كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 231-270
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 231-270
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير- غفرت خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر".
وروى مسلم قال: كتب المغيرة إلى معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
قال: سراًّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 110]، قالت عائشة: نزلت هذه الآية في الدعاء.
وقال الماوردي: إن الشافعي قال: معناه: لا تجهر بدعائك جهراً يسمع، ولا تخافت به إخفاء لا يسمع.
وقال غيره: معنى التخافت: ألا يسمع نفسه، وقد أثنى الله تعالى على عبده زكريا؛ فقال: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [مريم: 3].
وهذا إذا لم يكن إماماً؛ فإن كان إماماً، فقد قال في "التتمة": إنه يجهر، [وعليه [يحمل] ما روي أنه عليه السلام كان يقول بصوته الأعلى ما ذكرناه من حديث جابر]، وكلام المصنف يقتضي تخصيصه بحالة إرادة التعليم؛ ألا تراه قال: إلا أن يريد تعليم الحاضرين؛ فيجهر؛ لقصد التعليم.
والمريد للتعليم إنما يكون هو الإمام، ثم جهره يكون على هذا إلى حين يتعلمون.
قال الأصحاب: وينبغي للإمام-بعد فراغه من الدعاء-ألا يثبت في مكانه،

بل يثب؛ لأنه جاء في الحديث: "إذا لم يقم إمامكن فانسخوه"؛ وهذا يدل على أن الجميع محبوسون إلى أن يقوم الإمام، وألا لما أمر بنخسه.
ثم إذا وثب أقبل على الناس بوجهه.
واختلف أئمتنا في أنه من أي قطر يميل.
فمنهم من قال يفتل يده اليسرى [ويجلس] على الجانب الأيمن من المحراب.
ومنهم من يقول-وهو القفال-: يفتل يده اليمنى، ويجلس على الجانب الأيسر؛ كما قلنا في الطواف: إنه يبتدئ من الحجر الأسود، وتكون يده اليسرى إلى الكعبة، واليمنى إلى الناس.
وقال الإمام: إذا لم يصح في هذا نقل، فلست أرى في ذلك إلا التخيير، ثم ينصرف إلى أي جهة شاء.
واستحباب قيامه عقيب الدعاء؛ إذا لم يكن ثم نسوة؛ فإن كان، فيستحب له أن يجلس كيما يخرجن؛ حتى لا يجتمعن مع الرجال حال الخروج، وكذا إذا

كان فراغه من صلاة الصبح؛ فيستحب له أن يشتغل بالذكر إلى أن تطلع الشمس؛ لما روي أنه عليه السلام قال: " لأن أجلس في قوم يذكرون الله من صلاة الغداة إلى أن تطلع الشمس أحب إلى من أن أعتق ثمانية من أولاد إسماعيل، دية كل واحد اثنا عشر ألفاً"؛ قاله في "التتمة".
والأولى فعل النوافل بعد الصلاة في بيته؛ فإن صلاها في المسجد جاز.
قال القاضي الحسين: ويتأخر عن موضعه قليلاً؛ لأن [روي ذلك عنه]، عليه السلام.

وهذا يعارضه قول الإمام في كتاب النذور: إنه عليه السلام لم ير متنفلاً في المسجد إلا في ثلاث ليال من شهر رمضان؛ فإنه صلى التراويح في المسجد.
ويستحب للمأموم ألا يخرج من المسجد قبل إمامه، قاله الماوردي.
قال: وإن كان في صلاة هي ثلاث ركعات أو أربع: جلس بعد الركعتين؛ [للإجماع] مفترشاً؛ لما أسلفناه من خبر أبي حميد الساعدي في صفة صلاته، عليه السلام.
قال الأصحاب: والفرق بين الجلوس في آخر الصلاة، وبين ما عداه من الجلسات فيها أن التورك هيئة مستقر؛ فكان آخر الصلاة به أولى، والافتراش هيئة مستوفز [للحركة]؛ فكان ما قبل الآخر به أولى؛ لأنه يعقبه حركة السجود.
وحمل الشافعي ما ورد من الأخبار الدالة على الافتراش، و [الأخبار] الدالة على التورك على حالين؛ كما قررناه؛ لأنه متى ورد في النفي والإثبات خبران مطلقان في واقعة، وورد فيها خبر مفصل-فالمطلقان محمولان على التفصيل لا محالة.
ولا فرق في استحباب الجلوس مفترشاً بعد الركعتين بين الإمام والمأموم والمنفرد؛ لاشتراكهم في المعنى الذي ذكرناه؛ ولأجله قال الأصحاب: إن المسبوق يجلس مع الإمام إذا جلس في آخر صلاته مفترشاً، وإن كان الإمام متوركاً.
[وقيل: إذا جلس الإمام في آخر صلاته متوركاً]، جلس المسبوق كذلك؛ متابعة له؛ حكاه الشيخ أبو محمد.
وعن الشيخ أبي طاهر الزيادي حكاية وجه ثالث: أنه [إن] كان محل تشهد

للمسبوق؛ كأن أدرك ركعتين من صلاة الإمام جلس مفترشاً، وألا جلس متوركاً؛ لأن الجلوس في هذه الحالة تمحض للمتابعة [فيتابعه] أيضاً.
والأكثرون على الأول، وهو الذي نص عليه، وادعى القاضي الحسين أن كل جلسة لا يسلم عنها يفترش فيها إلا في مسألة واحدة، وهي: إذا كان مسبوقاً، ويكون خليفة؛ فإنه يجلس في آخر صلاة الإمام متوركاً؛ كما يقنت في موضع قنوته، ويجهر في موضع أن يجهر.
قال: وعند القفال: خليفة الإمام يراعي نظم صلاة الإمام، إلا أنه يجلس مفترشاً؛ لأنه يريد أن يقوم، والقنوت والجهر خلاف ظاهر.
قال: ويتشهد؛ لقول عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في كل ركعتين التحية، رواه مسلم.
قال: ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وحده في أصح القولين؛ لقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: 56]؛ فجمع بين الصلاة والسلام، وهو يسلم عليه فيه؛ [فكذا يصلي عليه فيه؛ ولأنه أحد التشهدين؛ فشرع] فيه الصلاة؛ كالأخير، وهذا ما نص عليه في "الأم"، وهو الجديد، والمختار في "المرشد".
قال: ولا يصلي في الآخر؛ لأن مبناه على التخفيف، روى ابن عباس: أنه عليه السلام كان يجلس في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف حتى يقوم، رواه أبو داود، والرضف: الحجارة المحماة، وهذا ما ذكره في القديم.

قال أبو الطيب: وهو [ظاهر] ما نقله المزني.
فعلى هذا: لا يصلي على الآل فيه، ولو صلى عليهم فيه، كان ناقلاً ركناً إلى غير محله، وفي بطلان الصلاة به الخلاف الذي سنذكره في باب سجود السهو.
وكذا لو صلى على آله فيه، وقلنا: إنه فرض في التشهد الأخير.
وعلى الأول هل يصلي على الآل؟ فيه الذي ذكره العراقيون، لا كما أفهمه قول الشيخ: وحده.
وحكى بعض المراوزة فيه وجهين، مبنيين على وجوب ذلك في الأخير؛ [فإن قلنا: يجب، كان كالصلاة عليه، وألا فلا يأتي به.
وصاحب "الفروع" جعل الخلاف في وجوبه في الأخير] مرتباً على استحبابه في الأول؛ فإن قلنا: يستحب فيه، وجب في الخير، وإلا فلا.
فرع: لو أطال التشهد الأول، كره له.
قال القاضي الحسين: ويجب أن تبطل صلاته؛ لأنها جلسة خفيفة كالجلسة بين السجدتين، ويحتمل ألا تبطل؛ لأنه محل الدعاء.
قال: ثم يصلي ما بقي من صلاته، مثل الثانية؛ لقوله عليه لسلام للمسيء في صلاته: "وافعل ذلك في جميع صلاتك"؛ وهذا دليل على الفرائض منها، وأما التكبير فدليله قول ابن مسعود وأبي هريرة: إنه عليه السلام كان يكبر في كل [رفع وخفض، والباقي] نأخذه بالقياس.
قال: إلا أنه [لا] يقرأ السورة بعد الفاتحة، في أحد القولين؛ لما روى

البخاري ومسلم، عن أبي قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب [وسورة، ويسمعنا الآية أحياناً، ويقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب].
وهذا ما نقله البويطي عن الشافعي والمزني؛ كما قال أبو الطيب، وقاله في القديم، وادعى أبو إسحاق المروزي أنه الصحيح، وقال الغزالي: إن العمل عليه.
قال الرافعي: وبه أفتى الأكثرون، وجعلوا المسألة من المسائل التي يفتى فيها على القديم.
قال: ويقرأ في الآخر؛ لما ذكرناه من خبر [أبي سعيد]؛ عند الكلام فيما يقرؤه في الصبح والظهر، وهذا ما نص عليه [في "الأم"]، واختاره الشيخ أبو حامد، والبغوي، وطائفة.
قال بعضهم: واعلم أنه يستثني من قول الشيخ الجهر بالقراءة؛ فإنه يجهر في الأولى والثانية، دون بقية صلاته.
قلت: ولا حاجة إلى استثنائه؛ لأن الشيخ بين الحل الذي يجهر فيه قبل ذلك؛ حيث قال: ويجهر الإمام والمنفرد بالقراءة في الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء، ومع ذلك لا حاجة إلى استثنائه.
نعم يحتاج أن يستثني قدر القراءة؛ إذا قلنا: إنه يقرأ السورة؛ لأن الخبر دل على أن القراءة في الركعتين الأخيرتين على النصف من المقروء في الركعتين الأوليين، وبه قال في "المرشد".
وعبارة القاضي أبي الطيب: أنه لا يختلف المذهب أنه يستحب أن تكون الأخيرتان أقصر من الأوليين.

وكلام الشيخ يقتضي التسوية [بينهما ويقتضي التسوية] بين الثالثة والرابعة، وهو كذلك؛ لأن القاضي أبا الطيب قال: إنه لا يختلف المذهب أيضاً في أن المستحب مساواة الثالثة للرابعة.
وقال الرافعي: [إن] الوجهين في تطويل الركعة الأولى على الثانية يجريان في تطويل [الركعة] الثالثة على الرابعة.
قال: ويجلس في آخر الصلاة متوركاً؛ كما إذا كانت الصلاة ركعتين، والله أعلم.
قال: وإن كنا في الصبح فالسنة أن يقنت؛ لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:238]، وقد ثبت أن الوسطى الصبح؛ فدل على أن القنوت فيها؛ لاقترانه بها، وقد روى الدارقطني بإسناده عن أنس بن مالك قال: "ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا".
وقد رأيت في كلام بعض الشراح أن مسلماً خرج هذا الخبر، وبعضهم نسبه إلى رواية الإمام أحمد في "مسنده".

فإن قيل: قد روت أم سلمة: أنه عليه السلام نهى عن القنوت في الفجر، وعن أنس: أنه عليه السلام قنت شهراً وترك.
رواه مسلم.
قلنا: يحمل ذلك على الدعاء على الكفار؛ جمعاً بين الأحاديث، وحديث أم سلمة ضعيف عند أهل الحديث.
ثم القنوت في اللغة: الدعاء بالخير والشر، يقال: قنت فلان على فلان؛ إذا دعا عليه، وقنت له: إذا دعا له بالخير، لكن صار القنوت بالعرف مستعملاً في دعاء مخصوص.
قال: بعد الرفع من الركوع [في الركعة الثانية]؛ أي: وبعد فراغه من الذكر الراتب عقيب الرفع؛ كما قال البندنيجي، وهو قوله: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد" كما قاله الماوردي وغيره؛ لما روى البخاري بإسناده، عن أبي هريرة أنه قال: "والله لأنا أشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقنت بعد الركوع.
وروى أبو داود، عن أنس، أنه سئل: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الصبح؟ فقال: نعم؛ فقيل له: قبل الركوع، أو بعده؟ قال: بعده.

وروى مسلم، عن أبي هريرة أنه عليه السلام قنت بعد الركوع.
فرع: لو قنت قبل الركوع، فهل يعتد به؟ [فيه وجهان] في "الحاوي"؛ أظهرهما: لا، ويعيده، وعلى هذا هل يسجد للسهو؟ فيه وجهان.
وقال القاضي الحسين: لو قنت قبل الركوع، [هل تبطل صلاته] أم لا؟ فيه وجهان، سيأتي أصلهما.
ولا خلاف في أنه إذا دعا بعد القراءة، ولم يرد القنوت- لا سجود عليه.
قال: فيقول -أي: المنفرد-: "اللهم اهدني فيمن هديت، عافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت"؛ لأن الحسن بن علي قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت ... " إلى آخره: قال الترمذي: وهو حديث حسن

صحيح، لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم [في القنوت] شيء أحسن منه.
وكذلك قال الإمام: إن المقدار الثابت في كلمات القنوت ما نقله المزني في "المختصر"، وهي هذه الكلمات الثماني التي ورد بها الخبر، ولم يزد في "المرشد" عليها.
وقال في "الشامل": إن بعض الناس زاد: "ولا يعز من عاديت، ولك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك" ولا بأس به.
وقال الشيخ أبو حامد: إنه حسن.
وقال القاضي أبو الطيب: قوله: "ولا يعز من عاديت"، ليس بحسن؛ لأن العداوة لا تضاف إلى الله، سبحانه.
ورُدَّ عليه ذلك بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [البقرة:98].
والذي رأيته في "تعليقه": أنه لا يستحب له أن يقول: "ولا يعز من عاديت"؛ لأن قوله: "لا يذل من واليت" يغني عنها؛ ولأن الأمر لم يرد بها.
وهذا فيه

نظر؛ لأنه لا يظهر من قوله: "ولا يذل من واليت" [ذلك]، وقد ادعى القاضي الحسين أنه جاء في بعض الروايات في الخبر المذكور "ولا يعز من عاديت"، وفي بعض الآثار: "ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ربنا ونتوب إليك".
وزاد في التتمة على ما قاله القاضي أبو الطيب فقال: لا يستحب له أن يزيد على الكلمات [الثمان]؛ فلو زاد عليها؛ لا تبطل صلاته؛ لأن المحل محل الذكر.
وقال القاضي الحسين: [إنه] إذا طول القنوت على العادة كان مكروهاً، ويحتمل-عندي- أن يقال: تبطل؛ لأنها قومة قصيرة مدها بالذكر الممدود؛ كالجلسة بين السجدتين، والاعتدال في الركوع.
ويحتمل الفرق؛ لأنها محل الدعاء.
أما الإمام-فيقول: "اهدنا" نص عليه في "الأم"، [وهذا يؤخذ من قول الشيخ: "ويؤمن المأموم على الدعاء"؛ إذ لو لم يأت به بصيغة الجمع، لما كان لتأمين المأموم فائدة ترجع إليه].
ولو خص نفسه بالدعاء، جاز؛ إلا أنه ترك المستحب؛ لخبر ورد فيه.
ثم ظاهر كلام الشيخ تعين كلمات القنوت التي ذكرها، وهو ما ادعى بعض الناس: أنه المذهب؛ فلا يجزئه غيره، ولو ترك منه كلمة، سجد للسهو.
وعبارة الإمام من حيث المعنى الذي يجب القطع به: تعين الكلمات الثماني المنقولات عن الحسن، ولا يقوم غيرها مقامها؛ لأنه [شبيه] بالتشهد الأول؛ فإنهما من الأبعاض؛ ولأجل ذلك قال في "الوسيط": وكلماته متعينة.
وفي "فتاويه": أنه لو عدل عن الدعاء المشهور في القنوت إلى غيره، أو أتى ببعضه –لزمه سجود السهو.
والمنقول عن العراقيين أنه لا يتعين له ذكر.

وإن قنت بما روي عن عمر؛ وهو ما سنذكره في باب: صلاة التطوع- كان حسناً؛ قاله في "المهذب"، وحكاه في "المهذب" عن [نص] الشافعي، قوال: إنه لو جمع [ينه] وبني قنوت الحسن، كان حسناً.
نعم: إن أراد الاقتصار على أحدهما؛ فقنوت الحسن أولى.
وما قاله العراقيون من عدم التعين سنذكره عن القفال في باب ما يسد الصلاة، وهو المنقول عن "فتاويه" أيضاً، ولم يورد القاضي الحسين غيره، وكذا الماوردي، [و] قال: إنه لو قرأ آية فيها دعاء كآخر البقرة ونحوها، أجزأه في تأدية السنة، وإن قرأ ما لا يتضمن دعاء؛ كآية الدين-فوجهان.
قال: ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]: قال المفسرون: أي: لا أذكر [إلا وتذكر] معي.
قال في "المهذب": ولأنه نقل ذلك في رواية الحسن بن علي.
قال بعضهم: وقد أخرجه [أبو] عبد الله النيسابوري في "سننه".
ولأنه دعاء، وقد روي عن عمر أن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد يها شيء حتى تصلي على نبيك.
ولا يقول هذا إلا توقيفاً وهذا هو المشهور.
وقد قيل: إنه لا يشرع فيه، وهو ما أورده القاضي الحسين؛ فإن فعله، كان كما لو قرأ الفاتحة في التشهد.
قال: ويؤمن المأموم على الدعاء؛ لما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت، ونحن نؤمن خلقه، ولأن التأمين يجري مجرى الدعاء، وقد قيل: إنه

دعاء؛ كما تقدم؛ ولذلك قال ابن الصباغ: إنه ينبغي أن يتخير في ذلك.
وحكى المراوزة وجهين: أحدهما: أنه يؤمن.
والثاني: يشاركه فيه؛ قياساً على سؤال الرحمة، والاستعاذة من النار.
وهذا إذا جهر، وسمع المأموم صوته؛ فإن كان قد أسر، أتى المأموم به.
وإن كان قد جهر، لكن المأموم لم سمع، فهل يؤمن، أو يقول كما يقول؟ حكى المراوزة فيه وجهين؟ كما تقدم مثلهما في قراءة السورة، ويأتي في الذكر والإمام يخطب إذا كان المأموم بعيداً لا يسمع الخطبة، وقياس مذهب العراقيين في ذلك أن يأتي به هاهنا.
قال: ويشاركه في الثناء؛ [إذلا] يمكن تحصيل مقصوده بالتأمين؛ ولذلك حمل الأصحاب ما رواه ابن عباس على الدعاء.
قال ابن الصباغ: وهذا لا يحفظ عن الشافعي فيه شيء، إلا أنه قال: "وإذا قرأ الإمام آية رحمة، سألها، وكذلك المأموم"؛ فشرك بينهما في الدعاء، وهذا مثله.
وفي "الرافعي" حكاية وجه عن رواية الروياني وغيره: أن المأموم يؤمن في كل كلمات القنوت، والأصح: الأول.
وقد أفهمك كلام الشيخ أن الإمام يجهر [به]، وهو ما ادعى البغوي-تبعاً للقاضي الحسين-أنه الأصح، وقال: إن من سننه في حق المنفرد الإسرار، وهذه الطريقة حكاها الماوردي أيضاً.
وأطلق البندنيجي القول بأن المصلى يجهر به، وطرده في القنوت في جميع الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة؛ إذا قلنا بالقنوت فيها.
والغزالي أطلق القول بأن الأصحاب اختلفوا في الجهر به، وكذا الفوراني.
قال الغزالي: والظاهر أنه مشروع.
فرع: هل يرفع يديه فيه؟ قال في "المهذب": لا نص فيه، والذي يقتضيه المذهب: أنه لا يرفع.
وهو ما

حكاه أبو الطيب في بعض كتبه، واختاره القفال والبغوي؛ قياساً على سائر الأدعية في الصلاة.
وقال القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، وابن الصباغ، والغزالي، والروياني في "الحلية": إنه يستحب فيه الرفع، وهو الذي حكاه القفال، عن أبي زيد المروزي، وصححه في "التتمة"، و"المرشد"؛ لأنه منقول عن جماعة من الصحابة، وقوله -عليه السلام- الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه: "إذا دعوت، فادع ببطون كفيك، ولا تدع بظهورهما؛ فإذا فرغت، فامسح بهما وجهك" –يدل عليه.
ولأنه دعاء في حالة ليس فيها هيئة مسنونة؛ فاستحب فيه الرفع؛ كخارج الصلاة؛ وعلى هذا قال الجيلي: ففي كيفية الرفع وجهان.

أحدهما: يرفع بطن كفه نحو السماء؛ لظاهر الخبر، وهو ما ذكره القاضي أبو الطيب.
والثاني: يرفع ظهر كفه.
قال: وهكذا الحكم في كل دعاء.
ومنهم من قال فيه: إن كان يسأل الله -تعالى- مغفرة ورحمة، وما هو من أمور الآخرة -فيجعل بطن كفه [إلى السماء]، وإن دعاه رهبة وخوفاً، جعل ظهر كفه نحو السماء.
وكيفما قلنا: إنه يرفع؛ فيستحب أن يمسح وجهه بكفيه؛ لما ذكرناه؛ ولأنه سنة الدعاء.
قال ابن الصباغ [وغيره]: ولا يستحب مسح غير الوجه، بل يكره.
وقال الروياني، والبغوي: إن أصح الوجهين أنه لا يمسح بهما وجهه أيضاً، وهو اختيار القفال.
فرع: إذا صار القنوت شعاراً للروافض، فهل يترك؟ فيه خلاف ذكرته عند الكلام في تسطيح القبر.
والرافعي نسب هاهنا وجه المنع إلى رواية أبي الفضل بن عبدان، عن [ابن] أبي هريرة، وهو المذكور في "الوسيط" ثَمَّ.
قال: وإن نزلت بالمسلمين نازل، قنتوا في جميع الصلوات؛ أي: الفرائض؛ لما روى ابن عباس قال: "قنت رسول الله - شهراً متتابعاً في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة الصبح، وفي دبر كل صلاة؟ إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على أحياء من سليم على رعل،

وذكوان، وعصية، ونؤمن [من] خلفه" أخرجه أبو داود.

وروى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة أنه قال: "إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم "، وكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء الآخرة، ويدعو للمسلمين، ويلعن الكافرين".
وروي عن علي "أنه قنت في المغرب"، وبه وقع الرد على الطحاوي؛ حيث قال: إن القنوت في غير الصبح لم يقل به أحد إلا الشافعي.
وحكى المراوزة قولاً: أنه لايجوز القنوت [في غير الصبح] بسبب النازلة.
وحكى ابن يونس طريقة أخرى: أنه لا يقنت السرية، ويقنت في الجهرية.
وإذا قلنا بالصحيح -فإيراد "الوسيط" يشعر بأنه [يسر في الصلوات السرية]، وهو ما حكاه البندنيجي، [و] في الجهرية الخلاف في قنوت الصبح.
قال الرافعي: وإطلاق غيره يقتضي [طرد] الخلاف في الكل.
أما إذا لم تنزل نازلة، فمفهوم كلام الشيخ أنه لايجوز، وهو ما حكاه الإمام عن شيخه، والغزالي في "الوسيط" عن المراوزة، ولم يحك في المهذب غيره، وعليه نص في "لأم"، وقال في "الإملاء": إن شاء قنت، وإن شاء ترك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قنت فيها وترك، ولا يقال في هذا ناسخ ولا منسوخ؛ حكاه البندنيجي، وهو يقتضي أنه غير مستحب، ولا مكروه.
قال الرافعي: وهو قضية كلام أكثر الأئمة.
ومنهم من يشعر إيراده باستحبابه [في جميع الصلوات.
قال في "الروضة": والأصح: استحبابه]، [وصرح به] صاحب

"العدة"، ونقله عن نص الشافعي في "الإملاء".
وعلى الأول: فقد قال بعضهم: إن اختصاص الصبح بالقنوت عند فقد النازلة؛ لكونها أشرف؛ فإنها الوسطى؛ كما تقرر، ويدخل وقتها والناس في غفلة، ويشرع في أذانها التثويب، ويجوز الأذان لها قبل الفجر، وهي أخصر صلوات الفريضة في كل يوم، فكانت بالزيادة أليق من غيرها من الصلوات، والله أعلم.

باب فروض الصلاة وسننها

لما ذكر الشيخ في الباب قبله صفة الصلاة عل الكمال من غير تمييز لفرض فيه من السنة-احتاج إلى رسم هذا الباب؛ لبيان ما هو الفرض من ذلك؛ ليفعله المصلي حتماً إن كان يعرفه، ويتعلمه وجوباً إن كان يجهله؛ [كما دل عليه] قوله في الباب قبله: "ومن لا يحسن التبكير بالعربية، بكر بلسانه، وعليه أن يتعلم"، وبه صرح الإمام عند الكلام في التكبير؛ فقال: ومما يتعلق بتمام القول في ذلك أن من أسلم، فعليه أن يبتدر تعليم شرائط الصلاة وأركانه، ويعرف ما هو سنة؛ ليتخير في فعله وتركه، وأيضاً لتصح نيته؛ كما أسلفناه.
وقد فعل مثل ذلك في الوضوء والحج، ولم يصنع كذلك في الغسل؛ لأن مضمون واجبه يحصره كلمتان؛ [فما رأي] أن يفرد صفته بباب، وتفصيله بباب آخر.
ثم "الفروض": جمع "فرض"، وأصله في اللغة: التقدير، يقال: فرض الخياط الثوب: إذا قدره، [و] لما كانت هذه الأمور مقدرة في الصلاة، سميت: فروضاً.
وقيل: أصله الحز في القدح وغيره، والقدح- بكسر القاف والحاء المهملة-: السهم إذا قوم واستوى قبل أن ينصل ويراش، فإذا ركب فيه النصل والريش فهو سهم؛ فلما كانت هذه الأشياء لازمة للصلاة ملازمة الحز للقدح سميت: فروضاً.
وبعضهم يعبر عنها بالأركان، ويقول: الصلاة تشتمل على شرائط وأركان وأبعاض وهيئات: فالشرائط ست، وهي: الطهارة عن الحدث، والطهارة عن الخبث في البدن والثوب، وموضع الصلاة على الجديد، وستر العورة، والعلم بدخول الوقت،

أو ظنه، واستقبال القبلة في حال الأمن في الفرض دون النافلة في السفر؛ كما سلف.
وقيل: إنه ركن؛ حكاه الإمام عن صاحب "التلخيص"، ولم يذكر في "المهذب" في صفة الصلاة غيره.
قال الإمام: وهو الأقرب؛ من حيث إن الطهارة تتقدم على الصلاة، وستر العورة لا يختص وجوبه بالصلاة؛ فلم تكن أركاناً، بل هي شرائط، ووجوب استقبال القبلة يختص بالصلاة، ولا يجب تقدمه على عقدها، وهذا ما استحسنه القفال.
وحكى القاضي الحسين أن بعض أصحابنا [قال] بمثله في الطهارة والستارة، وهو بعيد.
والسادس: الإسلام، فنه لابد من تقدمه على العبادة، ولو زال في أثنائها بالردة، بطلت.
والأركان: ما عده الشيخ فروضاً، وستتضح [مع] ما يتعلق بها.
والأبعاض والهيئات: هي ما عبر الشيخ عنها بالسنن وسنبينها.
وقد حاول بعضهم عبارة فارقة بين الشرط والركن في الصلاة؛ فقال: الشرط: ما يتقدم عليها، ويجب استدامته إلى آخرها، والركن: ما لا يتقدم عليها، ولو تركه عمداً بطلت صلاته، ولو تركه سهواً لزمه العود إليه، ولا ينجبر بالسجود، وإليه يميل كلام الإمام؛ حيث جعل القول بأن استقبال القبلة ركن أقرب؛ لكونه لا يجب تقدمه عليها؛ بخلاف الطهارة والستارة.
وقال الرافعي: إنه يرد على هذا ترك الكلام والفعل الكثير، وسائر المفسدات؛ فإنها لا تتقدم على الصلاة، وهي معدودة من الشروط دون الأركان.
وظن أن هذا لا جواب عنه؛ فقال: ولك أن تفرق بين الركن والشرط بعبارتين: إحداهنا: أن تقول: الأركان: المفروضات اللاحقة التي أولها التكبير، وآخرها

التسليم، ولا يلزم التروك؛ فإنها دائمة لاتلحق ولا تلحق، والشروط: ما عداها من المفروضات.
والثانية: أن تقول: [الشرط يعتبر] في الصلاة؛ بحيث يقارن كل معتبر سواه، والركن: [ما يعتبر لا على] هذا الوجه: مثاله: الطهارة: تعتبر مقارنتها الركوع والسجود، وكل أمر معتبر ركناً كان، أو شرطاً، والركوع معتبر، لا على هذا الوجه.
قلت: [وهذا يخرج] استقبال القبلة عن أن يكون شرطاً؛ لأنه لا يعتبر [في كل ما هو واجب في الصلاة؛ فإنه إنما يعتبر] في حال القيام والقعود دون الركوع والسجود؛ فإنه حينئذ يكون مستقبلاً موضع ركوعه وسجوده، وإن كانت جثته على هيئة مخصوصة يستقبل بها القبلة، لكنه غير الاستقبال في القيام والقعود، والمشهور: أنه شرط؛ كما قال الشيخ.
وما ذكره من أن ترك الكلام ونحوه شرطن وهو لا يتقدم الصلاة فيه مساهلة، والحق أن وجود ذلك مانع؛ كما هو مقرر في الأصول.
والغزالي ناقشه في عده ذلك ركناً مع أنه أصولي، واعتذر عنه بأنه في ذلك اتبع الفوراني.
وقد يقال: ما كان وجوده مانعاً كان عدمه شرطاً، وإليه صار سيف الدين الآمدي- رحمه الله- لكنا لا نسلم [أن] ما كان وجوده مانعاً كان عدمه شرطاً.
وقد ادعى البندنيجي أن بين شروط الصلاة وأركانها [خصوصاً وعموماً]؛ فقال: كل ركن فيها شرط، وليس كل شرط ركناً، وهي طريقة حكاها الرافعي،

وقال: إن الأكثرين على أنهما يفترقان افتراق [العام و] الخاص.
قال: وفروض الصلاة ثمانية عشر، ودليل حصرها في ذلك ما سنذكره من الأدلة [على سنة ما عداها مما هو مشروع فيها]، ووراء ذلك وجوه سنذكرها، وأدلة فرضيتها منها ما تقدم في الباب قبله؛ كما سننبه عليه، ومنها ما سنذكره، والعمدة فيه في أكثر الفروض ما روى أبو داود عن أبي هريرة "أنه -عليه السلام- دخل المسجد؛ فدخل رجل فصلى، ثم جاء، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم [عليه] السلام، وقال: "ارجع فصلّ؛ فإنك لم تصلّ"؛ فرجع الرجل فصلى كما كان يصلي، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، [فسلم عليه]؛ فقال له [رسول الله] صلى الله عليه وسلم: ["وعليك السلام"] ثم قال:"ارجع فصلّ؛ فإنك لم تصلّ"، [حتى] فل ذلك ثلاث مرات؛ فقال الرجل: والذي بعثك بالحق، ما أحسن غير هذا؛ فعلمني؛ فقال: "إذا قمت إلى الصلاة، فكبّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً"، [وفي رواية-وهي التي ذكرها القاضي الحسين والإمام-: "ثم اجلس حتى تعتدل جالساً]، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" وفي رواية: "فإذا فعلت هذا، فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصت من صلاتك".
وقال فيه: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء"، وأخرجه البخاري، ومسلم بنحوه، وهذا الخبر يعرف بخبر المسيء في صلاته.
قال: النية وتكبيرة الإحرام؛ لما تقدم من الأخبار، ومحلهما القيام في حق القادر، وما يقوم مقامه، وهو القعود ي حق العاجز، [و] في النفل، وكذا الاضطجاع في حق العاجز قولاً واحداً، والمتنفل على وجه ستعرفه، والدال على أن محلهما القيام: قوله من بعد: "والترتيب على ما ذكرناه"، وعني في الباب قبله، وهو قد ذكر فيه أنه ينوي ويكبر بعد قيامه؛ فلو نوى الفرض وكبر، وهو

قائم وأتم التكبير في حال ركوعه؛ بأن كان مسبوقاً- لا تنعقد صلاته فرضاً، وهل تنعقد نفلاً؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره، [و] المذكور منهما في "تعليق" أبي الطيب: الانعقاد، وخصهما الروياني في "تلخيصه" بحالة العلم؛ بأن ذلك لا يجوز، وان الأصح عدم الانعقاد مطلقاً؛ كما لو تحرم بالظهر قبل الزوال وهو عالم، أما إذاجهل ذلك، فالنص أنها تنعقد نفلاً، ولم يحك سواه.
ولو كان المسبوق قد كبر تكبيرة واحدة، نوى بها تكبيرة العقد [وتكبيرة] الهُوِيِّ؛ فهل تنعقد نفلاً، أو تبطل؟ قال الروياني: فيه وجهان، أصحهما: الأول، وهما في "تعليق" أبي الطيب مخصوصان بما إذا كنا ذلك في صلاة لانفل، وقال: إنه لو كان [ذلك] في صلاة الفرض، بطلت.
ثم كلام الشيخ مصرح بأن النية وتكبيرة الإحرام فرضان، وهو قياس الطريقة التي قلنا: إن الإمام يميل إليها؛ لأنهما من أجزاء الصلاة عندنا كالركوع والسجود.
وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي عدهما شرطين؛ لأنه قال: في الصلاة الرباعية خمس وأربعون خصلة، ثمان منها قبلا لدخول؛ وهي: الطهارة من الحدث، وطهارة البدن والثوب، والبقعة التي يصلي عليها من النجس، وستر العورة، والعلم بدخول الوقت، واستقبال القبلة، والنية، والتكبير، ولم أر لغيره من أصحابنا خلافاً في [أن] التبكر ليس بشرط.
نعم، النية، حكى البندنيجي؛

تبعاً للشيخ أبي حامد وغيره في كونها ركناً أو شرطاً، وجهين: أولهما: هو ما ذكره الماوردي في باب: أقل ما يجب، وكذا البغوي، والقاضي الحسين، وعزاه -في موضع- إلى صاحب "التلخيص"، ولم يحك غيره، وقال الرافعي: إنه الأظهر عند الأكثرين؛ لاقترانها بالتكبير وانتظامها مع سائر الأركان.
وثانيهما: هو ما حكاه الماوردي في أول باب صفة الصلاة؛ وكذا ابن الصباغ حكاه في باب: أقل ما يجزئ، موجهاً له بأنها ليست فعلاً [فيها] وإنما هي صفة؛ كسائر الشروط التي ذكرناها.
ووجهه الرافعي بأن النية تتعلق بالصلاة؛ فتكون خارجة عنها، وألا لكانت متعلقة بنفسها [ولافتقرت] إلى نية أخرى.
والقائلون بالأول قالوا: لا يبعد أن تكون من الصلاة، وتتعلق بسائر الأركان، ويكون الناوي إذا قال: "أصلي" معبراً بلفظ الصلاة عن معظمها، وهو ما عداها من الأركان، وقد أشار في الوسيط بقوله: "إنها بالشروط أشبه"، إلى أنها آخذة شبهاً [من الأركان]، وشبهاً من الشرائط، لكنها بالشروط أشبه.
أما شبهها بالفرائض؛ فمن حيث إنا لا نعقل وجود نية الصلاة معتداً بها منفكة عن جزء من الصلاة؛ فهي كالجزء الذي لا يعتد به دون بقية الأجزاء، خصوصاً وقد قال الماوردي في كتاب: الأيمان: إنها [إنما] تكون [نية] عند اقترانها بالفعل؛ فإن تجردت عن الفعل، كانت قصداً.

وأما شبهها بالشروط، فمن حيث إنه يشترط دوامها إلى آخر الصلاة حتى لو حصل تردد فيها في ركن من الصلاة، لم يعتد به؛ كما ستعرفه في باب: ما يفسد الصلاة؛ فهي كالطهارة من الحدث ونحوها.
ومن حيث إنه يشترط على الصحيح عندهم تقدمها على تكبيرة الإحرام؛ كما أنه لابد من تقدم الطهارة ونحوها على التكبير، وهذا كلام الإمام الذي أسلفناه ينازع فيه، وكلام غيره من طريق الأولى؛ [لأن الأكثرين] قالوا مع التقديم: يجب [استصحابها ذكراً] إلى آخر التكبير، وذلك يكون بتوالي الأمثال، وحينئذ فالمعتد به إنما هو ما قارن التكبير لا ما قبله، وبه صرح الروياني في تلخيصه.
فإن قلت: قد عد الغزالي النية في الصوم ركناً، وهو مخالف لما ذكره هنا.
قلت: يمكن أن يقال [في] الرق بينهما: إن النية في الصلاة صفة لأفعال؛ فكانت كالطهارة ونحوها، والصوم لا فعل فيه؛ بل هو ترك، والترك ليس بفعل؛ كما أن النية ليست بفعل؛ فلا يحسن أن تكون وصفاً له؛ ولذلك لم يعتبرها في باقي التروك، ولولا الخبر لما اعتبرناها في الصوم، وإذا كان كذلك، تعين أن تكون فيه ركناً؛ لاستواء الإمساك والنية في عدم الفعلية، خصوصاً إذا قلنا: إن نية الخروج من الصوم لا تؤثر في إبطاله؛ فإنها-حينئذ-تصير كالركوع والسجود في الصالة، إذا وجد حصل مقصوده، ولا يشترط دوامه، وهذا بخلاف الصلاة؛ فإن قطع النية مؤثر في إبطالها بلا خلاف؛ فشابهت الطهارة ونحوها من الشروط، والله أعلم.
قال: والقيام؛ أي: وما يقوم مقامه، وهو القعود في حق العاجز، وصلاة النفل ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:238]، وقوله-عليه السلام- لعمران بن الحصين: "صلّ قائماً؛ فإن لم تستطع فقاعداً؛ فإن لم تستطع،

فعلى جنب".
رواه البخاري.
وحده -كما قال في "الوسيط"-: الانتصاب مع الإقلال، واحترز بالانتصاب عما لو ثني شيئاً من حقوه ومحل نطاقه، لم يجزئه؛ وكذا لو ثني فقار ظهره، ولم يثن معقد النطاق إن أمكن.
ولا يضر خفض الرأس على هيئة الإطراق؛ لأنه صح أنه -عليه السلام- كان يطرق رأسه؛ ولذلك قال في "الخلاصة": إن الإطراق سنة.
وقد قال القاضي الحسين في باب سجود السهو باحتمال وجه: أنه يكفيه أن يقف على هيئة بين حد أقل الركوع والانتصاب.
وغيره صرح بحكايته وجهاً.
والأظهر: الأول، وهو ما حكاه القاضي في موضع آخر، ولم يورد الإمام غيره، وقال: إن بعض الناس قد يعتاد أن يتحرك قليلاً في صوب الركوع، وينحني قليلاً، ثم يرتفع؛ فمهما زال الاعتدال، وأوقع في حال زواله حرفاً من قراءته الواجبة- فلا يعتد بذلك الواقع خارجاً عن اعتدال القيام.
فلو كان يفعل ذلك قبل اشتغاله بالقراءة المفروضة، ففي البطلان عندي تردد، والظاهر البطلان، وإن لم يبلغ حد الكثرة في الأفعال؛ لأنه يعدد القومات في ركعة واحدة؛ فيصير كما لو عدد الركوع في ركعة.
ثم قال: وهو عندي قريب من انحراف الرجل عن قبالة القبلة قصداً، وقد ذكرت أن ذلك مبطل للصلاة؛ فالخروج عن السمت المرعي في القيام، يتنزل هذه المنزلة.
وسمعت شيخي يجعل الانحناء الذي لا ينتهي إلى الركوع بمثابة الأفعال؛ فإن

قل زمانه، لم يضر، وإن كثر، فهو كالفعل الكثير.
واحترز بالإقلال عما إذا اتكأ على شيء، أو استند له من غير ضرورة، ولا حاجة- لم يجزئه، وإن كان منتصباً؛ لفقد الإقلال، وهذا ما حكاه الإمام، وحكاه القاضي أبو الطيب عن ابن القطان.
وحكى صاحب "التهذيب، والقاضي الحسين، وغيرهما -كما قال الرافعي-: أنه إذا وجد الانتصاب، [لا يضر] الاستناد، وإن كان بحيث لو زال السناد لسقط، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب، عن رواية أبي علي الطبري في "الإفصاح"، وقال: إنه الصحيح، ذكره عند الكلام في سبق الحدث.
نعم، يكره له ذلك.
وفي بعض "التعاليق" أنه إن كان بحيث لو أزيل السناد لسقط-لم يجزئه.
أما إذا كان الاستناد لعلة، فسيأتي في باب صلاة المريض.
فرع: لو وقف على إحدى قدميه، قال القاضي الحسين في "تعليقه": يجب أن يجوز؛ لوجود القيام، وقد صرح غيره، وقال: [إنه] مكروه، ويسمى ذلك: "الصُّفون"، ومنه قوله تعالى: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: 31].
ثم الواجب من القيام قدر قراءة الفاتحة، على النحو الذي يجزئه مع تكبيرة الإحرام، وقد دل على ذلك قول الشيخ في الباب قبله: "فإن لم يحسن شيئاً، وقف بقدر القراءة"؛ فلو زاد المصلي على ذلك، فهل يوصف الكل بالفرضية أم لا؟ حكى المتولي فيه وجهين؛ بناء على أن الوقص هل يتعلق به الواجب، أم لا؟ والإمام حكاهما عن رواية الشيخ [أبي] علي، وأنه بناهما على [أن] من استوعب رأسه بالمسح؛ فهل [نقول: وقع [مسح جميع] الرأس فرضاً أم

لا؟] قال الإمام: وهذا عندي خارج عن الضبط؛ فإنه إذا جاز الاقتصار على ما ينطلق عليه اسم المسح؛ فكيف ينتظم القول بأن الزيادة عليه فرض، ثم إن تخيل متخيل ذلك؛ فشرطه عندي مع بعده أن [يوصل] الماء إلى رأسه دفعة؛ بحيث لا يتقدم جزء على جزء، حتى لا يكون جزء أولى بأن يضاف إليه الوجوب من جزء، أما إذا وصل الماء إلى رأسه شيئاً شيئاً حتى استوعبه؛ فتخيل الفريضة فيما عدا الجزء الأول محال، ووزانه مد القيام بعد قراءة الفاتحة، نعم ما لو خلا أول القيام عن قراءة الفاتحة، ثم افتتح القراءة فما هو [محل] قراءة الفاتحة مفروض، وما تقدم عليه فيه احتمال من جهة أنه كان يتأتى إيقاع القراءة المفروضة فيه، وكان لا يسوغ قطعه قبل جريان القراءة.
قال: وقراءة الفاتحة؛ لما ذكرناه من الأخبار.
فإن قيل: الكتاب قد دل على أن الواجب قراءة ما تيسر من القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:20]، والقرآن لا يجب في غير الصلاة؛ فتعين أن يكون الأمر به في الصلاة، ويدل عليه ما أسلفناه من خبر المسيء في صلاته؛ وقوله-عليه السلام-: "لا [صلاة إلا] بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب"؛ [فدل على أن الفاتحة غير متعينة، وكذا قوله: "لا صلاة إلا

بفاتحة الكتاب] أو بغيرها".
وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الواجب ما ينطلق عليه اسم القراءة؛ ولأن غيرها من الذكر كهي في كل الأشياء؛ فوجب أن يكون كهي في وجوب الصلاة.
قيل في الجواب: إن المراد بالقراءة [في الآية صلاة الليل]؛ كما ذكره المفسرون؛ [وإن ذلك] نسخ.
أو المراد بها: الخطبة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]. وإن كانت قراءة الصلاة، فهي مجملة؛ فسرها قوله-عليه السلام-: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وغيره؛ كما أسلفناه.

ولأن ظاهرها متروك إجماعاً؛ فإنه لو تيسر له قراءة سورة البقرة، لم يجب، ولو تيسر عليه بعض آية، لم يجزئه، وأما الفاتحة فهي متيسرة في الغالب؛ فنزل ظاهر الآية عليها.
وأما الخبر الأول: فقد ذكرنا [أن] رواية الشافعي: "ثم اقرأ بأم الكتاب وما تيسر"، فهو مشتمل على زيادة؛ فوجب قبولها.
وأما الخبر الثاني: فهو دليل لنا؛ لأنه دل على [أنه] لا أقل من الفاتحة يجزئ: والخبر الثالث: نحمله على ما إذا لم يكن يحفظ الفاتحة، ولولا ذلك لم يكن لتخصيص الفاتحة بالذكر معنى.
وأبو حنيفة وإن لم يوجب الفاتحة، فهو يرى أن تركها مكروه، ويجبر بالسجود، وانه لو نسيها، وقرأ ثلاث آيات، وركع وتذكر في الركوع أنه نسيها – كان عليه أن يعود إلى القيام، ويقرأ الفاتحة، وبهذا يقطع؛ إلحاقاً ببقية القرآن.
قال: والركوع؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: 77]، وهو إجماع.
فرع: لو أراد الركوع فسقط من رأسه إلى الأرض، عاد وانتصب قائماً، ثم يركع؛ فلو قام راكعاً، لم يجزئه؛ لأن الإهواء للركوع؛ يجب أن يكون مفصوداً؛ فلو كان قد انحنى للركوع فسقط إلى الأرض قبل انتهائه إلى حد الركوع؛ فعليه أن يعود إلى الموضع الذي سقط منه في حال انحداره، ويبني على ركوعه؛ قاله الماوردي.
قال: والطمأنينة فيه؛ لخبر المسيء في صلاته، وروى البخاري، عن زيد بن وهب قال: "رأى حذيفة رجلاً لايتم الركوع والسجود، قال: ما صليت، ولو مت، مت على [غير] الفطرة التي فطر الله محمداً صلى الله عليه وسلم ". والطمأنينة فيه-كما قال ابن الصباغ-: أن يمكث [إذا بلغ حد الركوع قليلاً.

وعبارة القاضي الحسين: "أن يمكث] بعد هويه لحظة؛ بحيث تنال يداه ركبتيه".
وقال الإمام: ليس يعني بها [لبث ظاهر]، ولكن ينبغي أن يفصل الراكع منتهى هويه عن حركاته في ارتفاعه وانحطاطه؛ فإذا فعل [ذلك] فقد اطمأن، وإن لم تنفصل حركات هويه عن أول حركات ارتفاعه، بل اتصل الآخر بالأول؛ فهذا لم يطمئن.
وعبارة بعضهم-وهي أرشق-: أنها السكون؛ بحيث يستقر كل عضو في محله، وينفصل هويه وركوعه من ارتفاعه، ولا يقوم مقامها زيادة في الهوى على أقل الركوع؛ لأن مقصود الطمأنينة تميز الركن عما قبله وما بعده، ولا يحصل بذلك تمييز.
واستغنى الشيخ عن ذكر الطمأنينة في الباب قبله في جميع الأركان بما ذكره من استحباب ما يأتي به فيها من الذكر.
وقد أفهم كلامه أن الواجب منا لركوع القدر الذي يحصل معه الطمأنينة وفيه إذا اقتصر عليه، أما إذا زاد عليه؛ ففي وصف الزائد بالواجب ما تقدم من الخلاف في الزيادة في القيام، وهو جار فيما إذا طول السجود؛ قاله في "التتمة".
وادعى في "الروضة" أن الصحيح في المواضع الثلاثة أن الكل واجب، وكذا في البعير المخرج عن الشاة في الزكاة" والبدنة المضحي [بها] بدلاً عن شاة منذورة.
قال: والاعتدال، أي: في الفرض؛ لخبر المسيء في صلاته، وقد روى أبو مسعود البدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم

ظهره في الركوع والسجود" أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن [صحيح].
ولأن الرفع قيام مشروع في الصلاة؛ فوجب أن يكون واجباً [في الصلاة]؛ كالقيام في حال القراءة، وهذا ركن قصير على المشهور، كما ستعرفه في باب سجود السهو وهل هو مقصود في نفسه، أم لا؟ فيه خلاف، سنذكره في [باب] صلاة الجماعة.
قال: والطمأنينة فيه؛ لأنه ركن في الصلاة؛ فكانت الطمأنينة ركناً فيه؛ كالركوع.
وقال الإمام: في قلبي من عدها ركناً في الاعتدال من الركوع، وكذا في الاعتدال من السجود [شيء]؛ فإنه- عليه السلام- لم يتعرض للطمأنينة فيهما في قصة المسيء في صلاته، وهما من الأركان القصيرة، ولو وجبت الطمأنينة فيه لما امتنع مذهباً؛ كالركوع والسجود، ولاجرم لم يتعرض للطمأنينة فيهما الصيدلاني، لكن سماعي عن شيخي، وهو ما ذكره بعض المصنفين اشتراط الطمأنينة فيهما، وهو محتمل من طريق المعنى، وما ذكرته احتمال، والنقل الذي أثق به: اشتراط الطمأنينة.
قلت: ويدل عليه في الرفع من السجود ما ذكرنه من الرواية الأخرى، وفي

الرفع من الركوع القياس عليه، أما الاعتدال من الركوع والسجود في النفل فهل يجب؟ قال في "التتمة": فيه وجهان؛ بناء على ما لو صلى النفل مضطجعاً مع القدرة على القيام، وفيه خلاف يأتي، وكلام الشيخ يقتضي وجوبه أيضاً.
فروع: لو ركع، واطمأن، ثم سقط على الأرض؛ فإنه يقوم منتصباً، ولا يحتاج إلى إعادة الركوع والانتصاب منه؛ لأن الركوع قد أسقط فرضه، والانتصاب يحصل بقيامه إليه؛ قاله في "الأم" وفيه شيء يظهر لك مما سنذكره عن ابن سريج في آخر الباب.
ولو كان سقوطه قبل الطمأنينة، وجب عليه العود إلى الركوع، ولو أنه أتى بقدر الركوع؛ فاعترضته علة منعته من الانتصاب، ومن الرفع أيضاً؛ فإنه يسجد عن ركوعه، ويسقط عنه [الرفع]؛ فإن زالت العلة، نظرت: فإن زالت بعد ما حصلت جبهته على الأرض ساجداً؛ فإنه لا ينتصب؛ فإن انتصب عالماً بأنه لا يجوز، بطلت صلاته، وألا سجد للسهو، وإن لم يكن قد سجد، عاد إليه؛ قاله ابن الصباغ.
قال: والسجود؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77]،والطمأنينة فيه؛ لخبر المسيء في صلاته.
فرع: إذا أراد السجود؛ فوقع على الأرض، فهل يعتد به؟ نظرت: فإن خر على وجهه، اعتد به عن السجود؛ نص عليه في الأم، واتفق عليه الأصحاب.
وإن خر على جنبه فاستدار، وأصابت جبهته الأرض، اعتد به؛ لأن الهوى غير مقصود.
وكذا لو انقلب حال وقوعه؛ فأصابت جبهته الأرض، ونوى حال الانقلاب- أجزأه؛ قاله في (المهذب) [كما لو نوى بوضوئه رفع الحدث والتبرد، وإن لم ينوه

أطلق في "المهذب"] أنه لا يجزئه.
وقال الغزالي: إن لم ينوه، ولم يقصد صرف ذلك عن السجود، بل قصد الاستقامة غافلاً عن الصلاة؛ فالنص أنه لا يجزئه؛ كما لو صرفه عن السجود ذاكراً له.
وفيه وجه مخرج: أنه يجزئه، ويجري نظيره في اتباع الغريم في الطواف.
والإمام حكى هذا الوجه هاهنا، وفي الطواف عن الأصحاب الذين قالوا بأنه إذا قصد بوضوئه التبدر ذاهلاً عن العبادة، وعن قطعها.
قال مجملي: والواجب: بناء هذه المسألة على ما لو غسل رجليه في الوضوء، بنية التبرد، إن كان مع حضور نية الوضوء، قال العراقيون: فالنص: أنه يجزئه، [وفيه وجه].
وقال الخراسانيون: يجزئه قولاً واحداً.
وإن تجردت نية التبرد، قال العراقيون: لايجزئه قولاً واحداً.
وقال الخراسنيون: فيه وجهان؛ فكذلك هذه المسألة.
ثم إذا قلنا: لا يعتد بسجوده؛ فلو رام أن يديم السجود؛ ليقع عن فرضه، قال الإمام: فلا سبيل إليه، [وفيما] يلزمه احتمالان: أنه يقوم ثم يسجد؛ لأنه كما صرف سجوده عن الصلاة؛ فكذا هويه، وهذا أوجه الاحتمالين.
والأظهر عندي: أنه يعتدل جالساً، ثم يسجد؛ لأن الجلسة كافية في الفصل بين السجدتين؛ فليقع الاكتفاء بها الآن.
ولاجرم قال الغزالي: [إنا] إذا قلنا: لا يعتد بالسجود؛ فيكفيه أن يعتدل جالساً، ثم يسجد، ولا يلزمه القيام على الظاهر، وهو المختار في "المرشد"؛ فعلى هذا: لو قام ليسجد، قال الإمام: فهذا قد زاد قياماً في صلاته من غير حاجة، وسيأتي حكمه.
قال: والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة فيه؛ لخبر المسيء في صلاته، وقد

تقدم احتمال الإمام في الطمأنينة فيه.
قال: والجلوس في آخر الصلاة؛ للإجماع، والتشهد فيه؛ لقول ابن مسعود: كنا قبل أن يفرض علينا التشهد نقول: السلام على الله، السلام على جبريل، وميكائيل، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "الله السلام؛ فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات [لله والصلوات] ... " إلى آخره، [كما تقدم؛ فقول ابن مسعود: "قبل أن يفرض علينا التشهد"، صريح في أنه مفروض، وأيده قوله -عليه السلام-: "فليقل التحيات لله ... " إلىخره].
قال: والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم [فيه]؛ لما تقدم في الباب قبله.
وفي "الجيلي": أن صاحب "الشافي" حكى قولاً: أنها لا تجب فيه، وليس بمشهور، والخلاف: في الأول؛ كما تقدم.
قال: والتسليمة الأولى؛ لقوله –عليه السلام-:"وتحليلها التسليم"، وتقرير الحصر فيه قد تقدم عند الكلام في التكبير في الباب قبله، وبالتسليمة الأولى [قد] حصل المسمى، وقد دل [عليه] ما ذكرناه من خبر عائشة وغيره من أنه -عليه السلام- اقتصر على تسليمة واحة، [وأنه لا يجب غيرها.
ولأنه أحد طرفي الصلاة؛ فلم يجب فيه ذكران من جنس واحد]؛ قياساً على الطرف الآخر، وما تمسك به الخصم من قوله -عليه السلام-:"صلوا كما رأيتموني أصلي" فلا حجة فيه؛ لأنه كان يفعل في صلاته الواجب، والمستحب، وقد دل على أن الثانية مستحبة تَرْكُهُ ذلك مرة.

فإن قيل: لا نسلم أن التسليمة الأولى واجبة؛ لأنه -عليه السلام- لم يذكر السلام للأعرابي، وقال لابن مسعود حين علمه التشهد: "فإذا قلت هذا -أو قضيت [هذا]- فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم [فقم]، وإن شئت أن تقعد فاقعد" كما أخرجه أبو داود، والنسائي مختصراً.
وروى أنه -عليه السلام-قال:"إذا رفع الإمام رأسه من آخر ركعة، وقعد، ثم أحدث قبل أن يتكلم، فقد تمت صلاته".
وهذا يدل على أنها غير واجبة؛ ولأنه سلام للحاضر؛ فاقتضى أن يكون غير واجب في الصلاة كالتسلمية الثانية.
قلنا: أما كونه -عليه السلام-لم يعلمه للأعرابي، فيحتمل أن يكون [لأنه علم أنه يحسنه؛ فلم تكن به حاجة إلى تعليمه.
ويجوز أن يكون] ذكره لكن الراوي سكت عنه، وسكوت الراوي لا حجة فيه، وإنما الحجة فيما ينطق به.
وأما حديث ابن مسود، فعنه جوابان: أحدهما: أن ابن مسعود هو القائل: "إن شئت أن تقم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، وقد بينه شبابة بن سوار في روايته عن زهير بن معاوية، وفصل كلام

ابن مسعود من كلامه عليه السلام.
والثاني: على تقدير أن يكون ذلك من كلام الرسول؛ كما حكاه الخطابي عن بعض العلماء، وأن فيه دلالة

-[إن صح]-

على أن الصلاة على الرسول لا تجب في التشهد- أن نحمل قوله: "فقد قضيت صلاتك" على: أنك قاربت قضاءها، أو: قضيت عظمها؛ لنجمع بذلك بين هذا وبين ما ذكرناه من الخبر.
وأما الحديث الثالث: فهو غير صحيح، وإن صح، حملناه على ما بعد التسليمة الأولى، وقبل الثانية.
والفرق بين الأولى والثانية: أنه لما لم يجب ما قام مقام الثانية، لم تجب، وليس كذلك الأولى.
قال: ونية الخروج من الصلاة؛ لأنه نطق وجب في أحد طرفي الصلاة؛ فلم يصح من غير نية كالتكبير، أو لأن السلام في وضعه مناقض للصلاة؛ فإنه [من] خطاب الآدميين، ولو جرى في أثناء الصلاة قصداً، لأبطلها؛ فإذا لم تقترن به نية تصرفه إلى قصد التحليل وقع مناقضاً؛ فأفسد، وبهذا خالف الصوم؛ فإنه ينقضي بانقضاء زمانه، والحج؛ فإن ما يقع به التحلل فيه ليس من قبيل المفسدات.
وهذا ما يحكي عن نصه فيه "البويطي"؛ ولأجله ادعى الماوردي أنه الظاهر من مذهب الشافعي، وغيره قال: إنه المذهب.
وقيل: لايجب ذلك؛ لأن النية السابقة نسحبة على جميع الصلاة، وهذا قول أبي حفص بن الوكيل، وأبي الحسين بن القطان، وهو الصحيح عند القفال، والقاضي الحسين، والبغوي، والروياني، وقال القاضي في موضع آخر: إنه المذهب، والإمام قال: إنه الذي ذهب إليه الأكثرون، وهو اختيار المتأخرين.
وهؤلاء اختلفوا: فمنهم من لم ينسب للشافعي في المسألة نصاً، ونسب الأول إلى صاحب "التلخيص".

ومنهم من يعزيه إلى ابن سريج.
ومنهم من يقول: النص محمول على الاستحباب.
والبندنيجي قال: إنه ليس للشافعي في المسألة نص.
والأكثرون على الأول.
التفريع: إن قلنا بالأول، فلا يختلف المذهب في أنها ركن، وافق عليه ابن الصباغ وغيره، وتكون النية ممتزجة بالتسليم، لا قبله ولا بعده؛ فإن قدمها عليه، بطلت صلاته، وإن سلم بدونها، بطلت أيضاً.
نعم لو نوى قبل السلام الخروج به، لا تبطل، ولكن لا يكفي [فليأت بالنية] مع السلام؛ قاله الإمام.
ولا يشترط تعيين الصلاة؛ لأنها قد تعينت بالشروع.
وإن قلنا بالثاني، كانت من جملة السنن بلا خلاف.
وعلى الوجهين: لو عين في نيته صلاة غير التي هو فيها عمداً، بطلت صلاته.
قال القاضي الحسين: لأنه أبطل ما هو فيه بنية الخروج عن غيره.
نعم لو فعل ذلك سهواً: فعلى الأول: يسلم ثانياً ويسجد للسهو، وعلى الثاني: لا.
وفي "الرافعي": أن القول بالبطلان عند التعمد مفرع على القول بالوجوب.
أما إذا قلنا: لا يجب، فلا يضر الخطأ في التعيين.

وعلى الوجهين يتفرع أيضاً سلام المأموم مع الإمام؛ فإن قلنا بالأول، لم يجز؛ كما في تكبيرة الإحرام، وإلاجاز.
والمستحب تأخيره عن تسليمة الإمام الثانية، وفيه ما ذكرناه عن المتولي في الباب قبله.
وقد ذكر الجيلي أن الخلاف في وجوب النية ينبني على أن السلام من الصلاة، أم لا؟ قال: وفيه قولان؛ فإن قلنا: إنه منها، أوجبناها، وإلا فلا.
والذي رأيته فيما وقفت عليه: أنها من الصلاة عندنا مع حكاية الخلاف في وجوب النية.
نعم قال الإمام: إذا قلنا: لابد من نية الخروج، فيبعد عندي أن يكون قصد الخروج-مع خطاب هو مناقض للصلاة-من الصلاة-من الصالة، والعلم عند الله.
قال: والترتيب؛ أي: بين الأركان على ما ذكرناه؛ لأنه-عليه السلام-قال

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل