كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 145-184
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 145-184
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الصلاة ذاهباً وجائياً- قصر، وهذا ما أورده البندنيجي في "تعليقه".
قال الروياني: وليست المسألة على قولين: فالذي قال: لا يقصر، أراد: إذا حصل في جوف البلد، والذي قال: يقصر، أراد: إذا كان في الطريق، وليس في شيء من البلد.
فإذا عرفت ذلك، قلنا في مسألة الرعاف: إن كان البلد وطنه، فالحكم كما ذكره العراقيون، وإن كان غريباً فيه لم ينو الإقامة، فلا يلزمه الإتمام، سواء أوقع الصلاة في البلد أو في الطريق.
وإن كان قد نوى الإقامة فيه أربعة أيام، فإن قلنا: إنه لا يقصر فيه، كان كما لو كان وطنه وإن قلنا: يقصر فيه، كان كما لو كان غريباً فيه.
هذا قياس [مذهبهم]؛ فتأمله، والله أعلم.
أما إذا وصل في أثناء الصلاة [إلى مقصده ووطنه الذي عزم على الخروج منه قبل استكمال أربعة أيام- فعن القفال في انقطاع سفره حكاية قولين، ستعرف مثلهما فيما بعد.
قال الرافعي: والمشهور أنه يصير مقيماً بنفس الدخول بلا خلاف، ولذلك قطعوا فيما إذا رجع إلى وطنه [لأخذ شيء نسيه: أنه لا يقصر.
قلت: والوجه: التفصيل: فإن كان بين وطنه] وبين مقصده دون مسافة القصر فما قاله الرافعي من الاستشهاد صحيح.
وإن كان بينهما مسافة القصر، فالفرق بين ما ذكره القفال وبين ما التزمه ظاهر؛ لأنه بعوده إلى وطنه رافض لقصده الأول، وليس ما قصده مما تقصر إليه الصلاة، ولا كذلك في مسألة القفال.
ثم إذا قلنا بالمشهور؛ فلو كان وصوله] إلى مقصده ووطنه غيره؛ فقضية كلام الماوردي: أن الحكم كما لو وصل إلى وطنه؛ لأنه جزم القول بأنه إذا وصل إلى مقصده انقطع ترخصه، نوى الإقامة [فيه أو لا.

وغيره قال: إن كان قد نوى الإقامة] في المقصد أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج – أتم فيه.
وقياسه: أنه إذا أراد وصل إليه في أثناء الصلاة يتم.
وإن كان قد نوى [إقامة] دون ذلك فله القصر فيه.
وقياس هذا: أنه إذا وصل إليه في أثناء الصلاة لا يلزمه الإتمام، والله أعلم.
ولو نوى المقام في موضع لا يصلح للإقامة، فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله.
والمسألة الثالثة: إذا شك في ذلك.
وهي تشمل حالين، وصورتهما تقدمت، وإنما لزمه الإتمام فيهما؛ لأنه شك هل يجوز له الاقتصار على ركعتين، أو يلزمه الأربع؛ والأصل لزوم الأربع.
والمسألة الرابعة: إذا لم ينو القصر- أي: بل أطلق النية-[يلزمه الإتمام؛ لأنه الأصل، فإذا أطلق النية] انصرفت إليه.
وقال المزني: لا يلزمه؛ لأن المعهود المعروف في حق المسافر الصلاة المقصورة، فإذا أطلق النية انصرفت إلى المعهود؛ كذا حكاه عنه أبو الطيب.
وفي "الحاوي" أنه [قال:] لا يفتقر إلى نية القصر مع الإحرام، بل يكفيه أن يسلم ناوياً القصر، وإن سلم غير ناوٍ له كان كمن سلم ساهياً.
ووجه بأن القصر رخصة، والرخص في الأصول لا تفتقر إلى النية مع أول العبادة، ألا ترى أنه لو نوى الطهارة عند غسل الوجه كان له المسح على الخفين، وإن لم تتقدم النية؟! قال الماوردي: وهذا غلط؛ لأنا متفقون على وجوب النية، وإنما الخلاف في محلها، وكل صلاة افتقرت إلى نية كان محل تلك النية فيها الإحرام كنية الصلاة.
ولأنها مقصورة من أربع إلى ركعتين؛ فوجب أن يكون الشرط في أثنائها موجوداً في ابتدائها؛ كالجمعة.
وقد أفهم ما ذكرناه من لزوم الإتمام عند الإطلاق لزومه عند نية الإتمام من طريق الأولى، وقد نقل عن المزني المخالفة فيه أيضاً، والمشهور موافقته عليه،

ونسبة ذلك إلى المغربي، وهو مقيس على ما إذا نوى القصر، ثم الإتمام، وعلى ما لو نوى المسافر الصوم، ثم عن له أن يفطر.
وأصحابنا فرقوا بين نية القصر، ونية الإتمام بأنه إذا نوى القصر، ثم الإتمام-[انتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولا كذلك إذا نوى الإتمام ثم القصر؛ فإنه] انتقل من الأعلى إلى الأدنى، وصار هذا كمن عليه كفارة، وهو من أهل الصوم، فأراد الانتقال إلى العتق- يجوز، ولو كان من أهل العتق، فأراد التكفير بالصوم: لا يجوز.
وكذا من وجب له القصاص، فعفا عن الدية إلى القصاص يجوز له أن يعفو عن القصاص إلى الدية، ولو عفا عن القصاص إلى الدية لم يجز له أن يرجع إلى القصاص.
وفرقوا بين القصر والفطر بأن: الفطر مضمون بالقضاء؛ فلم ينحتم عليه الصوم بدخوله فيه، والقصر لا يضمن بالقضاء؛ فانحتم عليه الإتمام بدخوله فيه.
ثم اعلم أن كلام الشيخ لو أجري على ظاهره لانتظم حالة نية الإطلاق، وحالة نية الإتمام، وحالة ثالثة، وهي: إذا نوى الظهر أو العصر أو العشاء ركعتين، ولم يخطر له الترخص بالقصر، وقد قال الإمام: إنه لا نقل فيها، ويظهر أن يقال: إن صدر ذلك ممن يعلم القصر، ولم يتعرض للترخص ولا كيفيته، فهو محمول على الصحة، وهو الترخص بعينه، ولو صدر ذلك من حديث عهد بالإسلام الذي لم تبلغه رخصة القصر، وظن أنها كصلاة الصبح- ففي نيته شيء؛ فإن صلاة الظهر أصلها أربع، وإنما يقع الاقتصار على ركعتين ترخصا، وهذا ما قصد الترخص.
وفي "الرافعي": أنه إذا كان يجهل القصر وقصره، لم يجزئه؛ لأنه عابث في اعتقاده غير مصلّ، وأن ذلك يحكى عن نصه في "الأم".
ولو صدر الاقتصار على نية الركعتين ممنن علم بالرخصة، لكنه لم يجدد ذكره، وإنما اعتمد نفي الترخص، وجزم النية في ركعتين- قال: الإمام: فهذا فيه احتمال.
والذي أراه: أن المقيم لو نوى الظهر ركعتين، ولم ينو الترخص – ينبغي أن

تبطل صلاته، وإنما الاحتمال السابق فيما إذا نوى الترخص بالقصر.
فرع: إذا شك هل نوى القصر، أو لا؟ [ثم بان [أنه لم] ينو القصر]- لزمه الإتمام، وإن لم يمض ركن في حال شكه، وهذا بخلاف ما إذا شك هل نوى أو لا؟ ثم ظهر أنه كان قد نوى قبل أن يمضي ركن من صلاته- فإن صلاته صحيحة.
والفرق: أنه حالة شكه في القصر، لزمه الإتمام في تلك الحالة، وإن خفت، وإذا لزمه الإتمام في بعض الصلاة، لزمه في جميعها؛ فإنه قد اعتد بتلك اللحظة من حساب الإتمام؛ فلا يتبعض الأمر، وإذا كان الشك في أصل النية، فلا يعتد بتلك اللحظة، وهي غير مفسدة للصلاة؛ لأنه إذا تذكر، فالباقي من الركن كاف، وذلك الشك محطوط غير معتدّ به؛ كذا قاله الإمام، وأرشق منه قول القاضي الحسين: إن الشك في الصورتين غير محسوب عما شك فيه، [إلا أن في مسألة القصر، إذا لم يكن محسوباً عما شك فيه فيكون ملتزماً للإتمام؛ فيلزمه، وفي النية زمان الشك غير محسوب عما شك فيه،] إلا أن ذلك المقدار لو تعمده في صلاته، لم يبطلها؛ فجعلناه كأنه عمل عمداً ليس من الصلاة.
قال الرافعي: ولو تردد: هل ينوي الإتمام أو يتم على نية القصر، لزمه الإتمام- أيضاً، نعم: لو قام إلى ثالثة ناسياً، وأتم الصلاة، ثم تذكر في التشهد أنه نوى القصر، قال الشافعي في "الأم": يسجد سجدتي السهو، ولو أراد أن يتمها، قال الغزالي: لزمه أن يقوم، ويأتي بركعتين، ولو كان التذكر في حال قيامه، وأراد الإتمام، قال في "التهذيب": لزمه أن يقعد، ثم يقوم، ويأتي بركعتين.
وقيل: له أن يمضي قائماً.
ولو أراد الاقتصار على ما مضى، جلس، وتشهد، وسجد سجدتي السهو.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: ولا نظير لهذه المسألة؛ لأن سجود السهو يكون في الموضع الذي إذا عمد للزيادة، بطلت صلاته؛ فإذا أتى بها ناسياً،

سجد للسهو، وهذا الإتمام إذا أتى به عامداً لا تبطل [صلاته]، ثم قال: إذا أتى به ناسياً، يسجد للسهو.
قلت: بل هذه المسألة ماشية على القاعدة المذكورة؛ فإنه لو تعمد الإتمام من غير نية، بطلت صلاته؛ كما صرح به القاضي الحسين، والفوراني، والإمام، والرافعي، وإنما الذي لا يبطل الإتمام بعد نيته، والله أعلم.
والمسألة الخامسة: إذا ائتم بمقيم في جزء من صلاته، يلزمه الإتمام؛ لقول ابن عباس: إن صلينا معكم صلينا أربعاً، وإن صلينا في بيوتنا صلينا ركعتين؛ ذلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.
أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وفي الصحيحين عن ابن عمر نحوه، وروي أن ابن عباس سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة.
والمفهوم: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم هذا اللفظ من الشيخ يشمل صوتاً ثلاثاً: أن يحرم خلف مقيم، أو خلف مافر ثم ينوي إمامه الإقامة، أو يحدث؛ فيستحلف مقيماً، ويتبعه المأموم، وفي الكل يلزمه الإتمام؛ للخبر، ويقتضي أموراً: أحدها: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون ما أحرم به ظهراً خلف من يصلي الظهر، أو خلف من يصلي الصبح، وهو المشهور في الطرق.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجهين فيما إذا صلى الظهر، أو العصر، أو العشاء ركعتين خلف من يصلي الصح قضاء: هل يقصر، أو يلزمه الإتمام؟ وقد حكاهما الرافعى أيضاً.
الثاني: أنه لا فرق بين أن يأتم به فيما هو مقصور في حقه أو لا، كما إذا

ائتم بمقيم يصلي الجمعة، ونوى هو الظهر قصراً، وقلنا: إن الجمعة ظهر مقصور، [وهو الذي حكاه العراقيون.
وقال الفوراني والمتولي: إذا قلنا: إن الجمعة ظهر مقصور]، لا يلزم المقتدي به الإتمام، وإن قلنا: إنها صلاة مستقلة بنفسها، [فيلزمه أن يتم.
وقال القاضي الحسين وغيره: إن قلنا: إنها ظهر مقصور، لا يلزمه الإتمام، وإن قلنا: إنها صلاة مستقلة بنفسها،] فهل يلزمه الإتمام؟ فيه الوجهان فيما إذا أحرم بالظهر خلف من يصلي الصبح، والحكم فيما لو كان [الإمام في الجمعة مسافراً، وصححنا إمامته، كالحكم فيما لو كان] مقيماً؛ لأن الجمعة فرض الحضر.
نعم: قال الشيخ أبو حامد في هذه الصورة: إذا قلنا: إن الجمعة ظهر مقصور، لم يلزمه الإتمام.
قال ابن الصباغ: وليس بشيء، والمنصوص عليه في "الإملاء": أنه يلزمه، حكاه الماوردي.
الثالث: أنه لا فرق في ذلك بين أن تتم صلاة الإمام والمأموم على الصحة، أو تفسد، والأمر كذلك؛ للخبر، ولأنها صلاة تعينت عليه تامة، فإذا أفسدها، لزمه قضاؤها تامة، كما إذا أحرم بها في الحضر، ثم أفسدها؛ فإنه يقضيها تامة، ولأن العبادة إذا وجبت بالدخول فيها، لا يسقط قضاؤها بإفسادها إذا أمكن قضاؤها، كالحج إذا تبرع به ثم أفسده.
الرابع: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الإمام متطهراً أو محدثاً؛ لأن القدوة بالمحدث في غير الجمعة صحيحة، وبه صرح الإمام والقاضي الحسين؛ لأن خوضه في الصلاة صحيح، وقد خاض خوضاً موجبه الإتمام؛ فلا نظر إلى فساد صلاة الإمام، وهكذا الحكم فيما لو اقتدى بمن ظنه مسافراً، فبان مقيماً محدثاً، فإن ظهر للمأموم كونه مقيماً قبل ظهور حدثه، لزمه الإتمام وجهاً واحداً، وإن بان له الأمران معاً، أو بان له كونه محدثاً أولاً- ففي لزوم الإتمام وجهان: يحكي أحدهما عن صاحب "التلخيص"، ولم يورد جماعة سواه: أنه لا يلزمه.
قال الإمام: وتابعه عليه المحققون.

ومقابله: رواه الشيخ أبو علي في "الشرح" عن محمد.
قال الإمام: وكثير ما يحكي عن محمد، ولست أدري من يعني؟ ولست أعد ذلك من المذهب.
وفي "التتمة" بناء الوجهين على أن صلاة المؤتم بالمحدث تقع جماعة أو لا؟ فإن قلنا: تقع جماعة، لزمه الإتمام، وإلا فلا.
وقال في "الوسيط": إنهما ينبنيان على أن المسبوق: هل يصير مدركاً بالركوع إذا بان كون إمامه محدثاً؟ وفيه خلاف، ذكرته في باب هيئة الجمعة.
وقد شاحح بعضهم الشيخ في العبارة، فقال: لو [قال: أو] ائتم بمتمّ في جزء من صلاته- لكان أولى؛ لأنها تشمل المقيم والمسافر إذا أتم.
قلت: وليست بأولى؛ لوجهين: أحدهما: أن هذه العبارة [لا] تقتضي لزوم الإتمام لكل من اقتدى بمقيم؛ فإن من ائتم في صلاة الظهر قصراً بمقيم يصلي الجمعة، يلزمه الإتمام.
قال القاضي أبو الطيب: ولا يقال: إنه اقتدى بمتم؛ لأن صلاة الجمعة أقل عدداً من الظهر.
وعبارة الشيخ تقتضي إدخاله؛ فقد صارت كل من العبارتين تدخل شيئاً لم تدخله الأخرى.
والثاني: أن عبارة الشيخ تقتضي أنه إذا اقتدى بمقيم محدث، يلزمه الإتمام، وهذه العبارة لا تقتضي ذلك؛ لأن من صلاته فاسدة لحدثه لا يقال: إنه متم؛ ولذلك كان له أن يصلي ما عليه- إذا كان مسافراً- قصراً، وإن كان قد نوى في الفاسدة الإتمام، ولو قيل: إنه يصدق عليه أنه اقتدى بمتم لزم منه أن يقال إذا اقتدى بمن ظنه مسافراً، فبان مقيماً محدثاً: إنه يلزمه الإتمام، لأنه مقتد بمتم، والصحيح: أنه لا يلزمه الإتمام، ولا يقال: إن الشيخ لو قال: أو ائتم بمصلِّ صلاة حاضر، لكان أولى؛ لأن هذه العبارة تدخل من صلى الظهر خلف من يصلي الجمعة؛ لأنا نقول: إن هذه العبارة إن سلمت من الوجه الأول الذي رددنا به ما تقدم لم تسلم من الوجه الثاني، والله أعلم.

والمسألة السادسة: إذا ائتم بمن لا يعرف أنه مسافر، أو مقيم- يلزمه أن يتم؛ لما ذكرناه في المسألة الثالثة، ولا فرق في ذلك بين أن يظهر له بعد ذلك أنه مقيم أو مسافر.
وحكى الإمام عن شيخه رواية قول عن الشافعي: أنه إذا بان له أنه مسافر قاصر، كان له أن يقصر، كما لو تردد في أن إمامه المسافر نوى القصر أو لا؟ ثم بان أنه قاصر؛ فإنه يقصر وفاقاً، وقد حكى ذلك بعد ذلك وجهاً عن رواية صاحب "التقريب"، ثم قالك ولست أعده من المذهب، والفرق بين التردد في نية الإمام وبين التردد في حاله: هل هو مسافر أو مقيم؟ أن النية لا يطلع عليها، مع أن الظاهر من حال المسافر نية القصر؛ لأن العاقل لا يظن به أنه يختار العمل الطويل مع قلة الأجر، على العمل القصير مع كثرة الأجر، ولا كذلك السفر والإقامة؛ فإن الإطلاع عليهما ممكن، والأصل: الإقامة ولزوم الإتمام، نعم: لو غلب على ظنه أن الشخص مسافر، جاز له نية القصر عند الاقتداء به، صرح به في "الحاوي".
وقد أفهم قول الشيخ: أنه لا يلزمه الإتمام عند الاقتداء بمن عرفه مسافراً، وهو مما لا خلاف فيه، نعم، اختلف الأصحاب في كيفية نيته: [فمنهم من قال: ينوي القصر،] ومنهم من قال: ينوي القصر إن قصر إمامه، والإتمام إن أتم؛ لأن هذا مقتضى نيته فلا يضره عقدها كذلك، وهذا ما حكاه القاضي الحسين، وهو الأصح في الرافعي، والقائل به يجوّز الجزم بالقصر؛ ولذلك قال في "الحاوي": إن كلا الأمرين جائز، والقائل بالأول لا يجوز الثاني، ثم له بعد الاقتداء بالمسافر ثلاث أحوال: إحداها: أن يراه يتم الصلاة.
والثانية: أن يراه قصرها.
وفي هاتين الحالتين حكمه حكمه.
والثالثة: أن يحدث، وينصرف، فإن أخبره أنه أتم أو قصر، وصدقه- عمل بمقتضى قوله، وإن لم يصدقه، فسيأتي حكمه.

ولو رآه توضأ، وعاد، فصلى ركعتين أو أربعاً- كان حكمه حكم ما لو علمه قصر أو أتم، قاله البندنيجي.
[وإن لم يخبره بشيء، ولم يعد، وأشكل عليه أمره، فعند ابن سريج: يقصر، وعند أبي إسحاق: يتم].
وادعى الماوردي أن الثاني هو مذهب الشافعي ومنصوصه، وأن به قال عامة أصحابنا، واقتصر القاضي الحسين على إيراده، وقد وافق ابن سريج على المحدث لو كان هو المأموم، فانصرف ولم يعلم حال إمامه- أنه يلزمه الإتمام؛ لأنه كان يمكنه الإطلاع على حال الإمام في القصر والإتمام، فإذا لم يفعل عد مقصراً؛ فلزمه أن يتم، بخلاف ما إذا أحدث الإمام وانصرف؛ لأنه لم يبق من فعله ما يدرك به نيته، قاله البندنيجي والماوردي.
ولو كان المسافر الذي اقتدى بالمسافر مسبوقاً أدرك من صلاة الإمام ركعة، فإن ذكر الإمام [له] أنه كان مقيماً: فإن تحقق صدقه، فعليه أن يتم، وإن استراب في قوله، وكان يجوز كذبه، فهل يلزمه الإتمام؟ فعلى وجهين حكاهما الإمام عن العراقيين، ثم قال: والظاهر- عندي- أنه يلزمه الإتمام، ولو كان الإمام عدلاً موثوقاً به عند المقتدي، لكنه لا يقطع بصدقه، فالذي أراه في هذه الصورة القطع بوجوب اعتماد قوله، ولا يشترط في ذلك اليقين؛ فإن العدل الواحد إذا أخبر عن مشاهدة بطلوع الشمس أو غروبها، أو طلوع كوكب- فعلى السامع أن يعتمد قوله، وصورة الوجهين فيه: إذا لم يكن الإمام موثوقاً به، أو [إن] كان لا يدري حقيقة حاله، بأن كان مستوراً.
فرعان: أحدهما: إذا اقتدى مسافرون [بمسافر]، ثم قام إلى ثالثة ساهياً، فإن تبعوه في السهو، فلا كلام، وإن ظنوا أنه أتم، لزمهم الإتمام، وكذا لو ترددوا في ذلك ثم بان لهم سهوه، وهذا بخلاف ما إذا ترددوا: هل نوى القصر أو الإتمام؛ فإنه إذا بان أنه نوى القصر، لا يلزمهم الإتمام.
والفرق: أن النية لا يطلع عليها، وحال

المسافر ظاهره القصر، بخلاف ما إذا قام إلى ثالثة؛ فإنه [تأكد ظن] الإتمام بالقيام، ولو عرفوا أنه قد سها حال سهوه، لم يلزمهم الإتمام، وسجدوا للسهو، وسلموا، أو صبروا حتى يسلم، فيسلموا معه، وقد استشكل المزني معرفتهم سهوه، وصوره القاضي الحسين ومن بعده، بأن يكون الإمام حنفيّاً متعصباً في مذهبه، يعلمون من حاله أنه لا يتم في السفر، مع ما تقرر من أصله أنه إذا أتم لم تصح صلاته.
الثاني: إذا اقتدى مقيمون ومسافرون بمسافر، فرعف الإمام، وقدم مقيماً- قال الشافعي: "كان على جميعهم وعلى الراعف أن يصلوا أربعاً؛ لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة حتى كان فيها في صلاة مقيم" هذا آخر كلامه.
وما ذكره في المأمومين محله إذا لم ينو المفارقة عند حدثه، كما تقدم، [و] في "الرافعي": أنه يأتي فيهم وجه أنهم لا يلزمهم الإتمام، [إلا إذا نووا الاقتداء بالمستخلف؛ لأنه سيأتي وجه: أنه يجب على القوم أن ينووا الاقتداء بالخليفة، فإذا لم ينووا لا يلزمهم الإتمام؛ لأنهم ما نووا الإتمام] ولا اقتدوا بمقيم.
قلت: وهذا التخريج ظاهر على القول الصحيح في أن الإمام الراعف لا يلزمه الإتمام إذا لم يعد، أما إذا قلنا: يلزمه وإن لم يعد؛ بناءً على أنه باستخلافه صارت صلاته صلاة مقيم- فلا؛ لأنا حينئذ نتبين أن اقتداءهم وقع بمن لزمه الإتمام، فلعل القائل بوجوب نية الإتمام هو هذا القائل، فيرتفع الخلاف في المأمومين، كما أطلقه الأصحاب.
وأما الراعف- فقد قال المزني: إن ما ذكره الشافعي فيه غلط؛ لأن الراعف يبتدئ ولم يأتم بمقيم، وليس عليه إلا ركعتان.
واختلف الأصحاب في ذلك: فقال أبو إسحاق وغيره- وهو أصح الأجوبة-: مراد الشافعي إذا عاد الإمام، وائتم به: إما بناءً على القول القديم، وإما استئنافاً على الجديد؛ ألا ترى إلى قوله: "لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة، حتى كان فيها في صلاة مقيم"؟!

وقال ابن سريج بإجراء لفظ الشافعي على ظاهره، موجهاً له بأن الشافعي بناه على قوله في القديم: إن الراعف لا تبطل صلاته، فإذا استخلف مقيماً في صلاة هو فيها، لزمه أن يتم؛ لأنه مؤتم بمتمّ.
وأما على قوله الجديد، فلا يلزمه الإتمام.
قال البندنيجي: وهذا فاسد؛ لأنه على القديم في حكم صلاة نفسه، فأما أن يكون فيها في جماعة، فلان قال الإمام: وهذا الوجه مع ضعفه غير مستقيم في نظم الأقوال قديما ًوجديداً فإن الاستخلاف في القديم باطل، وصلاة الراعف في الجديد باطلة؛ فلا يتسق هذا التفريع إذن.
وهذا قد سبقه به القاضي الحسين.
وعن ابن سريج أنه قال: ومن أصحابنا من قال: يلزم الراعف الإتمام، وإن لم يرجع إلى الصلاة؛ لأن خليفته القائم مقامه يلزمه الإتمام فهو أولى.
وأبو الطيب نسب هذا القول إلى ابن سريج نفسه، وقال: إنه ليس بشيء؛ لأن خليفته مقيم فأتم، وهو مسافر فلم يتم.
قلت: والصحيح أن قائله غيره؛ لأن ابن سريج لما ذكره قال: هذه شبهة، وليست بدلالة.
وحكى البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما أن أبا غانم مُلْقِي أبي العباس بن سريج حمل النص على ما إذا أحس الإمام بالرعاف، فاستخلف، ووقف خلف خليفته، ثم رعف فانصرف- فإنه ها هنا يلزمه أن يتم؛ لأنه صار خلف مقيم.
قال البندنيجي، وكذا المحاملي: وهذا فاسد؛ لأن الرجل لا يصح أن يستخلف في الصلاة، ويكون فيها مأموماً قبل الانصراف.
قال الرافعي: وقد سئل الشيخ أبو محمد عنه، فجعل الاحتباس عذراً، وقال: متى حضر إما هو أفضل منه، أو حاله أكمل- جاز استخلافه.
ولا خلاف في أنه لو استخلف مسافراً نوى القصر، لا يلزمه ولا من خلفه من المسافرين الإتمام، وكذا لو لم يستخلف وأتم المسافرون لأنفسهم، ولو استخلف المسافرون مقيماً، فهل يكون الحكم كما لو استخلفه الإمام؟ فيه وجهان في "الحاوي": أحدهما: نعم.
والثاني: لا.
فعلى هذا: للإمام أن يقصر؛ لأنه لم يستخلف المقيم، وعلى

هذا: لو استخلف المقيمون مقيماً، والمسافرون مسافراً نوى القصر- جاز للمسافرين القصر، وكذلك لو افترقوا ثلاث فرق [أو أكثر]، وقدمت كل فرقة منهم إماماً جاز وإن كان إمامهم قبل الحدث واحداً، نص عليه.
قال: وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج- أتم، أي: من حين نيته.
هذا الفصل مسوق لبيان أمرين: أحدهما: دل عليه منطوقه، وهو لزوم الإتمام عند نية المقام أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج.
والثاني: دل عليه المفهوم، وهو جواز القصر عند نية المقام أقل من ذلك.
والدليل على الأمرين قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [النساء: 101]، فأباح القصر بشرط الضرب في الأرض، فالعازم على المقام مدة، غير ضارب في الأرض؛ فاقتضى مفهوم الشرط أنه لا يستبيح القصر.
أو نقول: الأصل قبل ورود هذه الآية لزوم الإتمام، والآية جوزت القصر عند الضرب في الأرض، وناوي الإقامة غير ضارب في الأرض؛ فلا يجوز له القصر عملاً بالأصل، لكن السنة بينت أن إقامة ما دون الأربع غير يوم الدخول ويوم الخروج لا تمنع القصر، فاستثنيت مما ذكرناه، وبقي فيما عدا ذلك على ما اقتضاه الدليل، وإنما قلنا: إن السنة بينت أن نية مقام ما دون الأربع غير يوم الدخول ويوم الخروج لا تؤثر في منع القصر؛ لما روى جابر بن عبد الله قال: "أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج خالصاً حتى أتى مكة صبيحة رابعة مضت من ذي الحجة، فأقام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع يقصر الصلاة، فلما كان اليوم الثامن صلى بالأبطح صلاة الصبح، ثم رفع إلى منى"، وهذا عين ما ذكرناه، ومنه يظهر لك أن دخوله- عليه السلام- كان يوم الأحد، وخروجه إلى منى كان يوم الخميس؛ لأن ذلك كان في حجة الوداع، وكانت

الوقفة فيها يوم الجمعة، وبذلك صرح الرافعي.
وقد أطلق بعضهم أنه إذا نوى إقامة ثلاثة أيام، غير يوم الدخول ويوم الخروج- له أن يقصر، وصور ذلك بما إذا قدم يوم الأحد وخرج يوم الخميس، وعلى ذلك جرى البندنيجي، ولاشك أن العبارة الأولى أولى؛ لأن هذا التمثيل يقتضي أن المنوي إقامة ثلاثة أيام وأربع ليال، غير يوم الدخول ويوم الخروج، وذلك أكثر من ثلاثة أيام، وأقل من أربعة أيام غير يوم الدخول والخروج، فكانت العبارة الأولى- لأجل ذلك- أولى، لكن لهم أن يقولوا: الليلة الزائدة هي ليلة يوم الخروج، وهو غير محسوب؛ فكذا ليلته، كما أن الثلاثة الأيام محسوبة بلياليها، ولولا أن ليلة القدوم فاتت، لأمكن أن نقول بعدم حسابها- أيضاً- تبعاً له.
وقد تمسك القائلون بالعبارة الثانية في الاستدلال على لزوم الإتمام عند نية المقام أربعة أيام غير يوم الدخول والخروج، وعلى جواز القصر عند نية المقام ثلاثة أيام- بأن الأربعة مدة الإقامة، والثلاثة مدة المسافر، يدل عليه قوله- عليه السلام-: "يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً" متفق عليه.
وكان هذا في عمرة القضاء، وإذا ذاك كان لا يحل للمهاجر المقام بمكة، ومن أقام بها بطل ثواب هجرته، فلما بين لهم جواز الإقامة ثلاثاً، دل على أنها ليست إقامة محققة، وإنما هي من حكم السفر، وأن ما زاد عليها مدة الإقامة، وكذا لما أجلى عمر أهل الذمة عن الحجاز، جعل لمن قدم منهم تاجراً مقام ثلاثة أيام"؛ فدلت السنة والأثر على أن ما زاد على الثلاث في حد الإقامة، والزيادة على الأيام من نوعها إنما تتحقق بالرابع بكماله لأن يوم الدخول ويوم الخروج

غير محسوبين؛ لأن في احتسابهما تكليف ما لا يطاق؛ فإن أكثر الناس لا يعرفون الساعات، ولا يقدرون على تلفيقها، فلو كلفوا بذلك لخرجت الرخصة عن وضعها؛ فحسبت الأيام الكوامل، وهذا كما جوزنا في رمضان النية قبل الفجر؛ [لأن في تكليف الناس أن ينووا مع طلوع الفجر] أعظم المشقة، ولأن العادة أن المسافر لا يدوم على السير في جميع نهاره؛ فلذلك لم يعد يوم دخوله يوم إقامة، وعد يوم خروجه يوم سفر.
قالوا: ولأنا أجمعنا على أن المدة القليلة لا تقطع حكم السفر، والمدة الكثيرة تقطعه، فبنا حاجة إلى فاصل بين المدة القليلة والمدة الكثيرة، وليس ذلك إلا الثلاثة الأيام؛ لأنها آخر حد القلة، وأول حد الكثرة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ* فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 64، 65] ولأن من أقام أربعة أيام لا يجوز له الجمع بين الصلاتين بوفاق الخصم- وهو أبو حنيفة- فنقول: من لا يجوز له الجمع، لا يجوز له القصر؛ كما لو نوى إقامة عشرين يوماً.
فإن قيل: قد روي عن أنس بن مالك قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة، فقلنا: هل أقمتم بها شيئاً؟ قال: [أقمنا] عشراً" أخرجه البخاري ومسلم.
وهذا يدل على أنه بنية إقامة أربعة أيام لا يصير مقيماً.
قلنا: لاشك في أن هذه القصة كانت في حجة الوداع، وهي محمولة على أنه أقام العشرة متفرقة: في مكة ثلاثة، ومنى يوماً وليلة، وبعرفة يوماً، وبمزدلفة يوماً، وبمنى باقيها، وقد ادعى الإمام أن جابراً ذكر ذلك، ويؤيده "أنه- عليه السلام- دخل مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة- كما تقدم- وبات في المحصب ليلة

الأربعاء، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة- رضي الله عنها- ثم طاف- عليه السلام- طواف الوداع سحراً قبل صلاة الصبح يوم الأربعاء، وخرج صبيحته، وهو الرابع عشر".
وما ذكره الشيخ من عدم اعتبار يوم الدخول والخروج في المدة هو ما ذكره العراقيون، والأصح عند المراوزة- كما حكاه في "الكافي" وغيره- وحكى القاضي الحسين وجهاً آخر: أنهما يحسبان من المدة، كما يحسب في مدة المسح يوم الحدث، ويوم نزع الخف.
قال: ومن قال به، أجاب عن الحديث بأنه يحتمل أن يكون- عليه السلام- دخل مكة بعد الزوال، وخرج قبله على عادة الحجيج، فعلى هذا إذا كان دخوله يوم الجمعة عند الزوال، ونوى أن يقيم السبت والأحد والاثنين، ويخرج قبل الزوال من يوم الثلاثاء- جاز له القصر، قال في "التتمة": ولا يختلف المذهب فيه.
وإن نوى أن يخرج يوم الثلاثاء بعد الزوال، لزمه الإتمام من حين قدومه؛ لأنه [قد] نوى مقام أربعة أيام.
[و] كذا ما ذكره من أنه إذا نوى مقام أربعة أيام، غير يوم الدخول ويوم الخروج يلزمه الإتمام- هو الذي عليه الجمهور.
وذهب المزني إلى أن له [أن يقصر ما لم] ينو مقام خمسة عشر يوماً، غير يوم الدخول والخروج، كما صار إليه أبو حنيفة.
واختار ابن المنذر من أصحابنا ما صار إليه أحمد، وهو أنه إذا نوى مقام مدة يفعل فيها أكثر من عشرين صلاة أتم، وقال ابن الصباغ: إنه قريب من مذهب الشافعي.
واعلم: أن بعض الشارحين قد اعترض على الشيخ، فقال: كلامه يفهم أنه يشترط إقامة أربعة أيام في لزوم الإتمام، وليس كذلك، بل [لو] نوى الإقامة ثلاثة أيام ولحظة، صار مقيماً.
وهذه عبارة الإمام؛ فإنه قال: "إذا انتهى المسافر إلى بلدة أو قرية، دون مقصده، ولم يكن له بها حاجة يرتقب نجازها: فإن أقام ثلاثة أيام بلياليها فهو مسافر، وإن انبرم عزمه على مقام أربعة أيام أو على مقام

ثلاثة أيام ولحظة، ولم يكن له حاجة يرتقبها، فهو مقيم، وانقطعت عنه الرخص المشروطة بالسفر وفاقاً"، وهذا فيه نظر؛ لأنه حكى عن شيخه، وعن الصيدلاني أنه لا يحسب من الثلاث التي لا نجعله بنية مقامها مقيماً يوم الدخول والخروج، ولم يحك سواه، وحينئذ فإن كان مراده أن ليلة يوم الخروج [غير محسوبة عليه؛ تبعاً ليوم الخروج، استحال أن يوجد مقام ثلاثة أيام وشيء، وهو دون أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج، وإن لم يرد جعل ليلة يوم الخروج] تابعة له، كان مقتضى قوله أن من دخل يوم الأحد، وعزم على الخروج يوم الخميس- يلزمه الإتمام؛ لأن مدة مقامه قد زادت على ثلاثة أيام بليلة بعد إخراج يوم الدخول ويوم الخروج، وذلك عين المدة التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهو يقصر فيها.
فإن قلت: لعله أراد باللحظة من بياض النهار، لا من الليل؛ ولذلك أبهمها في موضع آخر، فقال: "إذا نوى مقام ثلاثة أيام وزيادة لزمه الإتمام".
قلت: هذا مع جزمه بأنه لا يحسب عليه يوم الدخول ويوم الخروج- غير متصور.
نعم: ذاك يتصور إذا قلنا بحسابهما عليه؛ كما تقدم حكايته وجهاً، وهو لم يذكره، والذي وقفت عليه من كلام القاضي الحسين وغيره، تفريعاً على أن يوم الدخول ويوم الخروج لا يحسبان من المدة: ما ذكرناه عن العراقيين من قبل، وهو ما جرى عليه الأكثرون؛ كما قاله الرافعي.
ثم قال الإمام: إنه لو كان الدخول ليلاً، فهو المستثنى فقط، ولا نقولك يسقط عنه في الحساب يومه من الغد، بل هو من الأيام الثلاثة، ومقامه في هذه الحالة- على ما حكيناه عن الجمهور- أقل من مقامه فيما إذا دخل نهاراً؛ إذ مدة مقامه فيها ثلاثة أيام وثلاث ليال، ومبتدأ يوم الخروج وأواخر ليلة القدوم، ولا يجيء في هذه الحالة اختلاف نقل الإمام وغيره، ولو وقع دخوله قبل الغروب، بحيث لم يتكامل فراغه من الحطّ والشيل إلا [في الليل]، فالذي يقتضيه كلام الجمهور: أنه كما لو قدم في النهار، وانقضى جميع شغله فيه، وقال الإمام: الذي

أراه أن بقية النهار مع بقية الليل كله غير محسوب عليه؛ نظراً للشغل، ووقوعه في الليل.
قلت: وهذا قاله بناءً على ما اقتضاه كلامه السابق: أنه إذا دخل يوم الأحد، ونوى الخروج يوم الخميس: أنه يلزمه الإتمام؛ لأجل زيادة ليلة يوم الخروج؛ فإنه إذا لم يحسب الليلة التي تم قضاء شغله من الحط فيها [لم تحصل الزيادة على ثلاثة أيام وثلاث ليال؛ فيجوز له القصر فيها].
ثم إذا جرينا على ذلك، لاح في المسألة بحث له التفات على أن العاكف بمنى إذا تشاغل بالترحال والشد حتى غربت الشمس في اليوم الثاني من أيام التشريق، هل يلزمه أن يقيم أو لا؟ فليطلب منه.
تنبيه: سكوت الشيخ عن بيان المكان الذي تؤثر نية المقام فيه في القصر وعدمه، يؤذن بأمرين: أحدهما: أنه لا فرق عنده فيه بين أن يكون ذلك الموضع محل قصده أو غيره؛ كما إذا نوى ذلك في طريقه إلى محل قصده، ولاشك في ذلك إذا كان المكان في طريقه إلى محل قصده، وأما إذا كان المكان هو محل قصده ابتداء، فالذي جزم به الماوردي: أنه لا يتوقف لزوم الإتمام على نية المقام أربعة أيام، بل بمجرد وصوله إليه يلزمه الإتمام، وإن نوى مقام ثلاثة أيام فما دونها، وادعى أنه لا خلاف بين الفقهاء في ذلك.
وهذه طريقة أبي حامد، كما حكاها الطبري في "عدته" عنه، وعليه يدل قول البندنيجي: إن من خرج من بلده مسافراً، وبين يديه بلد قبل البلد الذي يقصده، فنوى أن يقيم في الأول أربعاً، ثم يسير إلى الثاني، أو لم ينو أربعاً، لكنه قال: أسافر إلى الأول، ثم منه إلى الثاني- فإن كان بينه وبين الأول مسافة القصر، قصر، وإذا انتهى إليه، انقطع قصره.
وهذا يدل على أن الوصول إلى المقصد وإن لم يكن وطناً قاطع للترخص، والذي حكاه الإمام عن الصيدلاني، وصاحب "العدة" عن القفال: أنه إذا كان عزمه على المقام به مقام المسافرين، ثم يعود إلى موضع خروجه، أو إلى موضع هو منه على مسافة القصر: أن له أن

يقصر في المقصد، وعليه يدل نص الشافعي في مواضع: الأول: ما حكاه الإمام إذا خرج المكي إلى "جدة" ليعود منها، ويخرج من "مكة" إلى سفر بعيد- فلا شك أنه يقصر ذاهباً إلى "جدة" وراجعاً منها؛ لأنها على مسافة مرحلتين من "مكة"، ثم يقصر بـ "جدة" أيضاً إذا كان مقامه بها مقام المسافرين.
قال الإمام: وأما "مكة" في عودة من "جدة" هل يقصر فيها، أم لا؟ على قولين، وهذان القولان هما القولان اللذان أشرت إليهما من قبل.
الثاني: ما نص عليه في كتاب استقبال القبلة، كما حكاه أبو الطيب فيما إذا خرج مسافراً إلى بلد بينه وبينه ستة عشر فرسخاً، ونوى أنه إذا وصل إليه أقام فيه يوماً واحداً، فإن لقي فلاناً- يعني رجلاً بعينه- أقام أربعة أيام، وإن لم يلقه رجع، فله القصر من حين يخرج [من بلده] إلى أن يصل إلى البلد الذي نواه، فإذا وصل إليه: فإن لم يلق فلاناً فإنه يقصر إلى أن يرجع، وإن لقيه فإنه يتم من حين يلقاه؛ لأنه نوى الإقامة إن رآه، وقد رآه؛ فقد صار مقيماً، والبندنيجي والماوردي صوراً هذه المسألة بما إذا خرج إلى بلد، فدخل إلى بلد في طريقه، وقال: إن لقيت فلاناً أقمت أربعاً.
الثالث: ما حكاه البندنيجي فيما إذا كان من مكة على مسافة القصر، فخرج حاجّاً- كان له القصر حتىي دخلها، فإذا دخل "مكة" نظرت: فإن نوى مقام أربعة أيام، أتم، فإذا خرج إلى عرفة يريد قضاء نسكه [نظرت: فإن نوى مقام أربعة إذا رجع أتم بعرفة ومنى، وإن نوى قضاء نسكه] والانصراف، ولم ينو مقاماً، أو نوى مقام أقل من أربعة- قصر بعرفة ومنى.
قلت: فهذه المسائل الثلاث تدل على أن الوصول إلى المقصد إذا لم ينو المقام [به] أربعة أيام، غير يوم الدخول والخروج- لا يقطع الترخص.
وإذا جمعت بين النقلين، جاء في المسألة خلاف، وقد حكاه في "التهذيب" قولين، وادعى أن المذهب منهما: أن له القصر في مقصده، كما في الانصراف، وادعى الرافعي: أنه أصح، وأن غير البغوي ذكره.

وفي "التتمة" الجزم بمقابله.
نعم: حكى الخلاف فيما إذا لم ينو المقام بها ولا الرجوع، فهل يكون نفس الحصول فيها قاطعاً للترخص أم لا؟ واستشكل الإمام جواز قصره في البلد، من حيث إن سفره ينقطع على منتهى المقصد، وهو في إيابه في حكم من يبتدئ [سفراً]، وليس الإياب متصلاً بالذهاب في الحساب؛ فإنه لو كان مجموع مسافة ذهابه وإيابه مرحلتين، لا يقصر عندنا، وقضيته: ألا يقصر في مقصده أصلاً وإن طال السفر.
قال: والذي ذكرته أبدى إشكالاً، وليس عندي فيه نقل أعتمده، إلا ما ذكره الشيخ أبو بكر.
الثاني: أنه لا فرق فيه بين أن يكون صالحاً للإقامة أو لا، كما إذا نوى المقام بمفازة لا ماء فيها ولا كلأ، وهو مجزوم به في الحالة الأولى، والصحيح في الثانية، ووراءه وجه آخر: أنها لا تقطع حكم السفر، ومنهم من يثبت الخلاف في المسألة قولين.
قال الفوراني: وهو مبني على ما إذا نوى الإقامة في الحرب، عند مواجهة العدو، هل يجب عليه الإتمام أم لا؟ وفيه قولان يأتيان.
وقال القاضي الحسين والبغوي: إنه مبني على قولين، حكاهما الإمام- أيضاً- فيما إذا دخل بلداً مجتازاً، وله به أهل وولد: هل يجعل مقيماً فيه أم لا؟ أحدهما: لا يصير مقيماً؛ لعدم نية الإقامة، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب، والبندنيجي وابن الصباغ فيما إذا كان له فيه زوجة ومال وقماش، وقال الإمام: لعله أقيس.
فعلى هذا: يصير مقيماً بنية الإقامة في المفازة.
والثاني من القولين: أنه يصير مقيماً [لصلاح المكان لإقامة مثله فيه؛ فإن الغالب أنه يقيم ببلد أهله وولده؛ فعلى هذا لا يصير مقيماً] بالمفازة إذا نوى المقام بها؛ لأن المكان غير صالح لإقامة مثله، وهذا ما صححه الغزالي.
والوجهان جاريان فيما لو نوى المقام في سفر البحر، كما حكاه في "الزوائد" والقاضي الحسين في باب استقبال القبلة.

قال: وإن أقام في بلد لقضاء حاجة، أي: ولا يعلم أنها تمتد إلى أربعة أيام، وقد تمتد، ولم ينو الإقامة- قصر إلى ثمانية عشر يوماً في أحد القولين، ويقصر أبداً في القول الآخر.
اعلم: أن الحاجة تارة تكون لأجل القتال، مثل: أن يكون مقيماً على حرب، أو مستعدّاً للحرب، أو خائفاً من الحرب، وتارة تكون لأجل غيره، مثل: بيع شيء، أو شرائه، أو استخراج مال، أو اجتماع بشخص، ونحو ذلك، ولا خلاف بين الأصحاب في إجراء القولين في القسم الأول.
قال الماوردي: وعليهما نص في "الإملاء"، وعزاهما البندنيجي إلى نصه في "الأم": أحدهما: يقصر إلى ثمانية عشر يوماً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في حرب هوازن ثمانية عشر يوماً يقصر الصلاة ينتظر انجلاء الحرب ولنا فيه أسوة حسنة.
وقد ادعى الإمام أن هذا كان بعد الفتح بـ "مكة"؛ لتدبير المسير إلى "هوازن"، ووافقه الروياني عليه، وعلى هذا: إذا جاوز الثمانية عشر، أتم؛ لما ذكرناه من التقرير عند نية إقامة أربعة أيام، وقد روي عن ابن عباس أنه- عليه السلام- أقام بهوازن ثمانية عشر يوماً يقصر الصلاة؛ فمن أقام ذلك قصر، ومن زاد عليه أتم.
وروي أنه قال: "نقصر الصلاة ما بيننا، وبين تسعة عشر يوماً، فإذا جاوزنا ذلك أتممنا".
فإن قيل: قد روى جابر بن عبد الله: "أنه- عليه السلام- أقام بـ "تبوك" عشرين يوماً يقصر الصلاة"، رواه أحمد في "مسنده".
وروى عمران بن حصين:

"أنه- عليه السلام- أقام سبعة عشر يوماً يقصر الصلاة"، وروى البخاري: "أنه- عليه السلام- أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين"، و [قضية ما ذكرتم] من التقرير أن يجوز له القصر في ذلك.
قلنا: قد قال [به] بعض المراوزة، وأثبت في هذه المسألة على هذا القول أقوالاً: أحدها: أنه يقصر عشرين يوماً.
والثاني: تسعة عشر.
والثالث: ثمانية عشر.
والرابع: سبعة عشر.
لكن الصحيح في "الإبانة" ولم يحك العراقيون غيره: أنها ثمانية عشر، وقد ادعى في "التهذيب" أنها رواية عمران بن حصين، وأن الشافعي اختارها؛ لأنها [لم تختلف]، والرواية عن ابن عباس [قد] اختلفت، وحديث جابر محمول على أنه [أدخل] في العدد يوم الدخول ويوم الخروج، ونحن لا ندخلهما فيه.
والقول الثاني: يقصر أبداً؛ لأنا عرفنا أنه- عليه السلام- كان يقصر منتظراً للفتح، فاتفق المقام في هذه المدة، والظاهر: أنه لو تمادى الفتح، لكان يتمادى على سجيته.
قال الإمام: وهذا يقرب من القطعيات في مأخذ الكلام على الوقائع،

[وبمثله] أثبتنا استرسال الأقيسة، ووجوه النظر في الوقائع من غير نهاية؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاسوا في [...] روي أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، ويقول: أخرج اليوم وأخرج غداً.
وأقام أنس بن مالك بنيسابور سنة أو سنتين يقصر الصلاة، وأقام علقمة بـ "خوارزم" سنتين يقصر الصلاة، وكذلك عبد الرحمن بن سمرة أقام بـ "كابل" سنتين يقصر الصلاة؛ فدل ذلك من فعلهم مع عدم الإنكار على أنه إجماع، ولأنه عازم على الرحيل، غير ناو المقام؛ فجاز له القصر كما في الثمانية عشر.
والصحيح الأول، قال القاضي أبو الطيب: وهو مختار الشافعي، وعليه أكثر الأصحاب، كما قاله ابن الصباغ.
والجواب عن فعل الصحابة: أنا نحمله على أنهم كانوا ينتقلون من بلد إلى بلد، كما روى أنس "أنه- عليه السلام- أقام بـ "مكة" عشرة أيام [يقصر] الصلاة" و [معلوم] أنه فرقها، كما ذكرنا، على أنه معارض بقول ابن عباس.
وعن القياس: أن الثمانية عشر مخصوص بها التخفيف؛ فلا يجوز أن يقاس عليها غيرها، كما لا يجوز أن يقاس على الأيام الثلاثة في المسح غيرها من المدة.
وأما القسم الثاني، وهي: الحاجة التي لا تعلق لها بالقتال، فللأصحاب فيها طريقان، حكاهما العراقيون: أحدهما: إجراء القولين فيها، وعلى هذه الطريقة ينطبق ما حكاه الشيخ هنا،

وقد حكى القول الأول منهما في هذا القسم البندنيجي عن نصه في "الإملاء" وأشار إليه في "الأم" أيضاً في كتاب استقبال القبلة، بقوله: "فإن زاد على أربع، أحببت أن يتم، فإن قصر أعاد" يعني: استحباباً؛ لأنه جعل الإتمام مستحباً.
والقول الثاني فيه أخذ من قوله في "الأم" بعد ذلك: ولو قيل: الحرب وغير الحرب سواء في هذا، كان مذهباً.
والطريقة الثانية- قالها أبو إسحاق المروزي وغيره-: أن في المسألة قولاً ثالثاً: أنه يقصر أربعة أيام، فإذا زاد عليها، أتم.
قال في "المهذب": لأن الإقامة لا يلحقها الفسخ، والنية يلحقها الفسخ، ولو نوى مقام أربعة أيام- لم يقصر، فلألا يقصر إذا أقام أولى، والفرق بينه وبين من حاجته قتال من وجهين: أحدهما: أن الحرب تؤثر في الصلاة تخفيفات ورخصاً، ستأتي مشروحة في باب: صلاة الخوف، كصلاة ذات الرقاع، وصلاة عسفان، وصلاة شدة الخوف، ولا كذلك غيرها من الحاجات.
والثاني: أن القتال ينتهي إلى مبلغ لا يجوز الانكفاف عنه فيسقط فيه [أثر] قصد الإقامة؛ فإن الشرع جازم أمره بالإقامة، وسائر الحاجات قد لا تكون كذلك.
وهذا القول ادعى القاضي الحسين أنه نص عليه في "الإملاء"؛ لأنه نص عليه في حاجة القتال، ثم قال: "والحرب وغيره سواء، ولو قال به قائل كان مذهباً"، وادعى الماوردي: أنه من تخريج المزني، وقال غيره: إن أبا إسحاق أخذه من قول المزني في "المختصر" حكاية عن الشافعي: فإن زاد على أربع أتم، وإن قصر أعاد.
قال البندنيجي- تبعاً لشيخه الشيخ أبي حامد-: وليس بشيء، والمزني ترك قول الشافعي: "أحببت"، وهو الدال على أن الإعادة على وجه الاستحباب كما تقدم.
وادعى ابن الصباغ أن ما نقله المزني صحيح؛ لأنه وجد في كتاب استقبال القبلة من "الأم" بعد هذا الموضع بأسطر: "وإن كان محارباً أو خائفاً، مقيماً في

موضع سفره- قصر ثمانية عشر يوماً، فإذا جاوزها أتم [وإذا كان غير خائف قصر أربعاً، فإذا جاوزها أتم"]، وهذا مثل ما نقله المزني، قال: ويحتمل أن يكون قوله: أحببت، خطأ القلم؛ لأنه في الموضع الذي يستحب فيه القصر لا يؤمر بالإعادة إذا أتم، ولأنه إذا لم يجب الإتمام، ينبغي أن يكون حكمه حكم المسافر، والمسافر لا يستحب له عنده الإتمام في هذا الباب.
وهذا من ابن الصباغ يقتضي ترجيح طريقة أبي إسحاق الحاكية لثلاثة أقوال في الحاجة إذا لم تكن قتالاً.
وقد حكى عن القاضي أبي حامد المروروذي أنه قال في "جامعة": إنها أظهر.
وحكى الإمام- عوضاً عن القول الثالث منها- أنه يقصر ثلاثة أيام، وبعد الثلاثة يتم، وكذا حكاه الفوراني أيضاً، وصحح القول بأن فيها ثلاثة أقوال: هذا أحدها.
والثاني: يقصر ثمانية عشر يوماً.
والثالث: يقصر أبداً.
وعبارته في "المهذب" في حكاية القول الثاني، الذي هو أول في الكتاب: أنه سبعة عشر يوماً، وعبارة الماوردي في حكايته: أنه يقصر سبعة عشر يوماً، أو ثمانية عشر يوماً، [وهذا التردد منه ليس للتخيير؛ بل لبيان أن للشافعي في هذا القول قولين في أنه هل يقصر سبعة عشر يوماً،] أو ثمانية عشر يوماً؛ لاختلاف الرواية، وأخذ الشافعي بهما؛ لتقاربهما، وقد تقدم نسبة ذلك لبعض الأصحاب من المراوزة في حاجة القتال.
قال الماوردي: والأقوال تجري فيما إذا كان سائراً في البحر، فمنعه الريح من السير، وأقام ينتظر سكونه أياماً، وأنه لا يختلف الحكم على الأول بين ألا يستقيم الريح إلى أربعة أيام، أو يستقيم له الريح، فتسير السفينة عن مكانها، ثم رجعت الريح، فردته إلى موضعه الأول؛ [فإنه يقصر] تمام الأربع، ويأتي فيما بعدها الأقوال.
وقد حكى القاضي الحسين أن من الأصحاب من أرجى القول بوجوب الإتمام بعد الأربع [في حاجة القتال أيضاً، لأجل قول الشافعي: "الحرب وغيره

سواء"، فجعل في الجميع الأقوال، وأن من الأصحاب من خص الأقوال بالمحارب، وقطع في غيره بوجوب الإتمام بعد الأربع،] وأن منهم من قال: الأقوال في المحارب، وفي غيره قولان: أحدهما: يتم بعد الأربع.
والثاني: يتم بعد الثمانية عشر.
وإذا جمعت بين المسألتين، وما قيل فيهما في الطريقين، وركبت بعض الوجوه مع بعض، واختصرت- قلت: في ذلك ثمانية عشر قولاً ووجهاً: أحدها: يقصر ثلاثة أيام، وبعدها يتم.
والثاني: يقصر أربعة أيام، وبعدها يتم.
والثالث: يقصر سبعة عشر يوماً، وبعدها يتم.
والرابع: يقصر ثمانية عشر يوماً، وبعدها يتم.
والخامس: يقصر تسعة عشر يوماً، وبعدها يتم.
والسادس: يقصر عشرين يوماً، وبعدها يتم.
والسابع: يقصر أبداً.
والثامن: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر سبعة عشر يوماً].
والتاسع: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر ثمانية عشر يوماً.
والعاشر: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر تسعة عشر يوماً.
والحادي عشر: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر عشرين يوماً.
[والثاني عشر: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر أبداً].
والثالث عشر، والرابع عشر: والخامس عشر، والسادس عشر، [والسابع

عشر]: من حاجته غير قتال يقصر أربعة أيام، ومن حاجته قتال يقصر سبعة عشر يوماً، أو ثمانية عشر يوماً، أو تسعة عشر يوماً، أو عشرين يوماً، أو أبداً.
والثامن عشر: يقصر من حاجته غير قتال ثمانية عشر يوماً، ومن حاجته قتال يقصر أبداً، والله أعلم.
أما إذا كان الحاجة يعلم أنها لا تنقضي إلا بعد أربعة أيام: كالمتفقّه، ومن له تجارة كبيرة- فإنه لا يقصر إذا جاوزها، ومن طريق الأولى إذا نوى مقام أربعة أيام، وهذا في الحاجة التي لا تتعلق بالقتال، وكلام الشيخ يفهم أن حاجة القتال كغيرها، وقد صرح الأصحاب بأنه إذا نوى- والحاجة بسبب القتال- مقام أربعة أيام أو أكثر، فهل تصح نيته، ويجب عليه الإتمام، ولا تصح نيته، ويكون حكمه كما لو لم ينو؟ فيه قولان في القديم، وهما محكيان في "الحاوي" و"تعليق" أبي الطيب وغيرهما، والمنصوص منهما في الجديد "والأم"، والأصح- عند القاضي- الأول؛ لقوله- عليه السلام-: "وإنما لكلّ امرئ ما نوى"، ووجه مقابله: أنه ربما هرب بغير اختياره؛ فلا يصح عزمه على الإقامة.
ولأن أعذار الحرب تخالف ما سواها، وهذا ما اختاره المزني.
وقد حكى الإمام القولين هكذا فيما لو نوى المحارب إقامة ثمانية عشر يوماً؛ تفريعاً على قولنا: إنه لو أقام ثمانية عشر يوماً فيه، كان له أن يقصر، وحكاهما أيضاً في التاجر، إذا قلنا: إنه كالمحارب في جواز القصر ثمانية عشر يوماً.
ووجّه القصر بأن هذه المدة في حق هؤلاء كثلاثة أيام في حق مسافر لا شغل له، ثم

لو نوى المسافر ثلاثة أيام كان له القصر فيها؛ فكذا هؤلاء.
وحكى القولين- أيضاً- فيما لو علم المحتاج أن شغله لا يتنجز إلا في ثمانية عشر يوماً، وقد فرعنا على أنه يقصر فيها إذا كان على تردد من نجاز حاجته فيها.
قال: وقياس ذلك على ما ذكرناه بيّن، وإذا قلنا: يقصر ثمانية عشر يوماً، ففيما زاد عليها الخلاف السابق؛ قاله الرافعي، والذي أورده العراقيون والجمهور: الأول.
ولو أقام غير محارب، ولا مشغول بغيره، ولا نية له في إقامة ولا رحيل- فهذا يقصر تماماً أربع، ثم عليه أن يتم فيما زاد قولاً واحداً، وقياس قول الإمام السالف: أنه يقصر ثلاثة أيام، وبعدها يتم.
ثم لا يخفى أن ما ذكره الماوردي مصور بما إذا لم يكن البلد الذي أقام فيه مقصده، أما إذا كان مقصده، فقد حكينا عنه أنه بوصوله إليه تنقطع عنه رخص السفر، ويشبه أن يكون العبد إذا أقام مع سيده في بلد في طريقه هذه المدة، وكذا الزوجة إذا أقامت إذا أقامت مع زوجها فيه هذه المدة، وقد جوزنا لهما القصر- ألا يقصرا بعد الأربع؛ لأن مقامهما خال عن قصد، ولا يضرهما قصد السيد والزوج الإقامة أكثر من ذلك؛ كما لا يفيدهما معرفتهما مسافة السفر في جواز القصر إذا لم يعرفاها، قاله القاضي الحسين.
ولو نوى العبد أو الزوجة الإقامة أربعة أيام، ففي لزوم الإتمام له وجهان في "التهذيب" و"الزوائد" و"تلخيص الروياني"، وجه المنع: أنه لا يستقل بنفسه؛ فنيته كالعدم، وألحق البغوي والروياني بهما الجيش إذا نوى المقام دون الأمير، وفيه نظر؛ لما تقدم من الفرق بينهما عند الكلام في ربط السفر بمقصد معلوم.
قال: وإن فاتته صلاة في الحضر، فقضاها في السفر، أتم؛ لأنه تعين عليه فعلها أربعاً فلم يجز له النقصان عنها، كما لو [لم يسافر]، وقد ادعى ابن المنذر والإمام أحمد الإجماع على ذلك، وقال المزني: له القصر؛ لأن الاعتبار في العبادات بوقت الأداء دون وقت الوجوب.
أصله: إذا وجبت عليه الصلاة، وقدر على أدائها قائماً، فأخرها حتى عجز عن

القيام- قضاها قاعداً، وكذا عكسه، وقد حكاه الماوردي عن بعض الأصحاب، وغلطه فيه، ولم أره لغيره، بل جزموا بالمنع، وفرقوا بين ذلك وبين المرض بأن المرض ليس إليه، وكذا إزالته، وهو معرض أن تخترمه المنية في كل ساعة، فلو كلفناه التأخير حتى يزول المرض، ويقدر على القيام ربما مات؛ فتبقى ذمته مرتهنة بالصلاة، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن إتمام الصلاة في مقدوره، والسفر إليه، وبعضهم فرق بأن القصر رخصة، وليس كذلك الصلاة قاعداً، ومن ثم قلنا: لو افتتح الصلاة قائماً، ثم عجز عن القيام- جلس، ولو افتتح الصلاة في الحضر، ثم سافر- أتم.
فإن قيل: لو أفطر في رمضان في الحضر، ثم سافر، وشرع في القضاء- كان له الفطر فيه؛ كما كان له في الأداء الفطر إذا وقع في السفر، فهلا كان ها هنا مثله؟! قلنا: إن كان فطره في الحضر بغير عذر، فلأصحابنا فيه وجهان: أصحهما- كما قاله البندنيجي وغيره-: أنه ليس له الفطر، وعلى هذا فلا فرق بينهما.
والثاني: له الفطر؛ كما لو كان الفطر في الحضر بعذر.
وعلى هذا: فالفرق ما سبق: أن القصر غير مضمون بالقضاء، بخلاف الصوم، ثم الفوات الموجب لفعل الصلاة تماماً في السفر، يحصل بخروج كل الوقت وهو مقيم، ثم يسافر، وهل يحصل بخروج أكثره بحيث لم يبق منه ما يسع كل الصلاة؟ فيه خلاف ينبني على أن من فعل بعض الصلاة في الوقت، وباقيها خارج الوقت هل توصف كلها بالأداء أو بالقضاء، أو ما وقع منها في الوقت أداء، وما وقع خارجه قضاء؟ فيه خلاف مر، والصحيح- كما قاله البندنيجي هنا، وغيره-: الأول، فإن قلنا به لم يتحقق الفوات، وجاز له القصر إذا سافر وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة، وعليه نص الشافعي، كما قال القاضي الحسين، وإن قلنا بما عدا الأول، فقد تحقق الفوات، ولزمه الإتمام، ومحل ذلك- بالاتفاق- إذا كان المدرك في الوقت ركعة تامة، أما إذا كان دونها فقد ادعى المتولي أنه لا خلاف في أن الكل قضاء، وقضيته: أن يلزمه الإتمام قولاً واحداً،

وهو ما جزم به الروياني في "تلخيصه" تبعاً للفوراني والمتولي، لكن القاضي أبو الطيب حكى [عن] الداركي أنه قال: الخلاف المذكور فيما إذا [بقي] من الوقت ركعة، جار فيما لو أدرك في الوقت تكبيرة الإحرام فقط.
وهذا يقتضي المنازعة فيما ذكره المتولي من اختصاص الخلاف بما إذا كان المدرك في الوقت ركعة، وعليه تنطبق عبارة البندنيجي؛ حيث قال: المذهب أنه إذا أدرك من الصلاة في الوقت شيئاً، وفعل باقيها خارج الوقت يكون الكل أداء.
وقال الإمام: إنه إذا أدرك في الوقت تكبيرة، ترتب على ما إذا أدرك في الوقت ركعة، وها هنا أولى بالإتمام؛ لأن الركعة يدرك بها المسبوق الجمعة، دون التكبيرة؛ فكذا يكون بها مدركاً للقصر دون التكبيرة.
ثم هذا كله تفريع على أنه إذا سافر، وقد بقي من الوقت ما يسع أربع ركعات: أنه لا يلزمه الإتمام، كما حكاه في "الإبانة" عن النص، وهو اختيار أبي إسحاق، أما إذا قلنا: يلزمه في هذه الصورة الإتمام، كما حكاه أبو الطيب، عن رواية الداركي، عن أبي الطيب بن سلمة؛ لأنه سافر وقد تعينت عليه الصلاة، فكان كفعلها ففيما إذا سافر وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة أو دونها أولى.
ثم الخلاف في هذه الصورة مفرع على النص في أنه إذا مضى عليه- وهو مقيم- من وقت الصلاة ما يسعها، ثم سافر: أن له القصر.
قال الماوردي: وهو الذي ذكره الشافعي في عامة كتبه، وعليه عامة أصحابنا.
وقال المزني: قياس الشافعي فيما إذا أدركت المرأة من الوقت [قدر] ما تؤدي فيه الفرض، ثم حاضت أو جنت: أنه يجب عليها القضاء- أنه يلزم من سافر وقد مضى عليه من الوقت قدر ما يؤدي فيه الفرض أنه يلزمه الإتمام؛ لأن الحيض والجنون يسقط فرض الصلاة رأساً؛ كما أن السفر يسقط ركعتين، فإذا كنا لا نسقط عنها الأربع كذلك لا تسقط الركعتان.
فمن الأصحاب- وهم القياسون، كما قال الإمام- من صوب المزني في التخريج؛ لضيق الفرق، وجعل في المسألتين قولين بالنقل والتخريج.
قال الإمام: ومأخذهما أن من أخر صلاة الظهر عن أول الوقت إلى وسطه، ثم مات، فهل يلقى الله عاصياً أم لا؟ وفيه خلاف، والأصح: لا، بخلاف من أخر الحج؛ فإن

الصحيح أنه يعصى؛ فإنه لو لم يعص لما انتهى الحج إلى حقيقة الوجود، فإن خاصة الوجوب ما يعصي بتركه، والصلاة المؤقتة إفضاء الأمر فيها إلى المعصية، بأن يبقى المكلف حتى ينقضي الوقت عليه، وهو غير معذور.
وقد حكى في "التتمة" القولين منصوصين، وعزى الثاني إلى نصه في القديم، والجمهور على ما نص عليه في الجديد، وفرقوا بين ما نحن فيه وبين ما إذا حاضت المرأة أو جنت بأنا لو لم نوجب على الحائض والمجنونة القضاء لخرج أول الوقت عن أن يكون وقتاً لوجوب الصلاة، والصلاة- عندنا- تجب بأول الوقت، وليس كذلك إذا قلنا: لا يجب على المسافر الإتمام؛ فإنه لا يؤدي إلى أن نكون قد أخرجنا أول الوقت عن أن يكون الوجوب متعلقاً به؛ لأنا قد أوجبنا به الصلاة المقصورة.
وفرق بعضهم بأن ما تدركه الحائض والمجنونة بالإضافة إلى الإمكان كأنه كل الوقت؛ إذ لا تقدر على الفعل بعد الحيض والجنون، بخلاف المسافر.
ويرجع حاصل ما ذكرناه إلى ثلاثة أوجه، وقد حكاهما القاضي أبو الطيب: أحدها: لا يلزم الحائض والمجنونة الصلاة، ولا [يلزم] المسافر الإتمام.
[والثاني: يلزمهم ذلك، وهي طريقة ابن سريج.
والثالث: يلزم الحائض والمجنونة الصلاة، ولا يلزم المسافر الإتمام،] وهي الطريقة الصحيحة.
قال الأصحاب: وإذا قلنا بأنه إذا سافر وقد بقي من الوقت ما يسع [أربع ركعات: أنه لا يلزمه الإتمام، وإذا سافر وقد بقي من الوقت] ما يسع ركعة أنه يلزمه الإتمام- فلو سافر، وقد بقي من الوقت ما يسع ركعتين، والسفر مما تقصر فيه الصلاة: فهل له القصر؛ لأنه قد بقي من الوقت قدر صلاة مقصورة، أو يلزمه الإتمام؛ لأنه كان يجب عليه أن يحرم بها في السفر؟ فيه خلاف، المنسوب منه إلى أبي علي بن أبي هريرة الأول، والصحيح في "تلخيص الروياني" الثاني.
ولا خلاف في أنه إذا سافر قبل أن يمضي من الوقت ما يمكن إيقاع جملة [الصلاة] فيه، [ثم سافر]: أنه لا يلزمه الإتمام.
قال الماوردي: إلا على قياس

مذهب أبي يحيى البلخي.
أي: في أن الحيض إذا طرأ على المرأة وقد مضى من الوقت ما لا يسع كل الصلاة [أن الصلاة] تلزمها؛ فإن قياسه- إذا ألحقنا المسافر بالحائض، كما قاله المزني- أنه يلزمه الإتمام، وقد أبدى الإمام ذلك احتمالاً، و [قوّاه بأن] المسافر يمكنه أن يتم، والحائض لا يمكنها أن تتم على الركعة.
قال: وإن فاتته في السفر، فقضاها في السفر أو في الحضر- ففيه قولان: أصحهما: أنه يتم؛ لأنها صلاة ذات ركوع وسجود؛ فكان من شرطها الوقت كالجمعة، وقد وافق الشيخ في تصحيحه القاضي الحسين، والمتولي، والبغوي.
ومقابله: أن له القصر؛ لأنها صلاة تقضى وتؤدى؛ فوجب أن يكون قضاؤها مثل أدائها؛ كالصبح والمغرب، ولا يرد عليه الجمعة؛ لأنها لا تقضي، ولأن الفرض يسقط في الوقت بركعتين؛ فكذلك بعد فوات الوقت كالصبح؛ وهذا ما حكاه البندنيجي عن نصه في القديم "والأم"، وغيره قال: إنه نص عليه في القديم، وأما في "الإملاء" فإنه منصوص عليه فيما إذا كان القضاء في السفر، وقد حكاه القاضي أبو الطيب في هذه الحالة عن الجديد، وهو الأصح في "المهذب" فيها، تبعاً لـ "الحاوي"، وتبعهما الروياني في "تلخيصه"، ووجهه بالمشقة.
قال القاضي الحسين: والقولان فيما إذا كان الفوات في السفر وأراد القضاء في الحضر، شبيهان بقولنا: إن الاعتبار في الكفارات بحالة الوجوب أو حالة الأداء؟ وقد رتب المراوزة الخلاف فيما إذا وقع القضاء في السفر على ما إذا وقع في الحضر، فقالوا: إن قلنا: يقصر إذا قضاها في الحضر، فإذا قضاها في السفر أولى، وإلا فوجهان، وهذا إذا كان السفر الذي قضاها فيه هو السفر الذي فاتته فيه، فلو كان غيره، فوجهان مرتبان على ما إذا كان هو هو، وأولى بالإتمام.
وإن رتب على ما إذا وقع القضاء في الحضر، كان أولى بالقصر، وفي كلام القاضي

الحسين إشارة إلى الفرق بين أن يتذكر في الحضر المتخلل، أو لا، والله أعلم.
ولا خلاف في أنه إذا فاتته في الحضر، فقضاها في حضر آخر- أنه يتم، سواء لم يتخلل بينهما سفر، أو تخلل؛ نظراً لحالة الوجوب والأداء، وهي أغلظ الحالين، وكذا لو أدركه الوقت وهو في السفر، فأقام وقد بقي من وقت الصلاة شيء، ولم يفعلها حتى فات جميع الوقت- فإنه يقضيها تماماً قولاً واحداً، كما قال البندنيجي، وهو في "التتمة" مخصوص بما إذا كان قد بقي من الوقت قدر أربع ركعات أو ركعة، أما إذا أدرك دون ركعة، فإن قلنا: إنه يصير مدركاً للصلاة وجوباً بدون ركعة، فهاهنا يصير مدركاً [حكم المقيمين؛ فيلزمه الإتمام.
وإن قلنا: لا يصير مدركاً] للصلاة بذلك، فيصير كما لو فاتته الصلاة في السفر، وأراد قضاءها في الحضر.
قال: ويجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما في السفر الطويل، أي: إذا كان يسوغ القصر فيه؛ لما روى أبو داود، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة: "أن معاذ بن جبل أخبرهم أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخر الصلاة يوماً، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، [ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً"] أخرجه مسلم.

قال: وفي السفر القصير- أي: وهو ما لا تقصر فيه الصلاة- قولان: وجه الجواز: أن أهل "مكة" يجمعون بين الظهر والعصر بـ "عرفة" وبين المغرب والعشاء بـ "مزدلفة"، ولم ينكره عليهم منكر، وسفرهم قصير، ولأنه لما كان الجمع بالحضر بالعذر، فجوازه في السفر اقتضى ألا يفرق فيه بين طويل السفر وقصيره؛ كما في التيمم وأكل الميتة، ولأنه يجوز فيه ترك استقبال القبلة في الصلاة على الراحلة؛ فجاز فيه الجمع كالسفر الطويل، وهذا ما ادعى الماوردي أنه مخرج من القديم، وكلام القاضي الحسين الذي سنذكره يدل عليه.
قال الماوردي: وقد امتنع كثير من أصحابنا من تخريجه.
ووجه المنع: أنه إخراج عبادة عن وقتها؛ فلا يجوز إلا في السفر الطويل كالفطر في رمضان، ولأنه- عليه السلام- لم ينقل عنه أنه جمع إلا في سفر طويل، وهذا ما نص عليه في "الأم"، وهو الصحيح، وأهل مكة يجمعون بعذر النسك.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن القولين ينبنيان على أن الجمع بـ "عرفة": هل يجوز لأهل منى؟ وفيه قولان: الجديد: لا، والقديم: نعم.
وعلى هذا: لأي معنى جاز؟ فيه مأخذان: أحدهما: لأجل النسك؛ فعلى هذا: لا يجوز الجمع في السفر القصير.
والثاني: لأجل السفر؛ فعلى هذا: يجوز في السفر القصير.
قال الرافعي: وظاهر المذهب- عند الأئمة-: أن الجمع بعلة السفر في الآفاقي.
وقد أفهم قول الشيخ: "ويجوز الجمع ... " إلى آخره، أمرين: أحدهما: أنه لا يجوز الجمع بين الصبح وغيرها، وبين المغرب والعصر؛ وذلك لأنه لم ينقل أنه- عليه السلام- جمع بين ذلك، وخالف جمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء؛ لأن الظهر والعصر صلاتا نهار، وقت إحداهما

متصل بوقت الأخرى، [والمغرب والعشاء صلاتا ليل، ووقت إحداهما متصل بالأخرى]، على قول، وعلى آخر: ما بينهما من الفصل قصير.
وقال القاضي الحسين: لأن الظهر والعصر يتفقان في وقت الضرورة؛ فكذلك في وقت العذر، وكذلك المغرب والعشاء.
الثاني: أن فعل كل صلاة [في وقتها] أفضل من الجمع، وهو كذلك عند الأصحاب، إلا في حق الحاج؛ فإن إيثار الفراغ عشية "عرفة" أهم وأولى من كل شيء؛ كذا قاله الإمام [ثمَّ].
قال: والمستحب لمن هو في المنزل في وقت الأولى أن يقدم الثانية إلى الأولى، ولمن هو سائر أن يؤخر الأولى إلى الثانية؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
أشار الشيخ- والله أعلم- بذلك إلى ما رواه الشافعي بسنده، عن كريب وعكرمة، عن ابن عباس أنه قال: "ألا أخبركم عن صلاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟ فيروي أنهم قالوا: بلى.
وروي أنه قال: إذا زالت الشمس وهو [في] منزله، جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا سافر قبل الزوال، أخر الظهر حتى يجمع بينها وبني العصر في وقت العصر، وكذلك المغرب مع العشاء"، وقد روى أبو داود عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن ترتفع الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب"، وفي رواية أخرى قال:

"ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق" وأخرجه البخاري ومسلم، وليس في حديث البخاري: "ويؤخر المغرب .. " إلى آخره.
وروى أبو داود عن أيوب، عن نافع أن "ابن عمر استُصْرِخَ على صفية وهي بـ "مكة"، فسار حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عجل به أمر في سفر، جمع بين هاتين الصلاتين، فسار حتى غاب الشفق، فنزل فجمع بينهما"، وأخرجه الترمذي من حديث عبد الله ابن عمر، [عن نافع، وقال: "حسن صحيح"، وأخرجه النسائي من حديث سالم عن عبد الله بن عمر] عن أبيه بمعناه أتم منه، وأخرج المسند بمعناه مسلم من حديث مالك، عن نافع.
قال: وإن أراد الجمع في وقت الأولى لم يجز إلا بثلاثة شروط: أحدها: أن يقدم الأولى منهما؛ لأن وقت الثانية لم يدخل، وإنما جوز فعلها تبعاً للأولى، والتابع لا يتقدم على المتبوع، وبهذا الشرط يبين لك أربع مسائل، يرجع حاصلها إلى واحدة: الأولى: إذا صلى [العصر قبل الظهر]، لا تصح.

الثانية: إذا صلى الظهر ثم سبقه الحدث، فتوضأ وصلى العصر، وتبين أنه محدث في الظهر- لا تصح العصر.
الثالثة: إذا صلى الظهر، ثم العصر، ثم تبين أنه صلى الظهر قبل الزوال، لا تصح العصر.
الرابعة: إذا صلى الظهر، ثم العصر، وتذكر أنه ترك سجدة من الظهر- لا تصح العصر.
ولهذه الصورة تتمة ستأتي، إن شاء الله تعالى.
قال: وأن ينوي الجمع عند الإحرام بالأولى في أحد القولين، ويجوز في القول الثاني قبل الفراغ من الأولى.
هذا الفصل مسوق لبيان أمرين هما الشرط الثاني: أحدهما: أن نية الجمع لابد منها؛ لأن فعل الصلاة في غير وقتها يجوز أن يكون على وجه الجمع، ويجوز أن يكون على وجه السهو والجهل بالوقت؛ فلابد من النية [للتمييز، ولأنه: لما لما يجز تأخير الأولى إلى الثانية إلا بالنية] مع إمكان فعلها في الحال، وفي وقت الثانية- كان إيجاب النية في تقديم الصلاة عن وقتها مع تعذرها في الحال أولى، وتحريره قياساً: أنها صلاتان مجموعتان في وقت إحداهما؛ فوجب ألا يصح إلا بنية الجمع، أصله: إذا جمع بينهما في وقت الثانية.
وقد حكى ابن الصباغ وغيره عن المزني: أنه جوز أن يأتي بالثانية عقيب الأولى من غير نية الجمع؛ لأن الجمع قد حصل بفعله، وقد حكاه الإمام، عن رواية الصيدلاني، عن بعض الأصحاب، ونسبه مجلي إلى رواية صاحب "التقريب" عن بعض الأصحاب، وبنى عليه أن نية التمتع هل تشترط [في التمتع] بالعمرة إلى الحج؟ قال الإمام: ووجه الشبه بيّن [و] هذا، وإن كان متجهاً في القياس فهو بعيد عن مذهب الشافعي.
الثاني: وقت النية، [وفيه]- كما قال الشيخ- قولان، ادعى الماوردي أنهما منصوصان: أحدهما: أنه وقت الإحرام بالأولى؛ لأن الرخص المتعلقة بالصلاة في السفر

رخصتان: جمع، وقصر، فلما لم تجز نية القصر إلا مع الإحرام لم تجز نية الجمع إلا مع الإحرام، وتحريره قياساً: أنه رخصة متعلقة بالسفر مفتقرة إلى النية؛ فكان محلها [مع] الإحرام كالقصر، وهذا القول ادعى الجمهور أنه مخرج من نصه على مثله في الجمع في المطر.
والثاني: أنه يجوز قبل الفراغ من الأولى؛ لأن الجمع هو الضم والمتابعة، ووقت الضم حال السلام، فملا جاز أن ينوي الجمع في غير وقت الضم، وهو حال الإحرام، جاز أن يجزئه إذا نوى في وقت الضم، وحين الفراغ، وما قاربه أولى، وخالفت هذه النية نية القصر؛ لأنها تراد لتنعقد ركعتين؛ فلذلك اشترطت في أولها، وهذا القول هو المنصوص في المسألة كما ادعاه الجمهور، وهو الجديد كما قال أبو الطيب، واختيار أبي إسحاق، وقال المزني: إنه أشبه بأصل الشافعي، ولا جرم [كان] هو الأصح في "المهذب" و"الرافعي"، وقد خرج [منه] إلى مسألة الجمع بعذر المطر قول آخر، وبه يحصل في كل من المسألتين قولان بالنقل والتخريج.
وقد امتنع بعض الأصحاب من التخريج في الصورتين، فأقر النصين، وفرق بأن المطر لا يشترط دوامه في جميع الصلاة الأولى، ويشترط دوام السفر في جميع الأولى؛ فلا يمتنع أن تكون صلاة الظهر وقتاً للنية من حيث اشترط سبب الجمع فيها، ولا يكون الأمر كذلك في عذر المطر؛ بل يتعين لنية الجمع وقت التحريم بالأولى؛ فإنه يشترط المطر عنده.
قال الإمام: والصحيح طريقة القولين.
وقد خرج المزني قولاً ثالثاً: أنه يجوز [إيقاع نية] الجمع بعد الفراغ من الظهر وقبل التحرم بالعصر؛ لأن اتصال صلاة الظهر بالعصر لا يزيد على اتصال سجود السهو، أي: وهو يجوز بعد السلام إذا لم يطل الفصل.
قال الإمام: وقد قبل الأئمة منه هذا التخريج على هذه الطريقة؛ فإن الجمع

يتعلق بالصلاتين فلا يبعد وقوعه بينهما.
قال الروياني في "تلخيصه": وقد قيل: إن الشافعي نص على هذا في كتاب استقبال القبلة.
قال الإمام: وإذا قلنا به، فلو أوقع النية مع التحريم بالثانية، فالظاهر من كلام المفرّعين عليه منع ذلك، وليس يبعد عن القياس تجويز ذلك؛ إذ لا فرق بين ربط الأولى بالثانية، وبين ربط الثانية بالأولى، نعم: لو نوى بعد التحرم بالثانية الجمع، فلا أثر لذلك، وصلاة العصر غير منعقدة، وفي كلام الصيدلاني إشارة إلى ذلك، [ومن] منع تخريج المزني- وهم العراقيون- قالوا: ما بعد السلام من الأولى ليس بوقت للضم، لِتَقَضِّي الأولى بالفراغ منها؛ فلا يكون جامعاً بينهما.
والفرق بين ما نحن فيه وسجود السهو: أنه أتى فيه بالنية مع الإحرام؛ لأنه نوى الصلاة مع الإحرام، وموجب الصلاة الإتيان بفروضها وسننها، وسجود السهو بدل عن المسنون؛ فلم يفتقر إلى نية مجردة، وليس كذلك الجمع بين الصلاتين.
وقد أفهم كلام الشيخ أنا على القول الثاني نعتبر أن تكون النية قبل السلام؛ فإنها لو كانت معه، لكانت مع الفراغ، [وهو ما حكاه الإمام عن شيخه، وإن الذي اختاره الشيخ أبو بكر: أنه يجوز إيقاعها] مع التحلل عن الأولى.
وهو ما يقتضيه كلام الماوردي وغيره.
قال: وألا يفرق بينهما؛ لأنها إنما تفعل تبعاً، ولو فرق بينهما لم تكن تبعاً، ولأن الجمع يكون بالمقارنة أو بالمتابعة، والمقارنة متعذرة؛ فتعينت المتابعة.
ثم المرجع في التفرقة وعدمها إلى العرف عند العراقيين: فما يعد تفرقة يبطل الجمع، وما لا فلا، وإن كانت حقيقة الاتصال وقوع الإحرام بالثانية عقيب [سلام] الأولى، وبعضهم لم يضبط ذلك بحدّ.
بل قال: لو أتى بكلمة أو كلمتين، أو الإقامة دون الأذان- لم يضر؛ لأنه يسير في العادة، وقد شهد للتفريق بالإقامة فعله- عليه السلام- فإنه صح أنه كان "يأمر بلالاً بالإقامة

بين صلاتي الجمع"، ولأنها من مصالح الصلاة، والتيمم بينهما مع طلب الماء مغتفر على المذهب في "التهذيب"، وعليه عامة الأصحاب، ولم يحك البندنيجي غيره، والوضوء بالاغتفار أولى؛ لأن زمنه يقصر عن زمن طلب الماء والتيمم، وهو مما لا خلاف فيه.
وعن أبي إسحاق: أن الفصل بالتيمم يبطل الجمع.
وقال الماوردي: إن طال زمن الطلب للماء بطل الجمع، وإن قرب لم يبطل.
وفي "الروضة" في كتاب الحيض: أن المتحيرة لا يجوز لها الجمع بعذر السفر، ولا المطر على الصحيح، ومقابله: أنه يجوز كغيرها.
وقد ألحق الإصطخري بذلك التنفل بينهما، فجوزه.
قال الأصحاب: وهو خلاف النص؛ لأنه قال: "ولا يسبح بينهما، ولا عقيب الثانية"، وأراد: لا يصلي؛ لأنه إن صلى بينهما طال الفصل، وإن تطوع بعد الثانية فقد تطوع بعد العصر، وهذا لا يجوز.
حكاه البندنيجي.
وفي "التتمة": أن الإصطخري قال: لا تشترط الموالاة في الجمع بينهما في وقت الأولى؛ فيجوز وإن طال الفصل ما لم يخرج وقت الأولى منهما.
قال الرافعي: ويروي مثله عن أبي علي الثقفي.
وقال الموفق بن طاهر: سمعت أبا عاصم العبادي يحكي عن "الأم": أنه إن صلى في بيته، ونوى الجمع، وجاء إلى المسجد، وصلى العشاء فيه- جاز، والمشهور خلافه، ويدل عليه قول الشافعي: لو سها بعد الفراغ من الأولى سهواً طويلاً، أو أغمي عليه، ثم أفاق- لم يجز له الجمع.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أنه يشترط ألا يزيد زمان التفريق بين صلاتي الجمع على الزمان الذي يتخلل بين الإيجاب والقبول، والإقامة وعقد الصلاة، والزمان الذي [يتخلل بين الخطبتين، والزمان الذي] يبني فيه على الصلاة إذا ذكر ركناً نسيه.
وقد ذكر بعضهم مع ما صرح به الشيخ من الشروط الثلاثة شرطاً آخر، وهو دوام السفر إلى الفراغ من الثانية، فلو قدم وطنه، أو نوى الإقامة قبل الشروع في العصر لم يجز له أن يتلبس بها، ولو نواها بعد الشروع فيها، لم تقع عن الفرض.

قلت: وهذا يؤخذ من قول الشيخ: "ويجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما في السفر .. "، وهو يعني أيضاً ما نبه عليه القاضي الحسين [من أنه لابد أن تقع الأولى منهما في وقتها.
وقد حكى الإمام والقاضي الحسين] وغيرهما من المراوزة وجهاً فيما إذا طرأت الإقامة في أثناء الثانية: أنها لا تؤثر في بطلانها، وهو ما حكاه البندنيجي عند الكلام في الجمع بعذر المطر، وصاحب هذا الوجه لا يشترط دوام السفر إلى دخول وقت الثانية من طريق الأولى.
وأما القائلون بالأول، فقالوا: هل يشترط دوام السفر إلى دخول وقت الثانية، أم لا؟ فيه وجهان: أظهرهما في "الرافعي": لا، قياساً على ما لو نوى القصر، وفرغ من الصلاة، ثم أقام والوقت باق.
والثاني: نعم؛ قياساً على ما لو عجل الزكاة، ثم خرج عن أهلية الوجوب، أو استغنى الفقير قبل الحول؛ فإن ما أداه لا يقع موقع الزكاة.
وعلى هذا: فهل يشترط أني مضي من وقت الثانية مقدار الصلاتين وهو مسافر، أو لا؟ قال القاضي الحسين: فيه خلاف.
وفي "التهذيب" و"الكافي": أنه إن مضى بعد دخول [وقت] الثانية ما يسعها، ثم طرأت الإقامة- لا يضر وجهاً واحداً، وإن كان قبل ذلك ففيه الخلاف.
وأغرب الإمام، فقال: إذا قلنا لو طرأت الإقامة في أثناء الصلاة: إنها تؤثر، فهل تؤثر إذا طرأت بعد الفراغ من الثانية: إما في وقت الأولى، أو في وقت الثانية؟ فيه وجهان.
ولم يقيد ذلك بما إذا كان لم يمض من وقت الثانية ما يسعها أو لا.
ثم حيث قلنا بأن صلاة العصر لا تحسب له عما عليه، فهل تبطل أو تنقلب نفلاً؟ فيه خلاف سبق نظيره، وبه صرح الروياني ها هنا، والله أعلم.
فرع: إذا صلى الظهر ثم العصر، ثم تذكر أنه ترك سجدة من الظهر- بطل الظهر والعصر، كما تقدم، ولو تذكر أنها من العصر بطل الجمع، وأعاد العصر

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل