كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ثلاثة أقوال أو أوجه، تؤخذ من كلام الإمام وغيره:
أحدها: لا؛ لأن النية شملت جميع المدة [بتعيينها وهذا ما أورده الفوراني.
والثاني: إن قرب الزمان فلا، وألا فنعم؛ لتعذر البناء].
قال الرافعي: وعلى هذا فلا فرق بين أن يكون الخروج لقضاء الحاجة [أو غيره.
والثالث: إن خرج لقضاء الحاجة]، فلا يحتاج؛ لأنه كالمستثني عند النية.
وإن خرج لغيرها فلابد من التجديد؛ لقطعه الاعتكاف، قال الرافعي: وهذا أظهر.
وعليه لا فرق بين أن يطول الزمان أو يقصر.
[قلت]: وقد تلخًّصَ من ذلك أنه إذا خرج [لقضاء الحاجة] وعاد على قرب لا يحتاج إلى التجديد بلا خلاف، [وهو ما أورده في "التهذيب"، بل كلامه يشعر بذلك وإن طال الزمان؛ لأنه لم يفصل، بل أطلق القول بأن الخروج لقضاء الحاجة لا يحوج إلى التجديد]، وطرده في خروجه لكل ما لابد له منه.
وعد من ذلك الأذان.
وإن خرج لقضاء الحاجة وطال الزمان، أو لغيرها وطال الزمان، أو قصر – ففيه قولان، وهما فيما إذا طال الزمان والخروج لقضاء الحاجة أو غيره محكيان عن الشيخ أبي محمد؛ فإن الإمام حكى عنه أنه قال: إذا خرج ثم عاد، فإن قرب الزمان، لم يحتج إلى تجديد النية وإن طال، فقولان مأخوذان من تفريق الطهارة.
قال الإمام: ولم يفرق بين الخروج لقضاء الحاجة أو غيرها.
ومعنى أخذهما من تفريق الطهارة قد بينه القاضي الحسين بقوله: إذا فرق الطهارة، وقلنا: لا يضر، هل يحتاج إلى تجديد النيّة أم لا؟ وهذا مثله.
وهما في حالة قصر الزمان [والخروج لغير قضاء الحاجة، كغيره، والمذهب منهما كما قال الإمام]: أنه لابد من التجديد عند العود فإن ما مضى عبادة مستقلة عما يستقبله الآن، ولو رددنا إلى القياس لما اكتفينا بنية واحدة في الأوقات المتواصلة كما في رمضان، فإذا تخلل ما يقطع التواصل، وجب الرجوع إلى الأصل
المنقاس.
ومقابله معزي إلى رواية الشيخ أبي علي.
ثم هذا – كما ذكرنا – فيما إذا كان الاعتكاف تطوعاً أو منذوراً؛ كما قال الرافعي ولم يشترط التتابع فيه، ثم دخل المعتكف على قصد الوفاء بالنذر أما إذا شرط التتابع أو كانت المدةا لمنذورة متواصلة في نفسها، فسيأتي حكم التجديد فيها، ويحتاج في نية الاعتكاف المنذور تعيين أن ذلك عن نذره.
تنبيه: قول الشيخ: "لا يصح إلا بالنية" يعرفك أنه لا يصح إلا من مسلم؛ لأنه عبادة بدنية لا يتعلق بها حق آدمي، والعبادة إذا كانت كذلك لا تصح من كافر أصلي ولا مرتد؛ إذ نيتهما غير معتبرة.
واحترزنا بقولنا: "لا يتعلق بها حق آدمي" من غسل الذمية تحت المسلم من الحيض؛ فإنه فيه ما تقدم.
وقول الشيخ يعرفك – أيضاً – أنه لا يصح من المجنون وكذا السكران كما دل عليه قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية [النساء:43] أي: مواضع الصلاة.
وإنما قلنا: إن كلام الشيخ يدل على ذلك لأن المجنون أو السكران لا قصد له صحيح، فلا تتصور النية منه، نعم إذا سكر بعد أن اعتكف أو ارتد أو قطع النية وهو بعد في المسجد فسنذكره إن شاء الله تعالى.
قال: ولا يصح إلا في المسجد.
اعلم أن الألف واللام في "المسجد" لتعريف الماهية لا للعهد – لأنه [لا] معهود – ولا للاستغراق؛ لأنه غير ممكن وإذا كان كذلك فكأنه قال: ولا يصح إلا في مسجد، وقصد به بيان أمرين:
أحدهما: عدم صحت في غير المساجد، وهي المواضع الموقوفة للصلاة.
والثاني: صحته في أي مسجد كان يدل عليه قوله من بعد: "وأن يكون في الجامع" ووجه ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ الآية [البقرة: 188] فعمَّ المساجد بالذكر ولا يخلو ذكرها من أحد أمرين؛ إما أن يكون شرطاً في المنع من المباشرة، او شرطاً لصحة الاعتكاف، والأول باطل لأن المعتكف ممنوع منها في المسجد وحال خروجه لقضاء الحاجة ونحوها فتعين أنه شرط لصحة الاعتكاف.
وأيضاً: فإن هذا النهي ليس لمعنى يعود إلى الاعتكاف؛ لأن غير المعتكف لا يجوز له أن يباشر في المسجد؛ فدل على أن المقصود تخصيص الاعتكاف بالمساجد.
[و] لأن الذي فعله صلى الله عليه وسلم إنما كان في المسجد، وكذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ﴾ الآية [البقرة: 125]؛ لأن الطواف يقع في المسجد الحرام؛ فهو المعني بالبيت وإذا كان كذلك لم يتعده ويؤيده ما روى أبو داود عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [إذا اعتكف] يدني إلي برأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وحاجة الإنسان – هاهنا – أريد بها الغائط والبول هكذا فسره الزهري، وهو راوي الحديث.
ووجه الدلالة منه: أنه لم يخرج إلى بيته لأجل الترجيل كما خرج لحاجة الإنسان.
ولأنه لبث بمكان فاختص بموضع مخصوص؛ كالوقوف.
ولا فرق في جوازه في المسجد بين أني كون في جوفه أو على سطخه.
ولا فرق في امتناعه في غير المسجد بين الرجل والمرأة؛ كما نص عليه في عامة كتبه، حكاه أبو الطيب، وهو الجديد.
قال ابن الصباغ: وذكر أبو حامد في "التعليق": أن الشافعي قال في القديم: "وأكره للمرأة أن تعتكف إلا في مسجد بيتها"، أي: الموضع الذي جعلته لصلاتها من بيتها من غير أن يوقف لذلك؛ فإنه لو وقف لكان مسجداً، ووجهه: أنه موضع فضيلة صلاتها المكتوبة فكان موضعاً لاعتكافها؛ كالمسجد في حق الرجل.
والذي أورده الماوردي، وصححه البغوي وغيره: الأول: لأنه قربة شرط فيها المسجد في حق الرجل فكان شرطاً في حق المرأة، كالطواف، وأما الصلاة فغير
معتبر بها لأنه ليس من شرطها مكان مخصوص؛ لأنها تصح في الطريق، بخلاف الاعتكاف.
وفي "البحر": أن القاضي أبا الطيب قال: لفظ الشافعي في القديم: وأكره للمرأة أن تعتكف في المسجد، وإن كان لا يصح اعتكافها إلا في المسجد، كما كهر لها حضور الجامع لأداء الجمعة، وإن كان لا يجوز لها أن تصلي الجمعة إلا في الجامع.
فالمسألة على قول واحد في المرأة، وغلط من قال: فيها قولان.
قلت: لكن لفظ القاضي في "تعليقه" ينفي هذا الغرض؛ حيث قال: لا خلاف في أن الرجل لا يصح اعتكافه إلا في المسجد، وأما المرأة، فالذي نص عليه في عامة كتبه: أنها كالرجل، وقال في القديم: يصح اعتكافها في بيتها.
وإليه ذهب أبو حنيفة.
وقد رأيت فيما وقفت عليه من "تعليق" البندنيجي عكس الشهور، وهو أن الأول هو القديم، وان الثاني هو الجديد، ويقرب منه ما رأيته في "تعليق" القاضي الحسين: أن الذي نص عليه الشافعي في عدة مواضع من كتبه: أنها لها أن تعتكف حيث شاءت من مسجد بيتها وغيره، وقال في القديم: أكره لها أن تعتكف في غير مسجد بيتها.
وهذا يقتضي أن المسألة على قول واحد، وهو صحته في مسجد بيتها، لكنه قال: ومن الأصحاب من حكى قولاً آخر عن الشافعي: أنه ليس لها أن تعتكف في مسجد بيتها.
وقد حكى القاضي الحسين والفوراني والمتولي وغيرهم – تفريعاً على جوازه للمرأة في مسجد بيتها – وجهين في جوازه للرجل، وهما معزيان في "البحر" إلى القفال والأصح منهما: المنع؛ لأن الرجل [لا] يستحب في حقه التستر، بخلاف المرأة.
تنبيه: قول الشيخ: "ولا يصح إلا في المسجد" يعرفك أنه لا يصح من الجنب، والحائض، والنفساء؛ لأن المكث فيه محرم عليهم، وهو نفس العبادة.
نعم، قد يقال: إذا صححنا اعتكاف المار، يتجه أن يصح اعتكاف الجنب في حال مروره في المسجد فإنه غير محرم عليه.
ويجوز أن يقال بالمنع؛ لأن من شرط صحته من المار: أن يكون بحيث لو قصد المقام فيه، لم يمنع منه، والجنب ليس كذلك، والله أعلم.
قال: والأفضل أن يكون بصوم، أي: إما لأجل الاعتكاف، أو لغيره؛ للخروج من خلاف أبي حنيفة وغيره؛ فإنه جعل الصوم شرطاً في صحته وإن لم يكن الصوم له لخصوصه [تمسكا بفعله – عليه السلام – فإنه لم ينقل أنه اعتكف إلا وهو صائم؛ فدل على انه شرط فيه، وإذا كان كذلك] فلا يصح في يوم العيد وأيام التشريق ولا في الليل منفرداً؛ لعدم قبول ذلك للصوم المطلق، وهو قول قديم حكاه القاضي أبو حامد [في "جامعه"]، لكنّ أبا حنيفة جوزه في الليل تبعاً للنهار، وعندنا لا يجوز في الليل على هذا القول تبعاً كما حكاه الإمام.
والجديد: الأول؛ حملاً لفعله صلى الله عليه وسلم على الاستحباب، بدليل ما رواه البخاري ومسلم عن عمر – رضيا لله عنه – أنه قال: يا رسول الله إني في الجاهلية نذرت أن أعتكف في المسجد الحرام ليلة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أوف بنذرك"، ووجه الدلالة منه: أنه أمر بالوفاء بنذر الاعتكاف ليلة والليل غير قابل للصوم فدل على أن الصوم ليس شرطاً لصحته.
فإن قيل: قد ثبت في "الصحيح" عن عمر أنه قال: "إني نذرت أن أعتكف يوماً" فلا دليل لكم في الخبر، وعلى الرواية الأولى فهو محمول على ما إذا كان قد نذر الليلة تبعاً للنهار كما نقول: إنه في حال خروجه لقضاء الحاجة معتكف وإن كان لا يصح اعتكافه في غير المسجد؛ ويدل على ذلك – أيضاً – أنه جاء في بعض الطرق: أن عمر قال: "إني نذرت أن اعتكف يوماً وليلة".
قلنا: ما ثبت في "الصحيح" – مع ما ذكرناه – خبران يمكن استعمالهما، لا يطرح أحدهما بالآخر، وما جاء في بعض الطرق، فقد قال أئمة الحديث: إن الراوي له تفرَّد به، وهو ضعيف لا يستدل بحديثه.
ولا نسلم أن الليل يتبع النهار كالخروج لقضاء الحاجة؛ لأن زمان الخروج يسير؛ فجاز أن يتبع الكثير، والليل قد يكون مثل النهار أو أكثر بأن يقع ابتداء ذلك بالليل، والكثير لا يتبع القليل، وهذا منا جواب على قولنا: إنه في حال خروجه لقضاء الحاجة معتكف كما هو الصحيح.
أما إذا قلنا: إنه [غير] معتكف، فيكفينا المنع، وقد روى الدارقطني بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه".
ولا يعارضه ما روي عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا اعتكاف إلا بصوم"؛ لأن الصحيح أن هذا من قول عائشة، وقد قال بخلافه علي وابن مسعود، على أنه يحمل إن صح على الأكمل، أو على الاعتكاف المنذور فيه الصوم.
ولان الليل زمان يصح ابتداء الاعتكاف فيه بوفاق الخصم، فنقول: زمان يصح ابتداء الاعتكاف فيه؛ فيصح الاقتصار عليه؛ كالنهار.
ولأن الصوم لو كان شرطاً في صحته، لما صح ابتداؤه إلا به كالطهارة في الصلاة.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أنه إذا نذر أن يعتكف بصوم لزم ذلك له؛ حتى لا يخرج عن نذره بدون ذلك؛ عملاً بما سنذكره في باب النذر.
وقد قال الأصحاب: إنه إن نذر أن يعتكف يوماً هو فيه صائم، أو أياماً هو فيها صائم، لزمه الاعتكاف في أيام الصوم؛ لأنه لما كان بالصوم أفضل، لزم بالنذر، كما لو ألزم التتابع فيه، ولا يجزئه حينئذ أن
يعتكف إلا وهو صائم، سواء كان صائماً لأجل الاعتكاف أو غيره، وهذا مما لا خلاف فيه [في المذهب]، صرح به الرافعي تبعاً للمتولي والبغوي.
وإن قال: لله عليَّ أن أعتكف يوماً صائماً إن شي الله مريضي، فشفاه – لزمه اعتكاف يوم وصيام يوم بلا خلاف، لكن هل يتعين صوم يوم الاعتكاف؛ للخروج عن موجب النذر، حتى لو اعتكف بغير صوم أو صام بدون اعتكاف لا يجزئه، أو لا يتعين؛ فيجزئه أن يعتكف يوما، ويصوم آخر؟ فيه وجهان مأخوذان من قول الشافعي في "المختصر": "فإن نذر اعتكافاً بصوم فأفطر، استأنف":
[فمنهم من قال – وهو أبو علي الطبري: أراد استأنف] الصوم، فأمّا الاعتكاف فلا، لأن الصوم ليس شرطاً عند الإطلاق، فكذا عند النذر كما لو قال: لله علي أن أعتكف مصلياً فإنه يلزمه أن يصلي ركعتين كيف كان، وإذا كنا كذلك أجزأه أن يفرد كلا منهما عن الآخر.
ومنهم من قال – وهو ابن سريج وأبو إسحاق المروزي، وسائر أصحابنا؛ كما قال القاضي أبو الطيب -: إنه أراد أنه يستأنفهما جميعاً، وهو الذي صححه القاضي
الحسين وغيره وادعى البندنيجي والبغوي انه المذهب؛ لقوله في "المختصر الكبير" – وهو "الأم" – كما قال البندنيجي-: وإذا أفطر المعتكف، استأنف الاعتكاف؛ إذا كان اعتكافه واجباً بصوم، وليس كل ما لا يلزم [بغير النذر لا يلزم بالنذر؛ دليله: التتابع؛ [فإنه لا يلزمه عند إطلاق نذره، ويلزم فيه إذا شرط التتابع] فيه.
والفرق بينه وبين الصلاة – إن سلم الحكم فيها، كما ستعرفه -: [أن بين الصوم] والاعتكاف مشابهة؛ لان الصوم كف وإمساك عن المفطرات والجماع، وكذا الاعتكاف كف عن البروز والخروج وعن الجماع؛ فجاز أن يجمع بينهما بالنذر ويكون أحدهما صفة للآخر، ولا مشابهة بين الصلاة والاعتكاف؛ فإن الاعتكاف لبث ومقام، والصلاة أفعال وأذكار، وإذا لم يكن بينهما مشابهة، جاز ألا يلزم الجمع بينهما بالنذر.
قال القاضي الحسين: فإن قيل: هذا يشكل بقوله: لله عليَّ أن أصوم معتكفاً؛ فإنه لا يلزمه الجمع بينهما [بالنذر] وأيضاً: فإن بين الصوم والاعتكاف مفارقة؛ [من حيث إن الأكل يضاد الصوم دون الاعتكاف، وبين الصلاة والصوم مشابهة] من حيث إن كلا منهما يقتضي الكف عن الأكل والشرب ومع ذلك، لمي لزمه الجمع بينهما بالنذر].
قلنا: أما النص، فقد اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه وجهان كالمسألة الأولى؛ فلا فرق بينهما؛ وهذه الطريقة التي اختارها الإمام، وجزم بها البغوي، ولا يظهر بينهما فرق.
ومنهم من قال: يلزمه الجمع في الأولى دون هذه وهي طريقة الشيخ أبي محمد والتي صححها الغزالي، والفرق: [أنه] في الأولى جعل الصوم وصفاً للاعتكافوهو من مندوباته؛ فجاز أن يصير صفة له؛ كالتتابع في الصوم، وفي هذه الصورة جعل الاعتكاف وصفاً للصوم، وليس من مندوباته؛ فلا يصير وصفاً فيه؛ كما لو نذر أن يعتكف مصلياً، أو يصلي معتكفاً؛ فإنه يلزمه الإتيان بهما كيف شاء: مجتمعين ومفترقين.
لكن [من] الذين قالوا بالطريقة الأولى – وهو المتولي- من قال: إن الإعتكاف مشروع في الصوم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف في رمضان، وأما إذا نذر أن يعتكف مصلياً، ففي لزوم الجمع [له] طريقان جاريان – كما قال، وتبعه الرافعي – فيما لو نذر أن يعتكف يوماً محرماً:
أحداهما: طرد الوجهين؛ وعلى هذا فلا فرق.
والثانية: القطع بعدم اللزوم؛ لما ذكرناه من الفرق، وهي الطريقة الصحيحة بالاتفاق، وعليها قال المتولي: يلزمه من الصلاة ما يلزمه عند إطلاق نذر الصلاة، [أي]: وهو [في] ركعة في قول، وركعتان في آخر، وهو الذي أورده في "التهذيب".
وكذا إذا قلنا بلزوم الجمع بين الاعتكاف والصلاة، جاء في قدر الصلاة الخلاف المذكور، وإذا كان قد نذر اعتكاف أيام مصلياً، لزمه ذلك القدر في كل يوم.
قال الرافعي: وأنت بسبيل من أن تقول: ظاهر اللفظ يقتضي الاستيعاب؛ فإنه جعل كونه مصلياً صفة لاعتكافه، فإذا تركنا هذا الظاهر؛ فلم يعتبر تكرير القدر الواجب من الصلاة في كل يوم، وهلا اكتفى به في جميع المدة؟!
قال: وأن يكون في الجامع؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حيث اعتكف [اعتكف] في مسجده، وهو المسجد الجامع، وقد علله القاضي الحسين بأمرين:
أحدهما –ذكره القاضي أبو الطيب أيضاً والإمام -: أن صلاته في المسجد الجامع أفضل؛ لأن الجماعة فيه أكثر، ومهما كثرت الجماعة فالصلاة أفضل.
والثاني: أنه لا يحتاج إلى الخروج منه للجمعة، وإذا كان في غيره يحتاج إلى الخروج منه [لأجل] الجمعة، وقد قال علي – كرم الله وجهه -:"لا اعتكاف إلا في جامع" ومعناه: لا اعتكاف كاملاً إلا في جامع، [ولا اعتكاف إذا كان منذوراً أكثر من أسبوع متتابعاً إلا في جامع] فإنه ينقطع اعتكافه بالخروج إلى الجمعة إذا كان في غيره على الأصح.
قلت: وقضية ذلك: أن يقع الكلام في صور:
إحداها: إذا كان [في جواره] مسجد ليس فيه جماعة، وتحصل بصلاته فيه – أن يكون اعتكافه فيه أفضل؛ نظراً للمعنى الأول؛ لما تقدم: أن الصلاة في مسجد الجوار – إذا كان بالصفة المذكورة- أفضل.
الثانية: إذا كان قصده أن يعتكف دون الأسبوع، استوى الاعتكاف في مسجد الجامع و [في] غيره؛ نظراً للمعنى الثاني، وقد قاله القاضي الحسين حيث قال: إذا اعتكف في غير المسجد الجامع، ولم يزد على ستة أيام حتى أمكنه الفراغ منه للجمعة – فهذا هو المستحب.
الثالثة: أن اعتكاف المرأة في الجامع وغيره سواء؛ نظراً للمعنيين؛ فإن صلاتها في بيتها أفضل في حقها، وعليه ينطبق قول المزني في "المختصر": "والعبد والمرأة والمسافر يعتكفون حيث شاءوا؛ لأنه لا جمعة عليهم".
قال القاضي الحسين وغيره: وأراد بذلك الفرق بين الحر المقيم لا يعتكف إلا في الجامع إذا زاد اعتكافه – أي: المنذور – على ستة أيام؛ لئلا يحتاج للخروج
للجمعة، والمسافر إذا أراد اعتكاف ثلاثة أيام فما دونها وفيها يوم الجمعة، وكذا العبد والمرأة إذا أراد اعتكاف ذلك فما فوقه- اعتكفوا حيث شاءوا؛ لأنه لا جمعة عليهم؛ وهذا في حق المرأة التي لا يكره لها الاعتكاف، وهي التي لا يكره لها حضور الجماعات؛ إذا قلنا بقوله الجديد: إن اعتكاف المرأة في مسجد بيتها لا يصح، أما إذا قلنا بصحته، فيجوز أن يقال: إنه في مسجد بيتها أفضل؛ لأنه أستر لها، ويجوز أن يقال: إنه في المسجد أفضل؛ للخروج من الخلاف.
والتي يكره لها الاعتكاف في المسجد، [وهي التي يكره لها حضور الجماعات – فالاعتكاف في المسجد الجامع في حقها أشد] كراهة.
ومن هنا يظهر أن كلام الشيخ مخصوص بالرجال دون النساء.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه لا فرق في كون الاعتكاف في الجامع أفضل بين المنذور وغيره، وقد يقال: إنه يخالف ما ذكره الأصحاب؛ فإنه حكى عن صاحب "التلخيص" أنه قال: لا يتعين الاعتكاف في مسجد إلا في موضعين:
أحدهما: أن ينذر اعتكافاً متتابعاً، ثم يشرع فيه في مسجد؛ فإنه لا يجوز [له] الانتقال إلى غيره؛ لأن [بالخروج] للانتقال ينقطع التتابع.
الثاني: أن ينذر اعتكاف سبعة أيام فأكثر متتابعة، فلا يجوز له إلا في مسجد
الجامع؛ فإنه متى شرع في غيره، وجب الخروج إلى الجمعة، فإذا خرج بطل تتابعه، ووجب عليه الاستئناف.
وقد وافقه القاضي أبو الطيب في هذه الصورة، وهو موافق لما حكيناه عن كلام [من] [شرح النص] في "المختصر"، وإذا كان كذلك فينبغي تخصيص كلام الشيخ بغير المنذور وبالمنذور إذا كان لا يدخل في نذره يوم الجمعة، أو دخل فيه وهو ممن لايلزمه حضور الجمعة؛ كما ذكره الشافعي، أو كان غير متتابع.
قلت: يجوز حمل كلام الشيخ على ظاهره، وأما ما ذكره صاحب "التلخيص" في الصورة الأولى، فإنما يرد إذا كان قد شرع فيه في الجامع، [وحينئذ] فنقول: [قد قال] ابن الصباغ حكاية عن الأصحاب: إن له الخروج لقضاء الحاجة، وإذا خرج لقضاء الحاجة، ثم عاد إلى مسجد آخر في طريقه، جاز، ولم يتعين عليه الأول.
وإن جرينا على [ظاهر قول] صاحب "التلخيص" - كما سنذكره [في الفرع بعده وجهاً عن رواية الإمام - فنقول: تعين الجامع في هذه الصورة وقع في دوام الاعتكاف] وكلام الشيخ في ابتدائه.
وأيضاً: فإن تعيينه في هذه الصورة ليس من جهة الاعتكاف، بل من خارج وهو الشروع فيه؛ وبهذا يحصل الجواب عن الثاني؛ لأن [تعيين] الجامع كما ذكره صاحب "التلخيص" من أجل الجمعة، وكلام الشيخ مسوق لما هو من خصائص الاعتكاف، ومن هنا يتوجه على صاحب "التلخيص" سؤال، [وهو] يحتاج في تقديره إلى ذكر فرع [قبله] وهو أنه لو نذر الاعتكاف في مسجد هل يتعين؟
قال العراقيون: إن كان ما عيَّنه المسجد الحرام، تعين، وإن كان مسجد المدينة والمسجد الأقصى، ففي تعيينه قولان؛ كما إذا نذر المضي إليهما، وما عدا ذلك لا يتعين؛ كذا حكاه الماوردي وأبو الطيب وابن الصباغ.
وحكى [البندنيجي عن] ابن سريج طرد القولين في غيرهما من المساجد.
سوى المسجد الحرام؛ ولأجل ذلك حكاهما القاضي الحسني وجهين ويجريان بالترتيب إن قلنا: لا يتعين المسجد، فغيرهما أولى، وإلا فوجهان.
وقد عكس الإمام هذا الترتيبن فقال: إذا نذر الاعتكاف في مسجد هل يتعين؟ فيه وجهان، ظاهر النص تعينه.
يعني بذلك: ظاهر نصه في "الأم" و"الجامع الكبير"، حيث قال: "إذا أوجب المرء على نفسه اعتكافاً في مسجد، فانهدم المسجد [فإنه] يرجع إذا بني المسجد، ويبني"، فلولا تعين المسجد لأمره بالخروج إلى مسجد آخر حتى يتم هناك.
[ثم] قال الإمام: والسبب في ذلك أن الاعتكاف في الحقيقة انكفاف عن [الانتشار في سائر الأماكن، والتقلب فيها؛ كما أن الصوم انكفاف عن] أشياء مخصوصة؛ فنسبة الاعتكاف إلى المكان كنسبة الصوم إلى الزمان، ولو عين الناذر يوماً لصومه، تعين اليوم على المذهب الأصح؛ فليتعين المسجد بالتعيين أيضاً.
قال: ويخالف غيره ذلك ما إذا نذر الصلاة [في غير المساجد الثلاثة، لا تتعين؛ لأن الصلاة] تصح في أي موضع كان، ولا يؤثر فيها المسجد؛ فلا تتعين بالنذر والاعتكاف إنما يصير قربة بالمسجد، فله أثر في الاعتكاف؛ فإذا عيَّن بالنذر تعين.
قال في "البحر": وهكذا ذكره ابن أبي أحمد في "المفتاح"؛ ولأجل ذلك قال الرافعي: إن القول بالتعيين هو الأصح.
وقال في "البحر": إنه غير صحيح، والمسألة على قول واحد: [أنه] لا يتعين، وكلام الشافعي محمول على الاستحباب أو على ما إذا كان قد عين أحد
المساجد الثلاثة، إلا أنه يبعده قوله: "وإذا أوجب على نفسه اعتكافاً في مسجد، فانهدم"؛ فإن الظاهر أنه أراد العموم.
[و] قال القاضي أبو الطيب: إنه محمول على ما إذا قد عين الاعتكاف في مسجد لويس في القرية سواه.
ثم قال الإمام: فإن قلنا بالتعيين، فلو كان قد نذر اعتكافاً في أحد المساجد الثلاثة، تعين من طريق الأولى.
وإن قلنا: لا يتعين غيرها من المساجد، ففي تعيين [أحد المسجدين قولان] وفي تعيين المسجد الحرام طريقان:
أحداهما: القطع بالتعيين.
والثانية: طرد القولين؛ كما قلنا في الصلاة.
فإن قلنا بالتعيين، فلا يجزئه إذا كان قد عين [المسجد الحرام الاعتكاف في غيره، ويجزئه اعتكافه فيه إذا كان قد عين] غيره له، وكذا يجزئه اعتكافه في مسجد المدينة عن المسجد الأقصى، وفيه شيء سأذكره في باب النذر.
وإن قلنا بعدم التعيين فيما عدا المساجد الثلاثة، فاعتكف فيما عينه، ثم خرج لقضاء حاجة، فعاد إلى غيرهن وهو مثله في المسافة أو أقرب منه، ثم أعاد ذلك مثلاً في كل خرجة- قال الإمام: فمنهم من قال بالجواز، وهوا لقياس، ومنهم من منع هذا؛ صائراً إلى أن الخوض في الاعتكاف في مسجد يوجب إتمامه فيه، وإنما الكلام فيما قبل الشروع.
وهذا ساقط لا أصل له؛ فينبغي ألا يعتد به.
إذا تقرر ذلك، عدنا إلى الكلام مع صاحب "التلخيص" - وهو ابن أبي أحمد -وقلنا له: ينبغي أن تستثني أيضاً ما إّا عين مسجداً للاعتكاف؛ فإنه تعين عندك؛ كما
ذكرته في "المفتاح"، والله أعلم.
واعلم أن الأصحاب استحبوا للمعتكف ترك الحرفة:
[أما] إذا كان محترفاً؛ فللخروج من خلاف مالك – رحمه الله – فإنه يرى أن المحترف إذا فعل حرفته في معتكفه لا يصح اعتكافه، وهو قول قديم للشافعي في الاعتكاف المنذور.
قال الرافعي: ورواه بعضهم في مطلق الاعتكاف وكأنه يشير إلى قول الإمام بعد حكاية [مذهب] مالك: وفي بعض التصانيف [إضافة هذا إلى الشافعي على البت، [وهو غلط] صريح.
وما ذكره الإمام عن بعض التصانيف] قد رأيته في الأصل من "الإبانة"، لكن في حاشيتها – مخرَّجاً تخريج ما هو من الأصل – نسبة ذلك إلى مالك، ونسبة الصحة إلينا وكتب عليها "صح"، وهي بخط من كتب عليها حواشي أخر حالة المقابلة، والنسخة التي وقفت عليها مؤرخة بالمحرم سنة خمس وخمسين وأربعمائة.
وأما غير المحترف؛ فلأن الاحتراف لا يليق في المساجد؛ روي أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فقال: "لا وجدت، إن المساجد ما بنيت لهذا، إنما بنيت لإقامة ذكر الله وصلاة"، وفي رواية أخرى: "أيها الناشد غيرك الواجد".
فإذا ثبت ذلك، فإن خالف واحترف في المسجد، مثل: أن اشترين وباع، وخاط، ونحو ذلك كان مكروهاً؛ نص عليه، وهو الذي حكاه الماوردي.
فإن قيل: قد قال في "المختصر": "ولا بأس أن يشتري ويبيع ويخيط ويخالط
العلماء ويحدث ما لم يكن إثماً، ولا يفسده سببا ولا جدال"، وهذا يدل على عدم الكراهة؛ فينبغي أن يكون في الكراهة قولان.
قلت: قد حكاهما البندنيجي في حالة كثرة ذلك منه، وجزم بعدمهما في اليسير كشراء القوت والثوب.
وغيره لم يذكر ذلك، بل قال: ليست على قولين، بل قوله: "فلا بأس" عني به: أنه لا يسد الاعتكاف به، أولا بأس لمعنى يعود إلى الاعتكاف؛ فإن كراهة ذلك لكونه في المسجد معتكفاً كان أو غير معتكف.
قلت: ولهذا المعنى لم يذكر الشيخ هذا الفرع وإن ذكره غيره مع اختلاف العلماء في الجميع.
وقد تضمن نص الشافعي: أن السباب والجدال لا يفسد الاعتكاف، وبه صرح الأصحاب مع القطع بالكراهة؛ لأجل خصوص المسجد أيضاً.
وقال الصيدلاني: إنه يذهب أجره بذلك.
قال الإمام: والخوض في ذلك ليس من شأن الفقهاء، والثواب غيب لا يطلع عليه، وإن ورد خبر في أن الغيبة تحبط الأجر، فهو تهديد مؤوَّل، وقد ورد مثله في الترغيب.
قال: وإن نذر الاعتكاف بالليل، أي: مثل أن قال: [لله علي] إن شفى الله مريضي أن أعتكف ليلة أو عشر ليال، مثلاً فشفاه الله - لم يلزمه بالنهار.
وإن نذر بالنهار، أي: مثل أن قال: إن قدم غائبي، فلله علي أن أعتكف نهاراً أو عشرة- لم يلزمه بالليل؛ لأن لفظه لم يتناوله، وكذا لو نذر اعتكاف يوم، لم يلزمه [اعتكاف ليله]، واللازم له ما صرح بإلزامه فقطن وسكوت الشيخ عنه؛ للعلم به بما ذكره في أول الباب.
قال الأصحاب: ويلزمه في الأولى أني دخل المسجد قبل الغروب، ويبقى فيه إلى طلوع الفجر، وفي الثانية يلزمه أن يدخله قبل طلوع الفجر، ويديمه إلى غروب الشمس؛ كذا حكاه البندنيجي في موضع من "تعليقه"، وهو المنصوص في "المختصر".
وقال في موضع آخر منه: إذا جعل على نفسه اعتكاف يوم، دخل في نصف النهار
إل مثله من [الغد].
واختلف الأصحاب لأجل ذلك على وجهين في أنه لو أراد وقد نذر اعتكاف يوم: أن يدخل المعتكف من نصف النهار، ويكمله بالنصف من الغد - هل يجزئه أم لا؟ فالذي صححه القاضي الحسين، وادعى في "البحر" أنه ظاهر المذهب -: الإجزاء.
والذي قال به أبو إسحاق المروزي، وصححه الماوردي وغيره -: المنع؛ عملاً بالنص الأول، وقالوا: النص الثاني محله إذا كان في نصف النهار قد قال: لله علي أن أعتكف يوماً من الآن.
ويؤيده بأنه جزم فيه بأنه يدخله في نصف النهار، وهو لا يجب كذلك فيما إذا أطلق ذكر اليوم بل هو مخير فيه عند من قال بالإجزاء بين أن يدخل فيه قبل الفجر أو نصف النهار؛ ولهذا عبر البندنيجي في موضع آخر من "تعليقه" عن الوجهين [بأن المتابعة عليه] في اعتكاف اليوم المنذور: هل تجب أو لا تجب، بل هو مخير: إن شاء تابع، وإن شاء فرق؟ فإن اختار المتابعة، أو قلنا بوجوبها، فعليه أن يدخل كل نهاره في المسجد، وذلك بأن يفعل ما ذكرناه.
وإن اختار التفريق، فأي وقت دخل من النهار اعتكف إلى مثله.
قال: وهل عليه أن يعتكف الليلة التي بينهما؟ على وجهين:
المذهب: أن ذلك عليه، وهو الذي أورده الماوردي لا غير.
[قلت]: كما لو قال بعد الزوال: لله على أن أعتكف يوماً من وقتي هذا؛ فإنه يلزمه الليلة بلا خلاف بينهم، وإن أبدى الرافعي احتمالاً فيها.
نعم، اختلفوا في علة اللزوم ما هي؟
فقيل: لأنها متخللة بين زمانين وجب عليه فيهما الاعتكاف.
وقيل: لتخللها بين الزمانين واتصالها بكل واحد منهما.
قال القاضي أبو الطيب: [وهذا أصح]؛ لأن الأول يبطل بما إذا نذر اعتكاف رجب ورمضان؛ فإن شعبان متخلل بين الزمانين، ولا يلزمه اعتكافه.
والوجه الثاني: أنه لا يلزمه اعتكاف الليلة، وقد ادعى في "البحر" أنه المذهب؛ فيكفيه النصفان، وأن من قال: تلزمه الليلة، فقد غلط؛ لأن الليل إنما يلزم عند وجوب التتابع؛ لأنه لا ينفك عنهما إذا دخل في نصف النهار، أما إذا جوزنا التفريق فلا حاجة إلى الليل، قال: وهذا اختيار القفال.
وقد سلك الإمام والرافعي في ذلك طريقاً آخر فقالا تفريعاص على منع التفريق: إنه إذا ابتدأ الاعتكاف من وقت الزوال إلى غروب الشمس، فلما غربت، خرج، ثم عاد إلى المعتكف مع الفجر، فاعتكف إلى مثل ذلك الزمان الذي أنشأ الاعتكاف فيه في أمسه – فلا يجزئه.
وإن لم يخرج من معتكفه ليلاً حتى انتهى إلى مثل زمان إنشاء الاعتكاف فيه، فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب: جواز ذلك.
وحكى العراقيون عن أبي إسحاق وجهاً اختاره لنسه: أنه لا يجزئه؛ فإنه لم يأت بيوم متواصل الساعات من الطلوع إلى الغروب، واعتكافه تلك الليلة لا مبالاة به، وهو غير محسوب.
قال الإمام: وهذا الذي ذكره منقاس متجه، وعرض عليه نص الشافعي في تجويز ذلك مع مصيره إلى [أن] تفريق الساعات غير مجزئ، فقال: نصه محمول على ما إذا قال: لله علي أن أعتكف يوماً [من وقتي هذا.
قال البندنيجي: والحكم فيما لو نذر أن يعتكف ليلاً كالحكم فيما لو قال: لله علي أن أعتكف يوماً].
وقد ذكرناه.
وقد حكى الإمام وغيره الوجهين المذكورين في إجزاء النصف من يومين – وقد نذر يوماً – في إجزاء الثلث من ثلاثة أيام والصورة هذه، ونسب القاضي الحسين المنع إلى أبي إسحاق أيضاً، والجواز إلى غيره من الأصحاب، وما ذكرناه من قبل [يأبى] ذلك، ولا شك في أن هذه الصورة تترتب على التي قبلها، وأولى بالمنع، ولأجل ذلك قال في "الوسيط": لو نذر اعتكاف يوم، ففي جواز التقاط ساعاته من أيام وجهان: أصحهما: المنع، وعلى مقابله قال الإمام – رحمه الله -: ينبغي أن
يكفيه ساعات أقصر الأيام، لأنه لو اعتكف أقصر الأيام جاز، ثم حكى ذلك عن الأصحاب وقال: إنه يتجه في النظر أن يعتبر جزء كل يوم منسوباً إليه، حتى إن فرق الساعات على أيام هي أقصر الأيام في السنين فالأمر كذلك، وإن اعتكف في أيام متباينة في الطول والقصر، فينبغي أن ينسب اعتكافه في كل يوم بالجزئية إليه، إن كان ثلثاً فقد خرج عن ثلث ما عليه، وعلى هذا القياس ينظر إلى اليوم الذي يوقع فيه الاعتكاف؛ ولهذا لو اعتكف بقدر ساعات أقصر الأيام من يوم طويل، لم يكفه.
ثم قال: ويتجه وينقدح جواب غير هذا بأن يقال: إذا كان يواصل فليأت بيوم كامل، أو من نذر اعتكاف يوم فاعتكف أطول الأيام، [فكل ما] جاء به فرض، ولو اعتكف في أقصر النهار، فالذي جاء به فرض.
قال الرافعي: وهذا لا ينبغي والذي ذكره أولا مستدرك حسن.
ولا خلاف في أنه إذا قال: لله علي أن أعتكف شهراً، في لزوم اعتكاف لياليه وأيامه؛ لأن لفظ "الشهر" يشملهما، اللهم إلا أن يقول: أعتكف شهراً بالنهار؛ فإنه لا يلزمه الليل؛ نص عليه في "الأم" و"المختصر"، وفي معناه ما لو قال: شهراً بالليل.
ويجزئه عند إطلاق نذر الشهر اعتكاف ما بين الهلالين إذا شرع فيه في أوله، وإلا فلابد من ثلاثين يوماً وثلاثين ليلة، وهل يجب التتابع في ذلك؟ فيه خلاف، والمذهب - كما قال في "الوسيط" وغيره -: أنه لا يلزمه، بل يتسحب؛ لقوله في "المختصر": "وإن جعل على نفسه اعتكاف شهر احتسبه متتابعاً"، وكذلك جزم باستحبابه أبو الطيب والماوردي؛ كما في الصوم.
والفرق بينه وبين ما لو نذر اعتكاف يوم؛ حيث يلزمه التتابع فيه على المذهب: أن اليوم عبارة عن ساعات محصورة بين الطول والغروب على اتصال؛ كما قاله الخليل، والأيام المتفرقة إذا استكملت ثلاثين تسمى: شهراً.
وقد قال ابن سريج: إنه يلزمه التتابع عند نذر الشهر – أيضاً- تخريجاً مما
سنذكره، وهو مذهب أبي حنيفة؛ كما لو حلف لا يكلم فلاناً شهراً؛ فإنه يترك كلامه شهراً متتابعاً.
والفرق بينه وبين ما لو نذر صوم شهر؛ حيث لا يلزمه التتابع فيه: أن الليالي في الصوم تقطع التتابع بخلاف الاعتكاف.
قال الأصحاب: وهذا فاسد؛ لأن الليل لا يقطع التتابع في الصوم؛ بدليل الكفارة.
والفرق بين ما نحن فيه ومسألة اليمين من وجهين:
أحدهما: أن القصد من الحلف على ترك الكلام؛ الهجران، وذلك لا يتحقق بدون التتابع بخلاف الاعتكاف.
والثاني: أن حلفه يقتضي المنع من الكلام عقيب اليمين؛ فتعين التتابع بحكم الوقت، لا بحكم اللفظ، وليس كذلك الاعتكاف.
نعم، لو قال: لله علي أن أعتكف شهراً من الآن، أو: هذا الشهر – تعين التتابع فيه ضرورة لا قصداً؛ حتى لو أفسد [يوماً منه] لم يلزمه قضاء ما مضى، ولو ترك اعتكافه بجملته لم يجب التتابع في قضائه، اللهم إلا أن يقول: لله علي أن أعتكف شهر كذا متتابعاً؛ فن في لزوم التتابع في القضاء في هذه الصورة وجهين حكاهما الفوراني وغيره، ووجه المنع: أن التتابع – والحالة هذه – وقع ضرورة أيضاً، وكان التصريح به كالسكوت عنه، لكن الذي ذكره البندنيجي وهو المختار في "المرشد" والأصح في "الرافعي": مقابله.
وقد حكى في "البحر" فيما إذا لم يتعرض لذكر التتابع في الشهر المعين، وفاته عن رواية أبي يعقوب الأبي، وروى عن ابن سريج أنه قال: يقضيه متتابعاً، [وأنه قال: يحتمل أن يكون ذلك فيمن نذره متتابعاً] لمكان نذره.
والحكم فيما لو نذر اعتكاف العشر الأخير من رمضان، أو من شهر غيره –كالحكم فيما لو نذر اعتكاف شهر معين في دخول الليالي والأيام في نذره، والتتابع وعدمه، وكونه لا يلزمه عند نقص الشهر قضاء يوم آخر بخلاف ما لو نذر اعتكاف عشرة أيام من آخر الشهر؛ فإن في لزوم اعتكاف لياليه من الخلاف ما سنذكره، ولو
نقص الهلال، لزمه قضاء يوم.
قال: وإن نذر اعتكاف يومين متتابعين، أي: بأن قال: لله علي إن شفى الله مريضي أن أعتكف يومين متتابعين، فشفاه الله – لزمه اعتكاف يومين متتابعين؛ لأن التتابع قربة مقصودة فيه فلزمته كما لزمه أصله؛ وهذا بخلاف ما لو نذر صلاة يقرأ فيها سورة كذا فإنه يلزمه الإتيان بالصلاة وبالسورة، لكن هل يلزمه الجمع؟ فيه الخلاف الذي سبق فيما لو قال: لله عليّ أن أعتكف صائماً، والفرق: أن تعيين سورة في الصلاة، ليسمن المندوب في الشرع إلا في بعض الصلوات، ولا كذلك التتابع في الاعتكاف والصوم.
ولا يخرج عن نذره باعتكاف يومين متفرقين وليلة إن أوجبنا الليلة بينهما؛ لفوات الوصف الأفضل، وهذا بخلاف ما لو نذر اعتكاف يومين متفرقين؛ فإنه يجزئه أن يأتي بهما متتابعين؛ قال القاضي أبو الطيب، ولم يحك في "المهذب" و"الوسيط" سواه لأنه زاد خيراً، وأشار في "الخلاصة" إلى خلاف فيه بقوله: أجزأه على الأصح.
وتبعه الرافعي، وقد أشار إليه في "البحر" بقوله: وقد سمعت أن بعض أصحابنا بخراسان قال: لا يجوز متتابعاً، ويلزمه التفريق، ورأيته عن والدي الإمام، رحمه الله.
وفرَّع عليه، فقال: إذا نذر عشرة أيام متفرقة، فاعتكف عشرة أيام متتابعة، أجزأه منها خمسة: الأول، والثالث، والخامس، والسابع، [والتاسع] قال: والأول أصح عندي.
قال: وفي الليلة [التي] بينهما وجهان:
أصحهما: أنه لا يلزمه؛ لأنه زمان لا يتناوله لفظه؛ فلا يلزمه اعتكافه؛ كما لا تلزمه [الليلة] قبلهما والليلة بعدهما؛ وهذا ما ادعى البندنيجي أنه أقيس، وحكى الإمام عن شيخه القطع به، وقال: نه منقاس حسن.
ولأجله قال في "الوسيط" في نظير المسألة – كما سنذكره -: إنه الأصح.
واختاره في المرشد.
ومقابله: أنه يلزمه؛ لأن ذلك من ضرورة التتابع في اليومين مع إمكان الاعتكاف فيها، وبهذا خالف الصوم لأنه في الليل غير ممكن؛ فكان التتابع فيه إيقاع اليوم بعد اليوم؛ وهذا ماحكاه الإمام عن العراقيين، وادعى البندنيجي أنه المذهب.
قلت: تمسكاً بقوله في "المختصر": "إذا نذر اعتكاف يوم، دخل فيه قبل الفجر إلى غروب الشمس، وإن قال: يومين، فإلى غروب الشمس من اليوم الثاني".
وقال الرافعي: الوجه التوسط: فإن كان المراد من التتابع توالي اليومين، فالحق ما ذكره صاحب "المهذب"، وإن كان المراد تواصل الاعتكاف، فالحق ما ذكره الأكثرون.
قلت: وإذا كان هذا هو الحق، لزم أن يكون الحق ألا يلزمه عند الإطلاق الليلة؛ لأن الأصل براءة الذمة منها.
وقد وافق البندنيجي [الشيخ] على جريان الوجهين فيما إذا شرط التتابع، وقال: إنهما جاريان فيما إذا أطلق.
وهو قضية ما في "تعليق" القاضي الحسين؛ فإنه قال بعد حكاية النص كما ذكرنا: إن أصحابنا اختلفوا فيه:
فقال أبو إسحاق: لا يلزمه الليل بحال إلا أن ينويه، وما ذكره الشافعي على سبيل الاستحباب.
وقال غيره: صورته: إذا نوى بقلبه التتابع، فأوجب الليل حتى يتصل النهاران، فأما إذا لم ينو فلا يلزمه.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الحاوي" و"الشامل" و"التتمة" و"البحر": أن الوجهين في لزوم الليلة إذا أطلق؛ وإن ظاهر كلام الشافعي منهما – والحالة هذه – اللزوم؛ لأنه قال – كما حكاه القاضي الحسين عن رواية ابن سريج -: "إذا نذر اعتكاف يومين، فإنه يلزمه يومان فيما بينهما ليلة" وقال في "المختصر" ما حكيناه من قبل، وهو الذي صححه القاضي أبو الطيب والماوردي وصاحب "البحر".
وقالوا فيما إذا قال: يومين متتابعين" -: إنه يلزمه اعتكاف الليلة التي بينهما وجهاً واحداً؛ لأنها من ضرورة اليومين المتتابعين.
وإذا جمعت بين الطريقين، واختصرت، قلت: في الليلة ثلاثة أوجه – كما حكاها في "المهذب"؛ ثالثها: إن شرط التتابع لزمته وإلا فلا.
وقد حكى في "الوسيط" الأوجه الثلاثة هكذا فيما لو نذر ثلاثة أيام أو ثلاثين يوماً:
أحدها: يجب اعتكاف الليل كما في الشهر.
والثاني: لا، وهو الأصح؛ اتباعاً للفظ.
والثالث: أنه إن نذر التتابع لزمت الليالي، وألا فلا.
قال: والأوجه جارية فيما لو نذر ثلاث ليال في دخول اليومين المتخللين في نذره.
وتصوير الغزالي الخلاف فيما إذا نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو ثلاث ليال، مراعاة لما حكاه الإمام عن المراوزة؛ فإنه قال: وقطع أصحابنا المراوزة بأن اليومين في التفصيل كاليوم الواحد، فإذا أطلقا لم يجب الاعتكاف إلا في اليوم، وهو مذهب القفال المروزي شيخهم؛ فإن صاحب "البحر" حكى عنه أنه قال: إذا قال: لله علي أن أعتكف ثلاثة أيام، دخلت الليالي في نذره، بخلاف ما لو قال: لله علي أن أعتكف يومين؛ لأن العرب يطلقون "الأيام" ويريدون: مع الليالي، وفي اليومين لا يريدون إلا النهار.
قال في "البحر": وهذا حسن، لكنه خلاف ظاهر المذهب.
قال البندنيجي: ولو كان قد نذر ثلاثين يوماً أو ثلاثين [ليلة، وألزمناه الليل والنهار تبعاً - كان عليه فيما إذا نذر اعتكاف ثلاثين] يوماً ذلك واعتكاف تسعٍ وعشرين ليلة، وفيما إذا نذر اعتكاف ثلاثين ليلة ذلك واعتكاف تسعة وعشرين يوماً، وهذا موافق لما أفهمه كلام الشيخ وغيره فيما إذا نذر اعتكاف يومين: أنه لا يلزمه سوى ليلة واحدة، وهي التي بينهما، لكن قد حكى الحناطي فيما إذا قال: لله [عليّ] أن أعتكف يوماً أنه يلزمه ليلة أيضاً.
قال الرافعي: وقياس ذلك: أن يلزمه في نذر اليومين ليلتان.
قلت: وكذا في نذر ثلاثين يوماً ثلاثون ليلة، والله أعلم.
أما إذا قال: لله علي أن أعتكف يومين، ونوى بقلبه التتابع - فإن أوجبنا الليلة بينهما عند الإطلاق، فمع النية أولى، وإلا فيظهر أن يكون في لزوم التتابع الوجهان اللذان حكاهما في "البحر" فيما إذا قال: لله علي أن أعتكف شهراً، ونوى التتابع -:
أحدهما – وهو الذي صححه -: اللزوم.
ومقابله، قال: إنه ظاهر ما نقله المزني، وهو الذي صححه صاحب "التهذيب" وغيره؛ كما قال الرافعي.
وقال في "البحر": إن الوجهين جاريان فيما لو قال: لله علي أن أعتكف، ونوى عشرة أيام، هل يلزمه العشر أم لا؟ وجزم الإمام بأنه إذا نوى [التتابع لزمه، وكذا إذا نوى] عند إطلاق لفظ "اليوم" الليلة معه، تلزمه.
واعلم أن قول الشيخ: "وإن نذر اعتكاف يومين [متتابعين، لزمه اعتكاف يومين متتابعين] يفهم أنه إذا نذر اعتكاف يومين] ولم يذكر التتابع، ولا نواه – أنه لا يلزمه التتابع فيهما، هو نظير ما حكيناه عن النص فيما إذا نذر اعتكاف شهر وعشرة أيام: أنه لا يلزمه التتابع في ذلك، وقضية ما حكيناه عن ابن سريج من لزوم التتابع في ذلك: أنه يلزمه في اليومين.
وقد صرح القاضي الحسين بالخلاف في هذه الصورة أيضاً، ونسب وجوب التتابع إلى ابن سريج، وهو قضية ما حكيناه عن القاضي أبي الطيب وغيره من تصوير محل الوجهين في وجوب اعتكاف الليلة بين اليومين إذا قال: لله علي أن أعتكف يومين.
وقد قيل: إن ابن سريج إنما خرج وجوب التتابع في الشهر عند إطلاق [نذر] اعتكاف شهر من نص الشافعي على أنه إذا نذر اعتكاف يومين، فإنه يلزمه يومان فيما بينهما ليلة، فلولا أنه يلزمه التتابع، وإلا لما أوجب الليلة، حتى يتصل اليومان بعضهما ببعض، لكن مقتضى ذلك بهذا التقدير أن يكون الصحيح عند القاضي أبي الطيب وغيره ممن ذكرناه: وجوب التتابع في اليومين عند إطلاق نذرهما؛ لان الصحيح عندهم وجوب الليلة بينهما، وقضية ذلك أن يطرد في إطلاق نذر اعتكاف
عشرة أيام وشهر، وقد حكينا عن القاضي أبي الطيب وغيره القطع بعدم لزوم التتابع في ذلك، وهذا يدل على ضعف هذه الطريقة وتصحيح الطريقة التي اقتصر الشيخ على حكايتها، وهي أن محل الوجهين في لزوم اعتكاف الليلة بين اليومين؛ إذا شرط التتابع فيهما، والله أعلم.
فرع: إذا عين زماناً للاعتكاف بنذره، مثل: أن قال: لله علي أن أعتكف يوم كذا، أو: شهر كذا، وكان يأتي في مستقبل الزمان – [تعين] كما جزم به بعضهم، وصححه آخرون.
وقال في "الوسيط": إنه المذهب؛ كما في الصوم.
أي: فإن المذهب فيه: التعيين وإن كان فيه وجه: أنه لا يتعين [له] الزمان؛ كما لا يتعين لنذر الصلاة والصدقة؛ كذا حكاه الإمام، ثم قال: وهذا الوجه يجري في الاعتكاف، ولا تفريع عليه.
وإذا قلنا بالمذهب، فلا يجوز التقدم عليه ولا التأخر عنه من غير عذر، فلو فات، قال في "الوسيط": فالظاهر وجوب القضاء، وقيل لا يجب؛ لأنه [تعذر الملتزم وهو باطل بالصوم.
وعني بذلك: أن الصوم إذا فاته وقد نذره، وجب قضاؤه، وإن كان قد] تعذر الملتزم فبطلت هذه العلة.
وهذا مخصوص بما إذا كان الفوات بغير عذر وألا فقد حكى في كتاب النذر فيما لو نذر حج سنة، وامتنع لعذر في القضاء – خلاف كما في الصوم، وصرح به القاضي الحسين هنا؛ وحينئذ فيمكن أن نقول: الوجه المحكي في عدم وجوب قضاء الاعتكاف فيما إذا كان الفوات بعذر، ويؤيده أن القاضيين: أبا الطيب، والحسين حكياه في مثل ذلك حيث قالا: لو نذر أن يعتكف يوم يقدم فلان، [فقدم] والناذر مريض أو محبوس أي: ظلماً، ثم عوي وأطلق فالنص: وجوب قضائه.
وحكى القاضي أبو حامد: أن في المسألة وجهاً آخر: أن القاضي يسقط؛ وإذا كان كذلك؛ فلا يبطل بالصوم، والله أعلم.
قال: وإن نذر اعتكاف مدة متتابعة، فخرج – أي: من المعتكف – لما لابد [له] منه: كالأكل والشرب، وقضاء [حاجة الإنسان]، والحيض، والمرض، وقضاء العدة، وأداء شهادةٍ تعينت عليه- لم يبطل اعتكافه؛ لأن الخروج لبعض هذه الأشياء مستثني بالشرع، والبعض مستثنى بالعرف؛ فلم يبطل؛ كالمستثنى باللفظ.
قال الغزالي: وأعلى ذلك الخروج لقضاء حاجة الإنسان؛ فإنه لتكرره مستثنى بحكم الجبله، وقد استدل له بعضهم بما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [إذا اعتكف] يدني إلى رأسه، فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان".
انتهى.
قال: وما عداه مقس عليه.
وفيه نظر؛ لأن الكلام في الاعتكاف المنذور فيه التتابع، واعتكافه –عليه السلام – لم يكن كذلك، بل لم يكن منذوراً؛ فكيف يحسن التمسك بفعله فيه؟ نعم قد يقال في جوابه: إنه – عليه السلام – كان إذا فعل شيئاً داوم عليه، وقد كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ فصار ذلك كالمنذور في حق غيره؛ ولذلك لما لم يعتكف فيه في سنة، قضاه في شوال.
وقد انتظم كلام الشيخ صوراً لا تخلو واحدة منها عن خلاف: إما في الأصل، أو باعتبار الوصف، وليقع الكلام في ذلك بعد بيان ما المراد بالخروج؟ وإلى أين؟
فالمارد بالخروج: أن يخرج بكل البدن عن كل المسجد إلى منزله فيما عدا أداء الشهادة- وما في معناه مما سنذكره – فإنه يكون إلى مجلس القاضي.
واحترزنا بالخروج بكل البدن عن إخراج بعضه منه وباقيه فيه؛ فإنه لا يبطل وإن كان لغير ما ذكرناه، ويدل عليه الخبر.
وبقولنا: "عن كل المسجد"، عما إذا صعد المنارة للأذان وغيره، وسيأتي الكلام فيه.
فالأولى- الخروج للأكل:
والمشهور فيه، وهو الأظهر عند الأكثرين: ما ذكره الشيخ، ولم يحك أبو الطيب غيره، وعزاه البندنيجي وغيره إلى أبي إسحاق المروزي والروياني إلى نصه في "الإملاء" وفي عبارته في "المختصر" ما يدل عليه.
ووجهه الأصحاب بأن فعله في المسجد يناقض المروءة، وقد يختار أن يخفي جنس قوته، وقد يكون في المسجد غيره فيشق عليه الأكل دونه، وإن أكل معه لم يكفهما.
وعن ابن سريج وأبي الطيب بن سلمة: أن الخروج لأجل الأكل مبطل، وهو الذي صححه القاضي الحسين في موضع من "تعليقه"، ورآه الإمام والبغوي أظهر؛ لأنه يمكنه الأكل في المسجد، وقد قال الشافعي: وينصب المعتكف المائدة، ويأكل، وأما قولهم: إنه يحتشم من الأكل في المسجد، فقد يحتشم من النوم بين يدي الناس كما في الأكل، ولا يجوز الخروج له.
وحكى القاضي في موضع آخر في ضمن فرع: أنه إن كان سخياً، و [كان] في طعامه سعة، أكل فيا لمسجد ووضع المائدة يهن وإن كان بخيلاً، أو في طعامه قلة، فله أن يعود إلى داره؛ لأن أكله في المسجد سخف ودناءة.
وكما منع ابن سريج وابن سلمة الخروج للأكل منعاه من أن يقيم لأجله وقد خرج لقضاء حاجته.
نعم: لو أكل لقمة أو لقمتين، فلا بأس، وعلى هذه الحالة حملا قول الشافعي: "ويخرج المعتكف للغائط والبول إلى منزله وإن بعد فإن أكل فيه فلا بأس".
قال القاضي الحسين: وهذا ما قاله أصحابنا، ولم يحك في الإبانة غيره، وهو قضية كلام "الوسيط" وقال الماوردي: إنه غلط.
ثم حيث قلنا: لا يخرج للأكل، أو قلنا: يخرج له، فاختار الأكل في المسجد – كان
له وضع المائدة فيه وغسل يديه في الطَّسْت، فإن غسل بغير طست، كره ذلك، وكذلك الوضوء في الطست، ويكره في غير الطست.
ثم حيث قلنا: يجوز الخروج للأكل فذاك إذا كان منزله قريباً، فلو بعد أو كان له منزلان قريب وبعيد فسيأتي الكلام فيه عند الخروج لقضاء الحاجة؛ فإن القاضي أبا الطيب سوى بينهما في ذلك.
والثانية – الخروج للشرب:
وقد ألحقه الشيخ بالخروج للأكل، وهو وجه حكاه الماوردي؛ فعلى هذا يكون الحكم فيه كما تقدم.
ومنهم من منع الخروج لأجله مع القدرة عليه في المسجد، بخلاف الأكل لأن في الأكل في المسجد بذلة ليست في شرب الماء، ولان استطعام الطعام مكروه، واستسقاء الماء ليس بمكروه، وقد استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء، ولم يستطعم الطعام؛ وهذا ما ادَّعى الرافعي: أنه أصح، وأن كلام الشيخ ينبغي أن يؤول، وعني بذلك: أنه يؤول على ما لو اشتد به العطش، وعدم الماء في المسجد فإنه يجوز له الخروج لأجله بلا خلاف؛ كما صرح به الماوردي وغيره.
والثالثة – الخروج لقضاء [حاجة الإنسان]:
وهو الخروج لإزالة الغائط والبول؛ كذا فسره الزهري راوي الحديث.
وهو مجمع على جواز الخروج له؛ كما قال في "الحاوي": ولا يشترط في جوازه إرهاق الطبيعة، وشدة الحاجة.
والمشهور: أنه لا فرق بين أن يتكرر خروجه لذلك زائداً على العادة أو لا، ولا بين أن يقرب منزله من المسجد أو لا.
وقيل: إن تكرر، أو بعد المنزل، ففي قطعه التتابع وجهان حكاهما المراوزة، وقالوا: إن المرجع في القرب والبعد إلى العرف.
وادعى البندنيجي والروياني: أن المذهب فيمن بعد منزله وتفاحش بعده: أنه لا
يجوز له الخروج، وأن المزني نقل أنه جائز وإن بعد، ولا يعرف للشافعي.
وهما في ذلك تبع للشيخ أبي حامد، ويوافقه قول القاضي الحسين: قال أصحابنا: لم يقل الشافعي: وإن بعد، وإنما يكون له ذلك إذا لم يخرج عن العادة، وما نقله المزني هو ما اورده الماوردي لا غير.
ثم لا فرق حيث لا يقطع الخروج لأجل ذلك التتابع بين أن يكون في المسجد سقاية أو لا، ولا بين أن يكون بين منزله والمسجد منزل صديق له يمكنه قضاء الحاجة فيه أو لا، نعم: إذا قلنا: إن الخروج للمنزل البعيد لا يضر فلو كان بينه وبين المسجد منزل آخر له، فهل لا يجوز الخروج للأبعد ويقطع التتابع، أو يجوز ولا يقطعه؟ فيه وجهان:
الذي حكاه ابن أبي هريرة: الثاني، قال القاضي الحسين: وهو الذي يدل عليه ظاهر ما نقله المزني.
قال الماوردي: والذي ذكره غيره من الأصحاب: [الأول] وهو الأصح في "الشامل" وغيره.
قال القاضي الحسين: والخلاف في المسألة يتخرج على ما إذا كان للمسافر طريقان يقصر في أحدهما، ولا يقصر في الآخر، فسلك الأبعد لغير غرض – هل يقصر أم لا؟ وفيه قولان.
ثم قال بعد ذلك: ولو كانت داره بعيدة من المسجد، فوجد موضعاً يقضي فيه حاجته أقرب من منزله – فإنه ينظر: فإن كان ذا مروءة، فخرج إلى منزله فهل يبطل اعتكافه؟ فيه وهان، وإن لم يكن ذا مروءة، فوجه واحد: يبطل اعتكافه.
والرابعة – الخروج لأجل الحيض:
وإنما جاز؛ لأنه مناف له؛ فإن المقام في المسجد نفس العبادة في الاعتكاف، وهو محرم عليها.
وقد اقتضى كلام الشيخ: أنه لا فرق فيه بين أن يكون زمن الاعتكاف معيناً بالنذر أو مطلقاً وهو مما يغلب وقوع الحيض فيه؛ كما إذا نذرت اعتكاف شهر مثلاً، أو
يمكن الدخول فيه بحيث يقطع بعدم طرآن الحيض فيه؛ كما إذا نذرت خمسة عشر يوماً فما دونها، والمشهور في الحالة الأولى والثانية ما اقتضاه كلامه، وأما في الحالة الثالثة ففي قطع الخروج لأجله - إذا طرأ وقد شرعت فيه - التتابع، فيه وجهان حكاهما الإمام [وغيره]، وقال المسعودي وغيره: هما قولان.
وهما مأخوذان من القولين في أنه هل يبطل التتابع بالحيض في صوم كفارة اليمين إذا شرطنا التتابع فيه؟ والمذكور منهما في "تعليق" البندنيجي في مسألتنا: الإبطال، وهو الأظهر في "الرافعي".
وقد عكس الفوراني ذلك، فقال: إن كان ما نذرته يمكن الشروع فيه في زمن يتحقق معه الخلو عن الحيض، فإذا شرعت يه في زمن يطرأ عليها الحيض فيه، أبطله وإن كان ما نذرته زماناً طويلاً لا يخلو عن الحيض غالباً: كالشهر، فهل يقطع الحيض التتابع أم لا.؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يقطعن لم يتصور أن تخرج عن النذر إلا إذا أيست.
والخروج عند طرآن الجنابة عليه من غير اختياره ملحق بالخروج لأجل الحيض؛ لأجل منافاته للاعتكاف؛ ولذلك لم يذكره الشيخ، ولا يجري فيه الخلاف المذكور في الحيض.
نعم، اختلفوا في أنه هل يجوز له الاغتسال من الجنابة في المسجد على وجهين:
أحدهما: أنه إذا كان في صدر المسجد وفيه ما تيسر الاغتسال منه، ومدة تخطيه المسجد إلى الخروج تزيد على زمن اغتساله - فيباح له الغسل في المسجد، ويجوز له الخروج على هذا؛ لأجل الغسل، وهو الأولى في حقه.
والثاني - وهو الصحيح:- المنع من الاغتسال فيه؛ وقاية للمسجد أن يتخذ موطناً للجنابة، والمباح له العبور خاصة وهو غير معقول المعنى؛ فلذلك لم يجز أن يخرج على ما سواه، وفي الاغتسال تعريضات وتعريجات لأمور لابد منها من أخذ الماء وتهيئة أسباب الغسل.
فإن قيل: سيأتي فيما إذا باشر فيما دون الفرج فأنزل حكاية وجهين في بطلان اعتكافه، فمن قال بأن اعتكافه لا يفسد قائل بأن الجنابة غير منافية للاعتكاف؛ لأنه
بالإنزال صار جنباً ومع ذلك لم يفسد اعتكافه، ولو كانت منافية له لأفسدته.
قلنا: لأجل ذلك حكى القاضي الحسين وجهين في أن الجنابة: هل تنافي الاعتكاف، أم لا؟ وإنا إذا قلنا بأنها تنافيه، فأقام، بطل على الأصح.
وقد حمل الإمام قول من صار إلى أنه لا يفسد بالمباشرة إذا اتصل بها الإنزال على أنه يجوز الاعتكاف في حال المرور، وأنه يجوز للجنب حضور المسجد مجتازاً، وإنا إن جرينا على ذلك، وفرضنا إنزالاً واشتغالاً على أثره بالاغتسال من عين في المسجد - فالجنابة لا تحرم هذا الكون، واللحظة الواحدة قريبة فلا يخرج الكون فيها عن موضوع الاعتكاف، فأما فرض المكث في المسجد مع الجنابة، فالذي أراه: إن تحقق لا نستجيز الحكم بكونه اعتكافاً صحيحاً، على أنا فيما ذكرناه على تكلف؛ فإن عبور الجنب في حكم المسوغات، ولا يجوز أن يقع في رتب القربات.
ولا يسوغ الخروج لأجل تجديد الوضوء بحال، فإن فعله أبطل وكذلك لو كان فرضاً على أظهر الوجهين؛ لأنه يمكنه في المسجد من غير كلفة.
والخامسة - الخروج لأجل المرض:
وهو الذي يخاف معه تلويث المسجد: كالقيام المتداول، وسلسل البول، والإغماء، والجنون، ونحو ذلك، دون المرض اليسير الذي يمكن معه المقام في المسجد من غير مشقة: كالحمى اليسيرة، والصداع اليسير، فإنه لا يباح بذلك الخروج، فإن خرج انقطع تتابعه.
والمرض الذي يؤمن فيه التلويث، لكن يشق معه المقام في المسجد، ويحتاج فيه إلى الفرش والطست، فيجوز به الخروج، وهل يقطع التتابع؟
قال ابن الصباغ: ظاهر قول الشافعي أي: في "المختصر":- أنه إذا برأ منه بني
واختاره في "المرشد".
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كالخروج لصوم التتابع بعذر المرض هل يقطعه؟
وعن الشيخ أبي زيد: أنه أجراهما في الضرب الأول.
قال الماوردي: وفي معنى الخروج بالمرض ما إذا خرج خوفاً من حريق أو لص.
وطرآن الاستحاضة، لا يجوز الخروج إذا أمن معها تلويث المسجد، قال الماوردي: لأنها لا تمنع من المقام في المسجد، وقد روى أبو داود عن عائشة قالت: اعتكفت مع النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه، وكانت ترى الصفرة والحمرة، فربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي، وأخرجه البخاري.
قلت: وفي هذا دليل على جواز إخراج الدم في طست في المسجد؛ ولأجل ذلك جزم ابن الصباغ القول بأنه يجوز له الفصد والحجامة في المسجد.
وإن أبدى احتمالين في جواز البول في يطست في المسجد، وفرق على أحدهما بأن البول مما يستخفى به، ويستقبح في المسجد.
لكن البندنيجي سوَّى بين البول والفصد والحجامة، وقال: إنه لا يجوز فعل واحد منها في المسجد.
والسادسة – الخروج لأجل قضاء العدة:
وما ذكره الشيخ هو الذي نص عليه الشافعي، ولم يورد الماوردي غيره، وقد حكى القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ: انه نص على أن من لم يتعين عليه تحمل شهادة، وتعين عليه أداؤها، فخرج لأجل ذلك: أن تتابعه ينقطع، وان الأصحاب اختلفوا لأجل ذلك في المسألتين على طريقين:
أحداهما –قالها ابن سريج – أن فيهما قولين:
أحدهما: أنه ينقطع التتابع فيهما؛ لأن المرأة والشاهد قد كان يمكنهما الاحتراز من الخروج؛ [ألا تتزوج المرأة، ولا يتحمل الشاهد الشهادة؛ فاختيارهما السبب المؤدي إلى الخروج] كاختيارهما الخروج.
والثاني: لا ينقطع فيهما؛ لأنهما خرجا لأمر وجب عليهما، ولم يكن لهما منه بد.
وهذه الطريقة لم يحك الفوراني غيرها.
والثانية – ذكرها أبو إسحاق-: وهي إجراء النصين على ظاهرهما، وفرق بوجهين:
أحدهما: أن الشاهد لم يتعين عليه التحمل، ولا اضطر إليه، فلما فعله كان مختاراً للخروج، والمرأة لابد لها من زوج؛ هي مضطرة إليه لأجل النفقة وغيرها.
والثاني: أن التحمل إنما يراد للأداء فهو الذي ورط نفسه فيه، وأما النكاح فلا يراد للطلاق الموجب للعدة، وإنما يراد للدوام؛ فلم تكن مختارة للعدة فيه.
ومما ذكرناه يفهم أن محل الخلاف إذا كانت قد تزوجت بإذنها، فلو كانت مجبرة فلا يقطع.
قال القاضي أبو الطيب وكذا الماوردي: وهذا إذا لم يكن طلاقها موكولاً إليها، فإن كان؛ بأن قال: وكلتك في طلاقك، فطلقت نفسها، وخرجت للعدة- انقطع اعتكافها.
وقال الفوراني: إن محل الخلاف فيها إذا لم يكن الزوج قد أذن لها في اعتكاف مدة مقدرة، أما إذا كان قد أذن لها في اعتكاف عشرة أيام – مثلاً – فمات قبل انقضائها، انبنى على قولين في أن لها أن تقيم إلى انقضائها أم لا؟ فإن قلنا: لها أن تقيم: فخرجت، بطل قولاً واحداً وإلا جاء القولان.
والسابعة- الخروج لأداء شهادة تعينت ليه:
ولا خلاف – [كما] قال القاضي أبو الطيب – في أنه إذا كان قد تعين عليه التحمل والأداء، وخرج للأداء: أنه لا ينقطع تتابعه، وعلى هذه الحالة يمكن ان يحمل كلام الشيخ، أما إذا كان قد تعين عليه الأداء دون التحمل، فقد حكينا أن النص
خلافه، وما قيل فيه من التخريج.
وفي "الحاوي" في هذه الصورة القطع بالإبطال، وأنه إذا تعين عليه التحمل والأداء لا ينقطع تتابعه، وأن من أصحابنا من قال: إنه ينقطع؛ لأن القاضي قد يقدر على المجيء إليه، ويسمع كلامه، وهو في "تعليق" القاضي الحسين أيضاً.
ولو تعين عليه التحمل دون الأداء، فخرج للأداء، انقطع تتابعه؛ كما لو لم يتعين التحمل ولا الأداء.
وقال القاضي الحسين: إن فيه وجهاً: أنه لا يفسد؛ لأن التحمل لم يكن باختياره؛ فأشبه ما لو كان قد تعين عليه التحمل والأداء.
قال الأصحاب: وفي معنى الخروج لأداء الشهادة- وقد تعين عليه الأداء دون التحمل – الخروج لإقامة الحد عليه؛ فيجيء فيه الطريقان:
أحداهما – طريقة أبي إسحاق -:القطع بأنه ينقطع.
والثانية- طريقة ابن سريج -: تَخَرُّجُهُ على وجهين؛ كذا حكاه القاضي أبو الطيب.
وخص في "المهذب" محل الوجهين بما إذا ثبت موجب الحد بالبينة، وقال فيما [إذا] ثبت بإقراره: إنه ينقطع وجهاً واحداً؛ لأنه خرج باختياره؛ وعلى ذلك جرى الرافعي.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أنه اختار في المسألة أنه لا ينقطع وجهاً واحداً، وإن كان الفعل الموجب للحد وقع باختياره؛ لأنه لم يختر أن يقام عليه الحد؛ فخروجه بغير اختياره.
وهذه الطريقة لم يورد الماوردي غيرها، وحكاها عند الكلام في أن السكر: هل يبطل الاعتكاف أم لا؟ عن النص، وكذا حكاه [ابن] الصباغ والقاضي الحسين؛ ولأجله ادعى البندنيجي أن المذهب عدم الإبطال؛ وبذلك يتحصل في المسألة ثلاث طرق، ومحل الجواز إذا لم يكن موجب الحد قد فعله بعد الاعتكاف كما سنذكره.
ولا خلاف في أنه إذا اعتكف في رباط ثم جاء نفير وجب عليه ان يخرج، فإذا ذهب النفير، رجع وأتم، وقد حكاه القاضي الحسين عن نصه في "البويطي".
فائدة: حيث قلنا: لا ينقطع تتابعه بالخروج؛ لما ذكرناه، فهل يحكم في حال خروجه [بكونه] معتكفاً؛ سحباً لما مضى عليه أو لا [كما] قلنا فيما إذا خرج لقضاء الحاجة؟ وجهان، أصحهما: الأول، ولا يجريان في غيره؛ كما قال الرافعي، بل هو في حال خروجه غير معتكف؛ ولهذا يجب قضاء زمان الخروج، [بخلاف زمان الخروج] لقضاء الحاجة؛ فإنه لا يجب قضاؤه على الوجهين؛ لأن ذلك الزمن إذا قلنا: إنه غير معتكف فيه مستثنى شرعاً، وكذا على الوجهين، لا يحتاج عند العود من قضاء الحاجة إلى تجديد النية: أما على القول الصحيح فظاهر، وأما على مقابله؛ فلأن شرط التتابع في الابتداء رابطة تجمع ما سوى ذلك من الأوقات.
ومنهم من قال: إن طال الزمان، ففي وجوب التجديد وجهان؛ كما لو أراد البناء على الوضوء بعد التفريق الكثير.
قال الرافعي: وفي معنى الخروج لقضاء الحاجة في عدم الاحتياج إلى تجديد النية، الخروج لكل ما لابد منه.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يسرع في حال خروجه لما لابد له منه وحال عوده إلى المسجد، أو يمشي على سجيته المعهودة.
نعم، لو تأنى أكثر من عادته، بطل اعتكافه على المذهب؛ كما قال في "البحر".
قال: وإن خرج لما له [بد منه]: من زيارة، أي: زيارة قريب أو صديق قادم، وعيادة، أي: عيادة مريض، وصلاة جمعة – بطل اعتكافه؛ لاستغنائه عن ذلك، وقد روى أبوداود عن عائشة [أنها] قالت: "السنة على المعتكف ألاًّ يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه".
قال أبو داود: وغير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: "قالت: السنة"، وقد أخرجه النسائي من حديث يونس بن زيد، وليس فيه: "قالت: السنة".
قال: إلا أنا يكون قد شرط ذلك في نذره، فلا يضره؛ لقوله – عليه السلام –
"المؤمنون عند شروطهم"، ولأن الاعتكاف يصح مع الخروج شرعاً للغائط والبول؛ فكذلك يصح معه شرطاً.
وعن صاحب "التقريب" والحناطي حكاية قول آخر: أنه لا يصح؛ لأنه شرط يخالف مقتضى الاعتكاف المتتابع؛ فيلغو؛ كما لو شرط أن يخرج للجماع؛ فإنه يلغو الشرط بلا خلاف حتى يكون خروجه له كخروجه بغير شرط؛ كما حكاه الماوردي والبندنيجي وغيرهما، والصحيح الأول، وهو الذي اقتصر على إيراده الجمهور، [و] قالوا: ويخالف ما إذا شرط الخروج من الحج؛ حيث لا يعتبر على قول يأتي؛ فإنه يلزم بالشروع؛ فيصير كالواجب بأصل الشرع.
وصورة شرط الخروج أن يقول: لله علي أن أعتكف شهراً متتابعاً، بشرط أن أخرج لما يعرض لي من زيارة قادم، وعيادة مريض، وصلاة جمعة، ونحو ذلك، أو يقول: إن عرض لي عارض خرجت له.
فإذا عرض له عارض، وهوكل شغل ديني او دنيوي، [لا كالنظارة والتنزه]، فخرج له – لم يضره، ويجب عليه عند انقضائه العود إلى الاعتكاف، وهذا بخلاف ما لو شرط: إن عرض له عارض قطع الاعتكاف؛ فإنه يصح – أيضاً – ولا يجب إذا خرج لأجل العارض العود بعد زواله؛ قاله القاضي أبو الطيب وغيره.
والفرق: أن الخروج لا يمنع البناء متى عاد، وقعط الاعتكاف يمنع من البناء، ويوجب الاستئناف، وكأنه إنما نذر مدة مقامه قبل عروض العارض.
ثم إذا عاد بعد الخروج الذي شرطه، هل يجب عليه تجدي النية؟ فيه خلاف ذكره أبو علي، والأظهر: المنع، ولا يعتد له بحال خروجه من مدة الاعتكاف الذي نذره إلا أن يكون الزمن معيناً.
وقد ألحق الأصحاب الاشتراط في الصلاة والصوم بالاعتكاف؛ قاله أبو الطيب وغيره، وعبارة البندنيجي: أنه إذا شرط شرطاً لا ينافي الاعتكاف: كقوله: إن عنَّ لي سفر أو عرض لي مرض خرجت، كان علي [ما] شرط.
قال أبو إسحاق: وهكذا الاستثناء في الصيام والصدقة [إذا قال]: أصوم شعبان إلا أن أمرض، أو يعنَّ لي سفر، فيكون على ما شرط، وكذلك الصدقة، إذا قال: أتصدق في كل شهر بدرهم إلا أن يولد لي ولد، وهكذا كل عبادة لا تلزم بالدخول فيها.
وحكى القاضي الحسين وجهاً آخر: أنه يلزمه في الصوم [و] الصدقة، ولا يجوز له الخروج منه ولا [عدم] الإنفاق، بخلاف الاعتكاف؛ لأنه إذا خرج من الاعتكاف لعارضن لا يبطل ما مضى، بخلاف الصوم والصدقة؛ فإن ذلك يبطلهما.
وفي الرافعي: أن بعضهم قال في نذر الصلاة والصوم: إذا شرط [فيه] أن يخرج عند عروض عارض-: إنه لا يصح الشرط، ولا ينعقد النذر، بخلاف الاعتكاف، والفرق ما تقدم.
وهو مذكور في "التهذيب" هكذا، وبه يحصل في نذر الصلاة والصدقة إذا شرط الخروج [منه] لعارض ثلاثة أوجه:
أصحها: صحة النذر والشرط.
والثاني: صحة النذر وإلغاء الشرط.
والثالث: إلغاؤهما.
وقد اقتضت عبارة القاضي أبي الطيب والبندنيجي السالفة: أنا إذا جوزنا الشرط في الصلاة ونحوها، يكون الحكم كما تقدم في الاعتكاف، [وقد قال الماوردي: إنه إذا شرط القطع فالحكم كما تقدم في الاعتكاف] وإن شرط الخروج فلا يجوز في الصلاة والصوم والحج، و [يجوز في الاعتكاف، والفرق من وجهين:
أحدهما: أن الخروج لا ينافي الاعتكاف؛ لأنه قد يخرج لحاجة نفسه، ويعود إلى اعتكافه، وينافي الصلاة والصيام والحج]؛ لأنه لا يجوز الخروج من ذلك والعود إليه لحاجة، ولا لغيرها.
والثاني: أن الاعتكاف لا يتقدر بزمان ولا يرتبط بعضه ببعض، بخلاف غيره.
ولا خلاف في أنه إذا شرط الخروج؛ لأجل الجماع من المعتكف إن عنَّ له، لا يصح هذا الشرط؛ كما قاله البندنيجي، ويوافقه قول الماوردي: إنه إذا شرط ذلك، وخرج، وجامع، بطل اعتكافه، ولزمه استئنافه؛ لأن الشرط ينافي الاعتكاف؛ فبطل، وصار كخروجه بغير شرط.
نعم: لو شرط: إن عنَّ له الخروج لقتل نفس بغير حق أو للسرقة، فخرج لذلك- قال الماوردي: ففي بطلان اعتكافه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن اشتراط المعصية كلا اشتراط.
والثاني: لا يبطل، وله البناء لأن نذره إنما انعقد على ما سوى مدة الشرط؛ فلم يكن قدر المدة مقصوداً.
ولو شرط في نذر الاعتكاف والصلاة والصوم [والصدقة] ونحو ذلك: أن يخرج منها [متى] بدا له، ففي صحة ذلك وجهان، أصحهما – وبه قال الشيخ أبو محمد -: أنه لا يصح؛ لأنه علق الأمر بمجرد الخيرة، وذلك يناقض معنى الإلزام، فلو نذر اعتكافاً متتابعاً، وشرط الخروج مهما أراد، قال الإمام: فهذا ضد التتابع] ويبطل الاستثناء، وشبيه ذلك الشرائط الفاسدة المقترنة بالوقف: [فإنا في مسلك: تبطل الشرط، وننفذ الوقف؛ وفي مسلك:] نبطل الوقف من أصله.
وما ذكره الشيخ في الجمعة هو الذي نص عليه الشافعي في عامة كتبه، وقد حكى عن نصه في "البويطي": أنه لا يبطل بالخروج إليها؛ لأنها فرض؛ فكان ملحقاً بما ذكرناه.
قال مجلي: وعلى هذا يحتمل أن يقال: له [أن يقيم بقدر سماع الخطبة والصلاة، ولا يزيد.
ويحتمل أن يقال: له] أن يفعل مع ذلك السنة كما صار إليه أبو حنيفة، فإن زاد على القدر المشروع، بطل تتابعه.
والصحيح: الأول؛ لأنه كان يمكنه
الاحتراز عن الخروج بالاعتكاف في الجامع، فإذا لم يفعله بطل بخروجه للجمعة؛ كما لو صام في الكفارة المتتابعة شعبان.
ومنهم من نفي الخلاف فيه، وقال: نصه في "البويطي" محمول على ما إذا عين مسجداً يعتكف فيه، لا يبطل إذا خرج إلى غيره؛ حكاه القاضي الحسين.
ولا خلاف في أنه إذا أحرم بالحج بعد أن دخل المعتكف، وخرج لأجل إتمامه – في بطلان تتابعه؛ لأنه الذي ورّط نفسه فيه.
نعم، هل يجوز له الخروج لأجله؟ ينظر: فإن كان وقته واسعاً بحيث يمكنه أن يتم اعتكافه ثم يخرج إليه، لم يخرج؛ وإن كان وقت الحج مضيقاً بحيث إن أتم اعتكافه فاته، وجب عليه الخروج، وانقطع التتابع.
وإنما كان كذلك؛ لأن الحج وجب بالشرع، والاعتكاف وجب بالنذر، وتقديم ما وجب بالشرع أولى؛ فلو لم يخرج حتى أتم مدة الاعتكاف برئ منه، وإن كان آثماً بالمكث.
تنبيه: [قول الشيخ]: "وإن خرج لما له منه بد" يفهمك أن المسألة مصورة في عيادة المريض بما إذا لم يكن قريباً للميت، أو قريباً له وله من يقوم به، أما إذا كان من ذوي رحمه، وليس له من يقوم به غيره، فهذا مما لابد منه؛ فيكون من القسم الأول، وقد صرح به الماوردي، وقال: إنه مأمور بالخروج لذلك.
وكذلك لو لم يكن له من يدفن قريبه الميت غيره، عليه الخروج، فإذا عاد بني على اعتكافه، وفيهما وجه: أنه يستأنفه.
قال:- وإن خرج لما لابد له منه، فسأل عن المريض في طريقه، ولم يعرج – جاز؛ لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم [كان] إذا خرج من الاعتكاف يسأل عن المريض مارًّا، ولا يعرِّج عليه، وهذا متفق عليه إذا لم يقف، فإن وقف، وطال
زمانه، بطل، وإن قصر فوجهان، أو قولان [كما] حكاهما في "التتمة" و"العدة"، والأصح: أنه لا بأس.
وادعى الإمام إجماع الأصحاب عليه، ويؤيده أن القاضي الحسين حكى عن النص أن له أن يصلي على الجنازة إذا كانت على الطريق؛ ولأجل ذلك قال الغزالي: إنه لا بأس [بوقفة يسيرة بقدر صلاة الجنازة] [وكذلك لا بأس بالسلام؛ فإنه لا يزيد على قدر صلاة الجنازة]، وقد أجرى في "التتمة" الوجهين فيها أيضاً.
وقال في "التهذيب": إن كانت متعينة فلا بأس، وإلا فوجهان، أظهرهما: الجواز.
وما قاله في حالة [التعين] ماينبغي أن يخالف فيه؛ لأنه يجوز الخروج