كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 385-424
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

صفحات 385-424
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

لأن صوم يوم خير من مد؛ ألا ترى أن الشيخ الهرم لا يجزئه المد إلا بعد العجز عن الصوم، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184]. والثاني: لا يجوز؛ لأن هذا الإطعام أصل في نسه، فأشبه الإطعام في كفارة اليمين لا يجوز أن يصوم بدله من غير عجز عنه.
وقد أفهم كلام الشيخ أمرين: أحدهما: أنه إذا كان تأخير القضاء لعذر لا يكون الحكم كما إذا أخره لغير عذر وهو كذلك؛ إذ قطع الأصحاب بأنه لا فدية عليه بل القضاء، صرح به أبو الطيب وغيره.
والعذر المشار إليه: دوام السفر والمرض المجوزين للفطر.
قال في "البحر": ولو أخَّره [بعذر إلى] رمضان آخر، ثم قدر على القضاء عقيب انقضاء رمضان، ثم أخَّره، فمات قبل دخول رمضان ثالث لا يلزمه الفدية للتأخير.
الثاني: جواز تأخير القضاء ما لم يدركه رمضان آخر بغير عذر سواء كان ترك الصوم في وقته لعذر أو لغير عذر وهو ما صرح به البندنيجي والمحاملي في التجريد كما قال الرافعي والماوردي وصاحب "البحر"، والذي حكاه الفوراني والمتولي فيما إذا كان ترك الأصل لعذر وقالا فيما إذا كان بغير عذر: إن المد واجب إذا أخَّر القضاء إلى رمضان [آخر] والقضاء واجب على الفور.
وهو الذي صدَّر به الرافعي كلامه.
وقال في "التهذيب" – والحالة هذه -: ليس له التأخير بعذر السفر فلو أخره وفعله قبل أن يأتي رمضان آخر – إما للسفر أو لغيره – قال في "التتمة" فلا شيء عليه.

وقال الغزالي في كتاب الحج: إن الخلاف المذكور في وجوب قضاء الحج الذي أفسده بالجماع جار في قضاء صوم تعدى بتركه.
وقال القاضي الحسين فيما إذا كان فطره بغير عذر: إنه ينظر: فإن كان مما يوجب عليه في الحال كفارة مثل الجماع، فأخر القضاء حتى دخل رمضان آخر – هل يلزمه للتأخير فدية أم لا؟ فيه جوابان: والظاهر: أنها لا تلزمه؛ لأنه قد لزمه في هذا اليوم كفارة؛ فلا تجتمع اثنتان.
والثاني: تلزمه؛ لأنه قد لزمه في هذا اليوم كفارة؛ فلا تجتمع اثنتان.
والثاني: تلزمه؛ لأن الفدية للتأخير، والكفارة للهتك.
وإن كان فطره بالأكل ونحوه، فقد ذكرنا في وجوب الفدية عليه وجهين: فإن قلنا: لا تجب، وجب المد بالتأخير، وهو الظاهر.
وإن قلنا: بالوجوب ثم، فهل يجب المد للتأخير؟ فيه وجهان: المذكور منهما في "النهاية": الوجوب.
وقال الرافعي إنه رأى فيما علق عن إبراهيم المروزي ترتيبه على ما لو أخر القضاء حتى مضى رمضانان فأكثر: إن عدَّدنا الفدية – ثمَّ – فهاهنا أولى، وإلا فوجهان؛ لاختلاف جنس الواجب.
وإن كان فطره بعذر: فإن كان يجب معه فدية: كفطر الحامل والمرضع، فهل يجب بالتأخير مدُّ آخر؟ فيه الوجهان.
وإن كان لا يجب معه الفدية، وجب المد هنا بالتأخير والله أعلم.
قال: ومن مات وعليه صوم [أي: من رمضان] أو كفارة أو نذر كما قال الماوردي، [و] تمكن من فعله، أطعم عنه كل يوم مدٌّ من طعام؛ لما روي عن ابن عمر مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وموقوفاً عليه فيمن مات وعليه صيام رمضان فلم يصم حتى مات: "أطعم عنه كل يوم مد من طعام لمسكين"، وقد ققال بذلك ابن

عباس [وعائشة] رضي الله عنهما – وعلى هذا فرعان: أحدهما: لا يجوز أن يطعم المد لأكثر من مسكين واحد؛ للخبر.
قال القاضي الحسين: والمذهب فيما إذا وجب عليه أكثر من مد بسبب ذلك أنه يجوز دفعه إلى مسكين واحد.
الثاني: لو مات بعد ما أدركه رمضان آخر، وقد تمكن من القضاء قبله – فهل يقضي عنه مدان أو مد واحد؟ فيه وجهان.
المحكي منهما في "تعليق" القاضي الحسين عن النص: الأول، ولم يذكر في الإبانة [غيره].
وإذا قلنا بالثاني، فالمد في مقابله ماذا؟ الذي حكاه ابن الصباغ: أنه بدل الصوم فإذا أخرجه زال التفريط بالتأخير فلم يجب لأجله شيء.
والذي حكاه القاضي أبو الطيب والبندنيجي: [أنه] في مقابلة التأخير، ويسقط حكم القضاء؛ لأن التأخير إذا انجبر فكأن العذر اتصل إلى الموت، وإذا اتصل العذر كان القضاء غير واجب وهذا قد نسبه القاضي الحسين إلى الإصطخري.
وحكى الماوردي عن ابن سريج أنه قال: يجب عليه مد واحد لأن الفوات يضمن بالمد الواحد كالشيخ الهمِّ.

قال: وفيه قول آخر: أنه يصام عنه؛ لما روى البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه"، وهذا هو القديم كما قال في "الوسيط" و"التتمة" وغيرهما.
وقال البندنيجي: إنه نص عليه في "أماليه"،حيث قال: "إن صح الحديث قلت به.
وقد صحَّ الخبر؛ لأجل ذلك ذهب جماعة من محققي أصحابنا إلى [تصحيح] القديم.
قال في "الروضة": وهو الصواب بل ينبغي أن يجزم به فإن الأحاديث الصحيحة ثبتت فيه، وليس للجديد حجة من السنة.
والحديث الوارد بالإطعام ضعيف؛ فتعين القول القديم.
وعلى هذا من هو الولي؟ قال الغزالي يحتمل أن يراد به هنا: الوارث.
وهو ماحكاه في "البحر" عن بعض الأصحاب لا غير، وقال إنه لا فرق فيه بين المستغرق وبين وارث شيء ما.
ويحتمل أن يراد به [العصبات].
ويحتمل أن يراد به القريب: وارثاً كان، أو غير وارث.
قال في "الذخائر": وهو أظهر الاحتمالات.
وفي الروضة: أنه المختار.
ولا يجب على الوي الصوم اتفاقاً – كما قال الشيخ أبو محمد والبغوي – بل هو مستحب في حقه.

ولو أطعم عنه على هذا جاز؛ قاله النواوي وغيره.
ويقوم مقامه في الصيام عنه الأجنبي إذا فعله بإذنه بأجرة وغير أجرة؛ كالحج عنه، قاله في "المهذب" و"الشامل" وغيرهما: وهل يصح منه بغير إذن الولي؟ فيه وجهان في "التتمة": والأظهر منهما في "الرافعي": المنع وهو المذكور في "الشامل" لا غير.
ومقابله هو المذكور في "تعليق" القاضي أبي الطيب، وقاسه على الحج عنه.
وحكى القاضي الحسين وجهين في جواز استئجار الولي من يصوم عنه؛ بناء على أن الأجنبي إذا أراد الحج من ماله عن المعضوب هل يلزمه أن يأذن له؟ وفيه وجهان: والجديد الذي نص عليه في "الأم" وكذا القديم – كما قال الماوردي – هو الأول؛ لما ذكرناه ولأنه عبادة لا تدخلها النيابة [في حال الحياة] فلا تدخلها بعد الوفاة كالصلاة والحديث محمول على أن الولي يفعل عنه فعلا ًيقوم مقام الصوم، وقد جاء مثل ذلك في قوله – عليه السلام -: "الصعيد الطيب وضوء المسلم" فسمى التراب – وهو بدل-= باسم مبدله وهو الوضوء.
وقد روي عن عائشة – وهي راوية الحديث- بالإطعام دون الصوم وذلك يقوى ما ذكرناه.

وقال الإمام: ليست أرى أن الشافعي ترك القول بالخبر في الجديد إلا أنه استبان ضعفه أو ثبت [عنده] نسخه وللقائلين بالقديم أن يقولوا: تظافر الروايات في الصحيح يمنع الضعف؛ فإن مسلماً روى عن بريدة قال: "بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت: [إني] تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم [شهر] أفأصوم عنها؟ قال صومي عنها، قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها".
وقد قال البيهقي: لو وقف الشافعي على جميع طرقه ونظائره لم يخالفه.
فرع: هل يقوم المرض الميئوس منه مقام الموت في جواز الصوم عنه إذا قلنا به كما في الحج، أو لا كما في الصلاة؟ فيه خلاف حكاه الرافعي في كتاب الوصية [و] من منعه قال: المال للحج فيه مدخل من وجهين: أحدهما: في أصل إيجابه.
والثاني: في جبرانه.
فجازت النيابة في الحالين والصوم لا [مدخل للمال] فيه إلا في موضع [واحد] وهو جبران فلم تجز النيابة فيه إلا من وجه واحد.
أما من لم يتمكن من الصوم؛ لاستمرار السفر ودوام المرض حتى مات – فلا شيء عليه حتى يفعل عنه، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، وقد حكاه القاضي الحسين عن نص الشافعي، وحكي عن أبي يحيى البلخي وغيره وجهاً: أنه يجب عليه الكفارة لأنه شهد الشهر وهو مكلف؛ فهو كالشيخ الهرم، قال: وهو غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] فأمر بالقضاء بعد زوال العذر.
ولأنه لو كان مأموراً قبله لكان [مأموراً] في وقته واليخ لم يخاطب قط إلا

بالفدية وفي مسألتنا خوطب بالصوم وأبيح له الفطر، وأمر بالقضاء إلا أنه لم يدرك إمكان القضاء.
وابن الصباغ والمتولي فرقا بينهما بأن الشيخ الهم يجوز ابتداء الوجوب عليه [والميت لا يجوز ابتداء الوجوب عليه].
ولو كان عليه قضاء يومين فتمكن من قضاء أحد اليومين وبقي الإمكان إلى نصف اليوم الثاني ثم مات بعده – وجب الإطعام عنه لليوم الأول، وفي اليوم الثاني وجهان: أحدهما: يلزمه الإطعام عنه.
والثاني: لا.
وأصلهما: إذا قدر صوم نصف يوم هل يلزمه صوم يوم أو لا يلزمه [شيء]؟ فيه وجهان.
وأصلهما –أيضاً -: أن وجوب بعض اليوم هل يستدعي وجوب الباقي؟ فيه وجهان وهو في الكافر يسلم في أثناء اليوم كذا قاله في "البحر".

وقد أفهم كلام الشيخ وجوب المدِّ أو الصوم عنه عند تمكنه من الصوم قبل الموت سواء مات بعد خروج وقت القضاء بدخول رمضان آخر أو قبله، وهو الصحيح في "تعليق" القاضي الحسين، وبه قال سائر الأصحاب، كما قال.
وحكى عن ابن أبي هريرة فيما إذا مات قبل خروج وقت القضاء: [لا يجب عليه شيء لا الإطعام ولا الصوم عنه؛ لأن القضاء] مؤقت محصور وقته فيما بين رمضانين، فإذا مات قبل أن يدخل رمضان آخر فقد مات قبل أن يخرج وقت القضاء؛ فلم يكن مفرطاً كمن مات ولم يقدر على القضاء أصلاً، ونزل هذا منزلة الصلاة إذا مات في أثناء وقتها، فإنه لا يعطي؛ لأنه غير مفرط؛ فإن الوقت محصور.
قلت: وهذا ظاهر الدلالة؛ ولذلك لم يبطل قوله بشيء، والله أعلم.

باب صوم التطوع

التطوع بالصوم مندوب إليه وهو من أولى القربات، وفيه أجر عظيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:10] والصوم من أنواع الصبر.
وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة باباً يقال له: الريان يدخل منه الصائمون" أخرجه البخاري ومسلم، زاد النسائي فيه: "فإذا دخل آخرهم، أغلق، فلم يدخل منه أحد"، وقال: "من دخل منه شرب ومن شرب منه لم يظمأ أبداً".
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً".
وهو منقسم إلى ما شرع في وقت مخصوص وإلى ما لم يعين الشارع له وقتاً، ثم المعيَّن وقته منه ما يتكرر بتكرر السنين خاصة ومنه ما يتكرر بتكرر الشهور خاصة ومنه ما يتكرر بتكرر الأسبوع خاصة وسيأتي على ذلك كلام الشيخ كما نبينه، إن شاء الله تعالى.

قال: والمستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بست من شوال؛ لما روى مسلم عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر"، ورواية أبي داود: " [بست من شوال] فكأنما صام الدهر"، ومعناه: أن الحسنة لما كانت بعشر أمثالها، كان مبلغ ما حصل له من الحسنات في صوم الشهر والأيام الستة ثلاثمائة وستين حسنة عدد أيام السنة، فكأنه صام سنة كاملة، وقد جاء هذا مفسراً في حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، قدر صيام سنة"، وفي لفظ: "جعل الله - عز وجل - الحسنة بعشر ... " فذكره وأخرجه النسائي.
قال الشيخ زكي الدين في "حواشي السنن": وإسناده حسن.
والأولى أن يصومها متتابعة عقيب الفطر كما قال في "البحر" وغيره، فإن أخَّرها وصامها في شوال متفرقات فقد حاز الفضيلة.
فإن قيل: إذا كان معنى الحديث ما ذكرتم، فهو لا يختص برمضان وست من شوال، بل من صام رمضان وستاًّ من ذي القعدة، أورجباً وستاًّ من شعبان هكذا حكم حسناته؛ فيلزم أن يكون قد صام الدهر.
قيل: المراد في الخبر: فكأنما صام الدهر فرضاً، وهذا لا يكون في غير ما نص عليه صاحب الشرع.

قلت: ويحتمل أن يكون معنى قوله: "فكأنما صام الدهر"، أي: الذي كان واجباً في ابتداء الإسلام على قولنا: إن الأيام في قوله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] هي الأيام البيض كما تقدم وهي ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأن مجموع ذلك ستة وثلاثون يوماً، ويؤيده ما سنذكره من رواية أبي داود عن ابن ملحان، لكن قد جاء في مسلم في خبر طويل عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كل شهر؛ ورمضان إلى رمضان؛ فهذا صيام الدهر كله" وهذه الزيادة تنفي الاحتمال.
وقد حكى عن الشيخ أبي حامد [أنه] قال في "التعليق" بعد ذكر هذه المسألة – أعني: صوم الأيام الستة – ولا أعرف هذا للشافعي – يعني: استحبابها – ولكن كذا قال الأصحاب.
تنبيه: اتبع الشيخ في قوله: "بست من شوال" النبي صلى الله عليه وسلم؛ [فإنه] هكذا ورد عنه كما تقدم، وقد أورد عليه سؤال، فقيل: من قاعدة العرب: أنهم يثبتون الهاء في المذكر، و"اليوم" مذكر، فلم حذفت؟ قيل: العرب إنما تلزم الإتيان بالهاء في المذكر الذي هو [دون] أحد عشر إذا صرحت بلفظ المذكر: [كقوله تعالى: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ الآية [الحاقة: 6]، فأما إذا لم يأتوا بلفظ المذكر] فيجوز إثبات الهاء وحذفها، فتقول: صنما ستاًّ ولَبثْنَا عشراً وتريد الأيام، [ومنه قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ الآية [البقرة: 234]، أي: عشرة أيام] ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً﴾ الآية [طه: 103]، نقل ذلك الفرَّاء وابن السكيت، وكذا ابن الأعرابي، كما نقله الماوردي في كتاب العدد وغيرهم.
قال النواوي: ولا يتوقف فيه إلا جاهل غبي.
قال: ويستحب [أن يصوم] يوم عرفة؛ لما روى مسلم في حديث طويل عن

أبي قتادة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صيام [يوم] عرفة أحتسب [على] الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".
ورواية الشافعي عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة كفارة سنة والسنة التي تليها، وصيام يوم عاشوراء يكفر سنةً".
قال الإمام: وقوله – عليه السلام -:"السنة التي تليها" يحتمل معنيين: أحدهما: السنة التي قبلها؛ فيكون إخباراً أنه كفارة سنتين ماضيتين، ولا يمتنع حمله على السنة المستقبلة، وهو ما ذكره القاضي الحسين، قوال: إنهم اختلفوا في كفارة السنة التي تليها: فقيل: كفارتها الحراسة فيها، والعصمة عماي وجب الإثم، وبمثله قال في "الحاوي" في السنة الأخرى؛ لأنه ذكر الخبر ثم قال: وفيه تأويلان: أحدهما: أن الله يعصمه في هاتين السنتين؛ فلا يعصي فيهما.
والثاني: أنه كفارة لما يرتكبه، وهو من الأصول في جواز تقديم الكفارة على الحنث.
ثم ما هو المكفر؟ قال مجلي: قال بعض الأصحاب: الصغائر دون الموبقات.
وكأنه – والله أعلم – يشير إلى الإمام، فإنه هكذا [قال]، ثم قال مجليك وهذا يحتاج إلى دليل، وفضل الله واسع.
قال: إلا أن يكون حاجًّا بعرفة، فيكره له؛ لأن المقصود من الحاج يوم عرفة كثرة الدعاء آخر النهار، والصوم يضعفه؛ فلذلك كره، وقد أفطره – عليه السلام – روى البخاري ومسلم عن أم الفضل بنت الحارث: أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت

إليه بقدح لبن، وهو واقف [على بعير بعرفة]، فشربه.
وقد قيل: إن صوم الواقف بعرفة ليس بمكروه بل فاعله تارك للأولى، وهو الذي صححه النواوي.
والذي أورده البندنيجي: الأول.
وفي "التتمة": أن الواقف بعرفة إن كان في زمان [الصيف والحر]، أو في الشتاء ولكنه ضعيف – فيكره له الصوم، ون كان قويًّا لا يؤثر فيه الصوم، فالأفضل في حقه أن يصوم حتى يجمع بين العبادتين، لأن عائشة كانت تصوم يوم عرفة، وقد روى في "البحر" ذلك عن بعض الأصحاب، وكأنه – والله أعلم – يشير إليه، وما ذكره يقرب من مذهب أبي حنيفة وعطاء؛ [لأن أبا حنيفة قال: أستحب صومه إلا أن يضعفه عن الدعاء ويقطعه عنه.
وعطاء قال: أصومهم] في الشتاء، وأفطره في الصيف.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا قريب من مذهبنا.
والمشهور عندنا كما قال غيره: أنه لا فرق في ذلك.
ويوم عرفة أفضل الأيام على المشهور، وحكى القاضي الحسين وجهاً آخر أن أفضلها يوم الجمعة.
قال: ويستحب [أن يصوم] تاسوعاء وعاشوراء من المحرم: أما صوم عاشوراء؛ فلما ذكرناه من الحديث السابق، وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم [المدينة، وجد] اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا

اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون، ونحن نصومه؛ تعظيماً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن أولى بموسى منكم، وأمر بصيامه" وأخرجه البخاري وكذا مسلم، ولفظه: "نحن أحق بموسى منكم.
[فصامه] وأمر بصيامه" وروى مسلم عن ابن عباس أنه قال- وقد سئل عن صيام يوم عاشوراء:- "ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوماً يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهراً إلا هذا الشهر"، يعني: رمضان.
وأما تاسوعاء؛ فلما روى أبو داود عن ابن عباس قال: "حين صام النبي – صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول لله صلى الله عليه وسلم: "فإذا كان العام المقبل، صمنا يوم التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم" وأخرجه مسلم.
قال العلماء: وهو يحتمل معنيين: أحدهما: أن ينقل صيام العاشر إلى التاسع.
والثاني: أن يصومهما معاً، وقد توفي ولم يبن مراده؛ فكان الاحتياط الجمع بينهما.
قلت: وهذا الخبر إذا تأملته، كان فيه ما يقتضي مناقضة الخبر الأول؛ فإنه دال على أنه – عليه السلام – صام العاشر حين قدم المدينة أول الهجرة، وهذا يدل على أنه لم يصمه إلا في سنة إحدى عشرة من الهجرة.
قال الأصحاب: ولأي معنى استحب صوم [يوم] التاسع؟ فيه معنيان:

أحدهما: ما دل عليه الخبر، وهو مخالفة أهل الكتاب، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: "صوموا التاسع والعاشر، ولا تتشبهوا باليهود"، ولى هذا لو فاته صوم التاسع، يستحب له [أن] يصوم مع العاشر الحادي عشر.
والثاني: أنه للاحتياط [في تحصيل صوم العاشر] لأنه قد يتفق أن يكون في أول الشهر غيم؛ فيعدون ذا الحجة ثلاثين، ويكون ناقصاً؛ فيكون التاسع هو العاشر، وقد روي عن ابن عباس أنه كان يصوم عاشوراء يومين يوالي بينهما؛ مخافة أن يفوته؛ فعلى هذا يستحب [له] أن يصوم يوم الثامن من ذي الحجة؛ احتياطاً لتحصيل يوم عرفة، وقد حكاه في "البحر" عن بعض الأصحاب من غير بناء، [وعلى هذا] أيضاً إذا فاته صوم التاسع لا يصوم الحادي عشر بدله.
وقد البندنيجي يستحب له أن يصوم مع [يوم] عاشوراء يوم التاسع، فإن صام بعده يوماً آخر كان أكمل ولم يبنه على شيء مما ذكرناه؛ ولأجله قال في "البحر": قال بعض أصحابنا: الأكمل أن يصوم يوماً قبله ويوماً بعده، وروي أنه – عليه السلام- قال: "لاتتشبهوا باليهود، وصوموا يوماً قبله، ويوماً بعده".
وما ذكره الشيخ من أول الباب إلى هاهنا هو القسم الأول الذي أشرنا إليه في أول الباب.
تنبيه: تاسوعاء وعاشوراء ممدودان على المشهور، وحكى القلعي قصرهما وهو شاذ أو باطل.
قال الجوهري: ويقال: عشوراء بالمد أيضاً.

وتاسوعاء: هو التاسع من المحرم، وعاشوراء: [هو] العاشر منه.
وعن بعض العلماء: أنه قال: عاشوراء: هو يوم التاسع.
قيل: وهو غلط؛ لقوله – عليه السلام -: "إن عشت إلى قابل، لأصومن التاسع"، ولأنهم قالوا في الخبر السابق: إن هذا اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه [وغرق فرعون وقومه] والذي غرق فيه فرعون هو اليوم العاشر من المحرم.
واختلف فيماذا سمي العاشر من المحرم بـ "عاشوراء"؟ فقيل: لأنه عاشر المحرم.
وقيل: لأنه عاشر كرامة أكرم الله تعالى بها هذه الأمة.
وقيل: لان الله – تعالى- أكرم فيه عشرة [من] الأنبياء بعشر كرامات؛ حكى ذلك الشيخ زكي الدين في "حواشي مختصر السنن".
قال: وأيام البيض من كل شهر؛ لما روى أبو داود عن ابن ملحان القيسي عن أبيه قال: كان رسول الله صل الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال: وقال: "هن كهيئة الدهر"، وأخرجه النسائي وابن ماجه.

وقد كان عمر وابن مسعود وأبو ذر يصومونها، والاستدلال [بما ذكرته أولى من الاستدلال] بما روى البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: "أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام"؛ لأنه لا تعرُّض في ذلك إلى كونها البيض، بل يجوز أن تكون غيرها؛ خصوصاً وقد روى مسلم عن معاذة العدوية أنها قالت: سألت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم فقلت لها: من أي أيام الشهر [كان] يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم.
وروى أبو داود عن حفصة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من [كل شهر]: الإثنين، والخميس، والإثنين من الجمعة الأخرى".
ولأجل ذلك قال في "البحر": لو صام ثلاثة أيام من كل شهر غير البيض كان مستحباً له؛ بهذا الخبر.
واعلم أن [الشيخ محيي الدين النووي] قال: إن الذي ضبطناه عن نسخة المصنف ما ذكرناه وهو: أيام البيض.
قال: ويقع في بعض النسخ أو أكثرها: الأيام البيض، وكذلك يقع في كثير من كتب الفقه وغيرها، وهو غلط عند أهل العربية معدو في لحن العوام ومن أجرى كلام الشيخ على هذا قال: ما الموصوف بالبياض؟

قيل: نفس الأيام؛ لأن قنبراً مولى علي – كرم الله وجهه – روى أن عليًّا سئل عن ذلك فقال: إنما سميت: أيام البيض؛ لأن الله تعالى لما أهبط آدم – عليه السلام – من الجنة إلى الأرض فشرقت عليه شمس الدنيا، فاسود جميع بدنه، فلما تاب الله عليه، فشكا إلى جبريل ذلك، فأوحى الله – عز وجل – إليه، وأمره أن يصوم أيام البيض، فلما صام اليوم الثالث عشر ابيض ثلث بدنه، فلما صام الرابع عشر ابيض ثلث بدنه فلما صام الخامس عشر ابيض جميع بدنه.
وقيل: ليالي ذلك، وهو الصحيح؛ لأن الأيام كلها بيض والتقدير: أيام الليالي البيض.
وسميت بيضاً؛ لأنها مضيئة بالقمر، كما يضيء جميع النهار بالشمس، وهذا قول القتبي.
ثم ما هي الأيام المشار إليها؟ الصحيح: أنها الثالث عشر والرابع عشر [والخامس عشر، كما دل على ذلك الخبر والأثر.
وقيل: إنها [الثاني عشر] والثلث عشر والرابع عشر؛ قاله في "الحاوي"، ويزعى إلى الصيمري.

وهذا الصوم هو القسم الثاني الذي أشرنا إليه في أول الباب.
قال: وصوم [يوم] الإثنين؛ لما روى مسلم عن [أبي] قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: "فيه ولدت، وفيه أنزل عليّ القرآ،".
قال: والخميس؛ لما روى النسائي عن كيسان المقبري قال: حدثني أسامة بن زيد، قال: قلت: [يا] رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، [وتفطر] حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وألا صمتهما؟ قال: وأي يومين؟ قلت يوم الإثنين ويوم الخميس، قال: "ذلك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم".
قال الشيخ زكي الدين: وهو حديث حسن.
[وعن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم يوم الإثنين والخميس"، قال الترمذي: وهو حسن] غريب.
وهذا هو القسم الثالث الذي أشرنا إليه في أول الباب، وقد بقي قسم رابع وهو ما يستحب صيامه من الأشهر من بين الشهور، وهو المحرم، لقوله – عليه السلام-:

"أفضل الصيام بعد الفرض شهر الله المحرم"، ثم بعده: رجب؛ لرواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوم أول يوم من رجب كفارة ثلاث سنين، وصوم الثاني [منه] كفارة سنتين، وصوم الثالث منه كفارة سنة، ثم صوم كل يوم كفارة سنة".
ثم بعد رجب: شعبان، قال – عليه السلام -: "من سره أن يذهب كثير من وحر صدره، فليصم شهر الصبر، [وثلاثة أيام من كل شهر"، وأراد بشهر الصبر]: شعبان وقيل إنه رمضان ومعنى"وحر صدره": أي: غش صدر وبلابله وقذره.
[وقد] قالت عائشة: "ما استكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام شهر قط، كان يصوم شعبان إلا قليلاً".
وأما ما لم يعين له وقت فالأفضل فيه صيام داود وهو صوم يوم وإفطار يوم؛ قال في "البحر"؛ وقيل: إنه أفضل من صوم الدهر، أي إذا أفطر في أيام النهي ولم يترك فيه حقاًّ ولم يخف ضرراً؛ لأن هذه الحالة هي التي لا يكره فيها صوم الهر.
ولفظ الشافعي في "مختصر البويطي": "لا بأس بسرد الصيام إذا أفطر الأيام التي

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها"، وبهذا يقع الرد على صاحب "التهذيب" وغيره من أصحابنا الذين أطلقوا القول بكراهة صوم الدهر؛ لأجل ما روي أنه – عليه السلام – قال لعبد الله بن عمرو: "لا صام من صام الدهر"، ولما روي أنه – عليه السلام – نهي عن صيام الهر.
وأجاب القائلون بعدم الكراهة في هذه الحالة التي ذكرناها – ومنهم صاحب "المهذب""البحر"] عن الخبر بأنه محمول على ما إذا صام ما نهي عنه؛ ولذلك قالت عائشة – وقد كانت تصوم الدهر، كما ذكرنا-:"من أفطر يوم النحر ويوم الفطر، فلم يصم الدهر".
ولو نذر صوم الدهر، انعقد نذره إلا في زمان العيدين وأيام التشريق ورمضان.
ولو أفطر في رمضان؛ لعذر من سفر أو مرض، فعليه القضاء فيقضي ويدع النذر وهل يلزمه الفدية لأجل النذر؟ قال ابن الصباغ والروياني فيه احتمالان لابن سريج، ذكرهما القاضي أبو الطيب وجهين على قولنا: إن زمان رمضان يدخل في نذره كما هو أحد الوجهين أما إذا قلنا: لا يدخل تحت نذره فلا يلزمه الفدية وبه أجاب في "التهذيب".
وفي "البحر" عن والده: أنه قال: لو أفطر يوماً في غير رمضان، هل يقضيه؟ قال أصحابنا: لا، فلو قضاه في يوم آخر هل يصح عن القضاء، أو لا يصح لا قضاء ولا أداء؟ فيه وجهان.
قلت: يمكن أخذهما من وجهين حكيا عن ابن سريج فيما إذا نذر صوم [يوم] بعينه، ثم أراد أن يأتي فيه بنفل أو فرض آخر عن النذر: هل يصح؟ وفيه وجهان:

أحدهما: لا؛ كما في رمضان.
ثم على الثاني يلزمه الإطعام في الحال؛ لأنه أيس من استدراك هذا اليوم بالقضاء.
قال في "البحر": قلت: ويحتمل وجهاً آخر.
ولو سافر هذا الرجل يحل له الفطر، وهل عليه الإطعام في الحال؟ فيه وجهان، المذكرو منهما في "الرافعي": عدم الوجوب، بخلاف ما لو أفطر بغير عذر؛ فإنه جزم بالوجوب.
ولو نذر من قد [نذر صوم] الدهر صوم يوم آخر، لم ينعقد نذره قاله الرافعي.
قلت: ويتجه أن يكون كنذر الشيخ الهمَّ الصوم وقد تقدم.
ولو لزمه صوم كفارة صام عنها، وفدى عن النذر.
ولو نذرت المرأة صوم يوم فللزوج منعها، ولا قضاء ولا فدية.
وإن أذن، ولم تصم، لزمها الفدية.
وفي "المهذب": أنه لا يجوز للمرأة أن تصوم تطوعاً وزوجها حاضر إلا بإذنه؛ لما روى أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله ليه وسلم قال: "لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه".
قال: ومن دخل في صوم تطوع أو صلاة تطوع، استحب له إتمامها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ الآية [المائدة:1]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33]، وإنما لم يجب؛ لما روى مسلم عن عائشة في [حديث طويل] قالت: ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائماً.
فأكل منه" ونقيس الصلاة على الصوم، ولأن ذلك عبادة يتحلل منها بالفساد فإذا تبرع بها لم يلزمه إتمامها، أصله: الاعتكاف، نعم، لو نذر إتمام الصوم فهل يلزمه؟ قال في "البحر" فيه وجهان، أصحهما: اللزوم.
ولا فرق فيه بين ما قبل الزوال أو بعده.

قال: فإن [خرج منها] لم يلزمه القضاء؛ لما روت أم هانئ قالت: دخل عليَّ صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فأتي بإناء من لبن، فشرب منه، ثم ناولني فشربت، وقلت: [يا] رسول الله، كنت صائمة، لكني كرهت أن أرد سؤرك، فقال: "إن كان قضاء رمضان فاقضي يوماً مكانه، وإن كان تطوعاً فإن شئت فاقضيه، وإن شئت فلا تقضيه".
ولأنه دخل في عبادة يتحلل منها بالفساد، فإذا خرج منها قبل استتمامها، لم يلزمه قضاؤها؛ كالاعتكاف.
وهل يوصف فعله بالكراهة؟ قال القاضي الحسين: قال الشافعي: "كرهته"، وهو الذي أورده البندنيجي.
وقال الإمام: إن شيخه كان يقول: الإفطار بالعذر مشروع ومن جملة المعاذير [في ذلك] أن يعز على من أضافه امتناعه من الطعام.
فإن لم يكن عذر، فهل يكره قطع الصوم والصلاة؟ فعلى وجهين.
قال: ولا بعد في ذكرهما مع الخلاف في تحريم القطع.
يعني: بيننا وبين أبي حنيفة وغيره.
أما لو دخل في صوم واجب، أو صلاة واجبة، لم يجز له الخروج منها.
قال الشافعي في كتاب فرض الصلاة والصيام من "الأم": ومن دخل في صوم

واجب عليه: شهر رمضان، أو قضاء، أو صوم من نذر أو كفارة من الوجوه، أو صلاة مكتوبة في وقتها أو قضائها، [أو صلاة نذرها]، أو صلاة طواف – لم يكن له أن يخرج من الصلاة والصوم ما كان مطيقاً للصوم والصلاة.
وإن خرج من واحد منهما بلا علة كان مفسداً عندنا.
وقال ابن الصباغ: إن الأمر كما ذكر؛ لأن العبادة [إن] كانت متعينة: كصوم رمضان، والصلاة الواجبة إذن، فلا يجوز الخروج منها؛ لأنه وجب عليه الدخول في ذلك؛ فلا يجوز الخروج منه.
وإن كانت غير متعينة: كقضاء الصلاة، والنذر المطلق، والكفارة؛ فتتعين بالدخول؛ لأنها واجبة في زمان لا بعينه، فإذا تلبس بها كانت تعييناً لذلك الزمان؛ فصار بمنزلة الفرض، بخلاف التطوع؛ فإنه ليس بواجب فالشروع فيه لا يصيره واجباً؛ وهذا ما أورده البندنيجي وصاحب "البحر" أيضاً.
وفي ابن يونس حكاية وجه في جواز الخروج من صلاة الوقت إذا لم يضق، وكذا من قضاء الصوم، وهو مختار الإمام حيث قال في كتاب التيمم: إن المسافر الذي يجوز له الفطر لو أصبح صائماً، ثم اراد أن يفطر – فله ذلك؛ فإن الشروع لا يلزمه عندنا شيئاً إلا في الحج.
وأنا أقول: من شرع في الصلاة في أول الوقت، فالذي أراه أنه لو أراد أن يقطعها قطعها؛ فإنها لا تجب بأول الوقت وجوباً مضيقاً، فالأمر موسع بعد الشروع كما كان موسعاً قبله؛ اعتباراً بمسألة الفطر، ومن لزمته فائتة غير مضيقة، فشرع فيها – فما قدمته من القياس يقتضي الخروج من الفائتة، والذي أراه: أن من شرع في صلاة جنازة، فله التحلل منها إذا كانت الصلاة لا تتعطل بتحلله، ومصداق هذا من نص الشافعي أنه قال: "من تحرم بصلاة على الانفراد، ثم وجد جماعة – فله أن يخرج عن صلاته؛ ليدرك الجماعة"، ولو كان الخروج ممتنعاً لما جاز بسبب إدراك فضيلة الجماعة.
وقال في كتاب اللقيط: من شرع في فرض من فروض الكفايات، وكان متمكناً من

إتمامه، فأراد الإضراب عنه – فقد نقول: ليس له ذلك، ويصير فرض الكفاية بالملابسة متعيناً، وهذا فيه نظر.
واقتصر الغزالي في كتاب التيمم على ما أباده الإمام من جواز الخروج من الصلاة قبل تضيق وقتها، وقال هاهنا في صوم القضاء: إن ما يجب قضاؤه على الفور يلزمه إتمامه عند الشروع فيه، و [ما] هو على التراخي فيجوز الإفطار فيه.
وهو ما حكاه القاضي الحسين عن القفال، واختاره البغوي.
وقال القاضي: عندي أنه يتخرج خروجه مما لم يجب قضاؤه على الفور على الوجهين فيما إذا أصبح المسافر صائماً هل له أن يفطر أم لا؟ [و] فيه وجهان تقدم حكايتهما عنه.
وقد تقدم بيان ما يجب قضاؤه على الفور وما لا يجب في الباب قبله.
قال: ومن دخل في حج تطوع أو عمرة [تطوع] لزمه إتمامهما؛ لأنه يجب المضي في فاسدهما، فكيف في صحيحهما؟! قال: وإن أفسدهما لزمه القضاء؛ لما سيتضح في كتاب الحج.
قال: ولا يجوز صوم يوم الشك، أي: تطوعاً [مطلقاً] أو تحرياً لرمضان كما قال البندنيجي؛ لما روى أبو داود عن صلة – وهو [ابن زفر] – قال: كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه، فأتى بشاة – أي مصلية – فتنحى بعض القوم، فقال

عمار: من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.
قال الترمذي: وهو حسن صحيح.
ولا يجوز أني ضيف عمار العصيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا توقيفاً.
وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صيام ستة أيام: يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك [فيه] أنه من رمضان.

قال: إلا أن يوافق عادة له؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه" وأخرجه البخاري و [غيره].
قال: أو يصله بما قبله؛ لأن بالوصل ينتفي قصد التحري لرمضان، وتحصل مخالفة من ليس من أهل الحق.
ثم ظاهر كلام الشيخ [يقتضي] انتفاء الكراهة فيما إذا وصله بيوم واحد، والحديث السالف دال على النهي عن ذلك؛ ولذلك قال البندنيجي: إنه لا يتقدم الشهر بصوم يوم ولا يومين، إلا أن يوافق ما كان [أبدا] يصومه، أو كان يسرد الصيام؛ فلا يكره له.
وقيل: [إذا انتصف شعبان لا يجوز] أن يصوم؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" قال الترمذي: وهو

[حسن] صحيح.
قال: إلا أن يوافق عادة له أو يصله بما قبله لما تقدم وهذا ما صححه النواوي، وجزم به في "المهذب"؛ لما تقدم.
والقائل بالأول يحمل الخبر الدال عليه على من كان يضعفه ذلك عن صوم رمضان.
والمتولي قال: إن أهل الحديث قالوا: إنه غير ثابت.
وسلك في "المرشد" طريقاً آخر فقال: إن وافق عادة له بأن كان يصوم الإثنين – مثلاً – فكان ذلك، لم يكره، وإن لم يوافق عادته: فإن كان قوياً ووصله بما قبل النصف جاز، وإن كان ضعيفاً ووصله بما زاد على يومين جاز؛ عملاً بالحديثين.
ولو أفراده بالصوم تطوعاً لم يصح، وبه جزم في "المهذب"، والمختار في "المرشد"، ويقال: إنه قول القاضي أبي الطيب، والذي رأيته في "تعليقه": أنه مكروه؛ فإن صامه فلا ثواب له.
وحكى المراوزة وصاحب "البحر" فيه وجهين كالصلاة في الأوقات المكروهة، وصحح الرافعي عدما لصحة؛ كصوم يوم العيد.
وقال في "البحر": المذهب أنه ينعقد.
ولو صامه عن فرض صح، وهل يكره؟ فيه وجهان: قيل: مختار أبي الطيب: الكراهة، وهو الذي جزم به في "المهذب" وقال في "الحاوي" إنه مذهب الشافعي.
والذي رأيته في "تعليق" القاضي أبي الطيب: أنه يسقط عنه الفرض، ولا ثواب له، ويكون بمنزلة الصلاة في الدار المغصوبة.

واستبعد ابن الصباغ ما حكى عن ابن الطيب من الكراهة، وقال: لم أره لغيره من أصحابنا، وما قاله مخالف للقياس؛ لأنه إذا جاز أن يصوم فيه تطوعاً له سبب، كان الفرض أولى كالصلاة في الوقت المنهي عنه، ولأنه لو كان عليه يوم من رمضان فقد تعين عليه صومه فيه؛ لأن وقت القضاء قد ضاق لأجل ذلك.
[و] قال في "المرشد": إن صامه عن قضاء رمضان ينبغي ألا يكره؛ لأنه متعين، وقد حكاه في البحر وجهاً وقال: إنه أصح عندي.

ويوم الشك: أن يتحدث برؤية الهلال من لا يثبت بقوله: كالصبيان، والنسوان، والعدل الواحد؛ إذا لم نثبته بهم وبه، وكذا العوام إذا لم تثبت عدالتهم عند الحاكم أو لم يشهدوا به، أما إذا لم يتحدث برؤيته فلا شك.
وإن كان غيم في موضع رؤيته، فعن الشيخ أبي محمد فيما إذا كان في محل الرؤية قطع سحاب، ولم يتحدث بالرؤية – فهو يوم شك.
وقال في "البسيط": هذا غير واضح في البلاد الواسعة والقرى، وأما في الأسفار في حق الرفاق، فيمكن أن يجعل يوم شك؛ لجواز الرؤية والتحدث بها في البلاد التي يجتمع فيها من يشتغل بهذا الشأن وهو مأخوذ من قول الإمام.
وحكى الموافق بن طاهر عن أبي محمد اليامي أنه إذا كانت السماء مُصْحِيَة ولم ير الهلال فهو يوم شك وعن الأستاذ أبي طاهر: أن يوم الشك: ما تردد بين الجانبين من غير ترجيح، فإذا شهدت امرأة أو عبد أو صبي فقد ترجح أحد الجانبين، وخرج اليوم عن كونه يوم شك، والمشهور: ما تقدم.
وقد وافق الشيخفي عبارته صاحب "التتمة"، وعبارة ابن الصباغ والبندنيجي وصاحب "البحر" والفوراني والقاضي الحسين: أن صوم يوم الشك مكروه.
وفي "الحاوي": أن النهي عن صومه؛ للكراهة [لا] للتحريم.
قال: ويكره أن يصوم يوم الجمعة وحده؛ لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده"، وفي رواية أبي داود: "قبله بيوم"، وهذا ما حكاه الشيخ أبو حامد في "التعليق" والمتولي في "التتمة"، واختاره ابن المنذر.
وقد روى المزني في "جامعه" أن الشافعي قال: "إنه لا يكره صومه، ولا يتبين لي أن النهي عن صيام يوم الجمعة إلا على الاختيار لمن كان إذا صامه منعه عن الصلاة التي لو كان مفطراً فعلها"؛ ولهذا جزم الماوردي بأن مذهب الشافعي أن معنى النهي

عن الصوم فيه: أنه يضعفه عن حضور يوم الجمعة [والدعاء فيهن فكل من أضعفه الصوم عن حضور الجمعة] كان صومه مكروهاً، وأما من لم يضعفه الصوم عن حضورها فلا بأس أن يصوم.
قلت: وهذا يخدشه ما رواه البخاري ومسلم عن جويرية بنت الحارث أن النبي صلى الله علي وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: "صمت أمس؟ " قالت: لا، قال: "تريدين أن تصومي غداً؟ " قالت: لا، قال: فأفطري".
قال: ولا يحل الصوم يوم الفطر والأضحى؛ لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يومين: [يوم] الفطر، ويوم الأضحى.
[وجاء في "الصحيحين" عن عمر أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام هذين اليومين]: أما يوم الأضحى فتأكلون من لحم نسككم، وأما يوم الفطر ففطركم من صيامكم.
قال: وأيام التشريق؛ لما روى مسلم عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيام التشريق أكل وشرب"، وفي رواية: "وذكر لله تعالى"، وروى أبو داود عن أبي مرة مولى أم هانئ، أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص، فقرب إليهما طعاماً، فقال: كل، قال: إني صائم، فقال عمرو: [كل]؛ فهذه الأيام التي كان

رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإفطارها، وينهانا عن صيامها، قال [مالك]: هي أيام التشريق.
وأيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر، وسيأتي ذكر ما سميت بذلك لأجله.
قال: فإن صام في هذه الأيام، أي: أمسك فيها عن المفطرات، ونوى من الليل – لم يصح صومه؛ لأن نفس العبادة عين المعصية، قال في "التتمة": وكان عاصياً آثماً.
قال: وقال في القديم: يجوز للمتمتع صوم أيام التشريق؛ لما روي عن ابن عمر وعائشة أنهما قالا: "لم يرخص في صوم أيام التشريق إلا للمتمتع الذي لم يجد الهدي"، وإلى هذا ميل الشيخ أبي محمد.
وبعضهم حكى عن المزني أن الشافعي رجع عنه؛ ولأجله لم يثبت بعض الأصحاب في المسألة خلافاً.
وقال القاضي الحسين: إن بعض أصحابنا قال: في المسألة قول ثالث: أنه يصح فيها جميع الصيام، ويكره؛ لأنها تتلو العيد فأشبهت ما يتلو الفطر، ولأن ما صلح لنوع من الصوم صلح لغيره؛ كسائر الأيام.
وغيره قال: إذا جوزنا للمتمتع صومها هل يجوز لغيره وله صيامها عن غير المتمتع؟ فيه وجهان – وقال الإمام: طريقان-: أحداهما: القطع بالمنع.
والثانية: أنه كصوم [يوم] الشك.
وقال الماوردي: إن غير المتمتع لا يجوز له أن يصومها تطوعاً بغير سبب بلا خلاف.

وفي جوازه بسبب متقدم: كالنذر، والقضاء، والكفارة، وقضاء رمضان – فيه وجهان حكاهما أبو الطيب والبندنيجي أيضاً، ونسب الجواز إلى أبي إسحاق، وسيأتي الكلام في ذلك في كتاب الحج، إن شاء الله تعالى.
وقد حكى الإمام أن القاضي الحسين ذكر مسلكاً يفضي إلى تنزيل يوم العيد منزلة يوم الشك، وما نراه قاله عن قصد، وإنما ذكره في تقدير كلام تقديراً لا تحقيقا، وأصل المذهب لا يزال بهذا، والله أعلم.

باب الاعتكاف

الاعتكاف: لزوم المرء الشيء وحبس نفسه عليه، براًّ كان أو إثمان، قال الله تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: 138]، أي: يقيمون.
وقال- عز من قائل -: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:52]، وقال امرؤ القيس: تظل الطير عاكفة عليهم وتنتزع الحواجب والعيونا وهذا ما حكاه الشافعي.
وقال الخليل: هو المقام على الشيء؛ يقال: عكف، يعكف، [بكسر] الكاف وضمها.
قال البندنيجي: وقال بعض أهل اللغة: الاعتكاف: الاحتباس في المسجد والإقامة فيه، يقال: عكفته، فعكف [واعتكف] أي: حبسته فاحتبس.
وهذا جده لغة.
وأما حدُّه شرعاً: فهو اللّبث والإقامة في المسجد بقصد القربة، من مسلم عاقل طاهر من الجنابة والحيض والنفاس، صاح كاف نفسه عن قضاء شهوة الفرج، مع الذكر.
[وكلام] الشيخ يأتي على جميع ذلك.

وقد خرج بقولنا: "اللبث"، العبور في المسجد عن أن يكون اعتكافاً وهو المشهور، ولمي ذكر في "الوجيز" غيره، ومن جوزه من أصحابنا لم يخالف في الحقيقة ما ذكرناه، ولكنه اكتفى بالحضور في المسجد كما اكتفى بالحضور في عرفة في تحصيل الركن، فإن كان قد أوجب باسم الوقوف، فهو مشعر بالمكث إشعار العكوف.
و [خرج] بقولنا: "والإقامة" ما إذا جلس وقام عقيب جلوسه؛ فإنه لا يحصل له الاعتكاف، كما حكاه في"البحر" عن ابن سريج، وقال إن أبا حامد استجاده، وعليه ينطبق قول الإمام: إن من لم يكتف بالمرور من أصحابنا يقول: لابد من لبث، ولا يكفي فيه ما يكفي في الطمأنينة في الركوع؛ فإنا قد أوضحنا أنه يكفي في إقامة الفرض فيها انفصال آخر حركه الهوى عن أول حركة الرفع [عن الركوع]، وكان الغرض تحصيل تصور الركوع مع فصله عما قبله وبعده، وأما هذه القربة فشرط تصورها عند هذا القائل: اللبث، فليكن محسوساً.
قال: وعند هذا لقائل لو كان الشخص يتردد [في أرجاء المسجد فهو معتكف، وقد يكون زمانٍ] تردد من يصح اعتكافه أقل من زمان [من] يدخل من باب ويخرج من باب.
و [خرج] بقولنا: "في المسجد، بقصد القربة من مسلم عاقل [طاهر] صاح" ما ستعرفه.
وأردنا بقولنا: "كاف نفسه عن قضاء شهوة الفرج"، [وهي عبارته في "الوسيط" - الكف عن الجماع في الفرج] وعن المباشرة في غير الفرج إلى أن يتصل بها الإنزال؛ فإنه مناف له، ويفسد به على الأصح بالاتفاق، وبعضهم قطع به، لكن هذه العبارة تقتضي التسوية بين ما إذا باشر [فيما دون الفرج] فأنزل، أو استمنى فأنزل؛ لأنه في كل منهما لم يكف نفسه عن شهوة الفرج وهي الإنزال؛ ولذلك سوى الرافعي بينهما، وغيره من الأصحاب بنى الاستمناء على المباشرة، فقال: إن قلنا: المباشرة مع

الإنزال لا تفسد، فالإنزال بالاستمناء أولى، وإلا فوجهان: قال القاضي الحسين: أصحهما: أنه لا يبطل؛ لأنه لم يكمل له الالتذاذ، وهناك [قد] كمل له الالتذاذ، باصطكاك البشرتين، وعلى كل حال فهذه العبارة أحسن من قوله في الوجيز: "الكف عن الجماع".
وهل يشترط الكف عن مقدمات الجماع؟ [فيه] قولان.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن المفهوم من لفظ "المقدمات": المعانقة والقبلة ونحو ذلك، لا الإنزال بما ذكرناه؛ فلا يكون داخلاً في حده، مع أن الخلاف في الجميع.
وأيضاً: فقد يفهم من لفظ "المقدمات": أن من شرطه ترك الطيب على أحد القولين أخذاً من قول الأصحاب إنه لا يستفيد بالتحلل الأول في الحج استباحة الوطء، وهل يستفيد [حل] الطيب؟ فيه خلاف، ومأخذ المنع: ان الطب من دواعي الوطء؛ فلم يبح كهو، ولا خلاف في أن الكف عنه ليس من شرط الاعتكاف، بل للمعتكف أن يتطيب كما له أن [يرجل] شعره، ويزوج ويتزوج بخلاف المحرم.
وقد اقتضى ما ذكرناه من عبارة "الوسيط": أن الكف عن مقدمات الجماع بدون الإنزال لا يشترط كما هو أحد القولين في "الوجيز" وغيره، وهو الذي رجَّحه المحاملي والشيخ أبو محمد والروياني وغيرهم، وبعضهم قطع به.
وخرج بقولنا: "مع الذكر"، [قضاء] شهوة الفرج ناسياً؛ فإنه لا يفسد الاعتكاف على الصحيح، كما لا يفسد الصوم، وقد قال الرافعي: إن الجهل بتحريم ذلك كالنسيان للاعتكاف في الإفساد.
فعلى هذا: ينبغي أني ضاف قيد "العلم بالتحريم" إلى الحد، لكني لم أذكره؛ لشيء سأبديه، وهو أنا قد ذكرنا أن النية لابد منها، وشرط المنوي: أن يكون معلوماً للناوي، وحينئذ فلا تصح نية الشيء ما لم يعلم ما هو ذلك الشيء؛ فلا يتصور الجهل بتحريم الجماع في الاعتكاف مع صحته إذن؛ ولأجل ذلك صور العلماء الأكل والجماع

في الصوم جاهلاً: بأن يكون قد أكل ناسياً؛ فاعتقد أنه أفطر به فأكل [أو جامع] عامداً؛ بناء على أنه أفطر، وأن ذلك بعد ذلك ليس بحرام عليه، لكنه قد يفرض مثل هذا هنا أيضاً بأن فعل فعلاً ظن أنه خرج به من الاعتكاف كالحرفة مثلاً، فجامع بناء على ذلك، والله اعلم.
وإذ قد عرفت ذلك عرفت أن الاعتكاف الشرعي متصوَّر في قليل الزمان كما وصفنا [وكثيره].
نعم، المستحب ألا ينقص عن يوم، كما نص عليه في الإملاء؛ للخروج من

خلاف أبي حنيفة، وقد حكى القاضي الحسين عن بعض أصحابنا موافقته.
وقد حكى الإمام عن رواية الشيخ أبي بكر أن من أصحابنا من لم يصحح الاعتكاف إلا يوماً أو ما يدنو من يوم؛ لأن نصف اليوم فما دونه مما يغلب جريان المكث في مثله لعامة الناس؛ لحاجة تعن لهم في المساجد، ولا يثبت الاعتكاف إلا بمكث يظهر من مثله أن صاحبه معتكف في المسجد.
قال في "التتمة": [وهذا] يقرب من قول [من] لم يصحح التنفل بالصوم بنية بعد الزوال.
وحكى الفوراني وجهاً: أن من كان يعتاد دخول المسجد لإقامة الجماعة أو غيرها، وكان لا يظهر ما يخالف عادته في الدخول والخروج- فلو نوى كلما دخل الاعتكاف، لم يكن اعتكافاً؛ لأنه غير مخالف لعادته في دخلاته وخرجاته.
والصحيح عند من أثبت الخلاف في المسألة ما اقتضاه ما ذكرناه من الحد، وعبارة بعضهم تقتضي القطع به.
قال: الاعتكاف سنة، أي: سنة رسول الله صلى الله عليه ولم فإنه كان يعتكف العشر الأواسط من شهر رمضان، فلما كان ليلة الحادي والعشرين وهي الليلة التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه، قال صلى الله عليه وسلم: "من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر" كذا رواه الشافعي بسنده عن أبي سعيد الخدري، وسنذكر رواية غيره عنه، إن شاء الله تعالى.
ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى: ثم اعتكف أزواجه من بعده، كما أخرجه البخاري ومسلم.
وروى أبو هريرة أنه – عليه السلام – كان يعتكف كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً.
أخرجه البخاري.

وقد كان الاعتكاف في شرع من قبلنا، قال الله تعالى لإبراهيم – عليه السلام -: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]. قال: ولا يجب إلا بالنذر.
[أفاد هذا الكلام أمرين: أحدهما: أنه لا يجب بغير النذر]، ودليله قصة الأعرابي المشهورة في قوله: هل عليَّ غيرها؟ وما رواه مسلم في أثناء حديث أبي سعيد الخدري المذكور في كتاب الصيام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف" فعلقه بالمحبة.
ولأن العبادات الواجبة قد قرر لها الشرع أسباباً راتبة كالصلاة، أو عارضة كالزكاة، وليس للاعتكاف سبب راتب ولا عارض؛ فعلم أنه غير واجب.
والثاني: وجوبه بالنذر؛ لأنه قربة وطاعة لما ذكرناه وقد أجمع المسلمون على ذلك ما قاله أبو الطيب، وإذا كان قربة وطاعة اندرج تحت قوله – عليه السلام -:"من نذر أن يطيع الله فليطعه".
فإن قيل: قد قال الشيخ: إنه سنة فأي فائدة لقوله: "لا يجب إلا بالنذر".
قلنا: قد ذكرنا أن مراده بالسنة: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تنقسم إلى الواجب والمندوب، فبين بقوله: "ولا يجب إلا بالنذر" أنه من القسم الثاني.
ثم على تقدير أنه أراد بالسنة ضد الواجب، ففائدته تعريفك أنه ليس من شرط ما يلزم بالنذر من القرب أن يكون له أصل واجب في الشرع: كالصلاة، ونحوها؛ كما صار إليه بعض أصحابنا، كما ستعرفه في باب النذر، مع أنهم اتفقوا على لزوم الاعتكاف بالنذر؛ لأن من قال [من أصحابنا]: لا يلزم بالنذر إلا ما له أصل واجب في الشرع، قال: الاعتكاف لبث بمكان مخصوص، وكان أصله الوقوف بعرفة.
وقد يكون من فوائد قوله: "ولا يجب إلا بالنذر"، الرد على من قال من أصحابنا؛: إنه إذا قال ابتداء: لله عليَّ أن أعتكف كذا، ولم يعلقه على شيء أنه يلزمه بلا خلاف بخلاف غيره من السنن؛ حيث جرى في لزومها في مثل هذه الصورة الخلاف؛ بناء

على أن ذلك يسمى: نذراً أم لا؟ كما ستعرفه، إن شاء الله تعالى.
قال: ولا يصح إلا بالنية؛ لخبر المشهور، ولأن اللبث في المسجد تارة يكون عادة وتارة عبادة؛ فافتقر إلى النية؛ لتمييز العادة من العبادة، ويكفيه أن ينوي الاعتكاف مطلقاً إن كان متطوعاً به، ويقيم ما شاء الله تعالى.
قال الإمام: وكان شيخي يتردد في مثل هذه الصورة في الصلاة، ويقول: إذا نوى المتطوع الصلاة، ولم يربط قصده بأعداد من الركعات، فالوجه تصحيح ركعة وركعتين وثلاث وأربع إن اقتصر عليها، فأما المزيد فلم يرد فيه ثبت على الاسترسال، ففيه نظر.
قال الإمام: ووجدت لغيره القطع بأنه إذا نوى الصلاة مطلقاً، وأراد إقامة مائة ركعة بتسليمة فلا بأس، وهو القياس.
ويجوز أن ينوي اعتكاف يوم وشهر وسنة، والعشر الأواخر من رمضان وغيره، لكنه في الحالة الأولى متى خرج من المعتكف ولو لقضاء حاجة الإنسان أو غيرها احتاج إلى تجديد النية عند العود؛ لأن ما مضى عبادة تامة.
قال في "التتمة": اللهم إلا أن يعزم عند خروجه لذلك أنه يعود؛ فإن هذه العزيمة قائمة مقام النية.
قال الرافعي: ولك أن تقول: اقتران النية بأول العبادة شرط، فكيف يحصل الاكتفاء بالعزيمة السابقة على العود؟! وفي الحالة الثانية: إذا خرج وعاد هل يحتاج إلى تجديد النية؟ قال الغزالي: فيه

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل