كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 265-304
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 265-304
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

البئر؛ فأمر بها فنزحت، فلم يقدر عليه"، وأخرجه البخاري بنحوه مختصراً، والبئر التي سقط فيها الخاتم بئر أريس، كما جاء في خبر آخر قيل: وكان مدة مقام الخاتم في يد عثمان لم يختلف الناس عليه، وكان سقوطه بعد أن أقام في يده ست سنين.
وعن أنس- رضي الله عنه- قال: "كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من فضة كله" أخرجه البخاري.
وينبغي أن ينقص وزنه عن مثقال؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأى رجلاً، وعليه خاتم من حديد، فقال: "ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟! " فطرحه، فقال: يا رسول الله، من أي شيء أتخذه؟ قال: [اتخذه] من ورق، ولا [تتمه] مثقالاً".
أخرجه أبو داود، وكذا الترمذي، وقال: إنه غريب.
ثم قضية الخبر: أن يكره لبس الخاتم من الحديد، وقد قال في "الروضة": إن الصحيح: أنه لا يكره لبسه، ولا لبس الخاتم من الرصاص والنحاس، وبه قطع في "التتمة"؛ لقوله- عليه السلام- للذي أراد أن يتزوج: "التمس ولو خاتماً من حديد".
ويجوز التختم في اليمين، وفي اليسار، [و] لكنه في اليمين أفضل على

الصحيح، قال في "الروضة": لأنه- عليه السلام- "كان يتختم في يمينه" أخرجه أبو داود والترمذي.
ورواية مسلم عن أنس بن مالك: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس خاتم فضة في يمينه، فيه فص حبشي، كان يجعل فصه مما يلي كفه".
ومن قال بأن التختم في اليسار أفضل- وهو ما أورده الفوراني والمتولي- تمسك بما روي عن ابن عمر أن "النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يساره، وكان فصه في باطن كفه" وبما رواه مسلم، عن أنس قال: "كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى"، ولأن التختم في اليمين صار شعاراً للروافض؛ فاستحب مخالفتهم، وهذا ما اختاره في "الوسيط" في كتاب الجنائز، وقد قدمت الكلام فيه.
ومن النوع الثاني: لبس الرجل اللآلئ؛ فإنه جائز لهم، كما قاله الإمام في كتاب العدد، والقاضي أبو الطيب هنا، وقال: إن الشافعي قال: "إلا أني أكرهه لهم من طريق الأدب، وأنه زي النساء، وقد نهى الرجال أن يتشبهوا بهن في التزين"، وهذا النص عزاه البندنيجي إلى "الأم" وقال: إنه قال فيه: "ولا أكره لباس الياقوت ولا زبرجد إلا من جهة الترف والخيلاء".
وقال في "التتمة": إن هذا ظاهر، إذا قلنا: يجوز استعمال الأواني المتخذة منها، ولا يكره، أما إذا قلنا: لا يباح استعمال الأواني المتخذة منها، فحيث قلنا: يجوز استعمال حلي الفضة، يجوز استعمالها، وحيث قلنا: لا يجوز، فلا.
ومنه لبس المنطقة من الفضة، وكذا حلية آلة الحرب: كالسيف والسكين

والدرع، والخوذة، والخف- كما قال البندنيجي- والزان، وقد سبق ذكره في باب "زكاة الناض".
ومنه لبس دمالج الفضة، كما أطلقه الغزالي في "فتاويه"، وكذا المتولين وألحق به الطوق في عنقه، والسوار في يده، بشرط ألا يكون في ذلك إسراف، فإن أسرف فيه، وخرج عن حد العادة، فلا يجوز؛ لأن الإسراف في كل الأمور منهي عنه.
وفي "الحاوي" في الزكاة: أن المباح لبسه للرجال خواتم الفضة، وأما الدمالج، والأطواق، والأسورة، والخلاخل من الذهب والفضة- فمباح للنساء دون الرجال.
وهو قضية كلام غيره، وقد ذكرت كل ذلك في باب "زكاة الناض"، فليطلب منه؛ فإنه مستوفىً فيه.
والله أعلم.


باب صلاة الجمعة

الجمعة: بضم الميم، وإسكانها، وفتحها، ثلاث لغات حكاها الفراء والواحدي، وسميت بذلك؛ لاجتماع الناس لها؛ فإن الجمعة جمع الجماعات، وقد اجتمعت في ذلك اليوم.
وقيل: [إنما] سميت بذلك؛ لكثرة ما جمع الله- تعالى- في ذلك اليوم من خصال الخير.
والجمعة اسم شرعي، جمعها: جمعات وجمع، وكان يقال ليوم الجمعة في الجاهلية: العروبة.
قال في "الأم": و"اعلم أن يوم الجمعة اليوم الذي بين الخميس والسبت، من العلم الذي نقلته الجماعة عن الجماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما نقلت أن الظهر أربع، والمغرب ثلاث".
وأراد بذلك بيان أن ذلك ثابتٌ بالتواتر؛ رادّاً على من قال بخلافه.
وقد دل على وجوبها- قبل الإجماع، وما سنذكره من الأخبار- من الكتاب قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: 9] أي: في يوم الجمعة ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: 9] أي: فامضوا، من قولهم: فلان يسعى في الأرض مرحاً، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] وقد روي عن عمر أنه كان يقرأ: "فامضوا إلى ذكر الله"، [كذا] قال ابن الصباغ- {إِلَى

ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] فأمر بالسعي إلى الذكر، وهو الصلاة أو الخطبة على اختلاف فيه، وظاهر الأمر الوجوب، وإذا كان السعي واجباً، فكذلك ما يسعى إليه، ونهى عن البيع وهو مباح، ولا ينهى عن فعل المباح إلَّا لفعل ما هو واجب، ووبّخ تاركها بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ الآية [الجمعة: 11] ولا يوبخ إلا على ترك واجب.
قيل: وكان السبب في نزول السورة أنه قيل: يا رسول الله، لليهود يوم، وللنصارى يوم؛ فاجعل لنا يوماً؛ فنزلت.
وسبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ الآية، ما رواه جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عيرٌ من الشام، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً، فأنزلت هذه الآية التي في "الجمعة": ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ [11]، أخرجه مسلم.
ورواية البخاري عنه أنه قال: "بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت عير تحمل طعاماً، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً؛ فنزلت.
وقال- عليه السلام- وهو على أعواد منبره: "لينتهيَنَّ أقوامٌ عن ودعهم الجمعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم ثمَّ ليكوننَّ من الغافلين"، أخرجه مسلم.

وقال: "من ترك الجمعة ثلاث مرَّات تهاوناً بها، طبع الله على قلبه" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن رواية أبي الجعد الضمري.
وأول جمعة أقيمت في الإسلام بالمدينة قبل الهجرة، أنفذ إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير أميراً عليها، وأمره أن يقيم الجمعة، فنزل على أسعد بن زرارة، وكان من النُّقباء، فأخبره بأمر الجمعة، وأمره أن يتولى الصلاة بنفسه، فصلى أسعد بالناس الجمعة في حيِّ بني بياضة، فهي أول جمعة صليت في الإسلام، ولم يقمها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة؛ لأنه لم يكمل عددها عنده، أو لأن الجمعة من شعارها

الإظهار والانتشار، وقد كان- عليه السلام- خائفاً من قريش، لا يقدر على مجاهرتهم؛ فلذلك لم يصلها.
قال الماوردي: على أنه يجوز أن تكون الجمعة قبل الهجرة [لم تفرض على الأعيان، ثم فرضت على الأعيان بعد الهجرة]؛ لأن جابراً سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره بالمدينة: "إنَّ الله- عزَّ وجلَّ- فرض عليكم الجمعة في عامي هذا، في شهري هذا، في ساعتي هذه، فريضةً مكتوبةً"؛ فدل على أن الجمعة لم تكن فرضاً قبل ذلك اليوم.
وهي أفضل الصلوات، كما قاله الماوردي في باب صلاة التطوع.
ويومها أفضل أيام الأسبوع على وجه حكيناه عن رواية القاضي الحسين في باب صوم التطوع، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ* وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ*﴾ [البروج]، قال أهل التفسير: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة.
وقد روى ذلك عطاءٌ وابن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما ذكره البندنيجي.

وقوله- عليه السلام-: "نحن الآخرون الأوَّلون يوم القيامة، ونحن أوَّل من يدخل الجنَّة، بيد أنَّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فاختلفوا، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحقِّ؛ فهذا يومهم الَّذي اختلفوا فيه هدانا الله له- قال يوم الجمعة- فاليوم لنا، وغدٌ لليهود، وبعد غدٍ للنَّصارى" أخرجه مسلم.
فقوله: "فهذا يومهم الَّذي اختلفوا فيه" بيان أنه ما من أمّةٍ من الأمم إلا أمروا بتعظيمه، إلا أن اليهود ضلوا عنه إلى يوم السبت، والنصارى إلى يوم الأحد.
وقوله- عليه السلام-: "خير يومٍ طلعت فيه الشَّمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم السَّاعة، وما من دابَّةٍ إلا وهي مصيخةٌ يوم الجمعة من حين تصبح إلى [حين تطلع] الشَّمس؛ شفقاً من السَّاعة، إلا الجنَّ والإنس، وفيه ساعةٌ لا يصادفها عبدٌ مسلمٌ وهو يصلِّي يسأل الله- عزَّ وجلَّ- شيئاً إلا أعطاه" أخرجه أبو داود.
وزاد مسلم: "فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنَّة، وفيه أخرج منها".
وقال في شأن الساعة: "وهي ساعة خفيفة"، وقال: "لا يوافقها مسلمٌ قائمٌ

يصلِّي".
ومعنى "مصيخة"، أي: مستمعة.
ويروي: "مسيخة"، أي: جادَّة حذرة، وهي من الأضداد، يقال: أساخ: إذا أقبل، وأساخ، أي: أعرض؛ قاله القاضي الحسين.
وقال الخطابي: أصاخ وأساخ، بمعنىً واحدٍ.
قال: "من لزمه الظهر"، أي: في غير يوم الجمعة، وهو البالغ، العاقل، المسلم؛ كما قاله البندنيجي والماوردي، وهو رأي الشيخ- لزمه الجمعة؛ لقوله- عليه السلام-: "اعلموا أنَّ الله فرض عليكم الجمعة، فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله إمامٌ عادلٌ أو جائرٌ؛ استخفافاً أو جحوداً- فلا جمع الله شمله، ولا بارك في أمره".
ولما تقدم من خبر أبي الجعد وغيره، [وسيأتي] ما يعضده.
وقد بين الشيخ بقوله: "من لزمه الظهر .. لزمه الجمعة" أنها فرض على الأعيان؛ لأن الظهر كذلك، وقد قال بعض أصحابنا: هي فرض على الكفاية؛ أخذاً من قول الشافعي: "ومن وجب عليه حضور الجمعة، وجب عليه حضور العيدين"، والعيدان من فروض الكفاية؛ فكذلك الجمعة؛ حكاه القاضي أبو الطيب، وابن كجٍّ؛ ولأجله زعم بعض الأصحاب أنه قول للشافعي.
[قال في "البحر": وهو غلط منه، ولا يجوز حكاية هذا عن الشافعي].
وهو في ذلك متبع لأبي إسحاق؛ فإن القاضي أبا الطيب حكى عنه أنه قال: لا يحل أن يحكي هذا المذهب عن الشافعي، والذي قاله أخطأ خطأ عظيماً، ولا يختلف المذهب أن الجمعة فرض على الأعيان، والعيدان سيأتي الكلام فيهما، وتأويل النص مذكور ثمَّ.
نعم، اختلف الأصحاب في أن الجمعة صلاة على حيالها أو هي ظهر

مقصور بشرائط؟ وكذا حكاه الإمام عن رواية صاحب "التقريب".
وقال القاضي الحسين عند الكلام في مسائل الزحام: إن القفال قال: إنّ ذلك مستنبط من مسألة قالها الشافعي: لو أن جماعة شرعوا في صلاة الجمعة، فأخبروا في [خلال الصلاة] بأن طائفة أخرى قد سبقتهم بصلاة الجمعة، قال الشافعي: "أحببت لهم أن يستأنفوا الظهر؛ فإن أتموها ظهراً، لم يبن لي أن عليهم الإعادة".
فقوله: جاز لهم أن يتموها ظهراً- دليل على أن الجمعة ظهر مقصور.
وقوله: "أحببت لهم أن يستأنفوا الظهر"- دليل على أن الجمعة فرض آخر.
والماوردي حكى ذلك قولين، ونسب الأول إلى الجديد، والثاني إلى القديم.
وغيره عبَّر عن ذلك بأن فرض يوم الجمعة: الجمعة، أو الظهر والجمعة بدل؟ فيه قولان: الجديد الأول، والقديم الثاني، كذا حكاه البندنيجي وغيره.
وبنى صاحب "التقريب" على ما حكاه أمر النية، فقال: إن قلنا: إنها صلاة على حيالها، نوى الجمعة، ويكفيه.
وإن قلنا: إنها ظهر مقصور، فإذا نوى الجمعة، فهل يتعرض لقصد القصر أم يكفيه؟ فيه وجهان، أصحهما: الاكتفاء أيضاً.
ولو نوى ظهراً مقصوراً من غير تعرض لكونها جمعة؛ فعلى الأول لا تصح، وعلى الثاني وجهان: وجه الصحة: أنه نوى الصلاة على حقيقتها.
ووجه المنع: أن القصد [بالنيات] التمييز ولم يحصل.
قال: إلا العبد؛ لما روى طارق بن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الجمعة حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ إلا أربعةً: عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبي، أو مريضٌ".
أخرجه أبو داود.

...................................................................................................

فإن قيل: قد قال أبو داود: إن طارقاً لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم [فهو مرسل.
قلنا: قد قال: إن طارقاً] صحابي، وإرسال الصحابي كالمسند عند الشافعي- رحمه الله- لأن الصحابة كلهم عدول بتزكية الله- تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ولأنه ممنوع من التصرف لحق السيد؛ فأشبه المحبوس لحق الغريم.
ولا فرق في ذلك بين أن يأذن له السيد في الحضور أو لا.
وادّعى القاضي أبو الطيب الإجماع عليه.
وفي "الجيلي" حكاية وجه في الوجوب في حالة الإذن، ولم أره في غيره.
نعم، قالوا في هذه الحالة: يستحب له الحضور.
وكذا لا فرق [فيه] بين القنِّ، والمكاتب، والمدبَّر، والمعلَّق عتقه بصفة؛ لانطلاق الاسم عليه.
ومن بعضه حرٌّ وبعضه عبد كذلك عند الجمهور.
وقال البندنيجي: إنه قال في "الأم": إذا كان بينه وبين سيده مهايأة، ووافق يوم نفسه لم أرخص له في تركها، ولا يبين لي أن يخرج كما يخرج الحر.
قال: فكأنه جعلها في حقه آكد من العبد، وأما الوجوب فلا.
وقد حكى الفوراني- وتبعه المسعودي- قولاً في هذه الحالة في الوجوب، وكأنه- والله أعلم- أخذ ذلك من هذا النص.
ووجه المنع: أن فيه شعبةً من الرق.
وقال الإمام: إنه مدفوع في نوبة نفسه إلى الجدِّ في الكسب لنصيبه الحر؛ فهو في شغل شاغل لمكان الرق.
قال: والمرأة؛ للخبر، ولأنها مأمورة بالستر والانعزال، وحضور الجمعة يستلزم المخالطة؛ فلا يؤمن الافتتان.
قال القاضي أبو الطيب: ولأن الأنوثة نقص لازم لا يزول، والرق نقص يزول، فلما كان إجماعنا على أن ارق يسقط الجمعة؛ فالأنوثة بذلك أولى.
وقد ادعى ابن المنذر الإجماع على ذلك.
نعم، هل يستحب لها حضورها؟ ينظر: إن كان شابة فلا، وإن كانت عجوزاً فنعم.

قال الشافعي في "الأم": وأحبُّ للعجائز- إذا أذن لهن أزواجهن- في حضورها.
والخنثى المشكل هل تجب عليه؟ فيه وجهان في "الذخائر": أحدهما: نعم؛ لاحتمال كونه رجلاً، وأمر العبادات يؤخذ فيه بالاحتياط.
والثاني: لا، وهو ما حكاه الرافعي عن البغوي، ولم يذكر غيره؛ لأن الأصل عدم الوجوب إلا بالشرط، ولم يتحقق.
قال: والمسافر؛ لما روي عن تميم الداري أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الجمعة واجبةٌ إلا على خمسةٍ: امرأة، أو صبي، أو مريض، أو مسافر، أو عبد" خرَّجه رجاء بن المرجى الحافظ في "سننه"، وقد كان- عليه السلام- يكثر الأسفار، ولم ينقل أنه صلاها في سفره قط، ولو كانت واجبة على المسافر لفعلها، ولو فعلها لاشتهرت ونقلت.
ولأنه مشغول بالسفر وأسبابه، وفي توجُّه الجمعة عليه قطع له عن ذلك، وفيه إضرار به؛ فلم تجب.
ولا فرق في ذلك بين السفر الطويل والقصير؛ صرح به القاضي الحسين.
قال: والمقيم في موضع، أي: خارج عن البلد، لا يسمع فيه النداء [من الموضع الذي يصح فيه الجمعة؛ لمفهوم قوله- عليه السلام- "الجمعة على من سمع النِّداء"] أخرجه أبو داود.

قال الإمام: وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: 9] مشعر باعتبار النداء.
والمراد بالنداء الذي يتعلق به وجوب حضور الجمعة، وبعدم سماعه عدم الوجوب- ليس الأذان كما قال المتولي؛ بل أن ينادي من له صوت عالٍ عرفاً غير متجاوز في العادة في وقت تكون الرياح فيه ساكنة؛ لأن الريح قد تمنعه أو توصله والأصوات هادئة وهو في جنح الليل كما قال الإمام، ويكون من ليس بأصم مصغياً قاصداً إلى الاستماع.
وكلام القاضي الحسين مصرح بأنه الأذان.
وعلى كل حال فأي موضع يعتبر أن يكون فيه المنادي؟ فيه أربعة أوجه، حكاها القاضي الحسين: أضعفها: أنه يكون بين يدي الخطيب يوم الجمعة.
والثاني- وهو دونه في الضعف-: يكون في الموضع الذي تقام فيه الجمعة.
والثالث- قال: وهو الأعدل-: يكون بوسط البلد، وقد حكاه الإمام عن رواية بعض المصنفين، وقال: إنه ساقط غير معتدٍّ به؛ فإن البلد قد تتسع خطته بحيث يكون صوت المنادي إذا كان وسطه [لا] يبلغ الأطراف، فضلاً عن أن يتعداها إلى قراها.
والرابع- وهو ما أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما من العراقيين

والغزالي، وقال في "الإبانة": إنه الأصح-: أنه يكون في موضع يجوز أن تقام فيه الجمعة من الجانب الذي يلي المستمع بحيث لا يكون إلى ذلك الجانب موضع يصح أن تقام فيه الجمعة أقرب منه.
ولا يعتبر أن يصعد على منارة أو موضع عال؛ لأن حد الارتفاع لا ينضبط.
قال القاضي أبو الطيب: اللهم إلا أن يكون البلد بين شجر وغياض، مثل طبرستان؛ فإن أصحابنا قالوا: لابد من أن يعلو المؤذن على السور والمئذنة؛ لأنه إذا نادى على وجه الأرض لا يسمع لاشتباك الشجر؛ فوجب أن يعتبر نداؤه على مكان عال؛ لأجل ذلك.
هكذا رأيته في "تعليقه"، وعبارة ابن الصباغ في حكاية ذلك عنه قريبة منه.
وقال الرافعي: إنه قال في طبرستان: ينبغي أن يقف على موضع يعلو عليها.
وأطلق القاضي الحسين القول [بأنه] يقف على نشزٍ أو مكان مرتفع، ولم يخص ذلك بطبرستان ولا غيرها.
وقد سكت الأصحاب عن الموضع الذي يقف فيه المستمع، والظاهر أنه موضع إقامته كيف كان.
وإذا لم يعتبر في [حقِّ] المنادي الصعود على موضع عالٍ، فهل يعتبر استواء الأرض؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم، وإليه ميل ابن الصباغ، حتى لو كانت قرية على جبل تسمع النداء؛ لعلوها، ولو كانت مستوية لم يسمع- لم تجب، ولو كانت في وادٍ لا يسمع النداء؛ لاستفالها، ولو كانت مستوية لسمع- وجبت، وهذا ما حكاه القاضي أب الطيب.
ومقابله: أنه لا يعتبر؛ فتجب على من سمع [كيف كان، ولا تجب على من لم يسمع]؛ ذكره الشيخ أبو حامد في "التعليق"، ولم يحك البندنيجي، والطبري في "عدته"، وكذا القاضي الحسين- غيره، وفرَّع عليه ما إذا كانت قرية على

جبل يقام فيها الجمعة، وبإزائها قرية على جبل لم يكمل فيها العدد وهم يسمعون النداء؛ [وبين الجبلين قرية لا تسمع النداء]، ولم يكمل فيها العدد- فإنه يجب على أهل القرية التي على الجبل الحضور إلى القرية التيتنعقد فيه الجمعة، وفي أهل القرية المستفلة وجهان: وجه الوجوب: أنها إذا وجبت على الأبعد، فلأن تجب على الأقرب أولى.
وحكي الإمام عن شيخه أنه كان يقول: لو فرضت قريتان في جهة واحدة، وكانت إحداهما في وَهْدَةٍ، وكان النداء لا يبلغها لذلك، وكان يبلغ الأخرى الموضوعة على الاستواء، وهي في مثل مسافة القرية الأخرى- فيجب على أهل القرية الموضوعة في الوهدة [الجمعة]؛ نظراً للمسافة، ومصيراً إلى أنهم في محل السماء للنداء، ولكن انخفاض قريتهم مانع من السماع.
قلت: وقياس ذلك أن يقال: إذا ضبطت المسافة التي يسمع فيها النداء على الوجه السالف، يجب أن تكون تلك المسافة هي المعتبرة في سائر البلاد، ولا حاجة بعد ذلك إلى اعتباره في كل ناحية وقطر، ولا يقال: إن الناس يختلفون [في] الاستماع وحدَّته؛ لأنا إنما نعتبر المعتاد في ذلك، ولا ننظر إلى من جاوز العادة في حد السماع كما يحكي من حدَّة [نظر] زرقاء اليمامة، والله أعلم.
أما من هو داخل البلد، فيجب عليه الحضور، سواء سمع النداء أو لم يسمعه اتفاقاً؛ لأنه ما من موضع إلا وهو محل للنداء، [ومحل] لأن تقام فيه الجمعة، كذا قاله البندنيجي.
وغيره قال: إن البلد بني للجمعة الواحدة كما أن المسجدين للجمعة الواحدة.
قال: والمريض، أي: الذي يخاف الزيادة في المرض إذا حضر أو تلحقه مشقة غير محتملة؛ لخبر تميم الداري، وسنذكر ما يدل عليه أيضاً.
ولا يشترط في المشقة أن تبلغ الحد الذي يجوز لأجله القعود في الصلاة المفروضة، بل يكفي أن تكون مقيسة بما يلقاه الماشي في الوحل والمطر، وبما

ينال من يفوته موت قريبه من المضض؛ قاله الإمام.
وأما من لا تلحقه مشقة في حضوره أو مشقة محتملة، وهي ما دون ذلك- فيلزمه الحضور.
وعبارة القاضي الحسين في التعبير عن ذلك: أن المريض إذا كانت داره قريبة من المسجد بحيث يمكنه حضور الجامع، فعليه أن يحضر، ويصلي الجمعة، ولا يجوز أن يصلي الظهر.
وإن كانت داره بعيدة، وكان يجد مركباً يركبه- إما ملكاً أو استئجاراً أو عاريَّة- فعليه أن يركب، ويحضر.
وإن كان لا يجد وتلحقه المشقة، فلا يجب.
ومن لا يقدر على المشي لزمانةٍ أو كبر سنٍّ يلحق عنده بالمريض: إن قدر على من يحمله إلى الجامع، لزمه الحضور، وإلا فلا.
قال في "الحلية": وليس بصحيح.
وكذا حكي عنه في الأعمى أنه قال: إن كان يحسن المشي بغير قائد، لزمه الحضور، ثم قال: وليس بصحيح.
والمذكور في "المهذب": أنه إن قدر على قائد لزمه، وإلا فلا؛ لأنه يخاف الضرر مع عدم القائد.
قال في "التتمة" عند الكلام في صلاة المريض: ويجب عليه أن يستأجر القائد، أي: إن لم يتبرع.
قال: والقيِّم بمريض، أي: قريب له أو أجنبي يخاف ضياعه، أي: إن غاب، سواء كان لا خادم له غيره أو له خادم مشغول بشراء الأدوية ونحوها؛ لأن دفع الضرر عن المسلم من المهمَّات الدينية، ولا جابر لها في هذه الحالة، والجمعة لها بدل.
ولا فرق في ذلك بين أن يخشى معه الهلاك أو لا.
وقيل: إن كان لا يخاف على نفسه الهلاك، بل يلحقه ضرر ظاهر لا يبلغ دفعه مبلغ دفع فروض الكفايات- فهذا ليس بعذر؛ لأن ذلك مما يكثر، وتجويز التخلُّف بذلك قد يتداعى إلى تعطيل الجمعة.
وقيل في هذه الحالة: يفرق بين الأجنبي والقريب؛ لزيادة المشقة والرقة على القريب.

والأفقه الأول، وهو اختيار الصيدلاني؛ لأنه ربما اعترضه أمر أفضى به على الهلاك.
قال: أو قريب يخاف موته؛ لأنه روي عن ابن عمر- رضي الله عنه- أنه تطيَّب للجمعة، فأخبر أن سعيد بن زيد منزولٌ به، وكان قريباً له؛ فأتاه، وترك الجمعة.
والمعنى فيه: شغل القلب السالب للخشوع لو حضر.
وألحق القاضي الحسين والبغوي بذلك ما إذا كان لا يخاف موته، لكنه كان يستأنس به.
وكلام الشيخ يأبى التخلف لذلك، وكذا التخلف عند عدم الأنس به من طريق الأولى، وإن كان يلحقه شغل قلب عليه؛ لشدة مرضه، وبه قال أبو إسحاق في الأخيرة، وهو المذهب كما قال في "الفروع".
وعن [ابن] أبي هريرة: أنه يجوز له ترك الجمعة فيها.
وقد أفهم كلام الشيخ [أن ما ذكره] لا يجري في غير القريب مملوكاً كان أو زوجاً أو صهراً أو صديقاً أو غير ذلك، ولاشك فيه عند انتفاء ما ذكرناه، وأما مع وجود الملك أو الزوجيَّة أو المصاهرة، فقد قال ابن الصباغ: إن ذلك كالقرابة، وطرده القاضي أبو الطيب والبندنيجي والمحاملي والماوردي في الصديق.
وقال الإمام: لا يجوز الترك لمكان الصداقة أصلاً، وأبدى ما ذكرناه في المملوك والزوجة احتمالاً لنفسه، حيث قال: هما عندي في معنى القريب؛ لأن الأصحاب لم يفصلوا في القريب بين من يقرب إدلاؤه، وبين من يبعد.
قال: ومن تبتلُّ ثيابه بالمطر في طريقه؛ لأنه روي عن ابن عباس أنه أمر مؤذِّنه في يوم الجمعة في يوم مطر: "إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله .. ، فلا تقل: حيَّ على الصلاة، وقل: صلُّوا في بيوتكم"، فلما استنكر الناس ذلك قال: "فعله من هو

خير مني".
رواه مسلم.
وروى أبو داود عن أسامة بن عمير أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية يوم الجمعة، فأصابهم مطر، لم يبتلَّ أسفل نعالهم؛ فأمرهم أن يصلوا في رحالهم.
وظاهر كلام الشيخ أنه لا يشترط مع ذلك الوحل، وقد اشترطه القاضي الحسين، وقال: لو وجد أحدهما لم يجز الترك.
نعم: لو ركب المطر سطوح الدكاكين في الأسواق، وتقطَّر الماء من سقوف الأسواق، فإنه يجوز ترك الجمعة لأجله؛ لأن الغالب نجاسته.
وحكى الروياني في "تلخيصه" في باب صلاة الجماعة: أنّ المطر والوحل لا يجوز عند اجتماعهما ترك الجمعة عند بعض أصحابنا، وليس بشيء.
قال: ومن يخاف من ظالم، أي: على نفسه، أو ماله؛ لسرقة، أو غصب، أو غير ذلك؛ لقوله- عليه السلام-: "من سمع النِّداء فلم يجبه، فلا صلاة له إلا من عذرٍ"، قالوا: وما العذر؟ قال: "خوفٌ أو مرضٌ" رواه أبو داود عن رواية ابن عباس.
ومنهم من أوقفه على ابن عباس.
وروى أبو بكر بن المنذر عن عمر وأبي هريرة وأنس مثل ذلك.
وقد أفهم كلام الشيخ أن الخوف ممن ليس بظالم لا يمنع الوجوب؛ كالخوف من الإمام أن يستوفي منه [حدّ الزنى والسرقة ونحوهما، ومن المقذوف أن

يستوفي حد القذف منه] ومن مستحق القصاص عليه أن يستوفيه.
ولاشك في أن الخوف من استيفاء الإمام حد الزنى والسرقة لا يمنع الوجوب؛ لأنه يسوغ العفو عن ذلك بعد ثبوته، والخوف من استيفاء القصاص يسقطها إذا كان يرجو منه العفو على مال أو [غير] مال؛ كذا حكاه الإمام في باب صلاة الجماعة عن رواية شيخه عن النص.
وحكى الفوراني وغيره مثله في ترك الجماعة عن النص أيضاً، واستشكله الإمام [ثمَّ].
والخوف بسبب استيفاء حد القذف ألحقه ابن الصباغ وأبو الطيب ومجلي بالخوف من حد الشرب؛ لأنه لا بدل له.
وألحقه البندنيجي والعجلي بالخوف من استيفاء القصاص؛ لأنه يسوغ العفو عنه.
وإن لم يرج العفو عنه وعن القصاص لم يكن عذراً؛ قاله البندنيجي [وغيره]، قالوا: وذلك يحصل بظهور الأمارات، والاختفاء في هذه الحالة معصية أيضاً.
وقد أحال الأصحاب الكلام في باقي الأعذار على ما قدموه في باب صلاة الجماعة، وقالوا: كل عذر رخَّص ترك الجماعة المسنونة، فإنه يرخص في ترك الجمعة أيضاً؛ قاله البندنيجي والإمام وغيرهما من أهل الطريقين.
والقاضي أبو الطيب [نسب] هذا القول لأبي إسحاق وقال: إن العلة الجامعة بينهما أنه عذر يبيح ترك السعي إلى المسجد.
قال: فلا جمعة عليهم وإن حضروا؛ لأن العذر الذي منع الوجوب قبل الحضور باق بعد الحضور فمنعه أيضاً.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الأعذار المذكورة تمنع الوجوب، وهو

الذي نص عليه الشافعي.
وقال بعض الأصحاب: إن الأعذار [المذكورة مرخصة للترك.
قال مجلي: وفائدة الخلاف أن هذه الأعذار] إن كانت موجودة قبل حدثان سبب الوجوب- وهو دخول الوقت- لم يتوجه الخطاب على أربابها بفعل الجمعة، وكانت مسقطة للوجوب على قول الشافعي.
وعلى قول الآخر: وجبت، ويجوز تركها إلى غيرها.
ولو دخل وقت الوجوب [ولا عذر، وجبت الصلاة، فإذا طرأت الأعذار قبل فعل الصلاة سقط عنه الوجوب] على قول الشافعي، وجاز الترك مع بقاء الوجوب على القول الآخر.
قال: إلا المريض، ومن في طريقه مطر، أي: ومن في معناه؛ فإنهما إذا حضرا لزمهما الجمعة؛ لأن منع الوجوب كان لأجل مشقة الطريق، وقد زالت.
وقد أطلق الأصحاب ذلك في حق المريض، ووافق الإمام عليه في حالة حضوره حالة إقامة الجمعة، وقال فيما إذا حضر قبل الوقت: إن الوجه القطع بأن له الانصراف.
قلت: وكان لا يبعد تخريجه على جواز المسافرة قبل الزوال سفراً لا تصلي فيه الجمعة.
قال: ولو حضر بعد دخول الوقت، وقبل إقامة الجمعة، وكان بين ذلك مدة- نظر: فإن كان لا يناله مزيد مشقة في مصابرته في الجامع حتى تقام الجمعة، فيلزمه ذلك.
وإن كان تناله مشقة في ذلك، فالذي أراه أن له الانصراف.
قال الرافعي: وهذا فقيه، فالوجه حمل ما أطلقه الأصحاب عليه.
وألحق القاضي الحسين بمن استثناه الشيخ المريض، وكل من له شغل مهم مثل: أن يخاف ضياعاً على ماله و [ما] أشبه ذلك، وفيه نظر.

وعن صاحب "التلخيص" أنه ألحق العبد إذا حضر بمن في طريقه مطر في لزوم الجمعة له.
قال الإمام: وهو غلط باتفاق الأصحاب.
ونقل صاحب "الفروع" وجهاً أن المسافر إذا حضر، تعين لعيه فعل الجمعة، وقال: إن المذهب الأول.
وعلى هذا لو تحرم بالصلاة لا يجوز له الانصراف كالمريض، وهل يجوز للمرأة والعبد ذلك بعد التحرم بالصلاة؟ فيه وجهان عن حكاية الصيمري أصحهما في "الروضة": المنع؛ لأن صلاتهما انعقد بعد فرضهما؛ فتعين إتمامها.
واعلم أن قول الشيخ: "من لزمه الظهر ... لزمه الجمعة .. " إلى آخره- يقتضي أموراً: منها: أن المقيم في موضع لا يسمع فيه النداء من الموضع الذي تصح فيه الجمعة إذا حضره، لا تلزمه الجمعة، وبه صرح البندنيجي، وقال: إنه يكره له الانصراف قبل صلاة الجمعة.
ومنها: أن المقيم في موضع لا ينعقد فيه الجمعة [لكنه يسمع فيه من الموضع الذي تصح فيه الجمعة] أنه يلزمه الجمعة، سواء أكان يوم الجمعة يوم عيد وقد حضر العيد أو لا.
وهو وجه حكاه العراقيون مع وجه آخر: أنها لا تجب عليه وإن حضر في ذلك الموضع لصلاة العيد.
وادعى البندنيجي والماوردي أنه المنصوص، أي في "الأم"؛ لأنه قال فيه: "فيخطب الإمام، فيأذن لأهل السواد في الانصراف إلى أهاليهم إن شاءوا، وليس ذلك لأحد من أهل المصر"، وهذا ما صححوه؛ لأنه روي عن أبي هريرة أنه قال: اجتمع عيدان في يوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى العيد، وخطب، فقال: "أيُّها

النَّاس، قد اجتمع عيدان في يومٍ، فمن أراد أن يشهد الجمعة فليشهد، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف".
وفي هذا الحديث دليل على أن الجمعة تقام، ولا تسقط عن أهل المصر؛ لأنه قال: "فمن أراد أن يشهد الجمعة فليشهد".
والمعنى فيه: أنا لو أمرناه بالقعود، لحقه المشقة بفوات المقصود في يوم العيد من الانقلاب إلى الأهل والأكل معهم، ونحو ذلك مما يختص به العيد.
وإن أمرناه بالمضيِّ والعود لأجل الجمعة- قطع يومه بالغدو ذهاباً ورجوعاً، وفي ذلك مشقة شديدة، والجمعة تسقط بالمشقة بسبب الطين والمطر، وهي دون ذلك، ولا يكره لهم- لأجل ما ذكرناه من التعليل- الانصراف.
والقائلون بالأول حملوا نص الشافعي على أهل السواد الذين لا يبلغهم النداء.
ومنها: المستأجر في يوم الجمعة يجب عليه الجمعة؛ لأنه يلزمه الظهر، ولم يستثنه، وهو المذهب، ويجعل وقتها مستثنى من الإجارة كأوقات الصلاة.
وعن ابن سريج فيما رواه أبو الفضل أنه يجوز [له] ترك الجمعة بهذا السبب؛ حكاه الرافعي في أواخر كتاب الإجارة.
ومنها: المحبوس تجب عليه الجمعة؛ لأنه يلزمه الظهر، ولم يستثنه.
ولا خلاف في عدم الوجوب إذا كان لا يقدر على الخلاص، فإن قدر وجبت عليه.
قال: ومن لا جمعة عليه [مخيَّر بين الظهر والجمعة، أي]: فهو مخير بين الإتيان بالظهر؛ لأنه فرض وقته، وبين الإتيان بالجمعة؛ لأنها أكمل من الظهر،

والشرع أسقطها عنه؛ رفقاً به.
ولفظ الشافعي: "أن الظهر صلاة المعذورين، والجمعة صلاة من لا عذر له، فإذا اختار من له عذر أن يصلي صلاة من لا عذر له لم يمنع من ذلك، وسقط بها فرضه؛ ألا ترى أن المريض له أن يصلي صلاة الصحيح بتمام الأركان والأفعال؟! فكذا ها هنا".
ثم ظاهر لفظ التخيير يقتضي استواء الأمرين في الفعل والترك، وليس الأمر كذلك فيما نحن فيه، بل المستحب في حق العبد إذا أذن له السيد [في] الحضور، وسكت الأصحاب عما إذا لم يأذن له، والظاهر: أنه لا يجوز له ذلك إذا كان حضوره يفوت على سيده منفعة مقصودة لا تفوت عليه إذا صلى الظهر.
وإن [كان لا يفوت] حضوره ذلك فالظاهر أن فعل الجمعة أفضل- أيضاً- لأن له الصلاة في أوّل الوقت.
وقد حكى القاضي الحسين في باب كفارة يمين العبد بعد أن يعتق: أن السيد لا يجوز له منع عبده من الجماعة إذا لم [يكن له] معه شغل، ويقصد بمنعه تفويت الفضيلة عليه، وهذا دليل على ما ذكرناه.
و [ما] ذكره الماوردي في باب اختلاف نية الإمام والمأموم أنه لا يجوز للعبد أن [يؤم الناس] في الجمعة إلا بإذن سيده؛ لما فيها من تفويت خدمته- فيه أيضاً ما يشير إلى ما ذكرته، والله أعلم.
والمرأة لا يستوي في حقها الأمران، بل حضور الشابة مكروه، والعجوز مستحبٌّ، كما تقدم.
والمسافر الأفضل في حقه الجمعة، وكذا المريض- كما قاله البندنيجي- وإن تحمل المشقة.
وأما الذي لا يسمع النداء، فلم أقف فيه على نقل، والظاهر أن المستحب له حضورها، خصوصاً إذا كان في موضع داخل فيما حدَّ به بعض الأئمة المكان الذي يلزم الحضور منه.

وعلى هذا يكون تقدير كلام الشيخ: فهو مخير فيما يسقط به الفرض بين الإتيان بالظهر أو الجمعة.
قال: والأفضل ألَّا يصلي- أي من لا يجب عليه الجمعة- الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة؛ لأن الأفضل في حق المعذورين أن يصلوا الظهر جماعة، وفي إقامة الجماعة قبل فراغ الإمام من الجمعة تغيير لشعار اليوم وافتياتٌ عليه؛ فلذلك كان الأفضل ما ذكره الشيخ، وإلى هذا أشار الشافعي بقوله في "المختصر": "ولا أحب لمن ترك الجمعة لعذر أن يصلي حتى يتأخى انصراف الإمام، ثم يصلوا جماعة".
ولأن من تلزمه الجمعة لا يجوز له فعل الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة؛ فاستحب لمن لا تلزمه ألا يفعله حتى يفرغ الإمام من الجمعة.
ولأن الجمعة فرض عام، والظهر فرض خاص للمعذورين؛ فاستحب تقديم العام على الخاص.
وبما ذكرنا يندفع قول من قال: كان الصواب أن يقال: [قبل] فوات الجمعة، أو تحقق الفوات لو قصدها المعذور؛ لأن العلة في ذلك حثه على الجمعة؛ لأنها فريضة الوقت العامة، فإذا فاتت بالرفع من الركوع، أو تحقق فواتها؛ بأن يكون بينه وبين الموضع الذي تقام فيه مسافة يعلم أن الجمعة تفوته قبل قطعها- زالت على استحباب التأخير؛ فلا يبقى الحكم.
وقد جعل بعضهم علة استحباب التأخير توقع زوال العذر قبل فوات الجمعة فيدركها؛ ولأجل ذلك خصه بمن يرجو زوال عذره قبل الفوات: كالعبد يعتق، والمريض يبرأ، ونحو ذلك.
وقال فيمن لا يرجى زوال عذره: كالمرأة، والزمن، والمريض الذي لا يرجى برؤه: المستحب في حقه التقديم، وعلى هذا جرى الماوردي، والإمام، ومجلي، والرافعي.
والأول عليه ظاهر النص، ولم يحك القاضي الحسين عن الأصحاب غيره؛

فإنه قال: قال أصحابنا: كل شخص لا يجب عليه حضور الجمعة الأفضل أن يصلي بعد فراغ الإمام.
قلت: وللكلام مجال فيما أورده الإمام من وجهين: أحدهما: أنه أطلق القول بأن التعجيل في حق النساء أولى، وقد تقدم أن العجوز يستحب لها حضور الجمعة، وفي استحباب التعجيل حث لها على منع الحضور.
وجوابه: أن الكلام فيها إذا عزمت على عدم الخروج.
الثاني: أنه قد تقدم أن المعذورين الأفضل في حقهم فعل الجمعة، وحينئذ فلا يظهر أن يكون رجاء زوال عذره علة في استحباب التأخير؛ إذ هو متمكن في الحال من حيازة ذلك الفضل؛ فإنه إذا فعلها وقعت فرضاً، اللهم إلا أن يقال: إن فوات [الإحرام] بصلاة الجمعة بعد زوال العذر أكثر منه مع بقاء العذر، وهذا يحتاج إلى توقيف.
نعم، هذا يصلح أن يكون علة في العبد إذا لم يأذن له سيده في الجمعة، وكان يرجو الإذن أو العتق، وفي المريض إذا كان لا يقدر على الحضور أصلاً ويرجو زوال مرضه، والله أعلم.
وقد تقدم هنا أن الشافعي استحب فعل الظهر للمعذورين في جماعة، وقال في "الأم": "وأحب لهم إخفاء جماعتهم؛ كي لا يتَّهموا بالرغبة عن صلاة الجماعة خلف الأئمة".
قال الأصحاب: وهذا يدل على أنه يستحب الإخفاء لمن كان عذره في تركها خفيّاً، فأما من كان عذره واضحاً جليّاً فلا يستحب له إخفاء الجماعة، مثل: أن يجتمع عبيد معروفون بالرق أو قافلة نزلت فيجمع فيها مسافرون؛ كذا قاله أبو الطيب وابن الصباغ.
وقال الماوردي: إنه يكره التظاهر بفعل الجماعة خوف التهمة؛ سواء كان ذعره ظاهراً كالسفر والرق، أو باطناً: كالمرض، والخوف.
وحكى الرافعي وجهاً: أنه لا يستحب فعلها في جماعة، وعليه يدل قول

البندنيجي: "لا يكره لهم فعل الظهر في جماعة"، وقول القاضي الحسين: "الأفضل الإفراد، فإن فعلوا ذلك في جماعة جاز".
فرع: إذا زال الرق قبل فوات الجمعة- وكذا المرض- وقبل فعل الظهر، وجب عليهما الجمعة، وإن كان فرضهما وقت الزوال الظهر؛ قاله الماوردي في باب صلاة المسافر.
ولو خالف المعذور ما ندب إليه، فصلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة، ثم زال عذره قبل الفوات- أيضاً- لم تجب عليه الجمعة، نص عليه، وأشار الجيلي إلى خلاف فيه بقوله: "لا يلزمه على الأصح"، ولم أره في غيره.
نعم، الخلاف مشهور في الصبي إذا صلى الظهر، ثم بلغ، ولم تفت الجمعة، قال ابن الحداد: تجب عليه الجمعة؛ لأنه فعله وهو غير مكلف به.
وغلَّطه الأصحاب فيه، وإطلاق القول بتغليطه فيه نظر؛ بل الوجه أن يقال: إن أراد بما ذكره من [التكليف]: التكليف من جهة الولي؛ لأنه مأمور من جهته يوم الجمعة بالجمعة لا بالظهر- فلكلامه وجه؛ فإن الأصحاب لما قالوا: إذا صلى الصبي الظهر في أول الوقت، وبلغ في آخره، أجزأه ذلك عن الفرض، وجهوه بأنه أدّى ما أمر به كما أمر به، وهو هاهنا لم يؤد ما أمر به كما أمر به؛ فلا جرم قال ابن الحداد: إنه يجب عليه الجمعة.
وإن كان ابن الحداد أراد بما ذكره من التكليف: التكليف من جهة الشرع، فالتغليط على وجهه؛ لأن الشافعي نص على أن الصبي إذا صلى الظهر في غير يوم الجمعة، ثم بلغ ووقته باق، لا تجب عليه إعادة الظهر مع أنه صلاه وهو غير مكلف به من جهة الشرع.
والظاهر من كلام الأصحاب: أنه أراد ذلك؛ ولذلك ردوا عليه بما ذكرناه، وبه صرح الإمام، وقال: إنه فرعه على قياس مذهب أبي حنيفة في أن الصبي إذا صلى الظهر في غير يوم الجمعة في أول وقته، ثم بلغ في أثناء الوقت- تلزمه الإعادة؛ لأنه لم يكن مكلفاً لما صلى الظهر.
وقد رأيت في "تعليق" القاضي الحسين قبل صفة الصلاة: أن القفال قال:

الفتوى على ما ذكره [ابن الحداد]، ولكن المعنى فيه غير ما ذكره، وهو أن الصبي مندوب بالحضور [إلى الجمعة] ومأمور بذلك، ومضروب عليه، بخلاف العبد والمسافر فإنهما غير مأمورين بالحضور، ولا مندوبين إلى الجمعة؛ فلهذا لا يلزمهما الإعادة؛ لأنهما لم يتركا ما ندبا إليه.
ولو صلى الخنثى الظهر، ثم تبين [أنه رجل قبل فوات الجمعة، قال في "البيان": يلزمه الجمعة؛ لأنه تبين] كونه رجلاً حين صلى الظهر، ومثل هذا لا يوجد في سائر المعذورين.
وما ذكره يظهر أنه فرعه على أن [من] يلزمه فرض الجمعة إذا صلى الظهر قبل فوات الجمعة لم يصح، أو يصح ولا يسقط عنه الخطاب بالجمعة كما سيأتي.
أما إذا قلنا: يسقط الخطاب عنه بالجمعة، فهذا أولى.
ولو صلى المعذور الظهر في أول الوقت، ثم زال عذره، وصلى الجمعة- قال ابن الصباغ وغيره: فالذي نص عليه الشافعي: أن الفرض سقط عنه بالظهر، والجمعة تطوع.
ونقل أبو إسحاق أنه قال في القديم: يحتسب الله بأيهما شاء.
والإمام قال: إن حكم ذلك حكم من صلى منفرداً، ثم صلى جماعة.
وقضية ذلك: أن يكون في المسألة ثلاثة أوجه أو أربعة، لكنه فسر ذلك بالقولين الماضيين لا غير، وعلى ذلك جرى الفوراني والرافعي.
ولو زال العذر [وهو] في أثناء الظهر، ولم تفت الجمعة، فقد أجرى القفال هذا مجرى ما لو رأى المتيمم الماء في الصلاة، وهذا ما أورده في

"الوسيط"، وهو يقتضي إثبات خلاف في البطلان؛ لأنه مذكور في رؤية الماء في الصلاة، وقد حكى عن رواية الشيخ أبي محمد فيما علق عنه التصريح به في مسألتنا، وظاهر المذهب استمرار الصلاة على الصحة.
قال الإمام: وما قاله القفال مفرع على أن غير المعذور لا يصح ظهره قبل فوات الجمعة، فإن صححناه فلا نحكم بالبطلان هنا بحال، وعلى ذلك جرى في "البسيط".
وقال مجلي: إن في هذا البناء نظراً؛ لأن هذه الصلاة انعقدت على الصحة إذ لا مفسد، وإنما [طرأ] زوال العذر بعد ذلك، فكيف تعتبر بصلاة لم تنعقد أصلاً، والوجه: أن تبنى على الخلاف في أن الأعذار مسقطات [للوجوب، أو مرخصات للترك مع تقدم الوجوب؟ فإن قلنا: مسقطات]، فالصلاة صححية، وإن قلنا: مرخصات، فالقول ها هنا كالمتيمم يرى الماء في الصلاة.
قال: ومن لزمه فرض الجمعة لا يصلي الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة؛ لأنه مخاطب بالسعي إليها، وفي إقامة الظهر قبل فراغ الإمام إذا فاته إدراكها، لكن ظاهر كلام الشافعي أنه لا يجوز إلا بعد فراغ الإمام.
والفوات بماذا يكون؟ فيه وجهان عن رواية الشيخ أبي محمد: أحدهما: بالرفع من ركوع الإمام في الركعة الثانية.
والثاني: أن يكون في موضع يعلم أنه لا يصل إلى موضع الجمعة إلا وقد رفع الإمام رأسه من ركوع الثانية.
قال: فإن صلاها قبل فوات الجمعة، لم تصح صلاته في أصح القولين؛ لقوله- عليه السلام-: "من سمع النِّداء فلم يجبه فلا صلاة له"، وقد قال الأصحاب: إن مأخذ الخلاف أن فرض الوقت الجمعة أو الظهر؟ وقد تقدم الخلاف فيه.
فإن قلنا: فرضه الجمعة، لم تصح صلاته ظهراً؛ لأن المأتي به غيره، وهل تبطل أو تبقى نفلاً؟ فيه خلاف مشهور في نظائره.

وإن قلنا: فرضه الظهر، والجمعة بدل، صحت صلاته ظهراً.
والصحيح: أن الفرض الجمعة؛ لأن الأبدال على ضربين: بدل مرتب، وبدل مخير، فلو كانت الجمعة بدلاً من الظهر، لم يكن عاصياً بتركها إلى العصر، وهو عاصٍ بلا خلاف.
وهذا الخلاف جارٍ في المنفرد بلا خلاف، وهل يجري في أهل البلد إذا صلَّوا كلهم الظهر، وتركوا الجمعة؟ قال أبو إسحاق: لا، فيجزئهم ظهرهم وإن أثموا بترك الجمعة؛ لأن كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة؛ كذا حكاه عنه في "المهذب"، والقاضي أبو الطيب وغيره عند الكلام في انفضاض القوم [بعد الفراغ من الخطبة وقبل الصلاة].
والصحيح: أنه لا يجزئهم ظهرهم على الجديد؛ لأنهم صلوا وفرض الجمعة متوجه عليهم.
التفريع: إن قلنا بالصحيح، فالأمر بحضور الجمعة قائم كما كان، فإن حضرها فذاك، وإن فاتت قضاها الآن بأربع.
والفوات في حق المنفرد بما تقدم، وفي حق أهل البلد يكون بخروج الوقت أو ضيقه بحيث لا يسع الخطبتين والصلاة.
وإن قلنا بالقديم- وهو الصحة- فهل يسقط الخطاب بالجمعة؟ الذي حكاه الإمام في صدر الفصل: السقوط؛ لأن مع الصحة يستحيل بقاء الخطاب بغيره في وقته.
قال: وهذا [منه] أمر غريب؛ فإنه بالإقدام على الظهر في حكم الساعي في ترك الجمعة، وذلك معصية؛ فكان ما جاء به طاعة من وجه [و] معصية من وجه، والاختلاف في صحته قريب من الاختلاف في صحة الصلاة المقامة في الوقت المكروه، والذي أورده الجمهور: عدم السقوط.
وعلى هذا: إذا لم يصل الجمعة حتى فاتت، اعتدَّ له بما صلاه أولاً عن فرضه.
وإن صلى الجمعة، قال ابن الصباغ: احتسب الله له بأيهما شاء.
وهذا ما حكاه

البندنيجي عن نصّه في القديم؛ فإنه قال فيه: "وعند الله سعة أن يكتب له أجرهما وأجر أكملهما"، وهو كذلك واسع.
وقال الإمام: إذا صلى الظهر ثم حضر إقامة الجمعة، فلا شك أنه خرج عن المأثم الآن، ولكن المفروض من الصلاتين أيتهما؟ ذكر شيخي ها هنا أربعة أقوال: أحدها: الأول؛ فإنه لو اقتصر عليها برئت ذمته، والتفريع على أن الظهر مجزئ.
والثاني: الفرض: الجمعة؛ فإنه بها خرج عن الحرج.
والثالث: أنهما جميعاً فرضان.
والرابع: أن الفرض أحدهما [لا] بعينه.
ثم قال: ولاشك أن من ضرورة القول بأنهما فرضان أن يقول: خطاب الجمعة باقٍ إلى الفوات، وإن فرعنا على إجزاء الظهر؛ ولأجل ذلك حكى الغزالي في سقوط الخطاب بالجمعة على قولنا بصحة الظهر قولين، وقال: إن الأربعة الأقوال في "أن الفرض ماذا؟ " مفرعة على القول بأن الخطاب بالجمعة لا يسقط، وإن أطلق الإمام حكايتها.
وقال الرافعي: ينبغي [أن] يجري فيما إذا قلنا بسقوط الخطاب بالجمعة بفعل الظهر، كما إذا صلى منفرداً، وأعاد في جماعة- فإنه غير مخاطب بالثاني.
وهذا منه يفهم أن الأقوال الأربعة جارية فيما إذا صلى منفرداً ثم في جماعة، والمشهور منها في هذه المسألة ما عدا الثالث.
وإن كان الثالث يجري فيها- كما حكيناه عن المتولي- قدح ذلك في قول الإمام: "إن من ضرورة القول بأنهما فرضان أن الخطاب بالجمعة [باقٍ] إلى الفوات" وحينئذ لا يكون في المسألة إلا قول واحد، وهو ما [صدَّر به] الإمام الكلام في أول الفصل من أنه بفعل الظهر سقط عنه الخطاب بالجمعة؛ فتأمل ذلك، والله أعلم.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه لو صلاها بعد الفوات وقبل فراغ الإمام من الجمعة:

أنها تصح قولاً واحداً؛ لأنه منع من إقامتها قبل الفراغ، وحكم بالبطلان في أصح القولين إذا فعلها قبل الفوات؛ فتعين ما ذكرناه.
قال: ومن لزمه فرض الجمعة، لم يجزئ له أن يسافر سفراً لا يصلي فيه الجمعة، أي: في يومه بعد الزوال، وبعد الزوال متعلق بالسفر لا بالصلاة، والتقدير: لم يجز له أن يسافر بعد الزوال سفراً لا يصلي فيه الجمعة.
ووجهه: أن الفرض توجه عليه بدخول الوقت- وهو الزوال- فلا يجوز تفويته بالسفر، وقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة: لا يصحب في سفره، ولا يعان على حاجته" أخرجه الدارقطني في "الأفراد"، ومثل هذا لا يكون على مباح.
فإن قيل: إذا زالت الشمس، لم تتعين إقامة الصلاة؛ فإن الصلاة إن وجبت فإنما تجب وجوباً موسعاًن وظاهر المذهب أن من أخّر الصلاة عن أوّل وقتها، ومات في أثناء الوقت، لم يمت عاصياً؛ فهلا خرج وجه في جواز السفر بعد الزوال؟! قال الإمام: قلنا: الناس تبع للإمام في هذه الفريضة، فلو عجلها تعينت متابعته، وسقطت خيرة الناس في التأخير، وإذا كان كذلك فلا يدري متى يقيم الإمام الصلاة؛ فتعين انتظار ما يكون منه.
وعلى هذا لو سافر، كان سفره معصية؛ فلا يترخَّص ترخُّص المسافرين ما لم يمض وقت الجمعة، ثم حينئذ من حيث بلغ يكون ابتداء السفر؛ قاله القاضي الحسين والبغوي.
ثم محل ما ذكرناه إذا لم يخش فوت الرفقة لو تأخر لأجل الصلاة، [أما إذا كان في تأخيره لأجل الصلاة] فوت الرفقة جاز له السفر قولاً واحداً من غير كراهة؛ قاله القاضي أبو الطيب وغيره.
وفي الرافعي حكاية وجهين فيه.

قال: وهل يجوز قبل الزوال؟ فيه قولان، أي: في "الأم"؛ كما قال البندنيجي.
وجه الجواز أنه- عليه السلام- خرج لسفر يوم الجمعة أوّل النهار.
وروي عن عمر- رضي الله عنه- أنه رأى رجلاً عليه أهبة السفر، فقال الرجل: إن اليوم يوم الجمعة، ولولا ذلك لخرجت، فقال عمر: "إن الجمعة لا تحبس مسافراً".
ولأن وجوبها بالزوال؛ فلا يحرم قبله؛ كبيع النصاب قبل تمام الحول من غير قصد الفرار، وهذا ما نص عليه في القديم وحرملة.
وقال في "العدة": إن الفتوى عليه.
وقال الغزالي: إنه القياس.
وإذا قلنا به قطعنا بكراهية الخروج؛ قاله القاضي الحسين.
ووجه المنع [مع] ما تقدم من الخبر: أنه وقت التسبب إليها؛ بدليل وجوب السعي فيه لمن بعد، وجواز الغسل لها فيه، ووجوب التسبب كوجوب الفعل، ولأن اليوم ينسب إليها.
وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن الجديد، وهو الصحيح عند العراقيين.
وقد قطع بعض المراوزة بمقابله، قال الفوراني: لأنه نص في موضع على أنه لا يسافر، [وقال في آخر: "أحببت ألا يسافر"، فنصُّه على أنه لا يسافر] محمول على نصِّه الآخر.
والمشهور طريقة القولين، ومحلهما- كما قال أبو إسحاق المروزي-: إذا لم يخف فوت الرفقة، ولم يكن السفر واجباً، فإن خاف فوت الرفقة أو كان السفر واجباً- كسفر الجهاد، جاز قولاً واحداً؛ كذا حكاه البندنيجي عنه، ووجه بما روي أن عبد الله بن رواحة تخلف عن جيش جهزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلل

بصلاة الجمعة لما سأله- عليه السلام- فقال صلى الله عليه وسلم: "لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما أدركت غدوتهم".
وألحق الصيدلاني والقاضي الحسين وكثير من أئمتنا- كما قال الرافعي والبغوي- سفر الطاعة بالسفر الواجب.
وقال الإمام: إن ما قالوه في السفر الواجب لاشك فيه، وهكذا كانت سفرة من جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن امتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم متعين، وكان رأى رأياً، واتبع واجباً.
فأما القطع بذلك في سفر طاعة لا يجب، ففيه نظر، مع العلم بأن إقامة الجمعة مقدمة على الطاعات التي لا تجب، ولكن ما ذكره متجه من جهة أن الجمعة قبل الزوال لا تجب؛ فانتظارها قبل الزوال في حكم طاعة، غير أن مساق هذا تخيره في السفر؛ فإنّ الطاعة إذا لم تجب، جاز تركها بالمباح.
وقد أطلق ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب وغيرهما القولين من غير تفصيل بين سفر وسفر.
وقال بعضهم: الحكم مما أخرجه الترمذي، وضعفه، وقال شعبة: لم يسمع من مقسم إلَّا خمسة أحاديث، وليس هذا منها، وإن صح فلعله كان [قد] جهزهم قبل الجمعة، [وتأخر عبد الله إلى يوم الجمعة].
ولا خلاف في جواز السفر قبل طلوع فجر يوم الجمعة، وقبل الزوال وبعده؛ إذا كان يصلي في طريقه.

فرع: يجوز البيع قبل الزوال من غير كراهة إذا لم تتعطل بسببه الجمعة؛ لأن الله- تعالى- أمر بالسعي بعد النداء، فأفهم أنه قبل النداء لا يجب، والنداء إنما يكون بعد الزوال لا قبله.
نعم، لو تعطلت بسببه؛ لبعد المسافة، وهو ممن يلزمه الجمعة، فهو كما لو وقع بعد جلوس الإمام على الموضع الذي يخطب فيه الخطبة، يحرم، ويصح؛ كما لو فوت صلاة غيرها بسبب البيع، والذبح بسكين الغير.
وبعد الزوال وقبل جلوس الخطيب يكره، وهذا إذا كان المتبايعان من أهل الجمعة.
ولو كانا من غيرها [كالمسافرين ونحوهم، فلا تحريم في حقهما ولا كراهية.
ولو كان أحدهما من أهلها، والآخر من غير أهلها] فحكم من هو أهلها كما لو كانا من أهلها، [وحكم من ليس من أهلها] كحكمهما إذا كانا كذلك، إلا في الصورة التي يحرم على من هو من أهلها البيع، فإنه يكره لمن ليس من أهلها مبايعته في تلك [الحالة؛ لإعانته] على المعصية؛ قاله البندنيجي.
وفي "المهذب": أنهما آثمان.
وحكم غير البيع من التصرفات فيما ذكرناه حكم البيع.
قال: ولا تصح الجمعة إلا بشروط، أي: خارجة عن شروط سائر الصلوات، وهي كما ذكر ستة، وبعضهم أضاف إليها سابعاً، وهو نية الإمامة ونية الخطبة، ويمكن أن يضاف إليها ثامن، وهو إذن الإمام في إقامتها؛ فإن صاحب "العدة" حكاه قولاً عن القديم.
قال: أحدها: أن تكون في أبنية مجتمعة؛ لأنه لم ينقل أنها أقيمت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده إلا في أبنية مجتمعة، ولو كان يجوز إقامتها في غيرها لفعلت، ولو مرة؛ لبيان الجواز، ولو فعلت لنقل.
والمراد بكونها في الأبنية: أنها تفعل بين الأبنية، سواء في ذلك المساجد

والساحات والرحاب المسقفة وغيرها، لا أنها تفعل في موضع بني لأجل الصلاة؛ فلو أقيمت خارج المصر في الصحراء لا يجوز، نص عليه الشافعي في كتاب صلاة الخوف.
قال البندنيجي ثمَّ: وقد كنا نحكي ذلك عن أبي إسحاق، وقد نص أصحابنا على المسألة، ولا فرق عندنا بين أن تكون الأبنية من خشب، أو حجر، أو لبن، أو سعف، أو جريد؛ كما قال البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما؛ لأن [كل] ذلك مما يوضع للاستيطان وعدم النقل، وقد حكى الإمام ذلك عن مذهب العراقيين، وقال: إن هكذا معظم القرى في الحجاز، يعني: أنها تكون بزعف وجريد وقصب.
وفي "الحاوي": أن المبني بالقصب والسعف لا تنعقد فيه [الجمعة].
وكذا لا فرق عندنا بين أن يكون ذلك في مصر جامع أو قرية، وهو في المصر إجماع، وفي القرية مستدلٌّ عليه بما روي عن ابن عباس أنه قال: أول جمعة جمِّعت بعد جمعة المدينة بـ "جواثي": قريةٍ من قرى عبد القيس.
أخرجه أبو داود.
وجه الدلالة منه: أن هذا [كان] في صدر الإسلام، ولا يجوز أن يفعل ذلك إلَّا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ فيه نقل فرض إلى فرض غيره خصوصاً، والخصم- وهو أبو حنيفة- لا يصحِّح إقامة الجمعة إلا بإذن الإمام.
ولأنه لو فعل بغير أمره لا يكره؛ إذ مثل هذا لا يخفى مع قلة الإسلام.
ولأن القرية موضع بني للاستيطان والاستقرار؛ فوجب أن تنعقد فيه الجمعة كالمصر.
فإن قيل: قد قال- عليه السلام-: "لا جمعة ولا تشريق إلا في

مصرٍ جامعٍ".
قلنا: يشبه أن يكون لأجله قال به الشافعي في القديم، كما حكاه في "الزوائد" عن رواية صاحب "التلخيص"، لكن المشهور الأول؛ لأن ذلك لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم بل هو منقول عن علي- كرم الله وجهه- مرسلاً، ولو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لحملناه على أنها لا تقام خارج المصر.
وإن صح إسناده عن علي، قلنا: قد خالفه عثمان- رضي الله عنه- فإن أبا هريرة كتب إليه وهو أمير على البحرين يستأذنه في إقامة الجمعة، فكتب إليه عثمان: أن جمِّعوا حيثما كنتم.
أو نحمله على ما ذكرناه.
فإذا تقرر ذلك، فلو أقيمت خارج البنيان حيث يصلَّى العيد لم تصح؛ لما ذكرناه.
واحترز الشيخ بقوله: "مجتمعة" عما إذا تفرقت بحيث يجوز القصر لمن أراد السفر من بعضها قبل مفارقة باقيها؛ فإنه لا يجوز إقامة الجمعة فيها.
وعن "البحر" أنه حد التفرق بما زاد على ثلاثمائة ذراع، وما دون ذلك في حد الاجتماع.
وقد أفهم كلام الشيخ أمرين: أحدهما: أنها لا تقام في الخيام وإن استوطنت شتاءً وصيفاً، وهو قضية كلامه في "الأم"؛ ولأجله حكاه بعض الأصحاب قولاً عن الشافعي، وأثبته البغوي وغيره وجهاً، وكيف قدِّر فهو الصحيح في "الرافعي"؛ لأن قبائل العرب

كانوا يقيمون حول المدينة، وما كانوا يصلون الجمعة، ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها؛ ولأجل ذلك جزم به الماوردي والفوراني والإمام، وكلام القاضي أبي الطيب الذي سنذكره يقتضيه أيضاً، والذي حكاه البندنيجي عن رواية البويطي ولم يحك سواه: أنها تنعقد فيها.
الثاني: أنه لو احترق البناء الذي تقام في مثله الجمعة، وانهدمت جدرانه، وكان أهله مقيمين [في] موضعه عازمين على إعادته وتجديده- لا تصح إقامة الجمعة فيه، وقد نص الشافعي في "الأم" على انعقادها في ذلك الموضع، ولزوم الجمعة لهم، وهو مما لا خلاف فيه، بخلاف ما لو نزلوا موضعاً، وأقاموا فيه؛ ليعمروا بلدة أو قرية [لا] تنعقد لهم فيه الجمعة قبل البناء؛ استصحاباً لما كان الأمر عليه قبل ذلك في الحالين.
قال القاضي أبو الطيب: ولا تنعقد على مذهب الشافعي جمعة في غير بناء إلا في مسألة الاحتراق وحدها، وهي شاذة عن الأصول.
قال: والثاني: أن تكون في جماعة؛ لقوله- عليه السلام- في حديث طارق السابق: "الجمعة حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ"، وهو إجماع؛ لأنها إنما سميت: جمعة؛ للاجتماع.
قال: والثالث: أن تقام بأربعين نفساً، أي: من الرجال؛ لما روى عطاء عن جابر قال: "مضت السنة أن في كل ثلاثة إماماً، وفي كل أربعين وما فوق ذلك جمعة"، أخرجه الدارقطني.
وجه الدلالة منه: أن قول الصحابي: "مضت السنة" بمنزلة قوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم".
وقد روي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: "كنت قائد أبي من بيته حين عمي، فكان إذا سمع [النداء] بالجمعة أكثر الترحم على أبي أمامة- سعد بن

زرارة- واستغفر له، فسألته عن ذلك؟ فقال: إنه كان أوّل من جمع بنا في هزم من [حرّة] بني بياضة، في نقيع الخضمان: قلت: يا أبه، كم كنتم؟ قال: أربعون"، أخرجه أبو داود، وأثبته الإمام أحمد.
وقد ذكر في "الحاوي" و"التتمة" أن سليمان بن طريف روى عن مكحول عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا اجتمع أربعون رجلاً فعليهم الجمعة، وسيكون بعدي أمراء يتواضعون .. " الحديث.
وذكر ابن كج أن الحناطي روى عن [أبي إمامة أن] النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا جمعة إلا في أربعين"، فإن صح هذان الخبران، أغنيا عما سواهما، وإن انتفت الأدلة المنصوصة على ما ادعيناه، قلنا: الأصل الظهر تماماً، وإنما يرد إلى ركعتين

بشرائط منها: العدد، وأصله مشروط بالإجماع، ولم ينقل عن الشارع لفظ صريح في التقدير، وفهم منه طلب تكثير الجماعة؛ لأنه لم يشرع جمعتين في بلد فأكثر كما في غيرها من الصلوات، وأكثر ما قيل فيه: أربعون، فهو عدد توافقنا على عقدها به، فمن ادعى أنها تنعقد بأقل منه، فعليه إقامة الدليل.
وقد اعترض بعضهم على هذا، فقال: الإمام أحمد اشترط في عقدها خمسين؛ لأنه- عليه السلام- قال: "لا تجب الجمعة إلا على خمسين رجلاً، [و] لا تجب على ما دون ذلك"، رواه أبو بكر النجاد، عن عبد الملك الرقاشي، عن رجاء بن سلمة، عن عباد المهلبي، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة.
وبإسناده عن الزهري، [عن أبي هريرة] أنه قال: "لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين، جمع بهم".
وجوابه: أن القاضي أبا الطيب والماوردي وابن الصباغ قالوا: إن مذهب الإمام أحمد مثل مذهبنا.
وجعفر بن الزبير، قال عبد الحق: متروك الحديث.
وما ذكره الشيخ هو ما أورده العراقيون، وقد حكي قول أو وجه: أنه يشترط أن يكون الإمام وراء الأربعين، ولم يورد في "الحاوي" غيره عند لكلام في العدد.
وقال عند الكلام في إمامة الصبي: إن مذهب الشافعي ومنصوصه في جميع كتبه خلاف هذا، وإن القائل بأنه يشترط أن يكون وراء الأربعين هو ابن أبي هريرة.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل