كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 151-190
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 151-190
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وقيل: معناه]: لا تجهر جهراً بليغاً، ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أي: لاتخفض خفضاً بليغاً، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾، أي: بين الجهر والسر ﴿سَبِيلاً﴾ فإن خير الأمور أوسطها.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً: أحدها: أنه لا فرق في الإمام والمنفرد بين الرجل والمرأة، وبه صرح البندنيجي وغيره.
وقالوا: يكون جهرها دون جهر الرجال، وذلك في موضع لا أجانب فيه من الرجال، فإن كان فيه منهم -قال القاضي أبو الطيب-: فالمستحب لها الإسرار.
وقال الماوردي: إنها تسر في جميع الصلوات جماعة وفرادى؛ لأن صوتها عورة.
ولعل مراده: أنها لاتجهر جهر الرجال، كما قلناه.
والقاضي الحسين قال [هنا]: السنة أن تخض صوتها في الصلوات كلها، سواء قلنا: إن صوتها عورة، أو ليس بعورة.
قال: ولأصحابنا في صوتها وجهان: أحدهما: أنه عورة؛ فعلى هذا لو رفعت صوتها في الصلاة، بطلت صلاتها.
والثاني: لا، وهو الأصح؛ لأن العورة: ما يشاهد، ويمسن ويستمتع بها؛ وعلى هذا فمنعها من الجهر؛ لخوف الفتنة، كما تمنع من كشف وجهها، نعم، لا نأمرها بالإسرار [كإسرار] الرجل في صلاة السر، بل لها أن تجهر [أدنى جهر]، بحيث تسمع نفسها قليلاً، وإن كان حولها محارم فلا بأٍن أن تسمعهم.
وقال في باب الأذان: [إنه لا يجوز] للمرأة أن تجهر في صلاة الجهر، ولا أن ترفع صوتها بالتكبير.
الثاني: أنه يجهر بقراءة الفاتحة والسورة، وهو مما لا خلاف فيه، وحينئذ فيجهر بالبسملة يهما؛ لأنها منهما كما قررناه، وقد صح من رواية

علي، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة -رضي الله عنهم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾.
وروى أنس بن مالك أن معاوية لما قدم المدينة، صلى صلاة جهر، فقرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾، ولم يجهر بها في السورة، فناداه المهاجرون والأنصار من كل مكان: أسرقت الصلاة يامعاوية، أين ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾.
قال الماوردي وغيره من أصحابنا: فدل هذا الإنكار منهم على الإجماع في الجهر بها.

واعترض بعضهم على دعوى الإجماع، وقال: من أين لهم أن كل الصحابة كانوا حضوراً في ذلك المجلس؟! فإنه يجو أن يكون فيهم من لم يحضر، وهو الظاهر.
وجوابه: أن مبادرتهم إنكار تدل على أنه مجمع عليه؛ إذ لو لم يكن كذلك، لما أنكروه؛ إذ المختلف فيه لا ينكر على فاعله على الصحيح، خصوصاً إذا كان مجتهداً.
ولأنها من القرآن؛ فاستحب الجهر بها؛ كسائر [آي] القرآن.
وفي "الزوائد": أن صاحب "الفروع" حكى عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه يسر في البسملة فيما يجهر فيه؛ فيخالف أهل البدع.
الثالث: أنه لا فرق في الجهر في الصبح والمغرب والعشاء، والإسرار في الظهر والعصر بين أن تفعل في وقتها، أو في غير وقتها، ليلاً، أو نهاراً.
وقد حكى المتولي وغيره وجهين: في أن الاعتبار في الجهر والإسرار بوقت الأداء، أو القضاء، حتى إذا قضى الظهر ليلاً يجهر، والعشاء نهاراً يسر.
وأصحهما في "التهذيب": أن الاعتبار بحالة القضاء.
وقال المتولي: إنه ظاهر المذهب.
والمذكور في "الحاوي"، و"المرشد" مقابله؛ لأن القضاء لا يزيد على الأداء.
والوجهان-عند القاضي الحسين-ينبنيان على أنه إذا قضى صلاة في أيام التشريق، فاتته في غيرها-هل يكبر [خلفها]؟ وفيه قولان.
وذكر البندنيجي طريقة أخرى، فقال: صلاة الليل إذا فاتت، إن قضاها نهاراً أسر؛ [حكاه أبو ثور عن نص الشافعي، وإن قضاها ليلاً جهر.
وصلاة النهار أي وقت قضاها أسر].
وحيث قلنا: إنه يجهر فيما يقضيه نهاراً من صلاة الليل؛ فينبغي أن يكون جهره دون جهره بالليل.
الرابع: أنه لا يجهر في النوافل ليلاً كان أو نهاراً.

وغيره ضبط ما يجهر فيه، ويسر، فقال: جميع الصلاة الواقعة في الليل فرضاً أو سنة يجهر فيها، إلا صلاة الجنازة على وجه؛ لأن الغالب أنها تفعل نهاراً؛ فغلب، ولأنه لا يسن فيها قراءة السورة؛ فكانت كالركعتين الأخيرتين من العشاء.
وأما الصلاة في النهار، فما لانظير لها في الليل، وهي الجمعة، والعيدان، والاستسقاء؛ لأنه يشرع فيه الصوم، فالسنة الجهر فيها، وما لها نظير من صلاة الليل، وهي: الظهر، والعصر، والكسوف، والنوافل المطلقة، والمقيدة، فالسنة الإسرار فيها.
ونظير الظهر والعصر من صلاة الليل العشاء، ونظير الكسوف الخسوف، والنوافل بالنوافل.
الخامس: أنه لايستحب الجهر بدعاء الاستفتاح، والتعوذ، ولاخلاف في [ذلك في] دعاء الاستفتاح، وأما التعوذ، فقد قال الشافعي في "الأم": "كان ابن عمر يتعوذ في نفسه، وكان أبو هريرة يجهر، فأيهما فعل جاز".
وقال في "الإملاء": يجهربه، وإن أخفاه، جاز.
فأخذ الأصحاب بذلك، وجعلوا في المسألة قولين: أحدهما: يتخير فيه.
والثاني: يجهر؛ لأنه تبع للقراءة؛ فجرى مجراها؛ كما في التأمين؛ وهذه طريقة الشيخ أبي حامد، والقاضي الحسين، والإمام.
وغيرهم قالوا في المسألة قولين: أحدهما -وهو الجديد

-[لا يجهر به أصلاً.

والثاني -وهو القديم]-

: أنه يجهر [به] في الجهرية.
وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أقوال: يجهر، يسر، يتخير بينهما.
والذي اختاره في "الإفصاح": الإسرار، كما في دعاء الاستفتاح، [وهو المذكور في "الحاوي"،و"المرشد".

وقد ادعى الجيلي: أن الخلاف المذكور جارٍ في دعاء الاستفتاح]، والمشهور الأول.
فرع: إذا لم يجهر في الأوليين من العشاء، لا يجهر في الأخيرتين منها؛ لان الإسرار فيهما سنة، فلا يترك لسنة أخرى في غير محلها؛ حكاه في "الوسيط" في باب صفة الحج.
ثم حد الجهر أن يسمع من حوله، وحد الإسرار أن يسمع نفسه من غير علة.
وقول الشيخ: "والأوليين من المغرب والعشاء" بتكرير الياء المثناة من تحت، وكذلك جاء تثنية المؤنث.
قال: ومن لا يحسن الفاتحة-أي: بالعربية-وضاق [عليه] الوقت عن التعلم-قرأ بقدرها من غيرها؛ أي: إن كان يحفظه، ولا يأتي بها بالعجمية إن قدر.
ووجه كونه لا يأتي بها بالعجمية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: 44]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [يوسف:2]، فأخبر أن القرآن عربي.
وقال عليه السلام: "أحبوني لثلاث: لأني عربي، ولأن القرآن عربي، و [لأن] كلام أهل الجنة عربي".

وإذا ثبت أنه عربي، كان فيه دليل على أن العجمي ليس بقرآن؛ فلا يأتي به.
ولأن الإتيان به بالعجمية فرع فهم المراد منه، ولا غاية له، وخالف التكبير؛ حيث يأتي به العاجز عنه بالعربية بالعجمية؛ لأن معناه مفهوم، والآتي به بالعجمية يكبر، وخالف الخطبة بالعجمية، وكذا النطق بكلمة الشهادة؛ إذا جوزناها بالعجمية؛ كما هو الصحيح؛ لأن المقصود من الخطبة: الإعلام، ومن النطق بالشهادتين: الإخبار عما في الضمير، وهو يحصل بها، ولا كذلك القرآن؛ فإن المقصود منه: لفظه، ومعناه؛ فلا تقوم لغة أخرى مقامه.
ووجه كونه يقرأ بقدرها من غيرها: أنه لو لم يحسن شيئاً-لزمه أن يأتي بالذكر؛ كما سنذكره، والقرآن أقرب إلى الفاتحة منه؛ لأن نظمهما معجز؛ فتعين.
ثم ما المراد من القدر؟ هل هو [قدر] الآي [والحروف]، أو قدر الآي فقط؟ فيه قولان، أو وجهان؛ كما حكاه البندنيجي: أحدهما -وهو ما نقله المزني-: الأول؛ لأن بذلك يتحقق أنها قدرها؛ ولأن الفاتحة مشتملة على آي وحروف، ولابد من الإتيان بعدد الآي، حتى لو قرأ

آية طويلة بقدر كل آي الفاتحة- لا تجزئه؛ فكذا لابد من عدد الحروف.
والثاني-ذكره في استقبال القبلة من "الأم"، حيث قال-:يجب عليه قدر سبع آيات قصاراً كن أو طوالاً، وسواء [قرأ بهن] من سورة واحدة أو سور.
ووجهه القياس على قضاء رمضان؛ فإنا نعتبر فيه الأيام [دون الساعات].
والراجح: هو الأول، والفرق بين ما نحن فيه، والصوم: أن الواجب منه يختلف طولاً وقصراً؛ بحسب الزمان؛ فلذلك لم نعتبره في قضائه، ولا كذلك الواجب من القراءة؛ فإنه [لا] يختلف؛ فاعتبرنا المساواة في بدله.
ولأن مراعاة قدر الزمان في رمضان يشق، ولا كذلك مراعاة قد رالحروف.
وعلى هذا يكفي أن يكون [جملة] عدد حروف السبع عدد حروف الفاتحة، ولا يشترط أن [تكون حروف] كل آية بقدر حروف كل آية [من الفاتحة]؛ حتى يجوز أن نجعل آيتين مقام آية من الفاتحة.
وقيل: يجب أن يكون عدد حروف كل آية قدر حروف الآية من الفاتحة، أو أطول منها، ويحكي هذا عن الشيخ أبي محمد، وهو بعيد.
ثم الحرف المشدد من الفاتحة يعد بحرفين.
فرع: لو كان لا يحسن الآيات إلا متفرقات، أتى بهن.
وإن كان يحسن آيات متفرقات، وآيات مجتمعات، وكل منها بحيث تجزئ عن الفاتحة؛ فظاهر النص في "الأم": أنه يجزئه أيها شاء، والذي كان الشيخ أبو محمد يقوله، وتبعه الإمام: أنه يتعين عليه الإتيان بالمجتمعات؛ لأن للنظم تأثيراً عظيماً في الإعجاز، وعلى ذلك جرى الرافعي وغيره موجهين ذلك بأن المتواليات أشبه بالفاتحة.
وأما النص؛ فيمكن حمله على الحالة الأولى.
أما إذا لم يضق الوقت عن التعليم فلا يقرأ بقدرها من غيرها، بل يجب عليه أن يتعلم، وهذا يؤخذ من قول الشيخ [في] التكبير: إنه يجب عليه أن يتعلم؛

لأنه إذا وجب مع أنه يأتي بمعناه بلسانه؛ فلأن يجب تعلم الفاتحة، وهو لا يأتي بها بلسانه أولى.
فلو لم يتعلم مع القدرة، أوجبنا عليه إعادة كل صلاة واجبة صلاها بدون الفاتحة إلى أن يتعلم.
وقيل: إلى أن يشرع في التعلم؛ حكاه الماوردي، وتبعه الروياني.
والحكم فيما إذا لم يمكنه التعلم، وأمكنه أن يقرأ من مصحف يشتريه، أو يستأجره، أو يستعيره كذلك، حتىلو كان في الليل، كان عليه مع ذلك تحصيل ضوء عند الإمكان.
ولو قدر على من يلقنه الفاتحة في الصلاة، قال القاضي الحسين في فتاويه: لا يجب عليه ذلك، وله أن ينتقل إلى البدل.
ولو لم يكن في البلد إلا مصحف واحد، وكان لا يمكنه التعلم إلا منه، فلا يجب على مالكه إعارته؛ وكذا لو لم يكن إلا معلم واحد، لا يلزمه التعليم على ظاهر المذهب؛ كما لو احتاج إلى سترة في الصلاة ومعه ثوب، أو احتاج إلى الوضوء ومع غيره ماء.
قال: وإن كان [يحسن] آية-أي: [فقط]-من الفاتحة، أو غيرها- ففيه قولان؛ أي: منصوصان في "الأم" كما قاله البندنيجي، وغيره حكاهما وجهين: أحدهما: يقرؤها، ثم يضيف إليها من الذكر [ما يتم به قدر الفاتحة؛ لأنه لو

كان لا يحسن شيئاً من القرآن يأتي بالذكر] عن جميعها؛ كما ستعرفه؛ فلأن ينوب عن بعضها أولى، ونظيره ما إذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لوضوء أو غسل؛ فإنه ستعله، ويتيمم عن المفقود؛ لأنه لو عدم جميعه تيمم، وهذا ما صححه في "المهذب"، و"الحاوي"، و"تلخيص" الروياني، واستدل له ابن الصباغ بما رواه أبو داود قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن؛ فعلمني ما يجزئني في الصلاة؛ فقال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، قال: هذا لله فما لي؟ قال: تقول: "اللهم اغفر لي، وارحمني، وارزقني، واهدني، وعافني".
قال: وفي هذا الذكر "الحمد لله"، ولا يتعذر عليه أن يقول: رب العالمين، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتكرارها.
قلت: وفي هذا الاستدلال نظر من وجهين: أحدهما: أن المأمور به في الخبر بعض آية، والنزاع إنما هو فيما إذا كان يحسن آية، وما دونها لا يجب عليه أن يأتي به؛ إذ لا إعجاز فيه.

ثم لو صح ما قاله، للزم ألا يجب عليه قراءة الآية إذا كان يحفظها، بل ينتقل إلى الذكر، ولا خلاف في أنه يجب.
والثاني: أنه يكرر ذلك سبعاً؛ لأنه أقرب إلى الباقي من الذكر؛ فيتعين الإتيان به؛ كما إذا أحسن غيرها من القرآن؛ فإنه لا يعدل للذكر، ويتركه.
والخلاف جارٍ -كما حكاه البندنيجي، والشيخ في "المهذب"،وغيرهما-فيما إذا كان يحسن آية من الفاتحة، وباقي القرآن، هل يكررها سبعاً، أو يأتي بها، ويكمل من القرآن؟ قال الإمام: ولو كان يحسن آيتين مثلاً- ففي التكرار احتمال يجوز أن يقال: لو كررهما أربعاً، كفى؛ فإنه أتى بالسبع، وزاد.
فليتأمل الناظر ذلك؛ فإنه محل النظر.
ولا خلاف في تعين الإتيان بالآية؛ إذا كان لا يحسن غيرها من الذكر، وقد تقدم في نظير المسألة من التيمم؛ وهي: إذا وجد بعض ما يكفيه من التراب-هل يكون في استعماله القولان يما إذا وجد بعض ما يكفيه من الماء، [أو يجب] قولاً واحداً؛ كما نحن فيه؟ في طريقان.
كأن الفرق أنه هنا لا يجب عليه الإعادة عند العجز عن كل البدل؛ فاحتيط [بالإتيان بالمقدور عليه، ولا كذلك في التيمم؛ فإنه عند العجز عن [كل] البدل يصلي، ويعيد-على الصحيح- فلا ضرورة] في الإتيان ببدل ناقص.
ثم إذا قلنا بأنه يقرأ الآية، ويأتي بالذكر؛ فظاهر كلام الشيخ أنه يأتي بالآية أولاً، ثم بالذكر، سواء كانت الآية في أول الفاتحة، أو وسطها، أو آخرها، وهو ما اقتضاه كلامه في "المهذب" أيضاً؛ لأنه قال: إن كان يحسن آية وغيرها قرأ الآية، ثم يقرأ ست آيات من غيرها.
وغيره من الأصحاب اختلف كلامهم: فقال البغوي: لا يشترط الترتيب بين البدل، والأصل، وكيفما قرأ جاز.
وقال القاضي الحسين، والمتولي، والأئمة- كما قال الإمام-: إنه إن كان

يحسنها من الفاتحة وجب الترتيب؛ فإن كانت أول الفاتحة أتى بها، ثم بالذكر، وإن كانت من آخرها أتى بالذكر، ثم بها، وإن كانت في وسطها أتى بالذكر أولاً عما قبلها، ثم بها، ثم بالذكر عن الباقي.
قال الإمام: وعلة الترتيب هاهنا ليست علة الترتيب في الفاتحة؛ لأن الترتيب يراعى في الفاتحة؛ حفظاً لنظمها المعجز، وليس بين البدل وما يأتي به من الفاتحة [نظم يرعى.
قلت: وعلى هذا لو كان يحسن الآية من غير الفاتحة] ينبغي أن ينظر في عدد حروفها؛ إذا قلنا باعتبار عدد الحروف، فإن وافقت آية [من] أول الفاتحة، أو وسطها، [أو] آخرها- قدر أنها بدلها، وأتى بالذكر بدلاً عما بقي.
وإن لم تكن حروفها قدر حروف آية منها، بل أقل-فيظهر أنه يتخير في تقديم الذكر [وتأخيره]، ويجوز أن يتعين تقديم الآية؛ لأنها أقرب إلى الأصل، والله أعلم.

قال: وإن لم يحسن شيئاً من القرآن، لزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله اكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم] للخبر السابق؟ قال: ويضيف إليه كلمتين من الذكر؛ لتكمل الكلمات سبعاً؛ كعدد آي الفاتحة.
ولأنه لو أتى بالبدل من القرآن، أتى بسبع آيات؛ فالذكر أولى، وهذا قول أبي إسحاق؛ كما قاله أبو الطيب، وعلى هذا فالأولى أن يضيف إليه ما روي في بعض الأخبار: "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن"؛ وهذا القول لم يحك الشيخ أبو حامد غيره، ولم يذكر في "المهذب" غيره.
وقيل: لا يلزمه أن يضيف إلى الكلمات الخمس شيئاً آخر؛ لأنه-عليه السلام- اقتصر حين سئل عن بيان ما يجزئ في الصلاة على ذكر ذلك، وهذا قول أبي علي الطبري، واختاره القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والروياني، وهو الأصح، وخالف ما إذا كان البدل قرآنا؛ لأنه من الجنس؛ فاعتبر المقدار، وهذا بدل من غير الجنس؛ فيجوز أن يكون ون أصله؛ كالتيمم مع الوضوء والغسل.
قال: وقيل: يجوز هذا وغيره؛ أي: لا يتعين ذكر للبدل، بل سائر الأذكار فيه سواء؛ لأن القرآن بدل عن الفاتحة، والذكر بدل عن القرآن، وغير الفاتحة من القرآن لا يتعين؛ فكذا بدله؛ كذا قاله القاضي أبو الطيب.
ولأنه لا مزية لبعض الذكر عن بعض من حيث النظم؛ وهذا ما يحكي عن أبي إسحاق المروزي، ونسبه الروياني في "تلخيصه" إلى أبي علي بن أبي هريرة.
وهو على تقدير صحة النسبة الأولى فيما حكيناه عنه من أنه يضيف إلى الذكر المذكور [في] الخبر كلمتين من الذكر-محمول على [ما] إذا أراد أن يأتي به.
وقد صحح عدم تعيين الذكر الرافعي، والروياني في "تلخيصه"، ولم يحك الإمام عن المراوزة غيره.
وأمره-عليه السلام-الأعرابي بالذكر المخصوص محتمل؛ لأنه كان

يحفظه، ولا يحفظ سواه؛ ولذلك لم يكرره عليه؛ وعلى هذا يشترط أن تكون حروف ما يأتي به من الذكر بقدر حروف الفاتحة؛ لأنه [لا] يمكن اعتبار قدر الآي إلا بذلك.
وحكى الرافعي وجهاً آخر: أنه لا يشترط، وعلى هذا يأتي بسبع أنواع من الذكر، ويقام كل نوع مقام آية، وهذا ما حكاه في "التهذيب".
قال الرافعي: وهو أقرب تشبيهاً لمقاطع الأنواع مقام الآيات.
وهل الأدعية المحضة كالأثنية؟ فيه تردد للشيخ أبي محمد.
قال الإمام: والأشبه أن ما يتعلق من الأدعية بأمور الآخرة كالأثنية، دون ما يتعلق بالدنيا.
وسلك الرافعي طريقاً آخر؛ فقال: يشترط أن تكون حروف الأذكار معادلة لحروف الفاتحة، ويعد الحرف المشدد من الفاتحة بحرفين من الذكر، ولا يراعي في الذكر التشديدات.
وهل يشترط أن تكون كلمات الذكر معادلة لعدد آي الفاتحة؟ فيه وجهان.

ويشترط ألا يقصد بالذكر المأتي به شيئاً سوى البدلية؛ كما إذا استفتح أو تعوذ على قصد إقامة سنتهما.
ولا يشترط قصد البدلية فيهما، ولا في غيرهما من الأذكار في أظهر الوجهين.
قال: فإن لم يحسن شيئاً، وقف بقدر القراءة: لأنه كان يجب عليه- في حال قدرته على القراة-أمران: أحدهما: القيام.
والثاني: القراءة.
فإذا فات أحدهما بقي الآخر.
ومثل هذا: التشهد الأول، والقنوت؛ إذا كان لا يحسنهما يمكث بقدرهما؛ ولهذا عد الأصحاب القنوت، والقيام له، والتشهد، والجلوس له مما يسجد لكل منها عند السهو؛ كما ستعرفه.
فإن قلت: القيام إنما وجب لأجل القراءة، والقراءة قد سقطت؛ فوجب أن يسقط ما وجب لأجلها.
قلنا: القيام وجب عندنا لنفسه وعينه، وبه صرح الإمام في صلاة المريض، وإن كان قد قال -عند الكلام في المسبوق-: إنه إنما وجب تبعاً للقراءة، والصحيح: ما ذكرناه.
فرع: لو تعلم الفاتحة في الصلاة، فهل يجب عليه قراءتها؟ نظر: فإن كان ذلك قبل [الشروع في القراءة، وجب بلا خلاف.
وإن كان بعد] الركوع، فلا يجب في تلك الرجعة بلا خلاف.
وإن كان بعد الشروع في البدل، وقبل استكماله، فهل يتمه، أو يقطعه؟ فيه

وجهان؛ حكاهما الروياني، والإمام، والفوراني: أحدهما: أنه يتمه؛ كما إذا قدر على العتق في الكفارة بد الشروع في البدل.
والثاني: لا وهو المشهور، ولم يحك الرافعي سواه.
وعلى هذا فهل يستأنف الفاتحة، أو يأتي نها بقدر ما بقي من الذكر؟ فيه وجهان؛ أصحهما- في "التتمة"، وغيره-: الأول؛ كما لو قدر على الماء قبل فراغ تيممه؛ فعلى هذا لو لم يتعلم إلا بعد الفراغ من الذكر، وقبل [الشروع في] الركوع؛ فهل يستأنف، أو لا؟ فيه وجهان؛ أصحهما-عند الروياني-نعم؛ كما لو قدر على الماء بعد الفراغ من التيمم؛ لأن محل القراءة باقٍ، وهذا ما أورده الماوردي، [والقاضي أبو الطيب] في باب: صلاة الإمام قاعداً بقيام.
وأظهرهما في "الرافعي" الثاني.
ومنهم من قطع به؛ لأن البدل قد تم، وتأدى به الفرض؛ فأشبه ما لو أتى المكفر بالبدل، ثم قدر على الأصل، أو صلى بالتيمم، ثم قدر على الماء.
والفوراني شبه الخلاف في هذه الحالة والحالة [التي] قبلها بالخلاف فيما إذا انقطع المطر بعد [فراغ] صلاة العصر، وقد جمع في وقت الظهر.
[فرع آخر]: الأخرس عليه أن يحرك لسانه بقصد القراءة؛ لأن القراءة تتضمن نطقاً، وتحريك اللسان؛ فالقدر الذي تعذر جعلناه عفواً، وما يقدر عليه لابد له من الإتيان به؛ قاله في "التتمة"، وحكاه الإمام عن رواية العراقيين عن النص، ثم قال: وهو مشكل؛ فإن التحريك بمجرده لا يناسب القراءة، ولا يدانيها؛ فإقامته بدلاً بعيد.
ثم يلزم -على قياس ما ذكروه- أن يلزموا التصويت من غير حروف، مع تحريك اللسان، وهذا أقرب من التحريك المجرد.
وبالجملة لست أرى ذلك بدلاً عن القراءة، ثم إذا لم يكن بدلاً، فالتحريك الكثير ملحق بالفعل الكثير، وسنذكره.

قال: ثم يركع؛ لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا﴾ [الحج: 77] وقوله -عليه السلام- للمسيء في صلاته: "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" وهو إجماع.
قال: مكبراً؛ لما روى أبو هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ويكبر حين يركع، ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يرفع صلبه من الركوع، ويقول وهو قائم: "ربنا لك الحمد" ثم يكبر حين [يهوى، ثم يكبر حين يرفع رأسه، يفعل ذلك في صلاته كلها، وكان يكبر حين] يقوم لاثنين من الجلوس، رواه مسلم، والبخاري.
وكان أبو هريرة يكبر في كل خفض، ورفع، ويقول: "أنا أشبهكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم".
رواه البخاري.
قال: رافعاً يديه؛ لما روى ابن عمر: أنه عليه السلام كان يرفع يديه حذو منكبيه؛ إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد"، وكان لا يفعل ذلك في السجود.
رواه مسلم، والبخاري.
وهكذا يرفعهما إذا صلى جالساً، أو مضجعاً.
ثم في كيفية الرفع الخلاف السابق [في كيفيته في] تكبيرة الإحرام، وهو جار في الرفع من الركوع أيضاً؛ قال الرافعي.
والذي ذكره الجمهور هاهنا أنه يرفع ذلك حذو منكبيه.
قال الأصحاب: ويستحب أن يكون ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع، وهل يمد التكبير إلى آخر الركوع؛ كي لا يخلو فعل من أفعال الصلاة عن ذكر، وكذا في

سائر تكبيرات الانتقالات؟ فيه قولان: الجديد الأول، وهو مختار البغوي.
ووجه الثاني- وهو القديم-: [الحذر من التغيير]،وقد روي أنه عليه السلام قال: "التكبير جزم".
قال: وأدنى الركوع أن ينحني؛ أي: القادر المعتدل الخلقة؛ حتى تبلغ يداه ركبتيه -أي: لو أراد ذلك -بدون إخراج الركبتين، أو انخناس؛ لأنه بدونه لا يسمى راكعاً حقيقة؛ فحمل الأمر عليه، وما دونه يسمى: انحناء.
قال الرافعي: وفي لفظ "الانحناء" إشارة إلى أنه لو انخنس، وأخرج ركبتيه، وهو مائل، أو نتصب- لم يكن ذلك ركوعاً، وإن صار بحيث لو مد يده، لنالت راحتاه ركبتيه؛ لأن نيلهما ركبتيه لم يكن بالانحناء.
قال الإمام: لو خرج الانحناء بهذه الهيئة، وكان التمكن من وضع الراحتين على الركبتين بهام جميعاً-لم يعتد بما جاء به ركوعاً أيضاً.
ولا فرق في ذلك بين أن يقدر عليه بنفسه، أو لا يتمكن منه إلا بمعين، أو الاعتماد على شيء، أو بأن ينحني على شيء.
وإن لم يقدر، انحنى القدر المقدور عليه؛ فإن عجز، أومأ بطرفه عن قيام.
وهذا حد ركوع القائم، أما القاعد، فحد ركوعه مذكور في باب صلاة المريض.
فرع: لو قرأ في صلاته آية سجدة؛ فهوى ليسجد للتلاوة، ثم بدا له [بعد] ما بلغ حد الراكعين أن يركع- لم يعتد بذلك ركوعاً؛ لأنه لم يقطع

القيام؛ لقصد الركوع، بل يجب عليه أن يعود إلى القيام، ثم يركع؛ قاله البغوي، ومثله ما سنذكره في الباب بعده.
قال: والمستحب أن يضع يديه على ركبتيه، ويفرق أصابعه؛ لما روى البخاري، ومسلم في حديث [أبي] حميد الساعدي في صفه صلاته عليه السلام قال: "ثم ركع، فوضع يديه على ركبتيه؛ كأنه قابض عليهما".
وفي رواية: "ويفرج بين أصابعه".
فلو كان بإحدى يديه علة، أو كانت مقطوعة- وضع الأخرى، وينصب ركبتيه.
[والغزالي والإمام قالا: إنه] يترك الأصابع على حالها منشورة نحو القبلة.
ويكره التطبيق؛ وهو: أن يطبق يديه، ويجعلهما بين ركبتيه؛ لأنه نهى عن ذلك بعد أن كان يفعل؛ رواه أبو حميد، وأنه [يضرب فاعله بالأكفّ] على الركب، رواه البخاري.

قال: ويمد ظهره وعنقه؛ لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يمد ظهره، وعنقه.
قال الراوي: حتى لو صب على ظهره ماء لركد؛ [يعني]: لاستواء ظهره.
ورواية أبي حميد: "فيهصر ظهره، غير مقنع رأسه، ولا صافح بخده".
قال الشافعي في القديم: ويجعل [رأسه] وعنقه حيال [ظهره].
وقال في "الإملاء" ولا يتبازخ، ولا يجعل ظهره محدودياً.
والتبازخ: أن يخرج صدره، ويطأطئ ظهره؛ يكون كالتبزُّخ.
والمحدودب: أن يعلي وسط ظهره، وعبارة الشيخ تنظم اللفظين.
قال: الأصحاب: ويستحب-مع ذلك-أن ينصب ساقيه.
قال: ويجافي مرفقيه عن جنبيه؛ لما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع- وضع يديه على ركبتيه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه.
قال: وتضم المرأة بعضها إلى بعض؛ لأنه أستر لها، والخنثى في هذا المعنى كالمرأة.

قال: ويقول: سبحان ربي العظيم؛ لما روى أبو داود أنه عليه السلام لما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74]، قال: "اجعلوها في ركوعكم"، ولما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:1] قال: "اجعلوها في سجودكم".
قال بعضهم: والمعنى في جعل وصفه بالعظمة في الركوع: أنه لم يعبد [به] غيره، وعن حذيفة: أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، وما مرّ بآية رحمة إلا وقف عندها يسأل، ولا بآية عذاب إلا وقف عندها؛ متعوذاً.
أخرجه مسلم، وغره بنحوه مختصراً، ومطولاً.
قال: ثلاثاً، وذلك أدنى الكمال، وهذا لفظه في المختصر، ووجهه ما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قال: "إذا ركع أحدكم؛ فقال: سبحان ربّي العظيم ثلاث مرات؛ فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد [فقال في سجوده]

سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تم سجوده، وذلك أدناه".
رواه الترمذي، وقال: إن إسناده غير متصل؛ لأنه يرويه عون عن ابن سعود، ولم يلقه.
ولو اقتصر على قوله [مرة]:سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود-كان مؤدياً لأصل السنة؛ قاله في "التتمة"، إلا أن المستحب ألا ينقص عن الثلاث.
ولو قال في كل مرة من الثلاث: "وبحمده"، كان حسناً؛ لأن عقبة بن عامر روى أنه عليه السلام كان يقول ذلك [ثلاثاً] في الركوع والسجود، [رواه أبو داود].
والقراءة فيه مكروهة؛ وكذا في السجود؛ لقوله عليه السلام: "ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً، أو ساجداً، أما الركوع؛ فعظّموا فيه الرب، وأما السجود فابتهلوا فيه بالدعاء؛ فقمن أن ستجاب لكم" أخرجه مسلم، وقوله: "فقمن" بفتح الميم

وكسرها؛ ومعناه: جدير، وحقيق، قال القلعي: والصواب هاهنا: الفتح لا غير؛ لأنه مصدر، ويقال: فقمين، بالياء، قال الجوهري: من فتح أراد المصدر؛ فلا يثني، ولا يجمع، ولا يؤنث؛ ومن كسر أراد الصفة؛ فيصح تثنيته، وجمعه.
وقد قيل: لو قرأ في غير القيام [الفاتحة] [عامدا]، بطلت صلاته؛ كما ستعرفه في باب: سجود السهو.
قال: فإن قال [مع ذلك]: اللهم لك ركعت، [وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت] ربي، خشع لك سمعي، وبصري، وعظامي، وشعري، وبشري، وما استقل به [قدمي] لله رب العالمين- كان أكمل.
قال الشافعي: لأنه حدثني إبراهيم بن محمد، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله.
[وفي] رواية أبي داود، عن [علي، عن] النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "اللهم لك ركعت، ولك خشعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، وعظمي، ومخّي، وعصبي"؛ وهذا ما استحبه في "المرشد".
قال بعضهم: وسبب الاختلاف في ذلك وأمثاله: اختلاف طرق الأحاديث، مع تقارب المعنى.

وقد قيل: إن أكمل الكمال أن يقول: سبحان ربي العظيم خمساً، أو سبعاً؛ كذا حكاه ابن يونس.
وقال الماوردي: إن أكمل الكمال أن يقول ذلك إحدى عشرة مرة، أو تسعاً.
ثم ظاهر [كلام الشيخ] أنه لا فرق في ذلك بين الإمام والمأموم، [والمنفرد]، وهو ما حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم"، ولفظه: وأحب ألا يقصر عن هذا إماماً كان، أو منفرداً، وهو تخفيف، لا تثقيل.
وقال الماوردي، والمتولي، والقاضي الحسين، وغيرهم: إن هذا مختص بالمنفرد، أما إذا كان إماماً، فلا يستحب له الزيادة على الثلاث حذراً من التطويل على المأمومين، إلا أن يؤثره.
قال القاضي الحسين، والماوردي: ومن العلماء من قال: ينبغي أن يقولها خمساً؛ ليقولها المأموم ثلاثاً، وقد حكاه الروياني وجهاً لنا، ولم يذكر في "الحلية" -كما قيل- غيره.
قال: ثم يرفع رأسه؛ لقوله عليه السلام للمسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تعتدل قائماً".
وقالت عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع، لم يسجد حتى يستوي قائماً" رواه مسلم.

قال: قائلاً: سمع الله لمن حمده؛ لحديث أبي هريرة السالف.
وعن ابن كج أنه يبتدئ بقوله: سمع الله لمن حمده، وهو راكع، ثم إذا انتهى، أخذ في رفع الرأس واليدين.
ومعنى "سمع الله لمن حمده": أجاب الله حمد من حمده، وقد جاء مثله في الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: 25]، أي: اسمعوا مني سمع طاعة وإجابة، والعرب تقول: اسمع دعائي، أي: أجبه.
وقيل: معناه: غفر له.
ولو قال: لك الحمد ربنا، أو من حمد الله سمع له -قال الشافعي في "الأم"-: أجزأه؛ لأنه أتى باللفظ والمعنى.
والأول أولى.
والإمام يجهر بذلك؛ ليسمع من خلفه؛ كما في التكبير، والمأموم يسر به؛ قاله الماوردي.
قال: ويرفع يديه؛ أي: مع صلبه؛ لحديث ابن عمر.
قال: فإذا استوى قائماً-قال: ربنا لك الحمد ملء السموات و [ملء] الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد؛ لما روى عبد الله بن أبي أوفى أنه عليه السلام كان إذا رفع ظهره قال ذلك، رواه مسلم، وفي رواية: "ربنا ولك

الحمد" بإثبات الواو.
ولذلك قال في "الأم": وإذا أتى بها كان أحب إلي؛ كذا حكاه البندنيجي، وحينئذ فتكون الواو مزيدة.
[قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عنها؟، فقال: هي مزيدة]، تقول العرب: "بعني هذا الثوب [بكذا وكذا]؛ يقول: نعم، وهو لك"، وتقديره: نعم هو لك.
وقال بعضهم: يمكن أن يقال: ليست مزيدة، ويكون المعنى فيه: أن قوله: "سمع الله لمن حمده" ثناء وجب على حمد الله -تعالى- فكأنه قال: دعوتني إلى حمدك، وحمدتك يا رب لدعوتك إليه؛ فتكون الواو عاطفة لإحدى الجملتين على الأخرى.
وقيل: هي عاطفة على جملة مضمرة؛ كأنه قال: ولك الحمد على ما وفقتنا إليه من القول الحسن، والعمل الصالح؛ قاله في "الغريب".
ولو قال: "اللهم ربنا لك الحمد"، جاز أيضاً؛ لان أبا سعيد الخدري رواه، أخرجه مسلم.
قال: وذلك أدنى الكمال؛ أي: أخصر ذكر كامل، شرع في الاعتدال، وفيه تنبيه على [أن] ما دونه ليس من الكمال في شيء.
ومعنى قوله: "ملء السموات، وملء الأرض" أي: أحمدك حمداً يملأ ذلك.
وقوله: "وملء ما شئت من شيء بعد"؛ كالكرسي، وما غمض عن إدراك عبادك؛ قال الله -تعالى-: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [البقرة:255]

وقيل: ثوابه يملأ السموات والأرض، وما شئت من شيء بعد.
وقيل: ذكر ذلك على سبيل التمثيل، والتقريب؛ أي: لو كان بدل هذا القول أجراماً، لملأت ذلك.
وفي "ملء السموات" ومثله لغتان: النصب، والرفع، والنصب أشهر، وممن حكاهما ابن خالويه، وصنف في المسألة.
قال: فإن قال معه: "أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد: كلنا لك عبد، لامعطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" كان أكمل؛ لأن أبا داود روى ذلك، عن رواية أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه مسلم، إلا أن الرواية: "أحق ما قال العبد" بالألف، "وكلنا لك عبد" بإثبات الواو.
قال النواوي: وما ذكره الشيخ هو المذكور في معظم كتب الفقه، وهو صحيح من حيث المعنى، ولكن الذي [ثبت] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرناه، قال: وتقديره حينئذٍ: أحق ما قال العبد: لا مانع لما أعطيت ... إلى آخره، واعترض بينهما: "وكلنا لك عبد"؛ ولهذا الاعتراض نظائر في القرآن، وغيره.
وعلى تقدير حذف الألف؛ فـ"حق ما قال العبد"، خبر لمبتدأ تقديره: ما قال العبد حق، لا باطل.
وقوله: "أهل الثناء" منصوب على النداء.
قيل: ويجوز رفعه؛ على تقدير: أنت أهل الثناء، والمشهور النصب.
و"الثناء" ممدود، وهو بتقديم الثاء موضوع للمدح، وما يقال من أنه ورد في الذم، فهو شاذ مؤوّل على إقامة الذم مقام المدح، والنثا؛ بتقديم النون مقصور يستعمل في المدح والذم معاً.
والمجد: العظمة، والرفعة.
وقوله: "كلنا لك عبد" فيه إشعار بأنه من كانت هذه صفته، كان الانقياد إليه والخضوع واجباً.

ومعنى: "لا ينفع ذا الجد منك الجد"، أي: لا ينفع ذا النسب في الدنيا نسبه في الآخرة.
أو لا ينفع ذا الحظ في الدنيا حظه في العقبى، وإنما ينفعه العمل وطاعتك.
وهذا ما صححه النواوي.
و"الجد" مرفوع فاعل "ينفع"، أي: لا ينفع الجد صاحبه.
و"ذا الجد" مفعوله، وهو بفتح الجيم؛ على الصحيح، ورواه جماعة قليلة بكسر الجيم؛ وهو: الإسراع في الهرب، أي: لا ينفعه هربه منك.
وقيل: المعنى-على هذه الرواية-: لا ينفع ذا الاجتهاد في العمل منك اجتهاده، إذا لم يسبق له سابقة خير، إنما النجاة بفضل الله ورحمته.
قال الأزهري: "ومنك" هاهنا بمعنى: عندك.
[ثم ظاهر] كلام الشيخ أنه لا فرق في ذلك بين الإمام والمنفرد، وهو ما حكاه البندنيجي.
وقال الإمام: يحتمل أن يختص هذا بالمنفرد، أما الإمام فإنه مأمور بالتخفيف؛ فيقتصر على أدنى الكمال، وهو الموافق لما حكيناه عن غيره في الركوع، وهذا ما أورده الرافعي، وقال في "الحاوي": إنه المختار.
قال: ثم يكبر، ويهوي ساجداً؛ لخبر أبي هريرة السابق، وهو يقتضي أنه يمد التكبير إلى السجود، وهو الجديد.
ومقابله وهو القديم: أنه لايمده، بل يحذفه؛ لما تقدم من الخبر أيضاً.
ولا يستحب فيه رفع اليدين؛ لما تقدم من خبر ابن عمر.
ويهوي؛ بفتح الياء؛ أي: يقع، قال الله -تعالى-: ﴿تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الحج: 31]، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:1].
والسجود أصله: التطامن، والميل.
وقيل: أصله: الخضوع، والتذلل، وسمي سجود الصلاة: سجوداً؛ لأنه غاية الخضوع.
قال: فيضع ركبتيه، ثم يديه؛ لما روى وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله

صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.

أخرجه أبو داود، والتمذي، وقال: إن حسن غريب، لا نعرف واحداً رواه غير شريك.
قال الخطابي: هو أصح مما رواه النسائي، عن أبي هريرة؛ انه عليه السلام قال: "إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه، ولا يبرك برك البعير".

وقد قيل: إنه منسوخ؛ لأن أبا سعيد الخدري قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين؛ فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين.
قال: ثم جبهته، وأنفه؛ لما روى أبو سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رئي على جبهته وعلى أرنبته أثر طين من صلاة صلاها بالناس.
رواه أبو داود، وأخرجه البخاري، ومسلم بنحوه أتم منه.
قال: وأدنى السجود: أن يباشر بجبهته المصلى؛ لما روى مسلم [وغيره] عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا؛ فلم يُشْكِنَا، أي: لم يزل شكايتنا.
والرمضاء: [الرمل] المتوقد من شدة [حر] الشمس.
وقيل: لابد مع السجود على الجبهة من السجود على الأنف؛ لقوله عليه

السلام: "لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض"، رواه الدارقطني عن ابن عباس، وهذا ما حكاه في "الزوائد" قولاً عن رواية أبي زيد.
والمشهور في الكتب: الأول؛ لأنه عليه السلام سجد على جبهته على قصاصة الشعر، وهو حيث ينتهي بنانه من مقدمه أو مؤخره، وضم القاف أفصح لغاته، ومعلوم أن من سجد على ذلك لا يكون أنفه على الأرض.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين: أحدهما: الاكتفاء بإمساس الجبهة المصلى؛ إذ به يصدق اسم المباشرة؛ كما هو مذكور في باب ما ينقض الوضوء، وليس ذلك بكاف، بل لابد معه من إرخاء الرأس على المصلى؛ لأنه جاء عنه عليه السلام أنه [قال]: "لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء ... " إلى أن قال: "فيسجد؛ فميكن جبهته".
قال همام: وربما قال: "جبهته من الأرض؛ حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي"، أخرجه أبو داود؛ فلو حصل الإمساس مع حمل الرأس عنه لم يجزئه؛ للخبر.
وزاد الشيخ أبو محمد، فقال: إذا كان السجود على شيء محشو بقطن ونحوه، فلابد من التحامل عليه؛ ليظهر أثر السجود.
وهو معنى ما ذكره البغوي، والقاضي الحسين.
وقال الإمام: إنه يكفي الإرخاء أيضاً، بل هو أقرب إلى هيئة التواضع من تكلف التحامل، وإليه الإشارة بقول عائشة: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سجوده كالخرقة البالية"، وهذا ما أورده في "الوسيط".

الثاني: إيجاب مباشرة المصلى بجميع الجبهة، وهو وجه حكاه ابن القطان؛ لظاهر قوله عليه السلام: "إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض"، لكن المذهب أنه يكفيه أن يسجد على بعضها؛ لما روي عن جابر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على جبهته على قصاص الشعر.
رواه تمام في "زوائده"، ومع هذا يشكل قول الشافعي في "الأم": "وإن سجد على بعض جبهته، كرهته، وأجزأه"؛ لأنه عليه السلام لا يفعل مكروهاً، وإن فعل المباح، وترك الأولى [مرة]؛ لبيان الجواز.

نعم، لو سجد على جبينه- وهو جانب الجبهة-لم يجزئه.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه لو كان على جبهته شيء يمنع مباشرتها المصلى-لم يجزئه، وهو كذلك، إلا أن يكون عليها عصابة؛ لمرض، أو جرح؛ فنه يجزئه، ولا إعادة عليه؛ حكاه البندنيجي.
وقيل: عليه الإعادة.
قال الماوردي: وهو مخرج من المسح على الجبائر، وليس بصحيح.
ثم ما ذكره [من مجرد] الاكتفاء بمباشرة الجبهة للمصلى مقيد بشرطين: أحدهما: ألا يكون المصلى متصلاً [به] اتصالاً يتحرك بحركته، [فلو صلى على طرف عمامة، وهي تتحرك بحركته لم يصح، وإن لم تتحرك بحركته]- جاز؛ نص عليه الشافعي؛ قاله أبو الطيب.
وقال القاضي الحسين: لا يجزئه في الحالين؛ كما في النجاسة.
الثاني: ألا تكون أعاليه- في حالة سجوده- على المصلى أعلى من أسافله، ويتصور ذلك بأن يسجد على مخدة، أو ربوة، ونحو ذلك؛ فلو كانت، لم يصح.
وإن كانت أسافله- في حال سجوده- أعلى من أعاليه- صح.
وإن استوت الأسافل، والأعالي-فوجهان؛ أظهرهما: عدم الصحة أيضاً، وهو المذكور في "الوجيز"، و"التهذيب".
ثم هذا في حق المتمكن من ذلك، أما من به علة تمنعه من التنكيس، أو الاستواء-فلا يلزمه، لكن هل يجب عليه وضع شيء؛ ليسجد عليه، أو يكفيه الإيماء؟ فيه وجهان: أظهرهما -عند الغزالي-: الوجوب.
ومقابله: أشبه بكلام الأكثرين؛ كما قال الرافعي.
ولا خلاف في أنه إذا عجز عن وضع الجبهة على المصلى، وقدر على وضعها على وسادة، مع مراعاة هيئة التنكيس: أنه يلزمه ذلك.

ولو عجز عن الانحناء أشار بالرأس، ثم بالطرف.
والمراد بالمصلى: ما يصلي عليه من أرض، أو ثوب، أو حصير، ونحو ذلك، والأصل في جواز ذلك ما رواه أنس قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا الثوب من شدة الحر في مكان السجود.
أخرجه البخاري، ومسلم.
قال: وفي وضع اليدين [والركبتين]، والقدمين- أي: أطراف أصابع القدمين -قولان- أي: منصوصان في "الأم".
أحدهما: يجب؛ لقوله عليه السلام:"أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء: على الجبهة وأشار بيده إليها- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا أكف الثوب، ولا الشعر" أخرجه البخاري، ومسلم، عن رواية ابن عباس، وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت، وربما قال: أمر نبيكم أن يسجد على سبعة آراب"

أخرجاه أيضاً.
وهذا القول اختاره في "المرشد"والشيخ أبو علي، وقال البندنيجي: إنه المذهب.
وأبو الطيب: إنه ظاهر المذهب، وعليه عامة الفقهاء، وإذا قلنا به، فلا يكفي وضع ظهر الكف، والواجب ما ينطلق عليه الاسم من بطنها.
والثاني: لا يجب؛ لأن الله -تعالى- أفرد الجبهة في ذكر السجود؛ فقال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:29]، وقال: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ [الإسراء: 107]، وقال عليه السلام: "إذا سجدت؛ فمكن جبهتك من الأرض" وإفرادها بالذكر يدل على أنها مخالفة [لما عداها، ولأنه لو وجب السجود عليها مع القدرة، لوجب الإيماء إليها عند العجز؛ كما] في الجبهة؛ ولأن المقصود منه [وضع] أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام، وذلك خصيص بالجبهة، وذلك نهاية الخضوع.
والأمر في الحديث محمول على الاستحباب.
وهذا القول نص عليه في "الإملاء" أيضاً، واختاره البغوي، وقال الرافعي: إنه الأظهر، ومنهم من قطع به في الركبتين والقدمين، واقتصر على إجراء القولين في الكف، ويشهد له ما رواه أبو داود، عن ابن عمر رفعه، وقال: "اليدان تسجدان كما يسجد الوجه؛ فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفع فيلرفعهما" وأخرجه النسائي.
ثم ظاهر [كلام] الشيخ أنه لو لم يعتمد على شيء من اليدين والركبتين والقدمين على القول بعدم وجوبه، بل اقتصر على وضع جبهته على الأرض- أنه يجزئه، وعليه ينطبق قول البندنيجي: [إنا] إذا قلنا: لا يجب السجود على

ذلك؛ فالواجب وضع الجبهة فقط، ولو تمكن من وضعها دون سائر الأعضاء أجزأ ذلك، وكيفما شاء وضع هذه الأعضاء مكشوفة، ومستورة، وضع راحتيه، أو [وضع] ظهر كفيه، وقد حكاه في "الروضة" عن الشيخ أبي حامد، وصاحب "العدة"، وقال: إن ذلك مصَّور بما إذا رفع الركبتين والقدمين، ووضع ظهر الكفين، أو حرفهما؛ فإنه في حكم رفعهما.
وهذا التصوير مؤذن بصحة ما قاله بعض الشارحين لهذا الكتاب: [أنه] لا خلاف في أنه لا يجزئه أن يضع جبهته على الأرض، ويمد يديه ورجليه؛ لأنه لا يسمى: سجوداً؛ فإن السجود في اللغة: التطامن، ومنه قولهم للبعير إذا تطامن؛ ليركبه راكبه: قد سجد.
قال: وفي مباشرة المصلى بالكف قولان؛: أي: منصوصان في "الأم" في موضعين: أصحهما: أنه لا يجب؛ لأنه عليه السلام صلى في مسجد ابن عبد الأشهل، وعليه كساء ملتف به يضع يديه عليه؛ يقيه برد الحصا.
رواه ابن ماجه.

ولأن ذلك لا يكشف إلا لحاجة؛ فلم يجب في حال السجود؛ كالقدم.
ومقابله: أنه يجب؛ لقول خباب: "فلم يُشْكِنَا"؛ وهذا ما اختاره في "المرشد"، وإذا قلنا به، كفاه مباشرته بجزء من باطن الكف؛ كما قلنا في الجبهة.
والقائلون بالأول قالوا: المراد من قوله: "فلم يشكنا" أي: في مجموع الوجه، واليدين، أو لم يشكنا بالإبراد بالجمعة الواجب حضورها.
واقتصار الشيخ على ذكر الخلاف [في مباشرة المصلى بالكف، يعرفك أنه لا يجري في كشف الركبتين والقدمين، وهو كذلك، ولا خلاف] فيه، بل المستحب- كما قال البندنيجي في الركبتين- أن [يكتي بسترهما]، وإن قلنا: إنهما ليستا من العورة، والرجلان [إن كانتا في الخف، فلا يستحب نزعهما].
وإن كانتا في نعلين؛ فيستحب نزعهما، ويكشف عن موضع السجود، فيباشر به المصلى.
قال: والمستحب أن يجافي-أي: يباعد-مرفقيه عن جنبيه رواه أبو حميد؛ كما ذكرناه في أول الباب.
وروى ابن بحينة أنه عليه السلام "كان إذا سجد، فرج بين يديه حتى يرى بياض إبطيه] رواه البخاري ومسلم.
قال: ويقلّ بطنه عن فخديه؛ لما روى أبو داود أنه عليه السلام: "كان إذا

سجد لو مرت بهيمة لنفذت".
وعن ابن عباس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم من خلفه؛ فرأيت بياض إبطيه، وهو مجخ، وقد فرغ، رواه أبو داود، والمجخي: المخوي، ورواية مسلم: "أنه عليه السلام كان إذا سجد خوى" أي: جخ.
ويستحب في السجود- وراء ما ذكره الشيخ- أمور: أحدها: أن يفرج رجليه؛ لأن أبا حميد الساعدي رواه؛ قال في "المهذب": وكذا ينبغي أن يفرج بين فخذيه؛ نص عليه.
قال أبو الطيب: قال أصحابنا: يكون بينهما قدر شبر.
الثاني: أن يوجه أصابع رجليه نحو القبلة في السجود، ويوجههما إلى القبلة؛ [نقله المزني.
وصورة ذلك: أن يضع أصابع رجليه؛ بحيث تكون رءوسهما قبالة القبلة]؛ حكاه أبو الطيب.
ويدل عليه رواية أبي داود، عن أبي حميد الساعدي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتخ أصابع رجليه إذا سجد".
والفتخ بخاء معجمة: تعويج الأصابع.
ورواية البخاري: "استقبل بأطراف رجليه القبلة".

وفي "النهاية": أن ما ذكره المزني يحتاج إلى تأمل، والذي صححه الأئمة أن يضع أطراف الأصابع على الأرض، ولا يرسلها في صوب القبلة.
الثالث: أن يضم أصابع يديه بعضها إلى بعض، ويضم الإبهام إليها، ويستقبلهما إلى القبلة.
قال الغزالي: ولا يؤمر بضمها مع النشر إلا هاهنا.
وفي حديث أبي داود: "أنه عليه السلام كان إذا سجد، ضم أصابعه، وجعل يديه حذو منكبيه.
الرابع: أن يرفع مرفقيه، ويعتمد على راحتيه؛ لقول وائل بن حجر: "فإذا سجد وضع يديه [غير مفترش]، ولا قابضهما".
رواه البخاري.
الخامس: أن يرفع ظهره، ولا يحدودب، ولفظه في "الأم": "يرفع ظهره، ولا يعمد رفع وسطه عن أسفله وأعلاه".
[قال: وتضم المرأة بعضها إلى بعض؛ لأنه أستر لها، والخنثى في هذا المعنىكالمرأة].
قال: فإن قال معه: "اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك آمنت، أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره- أي: منفذهما- فتبارك الله أحسن الخالقين- كان أكمل؛ لأن عليًّا- كرم الله وجهه- روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله، أخرجه البخاري.

ورواية أبي داود: "الذي خلقه؛ فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين"، وبها قال في "المرشد".
قال البندنيجي: وقد حكى الشافعي في بعض كتبه أنه كان يقول: "سجد وجهي حقّاً حقّاً، عبوديةورقّاً".
وقال في "المهذب": "إنه لو قال: سبوح قدوس رب الملائكة والروح- فهو حسن؛ لما روي عن عائشة أنه عليه السلام كان يقوله في ركوعه وسجوده".
والسبوح والقدوس: اسمان من أسماء الله تعالى- معناهما: التنزيه البليغ، وجاء [على] وزن "فُعُّول"، قيل: ولا يعرف على هذا البناء سواهما، وغرابة الوزن فيهما تنبيه على اختصاص الله -تعالى- بالمذكور.
وقوله: "تبارك الله" أي: تعالى، والبركة: العلو، والنماء؛ حكاه الأزهري عن ثعلب.
وقال ابن الأنباري: تبرك العباد بتوحيده وذكر اسمه.
وقال ابن فارس: معناه: ثبت الخير عنده.
وقيل: تمجد، وتعظم.
[قال الخليل]: وقيل: استحق التعظيم.
وقوله: "أحسن الخالقين" أي: المصورين المقدورين.
قال: وإن سأل الله -تعالى- في سجوده ما يشاء، [أي: من أمر الدين والدنيا]، كان حسناً؛ لقوله عليه السلام: "وأما السجود، فأكثروا فيه من الدعاء؛

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل