كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب وصاحب "التهذيب" و"الكافي" عن الجديد، والشيخ في "المهذب" عن القديم والجديد.
وقال البندنيجي: إنه نص عليه في القديم و"الأم" و"المختصر"، ولفظه فيه: ويصلي الرجل، وقد صلى مرة مع الجماعة كل صلاة؛ فالأولى فريضة، والثانية سنة، وهو الأصح عند الجمهور.
واقتصر القاضي الحسين والصيدلاني والغزالي على نسبته إلى القديم وأن المزني اختاره، [و] عن بعضهم القطع به.
ومقابله: أنه لا يجوز؛ لقوله عليه السلام: "إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبر فكبروا" فأمر بالتكبير بعد تكبير الإمام، وهذا كبر قبل تكبير الإمام؛ ولأن في صحة ذلك تضادّاً للأحكام؛ من حيث إنه كان يسجد لسهو [نفسه] دون من اقتدى به، وقد انعكس ذلك، وقد كان في ابتداء الإسلام إذا حضر المسبوق سأل من في الصلاة عما فاته، فيشيرون بالأصابع إلى أعداد الركعات التي فاتت؛ فيبتدر إلى فعل ما فاته، ثم يصل صلاته بصلاة الإمام فيما يصادفه من بقية صلاته؛ فدخل [معاذ] يوماً [وكان] مسبوقاً؛ فاقتدى وصلى ما وجد، ثم قام لما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى ما فاته؛ [ثم لما] تحلل رسول الله صلى الله عليه وسلم [عن صلاته] قال: "إن معاذاً سن لكم سنة حسنة؛ فاتبعوها، وأكد ذلك بقوله: "فما أدركتم؛ فصلوا، وما فاتكم فأتموا، أو: فاقضوا"؛ ولأجل ذلك قال الشافعي- رضي الله
عنه- في "الكبير"- كما قال الإمام-: إن جعل [صلاة] الانفراد جماعة كان في ابتداء الإسلام، ثم نسخ.
أي: ولا يجوز العمل بالمنسوخ، وهذا القول حكاه القاضي أبو الطيب عن نصه في "الإملاء" والقديم؛ لأنه قال في "الإملاء": ولا يجوز أن يبتدئ الصلاة لنفسه، ثم يأتم بغيره، وهذا منسوخ.
وقال في القديم: إذا افتتح الصلاة فرداً، ثم جاء الإمام، وأحرم بالصلاة؛ فمن الناس من قال: يضم صلاته إلى صلاة الإمام.
وعندي: أنه لا يجوز، ومن أجاز هذا، أجاز الصلاة بإمامين، ومن لم يجز الصلاة بإمامين، لم يجزه.
وعني بالإمامين: مسألة الاستخلاف.
والقاضي الحسين والصيدلاني والغزالي قالوا: إنه نص عليه في الجديد.
ولا بعد في ذل؛ لأن "الإملاء" معدود من الجديد.
وعن بعضهم القطع به، حكاه القاضي الحسين؛ فإنه حمل قوله في "المختصر": "وكرهت أن يفتتحها صلاة انفراد، ثم يجعلها صلاة جماعة" على كراهة التحريم، والصحيح أنها على القولين.
واختلف الأصحاب في أنهما أصلان بأنفسهما، أو [مبنيان] على غيرهما:
فمنهم من قال: إنهما أصلان، وهو الأصح في "تلخيص" الروياني وغيره.
ومنهم من قال: إنهما مبنيان على القولين.
[وهؤلاء اختلفوا: فمنهم من قال: هما مبنيان على القولين] في الاستخلاف هل يجوز، أم لا؟
وهذا يعضده قول الشافعي- رضي الله عنه- في القديم: "من أجاز هذا، أجاز الصلاة بإمامين، ومن لم يجز الصلاة بإمامين، لم يجزه".
وقال القاضي الحسين [بناء] على ما نقله: إن هذا لا يصح؛ لأن جواز الاستخلاف قول جديد، وجواز جعل صلاة الانفراد جماعة قول قديم، ولا
يجوز بناء القديم [على الجديد].
ومنهم من قال: هما مبنيان على أنه إذا أخرج نفسه من الجماعة هل يجوز، أم لا؟
ووجه البناء: أنه يصلي بعض صلاته مع الإمام دون بعض.
[وقال القاضي [الحسين:] هذا لا يصح أيضاً؛ لأن المسبوق تصح صلاته، وقد فعل بعض صلاته مع الإمام، دون بعض]؛ لأن المسبوق يخرج من صلاة الإمام بغير فعله، وذلك [بسلام الإمام]؛ فجاز أن يخرج بنفسه؛ بخلاف [ما لو صلى] بصلاة الإمام؛ فإنه لا يحصل بالشروع من غير فعله وقصده.
وإذا ثبت ضعف هذين القولين، تعين الأول، وهو أنهما أصلان بأنفسهما، واختلف الأصحاب في محلهما على ثلاث طرق، حكاها القاضي أبو الطيب وغيره:
إحداها: إذا لم يختلف [ترتيب] صلاة الإمام والمأموم؛ بأن يكون [قد] تابعه قبل أن يركع في الأولى أو الثانية، وهي أولى الإمام، أما إذا اختلف بأن تابعه في الثانية، وهي أولى [الإمام]، فلا يجوز قولاً واحداً؛ لأن الشافعي- رضي الله عنه- نص على المنع بعد الركعة في القديم؛ فقال: إذا صلى ركعة، ثم جاء الإمام؛ شفعها بركعة وقطع، وقال قائل: يدخل مع الإمام، ويعتد بما مضى، ولسنا نقول به، وأطلق الجواز في الجديد، وأطلق المنع في "الإملاء".
وهذه الطريقة تنسب إلى أبي إسحاق.
[والثانية: أن محلهما إذا اختلف الترتيب، أما إذا لم يختلف فيجوز قولاً
واحداً، وقد نسبت إلى أبي إسحاق] أيضاً.
وقال ابن الصباغ: إن القاضي أبا الطيب اختارها.
والثالثة: طرد القولين في الجميع، وهي التي اقتضاها إطلاق الشيخ هنا، وقال البندنيجي: إنها ظاهر المذهب.
وقال في "المهذب"، و"التهذيب"، و"التتمة"، و"الكافي": إنها الصحيحة.
قال ابن الصباغ: وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب مع التي قبلها لا غير.
[و] الأولى حكاها الشيخ أبو حامد مع الثالثة لا غير.
ثم إذا قلنا بالجواز، وجب على المأموم أن يتابع الإمام في ترتيب صلاته؛ كالمسبوق، [ثم] إن كان قد سبق الإمام بركعة؛ فإذا قام الإمام إلى الإتيان بها، فلا يتابعه فيه؛ فإن تابعه، بطلت صلاته، ثم هو بالخيار بين أني خرج نفسه من صلاة الإمام ويتشهد ويسلم، وبين أن يطول الدعاء في التشهد حتى يفرغ الإمام ويسلم؛ لأن مفارقة الإمام بالعذر جائزة؛ كما ستعرفه، والانتظار بعذر جائز؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظر الطائفة الثانية في صلاة ذات الرقاع؛ لتأتي، وقعد [في] أثنائها؛ لتتم صلاتها، مع أنه ليس بتابع لغيره، والتابع أولى.
وبالجملة فمتابعة الإمام من غير قطع الصلاة التي يحرم بها منفرداً مكروهة؛ كما هو ظاهر نصه في "المختصر".
وقد أطلق الشيخ في "المهذب" القول بأنه إذا أحرم منفرداً، ثم أدرك جماعة يصلون: أن المستحب [له] أن يقطع الصلاة، ويبتدئها في الجماعة.
وقال في "المختصر": أحب له أن يكمل ركعتين ويسلم، تكونان له نافلة، ويبتدئ الصلاة معه.
ونصه في القديم الذي حكيناه من قبل يوافقه، وجمهور الأصحاب عليه؛ وقالوا: يستحب له أن يتجوز فيهما، وهذا إذا كانت [الصلاة] ثلاثية أو رباعية،
ووجدت الجماعة قبل تمام الركعتين، ولو وجدت بعد قيامه إلى الثالثة، أتمها.
ومحل ذلك إذا لم يخف خروج الوقت عليه لو قطع الصلاة وصلى معهم؛ فإن خاف ذلك، لم يجز، [القطع]؛ قاله في "التتمة"؛ لأن مراعاة الوقت فرض عين، والجماعة سنة، أو فرض كفاية، ولو قطع الصلاة حيث قلنا: يستحب أن يتمها ركعتين ويسلم، قال في "الحاوي": جاز.
وقال في "الكافي": إنه غير مستحب.
وقال في "التهذيب": إنه مكروه.
وفي "التتمة": لا خلاف [في] أنه لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33].
والقاضي الحسين قال: يستحب له أن يتمها ركعتين، ثم يسلم، ثم قال: وفيه ثلاث مسائل:
إحداها: أن يسلم من [كل] ركعتين من غير أن يغير نيته الأولى؛ فتبطل صلاته.
والثانية: أن يترك نية الفريضة، ولا يغير نية الأصل فتصح صلاته نافلة وترتفض الفريضة.
والثالثة: أن يغير نية الفرض إلى النافلة، وظاهر النص: أنها تنقلب نافلة، ولا تبطل، وقد ذكرنا في نظائرها قولين [فيخرج] في هذه المسألة قول آخر: أنها تبطل، وقد حكاه في "التتمة" أيضاً، والأصح هو الأول، وبه جزم البندنيجي، ونسبه إلى نصه في "الأم" أيضاً.
وقال: إنه في غير هذه الصورة إذا نوى الفرض، [ثم قلبه] إلى نفل مطلق، هل يصح، أو يبطل؟ فيه طريقان:
إحداهما: القطع بالبطلان.
والثانية: أن في المسألة قولين:
أحدهما: هذا؛ قاله في بعض كتبه.
والثاني: يصح؛ قاله في "الأم"، ونقله المزني.
وعكس ابن الصباغ؛ فقال: إن الذي نص عليه في "الأم" البطلان، وها هنا الجواز.
والأصح- كما قال، وكذا الماوردين وأبو الطيب-: البطلان؛ لأن النفل لم ينوه في جميع صلاته، وما نص عليه في "الإبانة" ليس بقول آخر في المسألة، وإنما أجازه للحاجة إلى إدراك الجماعة.
ولا خلاف [في] أنه لو نقل الفرض إلى فرض آخر، لا يجوز، وكذا لو نقله إلى نافلة راتبة؛ كما قال البندنيجي وغيره، ولم يحرم بالظهر قبل الزوال، جزم الماوردي ها هنا بصحة النفل.
وقال القاضي أبو الطيب: إنه لا يختلف المذهب في ذلك.
لكنه صور المسألة بما إذا ظن دخول الوقت، ثم تبين أنه لم يدخل.
فرعان:
أحدهما: إذا كان الشخص في جماعة، وحضرت جماعة أخرى، وأحرموا بتلك الصلاة؛ فهل يجوز أن يدخل فيها، ويترك الأولى؟
قال في "التتمة": [إنه] على المسألتين، وقد ذكرناهما.
وأراد أن ذلك مفرع على ما إذا أحرم منفرداً، ثم نوى متابعة إمام- هل يجوز، أم لا؟ وعلى ما إذا أحرم مع الإمام، ثم أخرج نفسه من الجماعة، هل يجوز أم لا؟
فإن قلنا: لا يجوز لم يجز ها هنا.
وإن قلنا: يجوز، كان كما لو أحرم منفرداً، ثم نوى متابعة إمام، وقد سلف.
الثاني: لو أحرم منفرداً بفائتة ما، ثم حضر من يصلي صلاة الوقت في جماعة، لا يجوز أن يسلم من ركعتين؛ ليصلي معهم؛ لأنه إن أراد أن يصلي تلك الفائتة التي يقطعها معهم فقد أراد خلاف الأفضل؛ لأن الأفضل ألا يصلي فائتة خلف من يصلي صلاة الوقت؛ للخروج من خلاف العلماء، وهذا ما حكاه
في "التتمة"، ونسبه البغوي إلى القاضي الحسين.
وإن أراد أن يصلي معهم صلاة الوقت؛ فكذلك؛ فإنه لا يجوز أن يقطع فريضة لمراعاة مصلحة فرضية أخرى.
نعم، لو كان قد شرع في الفائتة ظانّاً أن الوقت متسع، ثم زال الغيم، وظهر ضيق الوقت عن الصلاتين- فيستحب أن يقطع الفائتة، ويصلي صلاة الوقت؛ قاله القاضي الحسين في "الفتاوى" ونقله عنه في "التهذيب".
قال: ومن أحرم مع الإمام؛ أي: في غير الجمعة، ثم أخرج نفسه من الجماعة؛ لعذر، وأتم منفرداً- جاز؛ لأن الطائفة الأولى في صلاة ذات الرقاع فارقت النبي صلى الله عليه وسلم وأتمت لنفسها، وهي مفارقة بعذر.
قال: وإن كان لغير عذرن ففيه قولان:
أصحهما: أنه يجوز؛ لما روي أن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم يصليها بقومه، وكان عادته إذا افتتح سورة لا يقطعها حتى يتمها؛ فأخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ليلة؛ فصلى معه، ثم عاد على قومه؛ فصلى بهم؛ فشرع في سورة البقرة فأخرج رجل نفسه من صلاته؛ فلما سلم معاذ، أخبر بذلك؛ فقال: نافق الرجل؛ فبلغ [ذلك] الرجل قول معاذ؛ فغاظه ذلك، وقال: والله لأغدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بصنيع معاذ؛ فجاء في الغد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقص عليه القصة؛ فلم يقل شيئاً حتى دخل معاذ؛ فلما دخل [معاذ] قال له: "أفتان أنت يا معاذ؟ أين أنت من سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ...﴾، فما رُئِي رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد منه فيها.
وجه الدلالة [منه]: أنه عليه السلام أنكر على معاذ، ولم ينكر على الرجل، ولا أمره بإعادة الصلاة، ولو بطلت [الصلاة، لأمره بها؛] ولأنه تبرع بالاقتداء، والتبرع بالصلاة لا يلزم بالشروع؛ فكذا في وصفها، وهذا ما نص عليه في الجديد، والشيخ في تصحيحه متبع لسائر الأصحاب، وحكى الروياني والرافعي: أن الإصطخري قطع به.
ومقابله- وهو القديم-: أنه لا يجوز؛ لقوله عليه السلام: "إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه".
ولأن صلاة الجماعة تخالف صلاة الانفراد في الأحكام؛ فلا يجوز الانتقال من إحداهما إلى الأخرى؛ كما لا يجوز أن ينتقل من الظهر إلى العصر، وقد رأيت في "تعليق" البندنيجي: أن الإصطخري قطع به.
وهذه الطريقة هي الطريقة المشهورة الصحيحة، ووراءها طريقان:
إحداهما: أن المفارقة إن كانت بغير عذر فلا يجوز قولاً واحداً، وإن كانت بعذر فقولان؛ حكاهما القاضي الحسين والبغوي.
والثانية: إجراء القولين في الحالين، وهذه الطريقة تحكي عن اختيار الحليمي.
[ثم إن العذر المجوز] لذلك على الطريق الأول ما يجوز بسببه ترك الجماعة، هكذا قاله الإمام، وألحق بذلك ما إذا ترك الإمام سنة مقصودة كالتشهد [الأول] والقنوت.
وأما إذا لم يصبر؛ لطول القراءة؛ لضعف، أو شغل، قال الرافعي: وعن الشيخ أبي محمد ما ينازع في الأخير؛ لأن صاحب "البيان" حكى عنه أنه جعل انفراد الرجل عن معاذ [انفراداً] من غير عذر.
[قلت]: وهذا ما اقتضاه كلام غيره؛ حيث جعلوا حديث معاذ حجة لأحد القولين في المفارقة بغير عذر.
وفي "الذخائر": أن من الأصحاب من حكى قولين في أن ترك القنوت هل يكون عذراً في المفارقة، أم لا؟ وأن المأموم لو شك بعد ركوع الإمام: هل أتى هو بالقراءة، أم لا- هل يكون [عذراً] في المفارقة، أم لا؟ فيه قولان.
فرع: لو كان في جماعة، فانتقل إلى جماعة أخرى- قال بعضهم: جاز على القول الذي يجوز المفارقة بغير عذر؛ لأنه إذا جاز أن ينتقل إلى نقصان؛ فإلى زيادة أولى.
قلت: هذا ظاهر إن قلنا: إن القولين في جواز الانتقال من الانفراد إلى الجماعة مبنيان على القولين في الانتقال من الجماعة إلى الانفراد، أما إذا قلنا: إنهما أصلان، فيشبه أن [يكون] القول بالجواز من جماعة إلى جماعة مفرعاً على القول الصحيح في جواز الانتقال من الانفراد إلى الجماعة، وحيث جاز فهو من جماعة إلى جماعة غير مستحب، ومن جماعة إلى انفراد مكروه، [و] الانتقال من الجماعة إلى الانفراد لا يجوز؛ ولو كان في الركعة الثانية.
قال: وإن أحدث الإمام، [أي:] في أثناء الصلاة؛ فاستخلف مأموماً-
جاز في أصح القولين؛ لأن أكثر ما فيه أن القوم يصلون بعض صلاتهم خلف من لم يكن إماماً لهم في ابتداء صلاتهم، وهذا لا يمنع صحة الصلاة؛ لقصة أبي بكر- رضي الله عنه- لأنه أم الناس في ابتداء صلاتهم، و [أمَّهُ و] أمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في باقيها، وهذا ما نص عليه في "الأم"، وقد وافق الشيخ على تصحيحه كل الأصحاب.
قال: إلا أنه لا يستخلف إلا من لا يخالفه في ترتيب الصلاة؛ حفظاً لنظام صلاة المأمومين، ومراده بذلك- والله أعلم-: ألا يستخلف إلا من علم كيفية صلاة الإمام، وما صلى منها؛ فإنه إذا استخلف من لا يعرف ذلك؛ بأن كان مسبوقاً، لم يمكنه المشي على ترتيبها، وهذا أحد القولين؛ كما حكاه صاحب "الكافي" وغيره.
ومقابله: أنه يجوز غير أنه إذا صلى ركعة رقب لقوم، فإن هموا بالقيام، قام، وإلا قعد؛ كالإمام إذا سبح به القوم.
وقد حكى القولين هكذا في "العدة" عن رواية صاحب "التلخيص"؛ فإن الشيخ أبا علي قال: إنهما لابن سريج، وإنما القولان إذا سبح القوم ينبهونه على السهو، وهو لا يذكر هل يقلدهم؟ قولان:
أحدهما: لا، بل يبني على يقينه.
والثاني: [أن المنبهين إن كانوا] جمعاً كثيراً؛ بحيث لا يقع [لهم الغلط]، قلدهم؛ [لأجل قصة] ذي اليدين.
قال: والصحيح من وجهي ابن سريج: الجواز.
قلت: والذي أجاب به القاضي الحسين في "الفتاوى" مقابله؛ ويتعين حمل كلام الشيخ عليه، وإلا فمتى استخلف مأموماً [مسبوقاً أو غير مسبوق]، وجب [عليه] أن يمشي على ترتيب [صلاة] إمامه على المذهب؛ كما
سنذكره، ولا حاجة مع ذلك إلى قوله "إلا [أنه] لا يستخلف إلا من لا يخالفه في ترتيب الصلاة"، ولما عرف بعض الشارحين ذلك، وضاق عليه الأمر، قال: الصواب أن يقول: فاستخلف إنساناً.
ويشبه أن يكون هذا عين الخطأ؛ إذ لو كان كذلك، لاختص محل [ذلك بغير صلاة الجمعة]؛ لما ستعرفه [أنه لا يجوز أن يستخلف] في صلاة الجمعة إلا مأموماً، وكلام الشيخ الآتي صريح في أن ما ذكره جار في الجمعة وغيرها؛ فافهم ذلك.
والقول الثاني الذي سكت عنه الشيخ: أنه لا يجوز أن يستخلف؛ لأنه عليه السلام لما ذكر أنه جنب؛ لم يستخلف، وقال: "مكانكم"، ودخل واغتسل، وخرج، وصلى بهم، ولو كان يجوز لفعله؛ ولأنه لا يجوز الاتئمام بشخصين معاً في صلاة واحدة، [فكذا على] التعاقب فيها، وهذا ما نص عليه في القديم، و"الإملاء".
وأجاب المنتصرون للأول عن الخبر بأن رواية البخاري له صريحة في أنه لم يكن قد أحرم بعد، وإنما ذكر ذلك قبل التحرم؛ فلا حجة فيه، وإن كان ذلك بعد إحرامه فليس فيه أكثر من أنه لم يستخلف، وذلك جائز عندنا، وأما أن الاستخلاف لا يجوز، فليس في الخبر ما يدل عليه، على أنه لو كان فيه ما يدل لقلنا: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستخلاف؛ فإن استخلاف أبي بكر- رضي الله عنه- كان في [اليوم] الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والفرق بين ذلك وبين ما إذا اقتدى باثنين معاً: أنه لا يمكنه متابعتهما، وها هنا يمكنه [ذلك].
ثم ظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في جريان القولين [بين] أن يكون ذلك في الجمعة، وغيرها، وبه صرح الجمهور، وحكى الإمام وغيره أن منهم من خصص القولين بصلاة الجمعة؛ فإن الجماعة ركن [فيها]، ويشترط فيها شرائط لا يشترط منها شيء في سائر الصلوات؛ فيليق بها اشتراط اتحاد الإمام، ويجوز في غير الجمعة قولاً واحداً.
التفريع:
على المشهور: إن قلنا: يمنع الاستخلاف؛ فإن كان حدث الإمام في غير الجمعة، أتم المأمومون لأنفسهم فرادى، وإن كان في الجمعة؛ فهل يجوز للمأمومين أن يتموا لأنفسهم صلاتهم، ظهراً، أو جمعة؟ قال القاضي أبو الطيب والمتولي: فيه قولان:
أحدهما- نقله المزني في "المختصر" عن الشافعي- رضي الله عنه-: أنه يجوز إن كان حدث الإمام في الثانية، ولا يجوز إن كان في الأولى؛ لقوله عليه السلام: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى".
وقد قيل: إن من هذا القول خرج المزني: أن القوم لو انفضوا في الركعة الثانية، أتمها الإمام جمعة؛ كما ستعرفه في موضعه.
والقول الثاني نقله المزني في "جامعه الكبير": أنه يجوز، سواء أكان حدثه في [الركعة] الأولى أو الثانية؛ لأن المعنى الذي لأجله منعنا الإمام من الاستخلاف هو أن حكم صلاته باق لم يبطل، وإن كان حكمها باقياً، جاز لهم أن يتموها جمعة؛ كما لو كان حدثه بعد أن صلى ركعة.
وقد قيل: إن المزني خرج منه قولاً فيما إذا انفض القوم عن الإمام في الأولى: أنه يتمها جمعة، والقولان هكذا حكاهما ابن الصباغ عن رواية أبي إسحاق، وملخصهما: أنه إذا [كان] حدثه في الثانية، أتموها جمعة [قولاً واحداً، وإن كان في الأولى، فهل يتمونها جمعة،] أو ظهراً؟ [قولان.
وعكس الماوردي ذلك؛ فقال: إن كان حدثه في الأولى، أتموها ظهراً،] لا
يختلف فيه مذهب الشافعي، وسائر أصحابه، وإن كان في الثانية، فمذهب الشافعي: أنهم يتمونها ظهراً، وعلى قياس مذهب المزني في مسألة الانفضاض، يتمونها جمعة.
ويجيء من مجموع النقلين في المسألة ثلاثة أقوال، حكاها مجلي:
أحدها: أنهم يتمونها جمعة، كيف كان الأمر.
والثاني: يتمونها ظهراً، كيف كان الأمر، وهذا إذا ضاق الوقت عن إمكان إعادة الخطبة والصلاة؛ فإن أمكن أعيدت.
والثالث: إن كان حدثه في الأولى، أتموها ظهراً إن ضاق الوقت، وإن كان في الثانية، أتموها جمعة، وهذا ما أورده البندنيجي والبغوي.
قال الإمام: إن الأصحاب قطعوا بما إذا كان حدثه في الثانية أنهم يتمونها جمعة، وإن كان في الأولى؛ فهل يتمونها ظهراً، أو نفلاً، أو تبطل؟ فيه خلاف يأتي مثله في مسألة الزحام ونظائرها.
ثم قال: وكان شيخي يقول: قد ذكرنا في مسألة الانفضاض قولاً: أن القوم إذا انفضوا في الركعة الأولى، وبقي الإمام وحده- أن الجمعة تصح، وعلى هذا لا يمتنع أن نقول: إذا بطلت صلاة الإمام في الركعة الأولى، وزال [الإمام] عنهم- كان كانفضاضهم عن الإمام، فإذا كان الإمام يتم الجمعة، [فأولى أن يتم المأمومون]، وإن جرى الانفضاض في الركعة [الأولى]، فكذلك القوم يتمون الجمعة وإن زال إمامهم في الركعة الأولى، وهذا قياس حسن، غير أن قياسه: أن صلاة الإمام إذا بطلت في الركعة الثانية ألا يتم المأمومون الجمعة على قول؛ [بناء] على أن الانفضاض لو حصل في الركعة الثانية، لا يتمها الإمام جمعة، وقد قال الأصحاب: إنهم يتمونها جمعة، ووافقهم شيخي، وعندي [أنه] يقتضي طرد القياس؛ إذ لا يكاد يظهر فرق؛ فإن الإمام ركن الجماعة في حق المقتدين؛ كما أن القوم ركن الجماعة في حق الإمام، وليس كانفراد المسبوق بركعة؛ فإنه قد صحت الجمعة للإمام والجمع؛ فأثبت للمسبوق إدراك الجمعة على طريق التبعية لأقوام صحت جمعتهم.
قلت: وأنت إذا تأملت ما ذكره من التخريجين، عرفت أن ما قاله شيخه هو الذي نقله المزني في الجامع الكبير عن الشافعي، وما قاله الإمام هو عين ما حكاه الماوردي عن النص؛ فلا يحتاج إلى التخريج، ثم فيما قاله شيخه نظر من وجه آخر، وهو: أنا قد حكينا أن القول بصحة جمعة الإمام [إذا انفض القوم بجملتهم في الأولى مخرج من هنا؛ فكيف يخرج من الفرع أصله؟! نعم ستقف في باب صلاة الجمعة على أن القول بصحة جمعة الإمام] مع انفضاضهم في الأولى منصوص للشافعي، وحينئذ يستقيم التخريج منه إلى هنا لو عدم النص فيه، وأما تخريج الإمام، وقوله: "إنه لا يكاد يظهر بين المسألتين فرق"، فالأصحاب صرحوا به في كتاب الجمعة، وسنذكره ثم- إن شاء الله تعالى- فإن قلنا: يجوز الاستخلاف، جاز أن يستخلف في غير الجمعة من كان معه قبل حدثه من أول الصلاة، أو في آخرها، ويجب عليه أن يمشي على ترتيب صلاة إمامه؛ فيجلس؛ للتشهد [في موضع تشهد إمامه، ويقنت حيث يقنت، وإن لم يكن ذلك محلاً لتشهده] وقنوته؛ قاله ابن الصباغ.
فإذا تمت صلاة المأمومين، قام إلى تتمة صلاته، وقنت في موضع قنوته، وتشهد في موضع تشهده، ويخير القوم بين أن ينتظروه حتى يسلم بهم، وبين أن ينووا المفارقة [ويسلموا، وبين أن يقدموا واحداً منهم، ليسلم بهم؛ أي: بعد نية المفارقة].
وحكى مجلي في جواز انتظارهم له خلافاً، والمشهور: الأول.
وفي "زوائد" العمراني أن القاضي سليم قال في "فروعه": إنه لا يجب على المستخلف أن يمشي على ترتيب صلاة مستخلفه، بل على ترتيب صلاة نفسه، وهو في حكم إمام منفرد، وهل يشترط أن ينوي المأموم الاقتداء بالخليفة، أم لا؟ الجمهور على عدم الاشتراط.
قال في "الكافي": وهو الأصح.
وأشار بذلك إلى وجه حكاه في "التهذيب": أنه يشترط ذلك.
قلت: ولا يبعد أن يكون قائله هو الصائر إلى أن الخليفة يمشي على ترتيب صلاة نفسه.
وهذا كله فيما إذا كان الاستخلاف في غير الجمعة، أما إذا كان في الجمعة فيجوز أن يستخلف من كان معه في الركعة الأولى، سواء كان حدثه في الثانية، أو [في] الأولى، لكن [هل] يشترط أن يكون قد سمع الخطبة؟ فيه قولان حكاهما الصيدلاني وغيره:
أحدهما: لا، وهو ما نص عليه في "الأم".
والثاني: نعم، وهو ما حكاه القفال وغيره عن نصه في "البويطي".
والأصح الذي لم يورد العراقيون سواه: الأول.
وهل يجوز أن يستخلف من لم يكن معه في الأولى؟
فيه خلاف صرح به الشيخ؛ حيث قالك وقيل: لا يجوز أن يستخلف في صلاة الجمعة إلا من كان معه في الركعة الأولى.
ووجهه: أنه إذا لم يكن معه في الأولى دار بين أن يكون قد اقتدى بالإمام بعد ركوعه في الثانية، أو قبله، وأيّاً ما كان؛ ففرضه الظهر، أما في الأولى، فظاهر، وأما في الثانية؛ فلأنه لم يدرك معه ركعة تامة، والجمعة لا تدرك بركعة ناقصة؛ كما ستعرفه في مسائل الزحام، وإذا كان كذلك، فالجمعة لا تصح خلف من يصلي الظهر؛ كما سيأتي.
وهذا القول حكاه المراوزة، وعبارتهم في حكايته: أنه هل يجوز أن يستخلف من لم يكن معه في الأولى؟ ذلك [ينبني] على أنه هل يجوز أن يستخلف في الأولى من كان معه فيها قبل الركوع، لكنه لم يسمع الخطبة؟ وفيه ما تقدم:
فإن قلنا: لا يصح [ثمّ]، لم يصح هاهنا.
وإن قلنا: يصح ثم، [فهاهنا] قولان، وهذا يجوز أني كون مرادهم به ما إذا كان من لم يدرك الأولى، لم يسمع الخطبة؛ إذ هو الغالب، أما إذا كان قد سمعها، لكنه لحقه وسوسة؛ فلم يدرك الإمام إلا في الثانية؛ فلا يجيء فيه إلا قولان من غير ترتيب، ويجوز أن يقولوا: مأخذ الترتيب عندنا [أنا] إذا شرطنا
في المستخلف [في الأولى] أن يكون قد سمع الخطبة؛ فكأنا نشترط فيه أن يدرك كل واجبات الجمعة مع الإمام، وإذا كان كذلك؛ فهو إذا لم يدرك الأولى مع الإمام، وأدرك الثانية، و [قد] سمع الخطبة- لم يدرك كل واجباتها معه، وحينئذ يأتي الترتيب والله أعلم.
قال: والمنصوص: أنه يجوز أن يستخلف في الجمعة [في] الثانية من لم يكن معه في الأولى؛ لأنه باستخلافه ناب منابه، ولو استمر لصحت القدوة؛ فكذا من ناب منابه، وإن لم توجد فيه الشرائط؛ ألا ترى أن الإمام في الجمعة لو أحرم بأربعين سمعوا الخطبة، ولحقهم أربعون لم يسمعوها؛ فأحرموا معه، ثم انفض الذين سمعوا الخطبة، وبقي من لم يسمعها- لم يقدح ذلك في صحة الجمعة؛ لأن بإحرامهم معهم، انسحب عليهم حكمهم؛ فكذا هنا.
وقد أفهم كلام الشيخ أن المنصوص الجواز، سواء أدرك المستخلف الإمام قبل الركوع في الثانية، أو أدركه في الركوع، أو أدركه بعد الرفع منه؛ لأن من لم يدرك الأولى، يتنوع حاله إلى ذلك، وهو فيما إذا أدرك الركعة الثانية منصوصه في "الأم"؛ لأنه قال فيه: "ولو أحدث في الركعة الأولى؛ فاستخلف من أحرم معه، صح، ثم إذا صلى المستخلف منها ركعة؛ فلما قام إلى الثانية أحدث، واستخلف من أدرك الركعة الثانية، وأشار إليهم أن يسلم بهم أحدهم، وقام هو؛ فأتمها ظهراً"؛ ولأجل هذا جزم القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وغيرهما بصحة استخلافه فيها.
وأما إذا كان المستخلف لم يحرم مع الإمام إلا بعد الرفع من الركوع؛ فالجواز في هذه الصورة محكى في "المهذب" و"تعليق" أبي الطيب وغيرهما وجهاً عن بعض الأصحاب، ونسبه البندنيجي إلى الشيخ أبي حامد، وأبداه ابن الصباغ احتمالاً لنفسه؛ أخذاً من نصه في "الأم" في المسألة قبلها؛ لأنه لما صح استخلافه؛ مع أنه التزم إتمام صلاته ظهراً، دل هذا منه على أنه يجوز أن يستخلف في الثانية من يصلي الظهر، ومن أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع يصلي ظهراً؛ فوجب صحة استخلافه.
وقال في "الحاوي": إن الجواز في هذه الصورة، قال الأكثرون: إنهم حكوه عن النص.
وإذا صح ذلك، صح ما قاله الشيخ: إن الجواز مطلقاً هو المنصوص، وعلى هذا فلا خلاف في أن المأمومين الذين أدركوا مع المستخلف ركعة قبل حدثه يتمون صلاتهم جمعة، وهل يكون المستخلف مدركاً للجمعة؟ إن كان إحرامه بعد رفع الإمام رأسه من الركوع فلا، وإن كان قبل الركوع أو فيه، فالذي حكاه القاضي أبو الطيب، والماوردي أن يكون مدركاً للجمعة؛ لأنه أدرك مع الإمام الركوع؛ فأدرك به الجمعة؛ كالمسبوق، وكما لو استخلف في الأولى من أدرك معه الركوع فيها؛ فإنه لا خلاف في أن صلاته جمعة؛ كما قاله القاضي الحسين، مع أنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة؛ فإذا أتم الركعة وتشهد- قام وأتى بركعة أخرى وتخير القوم في انتظاره، ومفارقته، وتقديم من يسلم بهم؛ كما سبق مثله في غير الجمعة.
وقال في "الذخائر": [إن في جواز] انتظارهم له الخلاف السابق أيضاً.
والمشهور: الأول، وهذا ما حكاه البندنيجي عن الأصحاب، وابن الصباغ والمتولي عن أكثرهم.
ثم قالوا: وظاهر النص أنه لا يكون مدركاً للجمعة، بل يتمها ظهراً، وأشاروا بذلك إلى ما حكيناه عن الإمام، وبعضهم صرح به، وقد أخذ به المراوزة، وقالوا: لا يكون مدركاً للجمعة بلا خلاف؛ لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة تامة من الجمعة، وهو ما اختاره ابن سريج، وصححه الرافعي وغيره، وفرقوا بين ما نحن فيه وبين المسبوق بفرقين:
أحدهما- قاله أبو حامد-: أن المسبوق تبع لإمامه، وإمامه قد حصلت له الجمعة كاملة مع الجماعة؛ فتبعه فيها، ولا كذلك هاهنا؛ فإن المستخلف والمستخلف لم يكمل لواحد منهما الجمعة مع الجماعة.
والثاني- أشار إليه الإمام-: أن المسبوق إذا أدرك مع الإمام الركوع، وكمل معه الركعة، حصلت له ركعة كاملة [تحسب له، وها هنا لم يدرك معه ركعة كاملة]؛ [فلم تحسب] له من الجمعة، ويشهد لذلك أن من أدرك الإمام في الركوع، وزوحم عن
السجود حتى سلم الإمام، [لا يكون] مدركاً للجمعة، وفرقوا بين ما نحن فيه، وبين ما إذا استخلف في الأولى من كان معه فيها بفرقين:
أحدهما- قاله القاضي الحسين-: أنه إذا استخلفه في الأولى، تأكد إدراكه؛ بأن توقف صحة جمعة القوم على صلاة الإمام؛ فصار [الإمام] ركناً في صحة جمعتهم؛ فلهذا يحصل له الجمعة، بخلاف الركعة الثانية؛ فإنه لم يتأكد إدراكه؛ فإنه لم تتوقف صحة جمعة القوم على صلاة الإمام؛ [فإنهم] لو صلوا وحداناً، جاز؛ فالإمام في حقهم، وعدمه سواء؛ فلهذا قلنا: لا يصير مدركاً للجمعة.
والثاني- قاله المتولي-: أنه إذا استخلفه في الأولى، حصل له مع الجماعة ركعتان؛ فكان الحكم بإدراك الصلاة جمعة من طريق الحقيقة، لا من طريق الحكم، والبناء على صلاة الغير، وها هنا هو منفرد في إحدى الركعتين؛ فلابد أن يوجد ما يمكن البناء عليه، وخالف المسبوق بركعة بما ذكرناه.
وقد حكى الرافعي عن رواية صاحب "التلخيص" وجهاً فيما إذا استخلف من أدركه في الركعة الأولى أنه يصلي الظهر [أيضاً]] والقوم يصلون الجمعة.
وأوهم كلام الرافعي: أنه لا فرق [فيه] بين أن يكون حدثه في الأولى أو الثانية، وإن صح فيما إذا كان حدثه في الثانية كان في غاية الإشكال، والمشهور الأول.
ثم إذا قلنا بظاهر النص الذي جزم به المراوزة، فأدركه مسبوق في الركعة الأخيرة التي استخلف فيها في الركوع؛ فهل يكون ذلك المسبوق مدركاً للجمعة، أم لا؟ فيه خلاف مبني على أن المستخلف هل يتم صلاته نفلاً، أو ظهراً؟
وفيه خلاف خرجه ابن سريج على أصلين:
أحدهما: أن من نوى [الأول لو بقى في الصلاة، ولكنه في نفسه مدرك للجمعة؛ لما ذكرناه، وعلى هذا من يؤدي] الجمعة، ولم تحصل له هل تقع صلاته نفلاً، أو ظهراً؟ وفيه قولان.
والثاني: أن المتحرم بالظهر قبل فوات الجمعة ممن لا عذر له؛ هل ينعقد ظهره، أو ينقلب نفلاً؟ فيه قولان، والوجه: الترتيب؛ فيقال: إن قلنا: إذا نوى
الجمعة، ولم تحصل [له] تنعقد صلاته ظهراً، انبنى على أن من لا عذر له إذا صلى لظهر قبل فوات الجمعة؛ هل تصح ظهره، أم لا؟ فإن قلنا: تصح، أتمها ظهراً، وغلا أتمها نفلاً، وإنما كان كذلك؛ لأنه كان يمكنه ألا يقبل الاستخلاف؛ فهو المفوت على نفسه الجمعة بغير عذر.
وعن بعض الأصحاب القطع بالصحة هاهنا، [وإن لم تصح صلاة الظهر قبل فوات الجمعة؛ لأنه هاهنا] معذور؛ حيث استخلفه الإمام، وإن تقدم هو؛ لأنه لا يمنع من الإمامة؛ فإذا تقدم، صارت الجمعة في حقه؛ كالفائتة؛ فصح ظهره، وهذا ما صححه الروياني، وقال الرافعي: إنه [الأظهر] عند الأكثرين.
قال الإمام: [فإن قلنا]: إن صلاته تكون ظهراً، أدرك المسبوق الجمعة؛ إذا أدرك [معه] الركوع، وأتم الصلاة.
قال في "التهذيب": ولا يتخرج فيه الوجه المذكور في أن الجمعة لا تصح خلف من يصلي الظهر؛ لأنه صلى ركعة خلف من يراعي صلاة الإمام؛ بخلاف مصلي الظهر.
وإن قلنا: إنها تقع نفلا، انبنى على [أن] المتنفل هل يجوز أن يكون إماماً في الجمعة؟ وفيه قولان: فإن قلنا: يجوز أن يكون إماماً في الجمعة، كان مدركاً أيضاً، وإلا فلا؛ لأن الجماعة شرط في إدراك الجمعة؛ فإذا لم يجز أن يكون الإمام متنفلاً؛ فقد انتفت الجماعة؛ فلا يكون مدركاً.
فإن قيل: هذا يقدح في اقتداء المأمومين غير هذا المسبوق به، وقد قلتم بالجواز؛ إذ هذا تفريع على جواز استخلافه.
قيل في جوابه: إنما جاز اقتداء المأمومين به الذين ليسوا بمسبوقين، مع أنهم يتمون صلاتهم جمعة؛ لأنهم أدركوا مع الإمام المستخلف الركعة الأولى، ولو انفردوا بالثانية لكانوا مدركين للجمعة؛ فليست الجماعة شرطاً في حقهم؛ فلا يمتنع أن يقتدوا فيها بمتنفل؛ كما يشرع الاقتداء في سائر الفرائض بالمتنفل.
فإن قيل: [قد قيل:] إن من نوى الجمعة، ولم [تصح تبطل] صلته على وجه، وكذا من تحرم بالظهر قبل فوات [الجمعة] ولا عذر له، لا تصح صلاته [ظهراً، ولا نفلاً على وجه؛ فهلا فرعتم عليه؟
قلنا: لو فرع على ذلك، لامتنع استخلافه؛ إذ به تبطل صلاته]، والتفريع على صحة استخلافه؛ فلذلك امتنع التخريج عليه.
وبالجملة: فظاهر نص الشافعي في "الأم" أن المستخلف يتم صلاته ظهراً، وقد حكي عنه أنه نص على [أن] المسبوق؛ إذا أدركه في الركوع في الثانية، وأتمها معه، يكمل صلاته جمعة، وأن القفال تعجب منه.
ووجهه الإمام وغيره: بأن المستخلف يجري على ترتيب صلاة الإمام؛ فكأنه هو في حق المقتدين؛ فهو حال محل الأول لو بقي في الصلاة، ولكنه في نفسه غير مدرك للجمعة؛ [لما ذكرناه]، والله أعلم.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً بالتصريح، والتلويح:
الأول: أنه لا يشترط في استخلاف الإمام أن يكون [قبل] حدثه، بل يجوز بعد تعمده الحدث، ومع سبقه من طريق الأولى؛ لأنه معذور، وقصد الشيخ بهذا اللفظ التنبيه على مذهب أبي حنيفة؛ فإنه قائل بعدم الجواز عند تعمد الحدث، وبه عند سبق الحدث؛ بناءً على أصله في أن سبق الحدث لا يبطل الصلاة، وتعمده يبطل صلاته وصلاة المأمومين خلفه، و [قد] قال القاضي الحسين في الكرة الثانية في دروسه: عندي أنه إذا أحدث متعمداً، لا يجوز له الاستخلاف؛ كما صار إليه أبو حنيفة؛ لأن صلاته قد بطلت، ولا يجوز البناء على صلاة باطلة، ولو سبقه الحدث، لم تبطل صلاته على القديم؛ فيجوز له الاستخلاف.
[وقيل: [إن الشافعي] جوز الاستخلاف] على قوله الجديد،
وسبق الحدث على هذا القول يبطل الصلاة؛ فكيف يستقيم هذا البناء؟
وهذا السؤال قد تعرض له الإمام في "النهاية"، وإن لم يذكر مذهب القاضي، وقد أجاب عنه القاضي بأن قال: [من] هنا يستنبط [أن] للشافعي قولاً في الجديد: أن سبق الحدث لا يبطل الصلاة؛ كذا رأيته في "تعليقه".
قلت: ويجوز أن يكون لهذه الطريقة التي اختارها [القاضي مأخذٌ آخر، وإن قلنا بأن سبق الحدث يبطل صلاة الإمام علي] الجديد: وهو أن صاحب "التلخيص" حكى قولاً للشافعي: أن الإمام إذا تعمد الحدث، بطلت صلاة من خلفه دون ما إذا سبقه الحدث؛ كما صار إليه أبو حنيفة، وحينئذ لا يرد السؤال، والله أعلم.
فرع: هل يجوز الاستخلاف قبل الحدث؟
قال أبو حاتم مُلْقِي أبي العباس بن سريج: نعم، إذا أحس بالحدث.
وقد سئل الشيخ أبو محمد عنه، فجعل الإحساس عذراً، وقال: متى حضر إمام هو أفضل منه، أو حاله أكمل من حاله يجوز استخلافه؛ كذا قاله الرافعي في باب صلاة المسافر عند رعاف الإمام، وسنذكره فيه- إن شاء الله تعالى- مع شيء يتعلق بما نحن فيه.
الثاني: اختصاص جواز الاستخلاف بالإمام؛ كما هو مذهب أبي حنيفة، وقد قال الأصحاب كافة: إنه يجوز للمأمومين أن يستخلفوا واحداً منهم يتم بهم الصلاة؛ إذا لم يستخلف الإمام قبل استخلافهم أحدهم، ولو تقدم واحد منهم من غير استخلاف، قال الإمام: ففيه احتمال عندي من جهة أنه من القوم؛ فتقديمه نفسه كتقديمه [آخر.
وهذا] ما صححه بعضهم، وهو يؤخذ من ظاهر نصه في "المختصر"؛ فإنه قال: وإن أحدث الإمام في صلاة الجمعة؛ فتقدم رجل بأمره، أو بغير أمره، وقد [كان] دخل مع الإمام قبل حدثه؛ فإنه يصلي بهم ركعتين.
ولو استخلف الإمام شخصاً، والقوم غيره، قال الإمام: فليس عندي في هذه المسألة نقل، والمسألة محتملة، ولعل الأظهر أن المتبع من يستخلفه القوم؛ فإن الإمام قد بطلت صلاته، وإنما يستخلف بعلقة إمامة كانت وزالت، والقوم باقون
في الصلاة؛ فهم أولى بالاستخلاف.
ولو تقدم شخصان معاً، قال القاضي الحسين: ليس لهم أن يقتدوا بواحد منهما، ولا يجوز لبعضهم أن يقتدي بواحد، وللبعض بالآخر؛ لأن الإمام الأصل واحد؛ فيجب أن يكون الخليفة واحداً، و [قد] ذكر في الكرة الثانية أنه في صلاة الجمعة لا يجوز، وفي سائر الصلوات يجوز؛ لأن الجمعتين لا تقامان في بلد واحد، بخلاف سائر الصلوات، وهذا ما أورده في "الكافي".
الثالث: اختصاص جواز استخلاف [الإمام] بالمأموم، دون من لم يكن مأموماً معه.
قال الرافعي: وهذا ما أطلق جماعة من الأئمة اشتراطه، ولاشك في أن ما ذكره من التفاريع في الجمعة وغيرها يختص بما إذا كان المستخلف مأموماً، أما إذا كان غير مأموم، فقد قال الإمام: [إنه] إن كان في غير الجمعة فتقديم الإمام له ليس باستخلاف، والمتقدم ليس خليفة، وإنما هو عاقد صلاة نفسه، جار على ترتيبها، وقد انقطعت قدوة المقتدين بإمامهم؛ فإن اقتدوا بهذا الرجل، فسبيلهم كسبيل منفردين يقتدون في أثناء الصلاة برجل، وقد ذكرنا ما فيه من الخلاف، وإن كان في الجمعة:
فإن كان حدثه في الركعة الأولى، ففي صحة الظهر لهذا المتقدم قولان؛ فإن قلنا: لا تصح، ففي صحة صلاته نفلاً وبطلانها قولان؛ فإن لم نصححها أصلاً، فلاشك أنه لا يصح الاقتداء به، وإن صصحناها، فقد انقطعت قدوة القوم؛ فلا جمعة لهم؛ فإنهم لم يدركوا ركعة مع إمام الجمعة، فلم تصح الخلافة على هذه الصورة في حق [هذا] الرجل، وهل تنقلب صلاتهم نفلاً، أو تبطل؟ فيه الخلاف؛ فإن صحت، ونووا الاقتداء بهذا المتقدم، كانوا كما لو نوى القدوة في أثناء الصلاة.
وفي "تلخيص" الروياني: أنا إذا حكمنا بصحة صلاة هذا المستخلف ظهراً، جاز استخلافه؛ لأن الشافعي جوز الجمعة خلف الصبي في أحد القولين، وصلاته نافلة؛ فإذا جازت خلف من يصلي نافلة، جازت خلف من يصلي الظهر.
قال:
وهذا خلاف النص.
وإن كان حدثه في الركعة الثانية، وفرعنا على المشهور في أنا إذا منعنا الاستخلاف يتم المأمومون صلاتهم- والحالة هذه- جمعة؛ فلو تقدم الدخل، ونوى الجمعة، فقد نقول: لا تصح صلاة المتقدم؛ [فلا يصح اقتداؤهم به؛ فإن اقتدى القوم به مع العلم بذلك- بطلت صلاتهم، وأن تصح صلاة المتقدم]؛ [فلا تصح صلاته ظهراً]، أو نفلاً؛ فالقوم قد انقطعت قدوتهم، ولم يصح الاستخلاف؛ فإن اقتدوا به، كان هذا اقتداء طارئاً على الصلاة، بعد ثبوت جمعة الانفراد، وفي جواز ذلك الخلاف السابق.
هذا ما ذكره الإمام، وكلام العراقيين، والماوردي يوافقه ويخالفه:
أما موافقته له ففي منع استخلافه في صلاة الجمعة غير مأموم، قال الماوردي: ولا يختلف في ذلك.
وأما مخالفته له ففي غير الجمعة؛ فإنهم قالوا: يجوز أني ستخلف فيها من أحرم بعد حدثه، والفرق بينها وبين الجمعة: أنه لما صح أداء الفرض منفرداً، [صح استخلاف من لم يعلق صلاته بصلاته، ولما لم يصح أداء الجمعة منفرداً]، لم يصح استخلاف من لم يعلق صلاته بصلاته، لكنه لا يستخلف إلا من لا يخالفه في ترتيب صلاته؛ مثل: أن يكون حدث الإمام في الركعة الأولى قبل الركوع أو في الركعة الثالثة، فاستخلف من شرع في الصلاة، والمعنى في ذلك: صيانة صلاة المأمومين عن اختلال الترتيب؛ فلو كان حدث الإمام في الثانية أو في الرابعة؛ فاستخلف من شرع في الصلاة- لا يجوز؛ لأنه لا يلزمه أن يمشي على ترتيب صلاة المستخلف؛ لأنه لم يلزمها، بل يمشي على ترتيب صلاة نفسه، وذلك يقتضي المخالفة؛ وهي: تمنع القدوة.
قلت: ويشهد لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم فوجد عبد الرحمن بن عوف صلى ركعة من الصبح صلاها خلفه؛ فلما سلم، صلى أخرى، ولم يتقدم؛ لأنه لو تقدم إماماً، لاقتضى المخالفة، وفي واقعة أبي بكر تقدم؛ لأن ترتيب صلاته لم
يخالف [ترتيب] صلاتهم.
[الأمر] الرابع: أن استخلاف الإمام جائز، غير واجب، ولاشك أنه كذلك، نعم هل يجب على القوم أن يستخلفوا من يتم بهم الصلاة؟ قال الأصحاب: إن كان ذلك في غير الجمعة، فلا يجب، وإن كان في الجمعة؛ فإن كان في الركعة الأولى، وجب؛ غذ عليه ترتيب إدراك الجمعة، ولو أرادوا أن ينفردوا، لم تصح جمعتهم، وإقامة الجمعة واجبة عليهم؛ فتعين الاستخلاف.
قال الإمام: ثم ينبغي أن يجري الاستخلاف على القرب؛ بحيث لا يطول الفصل؛ فإن فعلوا ركناً على الانفراد، ثم استخلفوا، لم يجز، وإن طولوا الركن الذي هم فيه، ثم استخلفوا بعد طول الزمان، ففي المسألة احتمال.
قال: وهذا تفريع على ما ذكره الأصحاب من أنهم لو لم يستخلفوا [في الركعة الأولى، لا يتمون الصلاة جمعة، يعنيك على القول بمنع الاستخلاف] كما سبق.
قال: والذي حكيته عن شيخي في تخريج ذلك على الانفضاض لا تفريع عليه.
قلت: ولو فرع عليه، لاقتضى القياس وجوب الاستخلاف أيضاً هاهنا؛ لأن الإمام في مسألة الانفضاض لا سبيل له إلى استدراك ما فات من الخلل؛ فلا جرم حسن التخريج منه إلى القوم عند حدث الإمام، وقد منعنا الاستخلاف؛ لأن القوم- أيضاً- لا سبيل لهم إلى استدراك الخلل.
أما إذا جوزنا الاستخلاف، فهم سبيل من استدراكه [بالاستخلاف]؛ فيجب.
ولو كان حدث الإمام في الثانية، فلا يجب عليهم؛ إذ سبب وجوبه في الأولى أنهم لم يدركوا مع الإمام ركعة، فأما إذا صلوا ركعة؛ فلو انفردوا وقد فسدت صلاة الإمام، لصحت جمعتهم؛ فلا يلزمهم الاستخلاف.
قال الإمام: بل لو استخلف الإمام، فهم بالخيار: إن شاءوا تابعوه، وإن شاءوا انفردوا، ولو اقتدى بعضهم، وانفرد آخرون؛ جاز.
قلت: وهذا فيه نظر؛ لأن الإمام حكى عن الأصحاب أن الإمام إذا استخلف، استمرت صلاة المأمومين، ولا حاجة بهم إلى تجديد نية الاقتداء بالخليفة؛ فإن
فائدة الاستخلاف تنزيل الخليفة منزلة الإمام الأول حتى كأنه هو، ولو استمرت الإمامة من الأول لم يكن [لتجديد نية الاقتداء معنى، ولو انقطعت القدوة من الأول، لكان الظاهر] من القياس: انقطاع الجمعة، وهذا مع القول بأنه لا يجب على المأمومين متابعة الخليفة، مما لا يجتمعان.
وجوابه: أنا نحمل كلامه في عدم اشتراط النية على ما إذا كان الاستخلاف في الأولى؛ ألا ترى إلى قوله: إن القدوة لو انقطعت من الأول، لكان الظاهر من القياس انقطاع الجمعة؟! وانقطاع الجمعة إنما يكون عند انقطاع القدوة في الركعة الأولى دون الثانية.
نعم، ما قاله من عدم وجوب الاستخلاف في الثانية يظهر أنه قاله تفريعاً على ما حكاه عن الأئمة في أن حدث الإمام إذا كان في الثانية، وقد منعنا الاستخلاف، يتم القوم صلاتهم جمعة.
أما إذا قلنا: إنهم يتمونها ظهراً؛ كما حكيناه عن رواية الماوردي عن المذهب- فيظهر أن يلزمهم الاستخلاف أيضاً؛ كما لو كان حدثه في الأولى؛ فاعلم ذلك.
قال: ويستحب للإمام أن يخفف في الأذكار؛ أي: كالتسبيح في الركوع والسجود والتشهد؛ بحيث لا يزيد على أدنى الكمال، ولا ينقص.
والأصل في ذلك رواية مسلم عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال: "إذا أم أحدكم بالناس، فليخفف؛ فإن فيهم الكبير والضعيف والمريض، وإذا صلى وحده فليطل كيف شاء".
وروى مسلم أيضاً، عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطول بنا؛ فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ؛ فقال: "أيها الناس، إن منكم منفرين؛ فأيكم أم الناس أم الناس فليوجز؛ فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة".
قال: إلا أن يعلم من حال المأمومين أنهم يؤثرون التطويل؛ أي: بأن يكونوا في موضع غير مطروق، أو في سفر، وفهم منهم ذلك؛ فحينئذ يطول حتى يأتي بأعلى الكمال؛ لأن العلة في التخفيف انتفت، ولو كان بعضهم يؤثر التطويل دون بعض، قال الجيلي: راعى الأكثر، ويحتمل أن يقصر مطلقاً.
قلت: وهو الذي يدل عليه الخبر؛ قال عليه السلام: " [إني] لأدخل في الصلاة أريد أن أطول فيها؛ فأسمع بكاء الصبي؛ فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه"، أخرجه البخاري.
قال القاضي الحسين في "تعليقه": وحيث يستحب له التطوير، فالمستحب له أن يطول القراءة في القيام، والقيام فيها أشد استحباباً من القيام في سائر الأركان، وهل يكون جميع قيامه فرضاً، أو قدر الفاتحة فقط؟ فيه وجهان.
واحترز الشيخ بقوله: "في الأذكار" عن التخفيف في القراءة؛ فإنه غير مستحب، بل المستحب فيها ما تقدم، وهو في الصبح والظهر من طوال
المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل، وفي المغرب من قصار المفصل؛ كما قال القاضي الحسين.
أما المنفرد فإنه يزيد ما شاء.
وقوله: "يخفف في الأذكار" يعرفك أنه لا يترك شيئاً منها، ويندرج في ذلك طلب الرحمة عند قراءة آية المغفرة، والتعوذ عند قراءة آية العذاب، ونحو ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله، وقد صرح بذلك القاضي الحسين، عند الكلام في صلاة القاعد.
فإن قلت: قد قال الشافعي عقيب ذكره الخبر الذي ذكرناه في أول الباب: "ومعنى التخفيف: أن يقصر الأذكار؛ فيذكر ما لابد منه، ويطيل الأفعال؛ فيأتي بها على الكمال"، فقوله: "فيذكر ما لابد منه"، يوهم أنه يترك الأذكار.
قلت: مراده: بما لابد منه في إدراك الفضيلة، ألا ترى إلى قوله: "يقصر الأذكار"؟! والله أعلم.
قال: وإذا أحس الإمام بداخل، وهو راكع، استحب له أن ينتظره في أصح القولين؛ لما روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر
رجلاً يصلي وحده؛ فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا؛ فيصلي معه" وأخرجه الترمذي، ولفظه: "أيكم يتجر على هذا" وقال: حديث حسن.
وفيه: فقام رجل يصلي معه.
وهذا يدل على أن الصلاة لأجل إتمام صلاة أخيه فضيلة.
وروي: أنه عليه السلام صلى إلى جنب الحسن عند قدميه؛ فلما سجد، ركب الحسن ظهره؛ فأطال السجود؛ فلما فرغ، قيل له: أطلت السجود؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "إن ابني ركبني؛ فأطلت؛ ليقضي وطره"؛ فإذا جاز الانتظار لحاجة غير الصلاة، فلحاجة الصلاة أولى.
ويشهد له أيضاً انتظاره عليه السلام في صلاة ذات الرقاع، وهذا ما نقله القاضي [أبو الطيب] في تعليقه عن حكاية أبي إسحاق في شرحه عن الجديد.
قال: ويكره في [القول الآخر]؛ لقوله عليه السلام: "إذا أم أحدكم بالناس، فليخفف".
ولأنه يأتي بجزء من صلاته؛ لأجل الآدمي، وهو مأمور بالإخلاص، وألا يشرك بعبادة ربه أحداً.
قالا لإمام: ولأنه لو أقيمت الصلاة، لم يحل له انتظار من لم يحضر، لا يختلف فيه المذهب؛ فلألا يجوز ذلك [في] وسط الصلاة أولى، وهذا ما
اختاره المزني والإمام، وقال صاحب "الفروع": إنه الصحيح.
والقائلون بالأول قالوا: محل ما ذكرناه [إذا قصد بانتظاره وجه الله تعالى بنفع الآدمي، وذلك لا يقدح في العبادة؛ دليله رفع الصوت في الأذان وتكبيرة الإحرام.
أما] إذا قصد [بذلك] غير وجه الله تعالى بأن كان يميز [في انتظاره] بين داخل وداخل- لم يصح قولاً واحداً؛ للإشراك.
وهذه الطريقة التي ذكرها الشيخ حكاها أبو إسحاق المروزي في "الشرح"، ووراءها طرق:
إحداها: أنه لا يستحب قولاً واحداً، والقولان في أنه هل يكره، أم لا؟ وهذه طريقة الشيخ أبي حامد، والبندنيجي، واختارها الماوردي وصاحب "الفروع"، وقالا: إن القول بالكراهة هو الجديد، ومقابله هو القديم.
وفي "تعليق" البندنيجي نسبته إلى أبي إسحاق.
والثانية: أنه لا يكره قولاً واحداً، وهل يستحب، أم لا؟ فيه قولان، حكاهما مجلي وغيره.
والثالثة: أن القولين في البطلان.
قال الإمام: وهذا فيه بعد، ولكن في كلام الشافعي ما يدل عليه.
والقاضي الحسين حكى في باب: صلاة الخوف القولين في الاستحباب، وعدمه، ثم قال: فإذا قلنا: لا يستحب، فهل تبطل الصلاة، أم لا؟ فيه قولان مخرجان من القولين في بطلان صلاة الإمام؛ إذا فرق الناس في صلاة الخوف الرباعية أربع فرق، وصلى بكل فرقة ركعة.
والرابعة: نفي الخلاف عن المسألة، وتنزيل النصين على حالين، والقائلون بهذا اختلفوا:
فمنهم من قال: إن كان يعرف الداخل بعينه [فلا ينتظره؛ لأنه لا يخلو عن تقرب إليه، وإن كان لا يعرفه بعينه] انتظره، وعليهما تنزيل القولين؛ [حكاهما في "التتمة".
ومنهم من قال: إن كان الداخل ممن يلازم الجماعة وعرفه انتظره، وإن كان غريباً فلا، وعليهما ينزل القولان]، حكاهما صاحب "البيان"، عن [رواية] صاحب "الفروع".
ثم ظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في الانتظار الذي جرى فيه الخلاف بين أن يطول أو يقصر.
وقد قيل: إن محله إذا لم يزد على حد الركوع المشروع للأئمة، أشار إليه ابن الصباغ وغيره.
ولعل المراد [به] إذا زاد على الركوع المشروع للأئمة؛ إذا آثر القوم التطويل، وإلا فقد حكى الإمام عن الصيدلاني أنه قال: إن محل الخلاف إذا كان لا يطول على السابقين، ثم قال: وهذا موضع التأمل؛ فإنه لو لم يطل الركوع الذي هو فيه- لم يجعل الانتظار قصوراً حتى يفرض التردد فيه، وإن طول الركوع، وزاد على المعتاد فيه، فقد حصل التطويل؛ فالذي أراه في ذلك أنه لو طول ركوعاً واحداً تطويلاً لو وزع على [جميع] الصلاة، لم يظهر له في كل ركعة أثر محسوس في التطويل، لكن يظهر في الركن الذي انتظره فيه، ولو كان يظهر على كل الصلاة ظهوراً محسوساً؛ فهو ممنوع عند الصيدلاني قولاً واحداً، وهذا حسن بالغ، ولا وجه غيره، وعلى هذا لو حصل الانتظار في ركوعين؛ فإن لم يظهر التطويل؛ كما ذكرنا- قال الإمام-: هذا فقد يخرج على الخلاف، وإن كان يظهر فقد يقطع بالمنع؛ كما لو كان الإفراط في ركوع واحد.
وإذا تأملت ما قاله الصيدلاني، كان طريقة سادسة في أصل المسألة، وهو التفرقة بين الانتظار القليل والكثير، وقد حكاها صاحب "الفروع"، وقد يقال: إن كلام الشيخ دال عليها؛ لأنه قال: "إذا أحس [الإمام] بداخل"؛ أي: في المسجد، ومسافة انتظار من دخل [المسجد] قريبة؛ فاختص كلامه بها، ويؤيد ذلك أن البندنيجي والقاضي أبا الطيب وغيرهما قالوا: إن محل الخلاف إذا كان الشخص قد دخل المسجد، أما إذا لم يكن قد دخل بعد، فلا ينتظره قولاً واحداً.
قلت: ولو قيل: إن محله إذا لم يدخل، أما إذا دخل فلا ينتظره قولاً واحداً-
لكان له وجه؛ لأنه إذا دخل أمكنه الإحرام والاقتداء بالإمام؛ فتحصل له فضيلة الجماعة، وإدراك الركعة التي شرع لأجلها الانتظار عند من يراه، ولا كذلك إذا كان خارج المسجد؛ فإنه قد لا يمكنه ذلك، والمنقول الأول.
ولعل القصد بالانتظار مع ما ذكرناه القرن من الإمام، وهو لا يحصل بدونه؛ لأن الإحرام في آخر المسجد، والانتقال في أثناء الصلاة إلى قرب الإمام منهي عنه [لأنه] جاء أبو بكرة مسرعاً، والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة؛ فأحرم في طرف المسجد، ثم انتقل إلى قرب النبي صلى الله عليه وسلم فلما انصرف قال [له] النبي صلى الله عليه وسلم: "زادك الله حرصاً، ولا تعد".
واحترز الشيخ بقوله: "وهو راكع" عما إذا أحس به وهو قائم في القراءة، أو بعد [الرفع من] الركوع؛ فإنه لا ينتظره قولاً واحداً؛ لأنه لا فائدة فيه؛ قاله ابن الصباغ وغيره.
قال الإمام: وقد رأيت لبعض الأئمة طرد القولين في الانتظار في القيام والسجود؛ لإفادة الداخل بركة الجماعة، وهذا لا أعتمده.
وأغرب منه ما حكاه ابن كج: أن محل القولين في الانتظار في القيام، أما الركوع، فلا ينتظر فيه قولاً واحداً؛ لأن القيام موضع تطويل، والركوع ليس موضع تطويل.
قلت: وكلام صاحب "التتمة" يشير إلى القطع بأنه يجوز في حال القيام؛ لأنه لما ذكر قول المنع من الاستخلاف- قال: إن قائله أجاب عن انتظار النبي صلى الله عليه وسلم الطائفة الثانية في صلاة الخوف بذات الرقاع؛ بأنه كان في القيام؛ [فلا يلحق به الركوع، وهذا يدل على أنه لو انتظره في القيام] لجاز، والمشهور الأول.
وألحق العراقيون [والمتولي] الانتظار في التشهد الأخير بالانتظار في
الركوع؛ لأجل إدراك فضيلة الجماعة، وحكوا فيه القولين، وبعضهم يرونهما وجهين، واختار في "المرشد" منهما الانتظار أيضاً.
وعلى قياس طريقة الفوراني والغزالي التي سنذكرها من أنه لا يدرك فضيلة الجماعة بدون ركعة: أنه لا ينتظره فيه، وأعرض الرافعي عن ملاحظة هذا الأصل، وقال: القياس أن يكون الانتظار فيه كالانتظار في القيام.
والأوجه ما ذكرناه.
وإذا قلنا بما قاله العراقيون، قال بعضهم: ينبغي أن نجري الخلاف في الانتظار في القيام في الركعة الأولى، وإن لم نُجْرِهِ في مطلق القيام ولا في السجود؛ بناءً على أن فضيلة تكبيرة الإحرام تدرك بإدراك القيام فقط؛ كما سنذكره في آخر الباب، وهو حسن.
قال: ويعضد ذلك ما روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطول في الأولى من الصبح، ويقصر [في] الثانية، أخرجه البخاري ومسلم، وفيه قال: "فظننت أنه كان يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى".
فائدة: هل محل الخلاف في الاستحباب وغيره مخصوص بما إذا لم يؤثر [المأمومون التطويل، أو يشمل الحالين؟ هذا لم أقف فيه على نقل، ولكن كلام بعضهم يفهم أنه مخصوص بما إذا لم يؤثروه]، أما إذا آثروه، فلا؛ لأنه يستحب له التطويل.
وينطبق على هذا ما حكاه الرافعي، عن صاحب "الإفصاح": أن الانتظار إن كان لا يضر بالمأمومين، ولا يدخل عليهم مشقة- جاز؛ كانتظار النبي صلى الله عليه وسلم في
حمل أمامة ووضعها في الصلاة، وإن كان ذلك مما يطول، ففيه الخلاف.
وما ذكرته مما أفهمه كلام بعضهم يعضده ما [أسلفناه] من أن المراد من التطويل أن يبلغه حد الركوع المشروع للأئمة، عند إيثار المأمومين التطويل، وقد يقال: إنه يجري فيما إذا آثروه، ويكون محل الخلاف إذا كان انتظاره يزيد على ما يؤثر من التطويل.
والله أعلم.
قال: [و] من أدرك الإمام قبل أن يسلم؛ أي: وإن لم يدرك الركوع [من] الركعة الأخيرة معه- فقد أدرك الجماعة؛ لقوله عليه السلام: "إذا جاء أحدكم الصلاة ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركوع؛ فقد أدرك الركعة".
وروى الترمذي [عن معاذ نحوه، وقال عليه السلام: "فما أدركتم فصلوا"، ولو لم يكن مدركاً]، لفضيلة الجماعة بذلك لم يكن لأمره بفعل ما لا يعتد له من الصلاة فائدة، ولما جاز له المتابعة؛ لكونها زيادة في الصلاة غير معتد بها عن قصد وذكر.
[و] لأنه قد أدرك في الجماعة ما يعتد له به، وهو النية، وتكبيرة الإحرام؛ فوجب أن يكون به مدركاً لفضيلة الجماعة؛ كما لو أدرك ركعة، وهذا ما حكاه العراقيون والمتولي عند الكلام في المسألة قبلها، وهو قياس قول القفال المروزي شيخ المراوزة وأستاذهم بجواز اقتداء مصلي الظهر خلف من يصلي على
الجنازة، ولا يتبعهم في التكبيرات، وأن فائدة الاقتداء: اكتساب فضيلة الجماعة، بل قد صرح بحكايته عنه القاضي الحسين في باب سجود السهو؛ حيث قال:
فرع: الإمام إذا قام على خامسة ساهياً؛ فجاء مسبوق واقتدى به، وهو عالم بحاله، قال القفال: تنعقد صلاته جماعة؛ لأن قيامه إلى الخامسة لم يخرجه من الصلاة؛ فانعقد تحريمه خلفه، إلا أنه لا يتابعه في شيء.
وهذا المذهب قد أشار إليه القاضي الحسين في موضع آخر ولم يحك سواه؛ حيث قال: هل يسن للمسبوق دعاء الاستفتاح؟ نظر: إن أدرك جزءاً من الصلاة مع الإمام فلا، وإن لم يدرك جزءاً من الصلاة مع الإمام، مثل: أن سلم لمَّا كبر للافتتاح-[فإنه] يأتي به؛ لأنه افتتاح، وفي الصورة الأولى إذا قام هو غير مفتتح للصلاة، فإن الجزء الذي أدركه من صلاة الإمام، وهو محسوب له في استحقاق الفضيلة والثواب، وفي هذه الصورة هو يفتتح الصلاة، وصرح به قبيل باب سجود الشكر؛ حيث قال: لو دخل جماعة المسجد، فوجدوا الإمام في القعدة الأخيرة- فالمستحب لهم أن يقتدوا به، ولا يتركوا الاقتداء به حتى يسلم فيصلوا الجماعة ثانياً؛ لأن تلك الفضيلة محققة، وها هنا موهومة.
لكنه قال في باب سجود الشكر، في الفرع الذي أسلفنا حكايته عنه: إن الذي قال به عامة أصحابنا: أن صلاته لا تنعقد جماعة، بل تنعقد منفرداً؛ ولذلك قال الفوراني، وتبعه الغزالي: فضيلة الجماعة لا تحصل، إلا إذا أدرك ركعة مع الإمام، ولو أدركه بعد الركوع الأخير، لا يكون مدركاً للجماعة؛ لأنه ليس محسوباً له من صلاته، والمختار الأول.
قال القاضي: والخلاف المذكور جار بين القفال، وعامة الأصحاب فيما إذا اقتدى من يصلي الفرض بمن يصلي على الجنازة؛ فعند عامة أصحابنا لا تنعقد صلاته بالجماعة، وعند القفال تنعقد، وكذا لو اقتدى به وهو في سجود التلاوة، فعلى هذا الاختلاف.
وهذا ما يدرك به أصل فضيلة [الجماعة]، أما ما يدرك به أكملها؛ فهو: إدراك تكبيرة الإحرام؛ لأنه [قد] ورد في فضلها أخبار، وقد اختلف
الأصحاب فيه على خمسة أوجه:
أحدها- وهو ما صححه الرافعي، ومجلي-: أن يشاهد تكبيرة الإحرام، ويشتغل عقيبها بعقد الصلاة؛ فإن أخر، لم يدركها.
والثاني: أن يشرع في الاقتداء به قبل شروعه في القراءة للفاتحة، حكاه القاضي الحسين.
والثالث: أن يدركها من أدرك قيام الركعة الأولى.
والرابع- وهو ما اختاره في "الكافي"-: أنه يدركها من أدرك الإمام في الركوع.
والخامس: يدركها من أدرك الركوع إن لم يشتغل بأمور الدنيا، واشتغل بأسباب الصلاة؛ مثل: الطهارة، ونحوها، وإن اشتغل بأمور الدنيا؛ فلا يكون مدركاً لها ما لم يدرك القيام.
قال في "البسيط": والوجه الثالث والرابع يختص بمن [لم] يحضر إحرام الإمام، أما إذا حضر وأخر فقد فاتته فضيلة التكبيرة وإن أدرك الركعة.
قال: وإن أدركه راكعاً- أي: ركوعاً محسوباً له- فقد أدرك الركعة؛ لخبر أبي داود السالف؛ ولأنه بإدراك الركوع يدرك [أكثر] الركعة؛ فجاز أن يقوم مقام إدراك جميعها.
قال في "الحاوي": وهو قول مجمع عليه.
وفيه نظر؛ لأن القاضي [حكى قبل الكلام في السلام في الصلاة أن الداركي] حكى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة- وهو من أصحابنا-: أنه إذا أدركه في الركوع يعيد الركعة، وهو مذهب أبي هريرة؛ لقوله عليه السلام: "من أدرك الإمام راكعاً فليركع معه، وليعد الركعة" وكذا الإمام حكاه عن رواية أبي عاصم العبادي، عن ابن خزيمة.
قال القاضي: والأول أصح.
[لكن هل نقول: إن الإمام يتحمل عن المأموم المسبوق الفاتحة، أم هي لم تجب عليه أصلاً، مع قولنا: إن الفاتحة تجب على المأموم غير المسبوق؟ فيه خلاف حكاه القاضي الحسين في باب صفة الصلاة عن الأصحاب، وأثره يظهر [من] بعد]، ولا فرق عليه بين أن يكون قد قصر ولم يكبر حتى ركع الإمام؛ فكبر، أو لم يقصر؛ قاله الإمام في موضعين:
أحدهما: في آخر [باب] اختلاف نية الإمام والمأموم، ورأيت في بعض شروح "المهذب": أنه إذا قصر في التكبير حتى ركع الإمام، لم يكن مدركاً للركعة.
وكذا لا فرق [فيه] بين أن يتم الإمام الركعة فيتمها معه، أو لا يتمها [الإمام]، بل يدركه في الركوع، ثم يحدث الإمام في السجود؛ لأنه أدركه في ركوع محسوب من الصلاة، وهذا بخلاف ما سنذكره في إدراك الجمعة، كذا رأيته في "تعليق" القاضي الحسين في باب الصلاة بالنجاسة، وفي "التهذيب" أيضاً.
والحكم فيما لو أدرك الإمام رافعاً، ولم يخرج عن حد الراكعين حتى وصل هو إليه؛ فاجتمعا في أول الركوع- كما إذا أدركه مستقراً في الركوع.
أما [لو لم ينته] المسبوق إلى حد الراكعين حتى جاوزه الإمام، لا يكون مدركاً للركعة، وأطلق القاضي الحسين القول في صفة الصلاة بأن [الإمام] لو كان في الهُوِيِّ، [والمأموم] في الارتفاع- لا يكون مدركاً لها، ولعله منزل على الحالة الثانية.
ولو شك هل أدركه قبل أن يجاوز أقل الركوع، أم لا؟ حكى الإمام فيه وجهين؛ أخذاً من تقابل الأصلين؛ فإن الأصل عدم الإدراك، والأصل بقاء الإمام في الركوع، والأظهر في "الرافعي": عدم الإدراك؛ لأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بالركوع على خلاف الحقيقة؛ فلا يصار إليه إلا عند تيقن الركوع.
ثم ظاهر كلام الأئمة: أنه لا يشترط مع إدراك الإمام في حد الراكعين أن يطمئن المأموم قبل خروج الإمام عند حد الراكعين، قال في "الرافعي": ورأيت في
"البيان" اشتراط ذلك صريحاً، وبه يشعر كلام كثير من النقلة، وهو الوجه.
قلت: وعليه ينطبق قول القاضي الحسين في صفة الصلاة: وإنما يدرك المسبوق الركعة إذا هوى إلى الركوع، واجتمع مع الإمام في الحالة التي لو أراد كل واحد منهما أن يضع يديه [على ركبتيه، لنالت] يداه ركبتيه.
أما إذا كان ركوع الإمام غير معتد به [للإمام؛ مثل:] أن يدركه في ركوع خامسة فعلها الإمام ساهياً، أو في ركوع عاد إليه الإمام عوضاً عن ركوع أتى به خالياً عن تسبيح، وظن أنه غير معتد به؛ لفقد التسبيح منه، أو في ركوع فعله الإمام، وقد نسي سجدة مثلاً من الركعة التي قبله، أو القراءة على الجديد، أو كان الإمام محدثاً- فإذا أدركه المسبوق فيه، لا يكون مدركاً للركعة؛ لأنه فيما يدركه تبع الإمام، وهو لا يحسب للإمام؛ فالمأموم الذي هو تابع أولى، وقد نص الشافعي على ذلك في الصورة الأولى، [كما] حكاه القاضي الحسين في كتاب الجمعة، وفي الثانية [حكاه] البندنيجي عن نصه في "الأم"، وباقي الصور في معناهما.
وفيه وجه: أن يكون مدركاً لها؛ حكاه الجماعة في كتاب الجمعة.
قلت: ويشبه [أن يكون] هذا قول من قال: إن الإمام لا يتحمل عن المسبوق، [بل] القراءة لا تجب عليه؛ كما أسلفناه.
وهو مفرع على القول بأنه إذا أدرك مع الإمام جميع الخامسة التي قام إليها ساهياً، والمأموم يظنها رابعة- أنها تحسب له؛ كما هو المنصوص.
أما إذا قلنا: لا تحسب له، فها هنا أولى، وهو الصحيح؛ كما ذكرنا.
قال الشيخ أبو علي: والخلاف في هذه المسألة- عندي- ينبني على القولين في جواز الجمعة خلف المحدث والمتنفل، ووجه الشبه: أن المقتدي في الجمعة يسقط فرضاً عن نفسه لو كان منفرداً [للزمه، وهو رد الأربع إلى ركعتين؛ كما أن المقتدي في الركوع يسقط فرضاً عن نفسه لو كان منفرداً]، وهو القيام، والقراءة في تلك الركعة.
وما ذكرناه في إدراك الخامسة بإدراكها مع الإمام- كما ذكرنا- مصور بما إذا جهل المأموم أنها خامسة الإمام، فلو علم ذلك، قال القاضي الحسين: فهل يصح إحرامه خلفه؟ فيه وجهان:
المذهب: أنه لا يصح.
فإذا قلنا: يصح، فلا يتابعه فيها، ولو تابعه، بطلت صلاته، والله أعلم.
قال: [فإن أدركه] في الركعة الأخيرة؛ فهي أول صلاته، وما [يأتي به]، أي: منفرداً- فهو آخر صلاته؛ لما روى أبو هريرة أنه عليه السلام قال: "إذا سمعتم الإقامة، فامشوا وعليكم السكينة والوقار؛ فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" أخرجه البخاري ومسلم.
وإتمام الشيء لا يكون إلا بعد أوله؛ ولأنه فعل صلاة [تلي] تكبيرة الإحرام؛ فوجب أن يكون أولها؛ كالإمام؛ ولأنا أجمعنا [مع الخصم] على أنه لو أدرك ركعة من المغرب، أتى بأخرى، وجلس للتشهد، وذلك يدل على أن ما أدركه مع الإمام أول صلاته.
فإن قيل: قد جاء: "وما فاتكم فاقضوا"، ولو كان ما يأتي به آخر صلاته، لم يكن قاضياً، ولأنه يتبعه في التشهد والقنوت، وليس ذلك من حكم أول صلاته.
قلت: القضاء [في الخبر] لا يمكن حمله على حقيقته الشرعية؛ لأنه عبارة عن فعل العبادة خارج وقتها، وإذا تعذر حمله على حقيقته، حملناه على أصل الفعل؛ كما في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200].
وأما كونه يتبعه في التشهد، والقنوت؛ فذاك لأن عليه إتباع إمامه؛ كما يتبعه فيما لا يعتد له به من السجود، ونحوه.
قال: يعيد فيه القنوت؛ [لأنه] إذا [ثبت أنه] آخر صلاته أعاد فيه القنوت؛ [لأن محل القنوت آخر الصلاة.
وفي قول الشيخ: "يعيد فيه القنوت"] إشارة إلى أنه يستحب له أن يقنت معه، وهو ما ذكر الماوردي في أثناء كلامه أنه وفاق منا، ومن الخصم، وكذا التشهد.
نعم حكى ابن الصباغ وغيره فيما إذا أدرك الإمام في التشهد الآخر أنه يجب عليه أن يجلس معه، وهل يتشهد معه، أو لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ليس موضع تشهده.
والثاني: نعم؛ لأنه إذا جاز أن يقعد في غير موضع قعوده؛ لمتابعة الإمام- جاز أن يتابعه في التشهد، إلا أن هذا التشهد لا يكون واجباً عليه؛ لأنه إنما يلزم المأموم متابعة الإمام في الأفعال الظاهرة دون الأذكار.
وجزم الماوردي بأنه يأتي به واجباً، قال: لأنه بالدخول في صلاة الإمام لزمه إتباعه، والتشهد مما يلزم إتباع الإمام فيه؛ كما يلزمه في الأفعال.
وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أوجه، ويظهر أن يقال: إن الوجهين الأولين يأتيان في القنوت في مسألتنا، وظني أني رأيت ذلك في "تعليق" القاضي الحسين، ويظهر أن يقال: لا، بل يأتي به ندباً وجهاً واحداً- كما أفهمه كلام الشيخ- والفرق: أن التشهد ركن في الصلاة، وفي الإتيان به تكرير ركن من غير ضرورة، ولا كذلك القنوت.
فإن قلت: [أنتم تغتفرون] الأركان الفعلية؛ لأجل متابعة الإمام، فالقولية أولى.
قلت: الضرورة ألجأت إلى المتابعة في الفعلية؛ لأجل نظم الصلاة، ولا ضرورة في القولية، [وبالجملة: فلا يبعد أن يكون في القنوت طريقان:
إحداهما: إجراء الوجهين في التشهد فيه، ومأخذهما ما سلف من أنه إذا قنت في الركعة الأولى، وهو منفرد، عامداً أو ساهياً؛ فهل تبطل صلاته عند العمد، ويسجد عند السهو؛ لأنه طول ركناً قصيراً؛ ولأنه نقل ذكراً مقصوداً من محله إلى غير محله؟
فإن قلنا بالأول؛ فها هنا لم يكن الرفع من الركوع في حق المأموم قصيراً لأجل وجوب المتابعة، ولو كان منفرداً لكان قصيراً في حقه؛ فيأتي بالقنوت، ولا يضره.
وإن قلنا بالثاني، فمحل قنوت المأموم ركعته الثانية، وفي قنوته مع الإمام نقل ركن مقصود في محله إلى غير محله، ولا ينبغي أن يأتي به مع استغنائه عنه،
وهذا يظهر أن يكون مأخذ الوجهين في التشهد أيضاً؛ فإن محل تشهد المسبوق ثانيته، لا أولاه، ومنه يظهر لك- لو قيل به- أن الوجهين في الجواز، لا في الاستحباب.
والطريقة الثانية: أن يقنت مع الإمام وجهاً واحداً؛ بناءً على أن المتفق على البطلان [فيه] عند العمد، وسجود السهو عند السهو: ما إذا طول الركن القصير بركن قولي: كالفاتحة والتشهد، وهل مأخذ ذلك أنه طول الركن القصير، أو أنه نقل ركناً من محله إلى غير محله، والقنوت مع الإمام لا يوجد فيه تطويل ركن قصير، ولا نقل ركن؛ فلذلك جاز وجهاً واحداً، وجاء في تشهده مع الإمام الوجهان.
والله أعلم.
فإن قيل: قد نص الشافعي على أنه إذا فات الرجل مع الإمام ركعتان من الظهر، قضاهما بأم القرآن وسورة، والسورة إنما تشرع في أول الصلاة.
قيل: في جوابه وجهان:
أحدهما- قاله أبو حامد في "جامعه"-: أن للشافعي قولين في أنه هل يقرأ السورة في الركعتين الأخيرتين من الظهر، أم لا؟
وهذا جواب على أنه يقرأ، وهو ما نص عليه [الشافعي] في ["الإملاء" و] "الأم".
والثاني: أنا وإن سلمنا أنه لا يقرأ السورة في الأخيرتين؛ كما نص عليه [في القديم، ونقله المزني في "المختصر"؛ فهذا [محله] إذا أدرك فضيلة السورة في الأوليين، إما منفرداً، أو مأموماً أدرك أول الصلاة، وهذا لم يدرك تلك الفضيلة؛ فيأتي بالسورة؛ ليحوز فضلها، ومثله ما نص عليه]: أنه إذا لم يتعوذ في الأولى، يتعوذ في الثانية، وهذا جواب أبي إسحاق، وأكثر الأصحاب.
قال ابن الصباغ: وهذا أصح عندي.
وكذا الإمام رجحه.
فإن قيل: يلزم على هذا أن يجهر فيما يأتي به إذا كانت صلاته عشاء؛ لأن الجهر سنة في الأوليين منها، ولم يدركه مع الإمام.