كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وغيره قال: إن [ابن] أبي هريرة أخذه من قوله في "المختصر": "وإن خطب بهم وهم أربعون، ثم انفضوا عنه"، فأعاد قوله: "وهم أربعون" إلى من خطب بهم.
وقال في "التتمة": إنه مأخوذ من أحد القولين في صحة الجمعة خلف الصبي، ومقابله مأخوذ من عدم الصحة خلفه.
وعن صاحب "التلخيص" حكاية قول عن القديم: أنها تنعقد بثلاثة الإمام أحدهم، وأنكره الأصحاب عليه.
قال الإمام: وسببه أنهم بحثوا عن كتب الشافعي في القديم، فلم يجدوا هذا القول أصلاً.
وفي "الزوائد" للعمراني: أن من أصحابنا من سلَّم هذا النقل، ووجهه بأن الثلاثة جمع مطلق، ولعله أخذه من أحد الأقوال المنصوص في الانفضاض إذا بقي معه رجلان يصلون الجمعة؛ ذكره الطبري.
وقد حكى الماوردي أن المزني اختار أنها تنعقد بثلاثة سوى الإمام.
والصحيح في "التهذيب"، و"الرافعي"، وهو الأظهر في "النهاية": أن الإمام من جملة الأربعين، وهو اختيار القفال، وأعاد قوله: "وهم أربعون" إلى الخطيب والقوم، وهذا ما يفهمه قول الشيخ.
وقد يقال: إن الخلاف يؤخذ من قوله: "وفي جوازها [خلف] صبي أو متنفِّل قولان"، وليس كذلك؛ لما ستعرفه.
قال: أحراراً، بالغين، عقلاء؛ أي لا تنعقد بالعبيد والمجانين لأنها لا تجب عليهم؛ لما بهم من نقص؛ فلم تنعقد بهم؛ كالنساء.
ولأن النساء والمجانين لا تنعقد بهم إجماعاً؛ فكذا العبيد بجامع ما ذكرناه من عدم الوجوب؛ لأجل النقص.
ولا يرد علينا المرضى؛ فإنها لا تجب عليهم، وتنعقد بهم على الأصح؛ لأنه لا نقص فيهم، وعدم الوجوب شرع؛ رفقاً بهم.
وعلى القول بعدم الانعقاد بهم- كما حكاه ابن كج عن رواية أبي الحسين عن الشافعي-[يحتاج إلى أحرار].
قال: مقيمين في الموضع، أي: الذي تقام فيه الجمعة، لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفاً إلا ظعن حاجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده- رضي الله عنهم- لم يأمروا بالجمعة من ظعن مع أمرهم أهل القرى بها، ولو كانت تجب عليهم لأمروا بها.
وقد وافق يوم الوقوف في حجة الوداع يوم الجمعة، ولم يصلها النبي صلى الله عليه وسلم ولو وجبت على غير المستوطن لصلَّاها.
قيل: إن الشافعي ومحمد بن الحسن اجتمعا عند الرشيد، فسأل الرشيد محمد بن الحسن عن صلاته- عليه السلام- بعرفة: هل كانت جمعة أو ظهراً؟ فقال محمد: كانت جمعة؛ لأنه خطب قبل الصلاة.
ثم سأل الشافعي عن ذلك؟ فقال: كانت ظهراً؛ لأنه أسر فيها، فقال له: صدقت.
وقيل: إن ذلك [جرى] للإمام مالك وأبي يوسف، رضي الله عنهم أجمعين.
وقول الشيخ: "يظعنون": بفتح العين، يقال: ظعن يظعن، إذا سار.
واعلم أن هذا الشرط ينبه على مسألتين قد يخفي حكمهما على المبتدئ:
الأولى: ما إذا كان في بلدٍ أو قرية من هو بصفة من تنعقد بهم الجمعة، لكنهم أقل من أربعين، [وبقربهم بلد أو قرية أخرى فيها بهذه الصفة أقلُّ من أربعين]، ولو اجتمع أهل الموضعين [لبلغوا أربعين- فإنه لا تنعقد بهم الجمعة؛ لأن الأربعين غير مقيمين] في الموضع الذي يصح فيه الجمعة، وإن كان أهل كل ناحية يسمعون النداء من الأخرى، ويجب عليهم السعي إليها؛ لأجل الجمعة لو كان أهلها أربعين، وبه صرح في "الحاوي" و"التهذيب"- أيضاً- فإنه قال: "إذا كان في قرية أربعون بالصفات التي تنعقد بهم الجمعة، وهم يسمعون النداء من مصرٍ جامع، فهم مخيرون بين أن يحضروا البلد [إذا كانت الجمعة فيه
وبين أن يقيموها في قريتهم، وإذا حضروا البلد] لا يكمل بهم العدد؛ لأنهم في حكم المسافرين".
والمراد بما ذكره من التخيير: التخيير فيما يسقط به الفرض، لا أنهما في الفضيلة سواء، فإن الأولى فعلها في قريتهم اتفاقاً.
وبعضهم قال: إن فعلها في غير قريتهم والحالة هذه مكروه، ولعيه جرى القاضي الحسين.
وقال الماوردي: إنهم إذا فعلوا ذلك كانوا مسيئين، وأجزأتهم الصلاة.
الثانية: أن المقيم في بلد أو قرية لشغل، إذا نوى الإقامة بها أكثر من أربعة أيام؛ لأجل شغله، وعزمه العود إلى أهله عند نجاز شغله: كالمتفقِّهة، وغيرهم- تنعقد به الجمعة؛ لأنه حر بالغ عاقل مقيم، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة.
قال البندنيجي: وهو ظاهر قوله في "الأم": "وإن كان مسافراً قد أجمع مقام أربع فمثل المقيم".
ولأنه يجب عليه الجمعة؛ فانعقدت به كالمقيم من أهل البلد.
وعلى هذا فالناس على ثلاثة أضربٍ:
من تجب عليهم الجمعة، وتنعقد بهم.
ومن لا تجب عليهم، ولا تنعقد بهم.
ومن لا تجب عليهم، وتنعقد بهم، وهم المرضى على المذهب.
وقد حكي عن أبي إسحاق في المقيم في بلد؛ لأجل قضاء شغله: أن الجمعة تجب عليه، ولا تنعقد به.
وعلى هذا تكون الأقسام أربعة، هؤلاء رابعها.
وقد عكس القاضي الحسين المشهور، فنسب القول بالانعقاد إلى أبي إسحاق.
[قال]: من أول الصلاة إلى أن تقام [الجمعة].
مراد الشيخ: أن هذا الشرط- وهو قيامها بأربعين- يعتبر من أول الصلاة إلى
أن تقام الجمعة، أي: تفرغ وتتم؛ لأن الصلاة إنما يتم مقصودها بالفراغ؛ فأنيط حكم الاجتماع به.
وقد يقع في بعض النسخ والشروح: "من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة"، قال الشيخ محيي الدين النواوي: والذي ضبطناه عن نسخة المصنف الأول.
وكذا قال غيره.
وقال: إن ما يوجد في بعض النسخ جاء لإشكال قوله: "إلى أن تقام الجمعة" وأن الخطبة يشترط فيها العدد أيضاً.
وهذا يفسده قوله من بعد: "فإن انفضوا عنه، وبقي الإمام وحده، أتمها ظهراً"، والتي تتم ظهراً الصلاة [لا] الخطبة.
ولأنه يقول: "والسادس: أن يتقدمها خطبتان"، وذلك عائد إلى الصلاة؛ فوجب هاهنا مثله؛ لأن الشروط واحدة، وكون العدد شرطاً في الخطبة قد صرح به عند ذكرها؛ فلو حمل الأول على إرادة الخطبة، لزم التكرار.
فرع: لو حضر من لا تنعقد بهم الجمعة مع من تنعقد بهم، فإن حرم الذين لا تنعقد بهم الجمعة قبل الذين تنعقد بهم، لا تصح؛ لأن الجمعة إنما تصح لهؤلاء تبعاً، وقبل انعقاد الصلاة للمتبوعين كيف يحكم بصحتها للتابع؟! فهو كالحمل في البيع يتبع الأم في البيع؛ فإذا لم يصح في الأم لا يبقى في الحمل؛ كذا قاله القاضي الحسين في "الفتاوى".
ولو أحرموا بعد إحرام أهل الجمعة، انعقدت لهم.
وينبغي لأهل الكمال ألا يؤخروا إحرامهم؛ لحيازة فضيلة تكبيرة الإحرام، وتيسير عقد الجمعة لغيرهم، فلو تأخروا عن تكبيرة إحرام الإمام، وأتوا به [بعد أن رفع الإمام رأسه من الركوع- فلا جمعة، وإن أتوا به] قبل ذلك، فقد قال الشيخ أبو محمد: الوجه أن يشترط ألا ينفصل تحريمهم بالصلاة عن تحريم الإمام بما يعد فصلاً طويلاً.
وقال القفال: الضبط المرعي فيه: أنه إذا أدركه في الركوع، صحت الجمعة.
قال الإمام: وما ذكره شيخي حسن، ويجوز أن يقال: ينبغي أن يتحرموا بحيث
لا يسقط عنهم من القراءة شيء، ولا يثبت لهم حكم المسبوق؛ فإنهم لو أدركوه [في الركوع، فحكم ذلك حيث يصح سقوط القراءة، وهو من أحكام المسبوقين، وإذا أدركوه] في بعض القيام بحيث لا يتأتى منهم إتمام القراءة، فهذه صورة الاختلاف فيما يفعله المسبوق؛ فلا يجوز الانتهاء إلى هذا الحد في التأخير، وهذا ما صححه الغزالي، لكنه جعل ذلك تفريعاً على قولنا: إنهم إذا انفضوا عنه في أثناء الصلاة، يتمها ظهراً.
وعلى ذلك جرى الرافعي، وفيه نظر.
قال: فإن انفضوا عنها، أي: عن الصلاة، وبقي الإمام وحده- أتمها ظهراً؛ [لأن الجماعة شرط في وقوعها جمعة في الابتداء، فإذا فقدت في أثنائها أتمها ظهراً]؛ كالوقت إذا فات في أثنائها؛ وهذا ما نص عليه، ووراءه تخريجان للمزني:
أحدهما: أنه يتمها جمعة؛ لأنه ليس في قدرة الإمام ضبط القوم؛ فلم يعتبر اجتماعهم إلا عند العقد.
ولأن مراعاة ذلك عند العقد [ممكن، بخلاف الدوام، فشابه النية، لما أمكن اعتبارها عند العقد] دون الدوام، اعتبرت عند العقد فقط، وبهذا فارق الوقت؛ لأنّه يمكن أن يشرع فيها في وقت يعلم انقضاءها قبل زواله، وهذا خرجه من نصه الآتي من بعد فيما إذا بقي معه واحد؛ كذا أشار إليه ابن الصباغ، ومن نص الشافعي في القديم على أنه إذا أحدث الإمام، وانصرف، أتمها المأمومون جمعة؛ فإنه لا جمعة له إلا بهم، ولا جمعة لهم إلا به.
والثاني: أنهم إن انفضوا عنه، وقد صلى ركعة تامة بركوعها وسجدتيها- كما قال أبو الطيب وغيره- أتمها جمعة؛ كالمسبوق.
وقيل: إنه أخذه من قوله في القديم: "لو صلى بهم ركعة، ثم سبقه الحدث، وانصرف- لم يستخلف بهم، وأتموا لأنفسهم جمعة".
قال: فإذا جاز أن ينفردوا عن إمامهم بإتمامهم إذا انصرف عنهم، جاز أن ينفرد بإتمامها إذا انصرفوا عنه؛ لأن الجمعة لا تنعقد إلا بإمام ومأموم.
قال الإمام: وقد وافقه على هذا معظم أئمتنا.
وقال القاضي أبو الطيب: هو عندي أشبه.
وقال القاضي الحسين عند الكلام في خروج الوقت في أثناء الصلاة: إنه الأظهر، وقد وجه بقوله- عليه السلام-: "من أدرك من الجمعة ركعةً فليصل إليها أخرى".
ومن الأصحاب من منع ذلك، وقال: ووضع الشرع على أن يتبع المقتدي الإمام، [وهنا يلزم أن يتبع الإمام المقتدي] وفيه بعد.
ولأن المسبوق تبع لإمام صحت له جمعة تامة، والإمام تبع لقوم لم تصح لهم جمعة.
والفرق بين ما نحن فيه وبين مسألة الحدث: أن الإمام في القديم إذا سبقه الحدث في حكم الصلاة؛ فكأنه لم يفارقهم؛ فلهذا أتموها جمعة، وليس كذلك
إذا انصرفوا عنه وبقي وحده؛ لأنهم خرجوا من الصلاة؛ فلهذا يتمها ظهراً؛ قاله البندنيجي.
وقد رأيت في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الشامل" في صلاة الخوف عند الكلام في صلاة الجمعة: أن ذلك قول للشافعي، وقد ذكرته ثم، وهذا مغن عن التخريج.
قال: وإن نقصوا عن الأربعين، أتمها ظهراً في أصح الأقوال؛ لما ذكرناه، ولأن العدد شرط في استدامة الخطبة بلا خلاف، ففي الصلاة أولى؛ لأن الخطبة أخف حكماً من الصلاة؛ ألا ترى أن الشخص يصلي وإن لم يحضر الخطبة؟!
ولا فرق في ذلك بين أن يبقى معه واحد أو اثنان أو أكثر من ذلك.
قال: وإن بقي معه اثنان، أتمها جمعة في الثاني؛ لأن الثلاثة جمع مطلق كالأربعين، وقد روي أنه- عليه السلام- انفض عنه أصحابه حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً- كما تقدم في الخبر- وأتم الجمعة، ولو كان بقاء الأربعين شرطاً لم يتمها جمعة.
والفرق على هذا بين الابتداء والدوام: أن الأصل في [سائر] الأيام الظهر، وإنما يعود إلى الجمعة بشرائط، [و] إذا وقع الشك: هل حصل مقصود الشرع أم لا؟ لم يعدل عن الأصل؛ فلذلك لم يحكم بانعقادها ابتداء، [و] في الدوام: الجمعة محكوم بانعقادها، ووقع الشك في أن ما نقص من العدد يبطلها أو لا؟ والأصل الصّحة.
وهذا القول والذي قبله نصّ عليهما في "الأم"، ونقلهما المزني.
قال: وإن بقي معه واحد، أتمها جمعة في الثالث؛ لوجود اسم الجماعة كالأربعين، ولأنه لما بطل أن يكون العدد المعتبر في ابتدائها شرطاً في استدامتها؛ لما ذكرناه في علة القول قبله، وافتقرت إلى الجماعة- كان أقلها في الشرع اثنين؛ لقوله- عليه السلام-: "الاثنان فما فوقهما جماعةٌ"، وهذا ما نص عليه في القديم.
وعلى هذا والذي قبله قال الإمام: فالظاهر: أنا نشترط فيمن بقي شروط الكمال المرعية في الانعقاد ابتداء.
وقال صاحب "التقريب": يحتمل أن نكتفي بالعبد والمسافر؛ فإنا اكتفينا آخراً باسم الجمع والجماعة لا العدد؛ فلا يبعد ألا يشترط الكمال.
قال الإمام: وهذا مزيَّف غير معتد به.
وقد حكى الماوردي ما ذكرناه عنهما وجهين في المسألة، وأقام الصبي والمرأة في ذلك مقام العبد والمسافر.
ولاشك أن ما حكيناه من تخريج المزني- إذا صححناه- جارٍ فيما إذا نقصوا عن الأربعين من طريق الأولى.
وبعضهم لم يحكه إلا فيها.
وإذا جمعت بين هذه المسألة والتي قبلها مع تصحيحك التخريج، قلت: بقاء الأربعين في كل الصلاة هل هو شرط أو لا؟ قولان:
فإن قلنا: لا، فهل [يشترط بقاء عدد أم لا؟ قولان:
فإن قلنا: لا، فهل] يفصل بين الركعة الأولى والثانية أم لا؟ قولان.
وإن قلنا: نعم، فكم عدد يشترط؟ قولان:
أحدهما: ثلاثة.
والثاني: اثنان.
وإذا أردت اختصار ذلك [كله] قلت: في المسألة خمسة أقوال:
أحدها: يتمها ظهراً كيف كان، وهو الصحيح.
والثاني: جمعة كيف كان.
والثالث: إن بقي معه اثنان فما فوقهما أتمها جمعة، وإلا ظهراً.
والرابع: إن بقي معه واحد فما فوقه، أتمها جمعة، وإلا ظهراً.
والخامس: إن انفضوا أو بعضهم بعد تمام ركعة له بسجدتيها، أتها جمعة، وإلا أتمها ظهراً.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يحرم معه بعد الانفضاض أربعون لم يحضروا الخطبة أو لم يحرموا.
نعم، لو لحقهم أربعون على الاتصال ممن سمع الخطبة، استمرت الجمعة؛ قاله في "الوسيط"، وكذا لو حصل انفضاضهم بعد أن أحرم معه أربعون، أتمها جمعة بلا خلاف، وإن كان من بقي معه لم يسمع الخطبة؛ صرح به القاضي الحسين، وكذا الإمام وأبدى احتمالاً لنفسه في الصحة في هذه الصورة، وقال: ينبغي أن نشترط بقاء أربعين سمعوا الخطبة إذا اشترطنا بقاء العدد.
قلت: وهذا الاحتمال يعضده وجه حكاه هو وغيره في أنه يشترط فيمن يستخلفه الإمام في صلاة الجمعة عند حدثه وقد أدرك معه الركعة الأولى- أن يكون قد سمع الخطبة، لكن الجمهور [ثمَّ] على عدم الاشتراط.
وهذا حكم الانفضاض في الصلاة، وحكم الانفضاض في الخطبة أو بعدها وقبل الصلاة سنذكره- إن شاء الله تعالى- عند ذكرها.
قال: والرابع: أن يكون وقت الظهر باقياً؛ لأن الوقت شرط لافتتاحها؛ فكان شرطاً في دوامها؛ كالطهارة.
ولا يرد غيرها من الصلوات؛ لأن الوقت ليس بشرط فيها؛ لجواز قضائها في غير الوقت.
وقد أفهم قول الشيخ أن وقت الظهر هو وقتها ابتداء وانتهاء، وبه صرح غيره؛ لأنهما [صلاتا وقتٍ] على البدل؛ فكان وقت إحداهما وقتاً للأخرى؛ كصلاة الحضر والسفر.
ولأن آخر وقتهما واحد [إجماعاً؛ كما قال ابن الصباغ؛ فوجب أن يكون أول وقتهما واحداً]، كصلاة السفر والحضر؛ فلا يجوز فعلها قبله، خلافاً لأحمد حيث جوز إقامتها في الخامسة أو السادسة أو في وقت صلاة العيد؛ كما حكاه أصحابه عنه.
وحجتنا عليه ما تقدم، وقد روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال: "كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت، ثم نرجع نتبع الفيء"، وصح عنه أنه قال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي".
فإن قلت: كلام الشيخ كالمصرح بأن هذه الشرائط شرائط الصلاة، [و] إذا كان كذلك، فكيف يقال: إن وقتها يدخل بزوال الشمس، ولابد أن يتقدمها خطبتان؟! نعم: يحسن أن يقال: الذي يدخل بالزوال وقت الخطبة لا الصلاة؛ فإن وقتها إنما يدخل بعد فعل الخطبتين.
قلنا: قال الأصحاب: لا يمتنع ذلك؛ ألا ترى أن وقت الظهر يدخل بالزوال وإن لم يتمكن الشخص من الفعل إلا بعد تقدم الطهارة، خصوصاً عند فقد الماء؛ فإنه لا يمكنه فعلها إلا بعد دخول الوقت.
لكن لقائل أن يقول: تقدم الطهارة على دخول الوقت في الجملة ممكن؛ ولذلك تعقب الصلاة الزوال، ولا كذلك ها هنا؛ فإنه لا يعقل جواز [إقامة] الصلاة عقيب دخول الوقت، والله أعلم.
قال: فإن فاتهم الوقت، أي: فات الذين انعقدت بهم الجمعة الوقت وهم في الصلاة- أتموها ظهراً.
هذا الفصل ينظم حكمين:
أحدهما: أن الجمعة فائتة في هذه الحالة، سواء كان قد مضى من الصلاة ركعة، أو أقل منها، أو أكثر حتى لم يبق إلا تسليمة الإمام.
ووجهه عند بقاء الأكثر الإجماع، وعند بقاء ما دونه: أنه خرج وقتها قبل الفراغ من فعلها؛ ففاتت كما إذا كان الماضي أقل من الباقي.
ولأن ما كان شرطاً في الركعة الأولى من صلاة الإمام، وجب أن يكون شرطاً
في جميع صلاته، أصله: الطهارة، وستر العورة.
فإن قيل: قد قال- عليه السلام-: ["من أدرك من الصَّلاة ركعةً فقد أدركها".
وقال- عليه السلام]-: "من أدرك ركعةً من صلاة الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمَّت صلاته".
قلنا: هما محمولان على المسبوق، على أن بعض أصحابنا قال- إذا فرغ الإمام من الجمعة، وأدرك معه مسبوقٌ ركعة تامة، وخرج الوقت قبل أن يتمَّ المسبوق صلاته-: إن الحكم كما لو وقع ذلك للإمام ومن معه من ابتداء الصلاة، وهو الصحيح في "الرافعي".
الثاني: أن الصلاة لا تبطل، بل يتمها ظهراً أربعاً.
ووجهه: أنهما صلاتان يسقط فرض إحداهما بفعل الأخرى؛ فجاز أن يبني التام منهما على المقصور، أصله: إذا أحرم المسافر بالصلاة، ثم صار مقيماً قبل إتمامها.
ولأن الوقت شرط كالعدد، وهي لا تبطل بنقص العدد؛ فكذلك لا تبطل بخروج الوقت، وهذا ما نص عليه، ولم يورد العراقيون غيره.
وقال في "الإبانة": إنه الظاهر، لكن هل يحتاج إلى تجديد نية الظهر، أو لابد من نقلها ظهراً من حينئذ؟ فيه وجهان حكاهما صاحب "الفروع" و"العدة":
أصحهما: الأول.
ومقابله: مفرع على المشهور في [أن] الظهر لا تنعقد بنية الجمعة.
قال الرافعي: أما إذا قلنا: إنها تنعقد بها- كما هو وجه ضعيف- فهاهنا أولى.
وفيه نظر.
وعلى كلا الوجهين يسرُّ بالقراءة من حينئذ، وقد حكي أبو علي في "شرح
التلخيص" عن بعض الأصحاب وجهاً: أن الصلاة تبطل بخروج الوقت كمذهب أبي حنيفة.
والفرق بين ما نحن فيه والمسافر إذا نوى القصر ثم أقام- حيث له أن يكمل الصلاة قولاً واحداً، وليس عليه الاستئناف-: أن للمسافر في الابتداء أن يصليها أربعاً؛ فلهذا قلنا في الانتهاء: له ذلك، بخلاف ما نحن فيه؛ فإنه ليس له أن يوقع الصلاة أربعاً ابتداء عند جهله بخروج الوقت قبل التمام.
والفرق بين ما نحن فيه وبين مسألة الانفضاض: أن الاحتراز عن خروج الوقت في أثناء الصلاة ممكن، بخلاف الانفضاض؛ فلذلك لم نحكم بالبطلان عند وجده.
وسلك القاضي الحسين في ذلك طريقاً آخر، فقال: القول بعدم البطلان صحيح إذا قلنا: إن الجمعة ظهر مقصور، أما إذا قلنا: صلاة مستقلة بنفسها، فهل تنقلب نفلاً أو تبطل؟ يخرج على وجهين، أو يقال: له قول في الجديد: أن الجمعة ظهرٌ مقصور؛ لتنصيصه في هذا الموضع، وهذا منه جواب لسؤال مقدر، وهو أن كون الجمعة ظهراً مقصوراً هو قوله في القديم، ونصه على أنه يتمها ظهراً قاله في الجديد، فكيف يكون مبنيّاً عليه؟! فلذلك قال: "أو نقول: له قول في الجديد: أنها ظهر مقصور"؛ لنصه هنا.
قال: أو نقول: يتمها ظهراً وإن قلنا: إنها صلاة مستقلة؛ لأنها والظهر فرضَا وقتٍ واحد وإن اختلفت التسمية، ولا كذلك أداء الظهر بنية الصبح.
وقال بعد ذلك: إن أحداً من أصحابنا لم يقل بأنه إذا دخل وقت العصر في خلال الجمعة: إن الصلاة تبطل.
وإن قلنا: إنها فرض آخر، وجب أن تبطل.
وما قال به أحد من أصحابنا.
فروع:
الأول: إذا وقع سلام الإمام في الوقت، وسلام المأمومين بجملتهم خارج
الوقت، [أو سلم معه في الوقت] من لا يتم العدد به- قال الرافعي: فالصورة شبيهة بمسألة الانفضاض.
ولو سلم معه في الوقت تمام العدد، حصل لهم الجمعة، وفيمن وقع صلاته خارج الوقت الخلاف السابق.
الثاني: إذا تحقق في الوقت أنه لو شرع في الخطبتين والصلاة مع الاقتصار على ما يجزئ، خرج الوقت وهو في أثناء الصلاة؛ ففرضهم الظهر، ويفعله في الوقت، نص عليه في "الأم".
الثالث: إذا شك بعد السلام هل وقع السلام في الوقت أو بعده، صحت الجمعة للكل.
ولو حصل الشك قبل السالم، فهل يتمها جمعة أو ظهراً؟ فيه [قولان، وقيل:] وجهان، أصحهما: الأول، وهو ما حكاه الماوردي هنا، والقاضي الحسين في كتاب الصيام لا غير، وهو قول الأكثرين؛ كما قال الرافعي.
وقال الإمام في كتاب الصيام: إن الصيدلاني حكاه عن النص وهو غريب، وقد ذكر صاحب "التلخيص" في مسائله التي استثناها في ترك اليقين بالشك هذه المسألة، ثم قال الإمام: والوجه عندي أنا إن قلنا: [إن] الجمعة صلاة على حيالها، فيتجه ما ذكره الصيدلاني.
وإن جعلناها ظهراً مقصوراً، فالأصل الظهر، فمهما طرأ الشك لم تصح الجمعة؛ رجوعاً إلى الأصل.
الرابع: إذا وقع الشك في بقاء الوقت قبل عقدها، قال في "الإشراف": ففي جواز التجميع خلافٌ، أصله: أن الجمعة فريضة على حيالها [أو ظهر مقصور؟ إن قلنا: فريضة على حيالها]، جازت، وإن قلنا: ظهر مقصور، فلا.
والذي حكاه الإمام في كتاب الصيام في هذه الصورة: أن الجمعة لا تنعقد، وأن الصيدلاني قال: إنما كان كذلك؛ لأن الوقت يخرج وهم في أثناء الصلاة غالباً.
قال: والخامس: ألا يكون قبلها ولا معها جمعة أخرى، أي: في البلد.
قال الشافعي: لأنه لو جاز فعلها في مسجدين، لجاز في مسجد العشائر، وذلك لا يجوز إجماعاً؛ فكذا هنا، والعشيرة: المحلَّة، والعشائر: جماعة.
ولأن القدوة في هذا بالرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده، ولم ينقل أنهم جمَّعوا في أكثر من موضع واحد في المدينة.
ولأن الجمعة إنما سميت؛ لاجتماع الجماعات من الجوانب.
قال الأصحاب: وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: 9] يدل عليه؛ فإن الظاهر أنّ هذا أمر بالسعي إلى صلاة واحدة عند نداء واحد.
ولا فرق في ذلك بين أن يقل الجمع في البلد أو يكثر.
فإن قيل: قد دخل الشافعي- رحمه الله- بغداد، وصلى الجمعة في جامع المنصور، وكانت الجمعة تقام في الجانب الغربي في الرصافة، ولم ينكر ذلك ولا غيره؛ فدل على جواز إقامة جمعتين في البلد الكبير.
قلنا: اختلف أصحابنا في جواب ذلك على أربعة أوجه:
أحدها- قاله أبو الطيب بن سلمة-: أن ذلك إما جاز فيها؛ لأنها ذات جانبين يفصل بين كل منهما النهر الذي لا يخوضه غير السابح؛ فكلُّ جانبٍ بلد بنفسه، والشافعي إنما منع إقامة جمعتين في البلد إذا كان ذا جانب واحدي، وهذا منه يقتضي أن البلد إذا كان ذا جانبين- كبغداد- يجوز إقامة جمعة في كل جانب، وقد صرح به عنه القاضي أبو الطيب، وأنه لا يجوز أن يقام ببغداد أكثر من جمعتين، قال القاضي أبو الطيب وغيره: وما ذكره ليس بشيء، بل هما كالبلد الواحد؛ بدليل أنا أجمعنا على أن من سافر من أحد الجانبين لا يقصر حتى يفارق الجانب الآخر، لكن في الرافعي أن ابن كج نقل أنه ألزم هذه المسألة، فقال بها، وقال: يجوز القصر.
والثاني- حكاه أبو إسحاق عن بعض الأصحاب-: أن ذلك إنما جاز؛ لأنها كانت قرى متفاصلة، [فحدث العمارات الواصلة]؛ فاستمر الحكم، ومقتضاه: منع إقامة أكثر من جمعة واحدة في بلد أنشئ دفعة واحدة كبيراً، وجواز إقامة جمعة في كل ما كان قرية منفردة قبل اتصال العمارة كبغداد ونحوها.
وقد حكي عن أبي حامد أنه [قالي: لو كان كذلك، لجاز القصر قبل مفارقة كلها لمن أراد السفر من بعضها، وهو لا يجوز.
لكن لمن قال بذلك أن يلزم جواز القصر كما ألزمه ابن سلمة حيث أورد عليه مثل ذلك، ويؤيده أن الإمام حكى عن صاحب "التقريب": أنه قال: إذا جرينا على ما ذكره الأصحاب في هذا، فيحتمل أن يقال: لو جاوز هامٌّ بالسفر قريةً من تلك القرى إلى أخرى، والعمارة متصلة، ينبغي أن يترخص [ترخص] السفر؛ فإنه لم يثبت لها حكم الاتحاد، لكن يحتمل أن يقال: إذا اجتمعت البلاد، زال حكم التفرق منها، وصارت البقعة كأنها بنيت على الاتحاد.
والثالث- حكاه أبو إسحاق عن بعض الأصحاب أيضاً؛ كما قال البندنيجي-: أنه إنما جاز ذلك ببغداد؛ لعسر الاجتماع في موضع واحد، فإذا وجد ذلك في غيره من البلاد، ولم يمكن اجتماعهم في موضع واحد لكبر البلد، جاز إقامتها في موضعين؛ لدفع المشقة وخفاء أفعال الإمام عن المأمومين.
ولأنه لو منع ذلك، لأدّى إلى أن يجب التبكير إليها قبل الفجر؛ لبعد الجامع وأحد لا يقول هذا، والشافعي حيث منع من إقامة جمعتين في بلد، إنما منعه عند إمكان الاجتماع في موضع واحد من غير مشقة.
وقد نسب القاضي أبو الطيب وغيره هذا القول إلى أبي إسحاق نفسه وابن سريج.
وقال الماوردي: [إنه به أفتى] أبو إبراهيم المزني، وهو اختيار ابن كج، والحناطي، والروياني.
قال الرافعي: وعليه يدل قوله في "الوسيط".
والرابع- قاله الشيخ أبو حامد-: أن مذهب الشافعي أنه لا يجوز إقامة جمعتين ببغداد أيضاً، وإنما ترك الكلام في هذا حين دخلها؛ لأنها مسألة خلاف؛ فإن أبا يوسف قال: إذا كان البلد ذا جانبين، ليس بينهما جسر، فلكلٍّ حكم نفسه.
وكل ما ذكر من التأويل يخرَّج على مذهب الشافعي، وهذا الجواب قد ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ أيضاً.
وعلى هذا قال الشيخ: فإن كان قبلها جمعة، فالجمعة هي الأولى؛ لأنها أقيمت بشرائطها، والثانية باطلة؛ لفقد شرطها؛ فيجب على من صلاها الظهر إن لم يتمكن من إدراك الأولى.
ولفظ الشافعي: "فعليهم أن يستأنفوا الظهر، وليس كالمسافر ينوي القصر أربعاً؛ لأن أصل فرضه أربعٌ، ولو أتموا أربعاً لم يبن لي أن عليهم الإعادة؛ لأنه قد يحرم بالجمعة ثم يخرج الوقت؛ فيصليها ظهراً".
قال الطبري: فقد حصل فيها قولان حكاهما الإمام- أيضاً- والذي حكاه البندنيجي عن نصّه الثاني فقط، وقال: إنه يستحب أن يستأنف الظهر أربعاً.
[والرافعي] قال: إن الحكم في ذلك كما لو خرج الوقت وهم في صلاة الجمعة، وقد سبق.
ثم هذا فيما إذا لم يكن الإمام مع الثانية، أما إذا كان معها، فسيأتي حكمه.
ثم بماذا تعتبر القبليّة؟ فيه قولان حكاهما العراقيون:
أحدهما: بالفراغ من الصلاة، وهو ما ذكره المزني في "جامعه".
والصحيح- بالاتفاق-: بالإحرام.
وعلى هذا: هل الاعتبار باستكمال تكبيرة الإحرام، أو بالشروع فيها؟ فيه وجهان:
أصحهما في "الرافعي": الأول.
وحكى المراوزة مع الثاني في الأصل وجهاً بدلاً عن الأول: أن المعتبر الشروع في الخطبة، وبه يحصل في المسألة أربع مقالات.
وقد أشار الإمام والقاضي الحسين إلى أنّ الخلاف الذي حكيناه عن المراوزة له التفات على أن الخطبتين بدل عن الركعتين أولاً؟
قال: وإن كان معها جمعة أخرى، [ولم تُعلم السابقة] منهما، ولم تنفرد إحداهما عن الأخرى بإمام- فهما باطلتان.
هذا الفصل ينظم صورتين كل منهما مصورة بما إذا لم تنفرد إحداهما [بإمام:
فالأولى: إذا وقعت الجمعتان معاً فهما باطلتان اتفاقاً؛ إذ لا مزيّة لإحداهما] على الأخرى؛ فيستأنف جمعة أخرى إن اتسع الوقت، وإلا صلوا الظهر، ويقع النظر في هذه الحالة في أن كل طائفة تستأنف الظهر، أو تبني على ما مضى؟ ولا يبعد تخريجه على ما سبق.
الثانية: إذا وقعت إحداهما بعد الأخرى، ولم تعلم السابقة منهما- فقد قال: إنهما باطلتان أيضاً؛ لما ذكرناه.
فعلى هذا يجب على كل من الطائفتين إعادة الصلاة كما نص عليه.
وقال المزني: لا إعادة عليهما؛ لحصول الجمعة لهما في الظاهر؛ فلم يجز إبطالها بالشك الطارئ.
قال الماوردي: وهذا خطأ؛ لأن اليقين ثبوت الصلاة في الذمة، والشك طارئ في سقوطها عن الذمة؛ فوجب أن يكون الفرض باقياً لا يسقط إلا بيقين.
وعلى هذا: فما الصلاة التي يجب إعادتها؟ حاصل ما قيل فيه طريقان:
إحداهما- قالها البندنيجي-: أنها الظهر، ولا يجب إعادة الجمعة بلا خلاف، لكن هل يجوز للطائفتين إقامتها؟ فيه قولان:
قال في "الأم": يجوز.
وقال الربيع: فيه قول آخر: أنها لا تقام؛ لأنا وإن جهلنا عين السابقة فما جهلنا أن فيهما سابقة؛ فلا تقام بعدها جمعة.
والثانية- حكاها الماوردي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم-: أن الواجب إعادة الظهر أو الجمعة؟ فيه قولان، نص عليهما في "الأم"؛ كما قال الماوردي.
وادّعى الإمام والغزالي: أن الأظهر إقامة الجمعة، وهو ما يقتضيه كلام الشيخ.
وإذا قلنا بمقابله، كان معنى قول الشيخ: "فهما باطلتان" بالنسبة إلى الإجزاء، وإلا فالأولى صحيحة؛ ولذلك منعت انعقاد جمعة أخرى.
ولو وقعت إحداهما بعد الأخرى، وعلمنا السابقة ثم أشكلت، [فالذي] قاله البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ: أن الحكم كما لو [لم] نعلم ذلك ابتداء، ووقعت إحداهما بعد الأخرى، ومقتضاه: مجيء الطريقين.
وقال الإمام: الذي صار إليه الأصحاب: أنهم لا يقيمون الجمعة، ويجب على جميعهم صلاة الظهر.
وذكر شيخي في بعض دروسه أن من أصحابنا من ألحق هذه الصورة بما إذا تقدمت جمعة قطعاً، ولم تتعين المتقدمة.
وهذا وإن كان متجهاً في المعنى، فهو بعيد في الحكاية، والقاضي الحسين حكى الطريقين عن القفال، فقال: إنه أجاب في كرَّة بمنع إقامة الجمعة ثانياً، وقال في موضع آخر: إن محل القولين في إقامة الجمعة ثانياً إذا عرف عين السابقة ثم اشتبه الحال.
وأما إذا لم تعرف، وتحقق السبق، فهو يترتب على هذه الصورة، وأولى بالبطلان، وبإعادة الجمعة.
ولو وقعت الصلاتان، واحتمل أن تكون إحداهما وقعت بعد الأخرى أو وقعتا
معاً- فالذي أورده ابن الصباغ وأبو الطيب: أن الحكم كما لو وقعتا معاً، وهذا يوافقه قول الماوردي: إن عليهم إعادة الجمعة قولاً واحداً.
وهو ما حكاه الإمام عن الأصحاب حيث قال: الذي قطع به الأئمة تنزيل هذا منزلة ما لو وقعتا معاً؛ فلا جمعة لواحد، ثم قال: والجمعتان إذا وقعتا معاً أمرناهم بإعادة الجمعة عند اتساع الوقت، ويسقط بها الفرض.
والقول بمثل هذا هنا فيه إشكال؛ فإنا نجوز أن إحدى الجمعتين تقدمت على الأخرى، وإذا كان كذلك فلا يصح عقد جمعة أخرى، وإذا فرض ذلك فلا تحصل البراءة يقيناً، والذي يقتضيه الاحتياط في ذلك أن يقيموا جمعة ثم يصلوا [من] عند آخرهم الظهر؛ فيخرجون عما لزمهم قطعاً، هذا حكم القياس في طلب اليقين في الخروج عما يلزم، لكن الذي ذكره الأئمة: أنهم إذا أقاموا الجمعة مرة أخرى- والصورة كما ذكرنا- كفتهم؛ كما لو وقعت الجمعتان معاً.
قلت: وهذا الذي ذكره الإمام من الاحتمال إنما يتم على قولنا بأ، الجمعة تقام عند تحقق سبق إحداهما، ولم تتميز عن الأخرى كما ادعى أنه الأظهر.
أما إذا قلنا بأن الواجب إعادة الظهر- كما حكاه الربيع- فلا.
وقد ادّعى البندنيجي أن الحكم في هذه الصورة كما إذا وقعت إحداهما بعد الأخرى، ولم يعرف عين السابقة في جميع ما ذكرناه.
[وإن كان الإمام مع الثانية، ففيه قولان:
أحدهما: أن الجمعة جمعة الإمام؛ لأن في تصحيح خلاف جمعته إفضاءً إلى فتح باب الافتيات عليه؛ إذ لا يؤمن أن تقوم كل شرذمة وتعقد جمعة في طرف البلد تبطل عليه جمعته.
وعلى هذا: إذا كان الإمام مع إحدهما ووقعتا معاً، فالجمعة جمعة الإمام، والأخرى باطلة.
والثاني: أن الجمعة هي السابقة؛ لأن حضور الإمام وإذنه في عقدها ليس بشرط في صحتها على المذهب، كما في الحج.
وعلى هذا: إذا وقعتا معاً، والإمام مع إحداهما بطلتا أيضاً.
ويجري الخلاف فيما لو وقعت إحداهما بعد الأخرى، ولم تعلم السابقة منها، والإمام مع إحداهما.
والمراد بالإمام الذي يرجح به: الإمام الراتب المنصوب من جهة الإمام الأعظم، والإمام الأعظم لو كان مع إحداهما كان أولى بالترجيح.
ولو أقيمت الجمعتان بإمامين من جهة الإمام فهو كما لو لم يكن الإمام مع واحدة منها].
قال: والسادس: أن يتقدمها خطبتان.
هذا الفصل ينظم حكمين:
أحدهما: أن من شرطها: الخطبتان، ودليله: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، فأمر بالسعي إلى ذكر الله، وذلك يتضمن الخطبة والصلاة؛ فاقتضى أن يكون الأمر بهما واجباً.
أو نقول: الذكر في الآية مجمل يفتقر إلى بيان، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بفعله، فخطب خطبتين، وصلى ركعتين، وأيّده بقوله: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي"، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده أقاموها إلا بخطبتين، ولو جاز بغيرهما لفعل مرة؛ لبيان الجواز.
وقد روي عن عمر وغيره- رضي الله عنهم- أن الصلاة إنما قصرت للخطبة.
والخطبة- بضم الخاء-: الكلام المؤلف المتضمن وعظاً وإبلاغاً، وخطبة المرأة- وهي طلب نكاحها-: بالكسر.
والثاني: أن من شرط الاعتداد بهما وقوعهما قبل الصلاة، خلافاً للحسن البصري فقط.
ووجهه- قبل إجماع من قبله ومن بعده- من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: 10]، فأباح الانتشار بعد انقضاء الصلاة، وقد ثبت أن الخطبتين شرطان فيها، ولو كانتا بعد الصلاة، لما جاز الانتشار بعد الصلاة؛ فتعين أن تكونا قبلها، وعلى ذلك جرى فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وفرق الأصحاب بين الخطبتين في الجمعة، وبين الخطبتين في العيد حيث كانتا فيه بعد الصلاة، وكذا سائر الخطب- بفرقين:
أحدهما: أن خطبة الجمعة واجبة؛ فقدمت؛ ليجلس الناس لسماعها قبل الصلاة؛ فلا ينتشروا قبل ذلك، وخطبة العيد ونحوها غير واجبة، فإذا انتشر الناس عنها، لم يقدح فيها.
والثاني: أن الجمعة لا تؤدي إلا في جماعة مرة واحدة، ولا تقضي؛ فقدمت الخطبة عليها؛ ليمتد الوقت، ويلحق الناس الصلاة، وصلاة العيد تؤدي من غير جماعة.
وكما يشترط وقوعهما قبل الصلاة يشترط وقوعهما بعد الزوال أيضاً؛ لأنه- عليه السلام- كان يخطب يوم الجمعة بعد الزوال، ولو جاز التقديم لقدمهما صلى الله عليه وسلم؛ تخفيفاً على المبكرين، وإيقاعاً للصلاة في أوّل الوقت.
قال: ومن شرطهما الطهارة، أي: عن الحدث والخبث المشترطين في الصلاة، والستارة، [أي:] المشترطة في الصلاة في أحد القولين.
هذا الفصل ينظم حكمين:
أحدهما: الطهارة من الحدث والخبث هل شرط فيهما أو لا؟ وقد حُكي فيها قولان:
أحدهما: نعم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب، ويصلي من غير فاصل؛ فعلم أنه كان يخطب على طهارة، وإذا كان كذلك، وجب إتباعه؛ لما تقدم من التقرير؛ وهذا ما نص عليه في "الأم".
ومقابله: أن ذلك ليس بشرط كما لا يشترط فيهما استقبال القبلة.
ولأنهما ذكر يتقدم الصلاة؛ فلم يشترط فيهما الطهارة؛ كالأذان.
وهذا ما نص عليه في القديم.
قال في "الوسيط": وهو الأقيس.
وقد روى الإمام هذا الخلاف وجهين، وكذا القاضي الحسين، وبناهما على أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا؟ وهما قولان صرح بحكايتهما الإمام:
فإن قلنا: إنهما بدل عن الركعتين، اشترطت، وإلا فلا، وهذه الطريقة هي المذكورة في الوسيط، وكلام العراقيين يرشد إليها.
[و] قال الإمام: هذا البناء لا أرضاه مع القطع بأن الاستقبال ليس مشروطاً فيهما.
والوجه أن يقال: هذا مبني على أن الموالاة بين الخطبة والصلاة هل هي شرط أم لا؟ إن قلنا: نعم، فلابد أن يكون متطهراً؛ لأنه يحتاج بعد الخطبة إلى الطهارة؛ فتختل الموالاة.
وإن قلنا: لا تشترط الموالاة، فلا تشترط الطهارة.
وقد وافق بعض المتأخرين الإمام على تضعيف البناء الأوّل، وأيّد تضعيفه بأن الكلام جائز فيهما، ولو كانتا بدلاً عن الركعتين لم يجز.
وهذا لا يصح؛ لأن القاضي الحسين قال: في جواز الكلام فيهما جوابان مبنيان على أنهما بدل أم لا؟
وقد أفهم كلام الشيخ: أنّه لا فرق في جريان القولين في الطهارة من الحدث بين الصغرى والكبرى، وبه صرّح في "التتمة"، لكن المذكور في "التهذيب": أنه لو خطب جنباً، لم تحتسب له قولاً واحداً؛ لأن القراءة شرط، ولا تحسب قراءة الجنب، قال الرافعي: وهذا أوضح.
قلت: ستعرف أن المنقول عن "الإملاء" أن أركان الخطبة: الحمد [لله]، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوعظ.
ولم يذكر القراءة، وكذلك لم يعدها صاحب "التلخيص" من أركان الخطبة، وبه قال أبو إسحاق.
وإذا كان كذلك فلعل الشافعي حيث قال بأن الطهارة ليست بشرط قال بأن القراءة ليست من الأركان، وحينئذ فلا إشكال.
ثم على تقدير اشتراط القراءة وإجراء القولين في الطهارة مع ذلك، فما قاله البغوي ينبغي أن ينبني على أن قراءة الجنب [القرآن] هل يخرج بها عن نذر القراءة أم لا؟ وفيه خلاف حكاه القاضي الحسين في كتاب الاعتكاف:
فإن قلنا: إنه يخرج بذلك عن نذره، فقد جعلنا قراءة الجنب معتدّاً بها؛ فكذا هنا، ولعل القائل بالاعتداد بها ثمَّ أخذه من القول بعدم اشتراط الطهارة في الخطبة.
وإن قلنا: لا يعتد بقراءة الجنب- وهو الأصح- فينبغي أن ينبني ذلك على أن الموالاة شرط أم لا؟
فإن قلنا: إنها شرط، فلا وجه إلا ما قاله البغوي.
وإن قلنا: [إن] الموالاة لا تشرط فيها؛ فيجيء القولان في اشتراط الطهارة [فيما عدا القراءة، وتشترط في القراءة قولاً واحداً.
وهذا إذا قلنا: إن القولين في الطهارة] ليسا مبنيين على أن الموالاة تشترط أم لا؟ أما إذا قلنا: إنهما مبنيان [على ذلك] فلا يجيء على القول باشتراط الموالاة إلا ما قاله البغوي، وعلى عدم اشتراطها إلا الجواز فيما عدا القراءة، والوجوب في القراءة.
وقد أفهم كلام الماوردي أن القول القديم في عدم الاشتراط إنما هو في الحدث الأصغر؛ كما قاله البغوي؛ لأنه قال: فأما الطهارة للخطبة فمأمور بها، فإن خطب من غير طهارة، فقد أساء، وفي إجزائها قولان: أحدهما- وهو قوله في القديم: تجزئه لأنه قال في القديم: "وإذا أحدث الإمام على المنبر، أحببت أن ينزل، ويتطهر، ويعود؛ ليبني على خطبته، وإن لم ينزل، ومضى على خطبته، فقد أساء، وأجزأه".
وفي "الروضة": أن الصحيح- أو الصواب- قول صاحب "التتمة"، وبه جزم في "المحرّر"، وأيد ذلك بأن أبا حامد والماوردي وآخرين قالوا: لو بان لهم بعد فراغ الجمعة: أن إمامها كان جنباً أجزأتهم، ونقله أبو حامد والأصحاب عن نصه في "الأم"، ولا شاهد له في ذلك؛ لأن الكلام في اشتراط الطهارة فيهما مع العلم لا مع الجهل، [وإلا فكون] الإمام متطهراً شرطٌ في صحة الصلاة بلا خلاف، ومع ذلك لو بان محدثاً لا إعادة عليهم، والله تعالى أعلم.
والثاني: أن الستارة: هل هي شرط [فيهما أم] لا؟ وقد حكى الشيخ فيها قولين، ولم أر أحداً من الأصحاب حكاهما قولين، بل وجهين.
والقاضي الحسين بناهما على أنهما بدل عن الركعتين أم لا؟
والإمام لما رأى ضعف هذا البناء وجه الاشتراط بذم الخطيب، وما فيه من هتك الانكشاف لو لم يستتر، مع العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخطب إلا مستتراً، وقال "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي".
والوجه الآخر يوجه بما وجهنا به مثله في الطهارة.
والستارة: بكسر السين، وهي السترة، وتقديره: لبس الستارة، فحذف المضاف، ولو قال: الستر، كان أوضح وأخصر.
فرع: على قولنا باشتراط الطهارة، فسبقه الحدث في الخطبة، فهل يبني غيره عليها إذا جوزنا الاستخلاف في الصلاة؟ فيه وجهان في "الشامل" وغيره، وهما في "تعليق" القاضي الحسين في أثناء فصل من الباب، ومبنيان على أن الخطبتين بدل عن الركعتين أو لا؟ وهما جاريان كما حكاه الإمام والقاضي الحسين- أيضاً- فيما لو أحدث بعد الفراغ من الخطبة، وقبل الشروع في الصلاة: هل يجوز أن يستخلف من يصلي أم لا؟ وان شيخه مال إلى المنع وإن كان يجوز الاستخلاف في نفس صلاة الجمعة؛ لأن الجمعة لما
انعقدت فقد اشتمل عقدها على الإمام الأول، والمستخلف بدله، والنظر إلى اتحاد العقد، وإذا فرض التعدد في الخطبة والمصلي، فقد انقطع شرط الصلاة- وهو الخطبة- عن الصلاة؛ فلم يقم بهما واحد مع تميز أحدهما عن الثاني.
والذي أورده ابن الصباغ وأبو الطيب والبندنيجي: الجواز، [حتى] قال البندنيجي: إنه لو خطب بهم واحد، وقبل أني حرم أحرم بهم من حضر الخطبة، صحت صلاتهم خلفه مع بقائه على الطهارة.
وقيل: [إنه] يجوز أني ستخلف من يصلي بهم وإن لم يكن قد سمع الخطبة؛ حكاه القاضي الحسين [وكذا] الماوردي.
وقال الروياني في "تلخيصه": إنه قول.
والأصح اشتراط سماعه الخطبة.
ولو تطهر الأول وعاد فيما إذا كان حدثه في أثناء الخطبة، فهل يبني؟ نظر: إن طال الفصل فلا، بل يستأنف الخطبة إن شرطنا الموالاة، وإن لم نشرط الموالاة، ولم يطل الفصل- فوجهان:
أظهرهما: الاستئناف- أيضاً- لأنها عبادة واحدة؛ فلا تؤدي بطهارتين كالصلاة؛ كذا قاله الرافعي تبعاً للغزالي، وهو منهما بناءً على [أن] اشتراط الطهارة في الخطبتين ليس مبنيّاً على اشتراط [الموالاة، ومن بناه على ذلك لا يحتاج إلى أن يقول: [إن شرطنا] الموالاة بطلت.
ولا يقال: إن القولين في اشتراط] الطهارة إنما بنيا على القولين في أن الموالاة بين الخطبة والصلاة: هل هي شرط أم لا؟ لا على أن الموالاة بين آخر الخطبة هل هي شرط أم [لا]؟ لأن من اشترطها بين الخطبة والصلاة، اشترطها في آخر الخطبة من طريق الأولى، والله أعلم.
قال: والقيام، أي: شرط، بلا خلاف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده لم يخطبهما إلا
قائماً، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ [الجمعة: 11].
وقد روى مسلم أن الترك كان والنبي صلى الله عليه وسلم [قائم] يخطب.
قال الشافعي: ولم أعلم مخالفاً من أهل العلم: أنهم انفضوا عنه صلى الله عليه وسلم في حال قيامه في الخطبة، وإذا كان كذلك، وجب إتباعه؛ لما تقدم من التقرير.
ولأنه ذكر يختص بالصلاة، ليس من شرطه القعود، فكان من شرطه القيام؛ كالقراءة، والتكبير.
وقولنا: "ليس من شرطه القعود" احترزنا به عن التشهد.
وهذا هو المشهور، ولم يورد العراقيون غيره، وحكى القاضي الحسين فيه وجهاً آخر: أنه غير واجب فيهما؛ بناءً على أن الخطبتين غير بدل عن الركعتين، وقد حكاه القاضي ابن كج أيضاً، وحكاه بعضهم قولاً معزيّاً إلى "حلية" الروياني.
وعلى الأول: لو عجز عن القيام، جاز أن يخطب قاعداً؛ كما في الصلاة، والأولى له أن يستنيب، وإن عجز عن القعود، خطب مضطجعاً، ويجوز للناس الاقتداء به في حالة قعوده واضطجاعه، سواء صرح لهم بأنه عاجز عن ذلك أو سكت عنه؛ فإن الظاهر [أنه] إنما يفعل ذلك لعجز، فإن بان أنه كان قادراً، فهو كما لو بان جنباً.
قال: والقعود بينهما، أي: شرط- أيضاً- بلا خلاف؛ لأنه [يحصل به التمييز] بين الخطبتين.
ولأن الباب باب إتباع، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، روى جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب.
قال: فمن نبَّأك أنه كان
يخطب جالساً، فقد كذب؛ فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة.
أخرجه مسلم.
ورواية أبي داود عنه: [أنه] كان يخطب قائماً، ثم يقعد قعدةً، فلا يتكلم.
وساق الحديث.
قال الأصحاب: ويكون جلوسه بقدر قراءة سورة الإخلاص.
حكاه البندنيجي، وعزاه الإمام والقاضي الحسين إلى نصه في "الكبير"، وهذا أكمله.
وأقله- كما قال الإمام-: أن يقعد مطمئناً؛ كما في الجلوس بين السجدتين.
وفي "الرافعي": أنّ الروياني حكى في "البحر" أنه يجب أن يكون جلوسه بقدر قراءة سورة الإخلاص، ولا يجوز أقل من ذلك، ونسبه إلى النص.
وقد حكى ابن كج عن رواية ابن القطان عن بعض الأصحاب: أنها لا تجب، وأنه يكفي الفصل بينهما بسكتة خفيفة وهو قائم.
[وفي "زوائد" العمراني، في باب صلاة العيد: أن صاحب "الفروع" ذكر: إذا خطب للعيد قائماً جلس بين الخطبتين؛ على معنى السنة، وقيل: الجلسة بعينها ليست بمعتبرة في شيء من الخطب، وإنما المعتبر حصول الفصل، سواء كان بجلسة أو بسكتة أو كلام من غير ما هو فيه، والمشهور ثمَّ] ما ذكره الشيخ.
نعم، يكفي السكوت فاصلاً في حال خطبته قاعداً؛ للعجز عن القيام، وهل يجب ذلك أو هو مستحب؟ فيه وجهان:
أصحهما: الأول.
والذي أورده القاضي أبو الطيب: الثاني لا غير.
فإن قيل: لم عددتم [القيام والقعود] هنا من الشروط، وهما في الصلاة
يعدَّان من الأركان.
قلنا: قال الإمام: الأمر فيهما قريب، ولا حجر على من يعدُّهما من الأركان كما في الصلاة، ولا على من يعدهما من الشروط في الصلاة أيضاً.
أو نقول: المقصود ما يقع فيهما، وهما محلَّان.
ويجوز الفرق بأن الغرض من الخطبة: الوعظ، وهو أمر معقول، ولا يتضح في الصلاة أمر معقول، فجعل القيام [ثم] بمثابة ما فيه، وهاهنا عدّ شرطاً ومحلّاً لما هو المقصود.
وقال بعض المتأخرين: الفرق: أن المطلوب بالصلاة الخدمة بحالتيه اللتين يلابس فيهما شئونه ويقضي مآربه وهما القيام والقعود، فلا جرم عدا ركنين؛ لكون المقصود بهما التعظيم، بخلافهما في الخطبة؛ فإن مقصودها الموعظة، والقيام فيها لا يعد وعظاً، ولا له مدخل فيه، والقعود مقصود بالفصل؛ فكان بالشروط أشبه.
قال: والعدد الذي تنعقد به الجمعة؛ لأنه قد جعل شرطاً في صحة الجمعة؛ فكان من شرطهما حضور العدد فيهما: كتكبيرة الإحرام، وإذا ثبت أن العدد [شرط فيهما]، فلو انفض القوم بجملتهم في أثنائهما، أو بعضهم بحيث نقص العدد عن الأربعين- فالذكر المأتي به في حال غيبتهم غير معتد به، بلا خلاف.
قال القاضي الحسين: اللهم إلا أن تبدر منه لفظة أو لفظتان.
والفرق بين الخطبة إذا انفضوا فيها، وبين الصلاة إذا انفضوا فيها حيث لا يضر ذلك على رأي: أن كل مصل يصلي لنفسه؛ فجاز أن يسامح في نقصان العدد في الصلاة، وفي الخطبة الخطيب لا يخطب لنفسه، وإنما الغرض إسماع الناس وتذكيرهم، فما جرى ولا مستمع أو مع نقصان عدد المستمع- فات فيه مقصود الخطبة؛ فلم يحتمل ذلك.
وإذا ثبت ذلك نظرت: فإن لم يعد المنفضون ولا غيرهم، امتنعت إقامة الجمعة.
وإن عاد غيرهم، فقد قال في "التهذيب" و"التتمة": إنه لابد من استئناف الخطبة، طال الفصل أو لم يطل.
وقال في "الوسيط": إنه إن عاد مكانهم آخرون، فالحكم كما لو عادوا بأنفسهم.
[ولو عادوا بأنفسهم]، نظرت: فإن كان الفصل يسيراً، بنى على الخطبة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّم سليكاً الغطفاني في الخطبة، وكذلك كلم قبله أبا الحقيق في أثنائها- كما سنذكره- ثم بنى، ولم يجعل للفصل اليسير حكماً.
وأيضاً: فالفصل اليسير كعدم الفصل؛ ألا ترى أنه لو سلم ناسياً، ثم تذكر، ولم يطل الفصل، جاز البناء؟! فكذلك يحتمل الفصل اليسير بين صلاتي الجمع.
[وحد القرب بقدر ما بين صلاتي الجمع] كما قاله القاضي الحسين.
وابن الصباغ جعل المرجع فيه إلى العرف.
وإن عادوا بعد طول الفصل، فهل يبني أو يستأنف؟ فيه قولان جاريان فيما لو سكت قدر ذلك، والقولان مخرجان- كما قال الإمام؛ حكاية عن الأصحاب- على قولين في أن الموالاة في الخطبة هل تشترط أم لا؟
أحدهما- وهو ما قال البندنيجي: إنه القديم-: [لا]؛ لأن الغرض الوعظ والذكر، وذلك حاصل مع تفريق الكلمات.
والثاني- وهو ما قال البندنيجي: إنه نص عليه في "الأم"، وهو الجديد؛ كما قال غيره-: نعم؛ لأن للولاء وقعاً في استمالة القلوب، ولأن الأوّلين خطبوا على الولاء؛ فيجب إتباعهم، وهذا هو الأصح بالاتفاق، وبه جزم الماوردي، وقال: إن غرض الخطبة باقٍ، وأنه لا يختلف المذهب في ذلك.
وقد بنى المتولي وآخرون الخلاف في المسألة على أن الخطبتين [بدل عن] الركعتين أو لا؟ إن قلنا: نعم، وجب الاستئناف، وإلا فلا.
وقال الفوراني: إنهما مبنيان على المولاة في الوضوء.
وقال في "الوسيط":إنهما يقربان من [قولي] الموالاة في الوضوء.
ولم يبنهما عليهما، لكن ظاهر المذهب ثمَّ: أنها لا تجب، وهنا: أنها تجب، ويدل على الفرق بين البابين: أن الفصل بالعذر ثمَّ لا يقدح على أظهر الطريقين، وهنا لا فرق بين أن تفوت الموالاة بعذر أو بغير عذر؛ كما أبداه الإمام احتمالاً لنفسه، فقال: الذي أراه ذلك، ولولا ذلك لما ضر الفصل الطويل هاهنا؛ لأن سببه عذر الانفضاض.
وجعل الإمام الفرق بين ما ادعاه هنا وبين الوضوء: أن الطهارة غير معقولة المعنى، ولا يختل بترك الموالاة فيها غرض، ولكن من حيث إن الطهارة عهدت متوالية كما عهدت مرتبة، اشترطناه في قول [فيها]، فإذا فرض عذر لم يمتنع أن يعذر صاحب الواقعة.
على أنه قد ورد على حسب ذلك أثر عن [ابن] عمر، رضي الله عنه.
وأما اشتراط الموالاة في الأذان والخطبة، فإنه متعلق بمعنى معقول، فإذا اختل ذلك المعنى المعتبر، لم يظهر فرق بين المعذور وغيره.
ولو انفضوا بعد الفراغ من الخطبة، نظر: فإن لم يعودوا، وحضر غيرهم، فليس له إقامة الجمعة بهم من غير إعادة الخطبة، بلا خلاف.
قال القاضي الحسين: لأن من شرط الجمعة أن تنعقد جمعة بأولئك الذين سمعوا الخطبة؛ لأن الصلاة والخطبة في معنى واحد [و] كالشيء الواحد.
وإن عادوا بأنفسهم، نظرت: فإن عادوا قبل طول الفصل، صلى الجمعة بتلك الخطبة؛ لأن الخطبة والصلاة بمنزلة صلاتي الجمع، والفصل بينهما في يسير لا يقطع الجمع.
وإن عادوا بعد طول الفصل، ففي وجوب الجمعة- والحالة هذه- خلافٌ
مأخذه: أن الموالاة: هل هي شرط بين الخطبتين والصلاة أم لا؟ وفيها وجهان أو قولان، أصلهما: أن المزني نقل أن الشافعي قال: "فإن خطب بهم وهم أربعون، ثم انفضوا عنه، ثم رجعوا مكانهم صلى الجمعة، وإن لم يعودوا حتى تباعد أحببت أن يبتدئ خطبة، فإن لم يفعل صلاها بهم ظهراً" واختلف الأصحاب في ذلك:
فذهب بعضهم إلى الأخذ بظاهر النص، وقال: إعادة الخطبة مستحبة، وهو بالخيار بين أن يخطب ويصلي الجمعة، أو لا يخطب ويصلي الظهر أربعاً؛ لأنه لا يأمن في القضاء ما لحقه في الأداء.
وهذه الطريقة تنسب إلى أبي علي صاحب "الإفصاح".
وقال البندنيجي: إنها أضعف الطرق.
وقال في "الحاوي": إن بها قال أكثر أصحابنا، وهي أصح الطرق، وأولاها؛ لأن ظاهر كلام الشافعي عليها، وكذا قال ابن الصباغ: إنها ظاهر كلام الشافعي.
قال الماوردي: ولا يجوز له عندها، ولا إذا خطب بهم وفي الوقت اتساع: أن يصلي الظهر؛ بل يصلي الجمعة.
وذهب ابن سريج إلى أن الخطبة التي فعلها قد بطلت، ويجب عليه استئنافها والإتيان بالجمعة إذا بقي الوقت؛ لأن الخطبتين بمنزلة صلاتي الجمع أو ركعة من ركعتي الصلاة، ولو فصل بين ذلك فصلاً، بطل ما أتى به، ووجب الاستئناف، فكذا هنا.
وقول المزني: إن الشافعي قال: "أحببت أن يبتدئ خطبة" لا نعرفه للشافعي، وقد أخطأ فيه.
وبعضهم يروي عنه: أنه قال: ويجوز أن يكون خطأ من الناقل، وإلا فهو: "أوجبت عليه أن يبتدئ خطبة"، أو [يكون] قال: "أحببت"، وأراد: أوجبت؛ لأنه يقول: "أحب" ويريد الإيجاب، كما يقول: "أكره"، ويريد: المحرم، كما جاء في
قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: 38] أي: محرماً.
وقوله: "فإن لم يفعل، صلى بهم ظهراً"، أراد به: إذا لم يرجعوا حتى ضاق الوقت، ولم يمكن فعل الجمعة فيما بقي منه، وهذه طريقة القفال- أيضاً- والأكثرين؛ كما قال الرافعي.
وقال في "الحاوي": إنها وإن كان لها وجه، فالأولى أظهر، وقد أخطأ في تخطئة المزني؛ لأن الربيع والبويطي والزعفراني هكذا نقلوا عن الشافعي: أنه قال: "أحببت"، ولم ينقل عنه أحد: "أوجبت"؛ فعلم أن المزني لم يخطئ في قوله، وإنما أخطأ أبو العباس في تأويله.
وذهب أبو إسحاق المروزي إلى أنّ الخطبة التي فعلها لا تبطل بطول الفصل، وأنّ إعادتها مستحبة له، ولكن عليه أن يصلي الجمعة، فإن صلاها ظهراً، أجزأه- كما قال الشافعي- قولاً واحداً؛ لأن للإمام إقامة الظهر مكان الجمعة، ولو ابتدأ الإمام هذا، فقد سقط الفرض قولاً واحداً، وليس هذا كمن صلى الظهر [في يوم الجمعة قبل صلاة الإمام الجمعة على أحد القولين؛ لأنه ترك الجمعة ليقيمها غيره، وصلى هو الظهر]، وها هنا ما يترك الجمعة ليقيمها غيره؛ فلهذا أجزأه.
وهذا الطريق لم يذكره [الماوردي]، وذكر عوضه طريقاً آخر بعد تصوير مسألة الخلاف فيما إذا كان انفضاضهم لعارض من فتنة أو غيرها: إن عادوا والعذر باقٍ خطب استحباباً، وإن زال العذر خطب واجباً.
قال: وهذا لا وجه له؛ لأنّ ما لم يكن عذراً في سقوط الخطبة ابتداء، لم يكن عذراً في سقوطها انتهاء.
فإذا عرفت ذلك عرفت أنّ ابن سريج وأبا علي توافقا على أنّ الموالاة شرط، وهو الأصح، لكن ابن سريج يوجب استئناف الخطبة وعقد الجمعة، وأبو علي يستحبهما، وأن أبا إسحاق لا يشترط الموالاة، ويوجب عقد الجمعة؛ فصح ما قلناه: إن في وجوب عقد الجمعة والحالة هذه خلافاً، وهو وجهان:
أحدهما- وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق-: أنها تجب.
والثاني- وهو قول أبي علي صاحب "الإفصاح"-: أنها لا تجب، بل تستحب.
وأن في اشتراط الموالاة بين الخطبتين والصلاة وجهين.
وعبارة الغزالي في [حكاية ذلك]: أنهم إن انفضوا بعد الخطبة وقبل الصلاة، وطال الفصل ففي جواز بناء الصلاة قولان يعبر عنهما بأن الموالاة بين الخطبة والصلاة هل تشترط؟ [فإن قلنا: تشترط] فلابد من إعادة الخطبة، فإن لم يعد أثم المنفضُّون، وفي إثم الخطيب قولان.
[و] قال القاضي الحسني: لا خلاف في أنه لا يصلي بهم الجمعة بتلك الخطبة، [ولا خلاف في أنه لو صلى بهم الظهر صح]، ولا خلاف في أنه لو أعاد الخطبة، وصلى بهم الجمعة جاز، والخلاف في أنه: هل يجب عليه أن يعيد الخطبة حتى لو لم يعد يأثم بذلك؟ وقال: إنّ الحكم فيما لو انفضوا بعد فراغ أركان الخطبة، وقبل استكمال سننها كالحكم فيما لو انفضوا بعد فراغ الجميع.
قال: وفرضها: أن يحمد الله- تعالى- لما روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة: يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: "من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته: "الحمد لله، نحمده ونستعينه
ونستغفره، ونؤمن به ونتوكَّل عليه"، وقد قال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي".
وقوله: "يحمد الله" هو بفتح الياء والميم.
ولا يقوم مقام لفظ "الحمد" سائر ألفاظ الثناء، قال الإمام: وهذا هو اللائق بقاعدة الشافعي في بناء الأمر على الإتباع.
وفي بعض التصانيف- في ذكر أركان الخطبة- إطلاق القول باستحباب الثناء على الله، وهو مشعرٌ بأن الحمد لا يتعين، بل يقوم غيره مقامه، وهذا لا أعده من المذهب، ولا أعتد به.
وهل يقوم قوله: "الحمد للرحمن الرحيم" مقام قوله: "الحمد لله"؟
قال الرافعي: الذي يقتضيه كلام الغزالي: لا؛ وذلك مما لا بعد فيه؛ كما في كلمة التكبير، لكني لم أره مسطوراً.
قال: ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]، قيل في تفسيره: لا أذكر إلا وتذكر معي، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 56] وهذا أمر، وظاهره الوجوب.
والمخالف لا يوجب الصلاة عليه في غير الجمعة؛ [فيجب أن يكون واجباً في الجمعة، ولأنها عبادة مفتقرة إلى ذكر الله تعالى] فافتقرت إلى ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم كالأذان والصلاة.
وقد تعجب بعض المتأخرين من أصحابنا من كون الشافعي أوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة، والخطبة التي نقلت عنه صلى الله عليه وسلم ليس فيها صلاة عليه، والآية وإن دلت على الصلاة عليه، تعين حملها على الاستحباب؛ لترك النبي صلى الله عليه وسلم لها.
والمنقول الأول.
ولا يقوم مقام الصلاة ذكره بالرسالة والنبوة، وسائر وجوه المناقب التي خصه الله تعالى بها، وهذا مما اتفقت عليه الطرق.
قال الإمام: ويشهد لتعيُّنها تعيُّنها في الصلاة بعد التشهد.
وحكى عن العراقيين أنهم ذكروا ذكر الله تعالى وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يتعرضوا للحمد ولا للصلاة.
قال: وظني أنهم أرادوا الحمد، ولكن لفظه ما نقلته.
قلت: والأمر كما ظنه؛ لأن البندنيجي وأبا الطيب وغيرهما صرحوا به، ولا يتعين ذكر "الرسول"، ويكفيه أن يقول: الهم صل على محمد، أو على النبي، كما نص عليه في "المختصر".
قال: ويوصي بتقوى الله تعالى؛ لما روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين يجلس بينهما: يحمد الله، ويقرأ آية،
ويذكِّر الناس.
وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه [حتى] كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسَّاكم، ويقول: "بعثت أنا والسَّاعة كهاتين" ويقرن بين أصابعه: السَّبابة والوسطى، ويقول: "أمَّا بعد، فإنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمَّدٍ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعةٍ ضلالةٌ".
وروي عنه- عليه السلام- أنه قال: في خطبةٍ: "الدُّنيا عرضٌ حاضرٌ يأكل فيها البرُّ والفاجر، والآخرة وعدٌ صادقٌ يحكم فيها ملكٌ قادرٌ، ولكلِّ واحدةٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدُّنيا".
ووجه الدلالة من ذلك قد سبق تقريره.
قال الفوراني: وهذا الغرض هو مقصود الخطبة، والحمد والصلاة وإن وجبا وفاقاً [فهما] في حكم الذريعة إليه.
قال الإمام: ولا أصل لهذا الكلام ولا فائدة فيه، مع إيجاب الجميع، ولا يتعين للوصية ذكرٌ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نوعها لينبه على عدم تعين نوع منها، وهل يتعين لفظ الوصية؟ فيه وجهان، أصحهما في "تعليق" القاضي الحسين: لا، وهو المذكور في "الإبانة".
والفرق بين ذلك وبين كلمات التشهد: أن مقصود الخطبة الاتِّعاظ، فلو التزم فيها شيئاً واحداً، أنس الناس به؛ لتكرره على مسامعهم، وذلك يوشك ألا يحصل فائدة الوعظ؛ فإن النفوس مجبولة على قلة الاكتراث بالمعادات، لكن اتفق الأصحاب على أن الخطيب لو لزم شيئاً واحداً، أجزأه؛ لأنه قد يحضره من لم يسمع ذلك، ويغيب من سمعه؛ فيحصل المقصود.
ثم الوصية بتقوى الله تعالى؛ لجمعها الأمر بإتيان المأمورات، واجتناب المحرمات، وفي أحدهما إشعار بالثاني، فيكتفي بأحدهما؛ كذا قاله الإمام.
وفي "الوسيط": أن الشافعي قال ذلك، واستشهد به على أن فرض ذلك يسقط بقوله: أطيعوا الله.
وقال الإمام: إن كلام الأئمة مؤذنٌ بأنه لو اقتصر على قوله: أطيعوا الله، واجتنبوا معاصيه- كفى؛ لصدق الاسم.
ولكني لم أر هذا القول من أبواب المواعظ التي تنبِّه الغافلين، وتستعطف القلوب الأبية العصية إلى مسالك البر والتقوى، وإن كان المتبع مسالك الأوّلين في العُصُر الخالية فالغرض فضل مجموع نهر، ويقدر واقعاً من السامعين موقعاً.
وقد بالغ الشافعي في الإتباع حتى أوجب الجلوس بين الخطبتين، وليس يليق بمذهبه أن يجعل قول الخطيب: الحمد لله، والصلاة على رسول الله، أطيعوا الله- خطبة تامة.
وقد قال في "الوسيط": إن ذلك يكفي فيها.
ثم قال الإمام: وقد ذكر الشافعي لفظ الوعظ في "الإملاء"، وفيه إشعار بما
ذكرته، ثم الذي يظهر لي أنه لا يكفي في هذا الفرض الاقتصار على ذكر التحذير والاغترار بالدنيا؛ فإن المنكرة للبعث يتواصون به، وكذلك ذكر الموت وما فيه من الفظاعة والألم.
نعم، لو اشتملت الوصية على الأمر بالتأهب والاستعداد له، فهو كاف.
وذكر الأمر بالإحسان المطلق من غير تعرض لذكر الله تعالى ما أراه مجزئاً؛ وذلك مثل أن يقول: "أحسنوا".
قال: فيهما، أي: يفعل جميع ذلك فيهما؛ لظاهر الأدلة.
قال: ويقرأ في الأولى شيئاً من القرآن؛ تأسياً به صلى الله عليه وسلم فإن الأثرم روى عن الشعبي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة، استقبل الناس، وقال: السَّلام عليكم"، ويحمد الله، ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب، ثم ينزل وكان أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما- يفعلانه.
والسورة لا تجب؛ لأنه اقتصر على قراءة آية كما دل عليه خبر جابر بن سمرة السابق؛ فتعين أن الواجب شيء من القرآن.
وهذا الذي ذكره الشيخ في القراءة هو نصه في "المختصر"؛ فإنه قال فيه: وأقل ما يقع عليه اسم خطبة منهما: أن يحمد الله، ويصلي على محمد النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي بتقوى الله، [ويقرأ آية في الأولى]، ويدعو في الآخرة؛ لأن معقولاً أن الخطبة تجمع بعض الكلام من وجه إلى بعض.
وهذا أوجه.
وقال الروياني في "شرح التلخيص": إن تعين القراءة في الأولى هو الذي نص عليه في "الأم".
وهذا الوجه لم يورد القاضي أبو الطيب غيره، وقد قال بعضهم:
إنه حكاه في "الإفصاح"، وهو غريب.
وقيل: تجب القراءة فيهما كالتحميد، ولأن الخطبتين قامتا مقام الركعتين، وقد ثبت أن القراءة تجب في الركعتين؛ فكذلك في الخطبتين، وهذا الوجه مشهور في طريق العراقيين، وهو خلاف النص؛ كما قال الروياني في "شرح التلخيص".
والذي ادّعى البندنيجي وابن الصباغ أنه المنصوص: أن القراءة تجب في واحدة منهما، إما الأولى أو الثانية، وهو ما ادعى الإمام: أنه الظاهر.
وحكى الروياني عن بعض الأصحاب القطع به، وقد قال في "الحاوي": إنه نص عليه في "المبسوط"، فقال: ولو قرأ في الأولى، أو قرأ في الثانية دون الأولى، أو قرأ بين ظهراني ذلك مرة واحدة، أجزأه.
ولا خلاف [في] أن الأولى الإتيان بها في الأولى؛ لأن الذي نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في الخطبة الأولى حسب، فإن فاتته في الأولى، قرأها في الثانية، وقد حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم"، واستحب الأصحاب له أن يقرأ سورة "ق" في الأولى؛ لأن بنت حارثة قالت: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس.
أخرجه مسلم.
فإن لم يقرأ ذلك، فيستحب أن يقرأ آية هي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب: 70] قاله البندنيجي.
وقد أطلق الأصحاب القول بالاكتفاء بآية.
وقال الغزالي: يحتمل ألا تجزئ إذا لم تكن مستقلة بالإفهام: كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21].
ولفظ الإمام في ذلك: "أنه لا شك في أنها لا تكفي إذا لم تستقل بالإفهام".
ولو قرأ شطر آية طويلة، فليست أبعد كفاية ذلك، ولعل الأقرب أن يقرأ ما لا يجري على نظمه ذكر من الأذكار، وهو المقدار الذي يحرم قراءته على الجنب.
نعم، لو قرأ ذلك في أثناء قصة، وهو لا يستقل بإفادة معنى على حياله، فهذا مما أتردد فيه.
وقد عرفت مما ذكره الشيخ: أن الحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والوصية بتقوى الله- تعالى- فرض في كل خطبة منهما والقراءة فرض، لكن في الأولى فقط أو فيهما؟ فيه خلاف.
وأفهم كلامه: أنه لا فرض غير ذلك، ووراء ما ذكره وجوه:
أحدها: أن القراءة لا تجب في الخطبتين، ولا في واحدة منهما؛ قاله أبو إسحاق، وعليه يدل ما حكاه الشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" عن "الإملاء": أن أركان الخطبة: الحمد لله، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوعظ.
ولم يذكر القراءة؛ وكذلك لم يعدَّها في "التلخيص" من الفروض، ويؤيده- أيضاً- قوله في القديم: "أقل الخطبة كأقصر سورة في القرآن".
الثاني: أن فرض القراءة واجب في واحدةٍ لا بعينها، كما تقدم.
الثالث: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة في واحدة منهما، فإن أتى بها في الأولى أو الثانية أجزأه؛ حكاه الحناطي.
الرابع: اشتراط النية فيما حكاه القاضي الحسين؛ بناءً على أن الخطبتين بدل عن الركعتين.
وقال في باب صلاة الكسوف: إن قول الشافعي فيما إذا اجتمع الكسوف وصلاة الجمعة: "إنه يخطب للجمعة"- دليل على أن النية لخطبة الجمعة شرط.
الخامس: أن الدعاء للمؤمنين والمؤمنات فرض في الثانية، لا يعتد بها دونه، وهو ظاهر نصه في "المختصر"؛ كما تقدم ذكره.
وحكي الروياني في "شرح التلخيص" طريقة قاطعة به، ولم يورد الفوراني والقاضي الحسين غيرها.