، وعلى ذلك جرى الغزالي وصاحب "التتمة".
وقضيته: أن يكون الراجح: أن الطلاق يقع [عند] اللفظ، وهو ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب، والروياني وآخرون، وعليه يدل كلام الشيخ في المسألة التي تلي هذه [المسألة]، ورجح أبو علي القول الآخر، وقال: إنه ظاهر المذهب.
التفريع:
إن جعلنا الوطء تعييناً، فلا مهر للموطوءة، وإلا فيطالب بالتعيين، فإن عين الطلاق في الموطوءة، وجب المهر، على ما حكاه في "المهذب" و"التهذيب".
وقال الرافعي: هذا إذا قلنا بوقوع الطلاق عند اللفظ، فإن قلنا بالوقوع عند التعيين، فقد حكى الفوراني: أنه لا يجب، وذكر فيه احتمالاً آخر؛ أخذا من
وجوب المهر على من وطئ الرجعية، قال: وهذا البناء على طريقة القفال يظهر أنه غير منتظم؛ لأنا حيث قلنا: إن الوطء تعيين، فذاك بناءً على أن الطلاق يقع حين اللفظ، وحيث قلنا: إنه لا يكون تعييناً، [فذاك بناءً على أن الطلاق يقع عند التعيين، وإذا كان كذلك، لم يحسن القول بأنا إن قلنا: إنه لا يكون تعييناً]، وعين الطلاق بعد ذلك في الموطوءة؛ فإن وجوب المهر ينبني على أن الطلاق يقع حين اللفظ أو حين التعيين، بل يتجه القطع بأنه لا يجب المهر على القولين جميعاً، كما ذكره القاضي الحسين في "التعليق".
نعم، إن كان الخلاف في أن الوطء هل يكون تعييناً أم لا، غير مبني على ما قاله القفال- استقام هذا الكلام، والله أعلم.
فرعان:
أحدهما: هل يقوم سائر الاستمتاعات مقام الوطء [في التعيين]؟ فيه وجهان؛ بناءً على الخلاف في أن المباشرة فيما دون الفرج هل تحرم الربيبة؟
الثاني: هل يمنع من وطء ابنتها؟
قال: البندنيجي في "مذهبه" وابن الصباغ في "شامله" وغيرهما: إن قلنا: إن الوطء تعيين، لم يمنع، وإلا فيمنع، قال البندنيجي [في "التعليق"]: وهو ظاهر كلام الشافعي.
وكذلك حكاه القاضي الحسين في "التعليق).
وفي "الرافعي": أن الأكثرين أطلقوا القول بالمنع منهما جميعاً، وقضية ما ذكرناه من أن المذهب أن يكون تعييناً [أنه لا يمنع].
هذا ما وقفت عليه في كتب أصحابنا، ورأيت في كتاب الوزير ابن [هبيرة- الذي حكى فيه ما أجمع عليه الأئمة الأربعة وما اختلفوا فيه-: أن] ابن أبي هريرة من أصحابنا قال: إذا طلق واحدة من زوجاته لا بعينها أو بعينها، طلاقاً رجعياً، ثم
نسيها- أنه لا يحال بينه وبين وطئهن، وله أن يطأ أيتهن شاء، وإذا وطئ واحدة، انصرف الطلاق إلى غير الموطوءة، وهذا بخلاف ما حكيته من قبل، والله أعلم.
قال: وإذا عين، أي: إما بالقول، أو بالوطء إن رأيناه، وجبت العدة من حين الطلاق، وقيل: من حين التعيين، والأول أصح.
وهذا الخلاف مبني على الخلاف في أن الطلاق متى يقع؟ وفيه قولان على ما حكاه القاضي، ووجهان على ما حكاه الرافعي:
أحدهما: أنه يقع من حين اللفظ؛ لأنه جزم بالطلاق ونجزه؛ فلا يجوز تأخيره، إلا أن محله غير معين، فيؤمر بالتعيين ولأن التعيين يبين التي اختارها للنكاح؛ فيكون اندفاع الأخرى باللفظ السابق؛ كما أن التعيين فيما إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة لما تبين به من يختارها للنكاح كان اندفاع [نكاح الأخريات] بالإسلام السابق.
والثاني: من حين التعيين؛ لأنه لو وقع قبل التعيين لوقع لا في محل، والطلاق شيء معين؛ فلا يقع إلا في محل معين، ولكن قول الزوج: إحداكما طالق، جَزْمٌ منه بالإيقاع؛ فاقتضى إيقاع الحيلولة؛ فإن الطلاق وإن لم يتم قد صدر صدوراً لا يرد؛ فلم يستقل ليقع، ولم يعلق لينتظر متعلَّقه؛ فكان مقتضاه إلزام الزوج إتمامه ولو بعد حين، فإذا أتمه إذ ذاك، وقع؛ فكأنه أوجب الطلاق ولم يوقعه، وقد يعبر عن هذا الخلاف بأن إرسال اللفظ المبهم إيقاع طلاق، أو التزام طلاق في الذمة؟ وقد صرح بذلك القاضي في "التعليق".
فإن قلنا: إنه طلاق موقع، فالطلاق يقع من وقت اللفظ، وحكم العدة كذلك.
وإن قلنا بالثاني، فالطلاق يقع من وقت التعيين، وتعتد من ذلك الوقت.
وقال ابن أبي هريرة: الطلاق يقع من حين اللفظ، والعدة من حين التعيين؛ فإن العدة قد تتأخر عن الطلاق، كما لو وطئت بشبهة بعد الطلاق، كذا حكاه البندنيجي عنه، وهو كالوجه المخرج في المسألة الأولى.
وقال الإمام: هو هو.
وحكى عن القاضي الحسين تشبيه الخلاف في وقت وقوع الطلاق، بالخلاف في أن القسمة بيع أو [إفراز حق] وقرره، ثم قال: وقد بالغ القاضي في استنباط ذلك، وأحسن في الإيضاح بأن الدار كانت على الشيوع حسّاً، كما جرى اللفظ على الإبهام فيما نحن فيه، وتمييز الحصة ثم كتعيين المطلقة والزوجة ها هنا، واستناد التبيين ثم أحرى كاستناد وقوع الطلاق ها هنا، والمصير ثم إلى أن القسمة هي المفيدة للتخصيص على الابتداء بمثابة مصيرنا إلى أن التعيين هو الذي يفيد الوقوع متصلاً به غير مستند إلى اللفظ.
قال: "والنفقة عليه إلى أن يعين"، أما إذا قلنا بأن الطلاق يقع من حين التعيين؛ فلبقائهما على الزوجية، وأما إذا قلنا بالقول الآخر؛ فلما قدمناه.
قال: فإن ماتت المرأتان قبل التعيين، أي: وكان الطلاق بائناً، وقف من مال كل واحدة منهما نصيب الزوج، أي إلى أن يعين في هذه المسألة، ويبين في المسألة الأولى؛ لأنه قد ثبت إرثه من إحداهما بيقين.
قال البندنيجي: وهذا يبين فساد قول من ذهب إلى أن الطلاق يقع حين التعيين؛ فإنه لو كان كذلك لما صح التعيين بعد الموت، وفي "الإبانة" حكاية وجه: أنه ليس له التعيين بعد الموت؛ بناءً على أن الطلاق يقع من حين التعيين، ومال إليه [البندنيجي، و] الشيخ أبو محمد، وقال تفريعاً عليه: إنه يرثهما جميعاً.
فعلى هذا: لا وقف عند إبهام الطلاق.
ولو ماتت إحداهما ففي "الإبانة": أنه إن عين الطلاق في الحية صح، وإن أراد أن يعين [الميتة] بالطلاق فعلى ما ذكرناه.
وقال الشيخ أبو محمد: يتعين الطلاق في الأخرى.
قال الإمام: وهو لعمري سديد لو صح الأصل، ولكن ما ذكره الشيخ- يعني والده- إظهار مَيْلٍ، وما أجمع عليه الأصحاب أن التعيين لا ينحسم بالموت.
[قلت: وهذا بخلاف ما لو قال: إحداكما طالق غداً، فماتت إحداهما، أو طلقها
قبل الغد، فإن الأخرى لا تطلق، ولا يطالب بالتعيين؛ لأنه أوقع طلاقاً، وهو مخير فيه، وقد بطل فيه التخيير بموت إحداهما وطلاقها؛ فلم يصح، كذا قال القاضي أبو الطيب في كتاب "الأيمان"].
نعم، [في مسألتنا] إذا قلنا: إن الطلاق يقع عند التعيين فمتى [يقع] ها هنا؟
المذهب الأصح: أنه يستند إلى وقت اللفظ- أيضاً-[فارتفع الخلاف].
ومن أصحابنا من قال: يستند إلى ما قبل الموت؛ كحكمنا فيما إذا تلف المبيع قبل القبض.
وهذا أرجح عند الغزالي.
وإذا [عين أو بين] لم يرث من المطلقة شيئاً، سواء قلنا بوقوع الطلاق عند اللفظ أو [عند التعيين]، قال صاحب "التتمة" [وغيره]: لأن الإيقاع سابق وإن كان الوقوع حينئذ، وأما الأخرى [فيرث منها.
ثم إن كان قد نوى معينة وبين، فقال ورثة الأخرى]: هي التي أردتها بالطلاق فلا إرث لك- فلهم تحليفه [كما كان لمورثهم تحليفه،] فإذا حلف فذاك، وإن نكل حلفوا، وحرم ميراثها أيضاً.
وإن لم ينو معينة وعين، فلا يتوجه عليه لورثة الأخرى [دعوى]؛ كما لا يتوجه لمورثهم.
فرع: قال القاضي ابن كج: إذا حلفه ورثة التي عينها للنكاح، أخذوا جميع المهر إن كان بعد الدخول، فإن كان قبله أخذوا نصفه، وفي النصف الثاني وجهان:
أحدهما: يأخذونه- أيضاً- إمضاء للحكم على موجب تصديقه.
والثاني: المنع؛ لأنها مطلقة قبل الدخول بقولهم.
قال: وإن مات الزوج، وقف [لهما] من ماله نصيب زوجة، أي: إلى أن يبين الوارث إن رأينا ذلك، أو يصطلحا إن لم نره- على ما سيأتي- لأنه قد ثبت إرث إحداهما بيقين، وهذا إذا كانت كل واحدة من الزوجتين بصفة
الوارثة منه، أما إذا كانت إحداهما كتابية، والأخرى والزوج مسلمان: فهل يوقف نصيب زوجة أم لا؟ فيه وجهان، تقدم نظيرهما في "نكاح المشركات"، ومختار صاحب "الشامل": الوقف، وبه جزم جوابه في كتاب "الاستبراء".
قال: فإن قال الوارث: أنا أعرف الزوجة، فهل يرجع إليه؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ كما يخلفه في سائر الحقوق من الرد بالعيب وحق الشفعة وغيرهما، ويقوم مقامه في استحقاق النسب.
والثاني: [لا]؛ لأن حقوق النكاح لا تورث، ولأنه إسقاط وارث؛ فلا يمكن الوارث منه لنفي النسب باللعان.
قال: "وقيل: يرجع إليه في الطلاق المعين"؛ لأن البيان فيه إخبار، وقد يعرف إرادة المورث، ويطلع عليها بخبر أو قرينة.
"ولا يرجع [إليه] في الطلاق المبهم"؛ لأنه اختيار يصدر عن شهوة؛ فلا يخلفه الوارث فيه؛ كما لو أسلم [الكافر] على أكثر من أربع نسوة، ومات قبل الاختيار.
وهذا القول أخذ من اختلاف الطرق [في محل القولين المتقدم ذكرهما]؛ [إلا أن] من أصحابنا من قال: محلهما الطلاق المعين، أما الطلاق المبهم فلا يقوم الوارث فيه مقام المورث، قولاً واحداً، وهذا أصح عند البندنيجي.
ومنهم من قال: محلهما على الإطلاق، سواء كان الطلاق في معينة أو مبهماً، وإلى ذلك ذهب أبو إسحاق، وفي طريقة المراوزة: أن من أصحابنا من قال: محلهما إذا كان الطلاق مبهماً، أما إذا كان في معينة فله التعيين قولاً واحداً.
فانتظم من مجموع ذلك الخلاف المذكور، وفي "الجيلي": أن من فصل لم يثبت للشافعي في المسألة [الأولى] قولين، بل جعل جوابه المختلف منزلاً على حالين: فحيث قال: يرجع إليه، أراد: ما إذا كان الطلاق في معينة، وحيث قال: لا يرجع إليه، أراد: ما إذا كان الطلاق مبهماً.
وحكى القفال في أصل المسألة طريقة قاطعة- والصورة هذه-: أنه لا يرجع إلى تعيين الوارث قولاً واحداً، سواء كان الطلاق في معينة أو مبهماً؛ لأنه لا غرض له في
ذلك؛ فإن الحال لا يختلف بين أن يخلف زوجة أو أكثر، واستحسنها الإمام، ولم يحك في "الإبانة" غيرها.
وحكم موت الزوج بعد موتها حكم موته قبلها، إلا على طريقة القفال؛ فإن الإمام حكى عنه ما يخالفه؛ لأنه قال: قد يظهر غرض الوارث في التعيين أن يكون ميراثه من أحدهما أكثر، وقد يكون له غرض في عين من أعيان التركتين، واستبعده الإمام وَضَعَّفَهُ.
وقال: لا ينبغي أن يكون إلى إقرار الوارث التفات أصلاً.
قال: وإن ماتت إحداهما، ثم مات الزوج، ثم ماتت الأخرى- رجع إلى وارث الزوج، فإن قال: الأولى مطلقة والثانية زوجة، قبل منه، أي: وإن كذب، من غير يمين؛ [إذ لا تهمة]؛ لأنه أقر بما يضره من وجهين:
أحدهما: حرمان الزوج من ميراث الأولى.
والثاني: شركة الأخرى في إرثه.
قال: وإن قال: الأولى زوجة، والثانية مطلقة: فهل يقبل؟ فيه قولان، أي: الذي سبق ذكرهما، هذه طريقة الشيخ أبي حامد، وقال: إنه إنما يوجد القولان منصوصين في هذه الصورة، ومنهما أخذ الخلاف في سائر الصور.
قال الرافعي: وكذلك عبر معبرون عن [هذا] الخلاف بالوجهين.
قلت: وإذا كان كذلك ظهر أن الخلاف المذكور أولاً في محل القولين جار ها هنا، بل هو مستنبط من هاهنا، وقد صرح الفوراني بجريانه.
وقال القاضي أبو الطيب في هذه المسألة: إنا إن قلنا: لا يقبل بيان الوارث، وقف ميراثه من الأولى، وميراثه الثانية منه حتى يصطلح الورثة جميعهم، وإن قلنا: يقبل، فإن قال: إن الثانية الزوجة، قبل بلا يمين، وإن قال: إن الثانية المطلقة، فالقول قوله مع يمينه.
وهذه الطريقة هي المنقولة في "الإبانة".
قال الشيخ أبو نصر: والأولى أولى.
قال الرافعي: والأظهر حيث اتفقت الطريقان على إثبات الخلاف في قيام الوارث
مقام الموروث، وحيث اختلفت- المنع.
واعلم أن التصوير بموت الأخرى بعد موت الزوج لا يظهر له فائدة فيما نحن فيه؛ فإن هذا الحكم ثابت وإن لم تَمُتْ.
نعم، يظهر أثره في العدة؛ فإنها إذا كانت حية وجب عليها أن تعتد بأقصى الأجلين: من أربعة أشهر وعشر، ومن ثلاثة أقراء، على ما سنذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
قال: فإن قلنا: لا يرجع [إليه]، وقف الميراث حتى يصطلحا عليه؛ لتعذر البيان.
وهكذا الحكم فيما لو قال الوارث: لا أعلم، وقلنا: يرجع إليه، والمراد بالميراث الموقوف ها هنا: نصيب [الزوج أو الزوجة خاصة، ففي المسألة الأولى، يوقف قدر نصيب] زوجة من ميراث الزوج إلى أن يصطلح عليه الزوجان أو ورثتهما، أو إحدى الزوجتين وورثة الأخرى إن كانت قد ماتت، ويوقف في المسألة الثانية قدر نصيب الزوج من تركة الميتة أولاً حتى يصطلح عليه ورثتها وورثة الزوج، ويوقف قدر نصيب زوجة من تركة الزوج حتى يصطلح عليه ورثة الزوج وورثة الزوجة الثانية.
وإن قلنا: يرجع إلى الوارث، فإن صدقوه فلا كلام، وإن كذبوه، قال ابن يونس: إن كان في صورة البيان، حلف لورثة الأولى: إنه لا يعلم أنه طلقها، وأخذ ميراث الزوج، وحلف لورثة الثانية: إنه طلقها، وسقط ميراثها من الزوج، وإن كان في صورة الإبهام لم يحلف كالزوج.
وهذا آخر كلامه، ولم يتعرض لحكم اليمين في المسألة الأولى، والذي يقتضيه الفقه: أنه لا يحلف وجهاً [واحداً]، سواء كان في صورة البيان أو [في] صورة الإبهام: أما في صورة الإبهام فظاهر، وأما في صورة البيان؛ فلأنه لا يثبت لنفسه بيمينه حقّاً، ولا يدفع عنها ضرراً، فلو حلف لكانت فائدة يمينه راجعة إلى الزوجة الأخرى، وذلك خلاف قاعدة الأيمان.
فرع: لو شهد عدلان من الورثة بأنه طلق فلانة، وكانتا حيتين تقبل شهادتهما، فأما إذا ماتت إحداهما: فإن شهدا أنه طلق الميتة قبلت شهادتهما، وإن شهدا أنه طلق
الحية لم تقبل؛ لأنهما متهمان.
قال: وإن قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق، رجع إليه، فإن قال: أردت الأجنبية، قبل منه، أي: مع اليمين.
وهذا نصه في "الإملاء" و"الأم" جميعاً، على ما حكاه البندنيجي؛ لأن الكلمة مترددة بينهما محتملة هذه وهذه، فإذا قال: عينتها، صار كما لو قال لأجنبية: أنت طالق.
وقيل: لا يقبل منه، وتطلق زوجته؛ لأنه أرسل الطلاق بين محله وغير محله، فينصرف إلى محله؛ لقوته وسرعة نفوذه، وصار كما لو أوصى بطبل من طبوله، وله طبل حرب وطبل لهو، تنزل الوصية على طبل الحرب؛ تصحيحاً لها، والطلاق أقوى وأولى بالنفوذ من الوصية، والأول هو الصحيح، والذي أورده أكثر الأصحاب، ووجهه ما ذكرناه.
وأما القياس على الوصية فغير صحيح؛ لأن الكلام في الوصية عند الإطلاق، ونحن نقول بأنه عند الإطلاق يقع الطلاق هنا- أيضاً- على الزوجة، وقد صرح بذلك الفراء في "فتاويه" أيضاً.
فرع: لو كانت زوجته مع أمته، فالحكم كما لو كانت زوجته مع أجنبية، ولو كان معها رجل أو دابة، فقال: عنيت الرجل أو الدابة، لم يقبل؛ لأنه ليس لهما محلية الطلاق.
قال: وإن كانت له زوجة اسمها زينب، فقال: زينب طالق، [ثم قال]: أردت أجنبية اسمها زينب- لم يقبل في الحكم، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى.
هذا هو المشهور، وفرق الأصحاب بين هذه الصورة والصورة السابقة:
بأن قوله: [زينب طالق، صريح في أنه ما طلق إلا واحدة، والمرأة الأخرى التي تسمى] زينب ما شاركتها في هذا الاسم لفظاً، وإنما شاركتها من حيث إن الاسم يصلح لها، والظاهر أن المراد الزوجة في العادة؛ فلا يقبل منه غير ذلك، وليس كذلك إذا قال: إحداكما طالق؛ لأن كل واحدة منهما شاركت [الأخرى] لفظاً؛ فلهذا قبل
قوله [فيما نواه].
وبأن قوله: إحداكما، يتناولهما تناولاً واحداً، ولم يوجد منه تصريح باسم زوجته ولا وصف ولا إشارة بالطلاق إليها، وها هنا صرح باسم زوجته، والظاهر أنه يطلق من الزينبات زوجته لا غير؛ فإن قوله: زينب طالق، ليس بصريح في واحدة منهما، وإنما يتناولهما من جهة الدليل، وهو الاشتراك في الاسم، ثم يقابل هذا الدليل دليل آخر، وهو أنه لا تطلق غير زوجته؛ فصار اللفظ في زوجته أظهر، فلم يقبل خلافه.
وقوله: إحداكما، صرحي فيهما، وإنما يصرف إلى زوجته بقرينة الزوجية، فإذا صرف هذا إلى الأجنبية فقد صرفه إلى ما يقتضي تصريحه، فقبل منه.
وعن حكاية الشيخ أبي عاصم العبادي واختيار القاضي أبي الطيب وغيرهما: أنه يصدق بيمينه، كما في الصورة السابقة؛ لأن التسمية تحتمله، والأصل بقاء النكاح.
وفي "فتاوى" القفال: أن زوجته لو قالت له: طلقني، واسمها فاطمة، [فقال: طالق فاطمة] ثم قال: أردت: فاطمة أخرى- لم يقبل، ويقع الطلاق عليها، بخلاف ما إذا قال ابتداء: طلقت فاطمة، ثم قال: أردت امرأة أخرى.
وقال إسماعيل البوشنجي: إن قال: زينب طالق، وقال: أردت الأجنبية- يقبل، وإن قال: طلقت زينب، وقال: أردت الأجنبية- لا يقبل؛ لأن هذا إنشاء للطلاق، والإنسان إنما يطلق امرأة نفسه دون الأجنبية، وقوله: أنت طالق، إخبار محتمل.
قال الرافعي: ولا قوة لهذا الفرق.
فرعان:
لو قال لأم زوجته: ابنتك طالق، ثم قال: أردت: البنت ليست لي بزوجة، صدق، قاله الرافعي في الفروع آخر الطلاق.
لو قال: نساء المسلمين طوالق، لم تطلق زوجته، على ما حكي عن القفال، وعن غيره: أنها تطلق، وقد بني على أن: المخاطب هل يدخل تحت الخطاب، حكاه الرافعي عند الكلام في النية في "الكتابة"، وحكى فيه- أيضاً- عن القفال: أنه لو
كانت امرأته في نسوة، فقال: [طلقت هؤلاء] إلا هذه- يشير إلى زوجته- لم تطلق.
قال: وإن قال: يا زينب، فأجابته عمرة، فقال: أنت طالق، وقال: ظننتها زينب، أي: وقصدت بالطلاق التي أجابتني- طلقت عمرة؛ لأنه خاطبها بالطلاق وهي زوجته، ولا تطلق زينب؛ لأنه ناداها ولم يخاطبها بالطلاق، وإنما ظن أنه يخاطبها بالطلاق، وظن الخطاب لا يوجب وقوع [الطلاق]؛ ألا ترى أنه لو قال لأجنبية أنت طالق، وهو يظن أنها زوجته- لا يقع الطلاق على زوجته؟! وهكذا الحكم فيما لو قال: حسبت أن المجيبة زينب، وعندي أنها التي أجبتها بالطلاق- فإن زينب لا تطلق وتطلق عمرة، وفيه وجه آخر: أن عمرة لا تطلق أيضاً.
ولو اقتصر على قوله: ظننتها زينب، قال ابن يونس: فعند ابن الحداد: لا تطلق زينب، وهل تطلق عمرة؟ فيه وجهان.
وفي "النهاية" و"الرافعي": أن كلام ابن الحداد في المسألة قبل هذه، والأظهر من الوجهين عند الإمام: أنها تطلق، ثم قال: ولو قيل: تطلق المخاطبة بالطلاق ظاهراً وهل تطلق التي ناداها؟ فيه وجهان؛ لأنها المقصودة بالطلاق- لكان محتملاً.
وهذا ما أورده الغزالي.
ولو قال: علمت أن التي أجابتني عمرة، ولكني لم أرد طلاقها، وإنما أردت طلاق زينب- طلقت زينب ظاهراً وباطناً؛ لإقراره، ويكون تقديره: يا زينب أنت طالق، وطلقت عمرة في الظاهر؛ لأنه خاطبها بالطلاق، والظاهر أنه أراده، ويُدَيَّن في الباطن؛ لأن ما قاله محتمل.
قال مجلّي: وفي طلاق المنادى بها نظر؛ لأن اللفظ تضمن طلاق واحدة، فإن كان منصرفاً إلى المخاطبة بقي مجرد النية في الأخرى فكيف تطلق؟! وإن انصرف اللفظ بالمقصد إلى المنادى بها فينبغي ألا تطلق المخاطبة، واللفظ متحد لا يصلح لتناولهما.
وفي "الشامل": أن الشيخ أبا حامد ذكر أن الطلاق يقع على زينب خاصة، وهكذا
ذكره القاضي في "شرح الفروع"، وقال في "الشرح" أيضاً-: إذا قال: واجهت المجيبة بالخطاب وأردت بالطلاق التي ناديتها، وقع [الطلاق] عليها.
قال ابن الصباغ: وهذا كلام متناقض.
ورأى الإمام في هذه الحالة تفصيلاً فقال: إن جرى الزوج في كلامه، فبان بالأداء أو الإيراد أنه مسترسل في الكلام غير منتظر جواباً، ثم قال: أردت زينب- فلا تطلق [إلا زينب]، وإن بان بالأداء انتظاره الجواب، فاتصل جواب عمرة، وربط به قوله: أنت طالق- فتطلق عمرة-[ولا يظهر] طلاق زينب والحالة هذه، لكن إذا قال: أردتها، [نؤاخذه بقوله.
ولو] كان النداء والجواب كما سبق، وقال بعد جواب عمرة: حفصة طالق- لامرأة له ثالثة- طلقت حفصة [لا محالة]، ولم تطلق عمرة ولا زينب ولو قال: أنت وحفصة طالقتان، فتطلق حفصة لا محالة، ثم يراجع: فإن قال: ظننت أن المجيبة زينب، لم تطلق [زينب]، وتطلق عمرة في أصح الوجهين [وإن قال: علمت أن المجيبة عمرة، وقصدت طلاقها- طلقت هي، ولم تطلق زينب] ولو قال: قصدت زينب، طلقت زينب ظاهراً وباطناً، وعمرة ظاهراً على الجواب الأظهر.
قال: وإن قال: إن كان هذا الطائر غراباً فأنت طالق، فطار ولم يعرف- لم تطلق؛ لجواز أن يكون غير غراب، والأصل بقاء النكاح- وهكذا لو قال: إن كان غراباً فأنت طالق، وإن كان حماماً فعبدي حر- لم تطلق، ولم يَعْتِق العبد؛ لاحتمال أن يكون نوعاً آخر.
قال: وإن قال: إن كان غراباً فأنت طالق، وإن لم يكن غراباً فعبدي حر، وطار ولم يعرف- وقف عن التصرف فيهما حتى يعلم؛ لأنه علم زوال ملكه عن أحدهما؛ فأشبه ما إذا طلق إحدى زوجتيه.
وفيه وجه: أنه يقرع بين العبد والزوجة، كما سنذكره فيما إذا مات الحالف.
فعلى هذا: لو أقرعنا، فخرجت القرعة على العبد، ثم قال: تبينت أن الحنث
كان في الطلاق- لم ينقض حكم القرعة، وحكمنا بوقوع الطلاق، والصحيح: أنه لا قرعة ما دام الحالف حيّاً؛ لأن البيان متوقع منه، وقد يطلعه الفحص على كيفية الحال بعد الشك والتردد نعم، عليه نفقتهما إلى البيان.
وفي "الرافعي" حكاية وجه: أن العبد يؤجره الحاكم وينفق عليه من أجرته، فإن فضل شيء حفظه إلى أن يتبين الحال.
وفي "الذخائر" حكاية الخلاف فيما إذا أراد السيد أن ينفق عليهن، وأراد الإماء أن يكتسبن وينفقن على أنفسهن من كسبهن.
فأحد الوجهين: يغلب قول السيد.
والثاني: يغلب قول الإماء.
وذكرنا الإماء؛ لأنه صور المسألة فيهن.
ويجب على الحالف البيان إذا علم، ويطالب به بعد التوقف؛ لأنه يحتمل أن يكون عنده علم من ذلك: فإن بين الحنث في أحدهما، وصدقه الآخر فذاك، [ولا يطالب بيمين] على الأصح، وقيل: يحلف؛ لما في ذلك من حق الله تعالى، وإن كذبه صدق [في حق] الحالف مع اليمين، وسقطت [دعوى المكذب]، إلا أن تكون له بينة.
قال المحاملي في "المجموع": وللعبد أن يقيم البينة أنه لم يكن غراباً.
قلت: وفي هذا نظر؛ لأن هذه شهادة على النفي؛ [لكنه نفي] يمكن حصره، وفي سماع البينة بمثل ذلك خلاف، والصحيح المذكور في كتاب الدعاوى والبينات: عدم السماع، وفي "الرافعي" في آخر كتاب الطلاق في ضمن الفروع المذكورة ثم: أنه لو أشار إلى ذهب، وحلف بالطلاق: إنه الذي أخذه من فلان، وشهد شاهدان أنه ليس ذلك الذهب- فظاهر المذهب: وقوع الطلاق، وإن كانت هذه شهادة على النفي؛ [لأنه نفي] يحيط به العلم، وهذا يوافق ما حكاه المحاملي، وإن نكل حلف الآخر، وحكم بالطلاق أو العتق.
وقوله: لم أحنث في يمين العبد، في جواب دعواه، [أو] من غير دعوى- كقوله: حنثت في يمين المرأة.
وكذا قوله: لم أحنث في يمين المرأة.
ولو قال: لم أعلم في أيهما حنثت، ففي "التتمة" حكاية عن القفال: أنه يقال له: قولك: لا أعلم، إنكار منك؛ فتطالب بالبيان ثانياً: فإن بينت، وإلا جعلناك ناكلاً، ويحلف من يدعي الحنث في اليمين المتعلقة، ويحكم بما يدعيه، وفي "الشامل" وغيره: أنهما إن صدقاه بقي الأمر موقوفاً كما سبق، وإن كذباه حلف على نفي العلم: فإن حلف فالأمر موقوف، وإن نكل حلف المدعي منهما، وقضي بما يدعيه.
قال الرافعي: واعلم أن ما سبق ذكره من الأمر بالبيان أو التعيين، [والحبس] والتعزير عند الامتناع- أي [في بيان المطلقة- قد أشاروا إلى مثله ها هنا، لكن إذا قلنا: إنه إذا] قال: لا أدري، يقر عليه، ويقنع منه بذلك- فيكون التضييق إلى أن يبين أو يقول: لا أدري، ويحلف عليه، وكذا ينبغي أن يكون الحال في استبهام الطلاق بين الزوجين.
قال: فإن لم يعلم حتى مات، فقد قيل: يقوم الوارث مقامه، أي: إذا قلنا: إنه يقوم
مقامه عند إبهام الطلاق؛ لما قلناه ثَمَّ؛ فعلى هذا: إن عين الحنث في يمين العبد عتق، وورثت المرأة، وإن عكس للمرأة تحليفه، ويكون حلفه على البَتِّ، وللعبد أن يدعي العتق ويحلفه، ويكون حلفه على أنه لا يعلم أن مورثه حنث في يمينه.
قال: وقيل: لا يقوم، وهو الأصح، أي: وإن قلنا بأنه يقوم ثَمَّ، ووجهه الرافعي وغيره بظهور تهمة الوارث بأن يزعم الحنث في الطلاق؛ فتسقط جهة المرأة في التركة، ويستبقي الملك في العبد- وبأن للقرعة مدخلاً في العتق؛ فكان تحليفهما أولى من الرجوع إلى الوارث؛ ولهذا لو وقع الإبهام في محض الرقاب تعينت القرعة وفي التوجيه الأول نظر؛ من حيث إن ما ذكرها هنا من ظهور التهمة موجود فيما إذا مات الزوج بعد موت إحدى المرأتين اللتين أبهم الطلاق بينهما؛ فإنه قد يخبر بأن الأولى زوجة والثانية مطلقة، ومع هذا جرى فيهما القولان كما قال الشيخ أبو حامد: إن الشافعي، إنما نص على القولين فيهما كما ذكرناه، ووجهه المحاملي وغيره بأن الوارث فرع الموروث ومنه يتبين الحال، فإذا لم يوجد من الموروث بيان فكيف يقوم الوارث مقامه.
[وفي "أمالي"] أبي الفرج تخصيص الخلاف بما إذا عين الوارث الحنث في جانب المرأة- أما إذا عكس فيقع الجواب على موجب قوله؛ لأنه مقر على نفسه بما يضر بها، وهذه [الطريقة تشابه] طريقة الشيخ أبي حامد التي حكيت فيما إذا مات الزوج بعد موت إحدى المرأتين اللتين أبهم الطلاق بينهما، وكذلك ما حكاه الشيخ، واستحسنها الرافعي، ونسبها ابن يونس إلى بعض المتأخرين، والكلام الأول أميل إلى طريقة الشيخ القاضي أبي الطيب.
قال: ويقرع بين العبد والزوجة؛ رجاء أن تخرج القرعة على العبد؛ فإنها مؤثرة في العتق، وإن لم تؤثر في الطلاق؛ كما يصغى إلى شهادة رجل وامرأتين في السرقة؛
لتأثيرها في الضمان وإن [لم] تؤثر في القطع هكذا حكاه الرافعي وغيره، وفيه نظر؛ من حيث إنا في مسألة الشهادة على نفسه من حصول [المقصود الذي لأجله اقتضيا، وهو ثبوت الضمان، ولسنا على نفسه ها هنا من خروج] القرعة على العبد الذي سيقت القرعة لأجل عتقه، خصوصاً إذا قلنا: إن القرعة إذا خرجت على الزوجة لا يحكم برق العبد نعم، يندفع هذا إذا قلنا برق العبد عند خروج القرعة على الزوجة؛ لأن القرعة قد أثرت حكماً في الجملة، والله أعلم.
[هكذا الحكم بالقرعة إذا قلنا: إنه يرجع إلى الوارث، فقال: لا أعلم]، ونقل وجه عن ابن سريج: أنه إذا لم يبين الوارث توقف إلى أن يموتوا ويخلفهم آخرون، وهكذا إلى أن يحصل البيان، والظاهر الأول.
ثم كيفية القرعة: أن يكتب رقعة عتاق ورقعة طلاق، ويخرج إحداهما، أو يجعل المرأة جزءاً والعبد جزءاً، ويضرب سهم رءوسهم؛ حيث قال:
فإن خرج السهم- أي: سهم العتق- على العبد، عتق، أي: إذا كان التعليق في الصحة أو في المرض، وخرج من الثلث؛ إذ هو فائدة القرعة، وإن خرج على المرأة لم تطلق، خلافاً لأبي ثور؛ لأن القرعة لا مدخل لها في الطلاق؛ بدليل ما لو طلق إحدى نسائه لم تطلق واحدة منهن بالقرعة، بخلاف العتق؛ فإن النص ورد به؛ ولأن للقرعة مدخلاً في أصل ما وقع فيه العتق وهو الملك.
ولا يمكن قياس الطلاق عليه؛ لأن الطلاق حَلُّ النكاح، ولا مدخل للقرعة في النكاح بالإجماع.
قال: [ولكن] ويملك التصرف في العبد؛ لأن القرعة تعمل في العتق والرق، فكما يعتق إذا خرجت القرعة عليه يرق إذا خرجت القرعة على عديله، وعلى هذا يزول الإشكال.
قال: وقيل: لا يملك، وهو الأصح في "الرافعي"؛ لأن القرعة لم تؤثر فيما خرجت عليه؛ فيبعد تأثيرها في غيره؛ فعلى هذا: فوجهان: أحدهما: أن القرعة تعاد إلى أن تخرج عليه.
قال الإمام: وعندي يجب أن يخرج القائل به عن أحزاب الفقهاء، ومن قال به فليقطع بعتق العبد، وليترك تضييع الزمان في إخراج القرعة.
قال الرافعي: وهذا قويم، لكن الحناطي حكى [هذا] الوجه عن ابن أبي هريرة وهو زعيم عظيم الفقهاء؛ فلا يتأتى إخراجه عن أحزابهم.
وأصحهما: أن الإشكال يبقى بحاله ويوقف عنهما جميعاً كما في الابتداء، وادعى الإمام أنه المذهب المثبوت، وجزم في "الشامل" بجواز التصرف إذا خرجت القرعة على الزوجة، وذكر أن الخلاف في أن الشك هل يزول، أم لا حتى يندب الوارث إلى عتقه؛ بناءً على أنا هل نحكم برقه أم لا؟
وفي كتاب البندنيجي ومجموع المحاملي و"تعليق" القاضي الحسين: حكاية الخلاف في أن هذه القرعة هل يزول بها الشك أم لا؟ وادعى البندنيجي أن زوال الشك هو ظاهر المذهب، ومقابله ليس بشيء، وقال القاضي: الأصح أن يزول الشك، ولم يتعرضوا لجواز التصرف.
وإيراد صاحب "التتمة" موافق لما قاله ابن الصباغ في أن الخلاف في زوال الشك، وأما التصرف فيجوز، ثم قال: ويخالف [حكم الوارث] حكم الموروث؛ حيث منعناه من الاستمتاع بالمرأة والتصرف في العبد؛ لأن في حق الموروث تحققنا الحنث وزوال أحد ملكيه؛ فأوقفنا عنه الملكين جميعاً.
وأما الورثة إنما يثبت حقهم في العبد دون المرأة؛ فلم يتحقق الحنث في حقهم، فكان نظير المسألة أن لو قال المالك: إن كان الطائر غراباً فعبدي حر، ولم يعلم- لا نمنعه من التصرف فيه.
فرع: إذا خرج السهم على العبد، وحكمنا بعتقه- فإن كان قد سبق منها دعوى الحنث في يمين الطلاق، وكان الطلاق بائناً- فلا ميراث [لها]، وإن لم يكن قد سبق [منها] دعوى الحنث بالطلاق نورثها، والورع: ألا ترث؛ لاحتمال أن تكون مطلقة.
وهكذا الحكم فيما إذا خرجت القرعة عليها؛ لأن القرعة لو خرجت على العبد