كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 413-452
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 413-452
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مالك؛ تحقيقاً للإفراد.
وعن بعض الأصحاب- وهو محمد بن خزيمة؛ كما قال الرافعي-: إن رجع في الأذان فالسنة أن يثني الإقامة، وإن لم يرجع فيه فإنه يفرد الإقامة؛ لما روي عن أبي محذورة أنه قال: "لقَّنني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات الأذان تسع عشرة كلمة، وكلمات الإقامة سبع عشرة كلمة"، وإنما تكون الإقامة سبع عشرة كلمة إذا وجدت مَثْنى مَثْنى؛ كذا قاله القاضي الحسين وغيره.
وقال المتولي: إن مراد هذا القائل: أنه إذا رجع في الأذان فسببه الأخذ بما تضمنه بعض الأخبار من الزيادة، وهذا الخبر اقتضى زيادة على غيره؛ فوجب الأخذ بها.
وقد ذكر البغوي: أن هذا الوجه قولٌ للشافعي؛ وبه يكمل في المسألة خمسة أقوال، وأصحها باتفاق الأصحاب: ما ذكره الشيخ؛ لما ذكرناه، وبه عمل أهل الحرمين والشام.
وقد أورد الشافعي على مالك سؤالاً لا جواب عنه، فقال: إن كنت تحقق الإفراد فاقتصر على التكبيرة الواحدة، ولا تعد إليها بعد كلمة الإقامة.
ثم هذا الاختلاف هل هو من الاختلاف المباح [أوْ لا؟ قال ابن سريج: إنه من الاختلاف المباح] وليس بعضه أولى من بعض.
قال الماوردي: وهذا قول مطَّرح بإجماع المتقدمين على أن الاختلاف في أولاه وأفضله، والله أعلم.

قال: ويستحب أن يرتِّل الأذان، ويُدْرِجَ الإقامة؛ لما روى أبو داود عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَا بِلَالُ، إذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فاحْذِمْ" وأخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب.
وروي: "وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ".
وعن عمر أنه قال لمؤذن بيت المقدس: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحْذِمْ.
قال أبو عبيدة: والرواية بالحاء، ومعناه: اقطع التطويل.
ولأن الأذان للغائبين؛ فكان الترسل فيه أبلغ، والإقامة للحاضرين؛ فكان الإدراك فيها أشبه.
وترسل الأذان: الإتيان به [مبيَّناً] حرفاً حرفاً على رسل: وهو إرسال النفس عند الإتيان بكل كلمة منه، واستثنى المتولي الإتيان بالتكبير، فقال: السنة أن تجمع كل تكبيرتين في صوت؛ لأن التكبير كلمة خفيفة؛ فلا يتعذر [جمع] تكبيرتين في صوت.
وإدراج الإقامة: الإسراع فيها مع بيان الحروف، وقال الروياني: هو أن يدرج كلمة في كلمة، ويجمع بينهما في نفس واحد.
وأصل الإدراج: الطَّيُّ، ومنه إدراج الميت في أكفانه.
وفي قوله: "ويدرج" لغتان: بضم الياء وفتحها، وثالثة حكاها الأزهري: بتشديد الراء.

ويكره التمطيط: وهو التمديد، وكذا التغني: وهو التطريب، وقيل: أن يرفع صوته حتى يجاوز المقدار.
قال القاضي الحسين: ويقرأ ولا يتغنى فيه، أي: لا يؤذن بحيث يشبه الغناء.
قال: وتكون الإقامة أخفض صوتاً من الأذان.
هذا وما بعده إلى قوله: "ويقول بعد الفراغ منه" معطوف على قوله: "ويستحب أن يرتِّل الأذان"؛ فيكون الكل مستحبّاً، وفي بعضه منازعة لبعض الأصحاب ستعرفها.
ووجه استحباب خفض صوته في الإقامة عن الأذان: أنها إعلام لمن حضر، والأذان إعلام لغائب فكان الأولى فيه رفع الصوت، وقد أفهم قوله: "وتكون الإقامة أخفض صوتاً من الأذان" مع ما قدمناه من تقرير كلامه أن رفع الصوت فيهما لابد منه، وهو كذلك إذا كان ذلك للجمع؛ كما صرح به في "المهذب" وغيره، فإن أسر به لم يعتد به.
وفيه وجه حكاه الرافعي وهو بعيد.
نعم، لو كان ذلك لنفسه بأن كان منفرداً لا يرجو حضور جماعة اعتد به، وعلى هذه الحالة حمل الأصحاب- كما حكاه أبو حامد- قوله في "الأم": "لو جهر بشيء منه، وخَافَتَ في بعضه، لم يكن عليه إعادة ما خافت به؛ فإنه لو كان يؤذن في مسجد الجماعات، وخافت في بعضه- كان مخيراً: إن شاء أعاد ما خافت به، وإن شاء استأنف".

قال الشيخ أبو حامد: ويحتمل أن يريد الشافعي: إذا خافت بشيء منه بحيث لا يخرجه ذلك عن حصول الإعلام به: كتكبيرة أوْ شهادة، ويكون الباقي كافياً.
ثم ما ذكرناه من الاعتداد بأذانه سرّاً إذا كان يؤذن لنفسه، [و] الإمام منازعٌ فيه؛ فإنه قال: إذا أذن في نفسه واقتصر على قدر قراءة القارئ في الصلاة السرية- لا يكون ما أتى به أذاناً ولا إقامة؛ وليرفع صوته بحيث ينتبه له من حضر أو على حدة وإن لم يحضر [أحد].
وعلى هذا فالمعتبر في القدر المجزئ في الأذان للجماعة من رفع الصوت ما يحصِّل مقصودَهُ، والمقصود بالأذان أمران: التنبيه على دخول الوقت، والدعاء إلى الجماعات، فليبلغ صوته كل من يقوم بالتبليغ ويحضر الجمع، أو يتصور حضوره في الأمر الوسط؛ فقد يحضر [في] الجمع طوائف تمتلئ بهم أرجاء المسجد، وقد لا يحضر إلا شرذمة تقوم بهم الجماعة؛ فالوجه اعتبار الوسط، وهؤلاء هم الذين عبر عنهم الأئمة بأن المؤذن يبلغ جيران المسجد.
وأما غاية رفع الصوت فقد أفهم كلام الشيخ أنه لا نهاية لها إلا الانتهاء إلى حد يلحقه الضرر به، وعليه نص في "الأم" فقال: "يرفع صوته به إلى أن يجهده ذلك، ويدل عليه ما ذكرناه من حديث أبي سعيد الخدري ورواية أبي هريرة أنه- عليه السلام- قال: "المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيَشهدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَهُ".
وفي قوله: "يغفر له مدى صوته" تأويلان: أحدهما: أنه يستغفر [مَنْ سمعه] فيغفر له بسببه.
والثاني: أنه إذا مد صوته جذب له الرحمة بقدر مد الأذان.

وقيل: المرعِيُّ في الرفع التوسط؛ لأنه روي عن عمر أنه قال لأبي محذورة حين بالغ في رفع صوته: "أَما خَشِيتَ أَن يَنْشَقَّ مُرَيْطَاؤُكَ"، وهو ما بين السرة والعانة.
قال: وأن يؤذن ويقيم على طهارة: أما الأذان؛ فلقوله- عليه السلام-: "لَا يُؤَذِّنُ إِلا مُتَوَضِّئٌ" رواه الترمذي، والأصح أنه موقوف على أبي هريرة؛ ولأنه ذِكْر، والذكر على الطهارة أفضل؛ ولأنه يستحب له إذا فرغ من الأذان أن يركع ركعتين.
وأما في الإقامة فبالقياس.
فلو أذن وأقام على غير طهارة، كره وأجزأ، والكراهة في الإقامة أشد؛ لأنه يوقع الناس فيه بسبب انصرافه للطهارة، والكراهة في الجنابة أشد؛ لطول أمد التخلف.
وعن "البحر": أنه يحرم الأذان على الجنب وإن كان يصح، والمذكور في "تلخيص الروياني" وغيره: تخصيص ذلك بما إذا كان الأذان في المسجد.
ثم كلام الشيخ يفهم على هذا كراهية أذان المتيمم وإن استباح بتيممه الصلاة؛ لأنه على [غير] طهر عند الشافعي، ولاشك في أن تيممه إذا كان يبيح له الصلاة

كان كالمتطهر بالماء، بل قد روي أن رجلاً سلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم فضرب يده على حائط وتيمم، ثم أجاب، فقيل: إنه كان جنباً.
وكأن التيمم في الإقامة وقع [موقع] وجود الماء، وفعل ذلك تعظيماً لرد السلام، وإن لم يفد التيمم إباحة محظور.
قال الإمام: وعلى مقتضى الحديث: لو تيمم المحدث، وقرأ القرآن عن ظَهر قَلْبٍ كان جائزاً.

وقد [أفهم قول الشيخ: يؤذن ويقيم على طهارة، أن الذي يؤذن هو الذي يقيم، وهو كذلك عند الأصحاب؛ لأن بلالاً غاب فأمر النبي صلى الله عليه وسلم زياد بن الحارث الصُّدَائَّي أن يؤذن للصبح الأذان الأول، فملا حضر بلال أراد أن يقيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَخَا صُدَاءَ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ".
فلو أذن جماعة واحداً بعد واحد، فالأول هو المستحق للإقامة إذا كان مؤذناً راتباً، ولو كان الذي أذن أولاً غير راتب ففي استحقاقه التقديم [في الإقامة] وجهان، وأبداهما الإمام احتمالين في المسألة، وأصحهما في "الوسيط": لا.
وإن كان أذان الجَمْع في وقت واحد، فالذي يقيم منهم واحد، فإن رضوا بواحد فذاك، وإن تنازعوا فالمحكَّم القرعة، وهذا إذا حصلت الكفاية بواحد، فلو لم تحصل إلا بالجمع أقاموا؛ كما في الأذان.
وقيل: لا بأس بأن يقيموا معاً وإن حصلت الكفاية بواحد، ما لم يؤد ذلك إلى التشويش، وهذا ما حكاه الروياني عن القفال.
وحيث قلنا: يستحق شخص التقدم في الإقامة، فأقام غيره، أو أقام من لم يؤذن- ففي الاعتداد بإقامته وجهان حكاهما المسعودي: المشهور منهما، وهو الذي أورده: الاعتداد، وأن ذلك لا بأس به؛ لأنه- عليه السلام- قال لعبد الله بن زيد حين قص عليه الرؤيا المتقدمة: "أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ؛ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتاً مِنْكَ"، فألقاه عليه، فأذن بلال؛ فقال عبد الله: أنا رأيت، وأنا كنت أريده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَأَقِمْ أنت".

ومقابله: أنه لا يعتد به؛ تخريجاً من قولنا: إنه لا يجوز أن يخطب واحد يوم الجمعة، ويصلي غيره.
قال: ويستقبل القبلة؛ لأن الذي رآه عبد الله بن زيد كان مستقبلاً حين أذن، وهو المنقول عن مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء.
قال ابن الصباغ: وهو إجماع المسلمين.
وهذا على سبيل الاستحباب؛ كما تقدم.
وعن [أبي] سهل الصعلوكي: تخريج وجه أنه شرط، وإليه مال الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر" موجهاً ذلك بأن: شرائط الشعار تتلقى من استمرار الخلق على قضية واحدة، وهي ما بنى الشافعي عليها مذهبه في إيجاب القيام في الخطبتين، والقعود بينهما [يوم الجمعة].
قال: فإذا بلغ الحيعلة؛ التفت يميناً وشمالاً، ولا يستدير، لما روي عن أبي جحيفة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أَدَمٍ، فخرج بلال وأذن، فلما بلغ "حي على الصلاة، حي على الفلاح" التفت يميناً وشمالاً ولم يستدر.

رواه أبو داود.
والمعنى في التفاته: إسماع من في الجهتين، وخالف الالتفات في الخطبة؛ لأن المخاطبين حضور فاستغنوا عن الالتفات.
وفي عدم استدارته مراعاة خبر المجالس، وقد يقرأ: ولا يستدبر، وهو تصحيف.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون أذانه على الأرض أو على موضع عال؛ لأن بلالاً حين التفت كان على الأرض.
وحكى الماوردي ذلك فيما إذا كان البلد صغيراً، وقال فميا إذا كان البلد واسعاً والعدد كبيراً كالبصرة: ففي جواز طوافه إذا أذن على المنارة في مجالها وجهان لأصحابنا، ووجه الجواز: ما فيه من زيادة الإبلاغ، والتسوية بين الجهات.
وإن علماء الأمصار أقروا المؤذنين عليه ولم ينكروه، لكن لا يطوف إلا في قوله: "حي على الصلاة، حي على الفلاح".
فإن قيل: ما المعنى في اختصاص الالتفات عند الحيعلة دون باقي الأذان؟ قيل: لأن بها يحصل الدعاء، وباقي الأذان ذكر؛ فكان استقبال القبلة به أولى.
ثم في كيفية ما يلتفت وجهان: أحدهما: أنه يلتفت على يمينه، ويقول: "حي على الصلاة"، ثم على يساره ويقول: "حي على الفلاح"، وكذا يفعل في الأخرى للتسوية في الدعاء، وهو ما اختاره القفال.
قال الروياني: وهو حسن إلا أنه انفرد به.
والثاني- وهو الذي عليه الأكثرون وبه العمل-: أنه يلتفت على يمينه، ويقول: "حي على الصلاة" مرتين، ثم على يساره ويقول: "حي على الفلاح" مرتين.
وعلى هذا ففي كيفية ما يفعل وجهان عن "البيان": أحدهما: أنه يلتفت يميناً ويقول "حي على الصلاة" مرتين، ثم يستقبل القبلة، ثم يلتفت [شمالاً، ويقول: "حي على الفلاح" مرتين.
والثاني: أنه يلتفت عن يمينه ويقول: "حي على الصلاة"، ثم يستقبل القبلة، ثم يلتفت] عن يمينه، ويقول: "حي على الصلاة"، وكذلك يفعل في الجانب الآخر بـ "حي على الفلاح".

ثم حد التفاته فيه حدُّ التفاته في التسليم آخر الصلاة.
ثم ظاهر كلام الشيخ: أنه يلتفت في الحيعلة في الأذان والإقامة، وهو المشهور، وعليه العمل.
وحكى الإمام: أن بعض المصنفين ذكر أن القفال [ذكر] مرة: أن الالتفات غير محبوب في الإقامة [قال:] وهذا غير صحيح.
وفي "التتمة"، و"الرافعي": أنه إن كان الجمع كثيراً؛ التفت يميناً وشمالاً فيها، وإلا فلا.
قال: وأن يؤذن على موضع عال؛ لما روى عروة [بن الزبير،] عن امرأة من بني النجار، قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر.
رواه أبو داود.
وقد روي أن الذي رآه عبد الله بن زيد- حين أذن- طلع على جِذْم حائط أو نَشَزٍ من الأرض.

ولأن المقصود منه الإبلاغ، وهو إذا فعل على موضع عال أبلغ؛ ولذلك بنى عثمان المنابر.
ومن هنا يؤخذ حكمان آخران: أحدهما: أن الإقامة لا تستحب على موضع عال؛ لفقد العلة، ويلزم من ذلك أن تكون مستحبة في غير موضع الأذان، وبذلك صرح الأصحاب.
والثاني: أنه يستحب أن يكون المؤذن قائماً؛ ولذلك لم يذكره الشيخ هنا؛ [وعلى هذا إذا أذن قاعداً كره وأجزأ،] واستدل له في "المهذب" بقوله- عليه السلام- لبلال: "قُمْ فَنَاد بالصَّلَاةِ".
وقد قيل: إن القيام شرط فيه؛ قاله أبو سهل الصعلوكي تخريجاً، وإليه مال الشيخ أبو محمد أيضاً؛ لأجل ما ذكرنا في فصل الاستقبال عنه وقال الإمام: الأصح القطع بأن القيام والاستقبال ليسا شرطين فيه، ومحل الخلاف إذا لم يكن عذر في ترك القيام، فإن كان ثم عذر جاز قاعداً [وجهاً] واحداً من غير كراهة، وكذا يجوز على الراحلة في السفر؛ كالنافلة.
وإذا قلنا: يجوز قاعداً عند عدم العذر، وهو ما حكاه القاضي الحسين- فهل يجوز مضطجعاً؟ فيه وجهان، كما في التنفل، وهل يجوز أن يؤذن ماشياً؟ قال الماوردي: ينظر: فإن كان قد انتهى في مشيته إلى حيث لا يسمع من كان في الموضع الذي ابتدأ الأذان فيه بعض أذانه لم يجزئه، وإلا أجزأه.
والإقامة كالأذان، ولا يستحب المشي فيها، بل يتمها وهو في موضع واحد، فإذا أتمها مضى إلى الصف الأول؛ لأن بلالاً كان يفعل ذلك.
قال: وأن يجعل- أي: المؤذن- أصبعيه في صماخي أذنيه؛ لما روى البخاري [ومسلم] عن أبي جحيفة قال: "رأيت بلالاً يؤذن، ويُتبع فاه ها هنا وها هنا، وأصبعيه

في أذنيه"؛ ولأنه أجمع لصوته، وبه يستدل الأصم على الأذان.
قال الروياني: ولا يستحب ذلك في الإقامة؛ لفقد المعنى المذكور.
قال: وأن يكون المؤذن حسن الصوت؛ لأن الدعاء من العادات إلى العبادات حدث على خلاف ما يقتضيه استرسال الطبائع؛ فينبغي أن يكون الداعي حلو المقال؛

ليرق القلب، ويميل إلى الاستجابة.
قال: وألا يقطع الأذان بكلام ولا غيره: كالسكوت الطويل، والنوم، ونحو ذلك؛ لأن تخلل ذلك في أثنائه يخرجه عن حد كمال الإعلام، فإن تكلم لمصلحة غيره: كما إذا رأى ضريراً يقع في بئر، ونحو ذلك، فحذره- لم يكره.
وعبارة الرافعي: أنه لابد من إنذاره، وهي أصح.
وإن تكلم لا لمصلحة كره.
وفي الحالين يستحب له أن يستأنف الأذان؛ لما ذكرناه، وإن بنى عليه جاز؛ نص عليه الشافعي، حيث قال: وأحب ألا يتكلم في أذانه، فإن تكلم لم يعد؛ لأن سلمان ابن صرد كان يتكلم بحاجة له في أذانه ويبني، وكان له صحبة.
ولأن الكلام في الخطبة لا يوجد استئنافها مع كونها فرضاً، فالأذان مع أنه سنة بذلك أولى.
وهكذا [الحكم] فيما لو نام أو أغمى عليه أو جن، طال زمن ذلك أو قصر؛ نص عليه.
والسكوت الطويل نص على أنه يستحب بعده الاستئناف، فإن لم يستأنف جاز.
وظاهره: أن السكوت القصير لا يستحب بسببه الاستئناف، وهو المشهور.
والفرق بينه وبين الكلام حيث لم يفرق في استحباب الاستئناف بين القليل والكثير: أن القليل من السكوت لابد منه، مثل النفس، والاستراحة، والكلام القليل مستغنى عنه.
وعن أبي علي الطبري: أن الكلام اليسير لا يستحب بعده الاستئناف كالسكوت.
والردة في أثنائه إن استمرت أوجبت الاستئناف، ولا يجوز لغيره البناء عليه، وإن زالت بالإسلام، فهل يجوز أن يبني عليه؟ وجهان، المذهب منهما في "تعليق البندنيجي" و"المهذب": البناء، وهو الأصح عند أبي الطيب والروياني؛ كما إذا جن، ثم أفاق.

وهذا مجموع ما وقفت عليه من كلام العراقيين والماوردي.
وقال المراوزة: الكلام اليسير لا يضر كيف كان.
والشيخ أبو محمد تردد فيما إذا رفع [به] صوته على حد الأذان؛ لأنه يحدث التباساً.
والكلام الكثير هل يقطعه حتى يجوز له البناء عليه أم لا؟ قولان، المنسوب منهما إلى القفال: عدم جواز البناء.
قال الروياني: وهو الأقيس، وقد اختاره كثير من أصحابنا.
ولم يذكر في "التتمة" و"الكافي" غيره.
والفرق بين الأذان والخطبة: أن كلمات الأذان متعينة فعد قاطعه معرضاً عنه، ولا كذلك الخطبة؛ فإن لفظها ليس بمتعين.
وبعضهم جعل القولين مرتبين على ما إذا سكت سكوتاً طويلاً، وهما أولى بالبطلان، وقال: إن القولين في عدم البناء عند السكوت الطويل مرتبان على القولين في الموالاة على الوضوء، وأولى بالبطلان؛ فإن مقصود الأذان الإعلام، وإذا بنى ألبس بخلاف الوضوء؛ هذا معنى قول الغزالي: إنه يكاد يفوت مقصود الإبلاغ.
قال الرافعي: وبعضهم بنى القولين في السكوت الطويل على القولين في جواز البناء على الصلاة عند سبق الحدث، وهي طريقة الفوراني، وقال: إنه إن قلنا: إنه يبنى في الصلاة فالأذان أولى، وإلا فقولان؛ لأن الأذان يتخلله ما ليس منه، بخلاف الصلاة.
قالوا: والقولان فيما إذا طال سكوته يجريان فيما إذا أغمي عليه، أو نام، وطال زمن [ذلك] ثم زال، وقالوا فيما إذا طرأت الردة في أثنائه، ثم زالت: إن الذي نص عليه عدم البناء، ونص في الاعتكاف على أنه إذا ارتد في أثنائه، ثم زالت: إن الذي نص عليه عدم البناء، ونص في الاعتكاف على أنه إذا ارتد في أثنائه، ثم أسلم، بنى على اعتكافه.
وإن من الأصحاب من نقل وخرج، فجعل في المسألتين قولين، ومنهم من قال: يجوز البناء، وحيث لم يجوزه أراد به إذا طال زمان الردة.
قالوا: ثم حيث قلنا: لا يجوز له أن يبني على ما سبق فغيره أولى، وحيث قلنا:

يجوز له البناء، فهل يجوز لغيره؟ قال القاضي الحسين والفوراني: فيه قولان مرتبان على بناء الغير على الخطبة، وأولى هنا بألا يبنى؛ لأن البناء في الخطبة لا يؤدي إلى التباس الأمر على الناس؛ لأن ذلك خطاب للحاضرين بخلاف الأذان؛ فإنه إذا بني عليه اختلفت الأصوات؛ فالتبس الأمر على الناس؛ فظنوه استهزاء.
وقال الرافعي: إن الخلاف يترتب على الخلاف في الاستخلاف في الصلاة، وأولى بالجواز هنا، والفرق: أن الصلاة تباين الكلام والإغماء، دون الأذان.
والعراقيون لما حكوا في البناء على الخطبة طريقين، وفي الاستخلاف قولين جزموا بعدم البناء هنا، وقالوا: إن لم نجوز البناء على [الخطبة] والاستخلاف في الصلاة، [فلا كلام.
وإن جوزنا البناء في الخطبة والاستخلاف في الصلاة]، فالفرق بين ما نحن فيه وبين الخطبة ما سلف، ولا فرق بين ما نحن فيه وبين الاستخلاف في الصلاة، لأن المستخلف في الصلاة متمم لصلاة نفسه [إن كان مأموماً، أو مبتدئ لصلاة نفسه] ومن وراءه متمم لنفسه، وليس بانياً على صلاة غيره.
فرع: إذا زاد في أذانه ذكراً، [قال في "الكافي"]: فهو كما لو تكلم في أذانه، فلو قال في أذانه بعد الحيعلتين، في الليلة ذات الريح والمطر: "ألا صلوا في الرحال"- لم يكن قادحاً فيه؛ لما سنذكره من الخبر الصحيح عن ابن عباس.
نعم، الأولى أن يقول ذلك بعد الفراغ من الأذان.
قال: وأن يكون من أقرباء مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: ويقدم أولادهم؛ إذا اجتمعت فيهم الشرائط؛ لأن الصحابة جعلوا الأذان في أولاد أبي محذورة وسعد القرظ، والمعنى فيه: سبق آبائهم فيه، وهذا ما حكاه الروياني عن نصه في القديم.
ومؤذنو رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة: بلال، وابن أم مكتوم وكانا بالمدينة- وأبو محذورة- وكان مؤذناً بمكة- وسعد القرظ وكان مؤذناً بقباء.
فإن عدم أقرباؤهم فأقرباء الصحابة.
ويستحب أن يكون القائم بهذا الشعار- ممن ينصبه الإمام- اثنين؛ اقتداء به عليه السلام، ومن فوائد ذلك: أن يؤذن أحدهما للصبح بعد نصف الليل، والآخر عند

طلوع الفجر، فإن اقتصر على مؤذن واحد جاز؛ لاقتصاره- عليه السلام- بمكة وقباء، ولو زاد على ذلك لحاجة جاز.
وقال أبو علي الطبري: لا يزاد على أربعة؛ لأن عثمان جعل المؤذنين أربعة؛ وهذا ما حكاه البندنيجي، ومعناه: أن الزيادة على الأربعة مكروهة، كما قال في "التتمة".
وقال أبو الطيب: الصحيح جواز الزيادة عليها، وهو ما حكاه الروياني عن نصه في القديم؛ وعلى هذا إن احتاج إلى زيادة على أربع جعلهم ستة، فإن احتاج إلى الزيادة على ذلك جعلهم ثمانية.
قال الماوردي: ليكونوا شفعاً ولا يكونوا وتراً، ثم يؤذنون واحداً بعد واحد، إلا أن يضيق الوقت فيؤذنون متفرقين في جوانب المسجد إن كان كبيراً في وقت واحد، ولا يؤذنون دفعة واحدة؛ كذا أطلقه البندنيجي وأبو الطيب.
وقال الماوردي: إن كان البلد كبيراً [أو] المسجد واسعاً، فلا بأس أن يجتمعوا في الأذان دفعة واحدة، كما في البصرة.
ولأ، اجتماع أصواتهم أبلغ في الإعلام.
وقال القاضي الحسين: إذا اتفقت أصواتهم جاز، وإن اختلفت أصواتهم لا يجوز.
وقد خص الغزالي استحباب نصب مؤذنين بالمسجد المطروق، والماوردي قيده بما إذا كان المسجد كبيراً.
قال: وأن يكون ثقة؛ لأنه يخبر عن دخول الوقت، ويطلع على الناس، وقد ذكرنا: أن هذا على وجه الاستحباب، [وهو يفهم أن الأذان يجوز ممن ليس بثقة، وإلا لم يكن لاستحباب] كونه ثقة معنى، ومن ليس بثقة يشمل أشخاصاً: منها الكافر ولا خلاف [في] أنه لا يعتد بأذانه.
قال الأصحاب: ويتصور كماله منه مع كفره [بما] إذا كان من العيسوية، وهم طائفة من اليهود يزعمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى العرب خاصة، وكذا إذا قلنا: إن نطقه بالشهادتين في التشهد لا يكون إسلاماً؛ حملاً على الحكاية، فإن مثله يجزئ في الأذان، وقد صرح به في "البيان" وإن كان الصحيح: أنه يكون مسلماً في المسألتين.
ثم عدم الاعتداد بأذانه ليس لأنه لا تقبل روايته؛ لأنا نعتقد بأذان الفاسق؛ كما صرح

به البندنيجي وغيره، وكذا بأذان الصبي [وإن قلنا: لا تقبل روايته، بل لأنه ليس من أهل الصلاة؛ فلا يكون أهلاً للدعاء إليها.
وقد قيل: إن مأخذه: منع قبول روايته، حتى قيل: إنه لا يعتد بأذان الصبي] [ويعتد بأذان المرأة لجماعة؛ لأنها من أهل الرواية دون الصبي]؛ كذا حكاه المتولي، وقضيته ألا يعتد بأذان الفاسق أيضاً، والصحيح الأول.
وأذان الصبي وإن اعتددنا بأذانه فهو مكروه، وعبارة الشافعي في "الأم": "وأحب ألا يؤذن [إلا] بعد البلوغ".
ومنها: الفاسق، وقد تقدم حكمه، ومن فسقه بالشرب إن لم ينته إلى حالة لا يميز فيها كالفاسق بغيره، وإن انتهى إلى حالة لا يميز فيها، ففي الاعتداد بأذانه قولان، كما في تصرفاته، والصحيح عدم الاعتداد به؛ كما أنه لا يعتد بأذان المجنون.
ومنها: الأعمى؛ لأنه غير موثوق به في الإطلاع على دخول الوقت.
وقد قال في "الأم": إذا كان له- أي: للمسجد- مؤذن بصير بالمواقيت، جاز أن يضم إليه أعمى، فإن كان البصير لا يعرف المواقيت فلا يجوز أن يكون أعمى.
وقال البندنيجي: إن أذن قبله بصير أو كان مع بصير يعرف المواقيت فلا كراهة في أذانه، وإلا كره وأجزأ، وعليه ينطبق قوله في "المهذب"، وهذا مفسر للنص.
قال: وأن يقول بعد الفراغ منه- أي: [بعد الفراغ] من الأذان-: "اللهم رب هذه الدعوة التامة .. " إلى آخرها.
روي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يسمع النداء: اللهُمَّ ربَّ هَذِهِ الدَّعْوةِ التَّامةِ والصَّلَاةِ القَائِمَة، آتِ مُحمَّداً الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقَامَاً مَحْمُوداً الَّذي وَعَدتَهُ- حَلَّتْ لَهُ شَفَاعتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، رواه البخاري، وسيأتي بيان

الوسيلة في الخبر.
والمقام المحمود: قيل: هو المقام الذي يشفع فيه؛ لأنه يحمده الأولون والآخرون، قال الله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء: 79] و"عسى" من الله للتحقيق.
قال الأصحاب: ويستحب أن يقول بعد أذان المغرب: "اللهم هذا إقبال [ليلك، وإدبار نهارك]، وأصوات دعاتك، فاغفر لي"؛ لأن البخاري رواه، وكذا يقول بعد أذان الصبح: "اللهم هذا إقبال نهارك، وإدبار ليلك، وأصوات دعاتك، فاغفر لي".
[وقد روى أنس أنه- عليه السلام- قال: "الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الأذانِ والإِقَامَةِ فَادْعُوا"].
ويستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لقوله- عليه السلام-: "إذا سمعتم المؤذن

فقولوا [مثل ما] يقول، وصلوا عليّ، فإن من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة؛ فإنها منزلة لا تنبغي إلا لعبد من عباده، وأرجو أن أكون أنا [هو]، فمن سأل [لي] الوسيلة، حلت له الشفاعة".
رواه مسلم.
قال: ويستحب لمن سمعه، أي: لمن سمع أذان المؤذن، أو صوت المؤذن من رجل أو امرأة أن يقول كما يقول- أي: من الأذان والذكر بعده- لقوله- عليه السلام-: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" متفق عليه.
وروى [أبو] عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً قال: يا رسول الله،

إن المؤذنين يفضلوننا، فقال: "قل كما [يقولون]، فإذا انتهيت فسل تعط".
قال: إلا في الحيعلة؛ فإنه يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"؛ لما روى النسائي عن معاوية أنه سمع المؤذن، فقال مثل قوله حتى بلغ "حي على الصلاة"، فقال معاوية: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، ثم قال: "حي على الفلاح"، فقال معاوية: لا حول ولا قوة إلا بالله"، ثم قال [مثل] قول المؤذن إلى آخر الأذان، فلما فرغ قال: "هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول".
قال الشافعي في "الأم": "وبحديث معاوية نأخذ؛ لأنه متصل".
ولأجل قول الشافعي ذلك، استدللت بهذا الخبر، وإلا فقد جاء في مسلم عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه- دخل الجنة".

ولأن الحيعلة دعاء، فلو قالها السامع، لكان الناس كلهم دعاة، فمن يبقى المجيب؛ فحسن أن يقول السامع: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، ومعناه: لا حول لي عن المعصية، ولا قوة لي على ما دعيت إليه إلا بك.
وقيل: معنى "لا حول": لا حيلة ولا حركة.
وقد أفهم كلام الشيخ أموراً: أحدها: أن يقول في التثويب- في الصحيح- كما يقول المؤذن؛ لأنه لم يستثنه، وهو لا يقوله، بل يقول مكانه: "صدقت وبررت"؛ لخبر ورد فيه.
وقيل: إنه يقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة خير من النوم، وحكاه الروياني والرافعي.
الثاني: أنه يقول عند الحيعلة: "لا حول ولا قوة إلا بالله" مرة واحدة أو أربع مرات، والمذكور في "تلخيص الروياني" أنه يقول ذلك مرتين: مرة عند قول المؤذن: "حي على الصلاة" ومرة عند قوله: "حي على الفلاح"؛ لأنه ظاهر السنة.
قال: ويحتمل خلاف ذلك.
الثالث: أنه لا فرق بين أن يسمع ذلك وهو قارئ، أو ذاكر، أو مصل فرضاً أو نفلاً، أو على غائط، أو بول، ولاشك في استحبابه [في] حالة التلاوة والذكر، وفي حالة التدريس من طريق الأولى، فيقطع ذلك، ثم يعود [إليه] بعد الإجابة.
وأما في الصلاة- كيف كانت- فقد حكى الإمام عن شيخه في استحباب

إجابته قولين: أحدهما: لا؛ لأنها تشغله عن صلاته.
والثاني: نعم؛ لأنها لو أخر، فقد يطرأ عائق في تداركها.
وحكى عن بعضهم أنه قال: لا يستحب ذلك قولاً واحداً، وهل يكره؟ فيه قولان؛ وهذه طريقة القاضي الحسين.
وقال الصيدلاني: ليست المسألة على قولين، بل يقطع بنفي الاستحباب، ولا يكره، ولا يستحب قولاً واحداً، بل هو مباح؛ وهذه طريقة القفال، كما قال الروياني.
قال الإمام: وهي الطريقة المرضية، والذي قاله أبو الطيب وغيره من العراقيين: أنه لا يستحب.
نعم، يستحب أن يقول ذلك بعد فراغه.
قال أبو إسحاق المروزي: وليس التأكد في ذلك مثل التأكد في حال ما يسمعه.
والإمام قربه من تدارك سجود التلاوة، وفيه ما سيأتي.
ولو خالف، وأتى به في الصلاة، قال الشافعي في "الأم": كانت صلاته صحيحة- إن شاء الله- لأنه ذكر لله.
قال الأصحاب: وهذا إذا أتى بالإجابة على النحو الذي ذكرناه غير الصبح، فلو قال مثل [قول] المؤذن في جميع أذانه بطلت صلاته، لأن لفظ "حي على الصلاة" و"حي على الفلاح" دعاء [إلى الصلاة] وليس بذكر، وهكذا لو قال في الصبح: "الصلاة خير من النوم"، أو "صدقت وبررت".
ثم هذا إذا كان عالماً بأنه في الصلاة، وأن ذلك مفسد، فإن كان ناسياً لم تبطل، وكذا إن كان جاهلاً عند الماوردي وابن الصباغ.
وحكى القاضي الحسين معه وجهاً آخر: أنها تبطل.
ولو سمعه وهو طائف، قاله في طوافه؛ لأن الكلام فيه سائغ؛ قاله الماوردي.
ولو سمعه وهو على غائط أو بول لا يقوله، فإذا قضى حاجته، وخرج من الخلاء قاله، حكاه في "الحاوي".

قال: ويقول في كلمة الإقامة: "أقامها الله وأدامها ما دامت السماوات والأرض" رواه أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الإمام: إنه يقول: "اللهم أقمها وأدمها، واجعلني من صالح أهلها" وقد قال في "التتمة": إن ذلك مروي- أيضاً- عنه عليه السلام.
ثم ظاهر كلام الشيخ أنه يقول في الإقامة مثل ما يقول المؤذن إلا في كلمة الإقامة؛ فإنه يقول ما ذكرناه، وهو المشهور.
وقال الإمام: إنه رأى في كلام صاحب "التقريب" رمزاً إلى أنه لا يجيب إلا في كلمة الإقامة فقط؛ وهذا فيه احتمال ظاهر.
[والظاهر] من قول الأصحاب الأول.
قال: ولا يجوز الأذان إلا مرتباً؛ لأنه- عليه السلام- علم أبا محذورة هذا الترتيب، وهو أمر لا يعقل معناه؛ فوجب أن يتبع فيه ما ورد.
[والمراوزة] وجهوه بأن عكسه يفوت مقصود الأذان، ولا يمكن العراقيين التوجيه به؛ لأن ذلك موجود في التفريق الكبير، ومذهبهم أنه لا يبطله.
وعلى المذهبين لو عكسه اعتد بأوله، وبنى عليه؛ نص عليه.
ثم مقتضى ما وجه به العراقيون ما نحن فيه ألا يعتد بالأذان بغير العربية، وهو ما

ذكره الماوردي، إذا كان المؤذن يحسن العربية، وكذا إذا كان لا يحسنها بالنسبة إلى غيره، وأما بالنسبة إلى نفسه فيعتد به.
قال: ولا يجوز قبل دخول الوقت؛ لأن مقصوده الإعلام به والدعاء إلى الصلاة، وكلاهما قبل الوقت غير ممكن.
قال: إلا الصبح فإنه يؤذن لها بعد نصف الليل.
الأصل في تقديم أذان الصبح على وقته قوله- عليه السلام-: "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، وكان رجلاً أعمى، لا يؤذن حتى يقال له: "أصبحت أصبحت" رواه البخاري.
وفي اختصاص ذلك بما بعد نصف الليل القياس على الدفع من مزدلفة، ولأنه أقرب إلى وقته، وخالف الصبح غيره من الأوقات في ذلك؛ لأنه يدخل والناس في أطيب نوم، ومنهم الجنب والمحدث؛ فاستحب تقديم الأذان فيه؛ ليتأهب الناس للصلاة، ويدركوا فضيلة أول الوقت؛ ولهذا اختص الأذان له بالتثويب أيضاً.
وقد قيل: إن وقته يدخل بخروج وقت الاختيار لصلاة العشاء؛ فإنه يجوز الأذان لكل صلاة في وقت اختيارها، فلو جاز الأذان قبل ذلك للصبح لالتبس بالأذان للعشاء.
وعلى هذه الطريقة يجيء في وقت الأذان للصبح قولان: أحدهما: بعد نصف الليل؛ كما ذكر الشيخ.
والثاني: بعد ثلثه، وهذه الطريقة حكاها الغزالي واستبعدها، وكذا القاضي الحسين، ثم قال: والصحيح: أنه يؤذن له في نحر السحر [كي لا] يؤدي إلى اشتباه الأمر على الناس.
وضبط المتولي ذلك بما بين الفجر الصادر والكاذب، واستشهد له- بعد جعله المذهب- بما روي أن سعد القرظ قال: "كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في

الشتاء لِسُبع بقي من الليل، وفي الصيف لنصف سبع".
وقيل: إن جميع الليل وقت لأذان الصبح، والتمييز بينه وبين أذان العشاء يقع بالتثويب، وهو بعيد؛ إذ قد لا يسمع الشخص التثويب.
ثم هذا كله تفريع على أنه يؤذن للصبح قبل وقته، وهو المذهب.
وقد قيل: إن كان في بلد عادتهم أن يؤذنوا بعد الفجر، لم يجز تقديمه على الوقت، وليس بشيء.
وقد أفهم قول الشيخ: "ولا يجوز الأذان قبل دخول الوقت ... " إلى آخره أمرين: أحدهما: إذا أذن قبل الفجر لا يؤذن بعده، وليس كذلك باتفاق الأصحاب، ويدل عليه ما تقدم.
نعم: إن أراد المؤذن أن يقتصر على أحد الأذانين، قال في "التتمة": اقتصر على الثاني.
الأمر الثاني: أنه يجوز الأذان لكل صلاة بعد دخول الوقت، لكنه لم يبين أنه يجوز إلى متى، وقد قدمنا أنه يجوز الأذان لكل صلاة ما دام وقت اختيارها باقياً، ومنه يظهر أن المغرب يؤذن لها في [أول] وقتها؛ إذ لا وقت اختيار لها على المذهب- كما تقدم- ولأجل اتساع وقت الأذان في غير المغرب، قال الأصحاب- كما حكاه الإمام وغيره-: وقته منوط بنظر المؤذن؛ فلا يحتاج فيه إلى مراجعة الإمام، بخلاف الإقامة؛ فإنها منوطة بنظر الإمام، فلا يقيم المؤذن [إلا] بإشارته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "المؤذن

أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة" والمعنى فيه: أن السنة: اتصال الصلاة بالإقامة، والصلاة إلى الإمام؛ فينبغي أن يكون عازماً على الشروع عند تمامها.
قال الإمام: فلو أقام المؤذن قبل إذن الإمام، ففي الاعتداد بإقامته تردد للأصحاب، ولم يصرحوا به، ولكنه بين في كلامهم.
واعلم أن في قول الأصحاب: "إن الأذان منوط بنظر المؤذن، والإقامة منوطة بنظر الإمام"- نظراً من وجهين: أحدهما: أن الترمذي روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: "يا بلال إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر".
وفي رواية: "فاحذف، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء الحاجة، ولا تقوموا حتى تروني".

قال القاضي الحسين: معناه: لا تقوموا بعد الإقامة إلى الصلاة حتى تروني قد قمت.
وهذا الخبر يدل على أن الإقامة موكولة إلى نظر المؤذن كالأذان.
وجواب هذا: أن هذا الخبر إسناده مجهول؛ قال أبو عيسى-: [إلا] قوله: "لا تقوموا حتى تروني" فإنه قد روي بإسناد صحيح.
والثاني: أن قولهم: " [إن] الأذان موكول إلى نظر المؤذن" إن عنوان به في دخول الوقت فصحيح، وإن عنوا به في وقته بعد تحقق دخول الوقت، بمعنى أنه إن رأى أن يؤذن في أول الوقت، أو في آخر وقت الاختيار، أو فيما بينهما، فله ذلك- فالمعنى الذي لأجله قالوا: إن أمر الإقامة موكول إلى الإمام موجود فيه؛ لأن الإقامة

تتبع الأذان، وهما يتقدمان الصلاة، وقد يرى الإمام إيقاع الصلاة في أول الوقت، ويرى المؤذن تأخير الأذان، والجمع بين المقصودين متعذر؛ فيتعين أن يكون المرجع إلى رأي الإمام فيه- أيضاً- على هذا التقدير.
وقد ذكرنا عن رواية البخاري عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يمكن أن يستدل به لكل من الأمرين؛ فليطلب منه.
ثم الخبر الذي ذكرناه يقتضي استحباب الفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يفرغ الآكل من أكله ونحوه، والأصحاب ضبطوه بقدر ما يتأهب الناس، ويحضر الإمام ويتنفل بالقدر المسنون، وهو في غير المغرب، [وأما المغرب]: فإن المؤذن يوالي بين الأذان [لها] والإقامة؛ لأنه لا تنفل قبلها؛ كذا قاله الماوردي.
قال: وتقيم المرأة للنساء استحباباً؛ لأن جابراً سئل: أتقيم المرأة؟ فقال: "تقيم"؛ ولأن مقصود الإقامة إعلام الحاضرين أو من قرب، وذلك يحصل من غير محذور، وهو رفع الصوت الذي [يخشى] منه الفتنة؛ وهذا ما نص عليه.
نعم: قال في "الأم": لو تركت ذلك، لم أكره لها من تركها ما أكرهه للرجل.
قال: ولا تؤذن، أي: لا يستحب لها أن تؤذن لهن؛ لما روي عن أنس وابن عمر أنهما قالا: "ليس على النساء أذان"، ولأن مقصوده إعلام المغيب، وإنما

يتحصل ذلك برفع الصوت، وفي رفعه توقع فتنة لمن سمعه من الرجال وإن قلنا: إنه ليس بعورة.
قال القاضي الحسين: ولهذا قلنا: لا يجوز للمرأة أن تجهر في صلاة الجهر، ولا أن ترفع صوتها بالتكبير، فلو خالفت وأذنت، كره وأجزأ؛ كذا قاله في "المهذب"، والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ في باب إقامة المرأة.
وقال ابن الصباغ- هنا-: إن الشافعي قال: إنه لا يكون مكروهاً.
وقال في رواية البويطي: يكون مجزئاً.
وقد حكى الإمام وراء ما ذكره الشيخ قولين: أحدهما: أنها لا تقيم كما لا تؤذن، وهو ما حكاه القاضي الحسين في باب إقامة المرأة.
والثاني: أنها تؤذن كما تقيم، و [لكن] لا ترفع به صوتها؛ فإنها ممنوعة من رفع الصوت منع تحريم.
وقد حكى عن المتولي: أن رفع صوتها به مكروه، وهو ما صرح به في "الشامل" في باب إقامة المرأة.
وقال في موضع آخر: إنه لم يفرق أصحابنا بين سماع الغناء من الرجل والمرأة وإن

كان سماعه من المرأة أشد كراهة.
وستكون لنا عودة إلى ذلك في باب ستر العورة.
أما الرجال فلا تقيم لهم ولا تؤذن؛ خشية الافتتان بصوتها.
وعبارة البندنيجي: أنه [لا] يجوز أن تؤذن للرجال، فلو خالفت وأذنت، قال في "المهذب": لم يعتد به كإقامتها لهم.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه يعتد بأذانها لهم؛ لأنه إعلام بدخول الوقت، وخبرها مقبول.
وفي أذان المرأة وإقامتها في حالة الانفراد- إذا قلنا: إن المنفرد يؤذن- الخلاف المذكور في [أذانها و] إقامتها لجماعة النساء.
قال: ومن فاتته صلوات، أي: وأراد قضاءها في وقتِ واحدة، وليس بوقت لحاضرة، أو جمع بين صلاتين، أي: في وقت الثانية، وبدأ بالأولى منهما- أذن وأقام للأولى وحدها، وأقام للتي بعدها في أصح الأقوال، ووجهه في الفوائت ما روى الترمذي عن ابن مسعود أن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.
فإن قيل: هذا الحديث مرسل؛ لأن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود رواه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لم يسمع من أبيه، وأنتم لا تقولون بغير مراسيل ابن المسيب.
قلنا: سنذكر خبراً مسنداً في معناه من رواية أبي قتادة وعمران بن الحصين يعضده.
ووجهه في الجمع ما رواه مسلم عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين.
وهذا هو القديم، وقد اختاره ابن المنذر،

وصححه أئمة العراقيين، كما قاله الروياني في "تلخيصه"، والشيخ اتبعهم، وكأنهم أخذوا ذلك من قول الشافعي: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، أو: "فاضربوا بمذهبي عرض الحائط"، وقد صح الخبر كما ذكرنا.
والقول الثاني: وهو المعزيُّ إلى الجديد، وعليه نص في "الأم" و"البويطي": أنه لا يستحب أن يؤذن للأولى، [ولا لما بعدها، ويقيم] لكل صلاة؛ لما روى عن أبي سعيد الخدري قال: حبسنا عن الصلاة يوم الخندق حتى كان بعد المغرب بِهَوِيٍّ من الليل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً، فأقام الظهر فصلاها، [ثم أقام العصر فصلاها]، ثم أقام المغرب فصلاها، ثم أقام العشاء فصلاها، ولم يؤذن لها مع الإقامة.
وروى ابن عمر أنه- عليه السلام- جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة، ولم يناد في واحدة منهما إلا بالإقامة.
رواه البخاري.

وهذا ما اختاره في "المرشد"، وقال الروياني: إنه الأظهر.
والقول الثالث- وهو ما نص عليه في "الأمالي"-: أنه إن رجا حضور جماعة أذن للأولى، وأقام [لما بعدها فقط]، وإلا أقام للكل من غير أذان؛ لأن مقصود الأذان- كما تقدم- الإعلام بدخول الوقت، والاجتماع للصلاة، ولا وقت يعلم به في الفوائت والجمع، وإذا رجا حضور جمع، أمكن حصول ما بقي من فائدة الأذان فيأتي به دون ما إذا لم يرج ذلك؛ ولهذا لما كان الناس مجتمعين بمزدلفة، لم يأمر- عليه السلام- بالأذان، وهذا ما اختاره أبو إسحاق المروزي، كما قال أبو الطيب.
قال القاضي الحسين والإمام: فالأذان على القول الأول لحق الصلاة، وعلى القول الثاني لحق الوقت، وعلى الثالث لحق الجماعة.
وإذا عرفت الأقوال، علمت أنه يقيم لكل صلاة بلا خلاف، وإما الخلاف في الأذان للصلاة الأولى فقط، وأنه [لا خلاف في أنه] لا يؤذن لما عداها إذا كان الأمر كما ذكرناه؛ وبذلك [كله] صرح الأصحاب.
وقد يوهم كلام الشيخ أن الخلاف في الإقامة لما عدا الصلاة الأولى، ودفع الوهم سهل على من علم أن قوله: "أذن وأقام للأولى وحدها، وأقام للتي بعدها"- حكاية لقول واحد فيما يفعله لأجل الصلاة الأولى والثانية.
ثم كلام الشيخ يقتضي أن الأقوال منصوصة فيما إذا كان عليه فوائت، وأراد فعلها في وقت واحد، وفيما إذا أراد الجمع بين الصلاتين في وقت الثانية كما ذكرناه، ولاشك أنها منصوصة فيما إذا كان عليه فائتة [واحدة]، وألحق الأصحاب بها ما عداها مما ذكرناه؛ ولذلك جعل القاضي أبو الطيب الخلاف في مسألة الجمع أوجهاً: ووجَّهَ الأصحاب منع الأذان للثانية منهما وإن كانت واقعة في وقتها بأنه لو أذن لانقطع الجمع وهو على رأي شرط، وعلى رأي سنة في نفس العبادة؛ فلا يفوت لأجل سنة خارجة عنها، وقال الإمامُ: هذا [عندي] فيه نظر، ويظهر أن يقول: فيؤذن

للصلاة قبل الظهر.
ثم ينقدح في ذلك وجهان: أحدهما: أن الصلاة مؤداة، وهذا وقت أدائها في السفر إذا أخرت.
والآخر: أنه يبعد أن يدخل وقت العصر ولا يؤذن له، ثم لا يمتنع أن يقال: يقع الأذان لصلاة العصر وتتقدم عليها صلاة الظهر، والإنسان يؤذن لصلاةٍ، ثم يأتي بعد الأذان بنوافل وتطوعات إلى أن تتفق الإقامة.
والوجه عندي: القطع بأنه يؤذن مثل صلاة الظهر ويقيم، ثم يقيم بعد الفراغ من صلاة الظهر ويفتتح صلاة العصر [، أي:] وإن قلنا: إنه لا يؤذن للفوائت.
قلت: ولأجل هذا قال بعض المتأخرين: وقد قيل: إنه يؤذن للأولى عند الجمع في وقت الثانية إذا بدأ بها كما صورنا، وإن قلنا: لا يؤذن للفائتة؛ لأنها في حكم الحاضرة؛ ولذلك ينوي الأداء، وقد رأيته مصرحاً به هكذا في "تعليق" القاضي الحسين و"التتمة".
أما إذا أراد قضاء الفوائت [في أوقات] متفرقة، [أو لم تكن عليه إلا فائتة واحدة كان في كل صلاة في الصورة الأولى] وفي أذانه في الصورة الثانية الأقوال الثلاثة، ويقيم بلا خلاف كما ذكرنا.
ويشهد للقول والتأذين في ذلك ما رواه أبو قتادة أنه- عليه السلام- قال لبلال لما ناموا بالوادي حتى طلعت الشمس: "قُمْ فأذِّنْ" متفق عليه.
ورواه عمران بن حصين- أيضاً- وقال فيه: "فأمر بلالاً فأذن، فصلينا ركعتين، ثم أمره فأقام، فصلينا".
متفق عليه.
ولو أراد قضاء الفائتة في وقت صلاة حاضرة: فإن أراد تقديم الصلاة الحاضرة أذن

لها بلا خلاف، ولا يؤذن للفائتة، قال القاضي الحسين والإمام: لأنها تابعة فعلاً، والوقت لها، ولو تبعت فائتة لم يؤذن لها، فهذه أولى.
وكلام الماوردي الذي سنذكره يقتضي أن الأقوال تجري فيه أيضاً.
وإن أراد تقديم الفائتة كان في حكم أذانه لها الأقوال، فإن قلنا: يؤذن لها؛ فأذن؛ فلا يؤذن للحاضرة، ولكن يقيم؛ لأنه- عليه السلام- لم يأمر بلالاً في يوم الخندق بأذان العشاء، وإن كانت مقامة في وقتها، بل بالإقامة.
وإن قلنا: لا يؤذن للفائتة، قال القاضي الحسين في "تعليقه": أذن لفرض الوقت، وهو الأصح، ولم يحك الإمام غيره، وفيه وجه: أنَّه لا يؤذن لفرض الوقت، قال الرافعي: وهو الأظهر.
ولو كان الجمع في وقت الثانية، وبدأ بالثانية- أذن لها، وأقام للأولى، ولم يؤذن، وقال الماوردي: إنَّه يؤذنُ للثانية ويقيم، وهل يؤذن للأولى؟ فيه الأقوال؛ لأنه قد أبطل الجمع بتقديمها؛ فصارت كالفائتة.
قلت: ويشبه أن يكون هذا تفريعاً على أن تقديم الأولى شرط إذا جمع في وقت الثانية؛ وقد حكى الإمام عن بعض المصنفين أنه قال: إذا قلنا: عن تقديم الأولى شرط في الجمع، فقدم الثانية كانت الصلاة الفائتة في حكم صلاة مقضية؛ فإنها أخرت عن وقتها الموظَّف لها شرعاً في ترتيب الجمع المثبت رخصة، قال: وهذا خطأ صريح؛ فإن صلاة العصر مؤداة في وقتها قطعاً، وما جرى من إخلال بالترتيب آيلٌ إلى صلاة الظهر؛ فإنها خرجت عن حكم الرخصة، وقد أساء فاعلها بتأخيرها، وحرم على نفسه رخصة الجمع.
ولو كان الجمع في وقت الأولى فإنه يؤذن [ويقيم للأولى،] ويقيم للثانية ولا يؤذن بلا خلاف كما فعله- عليه السلام- بعرفة على ما رواه مسلم.
قال الإمام: ولا يعهد أن يوالي بين أذانين إلا في صورة واحدة على خلاف فيها، وهي ما إذا قضى فائتة قبل الوقت وقلنا: يؤذن لها، فأذن، فلما فرغ منها دخل الوقت، فأراد أن يقيم الحاضرة- فإنه يؤذن لها.

قلت: وعلى طريقة الماوردي لا ينحصر في ذلك، وقد أغرب ابن كج فحكى عن أبي الحسين بن القطان أنه خرَّج وجهاً: أنه يؤذن لكل صلاة من صلاتي الجمع، قدَّمَ أو أخَّرَ.
قال: وإذا لم يوجد من يتطوع بالأذان، أي: الذي يحصل به الشعار- كما تقدم- رَزَقَ الإمام من يقوم به، أي: من مال المصالح، وهو خُمس الخمس، وكذا أربعة أخماس الفيء على قولٍ؛ لأن عثمان فعله، وهو من المصالح.
قال القاضي الحسين: وهذا لا خلاف فيه، وقد حكاه ابن المنذر عن نص الشافعي، رضي الله عنه.
والمستحب للمؤذن: ألا يأخذ ذلك؛ لما روي عن عثمان بن أبي العاص قال: آخر ما عهد إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنَاً لَا يَاخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْراً".
قال: فإن استأجر عليه، جاز، لأنه عمل معلوم؛ فجاز الاستئجار عليه [وإن كان قربة] ككتابة المصحف، ولأنه إعلام بدخول الوقت؛ فجاز الاستئجار عليه [كالإعلام بغير الأذان]، وهذا ما حكاه أبو الطيب والمتولي عن أكثر الأصحاب، ولم يحك القاضي الحسين غيره، وكذا أبو علي في "المحرر"؛ على ما قاله أبو الطيب.

وقيل: لا يجوز؛ لأنه قيام بعبادة بدنية؛ فلم يجز بذل الأجرة في مقابله؛ كالاستئجار لقراءة القرآن، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد والقفال، وحكاه ابن المنذر عن النص؛ على ما حكاه ابن الصَّبَّاغ، وقال أبو الطيب: إنَّه ليس بشيء.
أما إذا وجد من يتطوع به؛ فلا يجوز الرزق عليه، والاستئجار أولى.
نعم، لو كان المتطوع فاسقاً أو حرش الصوت، جاز أن يرزق أميناً أو حسن الصوت، على وجه حكاه المتولي وغيره.
واختار أبو محمد منعه.
ومنهم من جزم بجواز الرزق عند تطوع الفاسق، وحكى الخلاف في الصورة الأخرى، وكلام ابن الصباغ يميل إلى ذلك.
وقد شبَّه المتولي الخلاف المذكور بالخلاف فيما إذا وجد [الأب] من يرضع ولده بغير أجرة، وامتنعت الأم إلا بأجرة.
والقاضي الحُسَيْنُ قال: إنَّ الخلاف المذكور هنا مَبْنِيٌّ على القولين ثَمَّ.
ولو كان في البلد مساجد، وأمكن جمع أهله في مسجد واحد، فهل يجوز أن يرزق مؤذن كلِّ مسجد كما لو كان الشعار لا يحصل إلا بذلك ولا يمكن الجمع، أو لا يرزق إلا واحداً؛ كما لو كان في المسجد مؤذنان يمكن إقامة شعاره بأحدهما؟ فيه وجهان في "التهذيب" و"التتمة" وغيرهما.
وحكى الإمام عن بعض المصنفين: أنه حكى عن ابن سريج أنه كان يُجَوِّزُ للإمام أن يرزق أكثر من واحد.
ثم إذا جوزنا للإمام الاستئجار عليه، فهل يجوز لآحاد الناس ذلك؟ فيه وجهان: ادعى الإمام هنا أن المذهب منهما التصحيح، واختار في "المرشد" مقابله.
ويجيء من مجموع ذلك فيهما ثلاثة أوجه، ثالثها: يجوز للإمام دون الآحاد، وبها صرح الإمام في باب الجعالة من كتاب النكاح، وصحح الجواز مطلقاً، والغزالي حكاها في الإجارة.

وإذا جوزنا للإمام وغيره تبعت الإقامة، وفيما مقابله الأجرة أوجه ذكرناها في كتاب الإجارة.
قال البغوي وغيره: ولا يحتاج الإمام إذا استأجر من مال بيت المال إلى تعيين المدة، بل يقول: استأجرتك؛ لتؤذن في هذا المسجد كل شهر بكذا.
وإن استأجره من مال نفسه أو آحاد الرعية، ففي الاحتياج إلى بيان المدة وجهان في "التهذيب".


باب ستر العورة

الستر- بفتح السين-: مصدر: ستر يستر، والسترة-[بضم السين]: ما يستتر به، والستر- بكسر السين-: واحد [الستور] والأستار.
والعورة في اللغة: النقص والخلل، وكل ما يستحيا منه؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: 13] ومنه سمي الناقص [إحدى] العينين: أعور، والكلمة القبيحة عورة.
والمراد بها في الباب: كل ما يجب ستره من البدن في الصلاة، وسنودعه ما يجب ستره عن أعين الناظرين.
قال: ويجب ستر العورة، أي: من الذكور والإناث والخَنَاثَى، عن العيون، أي: في الصلاة وغيرها؛ لما روى أبو داود والدارقطني عن علي- كرم الله وجهه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تكْشِفْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِدِ حَيٍّ ولَا مَيِّتٍ"، وفي رواية: "لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ".
والفخذ من العورة- كما ستعرفه- وإذا وجب ستره،

فغيره أولى؛ لأنه أفحش.
وقد روى [مسلم] عن المسور بن مخرمة قال: أقبلت بحجر أحمله ثقيل، وعليَّ إزار خفيف، فانحدر إزاري، ومنعني الحجر، فلم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ وَلاَ تَمْشُوا عُرَاةً".
والمراد بالعيون: عيون الجنس والإنس والملائكة؛ لقوله من بعدُ: وهو شرط في صحة الصلاة، والشرط فيها الستر عن الكل، حتى لو كان في خلوة لم تصح بدونه اتفاقاً.
وقد قيل: لا يجب الستر في الخلوة في غير الصلاة، وبه قال الشيخ أبو محمد؛ إذ يجوز التكشف بسبب استحداد وقضاء حاجة من [غير] إرهاق وضرورة، ومعه لا معنى لإيجاب الستر في الخلوة، وهذا ما حكاه ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب عند الكلام في اشتراط ذلك في الصلاة.
وقال الجيلي: إنه أصح في بعض الكتب.
والأصح في أكثرها- ومنها: "المهذب" و"الرافعي"- الأول، وهو اختيار الشيخ أبي علي، وقال الماوردي والبندنيجي والروياني: إنه مذهب الشافعي؛ لظاهر الخبر، وقد روى الترمذي: أنه- عليه السلام- سئل عن ذلك فقال: "واللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيا مِنْهُ".

ثم الستر يجب من الجوانب كلها، وهل يجب من العلو [والسفل؟ فيه كلام يأتي.
ولا يجب ستر عورته عن نفسه، بل نظره إليها مكروه]، وإن كان لفظ "العيون" يشمله.
قال: بما لا يصف البشرة؛ إذ به يحصل الستر، ويدل عليه من السنة: ما روي عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: دخلت أختي أسماء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رِقَاقٌ؛ فأعرض عنها، وقال: "يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ المَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلا هَذَا.
وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ".
وفي "البحر": أن بعض أصحابنا قال: يجوز الصلاة في الثوب الواصف للون.
قال: وكذا ذكره القفال زماناً، وألزم عليه فساد صلاة العريان في الماء الصافي؛ فرجع عنه.
وقد أفهم قول الشيخ: بما لا يصف البشرة، أموراً: أحدها: أنه لا يتعين للقيام بواجب الستر شيءٌ مخصوص مما يقع به ستر البشرة، بل يكفي فيه الجنس الذي يلبس عادة: كالمتخذ من الكتان، والقطن، والصوف، والشعر، والوبر.
أو غير عادة: كالمتخذ من الجلود، والرقوق، والورق المصنوع والمخلوف، والليف، ونحو ذلك.
وما لا يلبس أصلاً: كالماء الكدر، والطين،

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل