كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 345-384
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

صفحات 345-384
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فينبغي أن يجري فيمن جامع مكرهاً الخلاف المذكور في الناسي إذا قلنا: إنه يفطر، وهو يؤخذ من مجموع ما وقفت عليه في كتب الأصحاب؛ فإن القاضي أبا الطيب قال في تعليقه الذي وقفت عليه: إذا قلنا: إن المكره على الجماع يفطر به، وجبت عليه الكفارة.
والذي أورده البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين والرافعي: عدم الوجوب، وهو الذي يتجه القطع به؛ لأنه لم يقصد هتك حرمة الصوم، ويخالف الناسي؛ لأنه ينسب إلى تقصير ما، ولا تقصير من جهة المكره.
الثالثة: السفر؛ فإنه لا يجوز الإقدام عليه مع نية الصوم مع الليل، فإذا فعله حيث يجوز له وقد نوى الصوم، فإن قصد به الترخص لم يجب عليه الكفارة بلا خلاف إن كانت زوجته كحاله.
وإن لم يقصد الترخص بل قصد هتك حرمة الصوم، وهو ذاكر له – فهل يلزمهم الكفارة؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين [وغيره]: أحدهما: نعم؛ لأن [الرخصة لا تحصل] بدون قصدها؛ ألا ترى أن المسافر لو أخر الظهر إلى العصر بنية الجمع، كان له الجمع [ولو أخرها عامداً، غير قاصد للترخص، ولم ينو الجمع؛ فلا يجوز له الجمع، وإذا فعل يكون عاصيا]؟! والثاني: لا؛ لأن له الفطر، وهو لا يفتقر إلى قصد من المفطر ألا ترى أنه يصير مفطراً [بغروب الشمس] وليس كذلك الصلاة؟! والمريض قد قلنا: إنه ينبغي أن يلحق بالمسافر في ذلك كما ألحقنا المسافر به فيما إذا أفطر بغير الجماع.
ولو كان المسار قد قدم من سفره نهاراً مفطراً، فأخبرته زوجته أنها مفطرة؛ لانقطاع حيضها، فجامعها، وكانت صائمة – فإن الكفارة تجب عليها بلا خلاف،

ولا يتحمل عنها؛ لأنها غرته.
نعم، لو أخبرته أنها صائمة؛ فإن طاوعته، وقلنا: الواجب كفارة واحدة عنه وعنها، وجبت عليها بلا خلاف عند العراقيين، وهو الذي أورده الفوراني.
وحكى القاضي الحسين وجهاً: أنها تجب على الزوج، ثم قال: والأصح: أنها لا تلزمه هنا؛ لأن الزوج [هنا] لا يلزمه شيء متبوعاً حتى يتحمل عنها على طريق التبعية.
قلت: وسيأتي مثل هذا الخلاف في طرق العراق فيما إذا مكنت زوجة المجنون – وهي صائمة – زوجها من نفسها؛ فوطئها.
ولو أكرهها، فإن قلنا: لا يفسد صومها؛ فلا شيء على واحد منهما.
وإن قلنا: يفسد فكذلك عند البندنيجي وغيره.
وفيما وقفت عليه من "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن الكفارة تجب [عليها ويتحملها عنها، قوال هذا بخلاف ما إذا وقع المجنون على امرأته في نهار رمضان] وهي صائمة، أي: ومكنته – كما قال القاضي الحسين – فإن يجب عليها الكفارة على القول الثالث، وهل يتحملها [عنها]؟ فيه وجهان، نسب القاضي أبو الطيب المنع منهما إلى قول أبي إسحاق، لأنه لا قصد له.
ومقابله إلى ابن سريج، وهو الذي أورده ابن الصباغ، وحكاه الغزالي وجهاً، وإن لم يحكه إمامه؛ لأن جماعه بمنزلة الجناية، ولو جنى، للزمه الضمان في ماله، وهو معنى قوله في

"الوسيط": لأن ماله يصلح للتحمل.
وقد عكس المصنف والماوردي والقاضي الحسين النسبة التي ذكرناها، فعزوا الأول إلى قول ابن سريج، ومقابله إلى أبي إسحاق.
وحكى الفوراني الخلاف عنهما على وجه آخر، فقال: لو أصبح صائماً مقيماً [فجنَّ] فجامع، فقد قال ابن سريج: لا كفارة عليه، وقال أبو إسحاق: عليه الكفارة.
وهما مبنيان على أن الرجل إذا أحرم بالحج، ثم جن، فجامع، هل عليه [الكفارة؟] وفيه قولان.
ثم على قول ابن سريج: إن قلنا: إن الكفارة تجب على الرجل ابتداء – كما هو القول الثاني في الكتاب – فلا كفارة على امرأة المجنون.
وإن قلنا، تجب على المرأة، ثم يتحملها الزوج – كما هوا لقول الثالث في الكتاب – فعلى امرأة المجنون الكفارة؛ لأن الزوج المجنون لا كفارة عليه حتى تدخل كفارتها في كفارته.
وقد ألحق الرافعي بالمجنون في هذا الصبي المراهق إذا قلنا: لا كفارة عليه في نفسه؛ كما سنذكره، وكذا ألحق به الناسي والنائم إذا استدخلت ذكره.

وعبارة الغزالي في ضبط ما يوجب الكفارة العظمى: "أنها تجب على كل من أفسد صوم يوم من رمضان بجماع [تام] آثم به لأجل الصوم"، واحترز بقوله: "أفسد" عن جماع الناسي، وقد ذكرناه، وبقوله: "من رمضان" عن التطوع [والقضاء] والنذر، وقد ذكرناه.
وبقوله: "بجماع" عمن أفسده بالأكل والاستمناء ونحو ذلك؛ فإنه لا كفارة فيه.
وعن المراوزة إذا جومعت – وفي نسخة: إذا جامعت – فإنه لا كفارة عليها، وقد تقدم الكلام في ذلك.
وبلفظ "التام" عما إذا أتى بهيمة؛ أو وطئ في الموضع المكروه؛ فإن فيه ما تقدم.
ويجوز أن يقال – وهو المتبادر إلى الفهم -: إنه أرادبه الاحتراز عن المرأة إذا جومعت أو جامعت؛ فإنها أطرت قبل تغييب الحشفة على زعمه؛ لأنه بذلك علل عدم إيجاب الكفارة.
وبقوله: "آثم به" عمن أصبح مجامعاً أهله ظانًّا أن الفجر لم يطلع، وكان قد طلع؛ فلا كفارة عليه إلا على وجه إيجابها على الناسي.
وكلامه يتضمن –أيضاً – الاحتراز عن المكره على الجماع إذا قلنا: [إنه مفطر به؛ فإنه غير آثم، ولا كفارة عليه؛ كما تقدم.

واحترز بقوله: "لأجل الصوم" عن الزاني ناسيًّا: إذا قلنا]: يفطر [به] وعمن أكل ناسياً، وظن أنه قد أفطر؛ فجامع عامداً، يلزمه القضاء، ولا كفارة.
وإنما قلنا: إن لفظة "آثم" أخرجت هذه الصورة؛ لأن النسيان لو كان مفطراً، لما أباح الإقدام على الوطء.
نعم، لو جهل أيضاً- أنه لا يحرم عليه تعاطي المفطرات في نهار رمضان بعد الفطر فيه، يخرج بلفظة "آثم".
فإن قلت: إذا لم يهل تحريم تعاطي المفطرات بعد الفطر في نهار رمضان؛ فهو آثم؛ لأجل الصوم؛ فهو مندرج تحت قوله، ويؤيده ما ذكرناه عن القاضي أبي الطيب من إيجاب الكفارة عليه.
قلت: إثمه ليس لأجل الصوم بل لأجل وقت الصوم ولهذا إن من أفطر بالأكل عامداً، ثم جامع لا كفارة عليه وإن كان آثماً لأجل الوقت بوطئه، والله أعلم.
وقد اقتضى كلام الشيخ أمرين: أحدهما: أن ما ذكره من الأحكام عند الفطر بالجماع جار في كل يوم؛ حتى لو تكرر ذلك منه في أيام وجب عليه قضاؤها، ويعددها كفارات، وهو ما نص عليه في "مختصر" البويطي، حيث قال: "لو جامع في كل يوم من رمضان، وجب عليه ثلاثون كفارة".
قال الأصحاب: وسواء في ذلك [ما إذا لم يكن قد كفر عن اليوم الأول] قبل أن يجامع فيما بعده أو لا؛ لأن كل يوم من رمضان عبادة مستقلة بنفسه؛ فوجب بإفساده بالجماع الكفارة كاليوم الأول وبهذا فارق ما إذا تكرر منه الجماع [في الحج؛ لأن الحج عبادة واحدة.
نعم، لو تكرر منه الجماع] في اليوم الواحد في زوجة واحدة، لا يلزمه إلا كفارة واحدة؛ لأن الصوم [قد] زال بالفعل الأول؛ ويدل على هذا من كلام الشيخ جعله وجوب القضاء والكفارة مسبباً عن الوطء، والوطء الثاني في اليوم الواحد، لا يوجب قضاء آخر؛ فكذلك لا يوجب كفارة أخرى، ويخالف ما

إذا جامع في الحج الواحد مرتين فأكثر؛ حيث يلزمه لأجل الثاني كفارة أخرى؛ لأن الحج ثمَّ منعقد بعد الوطء، يجب المضي فيه، والإمساك في رمضان بعد الفطر؛ لحرمة الوقت لا لكونه عبادة.
ولو تكرر منه [في] أربع زوجات، قال في "الحاوي": كان عليه أربع كفارات في أحد القولين؛ إذا قيل: إن الكفارة وجبت عليها، أي: وهو يتحملها.
الثاني: أنه لا فرق في وجوب الكفارة عليه وقد فسد صوم اليوم بالجماع بين أن يطرأ عليه ما يبيح الفطر فيه كالمرض في أثنائه، أو سقط صومه عنه: كالحيض، والجنون، والموت؛ وهو الراجح عند العراقيين، ولم يورد الفوراني غيره؛ لأن ذلك طرأ بعد فساد الصوم بالجماع؛ فأشبه ما لو أفسد الحج، ثم أحصر بعده؛ فإنه يتحلل، ولا تسقط الكفارة؛ وهذا ما نص عليه في "الإملاء" كما قال القاضي أبو الطيب، وحكى معه قولاً آخر نسبه إلى نصه في "اختلاف العراقيين": أنها تسقط؛ إذ بان بالآخرة أن الصوم لم يكن واجباً.
[و] قال البندنيجي: إن القولين منصوصان في "اختلاف العراقيين".
وجزم طائفة- ومنهم القاضي الحسين والبغوي - بأن طرآن المرض لا يسقطها كطرآن السفر، وحكاية القولين أي طرآن الجنون والحيض، وصحح المتولي منهما قول السقوط.

ويجيء عند الاختصار في ذلك ثلاث أقوال، وقد حكاها في "الوسيط"، ثالثها: أنها تسقط بطرآن الحيض والجنون؛ فإنهما ينافيان الصحة، قال: وفي معناهما الموت، بخلاف المرض؛ فإنه لا ينافي الصحة.
قالك وقد حكى طرد هذه الأقوال في طرآن السفر، وهو بعيد.
قلت: وفي قوله: "هذه الأقوال" نظر؛ فإنه لا يتصور أن يأتي في طرآن السفر إلا قولان نعم، تجيء الأقوال إذا جمعت السفر مع الجنون والحيض، وإذا أضفت إلى ذلك المرض كان في ذلك أربعة أقوال.
وقد نسب الرافعي طريقة طرد الأقوال في السفر إلى رواية صاحب "التقريب" والحناطي.
ولقائل أن يقول: مقتضى كلام الشيخ في طرآن الجنون عدم إيجاب الكفارة؛ لأنه جعلها واجبة في الموضع الذي جزم [فيه] بالقضاء، والمجنون لا قضاء عليه في هذه الصورة؛ فكذلك لا كفارة".
فرع: المراهق إذا شرع في صوم رمضان، ثم جامع، فسد صومه، قال في "التتمة": والصحيح من المذهب أنه لا كفارة عليه؛ لأن حرمة الصوم في حقه ناقصة؛ لأنه لا يخاطب بالصوم ولا ببدله وقد خرج فيه وجه آخر – من قولنا: إن عمد الصبي عمد -: أن عليه الكفارة.
ونظير هذه المسألة ما إذا أحرم بالحج، ثم جامع.
وفي "البحر": أن الصبي إذا جامع، لاتلزمه الكفارة بحال، وهل يبطل صومه؟ قال والدي: فيه وجهان ينبنيان على القولين في أن عمده عمد أو خطأ.
وإنما قلت هذا؛ لأن صاحب "الإفصاح" ذكر في جماع الصبي عمداً في الحج:

هل يفسد الحج؟ وجهين.
قلت: وكأنه لم يقف على قول الإمام ثم: إن عمده فيما يتعلق بإفساد العبادات غير الحج كعمد البالغ؛ ولهذا يفسد صومه إذا تعمد الأكل [وتفسد الصلاة إذا تعمد الكلام].
فإن قيل: يجوز أن يفرق بين الفطر بالجماع والأكل بأن شهوة الصبي في الأكل كشهوة البالغ بل أبلغ، ولا كذلك الجماع؛ فإنه إنما أفطر البالغ؛ لأنه مظنة الإنزال، وهو مقصود الجماع، وذلك لا يوجد في حق الصغير؛ فشابه المباشرة فيما دون الفرج إذا لم يتصل بها الإنزال.
قيل: يلزمه على ذلك ألا يجب عليه غسل، ولا يسلك به مسلك الجماع في شيء من الأمور، وليس كذلك، والله أعلم.
قال: والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً؛ لظاهر قصة الأعرابي؛ ولقوله – عليه السلام -: "من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر"، وهكذا تجب الكفارة على المظاهر بالإجماع.
ولأنها كفارة فيها صوم متتابع فكانت على الترتيب؛ ككفارة القتل.
قال الماوردي: ولأن الكفارات في الشرع ضربان: ضرب بدأ يه بالأغلظ؛ فكان الترتيب فيها واجباً، مثل: كفارة الظهار، والقتل، بدأ فيهما بالعتق.
وضرب بدأ فيها بالأخف، فكان التخيير فيها مستحقاً، مثل: كفارة اليمين بدأ فيها بالإطعام، ثم وجدنا كفارة الجماع بدأ فيها بالأغلظ وهو العتق فوجب أن يكون الترتيب فيها مستحقاً.
فإن قيل: روى أبو داود عن أبي هريرة أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله صلى الله عله وسلم أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً، قال: لا أجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجلس"، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق تمر – وفي

رواية أنه [يقدر] بقدر خمسة عشر صاعاً – فقال: "خذ هذا، فتصدق به، فقال: يا رسول الله، ما أحد أحوج مني، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، فقال له: ["كله"، في رواية]: "كله أنت [وأهل بيتك]، وصم يوماً، واستغفر الله"؛ وهذا يدل على التخيير كما قال به مالك.
قيل: [الواو] كما لا تقتضي الترتيب، لا تمنعه؛ فيكون هذا الحديث بيانه ما ذكرناه من الحديث الآخر، والتقدير: أنه أمره بالصوم إن عجز عن الرقبة، وبالإطعام إن عجز عن الصوم، وقد قدر مثل هذا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] مع أنا لو لم نقدر ذلك كان ما ذكرناه أولى؛ لأن رواته فوق العشرين، ورواة ذلك اثنان، وما تمسكنا به حكاية لفظ [الرسول صلى الله عليه وسلمن وما تمسكوا به حكاية لفظ] الراوي، وقد قيل: إنه ليس بحجة.
والعرق – بفتح الراء -: المكتل.
وهل الاعتبار فيما ذكرناه بحالة الوجوب أو حالة الإخراج وإذا صام ثم قدر في أثنائه على العتق – الكلام في ذلك كما يأتي في الظهار، قال البندنيجي: حرفاً بحرف، وكذا في غيره، نعم: حكى القاضي الحسين فيما لو شرع في التفكير بالإطعام، ثم قدر على الصوم، فهل يجب عليه الانتقال إليه؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ كما لو قدر على العتق بعد أن شرع في الصوم؛ فإنه لا يجب عليه الرجوع إليه وإن كنا مستحباً؛ للخروج من خلاف المزني وغيره.
والثاني: يجب، والفرق: أن الإطعام غير منتظم انتظام الصوم، ولا مرتبط، والصوم يتعلق أوله بآخره، والشروع فيه كالفراغ منه.
قال ابن الصباغ ما معناه: فإن قيل: المتيمم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة، هل له

أن يخرج منها؟ فيه وجهان، فما الفرق؟ قيل: الصوم الواجب قد خير المسافر في الخروج منه، والصلاة الواجبة إذا دخل فيها لم يحل الخروج منها.
وفرق القاضي أبو الطيب بفرق آخر: وهو أن الخروج من الصلاة يبطل ما عله منها والخروج من الصوم لا يبطل ما مضى منه.
وإذا عرفت أن هذه الكفارة على الترتيب آن أن أذكر لك ثمرة التفريع على الأقوال السالفة: فإن قلنا بالقول الأول، قام كل منهما بما يقتضيه حاله من العتق والصوم والإطعام.
وإن قلنا بالثاني على النحو الذي أورده الشيخ، اعتبر حال الزوج بنفسه.
وإن قلنا بالقول الثالث، لا يخلو أن يستوي حالهما، أو يختلف: فإن استوى نظر: فإن كانا من أهل الإعتاق أو الإطعام فقط أعتق رقبة أو أطعم ستين مسكيناً، ونوى ذلك عن نفسه وعن زوجته؛ كما قال القاضي أبو الطيب.
قال البندنيجي: وتقع كلها عن كل [واحد منهما].
قال ابن يونس: قال بعض المتأخرين: والذي يقتضيه المذهب: أن يكون الولاء بينهما؛ لأن العتق أجزأ عنهما.
ون كانا من أهل الصيام، صام كل منهما شهرين متتابعين، وهل ذلك؛ لأن الواجب على كل منهما كفارة، وكفارة المرأة تدخل في كفارة الرجل في الإعتاق والإطعام لاتحاد جنسهما وقبولهما التحمل، ولا تدخل في الصوم، لأنه لا يقبل التحمل أو لأن الواجب على كل منهما نصف كفارة، والزوج يحمل النصف الواجب على المرأة إذا أمكن، وإذا لم يمكن، وجب على كل منهما إتمامها؛ لان الكفارة لا تتبعض، ولا يمكن أن ينبني صيام أحدهما على صيام الآخر؟ فيه خلاف بين الأصحاب: والذي صرح به البندنيجي والمتولي: الأول، وهو ما حكى عن الشيخ أبي حامد.

والذي حكاه ابن الصباغ: الثاني، وهو الذي يدل [عليه] كلام القاضي الحسين الآتي، [وقد] حكى القاضي الحسين أن من أصحابنا من قال يما إذا كان حالهما [الصوم:] إنه يصوم شهرين [متتابعين] ولا شيء عليها لأن أصل الكفارة مما يجزئ فيه التحمل؛ فكذلك في بدله، ومنزلة هذا منزلة قولنا: لا يجوز النيابة في الصلاة، ثم لو استأجر رجلاً، ليحج عنه؛ فإنه يتحمل عنه ركعتي الطواف؛ فكذلك هاهنا.
والأصح الأول.
وإن اختلف حالهما، قال القاضي أبو الطيب: نظر: فإن كان حال الزوج ارفع من حالها، مثل أن يكون من أهل العتق، وهي من أهل الصيام – فإنه يعتق عن نفسه رقبة، ويجب عليها الصيام، فإن أراد أن يخفف عنها، وكانت حرة؛ فإنه ينوي بعتق الرقابة عنه وعنها، ويسقط عنها الصيام؛ لأنه يجوز الانتقال من الصيام إلى العتق؛ إذ كان العتق أعلى والصيام أدنى؛ وهذا يدل [على] أنه لا يجب عليه أن يعتق عنها.
وعبارة [ابن الصباغ] والشيخ: أنه يجزئه رقبة عنهما جميعاً.
وفي "التتمة" حكاية وجهين: أحدهما: أن عليها الصوم.
والثاني: أن يسقط عنها بعتقه؛ لأن من كانت كفارته الصوم لو كفر بالعتق يجوز.
وهذا إذا كانت حرة، فلو كانت أمة، قال القاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهما: فليست من أهل العتق؛ فلا يجوز أن ينوي العتق عنها، ويجب عليها الصيام؛ لأنه لا يجد سبيلاً إلى التخفيف عنها.
وقال في "المهذب": إن هذا إذا قلنا: إن الأمة لا تملك، أما إذا قلنا: إنها تملك المال، أجزأ عنها العتق؛ كالحرة المعسرة.

وإن كان من أهل الصيام، وهي من أهل الإطعام قال [القاضي] أبو الطيب وغيره: فيجب عليه الصوم، ويجب عليها الإطعام، إلا أنه يتحمل [ذلك] عنها؛ لأن الإطعام مما يتحملن وتدخله النيابة، وليس له أن ينتقل من الإطعام هاهنا إلى الصيام الذي هو أعلى منه؛ لأن الإطعام وجب عليه بسبب غيره، وإنما يجوز ذلك لو كان بسببه، ولو تكلف العتق سقط عنه الصوم والإطعام؛ قاله البندنيجي.
وفي تعليق القاضي الحسين: [أن الزوج] يصوم عن نفسه، ولا يتحمل عنها الإطعام؛ لأنه لا يصح أن يتحمل عنها ما وجب عليها من الإطعام بالصيام.
وقال الرافعي: إن قضية قول من قال بإجزاء العتق عن الصيام في الصورة السابقة إجزاء الصوم [عن الإطعام] لأن من فرضه الإطعام لو تحمل المشقة وصام، أجزأه والصوم كما [لا يتحمل به] لا يتحمل.
ولو كان الزوج من أهل العتق، وهي من أهل] الصوم.
[وحكى الفوراني] في إجزاء العتق عنهما وجهين؛ لما بينهما من اختلاف النوع مع اتحاد المالية.
فإن قلنا: لا يجزئ، قال الراعي: فهل يجب على الزوج الإطعام عنها، أو لا؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم؛ فإن عجز عنه، ثبت في ذمته إلى أن يقدر لأن الكفارة على هذا القول معدودة [من مؤنات] الزوجية اللازمة على الزوج.
والثاني- ذكره في "التهذيب" -: أن عليها ذلك؛ لأن التحمل كالتداخل فلا

يجزئ عند اختلاف الجنس.
ولو كان حال المرأة أرفع من حال الزوج؛ بأن كانت من أهل العتق وهو من أهل الصوم، قال أبو الطيب: فإنه يجب عليها عتق رقبة، ويجب عليه الصوم.
فظاهر هذا: أنه لا يثبت العتق عنها في ذمته.
وقال الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ: إنه يكون في ذمته يعتق عنها متى قدر.
وهو الذي حكاه القاضي الحسين عن العراقيين بعد أن حكى وجهين غيره: أصحهما: أن عليها عتق رقبة كاملة؛ لأنه [لا] يجوز التبعيض.
والثاني: يجوز لها الصوم؛ لأن الأصل في هذا الباب الرجل، فإذا عدم المال، انتقل جميع الكفارة إلى الصوم، غر أنه لا يتبعض.
وعلى رأي العراقيين: لو أعتق رقبة قبل الصوم، وهو ممن يجوز [له] التكفير بالعتق عنها وعنه، سقط عنه الصيام، قاله أبو الطيب وغيره، وكذا القاضي الحسين؛ تفريعاً على أنه لا يتحمل عنها.
ولو كانت من أهل الصوم، وهو من أهل الإطعام، [فإنه يجب عليها الصوم، ويجب عليه الإطعام، ولا يجوز أن ينوي الإطعام عنها.
وحكى البغوي وجهاً: أنه يسقط ما عليها بتأدية الزوج ما عليه، والله أعلم.
تنبيه: [الكفارة]: أصلها من "الكفر" - بفتح الكاف - وهو الستر؛ لأنها تستر الذنب، وتذهبه؛ هذا أصلها، ثم استعملت فيها وجدت فيه صورة مخالفة، أو انتهاك وإن لم يكن فيه إثم كالقتل خطأ وغيره.

وقوله: عتق رقبة قال الأزهري: إنما قيل لمن [أعتق نسمة:] أعتق رقبة، وفك رقبة فخصت الرقبة دون جميع الأعضاء؛ لأن حكم السيد وملكه حبل في رقبة العبد، وكالغل المانع له من الخروج، فإذا أعتق فكأنه أطلق من ذلك.
قال: فإن لم يجد، أي: الطعام، ثبت في ذمته في أحد القولين إلى أن يجد لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي أن يكفر بما دفعه إليه من التمر مع [إخباره بعجزه]؛ فدل على ثبوتها في الذمة مع العجز.
وأيضاً: فبالقياس على جزاء الصيد؛ وهذا ما صححه المصنف تبعاً للماوردي.
ويسقط في الثاني؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر ذلك للأعرابي مع جهله بالحكم فيها.
وبالقياس على زكاة الفطر إذا عدمها وقت الوجوب.
وهذان القولان أخذا من قول الشافعي في "الكبير" – وهو "الأم" -: "يحتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط عنه الكفارة؛ لإعساره وعجزه عن الصوم"، ثم قال: "ويحتمل أن يكون أخرها، وجعلها في ذمته حتى يكفر إذا أيسر".
قال العراقيون: وضابط هذا الباب: أن الحق المالي [الذي] يجب لله تعالى من غير سبب إذا دخل وقت وجوبه، ولم يصادف قدرته عليه، فلا يجب حالاًّ [و] مآلاً، وهذا كزكاة الفطر، وما يجب بسبب البدلية كجزء الصيد، فلا يمنع استقراره في الذمة العجز عنه حالة وجود السبب، وما يجب بسبب جناية عله أو قوله سوى ما ذكرنا –وهي كفارة الجماع والظهار والقتل واليمين – فهل يؤثر فيها الجز المقارن؟ فيه قولان.
قال القاضي الحسين: وعندي أنهما ينبنيان على أن الكفارة اعتبارها بحال الوجوب، أم بحالة الأداء؟ وفيها قولان؛ فكذا في أصل الوجوب يخرج على القولين.
وعن صاحب "التلخيص" إلحاق كفارة الظهار بجزاء الصيد ولا يستحل المظاهر

الإقدام على الوطء ما لم يكفر.
وقال الشيخ أبو علي: إنها على الخلاف، ولا معنى لاستثنائها.
وحكى الإمام: أن صاحب "التقريب" أهمل استثناء جزاء الصيد عن محل القولين، ولا ينبغي أن يعتقد في جزاء الصيد خلاف، وترك استثنائه من صاحب "التقريب" غفلة منه.
وقد اقتضى كلام الشيخ أن الثابت في ذمته على القول به: الإطعام، والذي أورده القاضي الحسين والرافعي: أن ما قدر عليه من الخصال بعد ذلك، وجب عليه.
وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي أنه عند العجز يكون مخيراً في الخصال الثلاث؛ لأنه قال في الجمع بين ما حكيناه دالاً على الترتيب و [ما] تمسك به الخصم على التخيير: إنا نحمل حديثهم على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الأعرابي لما كان عادماً الأنواع الثلاثة، وعندنا: أنه إذا أن عادماً لها، خيرناه في تحصيل أيها شاء.
وهذا في تأخير الكفارة عن وقت الوجوب، وأما تعجيلها قبله، هل يجوز؟ المشهور: لا؛ لأن سببها الوقاع ليس إلا، وقد حكى مجلي في كتاب الأيمان أن بعض الأصحاب [أجرى خلافا] فيه، [وقد حكاه الرافعي في كتاب الزكاةكما تقدمت حكايته عنه].
قال مجلي: وقائله طرده في الحج ومحظوراته، ثم قال: والظاهر المنع.
وسنذكر ذلك مرة أخرى في كتاب الحج، إن شاء الله تعالى.
قال: ومن حركت القبلة شهوته، أي: بحيث خاف [إنزال الماء]- كره له أن يقبل؛ خوفاً من أن يعقبه الإنزال؛ فيفطر، وهل هذه الكراهة كراهة تحريم أو تنزيه؟ فيه وجهان في "التتمة"، المذكور منهما في "المهذب" و"التهذيب" و"تعليق" القاضي أبي الطيب: الأول؛ لقول الشافعي في "الأم" - كما قال القاضي -:"ومن حركت القبلة شهوته، فالقبلة حرام عليه، ومن لم تحرك القبلة شهوته كرهتها له؛ فإن فعل لم ينتقص صومه، وتركها أفضل".

وعبارة ابن الصباغ في حكاية نصه في "الأم": "أن من حركت القبلة شهوته كرهتها له فإن فعل لم ينتقص صومه، ومن لم تحرك شهوته فلا بأس له، والقبلة وملك النفس في الحالين عنها أفضل"، وهذه العبارة توافق ما اقتضاه كلام البندنيجي: أنها كراهة تنزيه؛ حيث قال: "والأفضل ترك القبلة، سواء كان ممن تحرك القبلة شهوته أو لا تحركها"، وهو الذي يفهمه كلام الماوردي والفوراني؛ حيث أطلقا الكراهة من غير تعرض للتحريم، وهو مصرح به في الحاوي في كتاب الاعتكاف.
ويجوز أن يكون المستند في ذلك مع ما حكيناه عن إمام ما نقله المزني في "المختصر"، وهو: أن من حركت القبلة شهوته، كرهنا له، فإن فعل، لم ينتقص صومهن وتركه أفضل.
وقد قال ابن الصباغ معترضاً على المزني: إنه حكى بعض ما قاله في "الأم"، وأسقط بعضه، وهو مغير لمعناه؛ لأن من تحرك القبلة شهوته لا يقال: تركها له أفضل؛ لأن فعلها مكروه.
قلت: وهذا الاعتراض متوجه على لفظ الأم؛ لأنه قال: "وملك النفس في الحالين أفضل"، وإحدى الحالين ما إذا كانت القبلة تحرك شهوته، [وقد صرح بالكراهة فيها، وقد علمت مما ذكرناه أن من لم تحرك القبلة شهوته] لا يكره له وإن كان الترك أفضل، ويشهد له رواية أبي داود عن أبي هريرة أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن [المباشرة للصائم]، فرخص له، وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب.
وقال الإمام: إنه روي أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القبلة في الصوم، فأباحها له، وسأله آخر فنهاه عنها، فروجع في جوابه، فقال: "إن الأول شيخ والثاني شاب"، ويعضد ذلك رواية مسلم عن عائشة، قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل في

[شهر الصوم] ". وقد أطلق القاضي أبو الطيب في ذلك لفظ الكراهة؛ عملاً بما حكاه عن النص في الأم، ولا يرد عليه خبر عائشة؛ لأن البخاري ومسلماً رويا عنه أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، [ويباشر وهو صائم]، ولكنه كان أملك لإربه"، فعللت فعله – عليه السلام – بأنه أملك لإربه، وقد روي "لأربه"، والأرب: الحاجة، وقيل: الشهوة، والإرب: العضو؛ فيكون معنى قولها: إنه كان يقدر على نفسه ألا تغلبه الشهوة، إذ كان معصوماً، وهذا مفقود فيكم.
[ولا فرق] يمن لم تحرك القبلة شهوته بين أن يلتذ بها أو لا.
ومن الأصحاب من قال: التلذذ [بها] حرام، وإنما نبيح القبلة والمس لمن لا يتلذذ.
قال الإمام في كتاب الظهار: وهو خطأ صريح عندي، والتعويل فيها يحرم [ويحل] على الأمن من الإنزال، والخوف [منه].
والأول هو الذي حكاه القاضي الحسين هنا.
وقال: جملة الأشياء التي تمنع الجماع على أربعة أضرب: ضرب يحرم الجماع ودواعيه: كالحج، والعمرة.
وضرب يحرم الجماع، ولا يحرم دواعيه: كالحيض، لا يمنع من القبلة واللمس ونحوه.
وضرب يحرم الجماع وفي دواعيه من القبلة والمباشرة قولان، وهو الاعتكاف.

وضرب يحرم الجماع، ولا يحرم دواعيه إذا لم ينزل، وهو الصوم: لا يكره إذا لم يخف الإنزال، ولا يسد إن لم ينزل.
قال: ويكره للصائم العلك، أي: [مضغ] العلك، وهو – كما قال البندنيجي – الموميا الذي كلما مضغه صلب وقوي واجتمع.
وعلة الكراهة: أنه يعطش، وعبارة الشافعي: "لأنه يحلب الفم"، ومعناه: يحلب الريق من الفم، ويجففه؛ فيورث العطش.
قال القاضي الحسين: [و] لأن مضغ العلك يطيب النكهة ويزيل خلوف فم الصائم وما يزيل خلوف الفم يكره للصائم للخبر.
قلت: لكن كراهة [هذا] العلك تشمل جميع النهار؛ وهذه العلة تقتضي الكراهة بعد الزوال؛ كما في السواك.
وعلله القاضي أبو الطيب بأنه يجمع الريق ويبتلعه، وفي فطره في هذه الحالة وجهان؛ فكره للخروج من الخلاف، فإن فعله، واجتمع بسببه الريق، فابتلعه، كان في فطره الوجهان، [وألا] فلا يفطر وإن وجد الطعام، [لما تقدم أن وجدان الطعم] في الحلق من غير وصول عين إليه، لا يؤثر في الفطر.
وكذلك يكره [له] مضغ الخبز وغيره، اللهم إلا أن يكون له ولد صغير، ليس له من يمضغ له غيره، فلا يكره له للحاجة.
قال في "المهذب" و"الشامل": واللبان في معنى العلك؛ فيكره له مضغه؛ قاله البندنيجي، وخص القاضي الحين محل كراهة العلك بما إذا كان قد أصلح، وقال فيما إذا لم يصلح: إنه لا محالة يصل منه شيء إلى جوفه؛ فلا يجوز له مضغه.
وفصل في الكندر – هو اللبان الأبيض بين ما إذا أصابه الماء يبس واشتد؛

فإنه كالعلك، وما إذا أصابه [الماء] تفتت [ونزل] إلى الحلق؛ فلا يجوز مضغه، [فإن مضغه] أفطر.
قال: ويكره له الاحتجام؛ لرواية أبي داود عن شداد بن اوس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل بالبقيع – وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم"، وقد رواه بضعة عشر صحابياً.
وروايته – أيضاً – عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم.
وأخرجه البخاري؛ فدل فعله –عليه السلام –أن المراد بقوله الكراهة.
وقد روى أبو داود [عن ثابت] قال: قال أنس: "كنا [لا] ندع الحجامة للصائم إلا كراهة الجهد"، وأخرجه البخاري.
وقد قيل: إن فعله ناسخ لقوله؛ فإنه كان في عام الفتح، وفعله في عام حجة الوداع سنة عشر.
والمعنى في كراهة ذلك [له]: أنه يضعفه، ومقصود الشرع أن يكون قوياً في عبادته؛ حتى لا يحصل له التضجر والسخط.
قال: ويكره له السواك بعد الزوال.

أعاد الشيخ هذه المسألة هنا وإن [كان] ذكرها في باب السواك؛ لأنها مذكورة في "المختصر" هنا، ومحل الكلام فيها باب السواك.
قال: ويكره له الوصال، أي: مثل أن يصوم، ويمتنع من الطعام والشراب في الليل كله، ثم يصبح صائماً؛ فيصير واصلاً بين اليومين بالإمساك لا بالصوم؛ لأنه أفطر بدخول الليل وإن لم يأكل، والأصل [في ذلك] ما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، قالوا: فإنك توال [يا] رسول الله، قال: "إني لست كهيئتكم؛ إني أطعم وأسقي" وأخرجا – أيضاً – عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل حتى السحر"، قالوا: فإنك تواصل؟ قال: "إني لست كهيئتكم إن لي مطعماً يطعمني وساقياً يسقيني".
وقد جاء أنه – عليه السلام – نهى عن الوصال، فواصلوا، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكره؛ وهذا ليس على ظاهره؛ لأنه قد يظن أن الصحابة خالفت نهيه – عليه السلام – وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد واصل فواصلوا، ثم نهاهم [فتركوا]، ثم واصل فواصلوا؛ ظناً أن ذلك الحكم قد ارتفع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال؛ كذا [رأيته للماوردي].
وهذه الكراهية كراهية تحريم على ظاهر النص؛ كما قال ابن الصباغ، وهو الذي أوردها الإمام لا غير، وكذا البغوي؛ حيث أطلق القول بعصيانه، وهو الأصح عند غيرهم؛ لظاهر النهي، ومن لم يحرمه من أصحابنا تمسك برواية أبي داود عن

عبد الرحمن [بن أبي] ليلى قال: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة والمواصلةن ولم يحرمهما؛ إبقاءً على أًحابه، فقيل [له]: [يا] رسول، إنك تواصل إلى السحر؟ فقال: "إني أواصل إلى السحر، وربي يطعمني ويسقيني"، وقد دل هذا وخبر أبي سعيد على إباحة الوصال إلى السحر، وكذلك قال به أصحابنا، واختلفوا في معنى قوله: "أطعم وأسقي" على أوجه: أحدها: أنه كنى به عن القوة التي جعلا الله تعالى له وإن لم يطعم ويسقى؛ حتى يكون كمن [فعل به ذلك].
والثاني: يخلق الله – تعالى- فيه من الشِّبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب.
والثالث – حكاه في "الشامل" والقاضي الحسين -: أنه يطعم ويسقى من طعام الجنة وشرابها، وإنما يقع الفطر بطعام الدنيا وشرابها.
قال القاضي: وقد روي هذا مفسراً؛ لأنه قال: "أبيت، فيحمل إلى الطعام والشراب [من الجنة"، ولا ينكر أن يؤتي النبي بالطعام والشراب] من حيث لا يراه؛

لقصة زكريا".
والرابع: أن محبة الله تعال تشغله عن ذلك.
قال: ويكره له ولغيره صمت يوم إلى الليل؛ إذ لم يؤثر [ذلك] عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين – بل قد جاء المنع منه؛ روى البخاري عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يصوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مروه فليتكلم، وليستظل، ثم ليتم صومه".
نعم، قد ورد في شرع من قبلنا، فإن قلنا: [إنه] شرع لنا، لم [يكره] ولكن لا يستحب؛ قاله ابن يونس، وفيه نظر؛ لأن الماوردي قال: روى عبد الله ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"صمت الصائم تسبيح"، وهذا يدل على مشروعية الصمت إن صح، وإن لم يصح فخبر ابن عباس قد دل على النهي عنه، وأقل الدرجات الكراهة، وحيث قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا، فذاك إذا لم يرد في شرعنا خلافه.
قال: وينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الشتم والغيبة، أي: أكثر مما ينبغي لغيره؛ لرواية أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه"، وأخرجه البخاري.

ومعنى: "قول الزور والعمل به": هو أن يخالف ظاهره باطنه؛ لأن هذا هو العمل بالزور؛ قاله القاضي الحسين.
وقد روي أنه قال: "خمس يفطرن الصائم وينقضن الوضوء: الغيبة، والنميمة، والكذب، والقبلة، واليمين الفاجرة"، وأراد أن ذلك يحبط أجر الصائم، فأما أنه يبطل صومه فلا، وهو قول الكافة إلا الأوزاعي فإنه قال: يفطر.
قال: فإن شوتم، فليقل: [إني صائم]؛ لرواية البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا كان أحدكم صائماً، فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: [إني صائم]، إني صائم".
قال في "الشامل" – وتبعه الرافعي -: قال أصحابنا: وليس معناه: أن يقول ذلك بلسانه لخصمه، فإن ذلك يشبه المراءاة في العبادة، ولكن معناه: أن يقول لنفسه: إني صائم؛ فيكف لسانه عنه.
ثم قال ابن الصباغ: [ويحتمل إجراء] اللفظ على ظاهره، ويقوله لا لقصد الرياء، بل لإطفاء الشر بينهما؛ وهذا ما حكاه البندنيجي لا غير، وصدر به القاضي.

أبو الطيب كلامه في التعليق لا على وجه الاحتمال، وقال: إن قول من قال: إنه يقول في نفسه، ليس بشيء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "فليقل: إني صائم" ولم قل: فليتذكر.
وحكى القاضي الحسين احتمال ابن الصباغ قولاً عن صاحب "التقريب"، وخلافه عن صاحب "الإفصاح"، وارتضاه، وهو الذي أورده الإمام من غير إعزاء وقال: لا معنى لذكر الصوم لمن شاتمه.
قال: ويستحب أن يتسحر؛ لما روى أبو داود عن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور"، قيل: أخرجه مسلم.
[وقال – عليه السلام -: "تسحروا؛ فإن في السحور بركة" أخرجه مسلم.
قال: وأن يؤخر السحور؛ لأنه أرفق به وأقوى على العبادة؛ ولذلك استحببنا إفطار يوم عرفة لمن هو بها] و [قد] قال – عليه السلام -:"ثلاث من سنن المرسلين: تجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة".
وروى زيد بن ثابت قال: "تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة، قال

أنس: قلت لزيد: كم كان بينهما؟ قال: مقدار خمسين آية".
أخرجه مسلم.
قال: ما لم يخش طلوع الفجر؛ لأنه إذا خشي ذلك فأكل، ربما أدى إلى إفطاره.
وقال القاضي أبو الطيب: إنه يستحب له ما لم يتيقن طلوع الفجر، فإن شك في الطلوع، استحب له الإمساك.
قال: وأن يعجل الفطر، أي: يتناول المأكول والمشروب، وإلا فهو [قد] أفطر بغروب الشمس.
قال: إذا تحقق غروب الشمس، [لما] روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون"، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد عن رسولا لله صلى الله عليه ولم.
وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم، فلما غربت الشمس، قال: "يا بلال، انزل فاجدح لنا، قال: [يا] رسول الله، [لو أمسيت]! قال: انزل فاجدح لنا، قال: [يا] رسول اله، إن عليك

نهاراً! قال: انزل فاجدح لنا: فنزل فجدج، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم.
وأشار بإصبعه قبل المشرق".
ولأن ذلك أرفق بالصائم وأقوى [له] على الصيام.
نعم، إذا لم يتحقق غروب الشمس، فهل له أن يفطر [بالاجتهاد]؟ أطلق القاضي أبوالطيب القول بأنه لا يجوز له الفطر؛ لأن الأصل بقاء النهار، وفيه ما تقدم.
قال: والمستحب أن يفطر على تمر، فإن لم يجد، فعلى الماء؛ لما روى أبو داود عن سليمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان أحدكم صائماً، فليفطر على التمر، فإن لم يجد [التمر] فعلى الماء؛ فإن الماء طهور"، قال الترمذي: وهو حسن صحيح.
والحكمة في ذلك: ما [روي] في التمر من البركة، والماء أفضل المشروبات.
وقد قيل: إن الصوم ينقص ضوء العين، والفطر على التمر يرد ذلك النقص؛ قاله ابن وهب، ويؤيده ان الروياني قال: إنه يفطر على التمر، فإن لم يجد فعلى حلاوة أخرى، فإن لم يجد فعلى الماء.
وعن القاضي الحسين أنه قال: والغالب أنه في "الفتاوى": الأولى في زماننا أن يفطر على ما يأخذه بكفه من النهر؛ ليكون أبعد عن الشبهة؛ [فإن الشبهات]

قد كثرت فيما في أيدي الناس، والله أعلم.
قال: ويستحب [له] أن يدعو [عند الإفطار]؛ [لما يرجى] من إجابة دعائه.
[قال]: بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت" هكذا أخرجه أبو داود عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم [كان] إذا أفطر قال ذلك، وهو مرسل.
وروي عنه أنه كان يقول: "يا واسع الفضل اغفر لي".
واعلم أن من جملة المستحبات في الصوم: إكثار الصدقات، وتلاوة القرآن، والاعتكاف، ولا سيما في الشعر الأواخر من رمضان؛ لطلب ليلة القدر، وكف النفس عن الشهوات، فإنه سر الصوم، والمقصود الأعظم به، وتقديم غسل الجنابة على الفجر.

وقوله- عليه السلام -:"من أصبح جنباً، فلا صوم له" – كما رواه أبو هريرة – قد رجع عنه أبو هريرة – كما قال أبو الطيب- ومتى رجع الراوي عن خبره، لم يصح التعلق به.
وأيضاً: فيجوز أن يكون هذا في ابتداء الإسلام حين كان الجماع يحرم على الصائم إذا صلى العشاء أو نام قبل ذلك، ثم نسخ كما نسخ هذا الحكم ويجوز أن يكون محمولاً على ما إذا أصبح مجامعاً واستدام، وهو ما حكاه الرافعي عن الأئمة، وأن يفطر الصائم معه؛ لقوله – عليه السلام -:"من فطر صائماً كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء".
فإن عجز عن عشائهم أعطاهم ما يفطرون به من شربة أو تمرة أو غيرها.
قال: ويطلب ليلة القدر، أي: ليقومها بقوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، ومعناه – كما قال الشافعي -: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، ولقوله – عليه السلام -:"من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وكذا يستحب أن يكون اجتهاده في العبادة في يومها كاجتهاده في ليلتها؛ حكاه البندنيجي عن الشافعي في القديم.
قال: في جميع شهر رمضان؛ لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرن قال: سئل

رسول الله صلى الله عليه وسلم – وأنا أسمع – عن ليلة القدر، قال: "هي في كل رمضان"؛ ولأجل هذا قال الإمام مالك: إنها في جميع الشهر، ولا يتعين لها وقت.
ويخحكي عن أبي حنيفة أيضاً، وقد حكى عنه [أيضاً] أنه قال: إنها في جميع السنة، لأنه قال: [لو قال] لزوجته: أنت طالق [ليلة القدر] لا تطلق ما لم تمض سنة، وحمله أصحابه على ما إذا كان قد مضى بعض شهر رمضان؛ لأنه احتمل أن تكون في مقدار ما مضى من الشهر.
وما ذكره الشيخ اتبع فيه المحاملي؛ فإن النووي في "الروضة" قال: إنه قال ذلك.
وألا فسيأتي أن مذهب الشافعي أنها في العشر الأخير منه؛ وحينئذ فيكون الشيخ ومن تبعه قال ذلك؛ للاحتياط في تحصيلها؛ فإن الخلاف في كونها في جميعه له وجه، وقد كان – عليه السلام – يلتمسها فيه؛ وبهذا ظهر الفرق بين ذلك وبين جميع السنة، وإن كان قد قال بعضهم: إنها فيها.
قال: وفي الشعر الأخير أكثر.
قال القاضي الحسين: لأنه ما من ليلة [من لياليه] إلا وقد روي أنها هي.
وغيره استدل بما روى [مسلم] عن أبي سعيد الخدري قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على ستها حصير، قال: فأخذ الحصير بيده، فنحاها في ناحية القبة، ثم اطلع رأسه، فكلم [الناس] فدنوا منه، فقال: "إني اعتكفت العشر الأول؛ التمست هذه

الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر؛ فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف ... "، فاعتكف الناس معه، وسنذكر بقية الحيث.
وأخرج مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله: "التمسوها في العشر الأواخر" -يعني: ليلة القدر - فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن على السبع البواقي".
قال: وفي ليالي الوتر، أي: من العشر الأخير أكثر؛ لرواية عن أبي سعيد الخدري في الحديث الطويل: "والتمسوها في كل وتر".
ولفظ الشافعي: "وطلبها في الوتر منه - أي: من العشر - أحب إليّ"، ومن هذا الخبر أخذ القاضي الحسين تأكد طلبها في العشر الأخير أيضاً؛ لأن الوتر لا يدري أنه أراد به الماضي أو الوتر المستقبل؛ فيدخل فيه الكل، ويؤيد ذلك رواية مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه - عليه السالم - قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة"، وأن أبا سعيد فسر التاسعة بالثانية والعشرين، والسابعة بالرابعة والعشرين، والخامسة بالسادسة والعشرين؛ وهذا ما قاله بناء على تمام الشهر، وتاوَّل غيره التاسعة بليلة الحادي والعشرين، والسابعة بليلة الثالث والعشرين؛ بناء على نقصان الشهر.
فقال: وأرجاها ليلة الحادي والعشرين؛ لرواية مسلم عن أبي سعيد الخدري في تتمة الحديث السالف قال: "وإني أريتها ليلة وتر، وأني أسجد صبيحتها في طين

وماء"، فأصبح من ليلة إحدى وعشرين، وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء، وفكف المسجد، فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من الصلاة وجبينه وروثة أنفه فيها الطين والماء، فإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر".
قال: والثالث والعشرين؛ لما روى مسلم عن عبد الله بن أنيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أريت ليلة القدر، ثم أنسيتها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين"، قال: فنظرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف [و] إن أثر [الطين والماء] على جبهته وأنفه.
قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاثاً وعشرين.
قال الأصحاب: وعلامة ليلة القدر: أنها غير حارة، ولا باردة [و] تصبح الشمس من صبيحتها [لا شعاع لها لأنه - عليه السلام - قال في وصفها: إنها ليلة طلقة، لا حارة، ولا باردة، وتصبح الشمس من صبيحتها] بيضاء كالطست [لا شعاع لها] حتى ترتفع".

وقد حكى الإمام أن [للشافعي] فيها مذهبين: أحدهما: انحصارها في العشر الأواخر، أي: من غير تعيين؛ لما ذكرناه من خبر أبي سعيد الخدري، وقد روى عن أبي ذر الغفاري قال: قلت [يا] رسول الله، رفعت ليلة القدر مع الأنبياء، أو هي باقية إلى يوم القيامة؟ قال: "بل هي باقية [إلى يوم القيامة] " قلت: هل هي في رمضان أو في غيره؟ قال: "في رمضان"، قلت: هل هي في العشر الأول، أو الأوسط، أو الأخير؟ قال: "في الأواخر".
والمذهب الآخر تعيين ليلة الحادي والعشرين، والثالث والعشرين.
قلت: وهذا كأنه أخذ من قول المزني: إن الشافعي قال لما نقل خبر أبي سعيد الخدري: "يشبه أن تكون ليلة إحدى أو ثلاث وعشرين".
وأشار البندنيجي إلى أن هذا مذهبه في القديم؛ لأنه قال: وهي في العشر الأواخر من [شهر] رمضان، وينبغي أن تطلب في جميع العشر، ويستحب ذلك في كل وتر، ونحن في ليلة الحادي والعشرين أشد استحباباً، وقال في القديم: ليلة حادي وعشرين أو ثالث وعشرين.
والمذهب ما حكيناه، وهو أن الظاهر من مذهبه: أنها ليلة الحادي والعشرين.
قلت: ولولا هذه الزيادة لأمكن أن يكون ما ذكره البندنيجي [من] الخلاف في تأكيد الاستحباب، وبهذا ينتظم فيها عندنا ثلاثة أقوال.
وحكى الإمام عن صاحب "التقريب": أنه ذكر في كتابه تردداً في أنه يجوز أن تكون في النصف الأخير من رمضان وهذا متروك عليه، ولا يعرف له متعلقاً.

قلت: يجوز أن يكون متعلقه ما رواه أبو داود عن ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اطلبوها [في] ليلة سبع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين.
ثم سكت"، لكن في إسناده حكيم بن سيف، وفيه مقال، وما لا مقال فيه: رواية أبي داود عن معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر، قال: "ليلة سبع وعشرين"؛ ولهذا ذهب إليه أكثر الصحابة كما قال القاضي الحسين، واستدل على ذلك أبو ذر وكان يقسم بالله: أنها هي بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها"،وقد راعيت ذلك فرأيته في صبيحة سبع وعشرين.
واستدل ابن عباس بأنه اعتبر كلمات السورة، فوجدها ثلاثين كلمة بعدد ليالي الشهر، ثم وجد الإشارة [بقوله]: ﴿سَلامٌ [هِيَ]﴾ على رأسها السابعة والعشرين؛ فعلم أن ليلة القدر في مثلها من الشهر.
واستدل ابن مسعود بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:1]، ثم قال في آية أخرى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: 41]، ويوم الفرقان كان يوم السابع والعشرين؛ فتكون ليلة يوم الفرقان هي ليلة القدر.
وبالجملة: فالحكمة في كون الله تعالى لم يبينها لعباده وأخفاها عليهم: ألا

يتكلموا عليها، ويجتهدوا في العبادة في جميع الليالي؛ وهذا كما أخفى اسمه الأعظم من بين أسمائه الحسنى؛ لكي يذكروا الكل، ويكثر ثوابهم، وأخفى غضبه من بين المعاصي كي يجتنبوا جميع المعاصي، وأخفي وليَّه [من] بين الناس؛ كي يحبوا أبداً جميع المؤمنين، وأخفى الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة؛ كي يشتغلوا جميع النهار بذكر الله تعالى، وأخفى الساعة والصلاة الوسطى وعمر ابن آدم [و] هكذا.
وقد فرَّع الأصحاب على المذهب المشهور - وهو انحصارها في العشر الأخير - أنه لو قال لزوجته: أنت طالق في ليلة القدر، أو لعبده: أنت حر فيها -[نظر]: فإن كان هذا القول بعد طلوع الفجر [من] ليلة إحدى وعشرين [من رمضان؛ فإنه لا يحكم بطلاقها إلا عند غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين من رمضان] من العام المقبل؛ لجواز أن تكون ليلة القدر هي التي عقد الطلاق والعتق في صبيحتها؛ صرح بذلك القاضي ابو الطيب والروياني في "البحر" وغيرهما، وإن كان في عبارة بعضهم تجوز.
وقال ابن الصباغ: يقع الطلاق في السنة الثانية إذا مضى جميع العشر؛ لجواز اختلافها.
ولم يحك غيره، وهو ما أبداه الماوردي احتمالاً لا غير، واختاره في "المرشد".
قلت: ويظهر بناء هذا الخلاف على أنها هل تنتقل أم لا؟ [و] فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين والإمام وغيرهما: أحدهما: أنها متنقلة، وهو قول المزني وابن خزيمة من أصحابنا؛ لأن الاختلاف قد ظهر في الأخبار، ولا طريق للجمع إلا أن يقال: هي متنقلة.
ولأن العلامات التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترى على الاختلاف، وعلى هذا لا يتجه غير ما قاله ابن الصباغ.

والثاني: أنها لا تنتقل، وهو قول الجمهور وأكثر العلماء؛ كما قال في "البحر"، وقال في "الروضة": إنه مذهب الشافعي.
وعلى هذا [فلا وجه إلا ما قاله القاضي].
ولو قال ذلك قبل غروب الشمس من ليلة إحدى عشرين قال القاضي أبو الطيب: فلا يحكم بطلاقها حتى تغرب الشمس من ليلة الثلاثين؛ لأنه يتيقن ليلة القدر في تلك الحال، وهذه العبارة أحسن من عبارته في "المهذب" وغيره التي تبعها الرافعي: أنها تطلق بانقضاء ليالي العشر؛ لأنها تطلق في أول الليلة الأخيرة [من العشر] نبه عليه في "الروضة".
وقد أطلق الإمام القول بأن الشافعي قال: "لو قال لامرأته: أنت طالق ليلة القدر لم تطلق حتى ينقضي العشر فإذا انقضى طلقت"، وهو ما ادعى أن به يبين مذهبه فيها، ولعل هذا محمول على ما إذا قال ذلك قبل العشر.
ثم قال الإمام: فإن قيل: الانحصار مقطوع، - أي: حتى أوقعتم الطلاق بمضيه - قلنا: لا، ولكنه مذهب ثابت، والطلاق أنماط بالمذاهب المظنونة، وقد وجد في نسخ: الوسيط": أن الشافعي قال: لو قال في نصف رمضان: إن امرأتي طالق ليلة القدر، لم تطلق ما لم تنقض سنة؛ لأن كونها في جميع الشهر محتمل، والطلاق لا يقع بالشك، وليس على انحصارها في العشر الأواخر [دليل ظاهر.
ولأجل هذا قال في "الوجيز" بعد قوله: وهي - أي: ليلة القدر - في أوتار العشر الأخير].
وقيل: إنها في جميع الشهر؛ ولذلك لو قال لزوجته في منتصف شهر رمضان: أنت طالق ليلة القدر [لم تطلق] إلا إذا مضت سنة؛ لأن الطلاق لا يقع بالشك، ويحتمل ان تكون في النصف الأول.
واعترض عليه الرافعي فقال: قوله: وقيل يشعر بأن ذلك [وجه للأصحاب] ولا

يكاد يحكي رواية احتمالها [في] جميع الشهر عن الأصحاب في شيء من كتب المذهب، وما أجاب به في مسألة الطلاق يخالف ما نقله الأئمة كما تقدم.
قلت: وما حكيناه عن المحاملي وقاله الشيخ يعضد الغزالي وإن لم نسلمه، فالظاهر أن ذلك جاء من طغيان القلم عن وضع "الوسيط" بذكر الشافعي وإقامة الواو مقام، فإنه "فإنه" لو حذف لفظ "الشافعي" من الكلام وجعل لفظة "فنه" مكان الواو من قوله: و"قال"، لصار لفظه: "وقال أبو حنيفة: هي في جميع السنة، وقيل- أي: عنه-: إنها في جميع الشهر؛ فإنه [قال]: لو قال: منتصف رمضان ... إلى آخره - لا ستقام ذلك لأن هذا هو المحكي عن أبي حنيفة في "الإبانة" على هذا النحو، وكلامه في "الوجيز" قاله متبعاً لما وقف [عليه في "الوسيط" عند اختصاره فلذلك توجه] عليه الاعتراض.
قال: والمستحب أن يكون دعاؤه فيها: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني؛ لما روى [عن عائشة] أنها قالت: قلت: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر، فما أسأل الله فيها؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".
فائدة: لماذا سميت ليلة القدر.
قيل: لأنها ذات القدر العظيم.
وقيل: من التضييق، من قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:] وهي ليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة.
وقيل: ما يقدر فيها من الأرزاق والآجال، وغير ذلك في تلك السنة؛ قاله ابن عباس، ومعناه: إظهار ما قدره الله تعالى في الأزل من ذلك، وعلى هذا قول الشافعي: القدر هو الحكم، كقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ

كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان].
وقيل: لأن [من] لم يكن له قدر، صار برؤيتها ذا قدر.
وقيل لأنه أنزل يها كتاب ذو قدر وينزل فيها رحمة ذات قدر وملائكة ذوو قدر.
واختلف في سببها: فقيل: إن قوماً شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلة أعمالهم لقصر أعمارهم فأعطاهم [الله] ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، حتى إن كان العمر قصيراً يكون فضل عملهم كثيراً.
وقيل: إنه قيل: [يا] رسول الله، إن في بني إسرائيل رجلاً لبس لأمته ألف شهر لم ينزعها حتى لقي العدو، فقال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، أي: من تلك الألف شهر التي كان لا ينزع يها اللأمة.
كذا حكى القاضي الحسين القولين، وهما متظافران على أنها لم تكن في الأمم الماضية وبه جزم المتولي والرافعي.
وقال الإمام: إن المختار عندنا أنها مختصة بهذه الأمة.
بعد أن حكى اختلاف العلماء في ذلك.
وأبعد منه اختلافهم في أنها هل رفعت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا؟ مع تصريحه في حديث أبي ذر بأنها لا ترفع.
وقد قيل: إن القول بأنها رفعت غلط وهو منسوب في "تعليق" القاضي الحسين و"التتمة" إلى الروافض.
قال: ومن لزمه قضاء شيء من [شهر] رمضان فالمستحب أن يقضيه متتابعاً؛ لأنه إذا تابع كان مبادراً إلى فعل العبادة وبراءة الذمة، والمبادرة إلى ذلك أولى من التأخير.
وأيضاً فليخرج عن الخلاف؛ فإن بعض العلماء أوجبه؛ لما روي عن أبي هريرة

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عليه قضاء رمضان فليسرده ولا يقطعه" وروي عن علي وابن عمر وعائشة أنهم قالوا يقضي متتابعاً وليكون القضاء شبيهاً بالأداء.
ونحن نقول: إن صح الحديث حملناه على الاستحباب وكذلك قول الصحابة لرواية موسى بن عقبة عن نافع عن [ابن] عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تقطيع قضاء رمضان، قال: "أرأيت لو كان عليك دين، فقضيته درهماً ودرهمين، أما كان يجزئ عنك؟ قال: بلى، قال: فالله أحق أن يعفو ويغفر".
وروي أنه سئل عن قضاء رمضان فقال: "إن شاء فرقه وإن شاء تابعه"؛ فإن في ذلك جمعاً بين الأحاديث.
قال: ولا يجوز أن يؤخر القضاء إلى رمضان آخر بغير عذر لما روى البخاري ومسلم عن ابي سلمة قال سمعت عائشة تقول كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان بالشغل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجه الدلالة منه: أنه لو كان يجوز التأخير بعد شعبان، لم يكن لذكرها شعبان من

بين سائر الشهور معنى.
وفارق قضاء رمضان – حيث تأقت – قضاء سائر العبادات؛ حيث لا تتأقّت؛ لأنه دخل عليه وقت لا يقبل إيقاع غير ما وجب يه بخلاف سائر العبادات.
قال: فإن أخر، لزمه مع القضاء [الفدية]: عن كل يوم مدٌّ من طعام؛ لما روى مجاهد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من وجب عليه قضاء رمضان فلم يقضه حتى خل رمضان آخر، قضى، وأطعم عن كل يوم مدًّا".
ولأنه إجماع الصحابة؛ فإنه روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة ولا، مخالف لهم من الصحابة.
ويقال: إن يحيى بن أكثم روى هذا القول عن ستة من الصحابة، ولم يذكر أسماءهم.
وقد قال ابن الصباغ: إن طريق خبر أبي هريرة فيه ضعف، فالمعتمد على الأثر.
وقد اختار المزني عدم وجوب المد كمذهب أبي حنيفة؛ تمسكاً بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] ولم يوجب مع ذلك شيئاً؛ فالزيادة عليه زيادة في الكتاب.
والمذهب: الأول والجواب عما ذكروه: أن المد ما وجب بالفطر، وإنما وجب بالتأخير، وعلى هذا فرعان: أحدهما: لو أراد تعجيل فدية التأخير قبل مجيء رمضان السنة القابلة؛ ليؤخر

القضاء مع الإمكان -قال الرافعي: ففي جوازه وجهان كالوجهين في جواز تعجيل الكفارة عن الحنث المحظور.
الثاني: لو أخر القضاء رمضانين فأكثر، فهل يتعدد المد بتكرار السنين؟ فيه وجهان: أصحهما في "الحاوي" والمذهب في "تعليق" البندنيجي: أنه لا يجب سوى مد واحد، وقال في "البحر": إنه قول ابن سريج.
والصحيح في "النهاية": مقابله قال في "البحر": وبه قال عامة أصحابنا.
وعلى هذا: لو كان عليه قضاء أيام، ولم يبق بينه وبين رمضان السنة الثانية ما يتأتى فيه قضاء جميعها، فهل يلزمه في الحال الفدية عما لا يسعه الوقت أم لا يلزمه [إلا] بعد مجيء رمضان؟ فيه وجهان مشبِّهان بما إذا حلف ليشربن ماء هذا الكوز غداً فانصب قبل الغد.
وفائدة الخلاف تظهر فيما لو مات الحالة هذه قبل إدراك رمضان الثاني قاله في "التتمة".
وهل له ان يصوم بدل المد في هذه الصورة وغيرها يوماً أو لا؟ قال القاضي الحسين فيه جوابان: أحدهما: يجوز فيقضي لكل يوم يومين: يوم قضاء، ويوم بدل عن فدية التأخير؛

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل