كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 346-385
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصداق

صفحات 346-385
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

عَلَى الثَّيِّبِ سَبْعاً، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَرْفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لَرَفَعْتُهُ".
وفي "التتمة": أنه مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وإن كانت ثيباً، فهو بالخيار بين أن يقيم عندها سبعاً [ويقضي، وبين أن يقيم عندها ثلاثاً] ولا يقضي؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة: "إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ، وَدُرْتُ [عَلَيْهِنَّ] ". ولا فرق في ذلك بين الحرة والأمة، وفي الأمة وجه إذا نكحها العبد على حرة: أنها تستحق شطر القسم، ويكمل الكسر.
وقيل: لا يكمل، وهو المذكور في "التهذيب"، و"النهاية".
والاعتبار بحالة الزفاف، حتى لو عتقت قبل الزفاف، وبعد العقد، فلها حق الحرائر، وإن عتقت بعد الزفاف، فحق الإماء.
وفي "التهذيب": أنه يحتمل أنه يقال: إذا عتقت في المدة، فلها حق الحرائر.
وهل إقامة الزوج السبع عند البكر، والثلاث عند الثيب واجب؟ حكى الحناطي فيه قولين، [الموفاق] لإيراد الجمهور منهما: الوجوب.
ويوالي بين الثلاث أو السبع؛ لأن المقصود بذلك الإلف والأنس وزوال الحشمة، وذلك لا يحصل عند التفريق.
فلو فرق؛ ففي الاحتساب به وجهان، والظاهر من كلام الأكثرين المنع؛ فيوفيها حقها على التوالي، ويقضي ما فرق للأخريات.
ولو خرج بعذر، أو أُخْرِجَ، فيقضي عند التمكُّن.
ولا فرق بين أن تكون ثيابة الجديدة بالنكاح أو [بالزنى أو بالشبهة]، ولو حصلت بمرض، فعلى الوجهين في اشتراط استنطاقها؛ كذا قاله الرافعي،

ومقتضاه: أن التي ثابت بالزنى، يكون حكمها حكم البكر على الصحيح، كما تقدم في الاستنطاق.
وإذا أقام عند الثيب سبعاً؛ ففيما يقضيه وجهان، في "المهذب": أحدهما: السبع؛ للحديث.
والثاني: ما زاد على الثلاث.
وفي الوسيط وغيره: أنه إن أقام باختياره من غير سؤالها، فلا خلاف أنه لا يبطل حقها من الثلاث، وإن كان بسؤالها؛ قضى السبع، وعليه يدل حديث أم سلمة.
ولو التمست منه إقامة ما فوق الثلاث، ودون السبع، لم يقض إلا ما زاد على الثلاث؛ لأنها لم تطمع في الحق المشروع لغيرها، وهو المعلل به وجوب قضاء السبع مع الحديث.
وقال الغزالي: يحتمل أن يقضي، وليس ببعيد عندي أن يكون قضاء السبع معللاً بحسم باب التحكم والاقتراح عليه، وحكم البكر إذا طلبت زيادة على السبع كذلك.
فرعان: أحدهما: إذا كان قد قسم لإحدى القديمتين يوماً، ثم دخل بالجديدة، قضاها حقها، ويقسم للتي لم يقضها حقها ليلة: نصفها من حق الضرة القديمة، والنصف من حق الجديدة، فيقضي للجديدة نصف ليلة، ثم بعد ذلك يستأنف القسم بينهن على السوية؛ قاله ابن الصباغ والمتولي.

الثاني: إذا كان له ثلاث نسوة، فطلق واحدة منهن، ثم راجعها؛ فلا حق لها إن كان قد قضاها حق العقد، وإلا فيقضيه، أو ما بقي منه، وإن جدد نكاحها بعد البينونة؛ فهل يجب لها حق العقد؟ فيه قولان، أو وجهان؛ أصحهما: أنه يجب.
ويجري الخلاف فيما لو أعتق مستولدته، أو أمته التي هي فراشه، ثم نكحها.
ولا خلاف في أنه لو أبانها [قبل أن يوفيها حقها، ثم جدد نكاحها، يلزمه التوفية.
ولو أقام عند البكر ثلاثاً وافتضَّها، ثم أبانها] ثم جدد نكاحها، فإن قلنا: يتجدد حق الزفاف، فيبيت عندها [ثلاث ليال؛ فإنه حق الزفاف.
وإن قلنا: لا يتجدد حق الزفاف، فيبيت عندها] أربعاً؛ لأنها بقيت من [حق] العقد [الأول].
قال: ويجوز أن يخرج بالنهار، لقضاء الحاجات، وقضاء الحقوق؛ للحاجة إلى ذلك، ولأن العماد في القسم المستدام الليل دون النهار، فكذلك في القسم المشروع للجديدة، ويكون النهار تبعاً لليل.
قال: وإن تزوج امرأتين، وزفتا إليه في مكان واحد؛ أقرع بينهما لحق العقد.
الزفاف، والزفيف: حمل العروس إلى زوجها، يقال: زف العروس يزفها- بضم الزاي- زفافاً، وزفّاً، وأزفها، وازدفها: بمعنى واحد.
وإنما أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى؛ فرجح بالقرعة، فإذا خرجت [القرعة] لإحداهما قدمها بجميع السبع، أو الثلاث، وحكى القاضي ابن كج [وجهاً]: أنه يقدمها بليلة، ثم يبيت عند الأخرى ليلة، وهكذا يفعل إلى تمام المدة.
وفي الجيلي حكاية عن البحر: أن هذا إذا تزوجهما بعقد واحد، أما إذا تقدم عقد إحداهما، قدمها في القسم، وادعى أنه الأصح؛ لأن العقد سبب الاستحقاق، وقد تقدم.
قلت: ويتجه مع أتحاد العقد والزفاف أن يقدم واحدة بغير قرعة؛ كما تقدم ذكره في ابتداء القسم.
واعلم أن لفظة زمان واحد أولى من مكان واحد؛ إذ [به الاعتبار].

فرع: لو نكح امرأتين، وليس عنده امرأة أخرى؛ ففي ثبوت حق الزفاف وجهان: أظهرهما: أنه يثبت.
والثاني: أنهما إن كانتا بكرين أو ثيبين؛ لم يثبت، فإن أراد أن يبيت عند واحدة منهما، فعليه التسوية.
[وإن كانت إحداهما بكراً، والأخرى ثيباً؛ فيخص البكر بأربع ليال، ثم يسوي].
قال: فإن أراد سفراً- أي: قبل القسم- فأقرع بينهن، فخرج السهم لإحدى الجديدتين، سافر بها؛ لما تقدم.
ويدخل حق العقد في قسم السفر؛ لأن المقصود بزيادة المقام مع الجديدة زوال الحشمة، وحصول الأنس، وقد حصل ذلك في السفر.
وفي الجيلي حكاية وجه: أنه إذا حضر يقضي لها حقها، ومقتضاه: أنه لا يدخل في قسم السفر.
قال: فإن رجع قضى حق العقد للأخرى، ويحكي ذلك عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة، وهو الأظهر؛ لأنه حق ثبت قبل المسافرة؛ فلا يسقط بالسفر؛ كما لو قسم لبعض نسائه دون بعض، وسافر؛ فإنه يقضي بعد الرجوع لمن لم يقسم لها.
قال: وقيلك لا يقضي، ويحكى عن ابن سريج؛ كما لو سافر بإحدى القديمتين لا يقضي للأخرى.
ولأن حق الجديدة يتعلق بأول الزفاف، وقد مضى؛ كذا ذكره الرافعي؛ وهذه العلة موجودة في المسألة الأولى، ولم يخالف ابن سريج فيها.
فرعان: أحدهما: لو كانتا بكرين، فرجع بعد ثلاثة أيام، قال القاضي ابن كج: على الوجه الأول يتم لها السبع، [ثم يوفي للأخرى سبعاً.
وعلى المنسوب لابن سريج: يتم لها السبع] ويبيت عند الأخرى أربعاً، ويبطل ما جرى في السفر.

الثاني: لو خرج السهم لإحدى القديمتين، وسافر بها؛ وفَّى عند الرجوع حق الجديتين، نص عليه.
قال الرافعي: ويجيء فيه الوجه الآخر.
قال: وإن كان له امرأتان، فقسم لإحداهما، ثم طلق الأخرى- أي: طلاقاً بائناً- قبل أن يقضي لها- أثم- لمنعه حقها.
قلت: ويتجه هذا أن يكون فيما إذا طلقها بغير سؤالها، أما إذا كان الطلاق بسؤالها، فيتجه ألَّا يحكم بالإثم، كما قيل في الطلاق في زمن الحيض على رأي.
قال: وإن تزوجها- أي: وتلك في نكاحه- لزمه أن يقضي لها حقها؛ لتمكنه من إيفائه كما لو كان الطلاق رجعيّاً.
وقيل: لا يلزمه القضاء؛ لأن سبب الاستحقاق قد زال.
أما إذا لم تكن تلك في نكاحه؛ فقد تعذر القضاء؛ لأنه إنما يكون من نوبة التي ظلم بسببها.
ولو لم يفارق المظلومة، وفارق التي ظلم بسببها، ثم عادت إلى نكاحه، أو فارقهما، ثم عادتا إلى نكاحه- اشتغل بالقضاء.
ويجيء في عودهما بالنكاح الجديد الخلاف السابق.
فرع: لو فارق [المظلوم بسببها، وأبقى المظلومة فردة، قال الغزالي: يتجه أن يقضي لها الليالي] التي ظلمها بهن، وإن كنا لا نوجب الإقامة عند الفردة؛ لأنه حق استقر لها؛ فلا يسقط ببينونة غيرها.
قال: ولم أر المسألة مسطورة.
قال: ومن ملك إماء، لم يلزمه أن يقسم لهن- أي: ابتداء- وإذا وطئ واحدة منهن، لا يلزمه القسم للباقيات.
أما في الأولى؛ فلأنه إذا لم يجب للزوجات، ولهن حق [في مستمتع الزوج؛ بدليل الإيلاء، وثبوت الخيار بالجب والعنة؛ فَلِئَلَّا يثبت للإماء، ولا حق لهن] في مستمتعه؛ كان أولى.
وأما في الثانية؛ فلقوله تعالى [: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فأشعر ذلك بأنه لا يجب العدل في ملك اليمين.

قال: والمستحب ألا يعطلهن؛ [حذراً من وقوعهن] في الفجور، وأني سوي بينهن؛ حذراً من إيغار صدورهن.
وحكم المستولدة حكم الأمة.
فرع: لو كان تحته زوجات وإماء، وأقام عند الإماء؛ لم يلزمه [القضاء] للزوجات، وهل له أن يسافر بواحدة من الإماء- والصور هذه- من غير قرعة؟ فيه وجهان، حكاهما الحناطي، ونسب المنع إلى ابن أبي هريرة، والجواز إلى أبي إسحاق، وهو قياس أصل القسم.
قال: وإذا ظهر [له] من المرأة أمارات النشوز: إما بالقول، مثل: أن كانت عادتها إذا دعاها إلى فراشه إجابته بالتلبية، ثم صارت لا تلبيه، أو تجيبه بالكلام الخشن والقبيح بعدما عهد منها خلاف ذلك.
وإما بالفعل، مثل أن يجد منها إعراضاً، وكراهة، وعبوسة بعدما عهد التلطف [و] طلاقة الوجه.
قال: وعظها بالكلام، مثل: أن يقول لها: ما الذي منعك عما ألفته منك؟ اتق الله؛ فإن حقي واجب عليك، وطاعتي عليك فرض، فاحذري العقوبة.
ويبين لها أن النشوز يسقط النفقة، والكسوة، والقسم، والمسكن؛ لقوله تعالى: [﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] ولا يهجرها، ولا يضربها؛ لجواز ألَّا يكون نشوزاً، فلعلها تبدي عذراً، أو تتوب، وحَسَنٌ أن يبرها، ويستميل قلبها ما تيسر له.
قال: وإن ظهر منها النشوز، مثل: أن دعاها إلى الفراش فامتنعت عليه؛ بحيث يحتاج في ردها إلى الطاعة إلى تعب، لا امتناع دلال، أو خرجت

من منزله، أو ما جانس ذلك، وليس من النشوز الشتم، وبذاءة اللسان، لكنها تستحق التأديب، وهل يؤدبها [الزوج] أو يرفع الأمر إلى القاضي؟ فيه خلاف، [والذي أورده صاحب "الكافي" في باب "حد الخمر" أن للزوج ذلك عند عضل شيء واجب عليها].
قال: وتكرر منها- هجرَها في الفراش دون الكلام، وضربها ضرباً غير مبرح؛ أي: غير شاق وشديد الألم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]، وفي عدد الضرب وجهان: أحدهما: دون الأربعين.
والثاني: دون العشرين.
وهل هجرانها في الكلام محرم، أو مكروه؟ فيه وجهان منقولان فيما علق عن الإمام، قال: والذي عندي: أنه لا يحرم الامتناع من الكلام أبداً، نعم: إذا كلم فعليه أن يجيب، وهو بمثابة ابتداء السلام، والجواب عنه.
وفي الذخائر: أن المذهب: أنه لا يجوز.
ومحل الخلاف فيما فوق الثلاث، أما الثلاث فما دونها فلا يحرم قولاً واحداً.
قال: وإن ظهر ذلك مرة واحدة؛ ففيه قولان: أحدهما: يهجرها، ولا يضربها، وهو نصه في الأم، ورجحه الشيخ أبو حامد والمحاملي؛ لأن جنايتها لم تتأكد؛ وقد يكون ما جرى لعارض قريب الزوال؛ فلا يحتاج إلى التأديب بالإيلام؛ فعلى هذا يصير معنى الآية: فعظوهن إن رأيتم أمارات النشوز، واهجروهن إن امتنعن، واضربوهن إن أصررن، وتكون صيغة الخطاب- وإن كان ظاهره التخيير- مرتباً على اختلاف الأحوال، [كقوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...﴾ الآية [المائدة: 33]، والعقوبات فيها ترتيب على اختلاف الأحوال].
قال: والثاني: يهجرها، ويضربها، وهو الأصح عند الشيخ في المهذب، وابن الصباغ؛ لحصول النشوز؛ كما لو أصرَّت عليه، ومن قال بهذا القول قال: الخوف في الآية بمعنى العلم؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً﴾ [البقرة: 82]، فإذا علم النشوز، حل له الوعظ، والمهاجرة، والضرب جميعاً؛ فأوَّل

الخوف، واستغنى عن الامتحان؛ هذه هي الطريقة المقيدة في المراتب الثلاث، وعليها الاعتماد.
ونقل ابن كج: أنه إن ظهر النشوز؛ فللزوج الوعظ والهجران، يجمع بينهما ويفرق بحسب اجتهاده، فإن خاف النشوز، فقولان: أحدهما: أن الجواب كذلك.
والثاني: أنه لا يزيد على الوعظ.
ونقل الحناطي نحواً منه في حالة الخوف، وفي حالة النشوز ثلاثة أقوال: أحدها: أن له الجمع بين الوعظ والهجران والضرب.
والثاني: يتخير بينها ولا يجمع.
والثالث: [أن] الأمر على الترتيب؛ فيعظ أولاً، فإن لم تتعظ هجرها، فإن لم تنزجر ضربها.
وفي الذخائر حكاية عن الحاوي: أنه إذا خاف النشوز وعظها، وهل له أن يهجرها؟ فيه وجهان.
وإن ظهر منها النشوز، فله وعظها وهجرها، وهل له ضربها؟ فيه قولان.
فإن أقامت على النشوز، فله وعظها وهجرها وضربها.
وحكى الغزالي الخلاف في الجمع والترتيب عند حصول النشوز.
فرع: قال في الذخائر: قال بعض أصحابنا: وإنما يجوز الأدب إذا علم أن الضرب يصلحها، أو ظنه، فإن [علم من] عادتها إصرارها مع الضرب المبرح المخوف؛ فلا يجوز له الإقدام على الضرب.
قلت: هذا ما حكاه الإمام عن المحققين عند الكلام في التقريرات؛ حيث قال: قالوا: إذا كان التأديب لا يحصل إلا بالضرب المبرح؛ فلا يجوز الضرب الذي لا يبرح أيضاً؛ فإنه عرى عن الفائدة.
قال: وإن منع الزوج حقها، أسكنها الحاكم إلى جنب ثقة، ينظر إليها، ويلزم- أي: الحاكم- الزوج الخروج من حقها؛ [لأنه لما لم يكن للمرأة سلطان على الزوج وإجباره على الخروج من حقها]؛ لضعفها، شرع ذلك؛ طريقاً للخلاص، بخلاف نشوزها؛ فإن الشرع أثبت للزوج إجبارها على إيفائها حقه؛ لقوته.

ولو كان الزوج سيِّء الخلق عليها، ويضربها بلا سبب؛ ففي التتمة: أن الحاكم ينهاه، فإن عاد عزَّره.
وفي الشامل وغيره: أنه يسكنها إلى جنب ثقة يطلع على حالهما، ويمنعه من التعدي.
وفي الوسيط: أنه لا سبيل إلى الحيلولة حتى يعود إلى حسن المعاشرة، ولا يعول في ذلك على قوله، وإنما يعول على قولها، وعلى قرائن أحواله، وشهادات تدل عليه.
ولو كان الزوج لا يمنعها شيئاً من حقها، ولا يؤذيها بضرب ونحوه، ولكنه يكره صحبتها؛ لمرض أو كبر، ولا يدعوها إلى فراشه، أو يهم بطلاقها- فلا شيء لها، وحسن أن تسترضيه بترك بعض حقها من القسم والنفقة؛ كما فعلت سودة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً .....﴾ [النساء: 128]. قال: وإن ادعى كل واحد منهما على صاحبه الظلم والعدوان، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة؛ ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما [من] الظلم، أي: ينظر الثقة إليهما، ويعرِّفُ الحاكم، ثم الحاكم يمنع الظالم.
قال: فإن بلغا إلى الشتم والضرب، بعث الحاكم حرين عدلين، والأولى أن يكونا من أهلهما؛ [لينظرا] لأنهما أعلم ببواطن أمورهما، ويفعلا ما فيه المصلحة من الإصلاح أو التفريق؛ لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا ....﴾ [النساء: 35].
وهل يكون بعث الحكمين واجباً؟ لفظ صاحب التهذيب: أن على الحاكم أن يبعث حكمين، وهو يشعر بالوجوب.
وقال الروياني في الحلية: إنه يستحب للحاكم أن يبعث الحكمين.

وإنما لم تشترط القرابة وإن كان ظاهر الآية يدل عليها؛ لأنها لا تشترط في الحاكم ولا في الوكيل.
وفيما علق عن الإمام: أنه يشترط أن يكون المبعوثان من أهلهما؛ لظاهر الآية.
وفي النهاية أنه لا يشترط إجماعاً، [والله أعلم].
قال: وهما وكيلان لهما في أحد القولين، وهو الأصح في التهذيب، والمنصوص عليه في أكثر الكتب على ما حكاه في الذخائر، والأقيس في النهاية؛ لأن البضع حق الزوج، والمال حق الزوجة، وهما رشيدان؛ فلا يولى عليهما.
ولأن الطلاق لا يدخل تحت الولاية، ولا يرد على ذلك المولى؛ فإنه خارج عن القياس؛ فعلى هذا لابد من رضاهما؛ فيوكل الزوج حكماً في الطلاق، وقبول العوض، وتوكل المرأة حكماً في ترك العوض، فلو لم يوكلا، فليس لهما إلا البحث عن محل اللبس؛ حتى يتبين للقاضي الظالمُ منهما من المظلوم، [ثم] يُمضي حكمه في الإنصاف.
قال: وهما حكمان من جهة الحاكم في القول الآخر؛ فيجعل الحاكم إليهما الإصلاح أو التفريق من غير رضا الزوجين، وهو الأصح؛ لأن الله- تعالى- سماهما: حكمين، والحكم من يحتكم، ولا امتناع أن يثبت على الرشيد الولاية عند امتناعه من أداء الحقوق؛ كالمفلس، والمولَّى [عليه].
وأيضاً: ما روي عن علي [كرم الله وجهه- أنه] بعث حكمين، وقال: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تفرقا: أن تفرقا، وإن رأيتما أن تجمعا: أن تجمعا، فقال الزوج: وأما الطلاق فلا، فقال علي: كذبت، لا والله، لا نبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي).
وبنبغي أن يخلو كل واحد من الحكمين بأحد الزوجين، ويأخذ ما عنده، ثم يجتمعان، ويتشاوران، ثم يفعلان ما يؤدي إليه اجتهادهما، فإن رأى حكم الرجل أن يطلق طلق، [واستقل به] ولا يزيد على طلقة، ولكن إن راجع الزوج، ودام الشقاق، زاد إلى أن يستوفي [الطلقات] الثلاث.

وإن رأى الخلع، وساعده حكم المرأة، تخالعا.
وإن اختلف رأي الحكمين؛ بعث إليهما آخرين حتى يجتمعا على شيء.
وفي كتاب الحناطي: أنه إذا رأى أحدهما الإصلاح، والآخر التفريق، ففرق، نفذ التفريق وإن جوزنا الاقتصار على واحد؛ ذكره الرافعي في آخر الباب.
ووراء ما ذكره طريقة حكاها [القاضي] ابن كج عن أبي الطيب بن سلمة وابن سريج، وهي القطع بأن الفرقة لا تنفذ إلا برضا الزوجين.
والقولانفي أنه هل يحتاج إلى رضاهما [في بعث الحكمين].
وعن أبي إسحاق طريقة قاطعة بأن بعث الحكمين لا يحتاج إلى إذنهما، [فلعله يؤثر في صلاح حالهما، والخلاف في نفوذ الفرقة بغير إذنهما،] وإيراد المتولي ينطبق على هذه الطريقة، ولو رأى الحكمان أن تترك المرأة بعض حقها من القسم، أو من النفقة؛ لم يلزم ذلك بلا خلاف.
قال: فإن غاب الزوجان، أو أحدهما؛ لم ينقطع نظرهما؛ على القول الأول كغيرهما في الوكلاء.
وينقطع على القول الثاني؛ لأن كل واحد منهما محكوم له وعليه، والقضاء للغائب لا يجوز.
وفي الوسيط حكاية وجه: أن لهما- أيضاً- الحكم، وليس بشيء.
ولو غلب على عقل أحدهما لم يُمضِ الحكمان بينهما شيئاً؛ أما على القول الأول؛ فلأن الوكالة تبطل بذلك، وأما على القول الثاني؛ فلأن الحكومة لا تجوز إلا مع بقاء الخصومة، وبالجنون والإغماء زال ذلك، وارتفع الشقاق.
وفي شرح القاضي ابن كج: أنه لا يؤثر جنون أحد الزوجين على قولنا: إنهما حكمان.
وحكى الحناطي وجهاً على قولنا: إنهما وكيلان- أن الإغماء لا يؤثر فيه؛ كالنوم.
ويشترط على القول الثاني أن يكونا فقيهين؛ على الأصح.

وذهب بعض الأصحاب- على ما حكاه في الذخائر-: أنه لا يشترط؛ فإنه يعسر، ولا يشترط على القول الأول؛ كسائر الوكلاء.
ولتعلمْ أن إطلاق الشيخ يقتضي أنه يشترط فيهما الحرية، والعدالة؛ على القولين معاً، وهو ما ذهب إليه الأكثرون؛ لأن الوكالة إذا تعلقت بنظر الحاكم؛ فلا بد أن يكون الوكيل [عدلاً]؛ كأمين الحاكم.
وفي كتاب [القاضي] ابن كج: أنه لا يشترط العدالة على القول بأنه توكيل؛ كما في سائر الوكلاء، وهو قضية إيراد الغزالي في الوجيز؛ فإنه قال: وعلى هذا يشترط عدالهما؛ فأشعر بتخصيص [الاشتراط بالقول الثاني].
قال الرافعي: ويجري الخلاف في الحرية والإسلام، ولابد من الاهتداء إلى ما هو المقصود من بعثهما، ولابد من الذكورة؛ إن جعلناه تحكيماً، وإن جعلناه توكيلاً قال الحناطي: لا يشترط في حَكَمِ المرأة، وفي حكم الرجل وجهان؛ بناءً على أن المرأة هل توكل في الخلع؟ وهل يجوز الاقتصار على حكم واحد؟ فيه وجهان، أجاب القاضي ابن كج منهما بالمنع.
قال الرافعي: ويشبه أن يقال: إن جعلناه تحكيماً؛ فلا يشترط العدد، وإن جعلناه توكيلاً؛ فيكون على الخلاف في تولي الواحد طرفي العقد.
وفي النهاية: [أنا] إن جعلناه تحكيماً؛ ففي المسألة احتمال ظاهر، يجوز أن يتبع القرآن، ويجوز أن يحمل العدد على الاستحباب؛ بدليل اتصاله بوصف ليس مشروطاً، وهو قوله: ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾ و [﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾].

باب الخلع

واشتقاقه من الخلع، وهو النزع.
يقال: خلع فلان ثوبه: إذا نزعه.
وهو في الشرع: مفارقة الزوجة على مال.
وسمي: خلعاً؛ لأنه يخلع لباس المرأة من لباس الزوج؛ قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187]. ويسمى هذا العقد افتداء- أيضاً- قال الله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]. والأصل فيه من الكتاب هذه الآية.
ومن السنة [ما روي] أنه صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم لصلاة الصبح، فرأى حبيبة بنت سهل الأنصارية على باب الحجرة، فقال: من هذه؟ فقالت حبيبة: لا أنا ولا ثابت، تريد: زوجها ثابت بن قيس، فلما دخل ثابت المسجد، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَذِهِ حَبِيبَةُ تَذْكُرُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَذْكُرَ"، فقالت حبيبةُ: كُلُّ ما أعطانِيهِ عندي، فقال صلى الله عليه وسلم: "خُذْ مِنْهَا؛ فَأَخَذّ مِنْهَا، فَجَلَسَتْ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا".
قال الإمام: وليس في حديث حبيبة رضا ثابت بالطلاق، ولا جريان لفظ المخالعة، ولا محمل له إلا ما ذكرناه في الحكمين.
وفي التهذيب أنه صلى الله عليه وسلم قال لحبيبة: "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ " قالت: نعم، فقال صلى الله عليه وسلم: "اقْبَلِ الحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً".

وفي الذخائر [أنه جاء في بعض الألفاظ] أنه صلى الله عليه وسلم قال لثابت: "خُذْ بَعْضَ مَالِهَا وَفَارِقْهَا"، فقال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: "نَعَمْ"، قال: فإني أصدقتها حديقتين، وهما بيدها، فقال صلى الله عليه وسلم: "خُذْهُمَا، وَفَارِقْهَا؛ فَفَعَلَ"، أخرجه أبو داود.
ويقال: إن هذا أول خُلْعٍ جرى في الإسلام.
والإجماع منعقد على أصل الخلع.
قال: ويصح الخلع من كل [زوج] بالغ عاقل- أي: مختار سواء كان الزوج مطلق التصرف، أو محجوراً عليه بالإذن وبدونه؛ لأنه يستقل بالطلاق مجاناً، فمع العوض أولى.
ويقوم مقام الزوج وكيله في الخلع؛ كما يقوم مقامه إذا وكله في الطلاق.
فرع: لو وكل [الزوج] وكيلاً في أن يطلق زوجته، فهل له أن يخالعها؟ إن قلنا: إن الخلع فسخ، لم يصح.
وإن قلنا: إنه طلاق، أو كان بلفظ الطلاق، قال البوشنجي: إن كان بعد الدخول فيقطع بعدم النفوذ؛ لتفويته الرجعة على موكله، وإن كان قبل الدخول، أو كان المملوك له الطلقة الثالثة- ففيه خلاف.
قال الرافعي: وقد يتوقف في بعض ذلك حكماً وتوجيهاً؛ حكاه قبيل الفصل الثاني في نسبة الخلع إلى المعاملات.
وحكى قبيل الركن الخامس من الخلع عن فتاوى القفال: أنه لو وكل رجلاً بأن يطلق زوجته ثلاثاً، فطلقها واحدة بألف- تقع رجعية، ولا يثبت المال، وقضية هذا أن يقال: لو طلقها ثلاثاً بألف لا يثبت المال أيضاً، ولا يبعد أن يصار [إلى] ثبوته.
قال: ويكره الخلع؛ لما فيه من قطع النكاح الذي هو مطلوب الشرع.
وفي الذخائر: أنه غير مكروه، وإن ابتدآه من غير سبب، وأن من أصحابنا من قال: إن قلنا: إن الخلع طلاق، لم يبح إلا بسبب: من دفع ضرر، أو نحوه؛ وإن قلنا: إنه فسخ [أبيح] من غير سبب؛ كسائر الفسوخ، والمذهب الأول.

قال: إلا في حالين: أحدهما: أن يخافا- أو أحدهما- ألا يقيما حدد الله- أي: ما افترضه الله- في النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَاخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]. فإن قيل: ظاهر الآية يدل على الجواز عند وجود الخوف، وعلى العدم عند العدم، وقد قلتم بالجواز عند عدم الخوف لكن مع الكراهة.
فالجواب: أن ذكر الخوف في الآية خرج مخرج الغالب؛ فإن الأعم [الغالب]: أن المخالعة إنما تقع في [حالة] التشاجر، ولأنه إذا جاز في هذه الحالة وهي مضطرة إلى بذل المال، فلأن يجوز في حالة الرضا كان أولى، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء: 4].
ولأنه حل عقد بالتراضي جعل لدفع الضرر؛ فجاز من غير ضرر؛ كالإقالة في البيع.
قال: والثاني: أن يحلف بالطلاق الثالث على فعل شيء لابد منه- أي: كالأكل، والشرب، وقضاء الحاجة، [ونحوها]- فيخالعها، ثم يفعل المحلوف عليه- أي: إذا أمكن فعله- ثم يزوجها؛ فلا يحنث؛ لكونه وسيلة إلى التخلص من وقوع الطلاق الثالث، وإنما لم يحنث إذا فعل في حال البينونة؛ لانحلال اليمين بالدخول؛ إذ لا تتناول إلا الدخلة الأولى، وقد حصلت.
وقال الإصطخري- على ما حكاه الحناطي-: إنه يخرج على قولي عود الحنث.
واعلم أن الجيلي- رضي الله عنه- ذكر في هذا الموضع كلامين يحتاج على تأملهما: أحدهما: أنه قسم الخلع إلى محظور، ومباح، ومكروه: وصور المحظور بما إذا كان يضربها، ويسقط حقها، ويؤذيها بأنواع الأذية؛ لتخالعه فإذا فعل ذلك، لم يصح بذلها، وإسقاطها.
فإن أراد بذلك أن المحظور لا يكون إلا بمجموع الضرب وغيره، فليس

الأمر كذلك؛ فإنه متى وجد الضرب وحده، كان مستقلّاً بثبوت الحكم، وإن أراد أن كل واحدمن ذلك يفيد هذا الحمك، فالمتفق عليه في الطرق أن الضرب بغير حق يكون إكراهاً، وأما منع الحق: ففي الشامل: أن الشيخ أبا حامد ألحقه [بالضرب، وهو ما حكاه الشيخ في المهذب.
وفي الرافعي أن الشيخ أبا حامد ألحقه] بما إذا ضربها تأديباً؛ فافتدت، والحكم فيه أنه يصح الخلع، وأنه إذا منعها بعض حقها حتى ضجرت وافتدت، فالخلع مكروه وإن كان نافذاً، والزوج مأثوم بما فعل.
وفيه وجه: أن منعه حقها كالإكراه على الاختلاع بالضرب، وما في معناه.
وفي الذخائر حكاية عن الحاوي: أنه إن منعها حق القسم مع قيامه بنفقتها؛ لتخالعه؛ فخالعته ففي صحة الخلع قولان، وإن منعها نفقتها، فلا يصح الخلع قولاً واحداً.
ثم قال بعد ذلك- أعني: الجيلي-: ويقع طلاقه رجعيّاً إن كان بعد الدخول بها، وكذا قاله في المهذب؛ وفي هذا الإطلاق نظر؛ فإن منقول المذهب-[على] ما صرح به المتولي وغيره-: أن الحكم كما قالا مصور فيما إذا أكرهها حتى ابتدأت، وقالت: طلقني بألف، أو: خالعني، وقال الرجل في الجواب: أنت طالق، ولم يذكر المال.
على أن [في] هذه الصورة- أيضاً- وجهاً: أنه لا يقع [الطلاق].
أما إذا قال الرجل: أنت طالق على ألف، فلا يقع الطلاق ما لم يوجد منها قبول؛ لأن قبوله لا حكم له.
ثم إطلاق كون الخلع يكون محظوراً غير معقول على قاعدة الشافعي؛ فإن من قاعدته أن إطلاق لفظ العقود يقتضي الصحيح منها، إلا في مسألة الإذن للعبد في النكاح، وإذا كانت مكرهة على القبول، أو على الابتداء، فما وجد الخلع الصحيح، ومتى انتفت الصحة، لم تصدق التسمية؛ ولأجل ذلك لم

يذكر الشيخ هذا القسم.
نعم: يتصور أن يكون محظوراً على رأي الشيخ أبي حامد؛ على ما حكاه الرافعي عنه، وعلى أحد الوجهين في منع حق القسم دون النفقة؛ كما تقدم ذكره.
الثاني: [أنه] أخذ يناقش الشيخ في قوله: "أن يحلف بالطلاق على فعل شيء)، وقال: الأحسن أن يقول: على ألا يفعل شيئاً ولابد له منه"، وما قاله غير محتاج إليه؛ لأن المراد من الحلف هنا التعليق، وإذا كان كذلك؛ فيكون تقدير الكلام: أن يعلق طلاقها على فعل شيء لابد له منه، وقد استقام الكلام.
فرع: لوزنت المرأة، فمنعها الزوج بعض حقها، فافتدت بمال، صح الخلع، وحل له أخذ [المال]، ولا يكون ما فعله حراماً، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19].
وفي المهذب حكاية قول: أنه لا يجوز، ولا يستحق فيه العوض.
قال: فإن خالعها، ولم يفعل [الأمر] المحلوف عليه- أي: إما لتعذره؛ كما إذا حلف على الوطء، أو لا لتعذره- ففيه قولان: أصحهما: أنه يتخلص من الحنث، حتى إذا فعل المحلوف عليه بعد النكاح لا يحنث؛ لأنه تعليق سبق هذا النكاح؛ فلا يؤثر فيه؛ كما إذا علق طلاقها قبل أن ينكحها، ثم وجدت الصفة بعد النكاح.
والقول الثاني: أنه لا يتخلص من الحنث؛ حتى إذا فعل المحلوف عليه في النكاح الثاني، حنث؛ لأن التعليق والصفة وجدا جميعاً في الملك، وتخلل البينونة لا يؤثر؛ لأنه ليس وقت الإيقاع، ولا وقت الوقوع، وسيأتي في آخر الشرط في الطلاق بقية الكلام في المسألة.
قال: وإن كان الزوج سفيهاً، فخالع، صح خلعه- أي: سواء كان بمهر المثل، أو بدونه- لما ذكرناه، ووجب دفع المال إلى وليه؛ كسائر أمواله، فلو سلم إلى السفيه، فإن كان بإذن الولي، فهل يبرأ؟ فيه وجهان: أرجحهما في المجرد للحناطي: الحصول.

وإن كان بغير إذن الولي، فإن كان عيناً، فيأخذها الولي من يده، فإن تركها في يده حتى تلفت بعد العلم بالحال، ففي وجوب الضمان على الولي وجهان.
وإن تلفت في يد السفيه، قبل علم الولي، يرجع على المخلع بمهر المثل في أظهر القولين، وبقيمة العين في الثاني.
وإن كان ديناً فيرجع الولي على المختلع بالمسمى، ويسترد المختلع ما سلمه إلى السفيه، فإن تلف، فلا ضمان؛ لأنه الذي ضيع ماله؛ فصار كما لو باعه منه، وسلمه إليه، [والله أعلم].
قال: وإن كان عبداً، وجب دفع المال إلى مولاه؛ لأنه المستحق له، فلو سلم إلى العبد؛ فعلى ما ذكرنا في السفيه، إلا أن ما يتلف في يد العبد يطالب به بعد العتق؛ لأن الحجر عليه؛ لحق السيد؛ فيقتضي نفي الضمان ما بقي حق السيد، بخلاف السفيه؛ فإن الحجر عليه؛ لحق نفسه بسبب نقصانه، وذلك يقتضي نفي الضمان حالاً ومآلاً.
قال: إلا أن يكون مأذوناً له أي: في قبضه.
[وخلع] المدبر والمعلق عتقه بصفة كخلع القن.
ومن بعضه حر، وبعضه رقيق، إذا جرت بينه وبين سيده مهايأة، قال الرافعي: فليكن عوض الخلع من الأكساب النادرة؛ وليجيء فيه الخلاف.
وأما المكاتب، فيسلم عوض الخلع إليه؛ لصحة يده واستقلاله.
قال: ويصح بذل العوض في الخلع من كل زوجة، جائزة التصرف [في المال]؛ لأنه تصرف في المال، فإن كانت سفيهة، لم يجز خلعها؛ لأنها ليست من أهل إلزام المال.
فإن خالعها على شيء من مالها بعد الدخول، قال في المهذب وغيره: فله أن يراجعها، وظاهره يقتضي وقوع الطلاق.

وفي التتمة: [أنا إذا] قلنا: إن الخلع فسخ، لم تصح المخالعة، ولا تقع الفرقة؛ كما لو اشترت شيئاً قبل الحجر، وأرادت الإقالة بعد الحجر.
وإن قلنا: إن الخلع طلاق، أو كان بلفظ الطلاق، فالطلاق واقع- إذا قبلت- رجعيّاً، وإن لم تقبل لا يقع؛ لأن الصيغة تقتضيه.
ولو ابتدأت، فقالت: طلقني على كذا، فأجابها، فكذلك الجواب.
والفرق بين قبل السفيهة [وقبول] المكرهة حيث فصلنا في المكرهة، ولم نفصل في السفيهة: أن عبارة المكرهة كالمعدومة؛ ولهذا لم يترتب عليها حكم شرعي في النكاح، فكذلك في [حله ومشيئة] السفيهة صحيحة؛ بدليل مشيئتها في النكاح، وإذا كانت صحيحة وقع الطلاق المعلق عليها.
قال: وإن كانت أمة فخالعت بإذن السيد، لزمها المال في كسبها، أو مما في يدها من مال التجارة، أي: إذا لم يكن السيد قد عين لها مالاً تختلع به، وكان ما خالعت به قدر مهر المثل، أو دونه؛ لأن العوض في الخلع كالمهر في النكاح، والمهر في نكاح العبد يجب على هذا الوجه؛ فكذلك ها هنا.
أما إذا زادت على مهر المثل، فالخلع- أيضاً- صحيح، ويكون القدر الزائد على مهر المثل في ذمتها، وتتبع به بعد العتق.
وفي التتمة: أنا إن قلنا فيما إذا خالعت بغير إذن السيد على مسمى: إنه يثبت المسمى في ذمتها، فهنا تثبت الزيادة في ذمتها.
وإن قلنا: إن المسمى لا يثبت، وإنما يثبت مهر المثل، فليس له هنا المطالبة بالزيادة بعد العتق.
وهذا منقول المذهب، ولم ار فيما وقفت عليه من الطريقين ما يخالفه، وكان يتجه أن يقال: إذا أذن السيد في المخالعة، ولم يتعرض لذكر المال، فخالعت على مهر المثل أو دونه، يكون في لزوم وفاء المخالع به من الكسب أو من مال التجارة خلاف مبني على أن الخلع إذا جرى بين الزوجين

من غير ذكر المال، هل يقتضي المال؟ وفيه وجهان: فإن قلنا: إنه يقتضيه، فيكون الحكم كما ذكرناه.
وإن قلنا: لا يقتضيه؛ فلا يوفي من الكسب، ولا من مال التجارة، وقد صرح الرافعي في الزوجة إذا وكلت في الخلع بمثل ذلك.
قال: فإن لم يكن لها كسب، ولا في يدها مال للتجارة، ثبت في ذمتها إلى أن تعتق؛ لأن الطلاق بعد وقوعه لا يرتفع، والزوج لم يوقعه مجاناً، وهي من أهل الالتزام، ولا سبيل إلى إلزام السيد به؛ لأن إذنه لا يقتضيه، فتعين ثبوته في الذمة، وهل يكون السيد ضامناً [له]؟ فيه خلاف؛ كما قلنا في الصداق.
فإن قيل: لم لا أثبتم للزوج الخيار بين أن يرضى بذمتها، وبين أن يترك العوض، ويريد الطلاق، أو يترك العوض، ويكون الطلاق رجعيّاً؛ لتعذر وصوله على العوض في الحال؛ كنظيره في صداق العبد، ويكون مستمدّاً من أحد القولين المذكورين فيما إذا خالع الوكيل على أقل من مهر المثل عند الإطلاق؛ على ما سنذكره؟ جوابه: أنا حيث أثبتنا للزوجة الخيار في صداق العبد، عددنا التأخير عيباً، والغالب من حال الأجنبية: أنها لا تعلم حال العبد؛ فلذلك أثبتنا لها الخيار، وها هنا الغالب من حال الزوج معرفة حال زوجته، فإذا لم يعلم يكون مقصراً؛ فلأجله لم يثبت له الخيار.
ولأن النكاح بعد الحكم بصحته يمكن رفعه بالفسخ، والطلاق بعد وقوعه لا يرتفع، ولا يقبل الفسخ، ولا يغيره عن صفته التي اتصف بها حالة الوقوع إلا بأمر متجدد، ولم يوجد.
قال: وإن خالعت بغير إذنه، ثبت العوض في ذمتها إلى أن تعتق، وتحصل البينونة؛ دفعاً للضرر عن السيد والزوج بقدر الإمكان.
وفي أمالي أبي الفرج حكاية قول عن الإملاء: أنه إذا وقع الخلع على عين مال السيد [أنه] يكون الطلاق رجعيّاً.

وفي الجيلي حكاية وجه: أنه يقع رجعيّاً، من غير تفصيل بين أن يقع على العين أو على الذمة.
تنبيه: مراد الشيخ- رضي الله عنه- بالعوض: المسمى إذا كان في الذمة، وهو اختيار القفال، والشيخ أبي علي.
وفي التهذيب: أن الثابت في ذمتها مهر المثل، وهو ما صدر به الغزالي كلامه، وحكى ما ذهب إليه العراقيون وجهاً، مأخذه صحة شراء العبد وضمانه بغير إذن السيد، أما إذا كان الخلع على عين من أموال السيد، وفرعنا على المذهب، ففي الذخائر حكاية قولين: الجديد [منهما]: وجوب مهر المثل.
والقديم: بدل المسمى من المثل، أو القيمة.
قلت: وكان يتجه أن تبنى هذه المسألة على المسألة قبلها، فإن قلنا في المسألة قبلها: الواجب مهر المثل، فها هنا أولى، وإن قلنا: الواجب المسمى، فيجيء القولان القديم والجديد.
وحكى الحناطي وجهاً فيما إذا اختلعت المكاتبة بعين [من] مال السيد من غير إذنه: أنه يرجع بالأقل من مهر المثل- أو بدل العين.
قال الرافعي: ولابد من مجيئه في الأمة.
فرع: [إذا] اختلع السيد أمته التي تحت حر أو مكاتب على رقبتها، قال إسماعيل البوشنجي: تَحَصل في المسألة بعد إمعان النظر [على] وجهين: أحدهما: أنه تحصل الفرقة، ويكون الرجوع إلى مهر المثل؛ لأنه خلع على بدل لم يسلم له؛ فإن البدل هو ملك الرقبة، وفرقة الطلاق وملك الرقبة لا يجتمعان، وإذا لم يسلم البدل أشبه ما إذا خلعها على مغصوب.
وأفقههما: أنه لا يصح الخلع أصلاً؛ لأنه لو صح حصلت الفرقة وقارنها ملك الرقبة؛ فإن العوضين يتساوقان، والملك في المنكوحة يمنع وقوع الطلاق؛ وهذا كما قال الأصحاب فيمن علق طلاق زوجته المملوكة لأبيه على موت أبيه-: لا يقع الطلاق إذا مات الأب؛ هذا آخر كلامه.

ويتجه على الوجه الأول إذا قلنا بصحة الخلع: أن يكون الرجوع إلى قيمتها على قول سيأتي في نظائرها.
قال: وإن كانت مكاتبة، فخالعت بغير إذن السيد، فهي كالأمة؛ لتعلق حق السيد بكسبها وما في يدها، وإن خالعت بإذنه، فقد قيل: هو كهبتها وفيها قولان.
ووجه كونه كالهبة: أنها تفوت مالاً لا بعوض مالي.
وقيل: لا يصح قولاً واحداً، بخلاف سائر التبرعات؛ لأنه يتعلق بها منة وثواب دنيوي أو أخروي، وليس في الخلع مثل هذه الفائدة، وفيه تفويت لمرافق النكاح عليها.
وفي الذخائر: أن الشاشي حكى طريقة ثالثة: أنه يصح قولاً واحداً.
قلت: ويؤيده: أنه يصح من المريضة، والطريق الأول أظهر، ولفظ ابن يونس أصح؛ لأنه إذا جازت الهبة مع أنها لا تعود بشيء، فلأن يجوز الخلع مع أن فيه عود البضع إليها، كان أولى.
والمراد بعدم الصحة هنا لا يرجع إلى الخلع، وإنما يرجع إلى الإذن؛ فيكون كما لو خالعت بغير الإذن، وإذا صححنا المخالعة والإذن؛ فيكون الحكم كما لو خالعت الأمة بالإذن، نعم: القول الذاهب إلى أن السيد [يكون] ضامناً لعوض الخلع في حق الأمة لا يجيء مثله في اختلاع المكاتبة، على ما حكاه أبو الفرج الزاز، وعلله بأن للمكاتبة يداً ومالاً يطمع فيه الزوج، بخلاف الأمة.
قال: وليس للأب والجد ولا لغيرهما من الأولياء أن يخلع امرأة الطفل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ"، والزوج هو الموصوف بهذه الصفة.

ولأن أعيان الزوجين مقصودة، وقد يكون للزوج فيها غرض، فليس للولي تفويته، بخلاف الأموال؛ فإن الأعيان فيها غير مقصودة، وإنما المقصود المالية، وهي حاصلة عند المعاوضة.
قال: ولا أن يخلع الطفلة بشيء من مالها، وكذلك السفيهة والمجنونة؛ لأنه يسقط بذلك حقها من المهر والنفقة والاستمتاع، فلا حَظَّ لها فيه، وتصرف الولي منوط بالحظ والمصلحة.
وقال بعض أصحابنا: إن قلنا: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، فله أن يخالع بالإبراء من نصف مهرها عند وجود الشرائط في العفو على هذا القول، وبه قال الإمام، والغزالي، وأبو الفرج [الزاز].
وقال في المهذب: إنه خطأ، وقد تقدمت حكاية هذا الوجه في الصداق.
وإذا خالعها بشيء من مالها، لم تستحق ذلك، فإن كان بعد الدخول، فله أن يراجعها؛ كذا حكاه في المهذب، ومقتضاه وقوع الطلاق، وهو ما حكاه في التتمة.
وفي كلام الغزالي والرافعي أنه يفصل: فإن خالعها بشيء من أعيان أموالها، وصرح بأنه يفعل ذلك [بالولاية، لم يقع الطلاق؛ كالوكيل الكاذب، وإن صرح باستقلاله عن نفسه] فهو كخلع الأجنبي بالمال المغصوب.
وإن لم يصرح بالولاية، ولا بالاستقلال، وذكر أن ذلك من مالها، فيقع الطلاق رجعيّاً؛ كما في مخالعة السفيه.
وقيل: إنه كالأجنبي يخالع بالمغصوب.
ولو لم يذكر أنه من مالها، ولم يعلم ذلك، فهو كالخلع بالمغصوب أيضاً، وإن علم فوجهان: أحدهما: أن المعلوم كالمذكور حتى يكون رجعيّاً على الأظهر.
وأصحهما- وهو المذكور في التهذيب-: أن الحكم كما لو لم يعلم؛ لأنه لم يبطل التبرع بإضافة المال إلى الزوجة، وقد يظن الزوج أنه مال المختلع.

وإن خالع على صداقها على أن الزوج بريء منه، أو قال للزوج: طلقها، وأنت بريء منه- ففيه وجهان: أصحهما: أنه يقع الطلاق رجعيّاً، ولا يلزم الأب شيء.
والثاني: أنه لا يقع الطلاق أصلاً؛ لأن الاختلاع على الصداق يشعر بأنه يتصرف بالولاية، وليست له هذه الولاية؛ فأشبه الوكيل الكاذب.
ورأى الغزالي إجراء هذا الوجه فيما إذا اختلع بعبدها، وذكر أنه لها.
واعلم أن الشيخ لو اقتصر على قوله: وليس للأب أنيخلع امرأة الطفل، [ولا أن يخلع الطفلة] بشيء من مالها، لعلم أن هذا في حق غيره من طريق الأولى؛ فكان مستغنياً عنه.
قال: ويصح مع الزوجة، ومع الأجنبي، أي: إذا قلنا: إن الخلع طلاق، أو كان بلفظ الطلاق؛ أما صحته من الزوجة فلما قدمناه من الحديث.
وأما صحته من الأجنبي؛ فلأن الزوج له حق على المرأة يجوز لها أن تسقطه عن نفسها بعوض؛ فجاز ذلك لغيرها؛ كما لو كان [له] عليها دين.
وفي الذخائر حكاية وجه عن بعض الأصحاب يوافق مذهب أبي ثور: أنه لا يصح.
[وأبدى مجلي احتمالاً فيه، وقال: ينبغي ني فصل؛ فيصح فيما يظهر فيه عوضن ويبطل فيما سواه].
أما إذا قلنا: إن الخلع فسخ، فلا يصح من الأجنبي؛ لأن الفسخ من غير علة لا ينفرد به [الرجل]؛ فلا يصح طلبه منه.
فرع: إذا كان الأجنبي سفيهاً، فحكمه حكم الزوجة السفيهة، ولو كان عبداً فحكمه حكم الزوجة الرقيقة، وقد تقدم التفصيل في ذلك.
قال: ويصح بلفظ الطلاق، وبلفظ الخلع.
أما صحته بلفظ الطلاق، فلقوله صلى الله عليه وسلم لثابتبن قيس: "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا

تَطْلِيقَةً"، وأما صحته بلفظ الخلع؛ فلأنه اللفظ الموضوع له.
وهل ينعقد بلفظ الاستيجاب والإيجاب؟ الذي ذهب إليه الأكثرون الانعقاد.
وحكى الشيخ أبو محمد طريقة طاردة للخلاف المذكور في النكاح فيه، واستحسنها الإمام والغزالي من جهة القياس.
والظاهر الأول؛ لأن الغرض الأصلي منه الطلاق، وهو يمكن تحصيله بلا عوض، والذي ذكر فهو على سبيل الاقتداء والتبعية؛ ولهذا صح بذل المال على الطلاق من الأجنبي، وأما النكاح فإنه لا يخلو في وضعه عن العوض إلا في غاية الندور؛ فكان أشبه بالبيع.
قال: فإن كان بلفظ الطلاق، فهو طلاق؛ لأنه لا يحتمل غيره، وكذا إن كان بكناية من كنايات الطلاق، ونوى به الطلاق؛ لأن الكناية مع النية كالتصريح.
قال: وإن كان بلفظ الخلع، والمفاداة، والفسخ، فإن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإن لم ينو به الطلاق، ففيه ثلاثة أقوال.
واعلم أنه كان من حق المصنف أن يقدم [الكلام في] المسألة الثانية، ثم يذكر الأولى بعدها؛ إذ هي تتفرع عليها؛ كما ذكر في المهذب، وذكره غيره، وهكذا نفعل، فنقول: إذا وقع عقد الخلع بلفظ الخلع من غير نية الطلاق، ففيه ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه طلاق- أي: صريح- فينقص العدد، وإذا جرى ثلاث مرات [فليس له أن] ينكحها إلا بمحلل، وهو الذي نص عليه في الإملاء، واختاره صاحب التهذيب؛ لأنها تبذل العوض في مقابلة ما يملكه الزوج من الفرقة، والفرقة التي يملك إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ؛ فانصرف العوض إليه، كسائر الأعواض.
وأما كونه صريحاً في الطلاق، فقد اختلف الأصحاب في مأخذه، [فقيل: مأخذه:] أن ذكر المال [انتهض قرينة في إلحاق الكناية بالصريح؛ فكان ذكر المال] قائماً مقام النية، وهو ما ذكره ابن الصباغ.

وقيل: المأخذ- على ما حكاه الغزالي-: أنه تكرر على لسان حملة الشريعة؛ لإرادة الفراق؛ فالتحق بالمتكرر في القرآن، وإلى هذا ذهب المعظم، وهو الصحيح في النهاية، غير أن عبارتهم: أنه تكرر على لسان العامة.
والقول الثاني: أنه فسخ لا ينتقص به العدد، ويجوز تجديد النكاح بعد تكرره من غير حصر، وهو القديم والمنصوص في الخلاف، واختاره القاضي أبو حامد.
وذكر في الإبانة أنه الأصح، وكذلك القاضي أبو الطيب في آخر تعليقته.
وذكر أبو مخلد البصري: أن الفتوى عليه، وإن كان في النهاية أن الفتوى بأنه طلاق، ووجهه: أن الخلع فرقة بتراضي الزوجين؛ [فوجب أن يكون من القسم الذي يتصور أني كون من كل واحد من الزوجين]، وهي فرقة الفسخ.
ولأن الفرقة تحصل بالفسخ كما تحصل بالطلاق، ثم الطلاق ينقسم على ما هو بعوض، وإلى ما هو بغير عوض؛ فليكن الفسخ كذلك.
قال الغزالي: وحقيقة الخلاف راجعة إلى أن النكاح هل يقبل الفسخ تراضياً؟ فعلى قول: يقبله؛ قياساً على البيع؛ ومن هذا المأخذ جرى الخلاف فيما إذا شرطت المرأة نسباً، وخرج الزوج دونه مع كونه كفئاً لها في ثبوت الخيار، وقد أشار إلى ذلك الإمام في ضمن فصل يشتمل على الغرور.
فإن قيل: لو كان فسخاً لارتد المسمى في العقد إذا كان قبل الدخول؛ كما في سائر الفسوخ.
فالجواب: أنه قد قيل به، وعلى تقدير التسليم- وهو الأصح- فإنما كان كذلك؛ لأن [الفسخ بالخلع] لا يستند إلى أصل العقد، وإنما هو عقد مبتدأ، وإنما يجب رد المسمى إذا استند الفسخ إلى أصل العقد؛ كالعيوب؛ هكذا فرق في الذخائر.
والقول الثالث: أنه ليس بشيء؛ فلا تحصل به فرقة طلاق ولا فسخ، وهو المنصوص عليه في الأم.

وقال الإمام، والروياني: إنه ظاهر المذهب؛ لأنه كناية في الطلاق، وقد عري عن النية؛ فلم تقع به الفرقة؛ كسائر كنايات الطلاق.
وما ذكر من كون العوض فيه قائماً مقام النية، فجوابه: أن ذكرالعوض قرينة، ومذهب الشافعي: أن قرينة السؤال والغضب لا تجعل الكناية صريحة؛ فكذلك قرينة ذكر المال؛ وهذا إذا جرى العقد بلفظ "الخلع".
فإن كان بلفظ "المفاداة" أو "الفسخ"، فإن قلنا: إن لفظ الخلع طلاق: إما صريح على القول الأول، أو كناية على القول الثالث- فلفظ "الفسخ" كناية.
وفي لفظ "المفاداة" وجهان: الأصح منهما- وهو ما حكاه في التهذيب- أنه كلفظ الخلع؛ فيخرج على القولين.
وإن قلنا: إن لفظ الخلع فسخ، ففي لفظ الفسخ وجهان: أصحهما- وهو المذكور في التهذيب-: أنه صريح، وينسب إلى اختيار القاضي الحسين.
والثاني: أنه كناية، وفي التتمة: أنه اختيار القفال، وفي النهاية نسبته إلى العراقيين.

وفي لفظ "المفاداة" أيضاً وجهان: أظهرهما: أنه صريح؛ كلفظ الخلع، وهو ما جزم به في المهذب.
أما إذا نوى الطلاق بلفظ الخلع، أو المفاداة، أو الفسخ، فقد قال الشيخ- رضي الله عنه-: إنه يكون طلاقاً، ووجهه: أنا إن جعلنا ذلك كناية في الطلاق، فقد اقترنت به النية؛ فكان طلاقاً؛ كسائر الكنايات.
وإن قلنا: إنه صريح في الطلاق، فالنية تؤكده.
وإن قلنا: إنه فسخ، فالفسخ في الخلع يعتمد التراضي بالفسخ، فإذا لم يقصد الزوج الفسخ، ولم يخطر له ببال، فالتراضي على الفسخ مفقود، وهو سبب الفسخ؛ فلا يثبت، ويثبت الطلاق؛ لأن اللفظ يحتمله، وقد اقترنت به النية، فصار كسائر الكنايات.
وفي المهذب حكاية وجه: أنه إذا أتى بصريح الخلع، لا يكون طلاقاً، وينفذ في الفسخ، واختاره القاضي الحسين، وهو المذكور في "التتمة" و"الوجيز"، وفي "الوسيط": أنه الظاهر، وفي "الناية": أن المحققين قطعوا به؛ لأنه وجد نفاذاً في موضعه صريحاً؛ فلا ينصرف إلى غيره بالنية؛ كما لو نوى بلفظ الطلاق الظهار، أو بالعكس.
وفي "الذخائر" إلحاق كل ما جعلناه صريحاً في الفسخ من المفاداة، والفسخ بالخلع- في هذا المعنى.
قال ابن يونس: والصحيح الأول، وهو الذي يشعر به إيراد صاحب التهذيب؛ حيث قال: وهو فسخ، إلا أن ينوي به الطلاق، وقد قطع به في "الشامل".
والفرق: أن الفسخ والطلاق نوعان يدخلان تحت حيز البينونة، ويشتركان في ثبوت العدة، والطلاق والظهار لا يتقاربان مثل هذا التقارب، ولأن الطلاق يختص بالنكاح؛ [فلا يجعل ما هو صريح فيه صريحاً في حكم آخر يتعلق به، والفسخ لا يختص بالنكاح]؛ فجاز أن يكون كناية فيه.

فروع: إذا قلنا: إن الخلع فسخ، فهل يصح بالكناية: [كالمبارأة]، والتحريم، وسائر كنايات الطلاق؛ إذا نوى بذلك الفسخ؟ فيه وجهان محكيان في المهذب وغيره.
والأصح في الشامل والرافعي: أنهما يجريان في لفظ المفاداة والفسخ؛ إذا قلنا: إنه كناية على هذا القول، أما إذا نوى الخلع عاد الخلاف في أنه فسخ أو طلاق.
ولفظ البيع والشراء كناية في الخلع على القولين؛ وذلك بأن يقول: بعت منك نفسك بكذا: فيقول: اشتريت، أو: قبلت، ولفظ الإقالة كناية [فيه أيضاً]، وبيع الطلاق بالمهر من جهة الزوج، وبيع المهر بالطلاق من جهة المرأة- يعبر بهما عن الخلع.
قال الرافعي: فيكونان كنايتين، كما لو قال: بعت منك نفسك.
وفي الزيادات لأبي عاصم العبادي: أن بيع الطلاق مع ذكر العوض صريح، وبدون ذكر العوض فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يقع ما لم ينو.
والثاني: يقع بمهر المثل؛ كذا وقفت عليه، وقد حكاه الرافعي في كتاب الطلاق عنه أيضاً.
وينعقد الخلع بالعجمية؛ كما ينعقد بالعربية، [والله أعلم].
تنبيه: إذا تأملت ما ذكرناه، علمت أن أئمة المذهب قد فرقوا بين لفظ الخلع، والمفاداة، والفسخ في بعض المواضع [على خلاف]، وفي بعض بلا خلاف، وكلام الشيخ- رضي الله عنه- يقتضي التسوية بين الألفاظ الثلاثة في جميع الأحكام التي ذكرها، ولم أر ذلك لأحد فيما وقتف عليه إلا ما حكاه الجيلي، وقال: إنه الأصح في الكتب، وموضع المناقشة لا يخفى على متأمل.
قال: ولا يصح الخلع إلَّا بذكر العوض؛ لأنه عقد معاوضة؛ فلابد فيه من ذكر العوض كالبيع.
والمراد من عدم الصحة هنا: عدم البينونة، وأما حصول الفراق من غير بينونة ناجزة إذا كان بعد الدخول، فهو مبني على أنه فسخ أو طلاق.

فإن قلنا: إنه فسخ، لغا، ويصير وجود ذلك كعدمه؛ لأن الفسخ بالتراضي لا يكون إلا على عوض.
وإن قلنا: إنه طلاق صريح، ومأخذ الصراحة ذكر المال، ولم ينو- لغا أيضاً.
أما إذا قلنا: مأخذ الصراحة الشيوع، أو ذكر العوض، ونوى، أو قلنا: هو كناية ونوى- وقع رجعيّاً؛ إذ ليس من شرط وقوع الطلاق ذكر المال.
وفي التتمة: أنا حيث قلنا: [إن] مأخذ الصراحة الشيوع، فذاك في حالة ذكر العوض، أما عند عدمه فلا؛ لأن استعمال لفظ الخلع من غير ذكر العوض [غير معهود]، فإن نوى الطلاق وقع، وإن لم ينو فلا.
وفي النهاية: أن مساق كلام الأصحاب: أنه لو نفى العوض في الخلع، لم يصح الخلع على [قول] الفسخ، والقياس الحق: صحته بلا عوض؛ فإن النكاح إذا نفي فيه الصداق انتفى على الأصح.
ومن قال بوجوبه قال: إذا جرى المسيس، وجب لا محالة؛ فليجب بالعقد؛ رعاية لحرمة البضع، ومثل هذا المعنى لا يتحقق في الفسخ، وهو في وضعه مستغنٍ عن العوض، فتلخَّصَ من ذلك: أنا إن قلنا: إن الخلع فسخ [لغا]؛ على الأصح، وإن قلنا: إنه طلاق، ولم ينو به الطلاق [لم يقع إلا على رأي؛ إذا جعلنا مأخذ الصريح الشيوع، وإن نوى] وقع.
وحيث حكمنا بالوقوع، فهل من شرطه قبولها؟ فيه وجهان: أشبههما- وهو المذكور في التهذيب، واختيار الإمام-: أنه لا حاجة إليه؛ لاستقلال الزوج بالطلاق الرجعي.
والثاني- وهو المذكور في الوجيز-: أنه يفتقر [إلى قبولها].
ثم هذا الخلاف فيما إذا قال: خالعت، وأضمر التماس جوابها، أما إذا لم

يضمر، أو قال: خلعت فلا حاجة إلى القبول؛ هكذا حكاه الرافعي، و [هو] في النهاية احتمال من عند الإمام، ثم هذه التفاريع كلها على قولنا: إن الخلع المطلق لا يقتضي ثبوت المال.
وقال بعض أصحابنا: إنه يقتضي ثبوته، وهو اختيار القاضي الحسين، وجعله الإمام الأظهر؛ لأن الخلع يوجب المال إذا جرى على خمر أو خنزير، فإذا جرى مطلقاً أوجبه كالنكاح؛ فعلى هذا إن جعلناه فسخاً، أو كناية، ونوى- وجب مهر المثل، وحصلت البينونة.
وإن جعلناه كناية، ولم ينو، لغا.
وإن جعلناه صريحاً، فإن قلنا: مأخذه الشيوع، نفذ [الطلاق على مهر المثل، وإن قلنا: مأخذه المال، لم ينفذ الطلاق.
فرع: إذا قلنا:] مطلق الخلع لا يقتضي المال، فلو نوى المال، فهل تؤثر النية في ثبوته؟ فيه وجهان: فإن قلنا: تؤثر؛ فلا بد من نيتها أيضاً.
وإن قلنا: لا تؤثر؛ فيقع الطلاق، وتلغى نية المال، أو لا يقع؛ لأنه نوى الطلاق على المال لا مطلقاً؟ فيه وجهان: [فرع] آخر: إذا اختلعت نفسها على ما بقي لها من الصداق، فخالعها الزوج عليه، وكان لم يبق لها عليه شيء، ففي [فتاوى] صاحب التهذيب ذكر وجهين في أنه هل تحصل البينونة بمهر المثل؛ تخريجاً على الخلاف فيما إذا تخالعا من غير تسمية مال، ورجح القول بالحصول.
وفي فتاوى القفال: أنها إن كانت جاهلة بالحال، فالواجب عليها مهر المثل، أو مثل ذلك القدر، وفيه القولان المعروفان.
وإن كانت عالمة بالحال، فإن كان الجاري بينهما لفظ الطلاق، فتبين، ويعود الخلاف في الواجب، أو يقع رجعيّاً؟ فيه وجهان.

وإن كان الجاري لفظ الخلع، فإن قلنا في الطلاق: يجب، فها هنا أولى، وإلا فوجهان، بناءً على أن لفظ الخلع هل يقتضي ثبوت المال؛ كذا حكاه الرافعي في آخر كتاب الخلع.
قلت: ويتجه أن يجيء بعض هذا التفصيل فيما إذا خالعها على ما في كفها، ولم يكن فيه شيء، وإن كان الغزالي في الوسيط جزم فيها بوقوع الطلاق رجعيّاً.
وفي الشامل والتتمة: أنه يكون بائناً، والرجوع إلى مهر المثل.
وفي الرافعي: أنهي شبه أن يكون جواب الغزالي فيما إذا كان عالماً بصورة الحال، والثاني فيما إذا ظن في كفها [شيئاً]، والله أعلم.
قال: فإن قال: أنت طالق وعليك ألف، وقع الطلاق رجعيّاً- أي: إذا كان بعد الدخول، ولم يستوف بذلك [عدد الطلاق، ولم يسبق منها طلب، سواء قبلت، أو لم تقبل؛ لأنه أوقع الطلاق] مجاناً، ثم استأنف الإخبار عن إيجاب العوض من غير طلاق؛ فأشبه ما لو قال: وعليك حج وهذا بخلاف [ما لو قالت: طلقني وعلى ألف]، فطلقها حيث قلنا: يقع الطلاق بائناً بالألف [منها].
والفرق: أن الذي يتعلق بالمرأة من هذا العقد التزام المال، فيحمل اللفظ منها على الالتزام، والزوج ينفرد بالطلاق، فإذا لم يأت بصيغة المعاوضةن حمل كلامه على ما ينفرد به.
وفي التتمة: أنه إذا شاع في العرف استعمال لفظ المسألة في طلب العوض والتزمه، كان كما لو قال: طلقتك على ألف.
أما إذا سبق منها الطلب، فقالت: طلقني بألف، فقال: أنت طالق، وعليك ألف استحق الألف؛ ولكن بقوله: أنت طالق؛ إذ السؤال كالمعاد في الجواب.
ولو قالت: طلقني ببدل فقال: أنت طالق بالبدل أو أطلق، فتحصل البينونة بمهر المثل.
ولو قال- والصورة هذه-: [أنت طالق، وعليك ألف]، فإن قبلت حصلت البينونة، وإلا لم يقع الطلاق.

قال: وإن ضمنت له الألف، لم يصح الضمان؛ لأنه ضمان ما لم يجب، فإن دفعت إليه الألف، كانت هبة يشترط فيها شرائط الهبة، ولو قال الزوج: أردت بقولي: [وعليك ألف] الإلزام، وعنيت ما يعنيه القائل بقوله: طلقتك على ألف- لم يصدق، فإن وافقته المرأة فوجهان: أصحهما: أنه يؤثر، وتبين منه بالألف، ويكون المعنى: ولي عليك ألف عوضاً عنه.
ولو قال: أنت طالق على أن لي عليك ألفاً، فقبلت، صح الخلع، ووجب المال، كذا نقله العراقيون حكاية عن الإمام؛ لأن كلمة "على" كلمة شرط، فجرى مجرى قوله: أنت طالق على ألف، بخلاف: وعليك ألف؛ فإنه استئناف لا شرط.
وقال العمراني: ظاهر هذا: أنه شرط، والطلاق لا يقبل الشرط؛ فيلغو، ويقع الطلاق رجعيّاً.
ومراده: أن الصيغة صيغة شرط، والشرط في الطلاق يلغو إذا لم يكن من قضاياه، كما لو قال: أنت طالق على ألَّا أتزوج بعدك، أو: على أن لك علي كذا.
قال: وإن قال: أنت طالق على ألف، فقبلت، بانت، ووجب المال: أما وجوب المال؛ فلقبولها.
وأما البينونة؛ فلأن الطلاق وقع؛ لوجود شرطه، وهي إنما بذلت المال؛ لتملك البضع؛ فلا يملك الزوج ولاية الرجوع إليه؛ كما أن الزوج لما بذل المال صداقاً؛ ليملك البضع، لا يكون للمرأة ولاية الرجوع إلى البضع.
ولو استدل مستدل بقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، لدل على الحكمين.
والمراد بالمال الواجب: المسمى إن سميا مالاً في العقد، أو ما نوياه؛ لم يسميا، أو مهر المثل عند عدم التسمية والنية؛ هكذا صرح به ابن الصباغ.
وفي الوسيط: أنهما إن لم يسميا شيئاً في العقد، وتوافقا على إرادة نوع واحد؛ فلا خلاف أن ذلك لا يحتمل في الخلع، ويكون الخلع على مجهول.
وفي الوسيط حكاية ذلك عن العراقيين.

وفرق في الوسيط بين ذلك، وبين ما إذا خالعها على الف درهم، وفي البلد نقود مختلفة، وتوافقا على إرادة نوع واحد منها بالنية؛ فإن الأظهر فيها الصحة، وأن ذلك محتمل، وهو ما نقله الإمام عن العراقيين لا غير؛ لأن اللفظ في إطلاق الألف صريح في الإجمال، ولم يوجد سوى مجرد العدد، وهو لا ينبئ عن ماهية جنسية، ولا نوعية؛ بخلاف الدراهم؛ فإنه لم يبق إلا التفصيل بالصفات.
ثم قال: وفي كلام القاضي ما يدل على أن عموم الألف كعموم الدراهم، ونقله الإمام عنه صريحاً.
قال الرافعي: وإذا تأملت كتب شيخي العراقيين: أبي حامد، وأبي الطيب، وغيرهما- وجدتها متفقة على ما ذهب إليه القاضي.
قلت: ويؤيد ذلك ما تقدمت حكايته في كتاب النكاح، وهو أن الرجل إذا كان له ابنتان، فقال لرجل: "زوجتك بنتي"، ونويا واحدة بعينها: أن النكاح ينعقد على المنوية؛ على ما صار إليه العراقيون، وصاحب التهذيبن مع أن الشهادة شرط فيه، ولا مطلع للشهود على النية، فإذا جوزنا ذلك مع ما ذكرناه، فلأن نُصَحِّحَ الخلع على المنوي أولى.
وذكر الشيخ أبو محمد طريقة أخرى في المسألة، فقال: إن لم يتواضعا على [أن] المراد بالألف ماذا؟ فليس إلا القطع بفساد الخلع والرجوع إلى مهر المثل.
وإن تواضعا قبل العقد على أن يعنيا بالألف جنساً- ونوعاً، وأحاطا به، فالخلع ينعقد؛ وهذا يلتفت على التردد في مهر السر والعلانية؛ هكذا أطلقه الإمام.
وفي [الوسيط] تخصيص ذلك بإرادة نوع من الدراهم.
قال: ويجوز على الفور، وعلى التراخي، أي: الخلع منه ما يكون القبول فيه على الفور، ومنه ما يكون على التراخي؛ لأن الزوج إذا بدأ بالطلاق، وذكر العوض، كان معاوضة فيها شائبة التعليق: أما [جهة] المعاوضة؛ فلأنه يأخذ مالاً في مقابلة ما يخرجه عن ملكه.

وأما شائبة التعليق؛ فلأن وقوع الطلاق يترتب على قبول المال وبذله؛ كما يترتب الطلاق المعلق بالشروط عليها، ثم تارة يغلب معنى المعاوضة، فتشترط الفورية؛ كما في عقود المعاوضات، وتارة معنى التعليق؛ فلا تراعى الفورية؛ وتارة يراعى المعنيان، ويختلف ذلك بالصيغ المأتي بها، وقد بين الشيخ ذلك بمثال فقال: فإذا [قال]: خلعتك على ألف أو: أنت طالق على ألف، أو: إن ضمنت لي ألفاً أو: [إن أعطيتني ألفاً]، أو: إذا أعطيتني ألفاً فأنت طالق- لم يصح حتى يوجد القبول، أي: في الصور الثلاث الأول، والعطية، أي: في الصورتين الأخيرتين عقيب الإيجاب.
وفي الجيلي: جعل صورة الضمان مثل صورة الإعطاء؛ فلا يقع فيها طلاق ما لم يقع الإعطاء.
وتوجيه ما قاله الشيخ: أما في المسألتين الأوليين؛ فلأن الصيغة صيغة معاوضة ليس فيها ما يدل على التعليق؛ فكان جوابها على الفور؛ كما في البيع.
وأما في الباقي؛ فلأن "إن" و"إذا" يحتملان الفور والتراخي، فإذا اقترن بهما ذكر العوض، حملاً على الفور؛ لأن المعاوضات تقتضي الجواب على الفور؛ فخصصناهما بحكم المعاوضة، وقصرناهما على أحد محتمليهما.
وفي التتمة: أن اشتراط تعجيل الإعطاء مخصوص بما إذا كانت الزوجة حرة، أما إذا كانت أمة، فلا يعتبر الفور في حقها، ويقع الطلاق مهما أعطته؛ لأنها لا تقدر على الإعطاء في المجلس؛ لأنه لا يد لها، ولا ملك، وأنها إذا أعطته الألف من كسبها، حصلت البينونة؛ لوجود الصفة، وعليه رد المال للسيد، ومطالبتها بمهر المثل إذا عتقت.
قلت: ويتجه أن يكون في حصول البينونة خلاف؛ كما إذا أعطته الحرة مغصوباً، ويؤيده ما نقله في التهذيب، وهو ما إذا قال لامرأته الأمة: إن أعطيتني ثوباً فأنتِ طالق، فأعطته ثوباً، لم تطلق.
وفي الرافعي حكاية وجه: أن الإعطاء إذا وجد قبل التفرق من المجلس يوقع

الطلاق وإن طالت المدة، ويجعل مجلس التخاطب جامعاً؛ كما في العرف.
وفي الوسيط حكاية وجه: أنه لا يختص [الإعطاء بمجلس أيضاً]؛ كسائر التعليقات.
وقال الرافعي: إنه يحكي عن شرح التلخيص.
والشيخ- رضي الله عنه-[في المهذب اختار من عند] نفسه أن "إذا" تلتحق بـ "متى"؛ لأنها تسد مسدها في قول القائل: متى ألقاك؟؛ فإنه يحسن أن يقول: إذا شئت، كما يحسن أن يقول: متى شئت، بخلاف "إن" فإنه لا يحسن أن يقال في جوابه: إن شئت.
واعلم أن القبول في المسألة الأولى أن تقول: قبلت الألف، ولا يشترط أن تقول: اختلعت.
وفي فتاوى القفال: أن أبا يعقوب غلط، فقال: لابد أن تقول: اختلعت، وفي المسألة الثانية أن تقول: قبلت الألف، والإتيان باللفظ شرط على ما حكاه الرافعي.
و [قال] مجلي، وصاحب الشامل، والمتولي: إنها إذا دفعت [له] الألف على الفور، وقع الطلاق؛ لأنه طلقها على الألف، فكيف حصلت له؛ وقع بها الطلاق.
وفي المسألة الثالثة أن تقول: ضمنت، ولا يقوم مقامه الإعطاء؛ على ما حكاه في الشامل.

وعلى ما قاله الجيلي: يكفي الإعطاء.
والإعطاء الذي يقع به الطلاق في المسألة الرابعة والخامسة: أن يسلم إليه فيقبضه، وإن وضعته بين يديه، وأذنت له في قبضه كفى، وإن امتنع الزوج من القبض.
وفي شرح الجويني [حكاية وجه]: أنه لا يكفي الوضع بين يديه، بل لابد من التسليم، والتسلم.
وفي الذخائر: أنها إذا مكنته من القبض، ولم يقبض، وقع الطلاق، لكن هل يستحق عين الألف، أو لها الإبدال بغيرها على قول ملك العوض؟ فيه وجهان.
فرعان: أحدهما: لو قال: أنت طالق بألف، فقبلت بألفين، ففي الشامل، والتتمة: أنه يصح، ولا يلزمها الألف الزائد.
وفي التهذيب وغيره: أنه لا يصح؛ كما في مثله في البيع.
نعم: إن قال: إن أعطيتني ألفاً، أو: إن ضمنت لي ألفاً، فأنت طالق، فأعطته ألفين، أو ضمنت، طلقت بالإعطاء في الأولى، وبالضمان في الثانية.
وفي ابن يونس حكاية وجه: أنه لا يقع إذا أعطته [ألفين].
الثاني: إذا أعطته ما علق طلاقها عليه، هل يملكه الزوج؟ فيه وجهان: المشهور منهما: أنه يدخل في ملكه.
والثاني: المنع، وينقل عن رواية الشيخ أبي علي؛ فيرد العوض، ويرجع إلى مهر المثل.
قال الرافعي: وهذا الوجه يجري فيما إذا قال: إن ضمنت لي ألفاً فأنت طالق، فقالت: ضمنت.
قال: وله أن يرجع فيه قبل القبول- أي: والعطية- كما ذكره في المهذب: أما في المسألتين الأوليين؛ فلأن الصيغة صيغة معاوضة؛ فجاز الرجوع فيها قبل القبول؛ كما في البيع، وسائر العقود.
وأما في الباقي؛ فلأنه يشترط أن يكون الضمان والإعطاء على الفور؛ تغليباً لشائبة المعاوضة؛ فوجب أن يثبت [له] الرجوع- أيضاً- تغليباً لهذه الشائبة؛

إذ هو من أحكام المعاوضة.
وفي "الزيادات" لأبي عاصم العبادي: أنه ليس له الرجوع فيما إذا قال: خالعتك على ألف، وطرده في السيد [فيما] إذا قال لعبده: أنت حر على ألف، أو قال ولي الدم لمن عليه القصاص: صالحتك من دم العمد على ألف درهم، وجوزناه: أنه ليس لهما الرجوع قبل القبول؛ لأن ذلك لا يحتمل الانتقاض بعد وقوعه، وفي الطلاق والعتاق معنى اليمين.
وقال أبو الطيب بن سلمة: له الرجوع.
وفي التهذيب: حكاية خلاف في الصور الثلاث الأخيرات في جواز الرجوع فيهن قبل الضمان والإعطاء، وقدم في إيراده عدم الجواز، وهو المذكور في التتمة والوسيط، فميا إذا كان التعليق بـ "إن".
قال الرافعي: ويقرب مما قاله الشيخ في المهذب ما حكاه القاضي ابن كج عن أبي الطيب بن سلمة: [أن] الزوج بالخيار بين أن يقبل الألف التي أحضرته، وبين أن يترك.
قلت: وهذه المادة مأخوذة من وجه حكيناه من قبل [في] أن الوضع بين يديه لا يكفي، بل لابد من التسليم والتسلم.
أما إذا قلنا: إن الوضع بين يديه كافٍ؛ فلا يجتمع معه القول بالتخيير.
فإن قيل: الشيخ- رضي الله عنه- خصص [جواز] الرجوع بما قبل القبول؛ فيجوز أن يكون اختياره عدم الجواز قبل الإعطاء؛ تغليباً لشائبة التعليق؛ كما حكيناه عن غيره؛ إذ لو كان الحكم عنده في الجميع واحداً؛ لعمّم الجواب؛ كما عممه في اشتراط الفورية.
قلنا: يمكن أن يجاب عن ذلك بأن من قال بعدم جواز الرجوع، طرده في صورة ما إذا قال: إن ضمنت لي ألفاً؛ لأن المأخذ تغليب شائبة التعليق، والشيخ- رضي الله عنه- كلامه يقتضي أنه يجوز في صورة الضمان؛ لأنه مما يتوقف

وقوع الطلاق فيه على القبول دون الإعطاء؛ كما حكيناه عن الشامل، فلو قال به، لكان قولاً ثالثاً، ولم يصر إليه أحد.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أن صورة الضمان مما يعتبر فيها القبول، بل يكفي فيها الإعطاء؛ كما حكيتم ذلك عن الجيلي، وعلى تقدير تسليم ذلك، فممكن أن يفرق بينه وبين صيغة الإعطاء؛ فإنه لما كان القبول فيا متعيناً مع اشتراطا لفورية شابهت عقود المعاوضات؛ فغلبنا شائبة المعاوضة؛ لقوة الشبه، بخلاف صورة الإعطاء؛ فإنها لما خلت عن اعتبار اللفظ، ووجدت صيغة التعليق، لم تشابه عقود المعاوضات؛ فغلبنا فيها شائبة التعليق، ويكون هذا اختيار الشيخ وإن لم يقل به أحد، كما اختار في إذا أن حكمها حكم متى على ما هو في المهذب.
واعلم أن ابن يونس قال في هذا الموضع: وأما الصورة الثالثة والرابعة، فالذي ذكره الشيخ- رحمه الله-: أن له الرجوع قبل القبول، وهذا الكلام يفهم أن ذلك يحتاج إلى القبول، [وهو مسلم في الصورة الثالثة، وأما الصورة الرابعة، فلا يعتبر فيها القبول].
فرع: إذا قال لامرأتيه: طلقتكما بألف فقبل قبولهما، هل يجوز للزوج الرجوع؟ فيه وجهان: وجه عدم الجواز: أن كلامه يتضمن تعليق طلاق كل واحدة منهما بقبول صاحبتها؛ إذ لو لم تقبل، لما وقع الطلاق، وتعليق الطلاق لا يقبل الرجوع؛ حكاه في المهذب.
قال: وإن قال: متى ضمنت لي ألفاً أو: متى أعطيتني ألفاً فأنت طالق جاز القبول- أي: والعطية- في أي وقت شاءت؛ وكذا لو قال: في أي وقت، أو: في أي زمان، أو: حين، أو: مهما؛ لأن هذا اللفظ صريح في التراخي، ونص عليه، لا يحتمل سواه؛ بدليل ما لو قال: متى أعطيتني الساعة، كان محالاً، وما كان كذلك، فلا يتغير بالقرائن؛ لأ، النص لا يتبدل معناه، ولا ينقسم مقتضاه؛ كذا قاله في الذخائر؛ وهذا بخلاف جانب المرأة؛ فإنها لو قالت: [متى طلقتني، فلك ألف]، اختص الجواب بمجلس التواجب.

وفرق بينهما الغزالي بأن الغالب على جانبه التعليق، وعلى جانبها المعاوضة، ثم قال في الفصل الثالث في استدعائها زماناً مؤقتاً: إنها إذا قالت [له]: خذ مني ألفاً، وأنت مخير في تطليقي من يوم إلى شهر، فطلقها في الشهر على قصد الإجابة- أنه يستحق مهر المثل، بخلاف قولها: متى ما طلقتني فلك الف؛ فإن متى وإن كان ظاهراً في التأخير؛ فلا يستحق العوض إلا بطلاق [في المجلس]؛ لأن قرينة العوض قابلت عممو اللفظ، فخصصته بالمجلس.
أما ها هنا [فقد] رفعت الاحتمال بالتصريح والتخيير [في الشهر].
قلت: وما ذكره [معارض بما ذكره في الذخائر، وعلى تقدير التسليم، فهو موجود فيما إذا أتى الزوج] بصيغة متى، ولم تعتبر الفورية في قبولها.
ثم قال: ومن الأصحاب من نقل الجواب من كل مسألة إلى الأخرى، وسوى بينهما، يريد: في اشتراط التعجيل وعدمه.
أما المسمى، فصحيح في مسألة متى بلا خلاف؛ على ما حكاه الرافعي.
وفي المسألة الأخرى لا يثبت.
وفيما يجب طريقان: أحدهما: مهر المثل [كما ذكره الغزالي.
والثاني: مهر المثل]؛ على قول، وبدل المسمى على قول.
فإن قيل: قد قلتم: إن الخلع من جانب المرأة معاوضة محضة نازعة إلى الجعالة، والجعالة لا يشترط في استحقاق عوضها حصول المقصود في المجلس بلا خلاف؛ فهلا كان الأمر ها هنا كذلك؟ فالجواب: أن الجعالة إنما جوزها الشرع؛ للحاجة الماسة إليها، ولا يتأتى فيها حصول المقصود على التعجيل؛ فإنها تفرض في الأمور المجهولة: كرد الآبق، وغيره؛ فاستحال اشتراط التعجيل فيها، والزوج هنا يتمكن من تعجيل المقصود، وهو الطلاق؛ فلا ضرورة في إخراج عقد المعاوضة عن وضعه.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل