كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال الإمام: ولم أر من [ترك] عدَّه من الواجبات إلا صاحب "التلخيص"، ولا يحمل سكوته عنه على غفلة؛ فإن المقصود الأظهر من كتابه الحصر والعدد والاستثناء، وقد ظهر وفق قوله في "الإملاء"؛ فإنه عدّ الأركان ولم يذكر الدعاء، ولو تأمل الناظر مقصود الخطبة ألفاه راجعاً بعد ذكر الله وذكر رسوله إلى حمل الناس على مراشدهم بالموعظة في كل جمعة، وهذا ليس ما قاله بعض المصنفين.
وأما الدعاء: فلا يبعد خروجه عن الأركان، ولكن هذا غريب.
وهذا مجموع ما وقفت عليه مما قيل في ذلك.
وقد أفهم ما حكيته من نص الشافعي في "المختصر": أنه لو اقتصر الخطيب على الإتيان بالقراءة في الخطبة، وقرأ محل كل ركن من الأركان [آية] مشتملة على المعنى المطلوب- لا يجزئه ذلك، وبه صرح الشيخ أبو محمد.
وقال الإمام: إنه مقطوع به في المذهب؛ فإن ما جاء به لا يسمى خطبة.
نعم، لو أوقع القراءة مقام ركن واحد: كما إذا أوقع التحميد آيةً، فليس يمتنع ذلك، وكذا لو أوقع الوعظ آية أو آيات مشتملة على مواعظ، وقد نص عليه الشيخ أبو محمد.
قال الإمام: ولكن لا ينبغي أن تحسب القراءة وعظاً، ويعتد بها عن جهة القراءة أيضاً؛ فإن ذلك لا يليق بمذهبنا.
وأبدى احتمالاً في اشترط إيقاع الوعظ ذكراً، لمأخذ لم أره قويّاً؛ فلذلك لم أذكره.
واعلم أن بعض الأصحاب عدّ من أركان الخطبة رفع الصوت فيها.
وقال آخرون: إن ذلك مستحب، [وعليه ظاهر نصه في "المختصر"، وليس ذلك باختلاف في المسألة، بل مراد من قال: إنه مستحب]، أن يبالغ فيه حتى يسمع كل من في المسجد إن أمكن، وإلا فقدر طاقته؛ لما تقدم أنه- عليه السلام- كان إذا خطب علا صوته، وقد صرح بذلك البندنيجي.
ومراد من قال: إنه ركن، الرفع بحيث يسمع أربعين، حتى لو خطب في نفسه، ولم يسمع أحداً لا يجزئ؛ وبذلك صرح القاضي الحسين [وغيره]، وهو الأصح.
وحكي الروياني وغيره وجهاً آخر: أنها تجزئ، وهو ما يفهم من كلام الماوردي الذي سنذكره عند الكلام في الإنصات.
والمشهور: الأول.
نعم، اشتهر خلاف الأصحاب في أنه لو خطب بأربعين كلهم صمٌّ أو أحدهم، هل يجزئ أم لا؟ وقاسوا وجه عدم الإجزاء- وهو الصحيح- على ما لو تباعدوا عنه بحيث لا يبلغ صوته إليهم؛ فإنه لا يجزئ.
ووجه الإجزاء على ما لو كانوا عرباً لا يفقهون معنى ما يقوله وهم يسمعون، والخطبة بالعربية؛ [فإن الظاهر أنه يجزئ، بخلاف ما لو كان الخطيب لا يعرفها، فإن الظاهر- كما قال القاضي الحسين- أنه لا يجزئ] وقال القاضي: إن الوجهين كالوجهين فيما لو كانوا بعيدين من الإمام: هل يجب عليهم الإنصات أم لا؟
فرع: هل تجوز الخطبة بالفارسية؟ فيه وجهان في "التتمة":
أصحهما: لا، وبه جزم الفوراني والروياني في "شرح التلخيص"، وهذا إذا كان القوم عرباً، فإن كانوا لا يفقهون إلا الفارسية، فخطب بها أجزأه؛ قاله القاضي الحسين وغيره.
ثم على الصحيح: يجب أن يتعلم واحد منهم الخطبة بالعربية كالعاجز عن التكبير بالعربية، فلو مضت مدة إمكان التعليم، ولم يتعلموا عصوا، وليس لهم إقامة الجمعة؛ قاله الرافعي.
تنبيه: إتيان الشيخ بالواو في قوله: "وفرضهما: أن يحمد الله تعالى، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويوصي بتقوى الله تعالى فيهما، ويقرأ في الأولى شيئاً من القرآن"- يؤذن بأن الترتيب ليس بشرط؛ إذ لو كان شرطاً لأتى بالفاء، أو بـ "ثم"؛ لأن ذلك هو الذي يقتضيه، وقد صرح به الماوردي، والروياني في "شرح التلخيص"، وصاحب "العدة"، والقاضي أبو الطيب عند الكلام في التكبير، وكثيرون من العراقيين؛ كما قاله في "الروضة".
وقال الماوردي: إن الشافعي نص عليه، وهو ظاهر نصه في "المختصر"؛ لأن لفظه كلفظ الشيخ.
وقال في "التتمة": إن الترتيب بين أركان الخطبة واجب؛ فيقدم حمد الله تعالى، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم الوصية، ثم تلاوة القرآن، ثم الدعاء.
وحكي الرافعي عن صاحب "التهذيب" وغيره أن البداءة بالحمد، ثم بالصلاة، ثم بالوصية، ولا ترتيب بين القراءة والدعاء، ولا بينهما وبين غيرهما، وهو ما ذكره القاضي الحسين أيضاً.
والذي صححه في "الروضة": الأول.
قال: وسننها: أن تكون على منبر؛ لما روى مسلم عن سهل بن سعد- وذكر له المنبر- قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة: "أن مُرِي غلامك النَّجار يعمل لي أعواداً أكلِّم النَّاس عليها"، فعمل هذه الثلاث درجات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عليها؛ فتواترت بذلك الأخبار، قال القاضي الحسين: وقد كان قبل أن يعمل المنبر يخطب في المسجد عند جذع نخلة يابسة، ويجعلها على يساره، ويعتمد عليها، فلما عمل المنبر، ودخل المسجد، جاوز الجذع؛ فحنَّ الجذع حنين الوالهة؛ فعلاً البكاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرجع النبي صلى الله عليه وسلم واحتضنها،
وسارَّها، ثم أصغى إليها كالمستمع، ثم قال لأصحابه: "هل سمعتم صوتها؟ " قالوا: نعم، قال: "إنَّها تأسف على مفارقتي، فخيَّرتها بين شيئين: بين أن أدعو الله تعالى حتَّى يجعلها شجرةً خضراء في الدُّنيا إلى يوم القيامة، أو تكون شجرةً من أشجار الجنَّة، فاختارت أن تكون من أشجار الجنَّة".
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به حتى قطع، ودفن تحت المنبر.
وخطبته صلى الله عليه وسلم على الأرض قبل عمل المنبر تدل على أنها على المنبر سنة.
والمنبر- بكسر الميم-: مشتق من "النبر"، وهو الارتفاع.
وقد كان منبر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث درجٍ، غير الدرجة التي تسمى المستراح، وهي التي يجلس عليها، [و] كان يقف على الدرجة الثالثة التي تلي المستراح.
ثم إن أبا بكر كان يقف على الثانية دون موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرجة، ثم جاء عمر، فوقف على الدرجة الأولى دون موقف أبي بكر بدرجة، ثم جاء عثمان، فصعد على الثانية موقف أبي بكر، ثم جاء علي، فوقف على الثالثة موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن مروان بن الحكم قلع المنبر في زمن معاوية، وزاد فيه ست درجٍ، [فصار] عدد درجه تسعاً، وكان الخلفاء يقفون على الدرجة السابعة، وهي أوّل مراتب الخلفاء الراشدين.
واستحب الشافعي للخطيب أن يقف على الدرجة التي تلي المستراح إن كان
المنبر قصيراً، فإن كان طويلاً، قال في "الحاوي": وقف على الدرجة السابعة.
والسنة: أن يكون وقوفه على يمين المنبر [وبقية المنبر على يساره؛ كذا قال القاضي الحسين.
وليكن المنبر على يمين القبلة] وهي الجهة التي تلي يمين المصلي؛ لأن منبر النبي صلى الله عليه وسلم كان في تلك الجهة.
ومن خطب على الأرض، فيستحب له أن يكون هناك مقامه؛ [قاله أبو الطيب وغيره.
وقال الماوردي: إنه يكون مقامه] على يسار القبلة، [وهي] [الجهة] التي تلي يسار المستقبل، وأين وقف جاز.
قال: أو على موضع عالٍ؛ لقيامه مقام المنبر في تحصيل المقصود، وهو الإبلاغ التَّام.
قال: وأن يسلم على الناس إذا أقبل عليهم؛ لحديث الشعبي السابق.
وقد روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم.
رواه ابن ماجة، لكن في رجاله ابن لهيعة.
وقد حكي عن الشافعي أنه قال: "إذا وقف على الثالثة، أقبل بوجهه على الناس، وسلم؛ لأن هذا يروى عالياً".
واختلف أصحابنا في مراده بالعالي:
فقيل: إسناد ذلك.
وقيل: أراد السلام؛ فإنه يفعل عالياً.
وقيل غير ذلك.
وقد استحب الشافعي أن يسلم عند قربه من المنبر على من حضره؛ فإنه روي عن ابن عمر قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر، استقبل الناس بوجهه، ثم سلم"، أخرجه أبو أحمد، وحسن السلام الثاني ليبلغ من لم يبلغه الأول.
ولأنه في حال صعوده المنبر كالمفارق لهم، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم بعضهم على بعض إذا حالت بينهم الشجر.
قال: وأن يجلس إلى [أن] يؤذن المؤذن؛ لما روى ابن عمر- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم، فيخطب.
رواه أبو داود.
وهذا الجلوس للاستراحة، وليس بفرض اتفاقاً.
وقد أشعر كلام الشيخ هذا أن الأذان يكون بعد جلوسه على المنبر بين يديه، وهو كذلك؛ لما روي عن نافع عن ابن عمر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج قعد على المنبر فأذن بلال، فإذا فرغ من خطبته، أقام الصلاة".
ذكره أبو أحمد.
وقد روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان في خلافة عثمان، وكثروا، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث،
فأذن به على الزوراء وثبت الأمر على ذلك.
وفي طريق أخرى: "الثاني" بدل "الثالث".
وفي "الحاوي": أن الشافعي حكى عن عطاء أنه أنكر أن يكون عثمان أحدثه، والذي فعله عثمان إنما هو تذكير، والذي أمر به إنما هو معاوية، وبه قال بعضهم.
قال الشافعي: وكيف كان ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي.
واستحب الأصحاب- لأجل ذلك- أن يكون المؤذن بين يدي الخطيب واحداً دون الجمع.
قال: ويعتمد على قوس أو سيف أو عصا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب في السفر [اعتمد على قوس، وإذا خطب في الحضر] اعتمد على عنزةٍ، وهي عصا في طرفها حديدة.
وروي أنه اعتمد على السيف، وإن لم يثبت، فهو في معنى القوس.
قال القاضي الحسين، وتبعه البغوي: ويجعل ما يعتمد عليه في يده اليسرى؛ لأنه- عليه السلام- جعل يساره على الجذع، واعتمد عليه، ويجعل يده اليمنى على حرف المنبر.
ولو لم يعتمد على شيء استحب [له] أن يسكِّن جسده، ويجعل يده اليمنى على اليسرى، أو يرسلهما؛ قاله القاضي أبو الطيب وغيره.
والعصا: مقصور، ولا يقال: عصاة، قال الفراء: أول لحن سمع: هذه عصاتي.
وقال غيره: إنه يلي ذلك قولهم: "لعل لها عذر وأنت تلوم"، والصواب: "عذراً".
قال: وأن يقصد قصد وجهه، أي: فلا يلتفت يميناً ولا شمالاً، لا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا [في] غيرها؛ كما صرح به الماوردي وغيره؛ روى البراء بن عازب قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يستقبلنا بوجهه، ونستقبله
بوجوهنا".
ولأنه إذا التفت يميناً قصر سماع يسرته، وإذا التفت شمالاً قصر سماع يمنته، فإذا قصد قصد وجهه، كان أعم [لسماع] الجميع.
وقد أفهم كلام أبي الطيب: أن الالتفات لا يجوز؛ لأنه قال: إن في التفاته إعراضاً عن بعض الحاضرين، وذلك لا يجوز؛ لما فيه من سوء الأدب.
ومن طريق الأولى: لا يستدبر القوم ويستقبل القبلة، فلو فعله، فهل يعتد به؟ فيه وجهان:
المذكور منهما في "الوسيط" تبعاً للإمام: الاعتداد بها، لكن مع الكراهة.
والذي ذكره القاضي الحسين: أنه لا يعتد بها؛ كما لو خطب جالساً مع القدرة على القيام، وهو في "البيان" وغيره؛ كما قال الرافعي.
وكلام القاضي أبي الطيب يرشد إليه.
والفرق على هذا بين الخطبة والأذان حيث نقول: لو ترك المؤذن استقبال من حضره يجوز-: هو أن الأذان دعاء للغيب، وليس بمختص بالحاضرين،
والخطبة يقصد بها الحاضرون؛ فكانت مختصة بهم.
ويستحب للناس أن يحولوا وجوههم إلى الإمام؛ لما تقدم من خبر البراء بن عازب، ولرواية علقمة عن ابن مسعود أنه قال: "كان إذا استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، استقبلناه بوجوهنا"، قال ابن المنذر: واستقبال الناس الخطيب بوجوههم إجماع؛ ولهذا استحب أن يوضع المنبر في جهة القبلة، لأنه لو وضع أمامها، لكان الإمام مستقبلاً القبلة، والقوم إن استقبلوا القبلة استدبروه وهو قبيح، ولأنه في حكم الإعراض عنه.
وإن استقبلوه واستدبروا القبلة، كان قبيحاً- أيضاً- فجعل في تلك الجهة.
و [أن] يكون الإمام مستدبراً القبلة أهون من استدبار جميع المستمعين لها، فلو جعل المأمومون ظهورهم إلى الإمام لم يقدح ذلك في صحتها.
وقال في "الروضة": إن الدارمي طرد الوجه السالف فيه.
قال: وأن يدعو للمسلمين، أي: في الثانية؛ لأنه روي أنه- عليه السلام- كان يقول في خطبته عند الفراغ منها: "وأستغفر الله لي ولكم"، وإنما لم يجب؛
لأن مقصود الخطبة التذكرة والموعظة، وليس هذا المعنى موجوداً في الدعاء؛ فلذلك لم يجب؛ وهذا ما حكي عن أبي حامد، ولم يورد البندنيجي غيره.
قال الروياني في "شرح التلخيص": وهو خلاف النص، وقد قطع بعضهم بالوجوب؛ لقوله- عليه السلام-: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي".
قال: وحكى آخرون فيه قولين، وقد تقدم الكلام فيه.
وليكن مما يتعلق بالآخرة، غير مقتصر فيه على أوطار الدنيا.
والدعاء لشخص معين- كالسلطان- لا يستحب فيها.
وأطلق الشيخ في "المهذب" وغيره لفظ الكراهة؛ لما روي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: "هو محدثٌ، وإنما كانت الخطبة تذكيراً"، والكراهة أخذت من قول الشافعي: "فإن دعا لرجل بعينه، أو على رجل بعينه فيها كرهته، ولا إعادة عليه".
وقيَّد القاضي الحسين ذلك بما إذا لم يقطع نظم الخطبة، وخص في "الروضة" الكراهة بما إذا جازف في الوصف والدعاء له، وقال: "الاختيار: أنه لا بأس به إذا لم يكن فيه مجازفة في وصفه، ولا يجوز ذلك؛ فإنه يستحب الدعاء بصلاح ولاة الأمور"، وكذلك قال غيره من المتأخرين؛ لأن ضبة بن محصن روى أن أبا موسى كان [إذا] خطب فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم،
أخذ يدعو لعمر، فأنكر عليه ضبة البداءة بعمر قبل الدعاء لأبي بكر، ورفع ذلك إلى عمر، فقال لضبة: "أنت أوفى منه وأرشد".
وروي عن الحسن البصري أنه قال: "لو علمت أن لي دعوة مستجابة، لخصصت بها السلطان؛ فإن خير غيره خاص، وخيره عامُّ".
قال: وأن يقصر الخطبة؛ لما روى مسلم عن عمار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّ طول صلاة الرَّجل وقصر خطبته مئنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصَّلاة، واقصروا الخطبة؛ فإنَّ من البيان سحراً".
والمئنة: العلامة، وقيل: ذكاؤه وفطنته بالفقه.
ولا ينبغي أن يخرجهما عن القصد؛ لما روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: "كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات، فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً"، زاد في طريق آخر: "يقرأ آيات من القرآن، ويذكِّر الناس".
قال البندنيجي: ويستحب أن يخطب بما رواه ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم [يوماً] فقال: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونستنصره،
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، فمن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، حتى يفيء إلى أمر الله".
فإن قال "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى"، كره له ذلك حتى يقول: "ومن يعصِ الله ورسوله"؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك.
ولفظ الشافعي: "كرهت ذلك له؛ حتى يفرد اسم الله، ثم يفرد بعده اسم رسوله، لا يذكره إلا منفرداً".
قال الشافعي: "وقد قال رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما شئت؛ فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن العطف في المشيئة بالواو، ونقله إلى حرف "ثم"؛ ليدل بذلك أن مشيئته بمشيئة الله تعالى، [وأنه إنما يشاء؛ لأن الله شاء أن يشاء، ولا يشاء شيئاً إلا بمشيئة الله تعالى"].
قال البندنيجي: وقد دلل الشافعي- رحمه الله- بذلك على أن مذهبه مذهب
أهل الحق، وأن قول من قال: الإنسان يشاء ما لا يشاء الله تعالى- محالٌ من القول.
ويستحب أن تكون الخطبة المأتي بها بكلام معربٍ، مبين، من غير تمطيط وتقطيع لها، ومن غير عجلة، ولا يكون لفظها مرذولاً، ولا غريباً مستثقلاً، [بل] بين الأمرين؛ لأن ذلك أسرع إلى فهم من حضره.
ويذكر في كل أوان ما يليق به.
وإذا حصر الإمام وأرتج عليه في الخطبة أو القراءة، فقد نقل المزني أنه يلقَّن.
وقال في موضع [آخر]: لا يلقن.
وليست على قولين، بل على اختلاف حالين:
فحيث: قال: "لا يلقن"؛ إذا كان بصفة من [لو] فتح عليه لازداد حصره، وإذا ترك استدرك غلطه؛ فهذا يترك، ولا يلقن، وهو معنى قوله- عليه السلام- لعلي: "إذا حصر الإمام فلا تلقنه".
والموضع الذي قال: "يلقن"؛ إذا انغلق الكلام عليه، فسكت، وكان بحيث لو لقن زال حصره، ومضى في خطبته وقراءته، وكان الراد يحفظ ما يرد به عليه؛ فهذا يلقن، [ويفتح عليه]؛ لما روي أنه- عليه السلام- كان يقرأ في الصلاة، فأرتج عليه، فلما فرغ قال: "أفيكم أبيٌّ؟ " قالوا: نعم.
قال: "هلَّا ذكّرتني؟ " فقال: ما كان الله- سبحانه- يرى أننا نلقن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
................................................................................................
وإذا فرغ من الخطبة الثانية شرع المؤذن في الإقامة بحيث يكون فراغه منها عند دخول الإمام المحراب؛ قاله الإمام وغيره.
وقد حكى في "الروضة": أن الجهلة من الخطباء يفعلون أموراً مكروهة: كالدق على المنبر في حالة الصعود، والدعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس، والإشارة باليد.
قال: والجمعة ركعتان؛ لما روي عن عمر قال: "صلاة الجمعة ركعتان [تمام] غير قصر، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم".
ولأن الخلف نقلوا عن السلف أن صلاة الجمعة كانت ركعتين، وهو إجماع؛ كما قاله ابن المنذر.
وأفادنا قول عمر: أنه لا يجوز أن يتمها أربعاً كالصبح.
قال: إلا أنه يسن أن يجهر فيهما بالقراءة؛ لنقل الخلف عن السلف.
وقد روي أنه- عليه السلام- قال: "صلاة النَّهار عجماء إلا الجمعة والعيدين".
قال: [ويقرأ بعد الفاتحة في الأولى] [سورة] "الجمعة"، وفي الثانية "المنافقين"؛ لما روى [مسلم] عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة "الجمعة" و"المنافقين".
وروى عن أبي هريرة أنه كان صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأولى "الجمعة" وفي الثانية "المنافقين".
أخرجه مسلم.
وهذا ما حكاه الإمام عن الجديد، وأن الصيدلاني حكى عن القديم أنه يقرأ في الأولى: "سبح اسم ربك الأعلى .. " وفي الثانية "هل أتاك حديث الغاشية .. "؛ لأنه روي أنه- عليه السلام- قرأ في الجمعة بـ "سبح" و"الغاشية"، أخرجه مسلم عن رواية النعمان بن بشير.
قال: وكان إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين؛ وهذا قد حكاه القاضي الحسين عن نص الشافعي في "الإملاء".
وقال في "الروضة": عجب كيف جعلت المسألة ذات قولين: قديم وجديد؟! والصواب أنهما سنتان تفعلان، ثبت كل ذلك في صحيح مسلم من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يقرأ هاتين في وقت، وهاتين في وقت؛ ومما يؤيده أن الربيع- وهو راوي الكتب الجديدة- قال: "سألت الشافعي عن ذلك؟ فذكر أنه يختار "الجمعة" و"المنافقين"، ولو قرأ بـ "سبح .. " و"هل أتاك حديث الغاشية .. " [كان حسناً].
قلت: وكلام الأصحاب ينازع في أنهما ليسا على السواء، وأن الأولى ما ذكره الشيخ، ووجهوه بأن في سورة "الجمعة" الأمر بالسعي عند سماع النداء، وذم الانفضاض عن الإمام، وفي سورة "المنافقين" تقريعهم والذم لهم، والله أعلم.
فرع: لو قرأ في الأولى سورة "المنافقين"، قرأ في الثانية "الجمعة"، ولو قرأ في الأولى غيرهما قرأهما في الثانية؛ نص عليه في "الكبير"، ويخالف ما إذا ترك الجهر في الأوليين لا يفعل في الأخريين؛ لأنه مكروه فيهما، وإذا ترك الرمل في الأشواط الأول، لا يفعله في الباقية؛ لأن تركه فيها سنة، وفعله مكروه، ولا كذلك صلاة الجمعة؛ فإنه لا يكره قراءتهما في الركعة الثانية.
ويستحب أن يقرأ في صلاة صبح يوم الجمعة في الأولى ﴿الم ...﴾ السجدة، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ ...﴾ فإنه- عليه السلام- كذا صح عنه أنه فعل.
باب هيئة الجمعة
هيئة الجمعة: عبارة عن الحال التي توقع عليها.
قال: السنة لمن أراد الجمعة: أن يغتسل لها؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة قال: بينا عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة، إذ دخل عثمان بن عفان، فعرَّض به عمر، فقال: ما بال رجالٍ يتأخرون بعد النداء؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت، ثم أقبلت، فقال عمر: والوضوء أيضاً؟ ألم تسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل؟! ".
والمراد: إذا أراد صلاة الجمعة، وهذه القصة تدل على أن الأمر بها أمر ندب؛ إذ لو كان الغسل واجباً، لرجع عثمان، وفعله، ولما تركه عمر لم يفعله، وعليه حمل [الشافعي]- أيضاً- قوله صلى الله عليه وسلم: "الغسل يوم الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلمٍ"، كما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري، فقال: أراد بهذا الوجوب
وجوب الاختيار، وأيده بقوله- عليه السلام-: "من توضَّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيَّامٍ، ومن مسَّ الحصى فقد لغا".
رواه أبو داود عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم.
وروى النسائي عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضَّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل"، ورواه البزار من حديث أبي سعيد بمثله.
ولأنه غسل لأمرٍ مستقبل؛ فلم يكن واجباً، كالغسل للعيدين والإحرام.
وقد اختلف في معنى قوله- عليه السلام-: "فبها ونعمت":
فقيل: معناه: فبالفريضة [أخذ، ونعم الخَلَّة الفريضة.
وقيل: فبالسنة أخذ.
وقيل: فبالرخصة أخذ].
ونعمت: بالتاء وصلاً ووقفاً؛ لأنها التاء الداخلة على الفعل.
قال: عند الرواح، أي: عند الذهاب إليها؛ لأن مقصود الغسل قطع الروائح الكريهة التي تحدث عند الزحمة بسبب ما عليه من صوف، أو على جسده من وسخ، قالت عائشة: كان الناس يتناوبون الجمعة من منازلهم ومن العوالي، فيأتون في الغبار، وقد يصيبهم الغبار، فيخرج منهم الريح، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنسان منهم، وهو عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أنَّكم تطهرتم ليومكم هذا" أخرجه مسلم.
قال: فإن اغتسل لها بعد الفجر، أجزأه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناط الغسل بيوم الجمعة، وهو يدخل بطلوع الفجر.
ولا فرق في ذلك بين من يلزمه الحضور ومن لا يلزمه إذا أراد الحضور.
[وقيل: إنما يسن لمن لزمه الحضور] دون من لم يلزمه.
تنبيه: ما المراد بقوله: "أجزأه"؟
يحتمل أن: يكون أراد: أجزأه في تحصيل السنة.
ويحتمل: أنه أراد: أجزأه في دفع المكروه.
والاحتمالان ينبنيان على أن ترك [الغسل للجمعة] هل يكره أم لا؟ وفيه وجهان حكاهما ابن التلمساني، وقال: أصحهما: أنه مكروه.
وهو ما أورده القاضي الحسين، وحكاه الإمام عن الصيدلاني، قال: وهو عندي جارٍ في كل
مسنون صح الأمر به مقصوداً.
وقد أفهم قول الشيخ أمرين:
أحدهما: أن الاغتسال في يوم الجمعة لا يسنُّ لمن لم يحضرها، وهو كذلك على المذهب؛ لفقد العلة التي لأجلها استحب.
ومنهم من قال: إنه يستحب لمن لم يحضرها أيضاً، كما في العيد أيضاً.
والخلاف مبني- كما قال في "البيان"- على أنّ الغسل للصلاة أو لليوم؟ وفيه خلاف:
فإن قلنا بالأول لا يستحب إلا لمن حضر.
وإن قلنا بالثاني- وهو الذي يشهد له خبر عائشة السابق- استحبَّ لكل أحد كما في العيد.
ومن الأصحاب من قال: من لم يحضر وهو من أهلها، لكنه حبسه العذر عن الحضور- يستحب له الغسل، حكاه في "الحلية" و"الذخائر".
والصحيح الأول؛ لما ذكرناه، وقد روى عبد الواحد بن ميمون عن عروة عن عائشة أنه- عليه السلام- قال "الغسل يوم الجمعة على من شهد الجمعة"، أخرجه العقيلي.
الثاني: أنه لا يجزئ قبل الفجر، وهو المذهب؛ لأن الشرع علقه باليوم؛ فلا يجزئ في الليل.
ومنهم من قال: يجزئ كما في العيد، على قولٍ.
قال الإمام: وهو خطأ لاشك فيه، والفرق بينهما مذكور ثمَّ.
فرع: إذا تعذر استعمال الماء، هل يتيمم؟ وذلك متصوَّر في صورتين:
إحداهما: أن يتوضأ القوم ثم يعدمون الماء.
والثانية: أن يكون جريحاً في جميع جسده غير أعضاء وضوئه.
قلنا: أما الأولى، فقد حكى ابن التلمساني فيها وجهين، قال:
وأصحهما: لا؛ لانتفاء الحكمة فيه.
ومقابله هو الذي أورده القاضي الحسين.
وأما الثانية فقد حكى الإمام عن الصيدلاني أنه قال: يتيمم؛ لأنه جعل بدلاً في غيرها؛ فكذا فيها.
وقال في "الوسيط": إنه بعيد؛ لأن الغرض نفي الروائح الكريهة، والتنظُّف؛ ولذلك كان تأخيره إلى الرواح أحب إلينا.
ولأجل هذا المعنى أبدى الإمام احتمالاً فيه، وحكاه في "الوجيز" وجهاً، ثم قال الإمام: والظاهر ما ذكره الصيدلاني.
[و] قال غيره: لأن المقصود بالوضوء أيضاً النظافة، وهو يقوم مقامه.
قال: وأن يتنظف بسواك؛ لقوله- عليه السلام-: "السِّواك مطهرةٌ للفم مرضاةٌ للرَّبِّ" رواه الإمام أحمد في مسنده.
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "غسل [يوم] الجمعة على كلِّ محتلمٍ، وسواكٌ، ويمسُّ من الطيِّب ما قدر عليه".
وفي رواية: "ولو من طيب المرأة".
قال: وأخذ ظفرٍ وشعر؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقلم
أظفاره، ويقص شاربه يوم الجمعة [قبل] أن يخرج إلى الصلاة.
ذكره البزار، ولنا فيه أسوة حسنة.
وأخذ الظفر يكون إذا طال، وقد قيل فيه شيء محله باب السواك، وكذا حلق الشعر.
قال: وقطع رائحة، [أي]: كريهة: كالصنان؛ لئلا يؤذي الناس به؛ فيتعاطى ما يزيله من مرتكٍ ونحوه.
قال: ويتطيب؛ لخبر أبي سعيد السابق، وفيما سنذكره من خبر سلمان الفارسي دليل عليه أيضاً، وهذا مختصٌّ بالرجال.
أما العجوز إذا حضرت، فلا يستحب لها ذلك، بل يكره، وكذا لبس الشهرة من الثياب.
قال: ويلبس أحسن ثيابه؛ لما روي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعةٍ أو غيرها"؛ ذكره أبو
عمر في "التمهيد" في باب "مالك عن يحيى"، وخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن سلام.
قال أبو داود في طريق: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك على المنبر.
وبهذه السنة يكمل في هيئة الجمعة سبع خلال؛ ذكرها الشافعي أيضاً.
قال: وأفضلها: البياض؛ لقوله- عليه السلام-: "البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنَّها من خير ثيابكم، وكفنوا فيه موتاكم"، أخرجه الترمذي عن ابن عباس، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وقد قال بعضهم: تقدير كلام الشيخ: وأفضل ألوانها البياض، ولو قال: البيض، لكان [أخصر] وأحسن.
وهذا القائل غفل عن أن مراد الشيخ اقتفاء لفظ الخبر.
وعلى [كل] حال فإن جاوزه، قال الشافعي: فعصب اليمن والقطري: وعصب اليمن: البرود المخططة، يصبغ غزلها، ثم ينسج.
والقطري: ثيابٌ حمرٌ: لها أعلام، فيها بعض خشونة، منسوبة إلى قطر، وهو موضع نحو عمان والبحرين.
ولبس المصبوغ بعد النسيج، أطلق البندنيجي وغيره القول بكراهته.
وقال القاضي الحسين: إن كان صبغه ليمنع الوسخ، فجائز لبسه، وإن صبغ للزينة فلا يجوز للرجال لبسه؛ لأنه لباس النساء.
قال: ويزيد الإمام على سائر الناس في الزينة، أي: فيما يتزين به؛ لأنه يقتدي به، وينبغي أن يعتَّم، وأن يرتدي؛ لأنه- عليه السلام- كان يفعل ذلك.
قال القاضي الحسين: وقد روي: "صلاةٌ بعمامةٍ أفضل من سبعين صلاة بغير عمامةٍ".
قال: ويبكّر لها، أي: الرائد للجمعة؛ لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61]، وقال- عليه السلام-: "باكروا؛ فإنَّ في البكور بركة".
وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "على كلِّ بابٍ من أبواب المسجد ملكٌ يكتب الأوَّل فالأوَّل".
وروى أبو داود عن أوس بن أوس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثمَّ بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلغ- كان له بكلِّ خطوةٍ عمل سنةٍ أجر صيامها وقيامها"، وقوله: "غسل واغتسل" يروي بغين معجمة، وسين مخففة، ويروي الأول- أيضاً- بغين معجمة وتشديد السين، ويروي- أيضاً- بعين غير معجمة وتشديد السين.
فعلى الأوّل: معناه: من غسل أعضاء الوضوء، واغتسل في جميع بدنه.
وقيل: غسل: كرر الغسل، كما يقال: فتحت الأبواب بمعنى التكثير والتكرار؛ قاله القاضي الحسين.
وعلى الثاني والثالث يكون معناه: من جامع؛ فأوجب الغسل على غيره قبل خروجه.
والمعنى فيه: أنه لا يأمن أن يقع طرفه على ما يحرك شهوته فينشغل قلبه؛ وهذا في الرواية الثالثة أظهر.
وقوله: بكَّر وابتكر": قال الأزهري: ويروي بالتشديد والتخفيف؛ لأنه يقال: بكر، وبكَّر: مشدد، ومخفف.
قال الماوردي: ومعنى الخبر: من بكر في الزمان، وابتكر في المكان.
وقيل: بكر: أتى الصلاة لأول وقتها، وابتكر، أي: أدرك أول الخطبة، وهو باكورتها، ومنه: باكورة الثمرة.
وقيل: بكر إلى صلاة الصبح، وابتكر إلى صلاة الجمعة؛ قاله الإمام.
وقيل: بكر في الحضور، وابتكر إلى الصلاة والذكر عند حضوره؛ قاله أبو الطيب.
وقيل: بكر وابتكر، بمعنى واحد؛ قاله القاضي الحسين.
قال: بعد طلوع الشمس؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثمَّ راح في السَّاعة الأولى، فكأنَّما قرَّب بدنةً، ومن راح في السَّاعة الثَّانية، فكأنَّما قرَّب بقرةً، ومن راح في السَّاعة الثَّالثة، فكأنَّما قرَّب كبشاً، ومن راح في السَّاعة الرَّابعة، فكأنَّما قرَّب دجاجةً، ومن راح في السَّاعة الخامسة، فكأنَّما قرَّب بيضةً، فإذا خرج الإمام، حضرت الملائكة يستمعون الذِّكر".
والساعات: أولها من طلوع الشمس عند أهل الحساب؛ فلذلك استحببنا التبكير منه، وهذا أحد الوجهين في المسألة؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
قال في "الحاوي": وهو الأصح؛ ليكون ما قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسل وتأهب.
قلت: وقول الشافعي: "ويجزئه غسله لها إذا كان بعد الفجر"، يؤذن به.
ثم قوله- عليه السلام- في الخبر: "غسل الجنابة"، أي: غسلاً مثل غسل الجنابة؛ كقوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: 88] [أي: مرّاً كمرّ السحاب].
وقيل: معناه: جامع، واغتسل، ويؤيده ما تأكد.
والوجه الثاني في المسألة: أن التبكير يكون من طلوع الفجر، وهو الذي صححه الشيخ في "المهذب"، وكذا الرافعي والروياني في "شرح التلخيص"، وقال: إنه ظاهر كلام الشافعي؛ لأنه أول النهار في عرف الشرع، وبه يتعلق جواز الغسل.
وحكى القاضي الحسين وغيره من المراوزة معه وجهاً آخر، عزاه في "العدة" إلى القفال: أنه ليس المراد بالساعات ساعات الليل والنهار؛ لأن ساعات النهار في الشتاء تنقص وتزيد في ساعات الليل حتى تتراجع إلى تسع ساعات وشيء، وفي الصيف ساعات النهار تزيد، فلو قلنا بذلك، لأدى إلى أن يكون وقت الجمعة في الشتاء عند العصر؛ لأنه- عليه السلام- عدّ خمس ساعات، ثم جعل السادسة وقتاً للجمعة، ولكن المراد: أن يبين فضل السابق على المتأخر، وفضل الثاني على الثالث، على ضرب المثل، ويكون معنى الحديث: أن من كان أسبق إتياناً فهو أعظم أجراً، وإن كان بينهما لحظة، وليس أن الدرجات خمس لا غير، غير أنه إذا جاء خمسة نفر مرتبين فللخامس أجر من قرّب بيضة، والسادس من بعده أقل من ذلك أو مثله.
وعلى هذه الطريقة جرى المتولي فلم يحك غيرها، لكن يختص التبكير إليها بما بعد الزوال، أو بما قبله؟ فيه وجهان حكاهما القاضي وغيره:
وجه الأول: أن الشرع أناط الحكم بالرواح، [والرواح إنما يكون] بعد الزوال، يقال: غدوت إلى فلان: إذا كان قبل الزوال، ورحت إليه: إذا كان بعد الزوال، ويشهد له- كما قال المتولي- قوله- عليه السلام-: "المهجّر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً، ثمَّ كالمهدي بقرةً، ثمَّ كالمهدي شاةً، ثم كالمهدي شاةً، ثمَّ كالمهدي بطَّةً، ثمَّ كالمهدي دجاجةً، ثمَّ كالمهدي بيضةً".
أخرجه النسائي عن رواية أبي هريرة، وأخرجه مسلم معناه.
ووجه الثاني: ما تقدم من الأخبار.
والرواح إن ثبت [أنه] إنما يستعمل حقيقة فيما بعد الزوال، فنقول: أطلقه على ما قبل الزوال مجازاً؛ لأن القصد منه أمر بفعل بعد الزوال، على أن الأزهري قال: [يقال]: راح إلى المسجد، أي: مضى، وقد توهم كثير من الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس ذلك بشيء؛ لأن الرواح والغدو عند العرب مستعملان في السير أي وقتٍ كان من ليل أو نهار، يقال: راح في أول النهار وآخره، [و] تروح، وغدا: بمعنى.
وهذا كلام الأزهري، وهو إمام [في] عصره.
وقد سلك الرافعي في حكاية ذلك طريقاً آخر، فحكى الوجهين اللذين حكيناهما عن العراقيين، ثم قال: ونقل صاحب "التهذيب" والروياني وجهاً ثالثاً: أن الاعتبار من وقت الزوال، ثم قال: وليس المراد من الساعات على اختلاف الوجوه الأربع والعشرين التي قسم اليوم والليلة عليها، وإنما المراد ترتيب الدرجات، وفضل السابق على الذي يليه، وإن القفال احتج عليه بوجهين:
أحدهما: لو كان المراد الساعات المذكورة، لاستوى الجائيان في الفضل في ساعة واحدة مع تعاقبهما في المجيء.
والثاني: أنه لو كان كذلك لاختلف الأمر باليوم الشاتي والصائف، ولفاتت
الجمعة في اليوم الشاتي لمن جاء في الساعة الخامسة.
قلت: وجزمه بأن المراد ما ذكره على الأوجه، فيه نظر؛ لأن الإمام قال: اختلف أئمتنا في معنى الساعات المذكورة في الحديث: فذهب بعضهم إلى حمل الساعات [على الساعات] التي قسم عليها الليل والنهار، وحمل الساعة الأولى على الساعة الأولى من النهار، وهكذا إلى استيعاب جميع ساعات النهار، قال: وهو غلط؛ فإن الماضين ما كانوا يبكرون إلى الجامع في الساعة الأولى.
ثم الساعة الخامسة في النهار الصائف تقع قبل الزوال، وفي اليوم الشاتي تقع قريبة من العصر؛ فلم يرد بالساعات ما يذكره أصحاب التقاويم، وإنما أراد ترتيب منازل السابقين واللاحقين.
نعم، [كلام] القاضي الحسين يقتضي أن الخلاف ليس في المراد بالساعات التي قسم الليل والنهار عليها شتاء وصيفاً على ما يعتقده أهل الحساب؛ فيكون نهار الشتاء منها تسع ساعات وشيئاً، ونهار الصيف منها أربع عشرة ساعة [وشيئاً]؛ فإنا لو اعتبرنا ذلك لزم ما تقدم.
وحكى الخلاف في [أن] الاعتبار في حيازة الفضيلة التي قدرها الشرع بجعل النهار اثنتي عشرة ساعة صيفاً كان أو شتاء، والمقدر يحصل في إدراك خمس ساعات منها طالت في الصيف أو قصرت في الشتاء؟ أو الاعتبار في ذلك بالساعات الزمانية، وإن تعاقبت لحظات؟
[ثم] ما ذكره القفال في إبطال القول باعتبار الساعات الفلكية إذا جعل النهار اثنتي عشرة ساعة من أنه يلزم تساوي المجيئين في الفضل في ساعة واحدة- فيه نظر من حيث إن من قرب بقرة [سمينة، وآخر بقرة دونها- تساويا
في أصل الفضل في التقرب ببقرة]، وإن كان الفضل بينهما من جهة أخرى، وكذا الصلاة المفروضة إذا أتى بها شخص بسننها، وآخر اقتصر على فعل الفرض فقط، فإنهما تساويا في إسقاط الفرض، وإن تفاوت أجرهما، كذلك ها هنا لا يبعد أن يسوي الشرع بينهما في أصل الفضل إذا حضرا في ساعة واحدة، ويزاد فضل الحاضر فيها أولاً؛ لتقدمه.
والله أعلم.
وقد أفهم قول الشيخ: "ويبكر لها"، أن ذلك يشمل الإمام والمأموم، ولا شك فيه في المأموم.
فأما الإمام فقد قال في "الحاوي": إنه يختار للإمام أن يأتي الجمعة في الوقت الذي تقام فيه الصلاة، ولا يبكر؛ اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واقتداء بالخلفاء الراشدين.
قال: ويدخل المسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر، فإذا دخل توجه نحو منبره من غير ركوع ولا تنفل، وهو ما اختاره في "الروضة".
لكن في "تعليق" البندنيجي: انه يستحب للإمام إذا دخل المسجد، أن يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم يصعد المنبر.
وقد حكاه في "الروضة" عن "العدة" و"البيان"، وقال: إنه شاذ غريب مردود؛ فإنه خلاف ظاهر المنقول عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده.
قال: ويمشي إليها، أي: على سجية مشيه، وعليه السكينة والوقار؛ لقوله- عليه السلام-: "إذا نودي بالصَّلاة [فلا تأتوها] وأنتم تسعون [و] لكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السَّكينة والوقار، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فاقضوا؛ فإنَّ أحدكم في صلاةٍ ما دام يعمد إلى الصَّلاة"، وفي رواية مالك: "وما فاتكم فأتموا".
والسكينة: السكون والطمأنينة.
والوقار- بفتح الواو-: الحلم والرزانة، ويقال: إنه رتبة وسطى بين التكبر والتذلل.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: 9] قد بينا أنه من باب ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: 39].
وقال أبو إسحاق المروزي: إن خاف فوت التكبيرة الأولى، أسرع، بحيث لا يخاف عثرة ولا سقطة.
قال الشافعي: وإذا مشى على سجية مشيه، كرهت أن يشبك بين أصابعه؛ لأنه في حكم المصلي في الثواب.
قال: ولا يركب؛ لحديث أوس السابق، ولأن فيه تضييقاً على الناس، وفيه ترفع وكبر، وقد روي أنه- عليه السلام- لم يركب في عيد ولا جنازة، ولم ينقل مثل ذلك في الجمعة؛ لأنه كان يقيمها في المسجد بجوار بيته.
نعم، لو كان له عذر من مرض ونحوه لم يكره له الركوب، قال الأصحاب: ويسيِّر دابته على هينته.
ويستحب له إذا دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى في الدخول، ويقول: "باسم الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك".
...............................................................................................
وقال المزني: [يقول]: اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من سألك وطلب إليك.
قال: ويدنو من الإمام؛ لحديث أوس، وقد روى سمرة بن جندب: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "احضروا الذِّكر وادنوا من الإمام؛ فإنَّ الرجل لا يزال يتباعد حتَّى يؤخَّر في الجنَّة وإن دخلها" أخرجه أبو داود.
فروع:
لا يجوز لأحد أن يقيم غيره من مجلسه ويجلس في مكانه؛ لأن السابق إلى المكان أحق به.
نعم، يقام من جلس في موضع الإمام، أو في الطريق بحيث يمنع الناس عن الاجتياز، أو بين الصفين مستدبر القبلة والمكان ضيق، دون ما إذا كان متسعاً؛ كما قاله في "التتمة" وغيرها.
ولو قام الشخص من مكانه وأجلس غيره فيه، لم يكره لذلك الغير الجلوس فيه، وأما الأول: فإن تحول إلى مكان يسمع الخطبة منه على ما كان عليه لم يكره، وإن تباعد عن ذلك كره له؛ قاله البندنيجي وغيره.
ويجوز من غير كراهة أن يبعث غلامه أو غيره ليجلس في مكان حتى إذا حضر قام عنه، وجلس فيه.
ولو بعث شيئاً يفرش له حتى إذا جاء جلس عليه، [وصلَّى- قال في "الأم": لم يكن لغيره أن يجلس عليه].
قال أبو حامد: لكن له أن ينحيه، ويجلس في ذلك المكان.
ولو سبق الرجل إلى مكان، ثم قام لحاجة، ثم عاد إليه- كان أحق به.
ويستحب لمن جلس فيه عند قيامه أن يتنحى عنه؛ قاله ابن الصباغ عن النص.
قال: ويشتغل بذكر الله- تعالى- والتلاوة؛ لقوله- عليه السلام-: "إنَّ الملائكة تصلِّي على أحدكم ما دام في مجلسٍ، تقول: اللَّهمّ اغفر له، اللَّهمَّ ارحمه، ما لم يحدث، وإنَّ أحدكم في صلاةٍ ما دامت الصَّلاة تحبسه" أخرجه مسلم.
ولو اشتغل بالصلاة فحسن.
قال: ويستحب أن يقرأ سورة "الكهف" [يوم الجمعة]؛ لقوله- عليه السلام-: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصومٌ إلى ثمانية أيَّامٍ من كلِّ فتنةٍ، وإن خرج الدَّجَّال عصم منه".
وفي حديث: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة".
وأراد: الجمعة الماضية، وقيل: المستقبلة.
والمعنى في قراءتها فيه: أن فيها [ذكر] هول يوم القيامة، والجمعة مشبَّهة بالقيامة؛ لما فيها من اجتماع الخلق، ولأن القيامة تقوم فيه.
وقد نقل عن الشافعي أنه استحب في "الأم" قراءتها في ليلة الجمعة أيضاً؛ لقوله- عليه السلام- "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة ويمها، وفي الفتنة".
قال بعضهم: والمناسبة في كونها واقية من الفتن، ما اشتملت عليه من حفظ أصحاب الكهف، وهو كالبتي منقور في الجبل.
ونقل في "الروضة" عن الشافعي: أنه استحب فيها ما استحبه في ليلة العيد؛ لأنه يقال: إن الدعاء فيها مستجاب.
قال: وأن يكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في يومها وليلتها؛ لقوله- عليه السلام-: "أقربكم مني في الجنَّة أكثركم صلاةً علي في اللَّيلة الغرَّاء واليوم الأزهر".
قال الشافعي: يعني- والله أعلم- ليلة الجمعة ويومها.
ونقل عنه أنه قال: وأحب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على كل حال وأنا في [يوم الجمعة] وليلتها أشد استحباباً.
قال: و [أن] يكثر في يومها من الدعاء؛ رجاء أن يصادف ساعة الإجابة.
هذا من الشيخ مغنٍ عن التعليل.
وساعة الإجابة، قيل: إنها من حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها؛ لقول عمرو بن عوف المزني: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "في يوم الجمعة ساعةٌ من النَّهار لا يسأل العبد الله- عزَّ وجلَّ- شيئاً إلا أعطاه له".
قيل: أي ساعة هي؟ قال: "حيث تقام الصَّلاة إلى الانصراف منها"، رواه مسلم.
وهذا القول صححه في "الروضة"؛ لأجل هذا الخبر.
وقيل: إنها من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.