كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
إليها قصداً عند التعين كما حكاه القاضي الحسين.
ولو عرج في طريقه لأجل عيادة المريض يسيراً، فوجهان حكاهما البغوي والمتولي أيضاً، وأصحهما القطع؛ لأنه تشاغل يسير لغير قضاء الحاجة.
قال: وإن خرج من المعتكف عامداً، أي: مختاراً، طال زمن خروجه أو قصر، أو جامع في الفرج عامداً، أي: مختاراً في المسجد او زمن خروجه لقضاء الحاجة؛ إما لكونه في هودج، أو لقصر زمانه – بطل اعتكافه:
أما في الأولى؛ فلفعله المنافي من غير ضرورة، ولأن الكثير مبطل بالاتفاق، وهو ما [إذا] أقام أكثر من نصف النهار، فنقول: عبادة يبطلها الخروج منها، فاستوى فيه قليله وكثيره؛ كالصلاة [والصوم].
وأما في الثانية؛ فلأنه إن كان في المسجد فقد فعل ما يوجب الخروج؛ فكان كما لو خرج، وإن فعله خارج المسجد في حالة خروجه لقضاء الحاجة، فإن قلنا: إنه معتكف – كما هو الصحيح – فلفعله منافيه من غير ضرورة، وإن قلنا: إنه غير معتكف؛ فلأنَّ وقعه عظيم، فالاشتغال به أوقع من الجلوس ساعة من غير حاجة.
ومنهم من قال: لا يفسد؛ لأنه ليس معتكفاً في هذه الحالة، وإن كان الزمان محسوباً من مدة الاعتكاف.
أما لو خرج من المعتكف ناسياً للاعتكاف؛ فقد حكى القاضي الحسين عن النص: أنه يعود ويبني، وحكى الغزالي وغيره قولاً آخر: أنه يستأنف والصحيح الأول، ولم يورد أكثرهم غيره.
قال القاضي الحسين: ومحله إذا لم يذكره عن قريب، ولم يطل الفصل، فإن طال الفصل، استأنف؛ كالصلاة سواء.
وحكى في "التتمة" فيما إذا طال الزمان وجهين؛ كما في الأكل الكثير في الصوم ناسياً.
ولو جامع ناسياً، لم يضره؛ للخبر المشهور.
وقيل: يبطل اعتكافه؛ كما قيل بمثله في الصوم؛ تخريجاً من الحج، وقد تقدمت حكايته في أول الباب.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية طريقة أخرى قاطعة بأن الاعتكاف يفسد به دون الصوم، والفرق: أن في الصوم وجد له أصل قيس عليه، وهو الأكل؛ فإنه فرق فيه بين العمد والسهو؛ فكذلك الوطء، وأما الاعتكاف، فليس له أصل، وهو عبادة حظر فيها الجماع [وغيره]؛ فلم يكن بد من أن يكون للجماع مزية، ولم يوجد إلا هذا، وهو أن يتعلق به الإفساد.
ولو لم يخرج نفسه من المعتكف، لكنه أخرجها من الاعتكاف بأن نوى قطع الاعتكاف وهو بعد في المسجد – فالأظهر: أنه لا يبطل، وعنه احترز الشيخ بقوله: "من المعتكف".
وقيل: إنه يبطل، والخلاف فيه مشبه بما إذا نوى الخروج من الصوم.
وعن بعض المتأخرين: أنه أفتى ببطلان الاعتكاف، بخلاف الصوم، وفرق بأن مصلحة الاعتكاف تعظيم الرب – سبحانه وتعالى – كالصلاة، وهي تختلف بنقض [النية]، ومصلحة الصوم قهر النفس، وهي لا تفوت بنية الخروج.
ولو أكره على الخروج بغير حق، أو على الجماع، وقلنا بتصوره –فلا يضره على المشهور، وهو الذي أورده الجمهور.
ويستوي في ذلك ما إذا [خرج بنفسه]، [وما إذا حمل.
وقيل: إن أكره حتى خرج بنفسه]، ففي بطلان التتابع قولان؛ كما في الصوم.
وقيل: يطرد قول البطلان في الحالة الأخرى، وذلك من تخريج الإمام.
قال بعضهم: قال الغزالي: ولا يشبه الصوم – يعني: في كونه لا يبطل –بما إذا
أوجر الطعام في فيه قهراً.
وذكر فرقا لا احتفال به.
قلت: ويظهر أن يقال في الفرق: إن الصوم عبارة عن الإمساك عن المفطرات مع أشياء أخر، ومن أُوجِرَ الطعام في فيه قهراً]، لا ينسب إليه فعل فهو ممسك فحد الصوم موجود فيه حقيقة.
والاعتكاف عبارة عن اللبث في المسجد مع أشياء أخر، وهو في حال إخراجه محمولاً، لم يكن في المسجد، فلم يوجد الاعتكاف الشرعي في حقه حقيقة؛ فلذلك حكمنا بالإبطال، على أنا قد حكينا في الصوم طريقة أخرى طاردة للخلاف في الصوم بلا فرق.
وإن كان مكرهاً على الخروج بحق، قال القاضي الحسين: فمنهم من قال: [يبطل اعتكافه، ومنهم من قال:] لا؛ لأنه غير مختار، ومحمول عليه، وقد نص الشافعي على أنه إذا خرج ليقام عليه الحد، فإذا رجع بنى، ومعلوم أنه كان ظالماً في السبب الذي ألزم به الحد ابتداء.
قال: وإن باشر فيما دون الفرج بشهوة، أي: كما إذا قبل أو لمس أو فاخذ ونحو ذلك مما ينقض الوضوء وفاقاً، أو على رأي كما قاله الإمام- ففيه [قولان]:
وجه البطلان بها: قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187]، ولم يفصل بين أن يكون في الفرج أو في غيره؛ ولأنها مباشرة حرمها الاعتكاف، فوجب أن يفسد بها كالجماع؛ ولأنه عبادة تمتد ليلاً ونهاراً؛ فوجب أن يكون للمباشرة فيها تأثير؛ دليله: الحج، وتأثيرها [فيه في] الفدية، وهاهنا الإفساد.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا ما نص عليه في "الإملاء"، سواء أنزل أو لم ينزل.
وقال القاضي الحسين: إن لفظ الشافعي [فيه]: "ويحتمل أن يكون قوله تعالى محمولاً على جميع أنواع المباشرة"، وإنه قال في كتاب الصيام: "ولا يباشر المعتكف؛ فإن فعل أفسد".
وعن الشيخ أبي محمد والمسعودي حكاية [طريقة] قاطعة بهذا القول.
ووجه عدم البطلان [به]: أن كل عبادة حرمت الجماع مع غيره، فلابد أن يكون للجماع مزية تدل عليه: [كالحج] والصوم، فلو قلنا: إن المباشرة في غير الفرج تفسد الاعتكاف، لم يكن له مزية، ولا يلزم عليه الصلاة؛ فإنها تبطل بالملامسة قبل الوطء، [وأما] الآية فالمراد بها الجماع في الفرج خاصة، يدل عليه سياقها، وهو قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:187]، وأراد: الولد، وابتغاء الولد لا يكون إلا في الفرج، وبالقياس على الحج.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا ما نص عليه في "الأم"، سواء أنزل أم لم ينزل، وقد اختاره المزني.
ولفظ الشافعي [فيه] – كما قال القاضي الحسين -: "لا يفسد الاعتكاف إلا بما يوجب الحد من الوطء"، وعن بعض الأصحاب: الجزم به، وأن الموضع الذي قال: "إن باشر فيه فسد"، عني به: الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾.
قال الإمام: وقضية هذا النص: ألا يفسد بإتيان البهيمة والإتيان في غير المأتى؛ إذا لم نوجب الحد فيهما، والمذهب الوجوب.
وقد أفهم ما حكيناه عن القاضي أبي الطيب: أن القولين جاريان، سواء أنزل أو لم ينزل، وكذا حكاهما الماوردي، وقال: [إن] بعض أصحابنا كان يخرج قولاً
ثالثاً يجمع فيه بين الصوم والاعتكاف، ويقول: إنه يبطل إن أنزل، ولا يبطل إن لم ينزل، وإن الذي ذهب إليه جمهورهم: المنع من هذا التخريج، وجعلوا الفرق بينهما: أن المباشرة في الاعتكاف حرام، وفي الصوم حلال، فلما افترقا في التحريم، جاز أن يفترقا في الإفساد.
قال: وفي المسألة لأصحابنا طرق وهذه أصحها.
وكأنه – والله أعلم – يشير [إلى ما] حكاه القاضي الحسين وغيره في محل القولين؛ حيث قالوا: اختلف أصحابنا في محلهما:
[فقيل: محلهما] إذا لم ينزل، أما إذا أنزل، فيبطل قولاً واحداً.
[وقيل: محلهما: إذا أنزل أما إذا لم ينزل فلا يفسد قولاً واحداً].
وبذلك يحصل في المسألة أربع طرق، وقد حكى الغزالي القولين في حالة عدم الإنزال، وقال: أحدهما: أنه يحرم، ويفسد؛ كما في الحج.
وهذا فيه نظر؛ لأن ذلك يفسد الحج [بل وجهه: عدم الإفساد، وهو المقيس على الحج].
نعم، لو قال أحدهما: أنه يحرم، ويؤثر فيه كما في الحج – كما ذكرنا – لا يبقى هذا الاعتراض، ولعله مراده.
وقد يقال في جوابه: إن في كلامه تقديماً وتأخيراً، وتقديره: يحرم كما في الحج ويفسد.
وقال فيما إذا أنزل: الصحيح: أنه يفسد، وقيل بطرد القولين، والفرق على هذه الطريقة بينه وبين الصوم: أن هذه الاستمتاعات محرمة لعينها، وفي الصوم لغيرها، وهو خوف الإنزال؛ ولهذا يرخص فيه لمن لم تحرك القبلة شهوته.
وعند الاختصار يجيء في المسألة ثلاثة أقوال أو أوجه؛ ثالثها: إن أنزل فسد، وإلا فلا.
قال الرافعي: وهو المفهوم من كلام الأصحاب بعد الفحص: أنه أرجح، وإليه ميل أبي إسحاق المروزي وإن استبعده صاحب "المهذب" ومن تابعه.
أما القول بالإفساد عند الإنزال، فقد أطبق الجمهور على أنه أصح.
وأما المنع عند عدم الإنزال، فقد نص على ترجيحه المحاملي والشيخ أبو محمد والقاضي الروياني وغيرهم.
ولا خلاف في أن المباشرة إذا كانت بغير شهوة: كاللمس ناسياً أو عن قصد الكرامة، كما إذا قبله لذلك: أنها لاتفسده؛ لما روت عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إلى رأسه فأرجله".
ولو استمنى بيده، فقد قدمت ما قيل فيه في أول الباب، والله أعلم.
قال: وإن خرج إلى المنارة الخارجة من المسجد – أي: ليؤذن فيها – لم يضره؛ لأنها بنيت للمسجد؛ فأشبهت المنارة في المسجد أو في رحبته؛ وهذا [ظاهر] ما نص عليه في "المختصر"؛ فنه قال: "ولا بأس إذا كان مؤذناً أن يصعد المنارة وإن كان خارجاً".
وقيل: يضره؛ فينقطع تتابعه؛ لأنه لا يجوز له الخروج إليها لأجل صلاة الجنازة ولا غيرها، ولو خرج ضره؛ فكذلك الأذان.
وهذان الوجهان لم يحك الماوردي والبندنيجي غيرهما، والقائل بالثاني قال: مراد الشافعي ما إذا كانت المنارة في رحبة المسجد؛ لأن رحبته بمنزلة داخله.
وقيل: إن كان الناس قد ألفوا صوته في الأذان، ووثقوا به في معرفة الوقت، لم يضره؛ لأن الحاجة تدعو إليه لإعلام الناس بالوقت، وإلا فلا؛ وهذا ما حكاه القاضي [أبو الطيب] عن أبي إسحاق المروزي، وأنه حمل عليه نص الشافعي في "المختصر" الذي حكيناه، واختاره في "المرشد"، ولم يحك أبو الطيب سواه والذي قبله.
والمنارة في رحبة المسجد، كالمنارة في المسجد؛ فلا يضر الخروج إليها لأذان ولا غيره وجهاً واحداً لأنه يجوز الاعتكاف فيها صرح به الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم، اللهم إلا ان يكون بينها وبين المسجد طريق؛ فإن الكرخي
حكى الخلاف فيها.
ورحبة المسجد ما: كان ملصقاً إليه محجراً عليه.
وقد ألحق الجمهور بما إذا كانت المنارة في رحبة المسجد ما إذا كانت ملصقة بالمسجد أو رحبته بابها في المسجد أو رحبته؛ حتى لا يضر صعودها، ولا يجري فيها الخلاف السابق لصعود سطح المسجد ودخول بيت منه، ولا أثر لكونها خارجة عن سمت [البناء وتربيعه.
وقد جعل الإمام محل النص ما إذا كانت المنارة خارجة عن سمت] المسجد متصلة به، وكان بابها لائطاً في المسجد نفسه، وأن الأئمة قطعوا بأن الخروج إليها للأذان لا يضر، وإن كانت لا تعد من المسجد، ولا يصح الاعتكاف فيها؛ فإن حريم المسجد لا يثبت له حكم المسجد في جواز الاعتكاف فيه، وتحريم المكث على الجنب والمرور على الحائض.
قال: ولم أعثر بعد على خلاف للأصحاب فيما نص عليه مع الاحتمال الظاهر في القياس؛ فإن الخارج إلى هذه المنارة خارج إلى بقعة غير صالحة للاعتكاف.
نعم، لو كان باب المنارة إلى الشارع أو إلى الحريم، وكان المؤذن يخرج إلى موضع الباب ويرقى – ففي انقطاع تتابعه إذا كان راتباً وجهان:
أحدهما: ينقطع، وقياسه بين.
والثاني: لا، ولماذا؟ فيه معنيان يظهر أثرهما في غير الراتب:
أحدهما: كون المنارة على الحريم، والحريم من حقوق المسجد؛ فعلى هذا غير الراتب كالراتب.
والثاني: أن خرجاته للأذان مستثناة في ظاهر حاله [كخروج الرجل لقضاء حاجته؛ فعلى هذا إذا خرج إليها غير الراتب، بطل اعتكافه].
قلت: ويرجع حاصل ما ذكره عند الاختصار – والصورة هذه – إلى ثلاثة أوجه، وكذلك قال الغزالي: إذا كانت خارج المسجد [متصلة به]، وبابها في المسجد،
فإنه لا يضر الخروج [إليها، وإن كانت متصلة بحائط المسجد في حريمه وبابها خارجاً عن المسجد، ففيه ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان راتباً لم ينقطع التتابع، وألا انقطع.
وهو الأصح في "الرافعي".
ثم قال الإمام: إنه لو خرج إليها] لغير الأذان، فلا نقل فيها، والظاهر الانقطاع؛ فإن بابها وإن كان لائطاً في المسجد، فليست معدودة منه؛ إذ لا يجوز الاعتكاف [فيها].
قال الرافعي: وكلام الأئمة ينازع فيما وجه به الاحتمال الأول.
قلت: وما ذكره الإمام من كونه لا يصح الاعتكاف في المنارة الخارجة عن المسجد اللائط بابها للمسجد، هو ما أورده القاضي الحسين في "تعليقه"؛ فإنه قال: قال الشافعي: "ولو اعتكف في رحبة المسجد [أو بيت من بيوته، أو على المنارة – أجزأه"، ثم قال: قال أصحابنا: وهذا إذا كانت المنارة فيا لمسجد] فأما إن كانت خارج المسجد، لا يجوز الاعتكاف فيها؛ لأن الاعتكاف خص المساجد بجوازه فيها.
وحكى عن الأصحاب أنهم حملوا قول الشافعي: "ولا بأس إذا كان مؤذناً أن يصعد المنارة وإن كانت خارجة"، على هذه الصورة، لكن قول الإمام في الصورة التي جعلها محل النص: "إني لم أعثر عبد على خلاف للأصحاب فيها"، عجيب؛ فإن القاضي الحسين حكى في "الموضح" عن بعض الأصحاب أنه قال: ما قاله الشافعي صورته إذا لم يكن غيره من المؤذنين له صوت مثل صوته، فإن كان، فلا يجوز له الخروج.
ولا خلاف في أنها لو كانت بنيت لغير المسجد، فخرج إليها للأذان – بطل اعتكافه؛ حكاه الماوردي.
واعلم أن الشيخ ذكر في صدر الباب: أنه لا يصح الاعتكاف إلا [بالنية، ولا يصح إلا] في المسجد، وبينا أن قوله: "لا يصح إلا بالنية"، دال على عدم صحته من المرتد والمجنون والسكران؛ وحينئذ فكأنه قال: لا يصح إلا من مسلم عاقل صاح في المسجد.
وإذا كان كذلك، فقد يقال: لم اقتصر الشيخ على بيان الحكم في طرآن
بعض ما يضاد الاعتكاف وهو الخروج من المعتكف فيه دون ما عداه؟ وقد تكلم فيه غيره، فقال: إذا قطع النية وهو في المسجد، هل يبطل اعتكافه أم لا؟ فيه ما تقدم.
وطرآن الجنون لا يبطله؛ كما نص عليه في "الأم"، ولم يحك الماوردي والفوراني [غيره]، وألحق به الإغماء، وخص الرافعي ذلك بما إذا لم يخرجا من المسجد، فإن أخرجا منه، نظر: فإن لم يكن حفظهما فيه، فالأمر كذلك؛ كما لو حمل العاقل، فأخرج مكرهاً، وإن أمكن لكن شق، ففيه الخلاف المذكرو في المريض إذا أخرج.
وفصل البندنيجي في المجنون، فقال: إن كان في سبب جنونه معذوراً، فالأمر كما تقدم، وألا فهو كالسكر، وقد نص الشافعي على أنه لو سكر، بطل اعتكافه، و [إن] من أصحابنا من قال: لا يبطل.
وهذا بخلاف ما لو ارتد فإن المنصوص أنه لا يبطل اعتكافه ومن أصحابنا من قال: [إنه] يبطل، وقد اقتضت هذه العبارة حكاية خلاف في أن السكر والردة، هل يبطلان الاعتكاف أم لا؟ لكن المنصوص في أحدهما خلاف المنصوص في الآخر، ويوافقها في حكاية النصين هكذا فيهما عبارة القاضي أبي الطيب وابن الصباغ؛ حيث قالا: نص في "الأم" على أن الردة لا تبطل الاعتكاف، والسكر يبطله.
لكن القاضي قال: إن من أصحابنا من قال: لا يبطل الاعتكاف بالسكر؛ [لأن الردة لا تبطله] وهي أغلظ منه، وأراد الشافعي بقوله إذا خرج السكران من معتكفه؛ لأن الأغلب من أحوال السكران أنه لا يثبت في المسجد.
ومن أصحابنا من قال- وهم الأكثرون؛ كما قال ابن الصباغ -: من حمل كلام الشافعي على ظاهره، قال: الردة لا تبطل الاعتكاف؛ لأن الكافر من أهل اللبث في المسجد، [وأما السكر، فيبطل الاعتكاف؛ لأن الكسران ليس من أهل اللبث في المسجد؛] للآية، وهذه العبارة تقتضي الجزم بأن الردة لا تبطله، وهل يبطله السكر؟ فيه خلاف.
ويوافق العبارتين في حكاية النص في المسألتين عبارته في "الوسيط"؛ فإنه قال:
الردة والسكر إذا قارنا الابتداء منعا الصحة؛ لتعذر النية، وإن طرآ [بعد،] فقد نص على أنه لا يفسد بالردة، ويفسد بالسكر، لكنه قال: إن الأصحاب اختلفوا فيهما على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا يفسد بهما، وتأول نصه في السكر على ما إذا خرج لإقامة الحد.
والثاني: أنه يفسد بهما، وتأول نصه في الردة أنها لا تحبط ما مضى.
والثالث: وهو الأصح-: أنه يفسد بالردة؛ لفوات شرط العبادة، ولا يفسد بالسكر؛ كما لا يفسد بالنوم والإغماء.
والذي حكاه القاضي الحسين عن الشافعي يخالف ما ذكرناه؛ فإنه قال: نص في "عيون المسائل" على أنه لو اعتكف فسكر، فإذا أفاق - قال: ابتدأ، ولو ارتد، ثم أسلم - قال: بنى.
ثم قال صاحب "التلخيص": لا أعلم الشافعي جعل السكر أغلظ من الردة إلا في مسألتين، إحداهما: هذه.
قلت: ووجه المخالفة: أن هذه العبارة مصرحة بأن الكلام [في أنه] إذا عاد إلى الأهلية، هل يبني على ما مضى أو يستأنف، [لا أنا] نقول: إنه في حال قيام المانع معتكف أم لا، وحينئذ فيكون النص في الصورتين مصوراً بما إذا كان اعتكافه متتابعاً؛ فإنه لو لم يكن متتابعاً، لبنى في كلا الحالين بلا خلاف عندنا؛ ولأجل ذلك صور بعضهم المسألتين بما ذكرناه، وقال: طرآن الردة والسكر عليه إذا لم يخرج من المسجد حتى زال ذلك، هل يبطله أم لا؟ وفيه طرق مجموعة من كلام الأصحاب [و] تخرجي قول من كل مسألة إلى الأخرى، وجعلهما على قولين، وقد حكاهما الماوردي:
أحدهما: أنه لا يبطل بواحد منهما، إذا أسلم المرتد، وصحا السكران، بنيا؛ لأنهما لم يخرجا من المسجد.
[ومنهم من قطع بهذا، وقالوا: نصه في السكران محمول على ما إذا خرج
لإقامة الحد أو كلف الخروج من المسجد] إذ لا يجوز للسكران المقام فيه؛ للآية، فأما إذا كان مقيماً، فلا يبطل؛ لأن الشرب لا يبطل الاعتكاف، والسكر ليس من فعله، ولا اختياره، وإنما هو فعل الله تعالى؛ فأشبه المرض.
قال الماوردي: فإن قيل: حمل النص على ما إذا خرج لإقامة الحد لا يصح؛ لأن الشافعي قال: "ولو أخرجه السلطان لإقامة الحد عليه، لم يبطل اعتكافه".
قيل: هذا النص محمول على ما إذا أخرج لإقامة حد وجب عليه قبل الاعتكاف، وأما ما وجب عليه في ال الاعتكاف، فيبطل، وكأنه اختار الخروج.
والقول الثاني: أنه يبطل بكل واحد منهما؛ لأن المرتد خرج عن أن يكون من أهل العبادة، والسكران خرج عن أن يكون من أهل المقام في المسجد، فإذا عادا إلى الأهلية استأنفا.
ومنهم من قطع بهذا، وهؤلاء اختلفوا في نصه في الردة:
فمنهم من قال: [إنه رجع عنه؛ لأنه أمر الربيع أن يخط على هذه المسألة، ولا يقرأ عليه، ومذهبه: أن الردة تبطل الاعتكاف؛ حكاه الماوردي.
ومنهم من قال]: هو محمول على ما إذا لزمه في اعتكاف غير متتابع.
[قال الإمام]: وهذا التأويل فيه بعد؛ فإن الشافعي قال: ويبني إذا عاد إلى الإسلام.
وهذا مشعر بفرض الأمر في اعتكاف متتابع يفرض انقطاعه وانتظامه؛ وعلى هذه الطريقة لا فرق بين ان يطول زمن الردة أو يقصر.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية": أن منهم من حمل نصه في الردة على ما إذا أسلم في الحال.
والرابعة: إجراء النصين على ظاهرهما، وهي أنه يبطل بالسكر، وهو الذي صححه الماوردي، ولا يبطل بالردة، والفرق من وجهين:
أحدهما: - قاله الماوردي [وغيره]-: أن السكران ليس من أهل المقام في المسجد؛ للآية وإذا كان كذلك، كان كما لو خرج من المسجد، [والمرتد لا يمنع من
المسجد].
والثاني: -قاله القاضي الحسين -: أن السكران قد زال الخطاب عنه بزوال عقله، بخلاف المرتد.
وهذه الطريقة اختارها في "المرشد":
والعبارات الأول تفهم: أن الخلاف في [أنه في] حال قيام المانع، هل يكون معتكفاً أم لا؟ وأسدها إفهاماً عبارة الغزالي، وهي مستمدة من قول الإمام بعد تضعيف [الطريقة] القائلة بظاهر النص في الموضعين -: إن من قال: إن الردة لا تفسد الاعتكاف، فليت شعري ماذا يقول فيه إذا أنشأ الاعتكاف مرتداً؟ فإن قال: يصح اعتكافه، فهو أمر عظيم، فإن سلم الفساد عند اقتران الردة، فالفرق بين المقارن والطارئ عسير، ولم يختلف أصحابنا في أن من ارتد في أثناء الوضوء، وغسل عضواً من أعضائه في زمن ردته، لا يعتد له به.
والمحكي عن الشيخ أبي علي وغيره: الأول.
وقد تلخص من مجموع ما ذكرناه: أن حمل نصه في "الأم" الذي حكاه القاضي أبو الطيب وغيره على [ما] أفصح به في "عيون المسائل" في المسألتين، و [هو] الذي نقله الرافعي صريحاً؛ حيث قال: المنقول عن نصه في "الأم": أنه إذا ارتد في أثناء اعتكافه، لا يبطل [اعتكافه]، بل يبني إذا عاد إلى الإسلام – خمسة أوجه:
أحدها: أنه لا يبطل تتابعه في واحد منهما – إذا لم يخرج، طال الزمان المنافي أو قصر، لكنه لا يحسب له زمن الردة [والسكر، بل إذا زالا بنى.
والثاني: يبطل بهما، طال الزمان المنافي أو قصر، فإذا زال استأنف].
وحقيقة هذين الوجهين لو جرينا على ما أفهمه كلامه في "الوسيط"، ترجع إلى أن
السكر والردة هل ينافيان الاعتكاف أم لا؟ وقد صرح بذلك القاضي الحسين في السكر – أيضاً – ولأجله قال في "التهذيب": هل يحسب له زمن السكر أو لا؟ فيه وجهان، والمذهب: المنع.
والثالث- وهو ظاهر النص -: أنه يبطل بالسكر دون الردة، طال زمانهما أو قصر.
والرابع: إن طال زمان الردة أبطل كالسكر؛ لأن زمنه يطول، وإن قصر بأن رجع في الحال، فلا وقد صرح به القاضي الحسين، وحكى الإمام مثله في السكر أيضاً، وقال: إنه لا وجه له في الردة.
والخامس: عكس النص، وهو من تخريج الإمام: أنه يبطل بالردة دون السكر، والله أعلم.
قال: ولا يعتكف العبد بغير إذن مولاه، ولا المرأة بغير إذن زوجها؛ لما فيه من تفويت المنافع المستحقة لهما في مدته، فلو فعلا ذلك بدون إذن، كان للسيد والزوج إخراجهما؛ لحفظ حقه.
ولو أذن فيه، ثم رجع في إذنه: فإن كان تطوعاً، كان له ذلك، و [كذا] إن كان نذراً مطلقاً أو متتابعاً غير متعلق بزمان بعينه، ما لم يشرع فيه، أما إذا رجع بعد شروعه فيه، نظر [فإن كان] غير متتابع، فهل له ذلك؟ فيه وجهان في تعليق القاضي الحسين ينبنيان على ما إذا شرعت الزوجة في حج واجب.
وإن كان متتابعاً، لم يكن له؛ لأنه يبطل ما مضى.
قال: ويجوز للمكاتب أن يعتكف بغير إذن مولاه؛ لأنه مستقل بمنافعه؛ فأشبه الحر؛ وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب، وكذا الماوردي، لكنه قال: [إنه] إذا عجز عن قوته، كان له منعه حينئذ.
وفي "الإبانة" حكاية وجه آخر: أنه لا يجوز، قال: لان عليه أن يكتسب ويحصل النجوم؛ فليس له أن يقعد في المسجد فيبطل حق السيد.
قال الإمام: وهذا خرق وخروج عن الحد؛ فإنه لا خلاف في أنه لو سكن في بيته، ولم يكتسب اليوم واليومين، فلا معترض عليه قبل النجم.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الذي نص عليه الشافعي ما ذكره الشيخ، وأن أصحابنا قالوا: صورته: إذا كانت مدة الاعتكاف يسيرة لا تضر بكسبه، أو كان كسبه يمكن في المسجد كالخياطة وغيرها.
ومنهم من قال: لا يمنعه بحال؛ لأنه ليس للسيد حمله على الكسب.
ومن نصفه حر ونصفه رقيق إن لم يكن بينه وبين سيده مهايأة – كالقن، وإن كان بينهما مهايأة، فهو في نوبته كالحر، وفي نوبة سيده كالعبد.
وقيل: إنه [في] نوبته كالمكاتب؛ فيخرج على الخلاف؛ حكاه ابن يونس، وفيه نظر، والله أعلم.
وقد نجز شرح مسائل الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به:
[أحدها]: إذا نذر اعتكاف اليوم الذي يقدم فيه فلان، صح نذره بلا خلاف، وماذا يلزمه؟ فيه كلام نذكره في باب النذر.
[الثاني]: إذا نذر اعتكافاً، ومات قبل الوفاء به- قال الإمام: فقد ذكر شيخي قولين
أحدهما: أنا نقابل كل يوم بمدٍّ من طعام، نخرجه من تركته كدأبنا في الصوم.
والقول الثاني: أنه يعتكف عنه وليه.
وذكر أن القولين منصوصان للشافعي.
قال الإمام: وهذا عندي مشكل من طريق الاحتمال؛ فإنا اتبعنا الأثر في مقابلة صوم [يوم] بمد، ولي سينقدح قياس الاعتكاف في ذلك على الصوم، ثم اعتكاف لحظة عبادة تامة، ثم ليت شعري ماذا يقول في اليوم الفرد، وفي اليوم مع الليلة، وقد ذكر صريحاً أن اليوم بليلته يقابلان بمد، وإذا كان يقول ذلك، فما القول في اليوم الفرد؟
وقد حكى في "التهذيب" فيما إذا مات وعليه اعتكاف طريقين:
أحداهما: حكاية الخلاف السابق.
والثانية: القطع بأنه لا يعتكف عنه، ولا يسقط عنه بالفدية؛ كما في الصلاة، وهذا ما اقتضاه كلام الماوردي؛ حيث قال: لو جامع في الفرج عامداً في الاعتكاف، بطل اعتكافه، ووجب عليه القضاء إن كان واجباً، [دون الكفارة]؛ فلو مات سقط عنه.
وفرع في "التهذيب" على [هذا] أنه لو نذر أن يعتكف يوماً صائماً، فلم يعتكف، ومات:
فإن قلنا: يجوز إفراد الصوم عن الاعتكاف، فلا يعتكف عنه الولي، وهل يصوم؟
فعلى قولين.
وإن قلنا: لايجوز إفراد الصوم:
فإن قلنا: لا يصوم الولي عنه، فهاهنا لا يصوم ويطعم.
وإن قلنا: يصوم عنه وليُّه، فهاهنا يعتكف عنه الولي صائماً تبعاً، وإن كانت النيابة لا يتجزئ في الاعتكاف كما لا تجوز النيابة في الصلاة، وتجوز في ركعتي الطواف تبعاً للحج؛ ذكر ذلك في كتاب الصيام؛ فليطلب منه، والله أعلم.
كفاية النبيه شرح التنبيه
الجزء السابع كتاب الحج
بسم الله الرحمن الرحيم