كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 266-305
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصداق

صفحات 266-305
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بالقيمة، وقد تخلو يدها عن القيمة يومئذ.
والثاني هو مذهب العراقيين: أنه ليس [لها الامتناع].
فإن لم نوجب الإجابة، ولم يطالبها إلى أن انفك الرهن، فهل يتعلق حقه بالعين أو القيمة؟ فيه وجهان: أصحهما في التهذيب: الثاني.
فرع: ولو زال ملكها عن الصداق، ثم عاد قبل الطلاق، فهل يتعلق حقه بالعين أو القيمة؟ فيه وجهان: [الأصح منهما] وهو المذهب في التهذيب، وما أجاب به في الشامل، والمهذب: التعلق بالعين، بخلاف الهبة؛ لأن الرجوع في الهبة يختص بالعين دون بدلها، ورجوع الزوج لا يختص بالعين، بل يتعلق بالبدل، فالعين العائدة أولى بالرجوع من بدل الفائت.
ولو كاتبت عبد الصداق، وعجز نفسه، ثم طلقها، فعن القاضي الحسين إجراؤه مجرى الزوال اللازم.
وقال الإمام: ينبغي ألّا يترتب هذا على زوال الملك؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
قال الرافعي: ولاشك أن عروض الرهن وزواله قبل الطلاق لا يؤثر.
قلت: ويتجه أني خرج فيه وجه من زوال الرهن في العين الموهوبة؛ فإنه لا يثبت للأب الرجوع على وجه يحكي في الذخائر.
ويمكن أني فرق بينهما بالفرق المذكور من قبل.
قال: وإن كان زائداً زيادة منفصلة: كالولد، والثمرة، رجع في نصفه دون الزيادة- أي: سواء حصلت في يده، أو في يدها- لأنها غير مفروضة، ولأنها زيادة متميزة، حدثت في ملكها؛ فلم تتبع الأصل في الرد؛ كما لو

رد المبيع بالعيب.
واعلم: أن قولنا: إنه يرجع في نصف الأم دون الولد مفروض في غير الجواري، فأما في الجواري، فليس له الرجوع في نصف الأم، على ما قاله ابن الصباغ والمتولي؛ لأنه يتضمن التفرقة بين الأم والولد في بعض الزمان، لكنه يرجع إلى القيمة.
فإن قيل: قد حكيتهم أن الصحيح جواز الرد بالعيب وإن لزم منه التفريق؛ لأنه يقع بطريق التبع، فهلا كان هذا مثله.
قيل: لو منع ذلك في البيع، لزم أن يبقى المعيب في ملكه، وذلك ضرر لا يجبره الأرش من كل وجه، وهنا المأخوذ جابر [للضرر] من كل وجه؛ فلا ضرورة في التفريق.
ثم ما ذكرناه في غير الجواري مفرع على المذهب في أن التفرقة لا تحرم، أما إذا فرعنا على مذهب الصيمري في أن التفرقة محرمة في سائر الحيوانات فيتجه أن [يكون] الحكم كما في الآدميات.
قال: [ولو كانت زيادة] متصلة، كالسمن والتعليم- أي: وما في معناه، من طول الشجرة، وكبرها- فالمرأة بالخيار بين أن ترد النصف زائداً- أي: ويجبر الزوج على قبوله؛ لأنه نصف المفروض مع زيادة لا تتميز، وفي المجرد للحناطي وجه: أنه لا يجبر على القبول؛ لما فيه من المنة.
والظاهر الأول؛ لأن هذه الزيادة لا تنفرد بالتصرف، بل هي تابعة؛ فلا تعظم فيها المنة.
قال: وبين أن تدفع إليه قيمة النصف؛ لأن الزيادة غير مفروضة، ولا يمكن الرد دونها؛ فجعل المفروض كالهالك.
ثم المعتبر في القيمة أقل قيمة من يوم الإصداق إلى يوم التسليم إلى المرأة؛

كما ذكرناه من قبل.
وقال الإمام: كنت أود لو قيل إذا لم يطرأ عيب، وإنما وجد تفاوت القيم بارتفاع الأسواق: أن يكون الاعتبار بقيمة يوم الطلاق؛ فإن الشطر إنما يرتد إلى الزوج يومئذ والعين قائمة، ولكنها لا تردها لمكان الزيادة؛ فالوجه أن نقول: ما قيمة هذه العين لو لم تكن زيادة، فنعتبرها؟ وأجاب عنه الغزالي بأن الزيادة المفروضة للرجوع؛ فكان كفوات العين.
ثم قال الأصحاب: ولا تمنع الزيادة المتصلة الاستقلال بالرجوع إلا في هذا الموضع، وأما في غيرها فلا تمنع؛ كما إذا أفلس المشتري بالثمن [والعين زائدة، ورجوع] الأب فيما وهبه لولده، وهو زائد، ورد المبيع بالعيب، والثمن زائد، أو رد الثمن بالعيب، والمبيع زائد.
وفرقوا بأن الملك في هذه المسائل رجع بطريق الفسخ، والفسخ محمول على العقد ومشبه به، والزيادة تتبع الأصل في العقود فكذلك [في] الفسوخ، وعود الملك في الشطر بالطلاق ليس على سبيل الفسخ؛ ألا ترى أنه لو سلم العبد الصداق من كسبه، ثم عتق، وطلق، كان الشطر له لا للسيد، ولو كان سبيله سبيل الفسوخ، لعاد على الذي خرج عن ملكه، وإنما هو ابتداء ملك ثبت فيما فرض صداقاً لها، وليست الزيادة فيما فرض.
وفرق أبو إسحاق بين الصداق وبين إفلاس المشتري بأن في الفلس لو منعناه [من الرجوع إلى] العين، لم يتم له الثمن؛ لمزاحمة الغرماء، وهنا إذا لم يرجع إلى العين تسلم له القيمة بتمامها؛ فلا يلحقه كثير ضرر؛ حتى لو كانت مفلسة محجوراً عليها عند الطلاق فلو ترك العين، لاحتاج إلى المضاربة؛ فإنه يرجع في العين [مع الزيادة]، ولا يحتاج إلى رضاها.
قال في الشامل: وما قاله يلزم عليه إذا وجد بالثمن عيباً، وقد زاد المبيع زيادة

متصلة، فإنه يمكنه الرجوع إلى الأرش، ومع هذا يرجع في العين.
وعوَّل الأكثرون على الفرق الأول وأبوا استقلاله [بالرجوع] وإن كانت محجوراً عليها.
وحكم الزوائد المتصلة والمنفصلة فيما سوى الطلاق في الأسباب المشطرة حكمها في الطلاق.
وما يوجب عود جميع الصداق على الزوج ينظر فيه: إن كان سببه عارضاً كالرضاع، وردتها، فكذلك.
وفي ردتها [وجه: أن] الزوج يستقل بالرجوع بالزيادة المتصلة.
وإن كان سببه الفسخ بالعيب المقارن، فالزيادة لا تمنع الرجوع.
وفي التتمة بناه على أن الفسخ إذا اتفق بعد الدخول، هل يسلم لها المسمى؟ إن قلنا: نعم، فهو كما لو كان السبب عارضاً، وإن قلنا بوجوب مهر المثل، بني على أن الفسخ يستند إلى وقت العقد، ونقول [بارتفاع العقد في أصله] أو لا؟ وفيه خلاف.
وإن قلنا: لا؛ فالحكم كذلك.
وإن قلنا: نعم؛ فيعود غليه بزوائده المتصلة والمنفصلة.
تنبيه: هذا الخيار ليس على الفور، لكنه إذا توجهت طلبة الزوج لا تتمكن المرأة من التأخير، بل تكلف اختيار أحدهما، والزوج لا يجزم دعواه في القيمة ولا في العين؛ فإن إثبات الخبرة إليها، يمنع الجزم، ولكن يطالبها بحقه عندها، فإن امتنعت، قال الإمام: فالقاضي لا يقتضي منها على أن يحبسها؛ لتبذل القيمة أو العين، بل يحبس عين الصداق عنها إذا كانت حاضرة؛ فإن تعلق حق الزوج بالصداق فوق حق المرتهن، فإذا أصرت على الامتناع، فإن كان نصف القيمة أقل من نصف العين للزيادة، يبيع ما يفي بالواجب، فإن لم يرغب في

شراء البعض، باع الكل، وصرف الفاضل عن القيمة الواجبة إليها.
وإن كانت نصف القيمة مثل نصف العين، ففيه احتمالان للإمام: أظهرهما- وهو ما ذكره الغزالي-: أنه يسلم نصف العين إليه، ولكن لا يملكه ما لم يقضِ القاضي به؛ لأنه يدرك بالاجتهاد، ومن نصِّ الشافعي وعلى هذا غلط من اعتبر القضاء في أصل التشطير.
والثاني: لا يستلم، بل تباع؛ رجاء أن يجد زبوناً.
قلت: وهذا [شبيه] ما إذا فسخ عقد القراض، ورأس المال عروض قيمتها قدر رأس المال، فرضي رب المال بها، وأبى العامل إلى البيع؛ لاحتمال وجود زبون، فمن المجاب منهما؟ فيه وجهان في النهاية.
والأصح: إجابة المالك؛ إذ الزيادة بارتفاع الأسواق لا أثر لها في منع الرجوع.
فرع: لو كان الصداق نخلاً، وعليها طلع مؤبر حين الطلاق خاصته؛ فبذلت المرأة نصفها مع الطلع، أجبر على أخذ ذلك على المنصوص؛ كالسمن.
وإن بذلتها دون الطلع فلا؛ خلافاً للمزني.
وإن طلب الزوج نصف النخل، وترك الثمرة إلى أوان الجذاذ، فهل تجبر؟ فيه وجهان.
قال: وإن كان ناقصاً- أي: نقصان صفة- مثل أن كان عبداً، فعمي، [أو مرض]، أو نسي الحرفة في يدها، أو كان أمة فزوجها- فالزوج بالخيار بين أن يرجع فيه ناقصاً- أي: ولا أرش له- كما إذا تعيب المبيع في يد البائع، وبين أن يأخذ نصف قيمته؛ دفعاً للضرر عنه، وليس [هذا] كما إذا نقص

الصداق في يد الزوج، وأجازت؛ فإنها تغرمه الأرش على قل ضمان اليد؛ لأن الصداق في يده ملك لهان وهو مضمون عليه؛ فجاز تضمينه الأرش، وهنا الصداق ملكها في يدها، فكيف تضمن أرش النقصان؟ قال الإمام: ويحتمل أن يقال: عليها الأرش؛ لأنه لو تلف في يدها، لرجع الزوج إلى نصف قيمته، ومن يغرم القيمة عند التلف لا يبعد أن يغرم الأرش عند النقصان؛ ألا ترى أنه لو اشترى عبداً بجارية، وتقابضا، ثم وجد مشتري العبد به عيباً فرده وبالجارية عيب حادث، فإنه يستردها مع الأرش، وإن كان العيب قد وجد في دوام ملك قابض الجارية كما جرى العيب في الصداق.
قلت: ويؤيد ذلك أن المبيع إذا تعيب في يد المشتري، ثم تحالفا، فإنه يضم إليه أرش العيب، وإن كان قد حدث في ملكه؛ كما حكاه الغزالي.
وقد أقام الغزالي هذا الاحتمال وجهاً مخرجاً مع ظاهر المذهب مع أن [الإمام أبدى احتمالاً في التشبيه، وقد حكى الغزالي في آخر كتاب الغصب في المسألة] المستشهد بها أنه لا يرجع بالأرش، وجزم به.
وحكى الإمام فيها في آخر النهاية وجهين، وهما كالوجهين في الشاة المعجلة إذا تعيبت في يد الفقير، ثم هلك المال، هل يرجع بالأرش على الفقير؟ والأصح فيها عدم الرجوع على ما حكاه ابن يونس.
ولو حصل النقصان في يده قبل أن تقبضه المرأة وأجازت، فله عند الطلاق نصفه ناقصاً، و [ليس] له الخيار، ولا طلب الأرش.
نعم، لو حدث بجناية جان وأخذت منه الأرش، ففي الرافعي وجهان: أصحهما: أنه يرجع إلى نصف الأرش مع نصف العين.
وفي النهاية أبدى ذلك تردداً للقاضي.
وقال الروياني: الظاهر أن الزوج يرجع بنصف ذلك الأرش.
وأما نقصان الجزء كما إذا أصدقها عبدين، وقبضتهما وتلف أحدهما في يدها، ثم طلقها قبل الدخول- ففيه ثلاثة أقوال: أصحها: على ما حكاه في التهذيب-: أن الزوج يرجع إلى نصف الباقي، ونصف قيمة التالف.

والثاني: أنه يأخذ الباقي بحقه إن استوت قيمتهما.
والثالث: أنه يتخير بين أن يأخذ نصف الباقي ونصف قيمة التالف، وبين أن يأخذ نصف قيمة العبدين، ويترك الباقي.
فرع: لو طلقها وقد أجرت الصداق، فالزوج بالخيار إن شاء رجع إلى نصف القيمة في الحال؛ لما حصل من النقصان بسبب استحقاق الغير المنفعة، وإن شاء رجع إلى نصف العين مسلوبة المنفعة إلى انقضاء مدة الإجارة.
وفي النهاية: أن الشيخ أبا محمد أجاب بمنع الرجوع إلى العين إذا منعنا بيع العين المستأجرة على الأول لا يرجع عليها [إذ لا يرجع عليها] إذا رجع في العين بأجرة مثل ما بقي من مدة الإجارة، بخلاف ما إذا جرى التحالف وقد اجر المشتري العين المبيعة، وجوزنا الرجوع في العين على قول؛ بناءً على صحة [بيع] المستأجر، فإن أجرة المدة الباقية تكون للمشتري، وعليه للبائع أجرة مثل ما بقي من المدة؛ لأن التحالف [يرفع العقد] الأول، إما من أصله، أو حينه؛ فبه يتبين أن منفعة المدة الباقية للبائع، وقد أحال بينه وبينها، وهنا الطلاق لا يرفع العقد الأول، وإنما يحصل الملك حين وقوعه، وهي في تلك الحالة غير مالكة للمنفعة، [وهو] إنما يرجع بنصف ما تملكه.
ولو قال الزوج: أصبر إلى انقضاء مدة الإجارة، فالحكم كما لو قال: أصبر إلى فكاك الرهن، وقد تقدم.
ولو كان الصداق زائداً من وجه، وناقصاً من وجه: كما إذا أصدقها عبداً صغيراً فكبر، فإنه نقصان من جهة نقص القيمة، ومن جهة أن الصغير يصلح للقرب من الحرم والبعد عن الغوائل، وزيادة من جهة أنه أقوى على الشدائد والأسفار؛ وكما إذا تعلم حرفة ومرض- فلكل واحد منهما الخيار على معنى: أن للزوج ألَّا يقبل العين؛ للنقصن، ويعدل إلى نصف القيمة، وللزوجة ألَّا تبذل

العين، وتعدل إلى نصف القيمة.
وإن اتفقا على الرجوع جاز، ولا شيء لأحدهما على الآخر، ولا اعتبار بزيادة القيمة، بل كل ما يحدث فيه منفعة وفائدة مقصودة فهو زيادة من ذلك الوجه وإن أنقصت القيمة؛ كما ذكرنا في العبد.
والحمل زيادة من وجه؛ لتوقع الولد، ونقصان من وجه؛ للضعف في الحال، ولخطر الولادة؛ فلا يجبر واحد منهما.
وحكى أبو عبد الله الحناطي وجهاً: أنه يجبر إذا رضيت برجوعه إلى نصف الجارية وهي حامل؛ بناءً على أن الحمل لا يعلم، وقضية هذا أن تجبر- أيضاً- إذا رغب الزوج في الرجوع إلى نصفها.
وأما الحمل في البهيمة، ففيه وجهان: أحدهما: أنه زيادة محضة.
وأظهرهما: أنه [كما في الجواري]: أما إذا كانت مأكولة؛ فلأن لحمها [لا يطيب، وأما إذا كانت غير مأكولة؛ فلأنها لا تحمل] [ما كان] يحمل عليها قبل الحمل.
فائدتان: إحداهما: مباحثة قالها الإمام، وهي إذا طلق الرجل امرأته، وصادف الصداق معيباً في يدها، فقد ذكرنا أنه إن أراد رجع [إلى نصف] القيمة، وكذلك لو تلف الصداق في يدها، ثم طلقها؛ وهذا كلام أطلقه الفقهاء، وتساهلوا في إطلاقه والغرض منه [تبيين سؤال]، فإن قال قائل: يرجع الزوج بنصف قيمة الكل، أو بقيمة نصف الكل، وبينهما تفاوت.
قلنا: يرجع بقيمة نصف الكل؛ فإنه لم يفته إلا نصف الكل.
قلت: ومما يؤيد ذلك أنه من أعتق نصف عبد يملكه وهو موسر، وسرى إلى

نصف شريكه، يجب عليه قيمة نصفه، لا نصف قيمته، وقد صرح بذلك- أيضاً- الشيخ في المهذب.
الثانية: حيث أثبتنا الخيار للمرأة بسبب زيادة في الصداق، أو للزوج بسبب نقصان فيه، أو لهما؛ لاجتماع المعنيين- فلا يملك الزوج [قبل التشطير، لكن] يختار من له الخيار العين إذا كان الخيار لأحدهما وقبل أن يتفقا عليها إذا كان لهما، وإن قلنا: [إن] الطلاق يشطر الصداق، وإلا لما كان للتخيير واعتبار التوافق معنى، والله أعلم.
قال: وإن كانت قد وهبت منه الصداق قبل الطلاق- أي: وبعد قبضه- ففيه قولان: أصحهما: أنه يرجع عليها بنصف بدله؛ لأنه ملك جديد حصل له قبل الطلاق؛ فلا يمنع الرجوع عند الطلاق؛ كما لو انتقل إليه من أجنبي أو بالشراء.
والثاني: لا يرجع، وهو القديم، واختاره المزني، وهو الأصح في التهذيب؛ لأنها عجلت له ما يستحقه بالطلاق؛ فلا تبقى المطالبة عند الطلاق؛ وهذا كما أن من عجل الزكاة قبل الحول، لا يطالب بها عند المحل.
أما إذا وهبته منه قبل القبض، ففي صحة الهبة وجهان؛ [بناء] على قولنا: إنه مضمون ضمان عقد؛ كما في هبة المبيع من البائع، فإن صححنا الهبة، ففي الرجوع طريقان:

أحدهما: طرد القولين.
والثاني- حكاه الحناطي-: القطع بعدم الرجوع، والظاهر التسوية؛ كما حكاه في الشامل والتتمة، والله أعلم.
قال: وإن كان ديناً، فأبرأته منه، ففيه قولان- أي: إذا قلنا بأنه يرجع في المسألة الأولى-: أصحهما: أنه لا يرجع عليها؛ كما لو شهد شاهدان بدين على إنسان، وحكم به الحاكم، ثم أبرأ المحكوم [له المحكوم] عليه [عن الدين، ثم رجع الشاهدان عن الشهادة- لم يغرما للمحكوم عليه] شيئاً.
والثاني: يرجع؛ لما سبق.
أما إذا قلنا: لا يرجع في الأولى، فهنا أولى.
وحكى الخراسانيون في هذه المسألة طريقين: أحدهما: طرد القولين؛ كما في الهبة، من غير بناء.
والثاني: القطع بعدم الرجوع.
وفي التتمة بناء ذلك على أن الإبراء تمليك، أو إسقاط؟ فإن قلنا: تمليك، فهو كهبة العين.
وإن قلنا: إسقاط، فلا يرجع؛ لما قدمناه.
وفي النهاية: أن شيخه قربها من الخلاف في أن الإبراء هل يفتقر إلى القبول أم لا؟ وهو راجع لما في التتمة؛ لأن من شرطه القبول قال: إنه تمليك وإلا فإسقاط؛ وهذا إذا صدر الإبراء بلفظه، أو بلفظ العفو، أو الإحلال، أو الحط، أو الوضع، أو الإسقاط، أو بلفظ الترك مع النية؛ إن جعلناه كتابة، أو بدونها؛ إن جعلناه صريحاً.
أما إذا كان بلفظ الهبة، أو التمليك وصححناه على الظاهر في المذهب: إما بالقبول، أو بدونه على أصح الوجهين، ففي الرجوع [ها هنا] خلاف مرتب على

الصورة السابقة، وأولى بالرجوع؛ نظراً إلى لفظ الهبة.
والظاهر: اعتبار الحقيقة، وأن الحكم كما في لفظ الإبراء.
ويجري مثل هذا الخلاف فيما لو وهب البائع المشتري الثمن، أو أبرأه منه، ثم وجد المشتري بالمبيع عيباً، فرده- في أنه هل يرجع عليه بالثمن؟ فإن قلنا: لا يرجع، فهل يتمكن من الرد؟ فيه تردد محكي في النهاية عن الأصحاب.
وفي التتمة إجراء الخلاف في التمكين من الرد من غير ترتيب، وكذلك يجري في طلب الأرش إذا اطلع على عيب [في] المبيع بعد هلاكه، أو كان به عيب حادث مانع من الرد، ويجري في صور أخر مذكورة في مواضعها، ولو كان الصداق ديناً فقبضته، ثم [وهبته منه، ثم طلقها] قبل الدخول، ففي النهاية حكاية طريقين: أحدهما: طرد القولين، [كما في هبة العين].
والثاني: القطع بالرجوع.
وفي التتمة: أن محل القولين إذا قلنا: إنه لو طلقها والمقبوض في ملكها ويدها، تعين حقه فيه، أما إذا قلنا: إنه لو طلقها لا يتعين حقه في المقبوض، فله الرجوع قولاً واحداً.
فروع: أحدها: لو وهبت منه الصداق، ثم ارتدت قبل الدخول، [أو فسخ النكاح بالعيب قبل الدخول،] ففي الرجوع [في الكل] مثل الخلاف في الرجوع [في النصف] عند الطلاق؛ كذا قاله الرافعي ومجلي وغيرهما.
قلت: وينبغي أن ينبني الرجوع عند الفسخ بالعيب المقارن على أن الفسخ إذا جرى بعد الدخول، وأوجبنا مهر المثل يرفع العقد من أصله أو من حينه؟ وفيه خلاف سبقت حكايته في هذا الباب عن صاحب التتمة.
فإن قلنا: إنه يرفعه من أصله، فيتجه ألا يرجع عليها قولاً واحداً؛ لتبين بطلان

التصرفات فيه؛ كما قلنا في التحالف، في التصرف في الثمن، تفريعاً على أنه يرفع العقد من أصله.
وإن قلنا: إنه يرفعه في حينه، فيتجه أن يكون محل الخلاف ومأخذه ما سبق.
الثاني: لو وهبت الصداق من الزوج على أنه إذا طلقها كان ذلك [عما] يستحقه عليها بعد الطلاق، فهل تصح الهبة [ولا يرجع عليها بشيء بعد الطلاق، أو تفسد] الهبة، وله الرجوع؟ فيه خلاف محكي في التتمة.
الثالث: لو وهبت منه نصف الصداق، ثم طلقها قبل الدخول، فإن قلنا: إن هبة الكل لا تمنع الرجوع بالنصف، فهبة البعض أولى، وإلام يرجع؟ فيه ثلاثة أقوال؛ كما ذكرنا فيما إذا أصدقها عبدين، وتلف أحدهما عندها، ثم طلقها قبل الدخول.
وإن قلنا: إن هبة الكل تمنع الرجوع، فهنا ثلاثة أقوال: أصحها عند صاحب التهذيب، وهو المنصوص في المختصر: أنه لا يرجع بشيء.
والثاني: أن الهبة تنزل على خالص حقها، فيرجع الزوج بجمع النصف الباقي.
والثالث، ويحكى عن الإملاء، وبه قال المزني: أنه يرجع عليها بنصف الباقي؛ فكأنها عجلت نصف حقه، ووهبته نصف حقها الخالص لها.
وإن كان الصدق دَيناً، فأبرأته عن نصفه، ثم طلقها، ففي التتمة: أنا إن قلنا: لو أبرأته عن الجميع يرجع عليها، فهنا يسقط عنه النصف الباقي.
وإن قلنا: لا يرجع بشيء، فهنا وجهان: أحدهما: أنه لا يسقط عنه شيء؛ فيكون ما أبرأته منه محسوباً عن حقه.
والثاني: يبرأ عن نصف الثاني.
قال: وإن حصلت الفرقة والصداق لم يقبض، فعفا الولي عن حقها، لم يصح العفو- أي: سواء كانت صغيرة أو كبيرة، رشيدة أو سفيهة، عاقلة أو مجنونة، وسواء كان الصداق ديناً أو عيناً- لأنه مال من جملة أموالها؛ [فلا

يملك الأب إسقاطه؛ كسائر أموالها].
قال: [وقيل]: وفيه قول آخر: أنه إن كانت بكراً صغيرة، أو مجنونة- أي: في حال العفو- فعفا الأب أو الجد عن حقها، صح العفو؛ أخذاً من قوله- تعالى-: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237]. ومعنى الآية: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، [أي: لكم] ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾، أي: الزوجات، فيسلم لكم الكل، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، قال ابن عباس: أراد به الولي، والمعنى: إلا أن تعفو المرأة إن كانت من أهل العفو، أو وليها إذا لم تكن من أهل العفو.
ورجح الشافعي هذا في القديم من أوجه: أحدها: أن قول ابن عباس مقدم في التفسير؛ لأنه ترجمان القرآن.
والثاني: أنه ذكر الأزواج في الآية بصيغة المخاطبة، فقال: فنصف ما فرضتم، وذكر هذا بصيغة الغيبة، [فأشعر بأنه] أراد غير الأزواج.
والثالث: أنه تعالى قال: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾، وكان ذلك راجعاً إلى عفو يخلص به كل الصداق [للزوج]، ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، فعطف عليه؛ فوجب أن يحمل على عفو يخلص به كل الصداق للزوج؛ فيكون] العفو واحداً.
والرابع: أنه وصفه بأن بيده عقدة النكاح، وأجرى ذلك بعد الطلاق، والولي هو الذي بيده عقدة النكاح الآن، فأما الزوج، فليس إليه شيء.
ولأنهما لا يتهمان في حق الصغيرة، ويملكان التصرف في مالها بما تقتضيه المصلحة؛ ولهذا يملكان أن يصوغا الذهب والفضة حلياً وإن نقصت بذلك قيمته، وتلف جزء منه؛ لمصلحة المولى عليها ومنفعتها، والعفو منفعة لها؛ ليكثر

خطابها؛ وهذا التوجيه ذكره ابن الخلان.
والقول المنصوص عليه في الجديد: أنه لا يصح عفوه، وأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، ويروي ذلك عن علي وغيره- رضي الله عنهم- لأنه- تعالى- ذكر خلوص الصداق له بعفوها، ثم عطف هذا عليه؛ فظهر أن المراد عفو يخلص به الصداق لها؛ لتشتمل الآية على ذكر الخلوص من الجانبين، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237]، والأقرب للتقوى عفو الزوج، فأما عفو الأب عن حق ضعيفة؛ فلا يتصف بهذه الصفة.
وقوله: ﴿وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237] خطاب لهما؛ كما كان أول الكلام خطاباً للأزواج على أنه لا يمتنع أن يكون الخطاب للحاضرين وبعده للغيبة، والمراد به المخاطب؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22].
وإنما اشترطنا على القديم أن تكون بكراً؛ لأنها لو كانت ثيباً بوطء شبهة بعد النكاح، لم تستقل بالتزويج بعد، فليست بيده عقدة النكاح.
وفيه وجه.
و [اشترطنا] أن تكون صغيرة أو مجنونة؛ ليكون له ولاية على مالها، وفي معنى الصغيرة السفيهة؛ صرح بذلك الإمام وغيره، وفي البالغة وجه: أنه يجوز بناءً على أن مأخذ الجواز في الصغيرة: أنه الذي اكتسبه، فإذا أسقطه؛ فكأنه لم يكتسبه، [لا أن] المأخذ كون مالها تحت يده وتصرفه.
وقال في التتمة والتهذيب: الجنون مانع من العفو، وحكاه في النهاية عن المراوزة بعد أن قال: حكم المجنونة حكم الصغيرة العاقلة؛ لأنه يرجى في العفو عن صداق العاقلة ترغيب الخاطبين فيها، والمجنونة لا يكاد يرغب فيها؛ فلا معنى لإسقاط حقها الثابت؛ لأمر لا يكاد يحصل.
قال في التتمة: وكذا العاقلة المحجور عليها بالسفه.
ولو تقدم عفو الولي على الفراق، لم يصح؛ لأن الزوج مالك لبضعها

بإزاء المهر، وقد يدخل بها بعد العفو؛ فتفوت منفعة البضع عليها، بخلاف ما إذا طلقها؛ لأنه عاد البضع إليها سليماً؛ فلا يعظم الضرر في إسقاط المال.
وفيما علق عن الإمام أن أبا محمد جوز العفو قبل الطلاق إذا رأى الولي المصلحة فيه.
وعلى الأول لو وقع العفو مع الفراق؛ كما إذا اختلعها به، فوجهان: الذي أجاب به في التهذيب والتتمة منهما: الجواز.
وفي الوسيط: أن أظهرهما: المنع، وهو ما يدل عليه كلام ابن الصباغ.
ووجهه: أن هذا القول [معتمده] ظاهر الآية، وهي مخصوصة بما بعد الطلاق.
وحيث جوزنا العفو للأب أو الجد، فلا يقوم غيرهما فيه مقامهما، وإن كان له التصرف في مالها بوصاية أو تولية؛ للتهمة، ولقصور شفقته، ولأنه لا يستقل بإثباته فأولى ألَّا يستقل بإسقاطه.
وقد فهم من التقييد بأن شرط العفو أن يوجد في حال البكارة- الاستغناء عن [ذكر اشتراط] أن يكون العفو قبل الدخول وإن كان شرطاً؛ لظاهر الآية.
واشترط المراوزة وراء ما ذكرناه: أن يكون الصداق ديناً حالة العفو.
وقال الشيخ أبو محمد: لا يشترط ذلك.
ويمكن أن يكون مأخذ الخلاف أن لفظ العفو، هل يحصل الملك في شطر

الصداق إذا كان عيناً؟ وفيه وجهان: والأصح منهما عند [الفراق للمتولي]: أنه يجوز استعماله؛ لظاهر الكتاب، لكن مقتضى ذلك أن يكون الصحيح عند المتولي جوازاً عن العين، وهو لم يحك خلافاً في أنه لا يصح، وفرق بين العين والدين بأن الملك في الأعيان كامل، والدين في المذهب القديم ليس بملك كامل، وإنما هو حق مطالبة يصير ملكاً في الثاني.
فرع: لو زوجها الأب، ومات، فهل للجد [العفو]؟ فيه وجهان منقولان في التتمة.
قال: وإذا فوضت المرأة بضعها من غير بدل، لم يجب لها المهر [بالعقد]؛ لأنه حقها، فإذا رضيت بألَّا يثبت، وجب ألَّا يثبت؛ كما أنها إذا رضيت ألَّا يبقى لا يبقى.
ولأنه لو وجب بالعقد، لتنصف بالطلاق؛ فعلى هذا: هل ملكت بالعقد أن تملك مهر المثل، أو ملكت أن تملك مهراً؟ فيه قولان.
وقيل: يجب بالعقد؛ [لأنا نحكم] لها بالمهر عند الوطء، ولو لم يجب بالعقد، لما وجب بالوطء؛ إذ هو تصرف فيما ملكه بغير بدل، والتصرف فيما يملك بغير بدل لا يوجب ضماناً؛ كما إذا وهب منه الطعام، فأكله.
وقيل: لا يجب قولاً واحداً.
قال الإمام: وهو مذهب العراقيين، ولم يعرفوا غيره.
وفي المهذب، والشامل حكاية قول الوجوب.
واختلف الأصحاب في قول الوجوب، هل هو منصوص عليه أم مخرج [أشار الشيخ أبو محمد إلى أنه منصوص، والأظهر أنه مخرج، ثم هو مخرج] مِمَّاذا؟

قيل: من القول بوجوب المهر عند موت أحد الزوجين في صورة التفويض.
وقيل: من قولنا: إنه لابد في الفرض من العلم بمهر المثل، وذلك يدل على أن المفروض بدل ينتقل إليه عن المهر الواجب.
وعلى هذا فما الواجب؟ قال في القديم: هو مطلق، لا يتقيد بمهر المثل.
وقال في الجديد: يتقدر بمهر المثل، [وحكاهما] في الذخائر.
وأصل التفويض: أن يجعل الأمر إلى غيره ويكله إليه.
ويقال: إنه الإهمال، ومنه: لا يصلح الناس فوضى أي: لا رئيس لهم، وتسمى المرأة: المفوضة؛ لتفويضها أمرها إلى الزوج أو الولي بلا مهر، أو لأن الأمر في المهر مفوض إليها، إن شاءت أبقته وإلا فلا.
والتفويض ضربان: تفويض بضع، وتفويض مهر: فتفويض البضع- وهو المعقود له هذا الفصل- أن تقول البالغة، الرشيدة، المالكة لأمرها، ثيباً كانت أو بكراً لوليها-: زوجني بلا مهر، فزوجها [ونفى] المهر أو سكت.
وقيل: إذا سكت عن ذكر المهر، فليست مفوضة.
ولو قالت: زوجني، وسكتت عن المهر، فالذي ذكره الإمام وغيره: أن ذلك ليس بتفويض، وادعى الإمام فيه الوفاق.
وفي المهذب ما يقتضي كونه تفويضاً؛ لأن اللفظ لا يتعرض إلا للنكاح، وإنه ينعقد بغير مهر؛ هذا في الحرة.

أما في الأمة فيكون من السيد صغيرة كانت أو كبيرة، وصورته أن يقول: زوجتكها بلا مهر، وألحقوا به ما إذا سكت عن ذكر المهر.
ولو أذنت في التزويج على أن لا مهر في الحال، ولا عند الدخول وغيره، وزوجها الولي [على ذلك]، وقلنا بظاهر المذهب، وهو وجوب مهر المثل [عند الدخول]؛ على ما سيتضح- ففي صحة النكاح وجهان: أشبههما: الصحة؛ وعلى هذا فهو تفويض فاسد؛ فيوجب [مهر المثل، أو يلغى النفي] في المستقبل، [ويقال]: إنه تفويض صحيح؟ فيه وجهان.
ولو أنكحها الولي ونفى المهر من غير إذنها في التفويض فهو كما لو نقص عن مهر المثل؛ فإن كان مجبراً؛ فيصح النكاح، ويجب مهر المثل، أو يبطل؟ فيه قولان.
وإن كان غير مجبر، فيجري القولان، أو يجزم بالبطلان؟ فيه طريقان: والذي أجاب به ابن الصباغ في المجبر وغيره: صحة النكاح وفساد التفويض.
وعن ابن أبي هريرة: أنه يصح تفويض الولي المجبر إذا صححنا عفوه.
وقال أبو إسحاق وغيره: لا يصح على القولين جميعاً من حيث إن العفو إذا جوزناه يشترط أن يكون بعد الفراق، أو معه، أما قبله فلا.
ولا يصح تفويض المحجور عليها وهو كعدمه [وإلا] في جواز التزويج إذا كان [إذنها] معتبراً.
فرع: لو فوضت بضعها، فزوجها الولي بالمهر، نظر: إن زوجها بمهر المثل من نقد البلد [صح المسمى، وإن زوجها بدون مهر المثل، أو بغير نقد البلد] لم يلزم المسمى، وهو كما لو نكحها على صورة التفويض.
قلت: وفي هذا نظر من حيث إن العقد اقترنت به تسمية فاسدة، [والعقد إذا

اقترن به تسمية فاسدة] إذا صح كان الواجب فيه مهر المثل، أو قيمة المسمى إن أمكن تقويمه؛ فينبغي أن يجب مهر المثل.
[وأما مفوضة المهر، مثل أن تقول: زوجني على أن يكون المهر] ما شئت، أو ما شاء الخاطب، أو فلان- فإن زوجها على ما ذكرت من الإبهام، فإن لم يعرف المشيئة، فقد زوجها بمجهول؛ فيصح [النكاح] ويجب مهر المثل قولاً واحداً.
وإن عرف ما شاء فوجهان، أظهرهما: صحة الصداق.
وإن زوجها [بما عين المذكور مشيئته؛ صح المسمى وإن كان دون مهر المثل.
وإن زوجها] بلا مهر، فيبطل النكاح أو يصح ويجب مهر المثل؟ فيه خلاف.
قال: ولها المطالبة بالفرض- أي: قبل المسيس- لأن إخلاء العقد عن المهر خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتكون على ثبت من تسليم نفسها، وتعرف أنها علام تسلم؟ وهذا تفريع على أنه لا يجب بالعقد مهر، ويجب بالوطء، أما إذا لم نوجبه بالوطء، فليس لها طلبه.
وإن أوجبناه بالعقد، فينبني على أنه [هل] يتشطر بالطلاق أم لا؟ فإن قلنا: يتشطر، فليس لها طلب الفَرض، ولكن تطالب بالمهر نفسه.
وإن قلنا: لا يتشطر، فلها طلب الصداق؛ ليقرر الشطر؛ فلا يسقط لو طلقها قبل المسيس؛ وهذا هو الأظهر.
والفرق بينه وبين طلب المرأة وطأة واحدة؛ حيث قلنا: لا يجب على الصحيح وإن طلبت ما يقرر المهر-: أن الزوج قادر على الفرض متى شاء، والوطء أمر جبلي، [قد لا تساعد] الطبيعة عليه.
وما الذي يفرض لها؟ ينظر: إن قلنا: يجب بالعقد، فرض لها قدر مهر المثل على الجديد، ويشترط معرفتها بقدر مهر المثل؛ لأن المفروض بدله، وتراعى

فيه شرائط الاعتياض؛ حتى لا يجوز أن يكون مؤجلاً، ولا ينتقص عن مهر المثل، ولا يزداد إذا كان المفروض من جنسه، ويعتبر رضاها بالمفروض، فإن لم ترض [به] فكأنه لم يفرض.
وفيما علق عن الإمام: أنه لا يشترط القبول، بل يكفي طلبها وإسعافه.
قال الرافعي: ولكن هذا إذا طلبت عيناً أو ذكرت مقداراً فأجابها، أما إذا أطلقت الطلب، فلا يلزم أن تكون راضية بما يعينه أو يقدره.
وعلى القديم يكون المعتبر من الشرائط ما نذكره تفريعاً على القول بعدم الوجوب؛ حتى لا يشترط معرفة واحد منهما بمهر المثل، ورجح القاضي اشتراط المعرفة، والجمهور على خلافه، ومقتضاه أن يكون الصحيح عندهم هنا القول القديم.
وأما إذا قلنا: لا يجب مهر [المثل] بالعقد، وهو الصحيح، فالواجب ما يتفقان عليه من نقد أو عرض، سواء كان قدر مهر المثل، أو دونه، أو أزيد [منه] من جنسه أو غير جنسه، حالّاً أو مؤجلاً، ولا يشترط معرفة واحد منهما بمهر المثل.
وكان يتجه على القول بأنها ملكت أن تملك مهر المثل، [بأن] يكون الحكم كما تقدم، وهذا كله إذا كان الفرض من الزوج، فإن امتنع الزوج من الفرض، أو لم ترض بما فرضه، فالقاضي يفرض لها مهر المثل من نقد البلد حالّاً [ولا يزيد] عليه ولا ينقص، [ولا يشترط] رضاها به، ولابد من علمه بقدر مهر المثل.
وفي بحر المذهب: أن القاضي إذا أراد أن يفرض لها مؤجلاً، وعادة [مهور] نسائها الحلول؛ يزيد، [لمكان] الأجل، والمذهب الأول.
ولو تبرع أجنبي، وفرض لها مهراً يعطيه من ماله، ففي صحته وجهان:

أصحهما: المنع.
وفي التتمة: تقريبهما من الأب إذا قبل لابنه الصغير نكاح امرأة، وأصدقها عيناً من مال نفسه، وهو زائد على مهر المثل.
وعلى وجه الصحة لها مطالبة الأجنبي بالمهر المفروض، ويسقط طلب الفرض عن الزوج.
وقال صاحب الذخائر: وهذا فيه نظر؛ لأن تقرير الصداق ليس بالتزام منه لذلك، ولا هو أداء، بل إما تقرير لما وجب بالعقد، أو ابتداء إيجاب سببه العقد، فكيف يكون الأجنبي ملتزماً بذلك، ولم يجر منه التزام.
ولو طلقها قبل المسيس، [فنصف الفرض يعود إلى الزوج أو الأجنبي؟ فيه وجهان؛ كما لو تبرع الأجنبي بإذن المسمى] ثم طلق الزوج قبل المسيس.
فرع: لو أسقطت المفوضة حق الفرض، لم يسقط، ولو أبرأت عن المهر قبل الفرض والدخول، فإن قلنا: يجب مهر المثل بالعقد، صح الإبراء؛ إن كان معلوماً، وإن كان مجهولاً فلا يصح- على الأصح من القولين- فيما يزيد على القدر المستيقن، وفي المستيقن وجهان مأخوذان من تفريق الصفقة.
وإن قلنا: لا يجب المهر بالعقد، قال الغزالي: فهو إبراء عما لم يجب، ولكن جرى سبب جوبه، وفيه قولان؛ كما في الضمان، والأصح: الفساد.
قال: فإن فُرِضَ لها مهر صحيح صار ذلك كالمسمى في العقد [في جميع ما ذكرناه؛ لأنه مفروض؛ فصار كالمسمى في العقد].
وفي النهاية حكاية عن الأصحاب وتابعه [عليه] الغزالي: أنه ليس لها حبس نفسها لتتسلم المفروض؛ لأنها قد سامحت بالمهر، فكيف يليق بها المضايقة في التقديم والتأخير، نعم، لها الحبس حتى يفرض لها.
أما إذا فرض لها مهراً فاسداً من خمر أو غيره، كان وجوده كعدمه،

بخلاف، ما إذا سمي في العقد.
قال: فإن لم يفرض لها حتى دخل بها، وجب لها مهر المثل؛ لأن الوطء في النكاح بلا مهر [خاص برسول] الله صلى الله عليه وسلم، ولأن البضع لا يتمحض حقّاً للمرأة، بل فيهئحق لله تعالى؛ ألا ترى أنه لا يباح بالإباحة؛ فيصان عن التصور بصورة المباحات.
وخرج القاضي الحسين وجهاً: أنه لا يجب مما إذا وطئ المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن؛ ظنّاً أنها تباح بالإذن؛ حيث لا يجب المهر على قول.
قال الإمام: ولست أعده في المذهب فإن ما قاله مسبوق بالإجماع من نقلة المذهب.
وموضع التخريج على ما حكاه في التتمة وغيرها ما إذا جددت الإذن في الوطء، وصرحت بنفي المهر دون ما إذا لم [تجر سوى] أحدهما.
قال الإمام: فإن لم يكن ينجرّ هذا التخريج، فلا معنى لاشتراط تجديد الإذن، وقد رأيت في بعض مجموعاته ما يدل على اطراد التخريج، وإن لم يوجب إذناً جديداً.
وعلى المذهب فمهر المثل يعتبر بحالة الوطء أو بحالة العقد؟ فيه وجهان: أصحهما- على ما ذكره الروياني، وهو الذي أورده ابن الصباغ-: أنه يعتبر حالة العقد؛ لأن العقد هو الذي اقتضى الوجوب عند الوطء، وقضيته إيجاب مهر ذلك اليوم، سواء كان أقل أو أكثر.
لكن ذلك المعتبرون: أنه إن كان أكثر أوجبناه، وإن كان أقل، لم نقتصر عليه؛ لأن البضع دخل بالعقد في ضمانه، وإذا اقترن إتلاف، وجبنا أكثر ما يكون عوضاً.
والعبارة المطابقة للغرض أن يقال: يجب أكثر مهر من يوم العقد ويوم الوطء.

فرع: لو نكح الكافر كافرة على صورة التفويض، وهم يعتقدون أن لا مهر للمفوضة بحال، ثم أسلموا، فلا مهر وإن كان الإسلام قبل المسيس؛ لأنه قد سبق استحقاق وطء بلا مهر؛ نقله الرافعي في نكاح المشركات، والإمام في باب التفويض.
ونظيره، ما إذا زوج عبده من أمته، ثم أعتقهما، أو أحدهما قبل الدخول- لم يجب لها مهر؛ لما سبق [من] التعليل.
ولو نكح الذمي ذمية على أن لا مهر لها، وترافعا إلينا، حكمنا بينهما بحكمنا في المسلمين.
وقال أبو حنيفة: إن كان اعتقادهم إخلاء النكاح عن المهر، فإن شرطت أن لا مهر لها، لا يجب المهر؛ لا حالة العقد ولا عند الدخول.
قال المتولي: ودليلنا: أن إيجاب المهر في حق المسلمة، ليحصل الفصل بين النكاح والسفاح، وهذه الحاجة موجودة.
قلت: وما ذكره موجود في المسألة المتقدمة.
قال: وإن مات أحدهما قبل الفرض والدخول، ففيه قولان: أحدهما: يجب لها مهر المثل، وهو ما أجاب به ابن مسعود حين سئل عن المفوضة؛ لما روى معقل بن يسار- وقيل ابن سنان- الأشجعي، وروي رجل من أشجع: أنه صلى الله عليه وسلم قضى في برْوَع بنت واشق وقد نكحت بغير مهر، فمات زوجها- بمهر نسائها.

ولأن الموت نازل منزلة الوطء في تقرير المهر المسمى قبل المسيس؛ فوجب أن يكون كهو في وجوب المهر.
والثاني: لا يجب، وبه قال الحليمي؛ لأن الموت فرقة وردت على نكاح تفويض قبل الفرض والوطء؛ فلا يجب به المهر كالطلاق؛ وهذا هو الراجح عند العراقيين، والإمام، وصاحب التهذيب، والروياني.
والحديث قد رده علي- رضي الله عنه- وقال: كيف نقبل في ديننا قول أعرابي بوال على عقبه؟! ثم إن صح؛ فمحمول على مفوضة المهر لا مفوضة البضع.
فعلى هذا لا تستحق المتعة [أيضاً].
وفي الجيلي حكاية [وجه] أنها تجب، وأبداه في الذخائر احتمالاً عند الكلام في المتعة.
والأول هو الصحيح في التتمة، [ويقال]: إنه اختيار صاحب التقريب، وأنه صَحَّحَ الحديث، وقال: الاختلاف في الراوي لا يضر.
وإذا قلنا به، فيجب باعتبار يوم العقد، أو يوم الموت، أو أقصى مهر؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها الجيلي.
قال: وإن طلقها قبل الفرض- أي: والدخول- وجبت لها المتعة؛ لما سيتضح [في موضعه]؛ وهذا تفريع على أنها لا تستحق المهر بالعقد.
أما إذا قلنا: تستحق المهر [بالعقد]، فهل يتشطر بالطلاق؟ روى الشيخ أبو محمد- وهو المذكور في التتمة-: أنه يتشطر، كالمسمى الصحيح.
قال الإمام: وهو القياس.

والذي عليه كافة الأصحاب: أنه يسقط المهر إلى المتعة، والشاهد له من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]، فخصص استحقاق نصف المهر بأن يفرض؛ فدل مفهوم الخطاب دلالة ظاهرة على أنها لا تستحق شيئاً من المهر إذا لم يجر فرض.
قال: وإن تزوجها على مهر فاسد، أي: مثل أن قال: أصدقتك هذا الحر، أو هذا الخمر أو مجهولاً، وغير ذلك مما لا يصح إصداقه.
قال: [أو على ما] يتفقان عليه في الثاني، وجب لها مهر المثل؛ لأنها لم ترض ببذل البضع مجاناً، وما جعل عوضاً لا يثبت، وقد تعذر رد [البضع؛ فوجب رد بدله، وهو مهر المثل؛ كما إذا رد المبيع بعيب، وقد تعذر رد] الثمن، وفي ذلك شيء قد تقدم.
قال: واستقر بالموت، أو الدخول، وسقط نصفه بالطلاق قبل الدخول؛ لأنه مفروض.
قال: وإن كانا ذميين فعقدا على مهر فاسد- أي: عندنا- وهو صحيح [عندهم، ثم] أسلما- أي: بعد الدخول- في العدة، أو معاً قبله قبل التقابض، سقط ذلك، ووجب مهر المثل؛ لأنها لم ترض إلا بالمهر، والمطالبة بالخمر في الإسلام ممتنعة، ويرجع إلى مهر المثل.
وفيه قول: أنه لا شيء [له].
قلت: ويتجه أن يكون في المسألة قول آخر: أنه يرجع إلى بدل الصداق؛ كما إذا أصدق المسلمة عبداً، فخرج حرّاً، أو عصيراً فظهر خمراً؛ بناءً على قول ضمان اليد.
قال: وإن أسلما بعد التقابض، برئت ذمة الزوج؛ كما لو تبايعا بيعاً فاسداً وتقابضاً وفيه قول آخر: أن لها مهر المثل، لفساد القبض في الشرك.
ولا فرق بين أن يتقابضا بالتراضي، أو بإجبار قاضيهم.

[وقال الشيخ أبو محمد: إذا تقابضا بإجبار قاضيهم]، فهل يجعل كالتقابض بالرضا؟ فيه خلاف؛ كما لو ترافعوا إلينا وهم على الشرك.
قال الإمام: وهو منقاس.
والذي حكاه في التهذيب مثل قول الشيخ أبي محمد.
واعلم أن هذا فيما إذا كان الصداق خمراً، أو خنزيراً، وما جانس ذلك، أما إذا كان حرّاً مسلماً استرقوه، فإنه لا يقر في يدها، ويجب لها مهر المثل.
قال الرافعي: وقياس ما سبق أن يخرج من يدها، ولا ترجع بشيء؛ كما تراق الخمر المقبوضة، ولا ترجع بشيء.
قال: وإن أسلما بعد قبض البعض، برئت ذمته من المقبوض، ووجب بقسط ما بقي من مهر المثل؛ لما تقدم؛ وهذا بخلاف ما إذا كاتب الذمي عبده على عوض فاسد، وقبض بعضه، ثم أسلما؛ حيث يسلم للسيد ما بقي؛ ليحصل العتق، ثم يلزمه تمام قيمته، ولا يحط منها قسط المقبوض في الشرك؛ لأن العتق يتعلق بأداء آخر النجوم، وأنه وقع في الإسلام؛ فكان بمثابة ما لو كاتب المسلمة على عوض فاسد؛ بخلاف الصداق؛ فإنه عوض؛ فكل جزء منه يخرج عن عهدته بقبضه [وتبرأ منه] ذمته؛ فلا تبقى مطالبته به بعد الإسلام.
وطريق تقسيط مهر المثل على المقبوض وغير المقبوض أن ينظر: إن سميا جنساً واحداً، ولم يكن فيه تعدد: كزق خمر؛ فقبضت نصفه مثلاً؛ فيجب نصف مهر المثل.
وإن تعدد المسمى كزقي خمر، قبضت أحدهما، فإن تساويا في القدر فكذلك، وغلا فوجهان: أحدهما: أنه يعتبر العدد.
وأقيسهما: النظر إلى القدر؛ وعلى هذا يعتبر الكيل، وهو ما في التتمة.
وفيه وجه: أنه يعتبر الوزن.

ولو أصدقها خنزيرين، وقبضت أحدهما، فإن اعتبرنا العدد، لم يخف الحكم، وإن نظرنا في الخمر إلى القدر، فها هنا [تعتبر قيمتهما] بقدر ماليتهما، وتقسط على مهر المثل في القيمتين.
وإن كانا قد سميا جنسين فصاعداً: كزقي خمر، وكلبين، وثلاثة خنازير، وقبضت أحد الأجناس، فثلاثة أوجه: أحدها: النظر إلى الأجناس؛ فيقال: قبضت الثلث.
والثاني: إلى العدد؛ فإن قبضت الخمر؛ فيقال: قبضت سُبعي المهر.
والثالث- وهو الأقرب-: أنها تقدر بتقدير ماليتها، ونقسط مهر المثل على القيمة؛ وعلى هذا فتقدر الخمر خلّاً، والكلب شاة، والخنزير بقرة.
وفي المهذب: أنه يقدر شاة.
وقيل: يقدر الكلب فهداً؛ لاشتراكهما في الصيد، والخنزير حيواناً مقابله في الصورة والفائدة.
وقيل: تعتبر قيمتها عند من يجعل لها قيمة، والله أعلم.
قال: وإن أعتق أمته بشرط أن يتزوجها ويكون عتقها صداقها، عتقت- أي: إذا قبلت هذا الشرط على الاتصال- ولا يلزمها أن تتزوج به؛ لنه سلف في عقد فلا يلزمها؛ كما لو أسلم لامرأة أخرى دراهم في نكاحها.
وفي شرح مختصر الجويني حكاية وجه عن أبي إسحاق المروزي: أنه يجب عليها الوفاء به.
وأما نفوذ العتق؛ فلأنه أعتقها على شرط باطل؛ فلغا الشرط، وثبت العتق؛ كما لو قال لعبده: إن ضمنت لي خمراً، فأنت حر، فضمنه؛ كذا علله الأصحاب.
قلت: وفي المسألة المقيس عليها [نظر] فإن ذلك يشابه ما لو حلف لا

يبيع الخمر فإنه لا يحنث إذا وجد منه صورة البيع؛ على المذهب، والمضان كذلك.
قال: ويرجع عليها بقيمة رقبتها- أي: يوم العتق- لأنه لا يرضى بعتقها إلا بعوض، ولم يسلم له، وقد تعذر عليه الرجوع إليها، فرجع بقيمتها؛ كما لو باع عبداً بعوض محرم، وتلف العبد في يد المشتري.
ولا فرق في لزوم القيمة بين أن تفي بالنكاح أو لا.
وفي الرقم للعبادي حكاية وجه: أنه يصح جعل العتق صداقاً، وإذا رغبت في النكاح فللسيد أن يمتنع، ولا تسقط القيمة بذلك.
وحكم أم الولد حكم الأمة.
وفيه وجه: أنه لا يرجع عليها بقيمة رقبتها.
فرع: لو تراضيا على النكاح، وأصدقها القيمة الواجبة عليها، صح النكاح، وأما الصداق: فإن كانا عالمين بقيمتها، صح أيضاً، وإن جهله أحدهما، فوجهان: أصحهما: الفساد؛ كسائر المجاهيل إذا جعلت صداقاً، ولها مهر المثل، وعليها القيمة.
ووجه الصحة: أن القيمة لم تثبت مقصودة، وإنما ثبتت ضمناً في مقابلة الحِلِّ

الذي كان ثابتاً له من قبل؛ فصلح أن تجعل عوضاً لجنس ذلك الحل.
وأيضاً: فإن القيمة بدل الرقبة، ولو أصدقها عبداً مجهول القيمة، [لصح، فكذلك هنا، وهذا التعليل يحكى عليه ما إذا أتلفت عليه عبداً مجهول القيمة،] وجعل قيمته صداقاً لها؛ فإنه لا يصح، ومقتضاه: أنه يصح؛ لعدم الفرق.
قال الإمام: لو طرد طارد هذا الوجه هنا، فهو قياس.
قال صاحب التقريب: وإذا أراد أن يعتقها، ويتزوج بها، مع أمته منها، فالوجه أن يقول: إن قدر الله بيننا نكاحاً، فأنت حرة قبله بيوم، ثم يمضي يوم أو أكثر، فينكحها؛ فإذا رضيت، انعقد النكاح، وتبين وقوع العتق مقدماً [عليه]، وإن أبت فتبقى رقيقة.
فمن الأصحاب من خالفه، وقال: هذا منه تفريع على وقف العقود، والصحيح فساده، [وهو] الذي عليه أكثر الأصحاب.
ومنهم من قال: يتخرج على ما إذا زوج جارية أبيه على ظن أنه حي، فبان ميتاً، وفيه قولان.
وقال الشيخ [أبو محمد: الوجه] عندي القطع بالصحة؛ كما ذكره صاحب التقريب، وليست هذه المسألة كتزويج الابن جارية أبيه؛ فإنه أنشأ العقد على غير بصيرة، والأصل بقاء أبيه والنكاح في مسألة صاحب التقريب ينشأ عن علم بأن الحرية تسبقه، وتتقدم عليه.
قال: وإن أعتقت المرأة عبدها على أن يتزوج بها، عتق- أي: من غير قبول- على المذهب الصحيح، ولا يلزمه أن يتزوج بها، [فلا ترجع] عليه بالقيمة؛ لأنها لم تشترط عليه عوضاً، وإنما وعدته وعداً جميلاً؛ فصار كما لو قال لعبده: "أعتقتك على أن أعطيك ألفاً".

وفيه وجه: أنه يفتقر إلى قبوله في تحصيل العتق، فإذا قبل عتق، ولزمته قيمته، ولا يلزمه الوفاء بالتزويج؛ بالقياس على المسألة قبلها.
والفرق على المذهب: أن بضع الأمة متقوم شرعاً مقابل بالمال، ونكاح الرجل ليس متقوماً على المرأة.
قال: وإن تزوجها [أي]: على أن عتقه صداقها، استحقت عليه مهر المثل؛ لفساد الصداق.
قال: ويعتبر مهر المثل بمهر من يساويها من نساء العصبات- أي: إذا وجد لحديث معقل بن يسار، وهو يجب في النكاح في تسعة مواضع: المفوضة إذا دخل بها أو مات عنها في أحد القولين، وإذا فوضها بغير إذنها، أو كانت محجوراً عليها، وصححنا النكاح، والمفوضة المهر، والتي سمي لها مهر فاسد: إما لجهالته، أو يكون ملك الغير، أو حراماً أو حرّاً في أحد القولين، وفي نكاح المغرور وإذا أصدقها ثوباً على أنه هروي، [فإذا هو] مروي، وإذا فات المسمى [قبل القبض] على أحد القولين، و [إذا شرط في الصداق شرط فاسد، وإذا تزوج نسوة بمهر واحد في أحد القولين.
ويجب في غير] النكاح في صور نذكرها من بعد، إن شاء الله تعالى.
ونساء العصبات كالأخوات من الأبوين، أو من الأب، وبنات الإخوة كذلك، والعمات، وبنات العم كذلك، وتقدم الأخت للأبوين على الأخت للأب، وكذا من عداها، ويراعى في ذلك الأقرب فالأقرب، ولا نظر إلى ذوي الأرحام؛ لأن المهر مما يقع به المفاخرة؛ فكان [كالكفاءة في النكاح]، بخلاف ما ذكره في الحيض: أن المبتدأة ترد إلى عادة نساء عشيرتها من الأبوين على أظهر الوجوه؛ تفريعاً على الرد إلى الغالب؛ لأن ذلك أمر يرجع إلى الخلقة والجبلة،

والأب [والأم] يشتركان فيه.
قال: في السن، والمال، والجمال، والثيوبة، والبكارة، والبلد، أي: وكذا في العفة، والعقل، وسائر الصفات التي تختلف بها الأغراض؛ لأنه قيمة متلف؛ فاعتبر فيه الصفات التي لا تختلف بها الأغراض؛ وهذه الصفات تختلف بها الأغراض، فإن كانت أكثر منهن جمالاً، أو أصغر سنّاً، زيد في مهرها [بسبب ما فيها من الجمال، وزيادة الأوصاف، وكذلك لو نقصت، نقص من مهرها] والرأي في ذلك منوط بنظر الحاكم.
وفيما علق عن الإمام: التسوية بين البكر والثيب؛ إذا كان لها شرف النسب.
وفي المال وجه: أنه لا اعتبار به.
والمراد باعتبار البلد: أن ينظر إلى مهر نساء عصباتها في تلك البلدة، فإن كان بعضهن في بلدة أخرى؛ فلا عبرة بمن في [ذلك البلد] أما إذا كان جميعهن ببلد آخر، قال الرافعي: فالاعتبار بهن أولى من الاعتبار بالأجنبيات في تلك البلدة.
وفي التهذيب: أن الاعتبار بهن، من غير لفظ الأولوية.
وفي الشامل: أنه لا اعتبار بقراباتها؛ لأن عادات البلاد في المهر تختلف.
قال مجلي: وهذا فيه نظر؛ فإن اعتبار البلد مؤخر عن القرابات في المذهب؛ فكيف تسقط القرابات إذا كن في غيره، ويجعل الاعتبار بالبلد؟! تنبيه: مهر المثل يجب حالّاً من نقد البلد، فلو رضيت المرأة بالتأجيل، لا يثبت، ولو كانت النسوة المعتبر [بهن] ينكحن بمؤجل، أو بصداق بعضه مؤجل- فلا يؤجل أيضاً، ولكن ينقص منه بقدر ما يقابل التأجيل.
ولو جرت عادتهن بأن يخففن مع العشيرة دون غيرها خفف في حق العشيرة دون غيره [وكذا لو كن يخففن إذا كان الخاطب شريفاً، خفف في حق الشريف] دون غيره.
وقيل: لا يخفف في حق العشيرة والشريف.

وقيل: مهر المثل الواجب بالعقد يختلف حكمه، أما الواجب بالإتلاف فلا ينبغي أن يختلف.
قال القاضي الروياني: وبهذا أقول.
قال: فإن لم يكن لها نساء عصبات- أي: على تلك الصفات- لا في بلدها، ولا في غيرها، أو كن، ولكن لم ينكحن، أو جهل مقدار مهرهن- اعتبر بأقرب النساء إليها- أي: كالأمهات، والجدات- ويقدم الأقرب فالأقرب؛ لأنهن أولى بالاعتبار.
ولو كان لها نساء عصبات ميتات، ففي التهذيب وغيره: أنه لا يعتبر بهن.
وفي الذخائر: [أن] في اعتبار نساء عصبة المولى وجهين، فإن قلنا: يعتبرن، قدمن على أقرب النساء غير العصبات.
قال: فإن لم يكن لها أقارب من النساء، اعتبر بنساء بلدها؛ لأنهن أقرب إليها، ثم بأقرب النساء شبهاً بها؛ لأنه الممكن.
فروع: [أحدها]: من لا نسب لها تعتبر بمهر من لا نسب لها، وكذا العربية [تعتبر] بمثلها، والأمة بمثلها، وننظر إلى شرف السيد وخسته، والمعتقة تعتبر بمثلها، وفيه وجه: أنها تعتبر بنساء الموالي.
قال: وإذا أعسر الزوج بالمهر قبل الدخول، ثبت لها الخيار؛ لأنه أعسر عن [تسليم العوض، والمعوض باق بحاله؛ فأشبه ما إذا أفلس المشتري بالثمن.
وإن أعسر بعد] الدخول، ففيه قولان: أحدهما: لا يثبت الفسخ؛ لأن البضع بعد الوطء كالمستهلك؛ فأشبه ما لو أفلس المشتري بعد هلاك السلعة.

ولأن تسليمها يشعر برضاها بذمته، وإذا منعناها من الامتناع بعدما سلمت نفسها، فَلِئلَّا نسلطها على الفسخ كان أولى.
والثاني: يثبت الفسخ، وهو المحكي عن نصه في الإملاء، والصحيح في المهذب؛ [لأن البضع لا يتلف بوطء مرة واحدة؛ فجاز الفسخ والرجوع إليه، وقد أشير إلى بناء] القولين على تردد في أن المقابل بالمهر الوطأة الأولى؛ [فيكون المعوض تالفاً، ويمنع الفسخ، أو في مقابلة [جميع] الوطآت؛ فيكون المعوض باقياً فيه بقاء بعض المبيع في يد] المفلس؟ وهذه الطريقة هي أصح الطرق عند الشيخ أبي حامد، والقاضي الروياني، وغيرهما.
وعند ابن أبي هريرة، والطبري، وابن الوكيل، والقاضي أبي حامد: أنه إن كان الإعسار قبل الدخول فقولان، وإن كان بعده فلا فسخ بلا خلاف.
وقيل بطرد القولين قبل الدخول وبعده.
وقيل بثبوت الفسخ قبله وبعدمه بعده، وبهذا الطريق قال أبو إسحاق.
وقيل: إنه لا يثبت في الحالين، وهو الأصح عند الإمام، والغزالي.
ويخرج من مجموع الطرق ثلاثة أقوال- كما ذكر في التهذيب-: الثالث: التفرقة بين ما قبل الدخول؛ فيثبت، أو بعده؛ فلا يثبت؛ وهذا الذي عليه الأكثر.
والأصح في التهذيب ثبوت الفسخ في الحالين.
فرعان: أحدهما: لو رضيت بالمقام معه بعد أن مكنها القاضي من الفسخ، فهل تمكن من الفسخ بعد ذلك؟ قال الرافعي: لا تتمكن؛ لأن الضرر لا يتجدد والحاصل مرضي به؛ وهذا ما أطلقه جمهور الأصحاب.
وعن أقضى القضاة الماوردي: أن هذا فيما إذا كانت المحاكمتان معاً قبل الدخول، أو بعده، أما إذا كانت المحاكمة الأولى قبل الدخول، والأخرى بعده- فوجهان.

وفي التتمة: أن من أصحابنا من قال: لا يثبت لها الفسخ.
والصحيح: أن الحكم فيه كالمسلم فيه إذا انقطع، وقلنا: لا ينفسخ، ومقتضى هذا: [أن] الخيار لا يكون على الفور؛ لأنه إذا لم يسقط [مع الرضا] بالمقام، فَلِئَلَّا يسقط بترك الفسخ أولى.
وفي الرافعي: أنه على الفور، وهو ما تبين على ما نقله نعم: نقل أنها لو علمت بإعساره، وأمسكت عن المرافعة والمحاكمة، [نظر: إن] كان ذلك بعدما طالبته بالصداق، سقط خيارها، وإن كان قبل المطالبة، لم يسقط، وقد تؤخر المطالبة على توقع اليسار.
الثاني: لو نكحته، وهي تعلم إعساره، فهل لها الفسخ؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ، ونقلهما الرافعي عن القاضي الروياني، وأن أشبههما المنع؛ كما لو رضيت به في النكاح، ثم بدا لها.
وفي الزوائد للعمراني، في باب الخيار في النكاح ضمن مسألة [منه]: أن في المسألة قولين: الجديد: ثبوت الخيار، ولم يحك الماوردي غيره، ووجهه: أن الإعسار من العيوب المظنونة، وأنه مما يجوز أن يزول بعد وجوده.
والقديم: أنه لا خيار.
قال: ولا يجوز الفسخ إلا بالحاكم؛ لأنه مختلف فيه؛ فأشبه العنة.
وفي التتمة: أن للمرأة أن تتولى الفسخ بنفسها على وجه، وشبهه بخيار رد المبيع بالعيب، وتمام التفريع على ذلك يأتي إن شاء الله- تعالى- عند الكلام في الإعسار بالنفقة؛ لأنه في التهذيب جعل حكمه حكمه، وكذلك الرافعي.
فرع: المفوضة إذا أعسر زوجها بالمهر، وقلنا: تستحقه بالعقد، فهل يتوقف حق الفسخ على أن يفرض لها، أو تملك الفسخ قبل الفرض؟ فيه وجهان في النهاية.
قال: وإن اختلفا في قبض الصداق، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم القبض.

ولو كان الصداق تعليم سورة، فاختلفا في تعليمها، وكانت تحفظها، فهل القول قوله، وقولها؟ فيه وجهان.
قال: وإن اختلفا في الوطء فالقول قوله- أي: سواء [كان] خلا بها، أو لا- لأن الأصل عدم الوطء.
وفيه قول: إذا وجدت الخلوة كان القول قولها، وقد تقدم ذكره.
فإن قيل: [إن] الاختلاف في الوطء بعد الطلاق؛ لأجل رجوع الزوج في [شطر] الصداق، فهلا خرج قبول قولها أو قوله على تقابل الأصلين؛ لأن المرأة تملك الصداق بجملته بالعقد، والزوج يدعي رجوع الشطر إليه بالطلاق؛ لصدوره قبل الدخول، والأصل بقاء ملكها؛ كما أن الأصل عدم الوطء المقتضي [لرجوع الشطر.
قلنا: المختلف فيه أصلاً إنما هو الوطء، واستقرار الملك تبعه؛ فلا يجوز أن يجعل الأصل في الملك، وهو بقاؤه، رادّاً على الأصل في الوطء، وهو عدمه؛ إذ هو فرعه، والفرع لا يرجح على أصله، والله أعلم].
فرع: لو أقامت شاهداً واحداً على اعترافه بالدخول، حلفت معه؛ لأن المقصود منه المال، بخلاف ما لو أقام [الزوج] شاهداً واحداً على إقرارها بالدخول؛ فإنه لا يحلف معه؛ لأن مقصوده ثبوت العدة، والرجعة، وذلك ليس بمال؛ قاله البندنيجي في كتاب العدد.
قال: فإن أتت بولد يلحقه نسبه- أي: ولم ينفعه باللعان- استقر المهر في أحد القولين- أي: إذا ادعت الوطء- لأن ذلك دليل الوطء، وهذا ما حكاه الرافعي لا غير عند الكلام في العنة.
وقال في كتاب الإيلاء: إنه الظاهر، والمنصوص عليه في رواية المزني وغيره.
قال: ولم يستقر في الآخر؛ لأن الولد يلحق بالإمكان، واستقرار المهر يتوقف

على حقيقة الوطء، والأصل عدمه؛ وهذا ما نسبه الرافعي في كتاب الإيلاء إلى حكاية الربيع، وأن الشيخ أبا علي حكى طريقاً آخر، وهو تنزيل النصين على حالين: إن اختلفا قبل حدوث الولد، وحكمنا بنصف المهر؛ تصديقاً له، ثم أتت بالولد- لا يغير حكم المهر، ويلحق الولدب الإمكان.
وإن اختلفا بعد حدوث الولد، ومات الزوج؛ فلا يقبل قول الورثة، بل نصدقها ونوجب [كل] المهر، وحكاه البندنيجي- أيضاً- في كتاب العدد.
فإن قيل: الخلاف المتقدم ينبغي أن يبني على الخلاف في أن استدخال الماء هل يقرر المهر أم لا؟ فإن قلنا: إن استدخال الماء يقرره، وجب أن يستقر هنا؛ إذ لا يخلو العلوق أن يكون من وطء أو استدخال الماء، وأيهما كان فهو مقرر.
وإن قلنا: لا يقرره، فقد صار العلوق ممكناً من غير وطء، وهو استدخال الماء؛ فال نجعل لحوق النسب دليلاً على الوطء، وقد أشار إلى ذلك ابن الصباغ قبل باب المتعة.
[و] قيل: لا يحسن ذلك؛ لأن مقتضى هذا البناء أن يكون الصحيح هنا عدم الاستقرار؛ لأن الصحيح عدم الاستقرار باستدخال الماء، والصحيح خلافه، وإن كان الجيلي قد قال: إن الصحيح عدم الاستقرار في مسألتنا.
[ولأن] الخلاف هنا محكي قولين كما ذكرناه، والخلاف في استدخال الماء محكي وجهين، ولا يمكن بناء قولين على وجهين، وإن كان ابن الصباغ قد حكى [الخلاف] هنا وجهين، والله أعلم.
التفريع: إن قلنا بالاستقرار، فلابد من يمينها على الإصابة.

وقال الرافعي: يمكن أن يخرج يمينها على الخلاف فيما إذا أقامت بيّنة على بكارتها عند دعوى الزوج [الوطء] في مدة العنة، [وقد تقدم ذكره].
قلت: [ويمكن] أن يفرق بينهما بأن ثَمَّ دعواها عدم الوطء موافقة للأصل، وإذا أقامت بينة على البكارة، كان ذلك مؤكداً للأصل الذي ادعته؛ فأمكن أن يستغني عن اليمين؛ لوجود مرجحين تضافراً على محل واحد، وهنا دعواها الإصابة مخالفة للأصل، وظهور الحمل مرجح واحد، عارضه الأصل مع احتمال حصول العلوق [باستدخال الماء]، ولا يلزم من ترك اليمين- عند وجود مرجحين لا معارض لهما- تركها عند وجود مرجح واحد له معارض، نعم: [قد] يتجه أن يكون في يمينها خلاف مبني على ما تقدم، من أن استدخال الماء هل يقرره أم لا؟ فإن قلنا: [لا يقرره]، فلابد من اليمين؛ لاحتمال أن يكون العلوق من [استدخال الماء.
وإن قلنا: إنه يقرره، فلا فائدة لليمين؛ إذ لا علوق إلا من وطء أو استدخال الماء.
ويمكن أن يقال: يحتمل أن يكون العلوق من] غير الزوج، وإنما الشرع ألحق الولد بالزوج، ولم يراعِ هذا الاحتمال؛ لقيام الفراش؛ فتحلف لقيام هذا الاحتمال؛ وهذا- أيضاً- مما يضعف البناء المذكور أَوَّلاً.
فائدة: كل من ادعى عدم الوطء، كان القول قوله، إلا في خمس مسائل: إذا ادعى المولى الوطء، والمرأة ثيب، وأنكرت، فالقول قوله.
وكذلك العنين إذا ادعى الوطء، وأنكرت.
وهاتان المسألتان لم يختلف فيهما.
والثالثة: إذا أتت بولد يمكن أن يكون منه وادعت الوطء، هل القول

قولها، أو قوله؟ فيه وجهان.
والرابعة: إذا وجدت الخلوة، وادعت الوطء، وأنكره، فهل القول قول من منهما؟ فيه قولان.
والخامسة: إذا قلنا: [إن] خيار الأمة في العتق يسقط بالوطء، فادعى الزوج الوطء، وأنكرت، هل القول قوله أو قولها؟ فيه وجهان.
قال: وإن اختلفا في القدر المسمى- أي: [ولا بينة- تحالفا]؛ كما في البيع.
وكذا الحكم فيما لو اختلفا في صفة المسمى: كالصحة والتكسير، والحلول والتأجيل، وقدر الأجل.
ولو قال: أصدقتك هذا العبد، فقالت: بل هذه الجارية، فالمذهب جريان التحالف.
وفيه وجه ضعيف: أنهما لا يتحالفان؛ فإن الصداق في حكم عقد مستقل؛ صرح به الإمام قبل كتاب القسم.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون هذا الاختلاف قبل الدخول، أو بعده، مع بقاء النكاح أو انقطاعه؛ لأن [في] الصداق عقداً مستقلّاً بنفسه، وأثر التحالف يظهر فيه، لا في النكاح؛ كما سيأتي.
ولو ادعت تسمية شيء، وأنكر الزوج أصل التسمية، ففيه وجهان: أصحهما- وهو اختيار القاضي الحسين-: أنه يجري التحالف.
والثاني: أن القول قول الزوج مع يمينه.
قال الرافعي: إنما يحسن وضع المسألة إذا كان ما تدعيه أكثر من مهر المثل.
قلت: ويحسن إن كان ما تدعيه مساوياً لمهر المثل إذا كان من غير نقد البلد؛

لاختلاف الأغراض بأعيان الأموال.
ولو ادعت النكاح ومهر المثل، فاعترف [الزوج] بالنكاح، وأنكر المهر، وسكت عنه، ولم يدع التفويض، ولا إخلاء النكاح عن ذكر المهر- ففيه وجهان، حكاهما الغزالي: أحدهما: [أنه] يثبت لها المهر إذا حلفت، وينسب إلى القاضي الحسين.
وأظهرهما عنده: جريان التحالف؛ وهذا لا يكاد يتصور؛ فإن التحالف يقتضي أن يحلف كل واحد منهما على إثبات ما يدعيه، ونفي ما يزعم صاحبه، والزوج لم يصدر منه سوى إنكار مطلق، فأي معنى للتحالف؟! والذي أجاب به مشايخ طبرستان- على ما قاله القاضي الروياني-: أن القول قول الزوج، وعليها البينة.
قال: والحق ألا يسمع إنكاره؛ لاعترافه بما يقتضي المهر، ولكن يكلف البيان، فإن ذكر قدراً، وذكرت زيادة عليه، تحالفا، وإن أصر على الإنكار، ردت اليمين عليها، وقضى لها.
أما إذا كان لهما بينة، فإن أقامها أحدهما، عمل بها، وإن أقاما بينتين، وهما مختلفتان في قدر الصداق، فعن ابن سريج وجهان: أحدهما: [أن] بينة الزوج أولى؛ لاشتمالها على الزيادة.
والثاني: أنهما يتعارضان، فإن قلنا بالتساقط فكأنه لا بينة.
وإن قلنا: يقرع، فهل يحتاج من خرجت قرعته إلى يمين؟ فيه وجهان؛ كذا حكاه الرافعي، ومقتضاه أن القرعة تجري على قول الاستعمال، ولم [يحك ذلك] [في التحالف] في البيع، بل حكي أنه يوقف، وإن كان ابن التلمساني في "شرح التنبيه" حكى في جريان القرعة والوقف وجهين.
قال: ويبدأ بيمين الزوج؛ هذا نصه هنا؛ لقوة جانبه بعد التحالف ببقاء البضع

له، وهو كالبائع؛ إذ يرجع إليه المبيع بعد التحالف.
قال: وقيل: فيه ثلاثة اقوال: أحدها: هذا.
والثاني: يبدأ بيمين المرأة؛ [لأنها] في منزلة البائع، والزوج في منزلة المشتري، وقد نص الشافعي على أنه يبدأ بالبائع.
والثالث: بأيهما شاء الحاكم؛ لتساويهما.
وقيل: يقرع بينهما.
وهذا الخلاف في الاستحباب، لا في الاستحقاق؛ نص عليه الشيخ أبو حامد وصاحب التهذيب، والتتمة.
وفي ابن يونس حكاية وجه عن الحاوي: [أنه] في الاستحقاق؛ وهذا كله موضع الكلام فيه باب "التحالف"، وإنما [ذكر هنا]؛ لبعد العهد به.
قال: فإذا حلف، لم ينفسخ النكاح؛ لأن التحالف يوجب الجهل بالعوض، والنكاح لا يفسد بالجهل بالعوض على الصحيح.
قال: ووجب مهر المثل- أي: إذا [قلنا: ينفسخ] عقد الصداق، أو قلنا: إنه ينفسخ بنفس التحالف- لأن المسمى سقط، وتعذر الرجوع إلى المعوضح فوجب رد بدله؛ كما لو تحالفا بعد هلاك المبيع في يد المشتري.
وقال ابن خيران: [و] إن زاد مهر المثل على ما ادعته، فليس [لها] إلا ما ادعته، وحكي عن ابن الوكيل أيضاً.
قال ابن الصباغ: وهذا مبني على أن الفسخ [هل] يقع في البطن مع الظاهر أم لا؟ وفيه وجهان، فإن قلنا: إنهي نفسخ في الباطن، استحقت مهر المثل، وإلا فالمسمى؛ إذا كان أقل.
قلت: وما قاله ابن الصباغ يتجه إذا كان المسمى من نقد البلد، أما إذا كان

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل