كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
...............................................................................
....................................................................................
وهذا ما ذكره الأصحاب هاهنا، وقد قال القاضي أبو الطيب في "كتاب النذور" عند الكلام فيما لو نذر أن يصلي ركعتين في الكفر: إنه لو أخفى صلاة النافلة في المسجد كان أفضل من صلاتها في البيت؛ لأن القصد من صلاتها في البيت: الإخفاء، وهل الأفضل في الصلاة المنذورة فعلها في المسجد أو في البيت؟ فيه وجهان في "التتمة" في باب النذر.
واعلم أن الضمير في قوله: "وفعله في البيت ... " إلى آخره، يعود إلى التطوع في الليل والنهار، وهو يفهم أن الرواتب ليست كذلك، بل فعلها في المسجد أفضل، ويدل عليه قول القاضي أبي الطيب في باب صلاة العيد: إن الشخص إذا دخل المسجد، والإمام يخطب للعيد، وقلنا: إنه يقدم تحية المسجد-فإذا فرغ الإمام من الخطبة صلى العيد في المسجد؛ لأن المساجد أفضل البقاع، نعم لو كان دخوله، والإمام في الخطبة إلى المصلي، فإنه يجلس؛ فإذا فرغ الإمام من الخطبة- تخير بين أن يصلي العيد في بيته، أو في المصلى.
وكلام غيره يفهم أن الرواتب في ذلك كالنفل.
قال: والأفضل أن يسلم من كل ركعتين؛ لأنه -عليه السلام- سئل كيف صلاة الليل؟ فقال: "مثنى مثنى" أخرجه مسلم.
ولأبي داود: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى".
قال: "فإن جمع ركعات بتسليمة واحدة، أو تطوع بركعة واحدة- جاز"؛ لقوله-عليه السلام-: "الصلاة خير موضوع؛ فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر".
وقد روى أبو داود، عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع قبل الظهر، لا يسلم فيهن، يفتح لهن أبواب السماء".
وحديث عائشة السالف دال على جمع أكثر من ذلك، وقد ثبت جواز إفراد ركعة في الوتر وغيرها بالقياس عليها، وقد روي عن ابن عمر أنه صلى ركعة، ثم خرج من المسجد؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: هو تطوع؛ فمن شاء زاد، ومن شاء نقص.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد نوى ركعات، أو ركعة من أول الصلاة، أو أطلق نية الصلاة ثم اقتصر على ركعات أو ركعة؛ على المذهب المشهور.
وعن المسعودي: أنه يجوز أن يجمع بين ثلاث عشرة ركعة بتسليمة واحدة، وهل يجوز أن يزيد؟ فيه وجهان.
وفي "الذخائر" أن أبا الفتح سليم قال في "تقريبه": لو نوى عدداً من النوافل لا تجوز الزيادة عليه، ولم يحك سواه، ويجوز عند عقده الصلاة بركعة أن يبلغها ما شاء، لكن بشرط أن ينوي ذلك قبل الزيادة؛ فلو قام عامداً، ولم يقصد الزيادة بطلت، ولو كان ساهياً سجد للسهو.
نعم، لو أراد في هذا القيام أن يزيد على ما نواه فينبغي أن يجلس، ثم يقوم من جلوس قاصداً للزيادة.
وقيل: لا يرجع ويتمادى، وسيأتي الكلام فيه في باب: سجود السهو.
وكذا يجوز أن ينوي عدداً، ثم يقتصر منه على بعضه؛ بشرط أن ينوي الاقتصار قبل السلام؛ فإن سلم ولم يقصد التحلل: فإن كان سهواً سجد للسهو، وإن كان عمداص فقد حمله الأئمة على الكلام عمداً.
وفي "الزوائد": أن الطبري ذكر في "عدته" أنه إذا أحرم بست ركعات، أو ثمان، وسلم من اثنتين عامداً-بطلت صلاته؛ على أحد الوجهين، وإن سلم ناسياً أتمها، وسجد للسهو؛ على أحد الوجهين، ذكره شيخنا.
[ثم ما ذكرناه] من جواز الزيادة والنقص في النفل المطلق، أما الراتب فقد قال الإمام: إنه لو زاد في ركعة الفجر ثالثة بطلت؛ لمخالفته وضع الشرع.
قال: ويجوز أن يقال: تنقلب تطوعاً، أو تبطل؛ فعلى خلاف سبق في مواضع.
فرع: إذا جمع ركعات بتسليمة واحدة، وتشهد واحد- جاز، بل حكى صاحب "البيان" وجهاً: أنه لا يجوز إلا ذلك، ولا تفريع عليه.
قال القاضي الحسين: وحينئذ يسن له أن يقرأ السورة في كل ركعة، سواء كان المنوي أربع ركعات أو ستاً؛ لأن كل قومة شرعت فيها الفاتحة لا يتقدمها جلوس تشهد، يسن فيها السورة، ولو أراد أن يأتي بتشهدين:
فإن كان المنوي أربع ركعات أتى بالأول بعد الركعتين، والثاني آخر صلاته؛ فلو ترك الأول سهواً، قال الإمام: لم يسجد للسهو؛ لأن بعضية هذا التشهد لا تظهر في النفل؛ فكذلك لو تركه قصداص بعد ما نواه، وإن كان المذهب أن تارك التشهد الأوسط من الفريضة قصداً يسجد.
وفي هذه الحاية قرأ السورة في الركعتين الأوليين، وهل يقرؤها في الأخيرتين؟ قال في "التتمة": فيه وجهان؛ بناء على القولين في الركعتين الأخيرتين من الفرائض.
وإن كانت الصلاة المنوية ست ركعات أتى بالأول بعد الرابعة، والآخر آخر صلاته؛ لأن التشهد الأخير لا يجوز أن يسبقه أكثر من ركعتين.
ولو صلى سبعاً جعل الأول في السادسة، والآخر في السابعة.
ولو تشهد في الصور كلها في الركعة الثانية بطلت صلاته، قاله القاضي الحسين، وفيه ما ستعرفه.
ولو أراد أن يأتي بأكثر من تشهدين، قال القاضي: فلا يجوز، وهذا ما حكاه في "التتمة"، وقال في "الفتاوي": إنها تبطل عند القيام إلى الركعة الخامسة، والعراقيون قالوا: يجوز ذلك، ويتشهد بين كل ركعتين، وهو الأولى، وقد أبداه البغوي في "فتاوي" القاضي الحسين احتمالاً، والذي حكاه الإمام أنه لو أراد أن يجلس على أثر كل ركعتين، وقد نوى عشر ركعات، وأطلق- جاز.
ولو أراد أن يجلس على أثر كل ركعة؛ فهذا فيه احتمال من جهة أنا لا نلقي صلاة على هذه الهيئة في الفرائض، وقد أقام مجلي هذا وجهاً في المسألة، وحكاه عن الأصحاب، ثم قال الإمام: والأظهر-عندي-جواز ذلك؛ فإن له أن يصلي ركعة فردة متطوعاً، وينحل عنها؛ فإذا جاز ذلك جاز له القيام عنها وزيادة ركعة أخرى عليها، وعلى هذا لو كان يصلي ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة، وكان يقعد للتشهد في كل ثلاث ركعات-جاز.
قال: ويسن لمن دخل المسجلد، أي: ولم يجلس-أن يصلي ركعتين تحية المسجد؛ لما روى أبو داود، عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليصل سجدتين قبل أن يجلس" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وهذا إذا كان متطهراً؛ فإن كان محدثاً-فليقل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]؛ فإنه قائم مقام الركعتين.
ثم ظاهر الخبر: أنه لو دخل، وصلى فيه فرض الوقت، أو سنة، أو قضاء
حصلت التحية وإن لم ينوها، وبه صرح الأصحاب، وقالوا: لو نوى الفرض والتحية لم يضره.
وقال الرافعي: ينبغي فيما إذا نوى الفريضة، ولم ينو التحية- أن يكون في حصولالتحية الخلاف السالف فيما إذا نوى غسل الجنابة: هل يجزئه عن العيد والجمعة إذا لم ينوهما؟
وكذا مفهوم الخبر: أنه لو صلى ركعة واحدة لا تتأدى التحية؛ إذ السجدة يعبر بها عن الركعة، ومن طريق الأولى عدم تأديها بصلاة الجنازة وسجود التلاوة، وقد قال القاضي الحسين: إن صلاة الجنازة هل تتأدى بها تحية المسجد أم لا؟ يحتمل وجهين؛ فإن قلنا: يجوز، تأدت بركعة واحدة من طريق الأولى، وألا فوجهان، قال: ويمكن بناء الخلاف فيها على ما إذا نذر صلاة هل يخرج بها عن موجب نذره أم لا؟
ووجه الشبه: أنه بدخول المسجد ألزم سنة التحية؛ كما أنه بالنذر ألزم فعل المنذور.
قال: وأما سجود التلاوة وسجود الشكر فيترتب على صلاة الجنازة، وأولى بعدم التأدية؛ لأن صلاة الجنازة تسمى صلاة عرفاً، ولا كذلك سجود التلاوة والشكر.
أما إذا جلس قبل الصلاة، فإن طال جلوسه فلا خلاف -عندنا- أنه يسقط.
وإن قصر، قال في "الروضة": فالذي قال أصحابنا: أنها تفوت -أيضاً– فلا يفعلها.
وذكر الإمام أبو الفضل بن عبدان في كتابه المصنف في العبادات: أنه لو نسي التحيةوجلس، فذكر بعد ساعة-صلاها، وهذا غريب.
وفي صحيح البخاري، ومسلم- في حديث الداخل يوم الجمعة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب-ما يؤيده.
قال: إلا أن يدخل، وقد حضرت الجماعة، أي: ويخشى إن تشاغل بها فاتته فضيلة تكبيرة الإحرام؛ كما نبه عليه القاضي أبو الطيب غيره في كتاب
الجمعة- فالفريضة أولى؛ لقوله -عليه السلام-: "إذا أقيمت الصلاةفلا صلاة إلا المكتوبة" أخرجه مسلم.
فرع: مصلى العيد أطلق الأصحاب في باب صلاة العيد [القول] بأنه لا تحية لها، موجهين ذلك بأن التحية للمسجد، وليست مصلى العيد مسجداً.
وقد حكى النواوي، عن الدارمي في تحريم عبور مصلى العيد على الحائض وجهين، وأنه أجراهما في منع الكافر منه بغير إذن.
قلت: وقضية ذلك أن يجريا في تحية المسجد أيضاً، والمذهب أن هذه الأحكام لا تثبت فيها أيضاً.
قال: ويجوز فعل النوافل قاعداً، أي: مع القدرة على القيام؛ لقوله -عليه السلام-: "من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله [نصف أجر] القائم، [ومن صلى نائماً فله نصف القاعد"] أخرجه البخاري، ولفظ مسلم:
"صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة"، وعن عائشة قالت: "لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان كثير من صلاته وهو جالس"، وبنحوه عن عبد الله بن عمرو وجابر، أخرجهما مسلم.
وقد أفهم كلام الشيخ أنها لا تجوز مضطجعاً ولا بالإيماء، وهو أحد الوجهين في "تعليق" القاضي الحسين وغيره؛ لأن القعود ثبت رخصةً في النافلة مع الإتيان بكمال الأركان، [فإذا أراد أن يسقط جميع الأركان]؛ قياساً على القيام فقط- لم يجز، وهو أظهر في "الرافعي" في الصلاة بالإيماء، ومقابله منسوب في "النهاية" إلى الصيدلاني، ولم يحك الماوردي هاهنا غيره، وهو الأصح في "الرافعي"؛ إذا أتى بالركوع والسجود مع الاضطجاع، [وحكى عن الإمام أنه قال: ما عندي أن من] [يجوز الاضطجاع] يجوز الاقتصار على الأركان الذكرية –كالتشهد- وغيرها على ذكر القلب، وبهذا يضعف هذا الوجه من أصله، وإن التزمه من صار إليه كان طارداً للقياس، لكنه يكون خارجاً عن الضبط مقتحماً.
قال الرافعي: ولمن جوز الاضطجاع أن يقول: ما روينا من الخبر صريح في جواز الاضطجاع، فلتحريم المضطجع، وإن جوزنا له الاقتصار على الإيماء [في
الركوع والسجود فلا يلزم من جواز الاقتصار على الإيماء] في الأفعال جواز الاقتصار على ذكر القلب في الأذكار، [وبهذا يضعف هذا الوجه من أصله]؛ فإن الأفعال أشق من الأذكار؛ فهي أولى بالمسامحة، وقد أشار الإمام في موضع آخر إلى أن الخلاف في جوازها بالإيماء فقط يلتفت على إقامة النافلة على الراحلة في الحضر، ثم كيفية القعود مبينة في باب صلاة المريض.
قال الرافعي: ولا فرق في النوافل [فيما ذكرناه] بين الرواتب وغيرها.
وقال ابن كج: صلاة العيدين، والكسوف، والاستسقاء لا يجوز فعلها [عن قعود]؛ كصلاة الجنازة.
والصلاة المنذورة هل يجوز فعلها قاعداً مع القدرة [على القيام]؟ فيه خلاف مبني على أنها كواجب الشرع أو جائزه؟ نعم، لو نذر أنا يصلي أربع ركعات قائماً لزمه، ولو نذر أن يصلي النوافل قائماً هل ينعقد نذره؟ قال الصيدلاني: لا ينعقد؛ لأن فيه تغيير رخصة أثبتها الشرع.
قال الإمام: وهو حسن.
وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن الأصحاب، ثم قال: وعندي أنه ينعقد؛ لأن القيام في النوافل زيادة طاعة، وإن رخص في تركه مع القدرة؛ كما لو نذر أن يقرأ سورة البقرة في صلاة الفرض، ينعقد نذره؛ لما في إطالة القراءة من القربة.
فرعان نختم بهما الباب:
يستحب لمن توضأ أن يصلي ركعتين بعده، وكذا يستحب لمن أذن؛ لقوله -عليه السلام-: "يا بلال بما سبقتني إلى الجنة؛ فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي؟ فقال: ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث إلا
توضأت عنده، ورأيت أن لله علي ركعتين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
يستحب أن يصلي بين المغرب والعشاء عشرين ركعة؛ لأنه -عليه السلام- كان يصليها، ويقول: "هذه صلاة الأوابين؛ فمن صلاها غفر له" وكان الصالحون يصلونها ويسمونها: صلاة الغفلة، قاله الماوردي.
والله تعالى أعلم.
باب سجود التلاوة
تلاوة القرآن مندوب إليها، ومحثوث عليها؛ لأن الذكر مطلوب، وتاركه مذموم، قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب: 41، 42] وقال -تعالى- ذماً للمنافقين: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: 142] والقرآن من أفضل الذكر؛ فهو بذلك أولى، وقد قال -عليه السلام- حكاية عن ربه- سبحانه وتعالى-: "من شغلته قراءة القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ثواب الشاكرين".
وإذا كان ذلك مطلوب الشرع فالسجود عند قراءة آياته مطلوبة أيضاً؛ روي عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، في سورة "الحج" سجدتان؟ فقال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما" رواه أبو داود والترمذي، وليس هذا
مختصاً بهما، بل هو جار فيما سواهما من آيات السجود في القرآن، وخصهما بالذكر؛ لدفع توهم من يقول: إنه ليس فيها إلا واحدة كما ذهب إليه أبو حنيفة- رحمه الله-وقد روى سلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلتي! أمر ابن آدم بالسجود فسجد؛ فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت؛ فلي النار".
هذه توطئة الباب.
قال: وسجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع"، أي: حيث يندب للقارئ القراءة، وللمستمع الاستماع؛ لما روى مسلم، عن ابن عمر قال: "ربما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فيمر بالسجدة؛ فيسجد بنا حتى ازدحمنا عنده، حتى لم يجد أحدنا مكاناً يسجد فيه في غير صلاة"، ورواية أبي داود عنه: كان يقرأ علينا القرآن، وإذا مر بالسجدة كبر، وسجد وسجدنا"،وهذا من النبي صلى الله عليه وسلم [كان] على وجه الندب، يدل عليه ما روى أبو داود، عن زيد بن ثابت قال: "قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "والنجم" فلم يسجد فيها" وأخرجه البخاري.
قال أبو داود: وسبب ذلك أن زيداً كان الإمام، ولم يسجد؛ فلذلك لم يسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقال: يحمل هذا الحديث على أنه لا سجود في المفصل؛ لما
سنذكره من أن السجود في المفصل من عزائم السجود، وإذا كان كذلك فقد ثبت أنه سنة، وليس بواجب.
فإن قيل: قد ذم الله-تعالى-من قرئ عليه آية السجود فلم يسجد؛ فقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] وذلك يدل على وجوب السجود.
قيل: الآية واردة في حق الجاحدين لشريعته؛ يدل عليه ما قبل الآية وما بعدها: أما ما قبلها فقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: 20]، وأما ما بعدها فقوله: ﴿بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق: 22].
أما من قرأ حيث لا تندب له القراءة: كالمصلي يقرأ في ركوعه، أو سجوده، أو نحو ذلك-فلا يستحب له السجود؛ فإن سجد بطلت صلاته، وهذا بخلاف ما لو قرأ آية السجدة قبل الفاتحة فإنه يسجد؛ لأن القيام محل القراءة في الجملة، بخلاف الركوع، وكذا مناستمع؛ حيث لا يندب له الاستماع، وهو إذا كان منفرداً، أو مأموماً والقارئ غير إمامه، فلا يسجد؛ لأن الاستماع لقراءة غيره، أو غير إمامه مكروه؛ فكيف تترتب عليه قربة؟!
وحكى الإمام عن أبي حنيفة: أن المنفرد والإمام [إذا استمع لقراءة غيره سجد كما إذا] استمع خارج الصلاة، ثم قال: وفي بعض طرقنا ما يشير إلى ذلك، وهو بعيد جداً، وعلى المشهرو لو خالف وسجد عند سجود ذلك القارئ، قال البغوي: بطلت صلاته؛ لأن سببها لم يوجد في صلاته، وهو الذي أورده الرافعي.
وقول الشيخ: "وإن زاد في صلاته ركوعاً ... " إلى آخره، يدل عليه.
وفي "الذخائر" حكاية وجه آخر، نسبه إلى القاضي الحسين: أنها لا تبطل؛ لأنها زيادة من جنس الصلاة، وهذا التعليل يقتضي العكس؛ لأن الزيادة من جنس الصلاة-مع العمد-مبطلة.
دليله: ما زاد ركوعاً، ولو حصل سماع الإنسان القراءة من غير قصد الاستماع،
فلا يتأكد السجود في حقه تأكد المستمع، نص عليه في "البويطي"؛ لقول ابن عباس: "السجدة لمن جلس لها".
وروي عن عثمان بن عفان وعمران بن حصين أنهما قالا: "السجدة على من استمع لها"، ولا مخالف.
نعم، إن سجد فحسن، وعبارة البندنيجي والروياني في "تلخيصه": أن من طرق ذلك سمعه اتفاقاص، فهو غير مسنون في حقه.
ومن أصحابنا من قال: إنه يتأكد في حقه كالمستمع، وقد حكاه الرافعي أيضاً.
وفي "النهاية": أن السامع غير المستمع لا يسجد؛ لأنه لم يقرأ، ولا قصد الاستماع؛ فلو سجد لكانت سجدته منقطعة عن سبب، وبه يحصل في المسألة ثلاثة مذاهب.
ثم كلام الشيخ يفهم أن هذه السنة ثابتة للقارئ والمستمع، كل منهما على انفراد، لا يتوقف استحبابها في حق أحدهم على فعل الآخر، وهو كذلك، على ما نص عليه في البويطي فيما إذا لم يكونا في الصلاة، ومنه يظهر لك أنه لا فرق بين أن يكون القارئ متطهراً أو محدثاً أو صبياً أو كافراً.
وقيل: إنما يتأكد السجود في حق المستمع إذا سجد القارئ؛ لأنه تبع له، وقد روي أنه -عليه السلام-: "أتى إلى نفر من أصحابه، فقرأ رجل منهم سجدة،
ثم نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال -عليه السلام-: "إنك كنت إماماً، ولو سجدت سجدنا"، رواه الشافعي في "مسنده" وقال عبد الحق: إنه في "المراسيل".
وقول أبي دود في أول الباب حجة على المدعي.
وقيل: إنه لا يسن [للمستمع السجود إلا إذا سجد القارئ، حكاه الصيدلاني وجهاً، وحكاه الإمام عن معظم الأئمة.
واستدل] له بما ذكرناه من الخبر.
وقياس هذا أن القارئ لو كان محدثاً أو صبياً أو كافراً، لا يسجد، وقد حكاه في "البيان" وجهاً، والقائلون بما اقتضاه كلام الشيخ يقولون: هذا الخبر محمول على حث التالي على السجود، ثم لو سجد التالي، وتبعه السامع-لا يحتاج إلى نية الاقتداء، قاله في "التهذيب"، وأنه يجوز أن يرفع قبله، وكذلك لو كان القارئ في الصلاة، والمستمع خارج الصلاة، وسجد القارئ؛ فإنه يستحب للمستمع أن يسجد معه على الأصح، وبه جزم القاضي الحسين.
وفيه وجه عن رواية صاحب "البيان": أنه [لا] يستحب له أن يسجد.
فإذا قلنا بالأول، وسجدمعه، وسها القارئ في سجود التلاوة-لا يتابعه المستمع في سجود السهو؛ لأنه غير مقتد به، ولو كان قد عقد الاقتداء به-فهو
لم يعقده إلا بسجدة؛ فلا يتبعه في غيرها؛ قاله القاضي الحسين.
أما إذا كان القارئ والمستمع في الصلاة؛ فإن سجد القارئ سجد المستمع [له] وغير المستمع؛ إذا كان مأموماً، حتى لو كانت الصلاة سرية، وقرأ الإمام السجدة، وسجد-تبعه المأموم؛ فإن لم يسجد بطلت صلاته.
نعم، لو سجد إمامه، ولم ينتبه المأموم لذلك حتى رفع الإمام رأسه من السجود-فلا يجوز له أن يسجد؛ كذا ذكره في "التهذيب"، وذكره القاضي في "الفتاوى"، وقال في مرة أخرى: إنه يسجد ولو أراد الإمام أن يركع، ويكون كالمزحوم، والأول: أصح، وهو الذي ذكره في "التعليق"؛ لأن المتابعة واجبة؛ فلا تترك بالسنة؛ كما لو جلس إمامه للتشهد الأول، وقام ولم يعلم، أو قنت ولم يعلم- لا يجوز له أن يشتغل بتداركه، ويترك المتابعة.
نعم، لو أراد هاهنا أن ينوي مفارقته؛ ليسجد-ليس له ذلك، بخلاف ما لو نوى مفارقته ليأتي بالتشهد أو القنوت، والفرق: أنهما من أبعاض الصلاة؛ فتركهما يوجب [نقصاناً في] الصلاة، و [لا] كذلك سجود التلاوة، وعلى هذا: لو هوى المأموم للسجود، فرفع الإمام رأسه قبل سجوده- فإنه يرفع معه، ولا يسجد، وكذا الضعيف [الذي] هوى مع الإمام في سجود التلاوة، فقبل وصوله إلى الأرض قام إمامه- فإنه يقوم ولا يسجد.
ولو لم يسجد الإمام، وقد قرأ آية سجدة- لا يسجد المأموم وإن استمع؛ فإن سجد بطلت صلاته.
قاله الفراء في "تعليقه"، وكذا القاضي الحسين؛ كما لو ترك إمامه التشهد الأول والقنوت فأتى به.
وفي "الذخائر" وجه: أنها لاتبطل.
قال بعضهم: وينبغي أن يخرج على الخلاف في المفارقة، وقد تقدم الفرق.
والله أعلم.
قال: وهي أربع عشرة سجدة: [سجدة] في "الأعراف" [أي]: عند قوله: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [206] وسجدة في "الرعد" أي: عند قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [15] وسجدة في "النحل"، أي عند قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [50] وسجدة في "سبحان"، أي: عند قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء: 109] وسجدة في "مريم"، أي: عند قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم: 58] وسجدتان في "الحج" أي: الأولى عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [18] والثانية عند قوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [77] وسجدة في "الفرقان" أي: عند قوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ [60] وسجدة في "النمل" أي: عند قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [26] وسجدة في "الم تنزيل" [السجدة] أي: عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [15] وسجدة في "حم السجدة" أي: عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38]، قاله ابن سريج، ولم يورد القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي غيره، وهو الأصح في "التهذيب" و"الرافعي".
وقيل: إنها عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37]؛ لأن ذلك تمام الآية، وهذا ما صححه القاضي الحسين، ولم يورد الماوردي غيره.
والمشهور: الأول؛ لأن الآية الثانية من تمام الكلام؛ فكان السجود عندها؛ كما في النحل في قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ...﴾ الآية [49]، ولأن الشافعي أخذ في التسمية بقول قراء الكوفة وفقهاء المدينة، ولم يأخذ بقول فقهاء الكوفة وقراء المدينة، ومذهب قراء الكوفة هذا.
قال القفال: ولأن محل السجود إن كان هذا الموض فذاك، وإن كان عند الآية
الأولى فلا يضر التأخير إلى هذا الموضع؛ لأنه قدر يسير.
قال القاضي الحسين: وسبب هذا الاختلاف أن الشافعي لم ينص على موضع السجود، ونص على ما عداه.
وسجدة في "النجم" أي: عند قوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [62] وسجدة في "إذا السماء انشقت" أي: عند قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [21] وسجدة في "اقرأ" أي: عند قوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19].
والدليل على هذه السجدات- ما عدا السجدة الأخيرة في "الحج" وسجدات المفصل-الإجماع؛ كما قاله بعضهم، وفي السجدة الأخيرة من "الحج" ما أسلفناه من حديث عقبة بن عامر في أول الباب، وما سنذكره.
قال أبو إسحاق: وقد أدركنا الناس منذ سبعين سنة يسجدون في "الحج" سجدتين، وهذا يدل على استفاضته من غير نكير، وهذا ذكره؛ لأن حديث عقبة في رجاله ابن لهيعة ومشرح بن هاعان، ولا يحتج بحديثهما.
وفي سجدات المفصل- وهي سجدة "النجم" و"الانشقاق" و"اقرأ" – ما رواه أبو داود وابن ماجه، عن عمرو بن العاص: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة "الحج" سجدتان".
وقد قال الشافعي في القديم: السجدات إحدى عشرة سجدة.
وأسقطت سجدات المفصل؛ لما روي عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل لم يسجد.
وعلى هذا قال الشافعي: وأحب أن أسجد في سورة "إذا السماء
انشقت" وفي سورة "اقرأ".
والصحيح ما ذكره الشيخ، وهو الجديد؛ لأن إسناد خبر ابن عباس ليس بالقوي؛ لأن في رجاله قدامة، وهو لا يحتج بحديثه.
وأيضاً فقد روي عن ابن عباس أنه- عليه السلام-: "قرأ "النجم" وسجد، وهي من المفصل" كما رواه مسلم، عن رواية ابن مسعود، [و] أنه سجد من كان معه.
وروى مسلم أيضاً، عن أبي رافع قال: "صليت مع أبي هريرة العتمة؛ فقرأ: "إذا السماء انشقت ... " فسجد فيها؛ فقلت له: ما هذه السجدة؟ فقال: سجدتها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم [فلا أزال أسجدها حتى ألقاه].
وعن أبي هريرة قال: "سجدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم] في "إذا السماء انشقت" و"اقرأ باسم ربك الذي خلق"" أخرجه مسلم، وإسلام أبي هريرة متأخر؛ فإنه قدم "المدينة" في سنة سبع، مع
أن تركه السجود يحمل على بيان الجواز، وتركه-عليه السلام- السجود مرة في سورة "النجم"، قد بين أبو داود سببه [في سننه].
قال: وسجدة "ص" سجدة شكر ليست من عزائم السجود، أي: وإن كان العدد في الخبر الذي استدللنا به للجديد يتم بها، ووجهه ما رواه النسائي، عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في "ص" وقال: سجدها داو توبةً، ونسجدها شكراً"، وروى أبو داود، عن أبي سعيد الخدري قال: "قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر "ص" فلما بلغ السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود-فقال-عليه السلام-:"إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود، فسجد وسجدوا".
ومعنى "تشزنتم": أي: استعددتم.
وقد حكى عن ابن سريج وأبي إسحاق أنهما عداهما من عزائم السجود؛ لظاهر الخبر الأول، ولا حجة فيه؛ لأنه يجوز سجودها شكراً؛ كما نطق به الخبر الثاني.
وعلى هذا قال:"فإن قرأها في الصلاة لم يسجد"؛ كما لا يسجد للشكر والنعمة في الصلاة، وهذا ما صححه الفوراني، وحكاه القاضي أبو الطيب عن أكثر الأصحاب.
وقيل: يسجد شكراً؛ لأنها متعلقة بالتلاوة؛ فأشبهت عزائم السجود، وهذه الطريقة حكاها هكذا ابن الصباغ والفوراني والمتولي.
وعلى هذين الوجهين يتخرج البطلان عند سجوده عمداً عالماً بأنها ليست من العزائم؛ فإن قلنا: لا يسجد، بطلت، وألا فلا.
أما إذا قلنا بقول ابن سريج فله السجود، ولا تبطل صلاته وجهاً واحداً.
وقال القفال والماوردي والروياني: إنه لا يسجد فيها قولاًواحداً، وإذا سجد هل تبطل صلاته أم لا؟ فيه وجهان، أصحهما في "الحاوي"؛ عدم البطلان، وادعى الروياني أن ظاهر المذهب مقابله، وهو الأصح في "الرافعي"، وعلى هذا إذا كان إمامه يعتقدها من عزائم السجود، وسجد-لا يتابعه؛ بل ينتظره حتى يرفع أو يفارقه، وإذا انتظره قائماً فهل يسجد للسهو؟ فيه وجهان في "التتمة".
وقد أفهم قول الشيخ: "لم يسجد، وقيل: يسجد" أمرين:
أحدهما: أن ما عداها من السجدات إذا قرأها في الصلاة سجد، وهو كذلك، ومنه يؤخذ أن قراءتها في الصلاة غير مكروهة، سرية كانت أو جهرية، للإمام أو المنفرد، وهو مذهبنا، خلافاً لمالك في الإمام.
وحجتنا [عليه]: ما روى البخاري "أنه-عليه السلام-كان يقرأ [في] يوم الجمعة في صلاة الفجر "الم تنزيل ... " السجدة، و"هل أتى".
والثاني: أن السجود المستحب يكون عقيب التلاوة، ومنه يؤخذ فرعان:
أحدهما: أنه لو كان محدثاً حال التلاوة، أو غير محدث، فلم يسجد حتى
طال الزمان-لا يسجد من بعد، وعليه يدل قوله من بعد: "وحكم سجود التلاوة حكم صلاة النفل في [استقبال] القبلة وسائر الشروط"؛ إذ لو كانت حكم النفل في القضاء لم يقل: "وسائر الشروط"، ولكفاه أن يقول: حكم صلاة النفل.
وبه صرح البندنيجيوالروياني والصيدلاني والفوراني؛ لأنها تعلقت بسبب؛ فإذا فات سقط، وهذا ما صدر به القاضي الحسين كلامه، [ثم] قال: ويحتمل أن يقال: يأتي به فإن الشافعي نص [على] أنه إذا سمع المؤذن وهو في الصلاة لا يجيبه، وإذا سلم أجابه، وهذا ما ذكره في "التهذيب".
وقال في "الوسيط": إنها تفوت بطول الفصل، وفي قضائها قولان؛ كما في النوافل، حكاهما صاحب "التقريب"، وقال: ما لا يتقرب به ابتداء لا يقضي؛ كصلاة الخسو، والاستسقاء.
قال الغزالي: وهذا منه إشارة إلى [أن] التقرب بسجدة واحدة من غير سبب جائز.
وقال الإمام: إن صاحب "التقريب" روى ما قال الغزالي: إنه مشار إليه عن الأصحاب.
وقال: إنه لم يره إلا له، وإن شيخه كان يكره ذلك ويشدد نكيره على من يفعله.
قال الإمام: وهو الظاهر عندي، ولا جرم قال في "الوسيط": إنه الصحيح؛ فعلى هذا يبعد القضاء.
وإذا قلنا بالقضاء، قال مجلي: فإذا قرأ آيات تقتضي السجود وهو غير متطهر، فإنه يتطهر، ويأتي بجميع السجدات، ولا تتداخل، وعزا ذلك إلى القاضي الحسين.
قلت: وفيه نظر؛ فإنه لو قرأ آيات السجود [مرات كفاه عن الجميع سجدة واحدة، ولا يستحب له جمع آيات السجود] وقراءتها دفعة واحدة؛ لأجل السجود؛ قاله القاضي الحسين.
وقد حكى الإمام عن صاحب "التقريب" شيئاً واستغربه؛ فإنه قال الإمام: والمنفرد إذا سمع قارئاً يسجد فلا يسجد، وإذا سلم ففي القضاء ما ذكرناه.
قال الإمام: وفيه نظر؛ فإن الظاهر أن ما جرى لم يكن مقتضياً للسجود، وإذا لم يجر ما يقتضي السجود أداء فالقضاء بعيد، ولكن صاحب "التقريب" يرى ذلك مقتضياً، ويرى الصلاة مانعة من الأداء، وينزل ذلك منزلة ما لو استمع الرجل وهو محدث؛ فإذا تطهر فإنه في القضاء يخرج عند الأصحاب على الترتيب المتقدم.
الثاني: أنه لو كرر قراءة الآية في مجلس واحد مراراً سجد؛ لتجدد السبب، وهو ما ذكره القاضي الحسين والبغوي والمتولي.
وحكى الغزالي والفوراني في ذلك وجهين، واختار البغوي السجود.
قال الرافعي: وفيه وجه آخر: إن طال الفصل سجد، وإلا فلا يسجد.
قال في "العدة": وعليه الفتوى؛ فالركعة الواحدة كالمجلس الواحد، والركعتان كالمجلسين.
ولو قرأ الآية في الصلاة، ثم قرأها خارجها، والمجلس واحد-قال الرافعي: فمقتضى قياس الأصحاب طرد الخلاف.
فرع: لوكان قد قرأ آية التلاوة في الصلاة؛ فهوى ليسجد، فلما بلغ حد الراكعين عن له ألا يسجد-قال القاضي الحسين: عليه أن يعود إلى القيام، ثم يركع؛ لأن هويه كان لأجل النفل، والركوع فرض.
ولو قرأ آية السجدة، ووقع له ألا يسجد، ويركع، فلما هوى عن له أن يسجد للتلاوة، فإن كان قد انتهى إلى حد الراكعين-فليس له ذلك، وإلا فهو له.
قال: ومن تجددت عنده نعمة ظاهرة، أي: كقدوم غائب، وحدوث ولد، وشفاء مريض، ونحو ذلك، أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة، أي: مثل: أن نجاه الله مما غلب على ظنه وقوعه فيه، وهو مما يؤذيه: كالهدم، والغرق، ونحو ذلك-استحب له أن يسجد؛ شكراً لله-تعالى-أي: في غير الصلاة؛ لما روى
أبو داود وابن المنذر بإسنادهما عن أبي بكرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم [كان] إذا جاءه أمر سرور، أو سر به-خر ساجداً؛ شكراً لله تعالى".
وروى عب الرحمن بن عوف قال: "خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد، فسجد وأطال، فسألته عن ذلك؛ فقال: إن جبريل -عليه السلام- أتاني؛ فبشرني أن من صلى علي [صلاة واحدة] صلى الله عليه عشراً؛ فسجدت لله شكراً".
ولأنه -عليه السلام- سجد في "ص" شكراً، ووجه الشكر فيه: أنها توبة من الله -تعالى- على نبيه داود، على نبينا وعليه السلام، وقد روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي -رضي الله نهم- فأبو بكر سجد عند [فتح اليمامة، وقتل مسيلمة، وعمر سجد عند فتح اليرموك، وعلي سجد عند] رؤية ذي الثديين قتيلاص بالنهروان؛ وقال: لو أعلم شيئاً أفضل منه لفعلته.
وأما النعم الباطنة فلا يسجد لها؛ لأنها ملازمة له في كل أوان؛ [فلو سجد لها لاستغرق عمره بالسجود.
قال الأصحاب:] ومما [يستحب له السجود] رؤية الفاسق المتظاهر بفسقه، والمبتلي بمرض -عافاه الله منه- روى أنه -عليه السلام- "رأى نغاشيّاً؛ فسجد لله"، والنغاشي قيل: إنه ناقص الخلقة، وقيل: هو مختلط العقل.
لكنه عند رؤية الفاسق يظهر له السجود؛ لكي ينزجر، وفي رؤية المريض يخفي سجوده عنه؛ كي لا يؤذيه بما لا قدرة له على دفعه.
أما لو وجد تجدد النعمة، أو دفع النقمة، ونحوهما، وهو في الصلاة- فلا يسجد؛ فإن سجد بطلت صلاته وجهاً واحداً.
قال: ومن سجد للتلاوة في الصلاة كبَّر للسجود، وللرفع منه؛ لأنه سجود في الصلاة؛ فاستحب فيه ذلك كسجود الصلاة، ولا يرفع يديه في هذا التكبير؛ كما لا يرفع يديه في التكبير للسجود على المنصوص.
وعن ابن أبي هريرة أنه لا يكبر لهذا السجود ولا للرفع منه، حكاه عنه-هكذا-الشيخ أبو حامد وأبو الطيب وغيرهما، ورأيت فيما وقفت عليه من "الحاوي" أنه قال: يسجد من غير تكبير [ويرفع مكبراً، ورأيت في "تعليق" القاضي الحسين عنه: أنه لا يكبر] لرفع الرأس منه، وسكت عن التكبير للسجود، وقد غلط في قوله: "مطلقاً".
ولا يحتاج في هذه السجدة إلى نية اتفاقاً؛ لأن [نية] الصلاة تنسحب عليها، قال القاضي الحسين- وتبعه في "التهذيب": فإذا رفع منها لا يجلس للاستراحة، بخلاف السجدة التي من قلب الصلاة.
فرع: إذا كان سجوده في آخر سورة، كما في "الأعراف" ونحوها؛ فيجب عليه أن ينتصب بعد السجود ليركع، وهل يستحب له أن يقرأ شيئاً من سورة أخرى؟
قال في "الشامل"، وأبو الطيب: نعم.
وحكى عن العجلي في الاستحباب رواية وجهين.
قال: ومن سجد في غير الصلاة كبر للإحرام؛ لما ذكرناه من رواية أبي داود في أول الباب، قال عبد الرزاق: كان الثوري يعجبه هذا الحديث.
قال أبو داود: وإعجابه به؛ لأنه كان يراه، ولأنه صلاة ذات سجود؛ فوجب [فيها] تكبيرة الإحرام؛ كسائر الصلوات.
قال: "رافعاً يديه"؛ لأنه تكبيرة مشروع في ابتداء العبادة؛ فاستحب فيه رفع
اليدين؛ كما في الصالة.
وفي "الوسيط" ما يقتضي أنه لا يرفع يديه فيها؛ لأنه قال بعد حكاية الأوجه فيما يشترط في حق الساجد في غير الصلاة، [وراء الشروط: أما المصلي فيكفيه سجدة، يستحب في حقه تكبيرة الهويّ، ولا يستحب رفع اليدين] [في غير الصلاة].
[وقال العراقيون: يستحب رفع اليد]؛ لأنه تكبيرة التحريم.
فأشعر هذا من كلامه أن محل الخلاف في تكبيرة التحريم هل يرفع فيها اليد، أم لا؟
وقد أسقط الرافعي من نسخة "الوسيط" "غير"، فقال: أنه قال: ولا يستحب رفع اليد في الصلاة، وقال العراقيون .. إلى آخره، ثم قال: وهذا بدع حكماً وعلة، ولايكاد يوجد نقله لغيره، ولا ذكر له في كتبهم.
ولا شك في أن المر كما قال لو كان المذكور في "الوسيط" كما قال بإسقاط لفظة "غير"، أما إذا اكنت ثابتة-كما رأيته في غير ما نسخة- فالتعليل ليس ببدع.
وأما النقل عن العراقيين فصحيح، وما نقله عن غيرهم لم أر له ذكراً في الكتب، بل هي ساكتة عنه.
واعلم أن [في] قول الشيخ: "للإحرام" دليلاً علىمرين:
أحدهما: اشتراط النية؛ إذ لا إحرام بدونها، وهو مما لا خلاف فيه بين الأصحاب.
والثاني: أنه يكون في حال استقراره قبل هويّه [إلى] السجود إما قائماً أو جالساً، وكلامه من بعد يدل عليه أيضاً.
قال القاضي الحسين: ويستحب-عندي-أن يقوم قائماً، ثم يكبر للافتتاح؛ ليحوز فضيلة القيام؛ لأن للقيام من الفضيلة ما ليس للقعود، وهذا ما حكى الإمام عن شيخه أنه كان يفعله، وقال: لم أر له أصلاً ولا ذكراً، ولم يورد في "التتمة" و"التهذيب" سواه.
قال: ثم يكبر للسجود، ويكبر للرفع؛ كما في صلاة النفل، وهو في حال السجود من تخريج ابن سريج، وقال الرافعي: إنه من تخريج أبي إسحاق.
واتفقا على أنه لا يرفع فيهما اليد؛ لما سلف.
هكذا قاله أبو الطيب، وتبعه ابن الصباغ.
وقال الروياني: إن الشافعي نص عليه في البويطي.
ومذهب ابن أبي هريرة جار هاهنا أيضاً؛ فلا يكبر للسجود ولا للرفع منه،
صرح به أبو الطيب عنه، وعن أبي جعفر الترمذي أنه يكبر عند السجود لا غير، أي: ويقرن [به] النية.
قال القاضي أبو الطيب: وذلك مذهب له لم ينقله غيره.
وحكى الإمام عنه مع هذا أنه كره أن يأتي بتكبيرة فردة للإحرام؛ لأن في ذلك تشبيهاً لها بالصلاة، ولعل هذا مستند القاضي أبي الطيب في قوله: "ولم يقل به أحد من الأصحاب"؛ فإن الأصحاب مطبقون على أن ذلك وإن لم يجب فيستحب، وقد حكى الإمام وجهاً أبعد منه: أنه لا يشترط في ذلك تكبيرولا تسليم؛ بل يكفي الإتيان بصورة السجود مع استجماع الشراطئ من الطهارة ونحوها.
قال: وهذا لم يذكر شيخي غيره؛ لأنه لو فرض [فيه تحريم وتحليل] لكان صلاة، والسجدة الفردة لا يجوز أن تكون صلاة.
قلت: وهذا الوجه قد صححه الغزالي، وهو ما نص عليه الشافعي في كتاب استقبال القبلة، وعليه ينطبق قول البغوي: إن الشافعي قال: وأقله أن يضع جبهته بلا شروع ولا سلام.
قال الأصحاب: ويستحب له أن يقول في سجوده: "اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عنّي بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود"؛ لأن ابن عباس قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني رأيتني وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدت فسجدت الشجرة؛ فسمعتها [وهي] تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً .. إلى آخره، قال: فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سجدة، ثم سجد؛ فسمعته [يقول] مثل ما أخبر الرجل عن قول الشجرة" رواه الترمذي، وقال: حسن غريب.
وصحح رواية عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن [بالليل]: سجدي وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته".
ولا جرم استحب في "المهذب" أن يقول ذلك في سجوده، وأنه لو قال الأول كان حسناً.
ولو قال [مثل] ما يقول في سجود الصلاة جاز.
قاله الغزالي وغيره، وقال القاضي الحسين: إنه مستحب، وهو في سورة "الم تنزيل" أكثر استحباباً؛ لقوله
تعالى: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15].
قال: ويستحب إذا سجد في "الفرقان" أن يقول: سجدت للرحمن، وآمنت بالرحمن؛ فاغفر لي يا رحمن.
وكذا ذكره في "التتمة"، وقال: إن الخبر ورد به.
قال: وقيل: يتشهد ويسلم؛ لأنها صلاة ذات إحرام؛ فوجب أن يكون فيها تشهد وسلام؛ كسائر الصلوات، وهذا ما حكاه أبو علي الطبريعن بعض الأصحاب، وقال القاضي الحسين: إنه الذي حكاه البويطي.
وهو منتقضبصلاة الجنازة؛ فإنها صلاة ذات إحرام وسلام، ولاتشهد فيها.
وقيل: يسلم ولا يتشه؛ كما في صلاة الجنازة، ولأن التشهد يقابل القراءة، والسلام يقابل تكبيرة الإحرام؛ فلما لم يقرأ لم يتشهد؛ ولما كبر للإحرام سلم، وهذا ما نص عليه في "المسائل المنثورة"؛ كما قال أبو الطيب، وادعى أنه أظهر القولين، واختاره القفال وصاحب "المرشد"، وادعى القاضي الحسين في آخر "باب سجود السهو": أنه ظاهر المذهب، وهنا: أنه الأصح، وكلام الشيخ يشير إلى أنه من تخريج الأصحاب، وكذا قال الماوردي، وهومعزيّ في "تلخيص" الروياني إلى ابن سريج وأبي إسحاق.
وعلى هذا هل يستحب التشهد؟ فيه وجهان، حكاه الإمام.
قال: والمنصوص، أي: في "مختصر" البويطي-كما قال الراقيون، وهم أقعد بالنفل-: أنه لا يتشهد ولا يسلم؛ كما لو سجد في الصلاة، وهذا ما عليه جماعة الأصحاب؛ كما قال أبو الطيب، وحينئذ يكون رفع الرأس من السجود نهايته، والقائلون بالوجه قبله قالوا: مراد الشافعي أنه لا يجمع بينهما.
قال: وحكم سجود التلاوة، أي: والشكر، حكم صلاة النفل في [استقبال] القبلة، وسائر الشروط؛ لأنها في الحقيقة صلاة، وهذا القول معزيّ في "تلخيص" الوياني إلى ابن سريج وأبي إسحاق.
ولا يقوم الركوع عند وجوب سبب السجود مقامه؛ كما لا يقوم مقامه
في سجود السهو.
[و] قال في "الكافي": ولو أقام التصدق أو صلاة ركعتين مقام سجود الشكر كان حسناً.
وقد أفهم قول الشيخ جواز فعل السجود على الراحلة [إذا كان في الصلاة] وفي حال المشي في السفر، وبه صرح ابن الصباغ والغزالي في حال كونه على الراحلة إذا كان في الصلاة، وكذا اقتضاه إطلاق القاضي الحسين وأبي الطيب وغيرهما يما إذا لم يكن في صلاة أيضاً؛ وهو وجه حكاه الغزالي تبعاً لإمامه، والفوراني.
وقد يوجه بما رواه أبو داو عن ابن عمر قال: "قرأ النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح سجدة؛ فسجد [وسجد] الناس كلهم-منهم الراكب والساجد في الأرض، حتى إن الراكب ليسجد على يده".
وإذا جاز على الراحلة جاز بالإيماء أيضاً، وبه صرح البندنيجي والقاضي الحسين في آخر باب سجود السهو، ولم يحك غيره.
وقد حكى الإمام والفوراني-وتبعهما الغزالي-وجهاً آخر: أنه لا يجوز على الراحلة؛ لأن أظهر أركانها إلصاق الجبهة بالأرض؛ كما أن معظم أركان صلاة الجنازة القيام، وهي لا تجوز على الراحلة على الأظهر.
قال الرافعي: والأصح أنه يكفي الإيماء.
والفرق بينه وبين صلاة الجنازة: أنه يندر وجود الجنازة على الراحلة، ولا كذلك التلاوة، وأيضاً: فلمراعاة حق الميت.
والخلاف في هذه الحالة مشبه بصلاة النفل بالإيماء مع القدرة على القيام.
وقد أفهم ما ذكرناه من علة وجه المنع: أنه لو كان على الراحلة فيما يمكنه أن
يضع جبهته عليه، جاز وجهاً واحداً، وبه صرح الأصحاب.
وأما إذا كان القارئ ماشياً فهو في الاستقبال ووضع الجبهة على الأرض كالمتنفل، صرح به ابن الصباغ أيضاً.
فرع نختم به الباب:
قال المتولي: جرت عادة بعض الناس بالسجود بعد الفراغ من الصلاة يدعو فيه، وتلك سجدة لا يعرف لها أصل، ولم تنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأولى أن يدعو بعد الفراغ؛ كما وردت به الأخبار، والله أعلم.
باب ما يفسد الصلاة وما لا يفسدها
هذه الترجمة مسوقة؛ لبيان ما حُمِلَ من المناهي على الفساد، وما حمل منها على الكراهة دون الفساد، أو لبيان ما يفسد، وما لا يفسد مع مشابهته لما يفسد، وألا فما لا يفسد الصلاة لا ينحصر من حيث الصورة، وإن حصره بيان ماي فسد.
قال: إذا أحدث في صلاته بطلت صلاته؛ لقوله-عليه السلام-:"إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف وليتوضأ، وليعد صلاته" رواه أبو داود [و] قال الترمذي: وهو حسن.
وهو إجماع، ولا فرق في ذلك بين أن يفعله قصداً أو سهواً، ومن هنا يظهر لك أن ما يقع في بعض النسخ من تقييد البطلان بالحدث عامداً لا صحة له؛ بل الصحيح ما ذكرناه، وهو المضبوط عن نسخة عليها خط المصنف، وكذا لا فرق بين أن يصدر ذلك في وقت السلام أو قبله؛ لما تقدم من دليل اشتراط السلام.
قال: "وإن سبقه الحدث ففيه قولان: أحدهما: لا تبطل؛ فيتوضأ، ويبني
على صلاته"؛ لقوله عليه السلام: "من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على صلاته، ما لم يتكلم".
قال الإمام: وهذا الحديث مدون في الصحاح، عن رواية ابن أبي مليكة، عن عائشة، وليس المراد ما إذا فعل ذلك عامداً بالإجماع؛ فتعين أن يكون السبق مراداً، ولأنه حدث حصل في صلاته بغير فعله؛ فوجب ألا يبطلها قياساً على حدث المستحاضة وسلسل البول، وهذا ما نص عليه في القديم، قال الماوردي في "باب صلاة المسافر": وفي "الإملاء" أيضاً.
وقال البندنيجي هنا: إنه في "الإملاء".
ولا فرق على هذا بين الحدث الأصغر والأكبر-ويتصور بأن ينام في الصلاة؛ فيجنب-ولا بين أن يستقبل القبلة في حال مضيّه إلى الطهارة أو يستدبرها؛ إذا كان لا يمكنه إلا ذلك.
وله يشترط قرب الفصل بين حدثه وطهارته أم لا؟ الذي أورده الماوردي: نعم، والذي أورده الإمام: أنه لا يشترط، حتى لو كان بينهما فرسخ لم يضر، ولا يجب عليه أن يخرج في مشيته عن مألوف عادته من عدو ويدار إلى رفع الحدث، ولكنه يقتص، ويجوز له استقاء الماء من البئر؛ لأنه من مصلحة الصلاة.
قال: والثاني: أنها تبطل؛ لما روى أبو داو بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته فلينصرف، وليتوضأ، وليعد صلاته".
ولأنه حدث في الصلاة يمنعه من المضي فيها؛ فوجب أن يمنعه من البناء عليها، أصله: حدث العامد، وعكسه: سلس البول والاستحاضة.
والحديث الأول، فقد قال الشيخ أبو حامد: إنه مرسل؛ لأنه يرويه ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن أسنده- وهو إسماعيل بن عياش عن ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم -فهو سيء الحفظ، كثير الغلط فيما يرويه عن غير الشاميين.
وابن أبي مليكة ليسمنهم، ولو سلم من ذلك كله لكان قوله-عليه السلام-: "وبنى علىصلاته" [محتملاً لأمرين]:
أحدهما: أن معنى البناء: الاستئناف؛ كما تقول العرب: بنى الرجل داره، إذا استأنفها.
والثاني: أنه محمول على مسافر أحرم بالصلاة ينوي الإتمام، ثم أحدث؛ فعليه البناء على حكم صلاته في وجوب الإتمام.
فيحمل على أحدهما بدليل ما ذكرناه، وهذا هو الجديد، والصحيح بالاتفاق،
بل ادعى الإمام هاهنا أن القول القديم ليس معدوداً من المذهب؛ فإن الشافعي [بما] نص عليه في الجديد على جزم رجع عما صار إليه في القديم، ولكن أئمة المذهب يعتادون توجيه الأقوال القديمة على أقصى الإمكان.
وماقاله فيه منازعة من وجهين:
أحدهما: [أنا حكينا القول] الأول عن "الإملاء" أيضاً، وهو-كما قال الرافعي في غير ما موضع-معدود من الكتب الجديدة.
والثاني: أن الأصحاب مختلفون في أن الشافعي إذا نص في القديم على شيء وفي الجديد [على] خلافه-هل يكون رجوعاً عن القديم كما لو صرح به، أم لا؟
وقد حكينا ذلك عن رواية الصيدلاني والقاضي الحسين، في باب صفة الأئمة، عند الكلام في الاقتداء بالأمي.
ثم إذا قلنا بالجديد فلا تفريع.
وإن قلنا بالقديم فعليه فروع:
الأول: إخراج باقي الحدث عمداً هل يبطلها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ كما لو فعل ذلك ابتداء، وهذا ماصدر به الإمام كلامه.
والثاني: لا، وهو ما حكاه القاضي الحسين، عن الشافعي، ولم يورد ابن الصباغ والشيخ في "المهذب" والبغوي غيره.
قال ابن الصباغ وغيره: واختلف أصحابنا في تعليله:
فقيل: لأن الحدث لا يؤثر بعد نقض الطهارة.
قال: وهذا يلزمه أن يقول: إذا أحدث حدثاً آخر: لا يبطل.
قال بعضهم: ولا قائل به.
قلت: بل قيل به، وبه صرح صاحب "البيان"، وادعى المتولي أنه الصحيح من