كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الصَّداق: بفتح الصاد وكسرها.
ويقال: صَدُقة: بفتح الصاد، وضم الدال، وصُدْقة: بضم الصاد وإسكان الدال؛ أربع لغات.
وأصدقتُ المرأة: سميتُ لها صداقاً.
ومهرتها أَمهُرها- بضم الهاء- وأمهرتها لغتان.
وهو اسم للمال الواجب للمرأة على الرجل بالنكاح أو الوطء.
ومجموع أسمائه سبعة، نطق بها الكتاب والسنة:
فأما ما ورد به الكتاب، فأربعة: الصداق، والنحلة، والفريضة، والأجر.
والذي وردت به السنة ثلاثة: المهر، والعقد، والعليقة.
والصداق: مأخوذ من الصدق، وهو الشديد القلب، فكأنه أشد الأعواض ثبوتاً؛ من حيث إنه لا يسقط بالتراضي.
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع:
قال الله- تعالى- ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4]، والنحلة: الهبة، وإنما سمي: نحلة؛ لأن كل واحد من الزوجين يستمتع بالآخر؛ فيحصل [للمرأة] [مثل] ما يحصل للرجل من الاستمتاع والألفة، ولعل حظها من الاستمتاع أوفر، لوفرة شهوتها، فجعل الصداق لهن كأنه عطية من غير عوض.
وقيل نحلة، أي: عطية من الله تعالى.
وقيل: المراد بها الدين، يقال: فلان ينتحل بكذا، والمعنى: وآتوا النساء صدقاتهن تَدَيُّناً.
وروي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، أني وهبت نفسي لك، فقام قياماً طويلاً، فقام رجلٌ، فقال: يا رسول الله، زوجينها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال- صلى الله عليه وسلم-: "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري، فقال: "إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ، جَلَسْتَ فَلَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ"، فالْتَمَسَ فلم يَجِدْهُ، فقال: "هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ؟ "، فقال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا، فقال- صلى الله عليه وسلم-: "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ"، وفي رواية: "زَوَّجْتُكَهَا؛ فَعَلِّمْهَا"، وانعقد الإجماع على ما يصح [جعله] صداقاً: أنه يثبت بالتسمية الصحيحة.
قال: والمستحب ألَّا يعقد النكاح إلا بصداق، اقتداء برسول الله- صلى الله عليه وسلم-؛ فإنه لم يعقد نكاحاً إلا وسمي فيه صداقاً؛ على ما حكاه ابن الصباغ والمتولي، وحتى لا يشبه نكاح الواهبة نفسها للنبي- صلى الله عليه وسلم- وليكون أدفع للخصومة والمنازعة.
وإنما لم يكن [ذلك] واجباً؛ لأن الغرض الأعظم من النكاح- الاستمتاع ولواحقه، وأنه يقوم بالزوجين؛ [فهما الركنان]؛ فيجوز إخلاء النكاح عن الصداق، وقد دل على ذلك- أيضاً- قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236]، وقوله- صلى الله عليه وسلم- لرجل: "أَتَرْضَى أَنْ أُزَوِّجَكَ فُلَانَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: أَتَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلَاناً؟ " قالت: نعم؛ فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يُعْطِها شيئاً، وكان له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- زوجني فلانةَ، ولم يفرض لها صداقاً، ولم أُعْطِها شيئاً، وإني أشهدكم أني قد
أعطيتها عن صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهماً، فباعته بمائة ألف درهم"، أخرجه أبو داود.
واعلم: أن هذا الاستحباب ثابت وإن كان الصداق لا يثبت بالتسمية؛ كما إذا زوج عبده من أمته، وقلنا بجوازه، وهو المذهب؛ على ما حكاه البغوي والمتولي في كتاب الصداق.
وقال ابن الصباغ في فصل تزويج العبد: [القديم:] أنه يستحب ذكره.
وفي الجديد: إن شاء ذكره، وإن شاء ترك.
قال: وهذا أصح.
أما إذا قلنا بعدم جوازه؛ كما حكاه الرافعي في كتاب الرضاع وجهاً، أو قلنا يجب، ويسقط على أحد الوجهين، فقد امتنع التصوير.
قال: وما جاز أن يكون ثمناً [في البيع]، جاز أن يكون صداقاً- أي: قل أو كثر- فلا يتقدر بشيء.
وقال أبو ثور: إنه يتقدر بنصاب السرقة، وهو عنده خمسة دراهم.
لنا قوله- صلى الله عليه وسلم-: "أَدُّوا الْعَلَائِقَ"، قيل: وما العلائق؟ قال: "مَا تَرَاضَى بِهِ الأَهْلُونَ".
وما رُوِي أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال- صلى الله عليه وسلم-: "رَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟! "، فقالت: نعم، فأجازه.
أخرجه الترمذي، وقال فيه:
حديث حسن صحيح.
ولأنه بدل منفعتها؛ فكان تقدير العوض إليها؛ كأجرة منافعها.
نعم: يستحب ألَّا ينقص عن عشرة دراهم، ولا يزيد على صداق زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وبناته- رضي الله عنهن- وهو اثنتا عشرة أوقية ونش على ما روته عائشة.
والنش: نصف أوقية، والأوقية: أربعون درهماً، مجموع ذلك خمسمائة درهم.
وهذا الاستحباب تخاطب به المرأة المالكة لأمر نفسها، والسيد في تزويج أمته، فأما المولى إذا زوج موليته المحجور عليها، فليس له أن ينزل عن مهر مثلها على ما سيأتي بيانه.
قال: فإن ذكر صداقاً في السر، وصداقاً في العلانية، فالصداق ما عقد به العقد، وهذا نصه في الإملاء، واختيار المزني؛ لأن الصداق يجب بالعقد؛ فوجب ما عقد به.
وروى عن الشافعي: أنه قال: المهر مهر السر؛ اعتباراً بما تواضعُوا عليه، واصطلحوا، والألفاظ لا تعني لأعيانها، وإنما يقصد إلى معانيها.
وللأصحاب طريقان:
أحدهما- وهو مذهب العراقيين، والأصح- تنزيل النصين على حالين:
فحيث قال: المهر [مهر] السر، أراد: ما إذا جرى العقد بألف في السر، ثم أتوا بلفظ العقد بألفين في العلانية مع اتفاقهم على بقاء العقد الأول.
وحيث قال: المهر مهر العلانية، أراد: ما إذا تواعدوا [سرّاً،] ولم يعقوا، وعقدوا في العلانية؛ لأن ما سبق وعد.
والطريق الثاني: إثبات قولين [في] المسألة، وقال المزني: وهو مذهب المراوزة؛ وفي موضعها طريقان مذكوران في النهاية:
أحدهما: أن موضعها ما إذا اتفقوا على ألف، واصطلحوا على أن يعبروا عن الألف في العلانية بألفين.
والثاني: إثبات قولين، سواء اتفقوا على ألف، وجرى العقد بألفين، ولم يتعرضوا لتغيير اللغة، أو التعبير بالألفين عن الألف.
قال الإمام: وعلى هذه القاعدة تجري الأحكام المتلقاة من الألفاظ.
ثم ما المعنى بما أطلقناه من الاتفاق في السر، هل هو مجرد الرضا والتواعد؟ أم المراد ما إذا جرى العقد بألف في السر، ثم عقد بألفين في العلانية؟
قال الرافعي: منهم من يفسره بالأول، وقضية لفظ التهذيب وغيره- إثبات القولين وإن جرى العقدان.
ونقل عن الحناطي طريقاً ثالثاً في المسألة: أن الواجب مهر المثل، ونقد المسمى، وحمل [على] ما إذا جرى العقد بألفين على شرط ألا يلزمه إلا أداء ألف.
وقال الجيلي: إن الخلاف في المسألة يمكن بناؤه على أن الشرط السابق هل هو كالمقارن أم لا؟
وهذا الذي ذكره فيه نظر؛ إذ الخلاف في أن الشرط السابق، هل هو كالمقارن؟ مأخوذ من هنا.
قال: ولا يزوج ابنته الصغيرة- أي: البكر- بأقل من مهر المثل، ولا ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل- أي: من مال الطفل- لأن في ذلك إضراراً بالمولى عليه؛ فلا يجوز بيع ماله بدون ثمن المثل.
وحكم البكر البالغ إذا زوجت بغير إذنها، والمجنونة، والمجنون- حكم الصغيرة في ذلك.
قال: فإن نقص ذلك- أي: مهر البنت- وزاد هذا- أي: مهر زوجة الابن- وجب مهر المثل- أي: لها؛ لصحة النكاح، وبطلان التسمية، وبطلت الزيادة- أي: في المسألة الثانية؛ لأن تصرف الغير للغير منوط بالحظ والمصلحة، ولا حظ، ولا مصلحة في ذلك.
ونقل بعض الخراسانيين قولاً أن النكاح لا يصح، وإليه أشار القاضي؛ لأن النكاح على هذه الصورة لا يكون معقوداً على حكم الغبطة، والعقود المتعلقة بالغير إذا لم تتصف بالغبطة مردودة؛ كما لو زوجها من غير كفء.
وعلله الغزالي بأن الرضا لم يوجد إلا بالمسمى، ولم يثبت، فكيف يصح العقد بدون الرضا؟!
وفي النهاية حكاية قول: أنه إذا زوج ابنته بدون مهر المثل، أن المسمى يثبت، وإن كان قد ادعى إجماع الأصحاب على وجوب مهر المثل، وإن لم يصر أحد إلى انعقاد النكاح بالمقدار الذي سماه في باب التفويض.
وفي الحاوي في كتاب الرضاع عند الكلام في الغرم: أن ذلك مبني على أن الذي بيده عقدة النكاح من هو؟ فإن قلنا: إنه الزوج، لم يصح، وإن قلنا: إنه الولي، ففي جواز تزوجها بأقل من مهر المثل وجهان، والأصح المنع.
وفي الجيلي حكاية وجه عن بحر المذهب: أنه لا يجوز أن [يتزوج الصغير على الصغر]، أما إذا كان المهر من مال الأب، ففيه احتمالان للإمام:
أحدهما: أنه يفسد المسمّى أيضاً؛ إذ ما نجعله صداقاً يدخل في ملك الابن.
والثاني: يصح، وتستحقه المرأة؛ لأن ملكه يحصل ضمناً، فلو لم نصححه، لفات على الابن جميع المهر، ولزم مهر المثل من ماله؛ وهذا ما أورده الغزالي، وصاحب التهذيب.
وفي [التتمة، و] أمالي أبي الفرج ترجيح الاحتمال الأول.
قلت: وما علل به الاحتمال الثاني من كونه يسقط الكل ممنوع، بل نقول: وجب أن يسقط الزائد على مهر المثل من المسمى؛ كما يسقط إذا كان الصداق من مال الابن- على ما سنذكره-؛ إذ هو الذي يلزم فيه المحظور، وتفريق الصفة جائز على الصحيح.
واعلم أن قول الشيخ- رضي الله عنه-: بطلت الزيادة، يريد ما إذا زوج ابنه، وسمي لزوجته صداقاً، إما في الذمة، وإما معيناً، فكان الصداق زائداً على مهر المثل، فإن الزوجة تستحق [قدر] مهر المثل من المسمى، وتبطل الزيادة؛ وهذا ما حكاه الرافعي وجهاً ها هنا، وحكى فيما إذا أذن الولي للسيد في التزويج بامرأة معينة، فزوجها، وزاد على مهر المثل: أن الزيادة تسقط، ويجب مهر المثل.
وقال ابن الصباغ: القياس بطلان المسمى، والرجوع إلى مهر المثل.
والفرق: أن على التقدير الأول تستحق الزوجة قدر مهر المثل من المعين، وعلى الثاني يجب مهر المثل في الذمة؛ هذا آخر كلامه، وظاهره التناقض، بل الوجه التسوية بين الصورتين؛ كما ذكره في التهذيب؛ إذ لا فرق بينهما والله أعلم.
فرعان:
أحدهما: لو طلبت ابنته الصغيرة كفء بأكثر في مهر المثل، فزوجها من كفء آخر بمهر المثل، صح، ولا معترض عليه؛ قاله الإمام في أول كتاب الصداق.
الثاني: لو زوج ابنته البكر على صداق، وهو مهر مثلها من معسرٍ من غير رضاها، فالمذهب أنه لا يصح النكاح؛ لأنه بخس لحقها؛ كما لو زوجها من غير كفء، ذكره القاضي الحسين في الفتاوى.
قال: ولا يتزوج السفيه بأكثر من مهر المثل- أي: إذا عين له الولي المرأة أو القبيلة- لأن إذن الولي لا يتناول الزيادة عليه.
قال: فإن زاد بطلت الزيادة؛ لأنها تبرع، وهو ليس من أهله.
وفي "النهاية" أبدى احتمالاً فيما إذا لم يجد إلا امرأة واحدة، ولم ترض إلا بأكثر من مهر المثل والحاجة حاجة على ما ذكره [وقد فهم مما تقدم معنى قوله: "بطلت الزيادة".
وحكى في "التتمة" طريقة توافق ما أبداه ابن الصباغ: أن المسمى يبطل ويجب] مهر المثل.
قال: وهو القياس، والأول هو ظاهر النص.
وحكى ابن القطان أن بعض الأصحاب خرج وجهاً في بطلان النكاح.
قال: ولا يتزوج العبد بأكثر من مهر المثل، أي: إذا أذن السيد في التزويج، إما من معينة وإما على الإطلاق، ولم يعين له المهر؛ لأن مطلق الإذن لا يتناول إلا مهر المثل فما دونه؛ كما في الإذن في الشراء.
قال: ومهر امرأته في كسبه، وكذا نفقتها إن كان مكتسباً؛ لأنه لا يمكن إيجاب ذلك على السيد؛ لأنه لم يلتزمه، ولم يستوف منفعته.
ولا [يمكن إيجابه] في رقبة العبد؛ لأنه وجب برضا من له الحق.
ولا [يمكن] إيجابه في ذمته إلى أن يعتق؛ لأنه في مقابلة الاستمتاع؛ فلا يجوز تأخيره عنه؛ لما فيه في الإضرار بالمرأة؛ فلم يبق إلا الكسب؛ فتعلق به.
وفي "التهذيب": أن النفقة والمهر على المولى في القديم؛ فلا يطالب به العبد، وإن أعتق أو أفلس السيد، وإن أبرأ السيد برئا [جميعاً].
وفي النهاية: أن السيد يكون ضامناً في القديم، والجديد: أنه ليس بضامن، وأن للعراقيين ثلاثة اقوال:
أحدها: أن السيد لا يصير ملتزماً بالإذن.
والثاني: أنه يصير ملتزماً.
والثالث: [أن يكون العبد] كسوباً فلا يصير [السيد] ملتزماً، [وإن لم
يكن كسوباً صار] ملتزماً؛ وهذا هو المنقول في "الكتاب"، و"الشامل"، وغيرهما من كتب العراقيين، والمذهب الأول.
وحكى أبو الفرج الزاز على القديم وجهين: أن ذلك وجب على السيد ابتداء، أو يلاقي العبد، ويتحمل عنه السيد.
فعلى الأول: يكون الحكم كما ذكرناه عن التهذيب.
وعلى الثاني: تتوجه المطالبة عليهما جميعاً.
قال الرافعي: وهو الأصح.
قلت: وهو الذي جزم به الإمام [جوابه] عند كلامه في الأب: هل يكون ضامناً لصداق زوجة ابنه الصغير؟
وعلى المذهب: لا فرق في الكسب بين النادر والمعتاد، وفي النادر وجه: أنه لا يتعلق به.
والكسب الذي [يتعلق] به المهر ما يتجدد بعد التزوج؛ [إن كان] المهر حالّاً، وبعد الحلول، إن كان مؤجلاً.
وكيفية صرف الكسب: أن يبدأ منه بالنفقة، ومهما فضل صرف في المهر.
[ويجب على السيد تخلية العبد بالليل؛ ليستمتع بزوجته، وفي النهار؛ ليكتسب المهر] والنفقة، إلا إذا تكفل بذلك.
فإن استخدمه، ولم يلتزم شيئاً، فعليه الغرم، وفيما يغرمه وجهان:
أصحهما: أقل الأمرين من أجرة المثل، وكمال المهر والنفقة.
والثاني: كمال المهر والنفقة.
وهما مبنيان على القولين في قتل العبد الجاني.
وهل الاعتبار بنفقة زمن الاستخدام، أو على الأبد؟ فيه خلاف.
وحكم مسافرته بالعبد حكم استخدامه.
وحكى الإمام عن العراقيين: أنه ليس له أن يسافر به، ولا أن يستخدمه في
الحضر ما بقيت عليه مؤنة من مؤن النكاح.
قال الرافعي: وجعل المسألة مختلفاً فيها بين الأصحاب، ولا يكاد يتحقق فيها خلاف.
فرع: هل يجوز للعبد أن يؤاجر نفسه للمهر والنفقة؟ فيه وجهان بناهما في "التتمة" على القولين في بيع المستأجر: إن جوزناه جاز الإيجار، وإلا فلا.
قال: وهذا في إجارة العبد، أما إذا التزم عملاً في الذمة، فالمذهب جوازه.
فرع آخر: لو أذن [له] السيد في النكاح على أن ينفق على زوجته من الاكتساب، ففي صحة الإذن وجهان في تعليق القاضي الحسين في باب مداينة العبد.
قال: أو [فيما في يده]؛ إن كان مأذوناً له في التجارة- أي: من رأس المال والربح الحاصل قبل التزويج وبعده- لأنه دين لزمه بعقد أذن فيه؛ فقضى مما في يده، كدين التجارة.
وفيه وجه: أنه لا يتعلق إلا بما يتجدد من الربح بعد التزويج ككسب غير المأذون؛ فعلى هذا لو لم يكن ثم ربح يفي به؛ فعلى السيد؛ لأنه مشغول بعمله، وماذا يجب عليه؟ فيه الخلاف السابق.
قال: فإن لم يكن مكتسباً ولا مأذوناً له في التجارة، ففي ذمته- أي: إن رضيت بالمقام معه- ولم تملك مطالبته به إلى أن يعتق- أي: ويوسر- في أحد القولين؛ لأنه دين لزمه برضا من له الحق؛ فتعلق بذمته، كبدل القرض.
قال: أو تفسخ النكاح- أي: إن لم ترض بالمقام معه- لتضررها بذلك؛ وهذا تفريع على الصحيح في ثبوت الخيار بالإعسار به؛ وذلك إذا لم تعلم بعجزه قبل العقد، فإن علمت بعجزه، فقد حكى العمراني في "الزوائد" في باب ما يحرم من النكاح: أن الجديد ثبوت الخيار للزوجة إذا علمت بإعسار الزوج بالمهر.
وفي القديم: أنه لا يصح لها.
وحكى الرافعي الخلاف وجهين، [وأن أشبههما]: المنع، إذ ذلك بعينه يجري ها هنا.
قال: وفي ذمة السيد في [القول] الآخر؛ لأن الإذن لمن هذا حاله التزام للمؤنات.
وفي "التهذيب": أن القولين على الجديد.
وفي "التتمة": هما مبنيان على الجديد والقديم.
وفيه قول ثالث: أنه يتعلق برقبته، وطرده الشيخ أبو حامد في الكسوب، ومن كسبه لا يفي بما عليه من مؤن النكاح في القدر الزائد كغير الكسوب فهو على القولين؛ كما قاله الإمام.
وفي "التهذيب" و"الذخائر": أنه لا يتعلق بالسيد، ولها أن تفسخ إن شاءت.
قال في "الشامل": قال أصحابنا: ويجري القولان في الأب إذا زوج ابنه الصغير الفقير، هل يلزمه المهر والنفقة؟
وسوّى الإمام بينه وبين العبد؛ فلا يختص الخلاف بالفقر.
ونقل عن القاضي تفريعاً على قول الضمان: أنه إذا غرم الأب لا يجد رجعاً على مال الطفل، ويكون هذا كضمان العاقلة دية الخطأ، وأن الأب لو شرط ألَّا يكون ضامناً، بطل.
قال: وهذا وهم من الآخذين عنه، ولعله قال: بطل الشرط، ولزم الضمان، وصح النكاح.
وما قاله القاضي في أن الأب لا يرجع إذا غرم لا سبيل إلى القول به؛ فإن الشرع أثبت للأب نظراً في [طلب غبطة الابن]، فإذا نظر له واشتد نظره
فانتصاب ذلك سبباً لالتزامه المغارم محال؛ وهذا ما أجاب به في التهذيب؛ إذا قصد الرجوع عند الأداء.
قال الإمام: ولاشك أن الابن مطالب بالنفقات، والمهر، وسائر مؤن النكاح إذا بلغ، وليس كالقاتل خطأ؛ فإنه لا يطالب بالعقد مع إمكان مطالبته للعاقلة؛ لخروج ذلك عن القياس.
ونقل في "الذخائر" عن "الحاوي" على قول الوجوب على الأب: أنه يجب عليه ابتداء، والابن بريء منه، وهو يوافق ما قاله في "التهذيب" في الإذن للعبد؛ فإنه كان قد وافق الإمام في هذه المسألة.
وحكم الولد المجنون على ما حكاه في "التهذيب" حكم الصغير.
قال: فإن زاد على مهر المثل، وجبت الزيادة في ذمته، يتبع بها إذا أعتق؛ دفعاً للضرر عن الزوجة بقدر الإمكان؛ [إذ لا يمكن أن يجب] في كسبه؛ لأن إذن السيد لا يتناوله، ولم يستوف العبد في مقابلته شيئاً.
فإن قيل: هذه الزيادة تثبت في ذمة العبد بغير إذن السيد، فهلاَّ كان في ثبوتها خلاف؛ كما في ضمان العبد بغير إذن السيد.
قلنا: الالتزام ها هنا جرى في ضمن عقد مأذون فيه؛ فكان أقرب، وقد يمتنع الشيء مقصوداً، وإذا حصل في ضمن عقد لم يمتنع؛ ألا ترى أن العبد [يمتنع من] تمليك السيد بعقد الهبة على أحد الوجهين، ولو خالع صح قولاً واحداً، ودخل المال في ملك السيد؟
قال الإمام: وهذا هو الممكن فيما ذكرناه.
ويحتمل من طريق القياس: ألَّا تلزم الزيادة في المهر أصلاً؛ كما لا يصح الضمان، وما ذكرناه تكلف، وإلا فلا فرق بين هذه الزيادة والضمان.
فرع: لو قدر له مهراً، فنكح به امرأة مهرُ مثلها دونه، فقد حكى الرافعي عن
الحناطي فيه ثلاثة احتمالات:
أظهرها: صحة النكاح، ووجوب المسمى في الحال.
والثاني: أن الزيادة على مهر المثل يتبع بها إذا عتق.
والثالث: بطلان النكاح.
قال: وإن تزوج بغير إذنه، ووطئ، ففي المهر ثلاثة أقوال:
صورة المسألة ما إذا أذن في النكاح مطلقاً، فنكح العبد نكاحاً فاسداً- مثل أن قرن به شرطاً فاسداً يخل بمقصوده: كشرط الخيار، وعدم الوطء- ووطئ فيه [ففيه أقوال:].
أحدها: يجب حيث يجب في النكاح الصحيح؛ لأنه لما كان النكاح الفاسد كالصحيح في وجوب العدة والنسب والمهر، جعل كالصحيح في المحل المستوفى منه المهر.
والثاني: أنه يتعلق بذمته، وهو الجديد؛ لأنه حصل برضا المستحق؛ فصار كما إذا اشترى، أو استقرض بغير إذن السيد، [وأتلفه]؛ هكذا علله الأصحاب.
ومقتضى هذا التعليل: أنه لو تزوج حرة بغير إذنها في التزويج منه، ثم وطئها وهي نائمة- حتى لا يجعل التمكين من الوطء رضا- أنه [لا] يتعلق بالرقبة، ويؤيد ذلك ما سنذكره في الفرع بعده.
والثالث: أنه يتعلق برقبته؛ لأن المهر ينزل منزلة أرش الجناية من حيث إنه لا يتطرق إلى موجبه الإباحة.
وهذا القول، منهم مَن نَسَبَه إلى القديم، ومنهم من يقول: هو مخرج من قولنا: إن السفيه إذا نكح بغير إذن الولي، ووطئ، يلزمه المهر، كذا قاله الرافعي.
وقد تقدم في كتاب النكاح عن صاحب "التتمة": أن الخلاف في لزوم المهر للسفيه مخرج على الخلاف في هذه المسألة، والجمع بين التقليد غير ممكن.
وفي "النهاية": أن من الأصحاب من لم يثبت هذا القول إلى الشافعي، وقال: إنه حكاه عن مذهب الغير.
أما إذا لم يأذن السيد له في النكاح أصلاً، فلا يجيء في المهر القول الأول، ويجيء القولان الآخران، ويجريان في كل وطء شبهة صدر منه، وقد صرح بذلك الإمام في كتاب اللقيط.
فرع: لو نكح العبد بغير إذن مولاه أمة بغير إذن سيدها، [ووطئ]، ففي المهر طريقتان:
منهم من جزم بتعلقه بالرقبة.
ومن من [خرجه] على القولين، ووجهه بأن المهر وإن كان حقّاً للسيد إلا أنها بسبيل في إسقاطه في الجملة؛ بدليل الردة والرضاع، فإذا [جاز] أن يسقط [بفعلها جاز أن يسقط برضاها].
قال: ويجوز أن يكون الصداق عيناً تباع، وديناً يسلم فيه، ومنفعة تكري، ويجوز حالّاً ومؤجلاً؛ لأنه عقد على منفعة معينة، فجاز بما ذكرناه؛ كالإجارة.
واعلم أن قول الشيخ: عيناً تباع، يريد به: أن تكون العين مستجمعة لشرائط البيع، وليس على إطلاقه، بل يستثنى منه جعل رقبة العبد صداقاً للمرأة، وجعل الأب والدة ابنه صداقاً لابنه؛ وجعل أحد أبوي الزوجة الصغيرة صداقاً لها؛ فإن ذلك لا يثبت صداقاً مع وجود شرائط البيع في كل واحدة من الصور المذكورة.
وقوله: وديناً يسلم فيه يريد: استجماعه لشرائط السلم، ومنطوقه على عمومه، ومفهومه: أن ما لا يجوز السلم فيه لا يجوز جعله صداقاً، يستثنى منه الأثمان؛ فإنه يجوز جعلها صداقاً، وإن قلنا: لا يجوز السلم فيها على أحد القولين.
لكن الشيخ لا يحتاج أن يستثني ذلك؛ فإنه جزم بجواز السلم فيها.
وقد حكى القاضي الحسين في كتاب الكتابة وجهاً: أنه يجوز جعل المال النادر الوجود صداقاً في الذمة؛ على أنه مضمون ضمان اليد، وكذا إذا قلنا: إنه مضمون ضمان العقد وجوزنا الاستبدال عن الثمن، أو منعناه وقلنا: عن المسلم فيه إذا انقطع لدى المحل: أنه يثبت الخيار؛ فعلى هذا تستثنى هذه الحالة من المفهوم- أيضاً- لكن إذا قلنا بأنه مضمون ضمان العقود، [فقدم يجب عليه قيمته.
وإن قلنا يجوز الاستبدال أخذ بدله إذا قلنا: إنه مضمون ضمان عقد] وإن قلنا: لا يجوز الاستبدال ثبت لها الخيار في الصبر، وفسخ الصداق.
وحكى وجهاً ثانياً: أنه لا يصح إصداق نادر الوجود في الذمة؛ بناءً على أن الصداق مضمون ضمان عقد، ولا يصح الاستبدال وأن انقطاع المسلم فيه يفسخ العقد.
وقوله: ومنفعة تكرى، يريد المنفعة التي يجوز استيفاؤها بعقد الإجارة، سواء كانت الإجارة واردة على الذمة أو العين وهو يحسن تلك المنفعة فإن كان لا يحسنها لم يحسن على الأصح.
قال الإمام: ومحل الوجهين فيما إذا كان يحسن مقدار يشتغل بتعليمه في الحال، أو كانت الإجارة مع تعلقها بالغير واردة على مدة تتسع للتعليم والتعلم، فأما إذا [لم تكن] مدة، وكان لا يحمل شيئاً البتة، فلا وجه إلا القطع بالفساد.
وفي "التتمة"- تفريعاً على وجه الجواز-: أنها إن أمهلته على أن يتعلم فذاك، وإلا فهو معسر بالصداق.
ويدخل تحت ما ذكره الشيخ إذا أصدقها تعليم غلامها، أو ولدها الذي يجب عليها تعليمه، ويخرج تعليم ولدها الذي لا يجب تعليمه.
أما المنفعة التي لا يجوز استيفاؤها بعقد الإجارة ويجوز بغيره: كمنفعة البضع، ورد الآبق من الموضع المجهول، فلا يجوز جعلها صداقاً.
وفي الآبق حكاية قول عن رواية أبي الطيب ابن سلمة وأبي حفص بن الوكيل: أنه يجوز.
وفي الذخائر: إن كان الموضع مجهولاً، لم يجز قولاً واحداً، وإن كان معلوماً، فطريقان:
منهم من خرجه على قولين:
ومنهم من قطع بالصحة.
فإن قيل: المنفعلة لا تكرى، وإنما يكرى العين؛ لأجل استيفاء المنفعة؛ لذلك قال الغزالي: وشرطه الإضافة إلى العين، يعني: في لفظ الإجارة.
فالجواب أن العراقيين [يجوزون للآجر] أن يقول: آجرتك المنفعة، وقد صرح بذلك في "الشامل" عند الكلام في أن عقد الإجارة يرد على ماذا؟ فلا اعتراض عليهم إذن.
فرع: يجوز أن يجعل النزول عن القصاص الواجب له على المرأة، أو على عبدها- صداقاً لها، ولا كذلك النزول عن الشفعة وحد القذف؛ لأن ذلك مما لا يقابل بالعوض.
ثم إن جوزنا المصالحة عن حد القذف على مال- على رأي- اتجه أن يلحق بالقصاص.
[ثم إذا طلقها الزوج قبل الدخول، وكان الصداق العفو عن القصاص، فبماذا ترجع؟ فيه قولان حكاهما الرافعي قبل كتاب الديات:
أحدهما: بنصف مهر المثل.
وأصحهما في "التهذيب": بنصف أرش الجناية].
ولا يجوز أن يجعل طلاق امرأة صداقاً لأخرى، وإن كان بذل المال يجوز في مقابلة الطلاق؛ لأن ذلك لا يجلب إليها نفعاً فلو فعل ذلك، قيل: يبطل النكاح، أو يصح ويفسد الصداق؟ فيه كلام قدمناه في نكاح الشغار.
ولو أصدقها تعليم الفاتحة، وهو متعين للتعليم، ففي صحة الصداق وجهان كنظيرهما في الإجارة، والأصح: الصحة.
ولو نكحها على أداء شهادة لها عليه، أو نكح كتابية على أن يلقنها كلمة الشهادة-[لم يجز]؛ قاله في التهذيب.
ولو نكح ذمية على أن يعلمها شيئاً من القرآن؛ جاز إذا كان معلوماً.
وقال الشيخ أبو حامد: إن كان قصدها المباهاة؛ لم يصح.
قال ابن الصباغ: وهذا ضعيف؛ لأنها قد تريد ذلك، فإذا تعلمته، انتفعت به، وكان سبباً لإسلامها.
قال: وما لا يجوز في البيع والإجارة من المحرم والمجهول- أي: وغيرهما- لا يجوز [في الصداق]؛ قياساً عليهما.
قال: وتملك المرأة المهر بالتسمية، أي: سواء كانت التسمية صحيحة، أو فاسدة.
أما إذا كانت صحيحة؛ فتملك المسمى، وأما إذا كانت فاسدة؛ فتملك مهر المثل؛ لأنه عقد يملك فيه المعوض بالعقد فملك العوض فيه بالعقد؛ كالبيع.
قال: وتملك التصرف فيه بالقبض؛ لأنه مملوك بعقد معاوضة؛ فجاز التصرف فيه بعد القبض [وإن كان بصدد السقوط؛ كالمبيع بعد القبض وقبل قبض ثمنه.
وأما التصرف فيه قبل القبض] فيبنى على أن الصداق [مضمون في يد
الزوج] ضمان عقد، أو ضمان يد؟ وفيه قولان عند الخراسانيين:
الجديد: أنه مضمون ضمان عقد؛ فعلى هذا لا يجوز التصرف فيه؛ إن كان عيناً أو منفعة، وإن كان ديناً، فقولان؛ كالثمن؛ وهذا ما حكاه الشيخ في البيع.
والقديم: أنه مضمون ضمان يد؛ كالمستعار؛ لأن النكاح لا ينفسخ بتلف الصداق، وما لا ينفسخ العقد بتلفه [في يد العاقد]، يكون مضموناً ضمان اليد؛ كما لو غصب البائع المبيع من المشتري بعد القبض؛ فعلى هذا يجوز التصرف فيه بالبيع والهبة والوقف والعتق والحوالة؛ كذا قاله الرافعي [وغيره].
قلت: وينبغي أن يفرع- أيضاً- على أن الزوجين إذا تشاحا في البداية بالتسليم، هل يجبران أو لا؟ أو الزوج.
فإن قلنا: لا يجبران، ينبغي ألا ينفذ تصرف المرأة في الصداق؛ لأنها غير قادرة على التسليم حالة التصرف وإن كانت قادرة عليه من بعد بالتمكين؛ كما في الرهن، اللهم إلا أن يقولوا: إن قول عدم الإجبار، إنما يجري إذا لم يتعلق به حق ثالث، أما إذا تعلق به حق ثالث، فيجبران، أو يكون بإذن الزوج؛ فحينئذ يكون هذا الإطلاق صحيحاً، ويحتاج إلى التقييد [ثم]، ولم أره، والقولان مبنيان على أن الصداق؛ نحلة أو عوض.
وتوجيه النحلة: الآية، وأن النكاح لا يفسد بفساده، ولا ينفسخ برده.
وتوجيه العوض: أن لها حبس نفسها؛ لتستوفيه، ويؤخذ بالشفعة؛ وهذا أصح.
قال: ويستقر بالموت- أي: قبل الدخول- من غير قتل، سواء كانت الزوجة حرة أو أمة؛ لأنه لا يبطل النكاح؛ بدليل التوارث؛ فكأنه انتهاء، وانتهاء العقد كاستيفاء المعقود عليه؛ بدليل الإجارة.
وفي التتمة حكاية خلاف في أنا هل نطلق القول بأن المهر تقرر بالموت؟ فمن قائل: لا؛ لأن المقرر إنما يحسن إطلاقه؛ إذا كان يتوقع وجود المسقط [ولا
يتأثر الموت به، وبعد الموت لا يتوقع وجود المسقط] وهو الطلاق والردة.
ومن قائل: نعم؛ إلحاقاً لإنهاء العقد باستيفاء المعقود عليه، ولمن قال به أن يقول: ليس المسقط مطلق الطلاق والردة، بل يشترط وقوع ذلك قبل الدخول، وإنه لا يتصور حصوله بعد الدخول؛ كما لا يتصور بعد الموت.
ثم ذكر أن فائدة الخلاف تظهر فيما إذا مات زوج الصغيرة، وأراد الأب أن يعفو عن صداقها إذا جوزناه، فإن قلنا: يتقرر بالموت، فقد جعلناه كالدخول؛ فلا يصح عفوه؛ كما لا يصح بعد الدخول.
وإن قلنا: إنه لا يتقرر؛ فيصح العفو.
وفي المفوضة إذا مات زوجها، إن قلنا: الموت يقرر المسمى؛ فتستحق مهر المثل، وإلا فلا.
قال الرافعي: وليس لهذا البناء مسوغ؛ لأن التقرير إنما يطلق عند سبق الواجب؛ فلا يلزم من كون الموت مقرراً وجوب المهر في صورة التفويض، وفي الأمة وجه: أنه يسقط جميع مهرها بموتها؛ بناءً على أن السيد يزوج بحكم الملك؛ حكاه المتولي.
قال: أو الدخول؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21]، وفسر الإفضاء بالجماع.
ولأن الوطء بالشبهة يوجب المهر ابتداء، فالوطء في النكاح أولى أن يقرر المهر الواجب.
ولا فرق بين أن يكون الوطء حلالاً أو حراماً: كوطء الحائض، والمحرمة، أو في الفرج أو الدبر.
وفي الوطء في الدبر وجه: أنه لا يقرر مع الاتفاق على وجوب مهر المثل به في غير الزوجة.
ويكتفي في التقرير بوطأة واحدة وإن كان المهر في مقابلة جميع الوطآت على رأي؛ كما نقله الرافعي في النفقات.
قال: وهل يستقر بالخلوة حتى لو طلقها قبل الدخول وبعد الخلوة، لا يسقط منه شيء؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو الجديد: أنه لا يستقر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]، ولا مسيس.
والثاني- وهو القديم-: أنه يستقر؛ لما روي [عن] عمر وعلي- رضي الله عنهما- أنهما قالا: إذا أغلق باباً، وأرخى ستراً، فلها الصداق كاملاً، وعليها العدة.
ولأنه وجد التمكين من استيفاء المنفعة؛ فاستقر به البدل؛ كما في الإجارة، فعلى هذا هل تكون الخلوة موجبة للعدة ومثبتة للرجعة؟ فيه وجهان:
المذكور منهما في التتمة والوسيط: الثبوت.
قال الإمام في كتاب العدد: كنت أود أن يحال تقرير المهر على التمكين؛ فإن التمكين من المنافع في عقود المنافع تسليم، وأما العدة فكان لا يبعد في القياس ألَّا تجب وإن تقرر المهر؛ فإن تقرير المهر مأخوذ من قياس في المعاوضات، ولا يؤخذ في العدة مثله.
وما قاله إن صح فيكون وجهاً ثالثاً فارقاً بين الرجعة والعدة، ويشترط على هذا القول ألَّا يكون ثم مانع حسي: كالرتق، أو القرن، أو الجب أو العنة؛ ولا مادي: كما إذا كان معهما ثالث، وفي المانع الشرعي: كالحيض، والإحرام، والصوم خلاف، والذي ذهب إليه المحققون- على ما حكاه الغزالي-[أنه يشترط عدمه.
والمذكور في التتمة: أنه لا يشترط عدمه]، وكذلك في تعليق البندنيجي في كتاب العدد.
وفي النهاية فيها أيضاً.
ثم قال الإمام في الموانع الطبيعية: إن الوجه عندنا: الحكم بالتقرير مع هذه الموانع؛ فإن المصير إلى [أن] النكاح لا يتصور فيه تقرير، فيه بُعْدٌ، والذي جرى نهاية الأمر، ولو فصل فاصل بين الجب والرتق صائراً إلى أن تمكين المجبوب [يرد] العجز إليه، وهي في نفسها فعلت ما هو ممكن على أقصى الإمكان، والرتقاء عاجزة عن التمكين، فقد جاء العجز من جهتها عن الوفاء بالتمكين.
ويعترض على ذلك بأنها تستحق النفقة وإن لم يكن الوقاع ممكناً، والمرضية التي لا يرجى زوال مرضها قد لا تستحق النفقة؛ هذا آخر كلامه.
وقال بعض الأصحاب: الخلوة لا تقرر المهر قولاً واحداً، وإنما الخلاف في ترجيح جانبها حتى يكون القول قولها في دعوى الإصابة.
فرع: إذا قلنا: الخلوة لا تقرر المهر، أو كان هناك مانع، ففي الوطء فيما دون الفرج وجهان؛ بناءً على القولين في أنه هل يثبت حرمة المصاهرة؟
ولو استدخلت ماءه، مل يتقرر به المهر على الصحيح.
وفيه وجه حكيناه في باب ما يحرم من النكاح: إنه يقرر.
قال: ولها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تقبض، أي: إذا كان الصداق حالّاً [في العقد] أو عيناً، وسواء كان التأخير بعذر أو بغير عذر؛ دفعاً لضرر فوات البضع.
أما إذا حل قبل الدخول، قال الشيخ أبو حامد: ليس لها الامتناع.
[و] قال القاضي أبو الطيب: هذا غلط.
وقد ذكر المزني في المنثور: أنه لو باع سلعة بثمن مؤجل، ولم يقبض السلعة حتى حل الأجل، كان للبائع الامتناع من تسليم السلعة حتى يقبض الثمن.
ولو كان بعضه حالّاً، وبعضه مؤجلاً، فلها الامتناع حتى تقبض الحال منه.
فرع: إذا كانت المرأة صغيرة، أو مجنونة، فلوليها حبسها حتى تقبض الصداق، ولو رأى المصلحة في التسليم، فله التسليم.
قال: فإن تشاحا، فقالت المرأة: لا أسلم نفسي حتى أقبض الصداق، وقال: لا أسلم حتى تسلمي نفسك- أجبر الزوج على تسليمه إلى عدل، وأجبرت المرأة على التسليم، فإذا دخل بها، سلم المهر إليها؛ لأن كل واحد منهما قد استحق التسليم، فأجبر كل واحد منهما على إيفاء صاحبه [حقه]؛ وهذا نصه ها هنا.
قال الإمام: ولو سلمت نفسها، فلم يأتها، فالذي أراه [أن] على العدل تسليم الصداق إليها، فلو سلم إليها، فَهَمَّ الزوج بالوطء، فامتنعت، فالوجه استرداد الصداق منها.
قال: فإن لم يسلم، لزمه نفقتها؛ لأنها ممتنعة بحق.
قال: وفيه قول آخر: أنه لا يجبر واحد منهما، بل أيهما بدأ بالتسليم أجبر الآخر عليه؛ لأن كل واحد منهما قد وجب عليه حق بإزاء حق له؛ فلم يجبر على إيفاء ما عليه دون ما له.
قال: وإن تمانعا، مل تجب نفقتها عليه؛ لأنها ممتنعة بغير حق.
واعلم أن عدم وجوب النفقة مرتب على منعها فقط، فتقييده بما يعمها لا وجه له.
وفيه وجه ثالث: أنه [لا يجبر] الزوج.
ولا يجيء القول الرابع في البيع هنا، وهو إجبار الزوجة؛ [على] وزان إجبار البائع- وإن كانت بائعة للبضع- لأن منفعة البضع تفوت بالتسليم، ولا يمكن استدراكها، والمال يمكن استرداده.
وعن ابن الوكيل، وابن سلمة، والقاضي أبي حامد، وغيرهم: الاقتصار على
القولين [الأولين]؛ كما ذكره الشيخ، وإنكار قول البداية.
قلت: وهذا صحيح، لا يتجه خلافه؛ إذا كان الصداق عيناً، وقلنا: إنه مضمون في يد الزوج ضمان عقد؛ [كما قلنا في البيع إذا كان الثمن عيناً، أما إذا كان ديناً، أو قلنا: إنه مضمون ضمان يد]، اتجه جريان القول الثالث، وهو إجبار الزوج: أما في الدين؛ فلأن حقه متعين، وحق المرأة لا يتعين إلا بالقبض؛ كما قلنا: يجبر المشتري إذا كان الثمن في الذمة على قول؛ نظراً لهذه العلة.
وأما إذا قلنا: إنه [مضمون ضمان يد، فكما إذا بان بطلان البيع بعد قبض المبيع والثمن، فإن المبيع] مضمون في يد المشتري بحكم اليد، ويجبر على تسليمه وإن لم يقبض الثمن على الأصح، وذلك مذكور في البيع، والله أعلم.
وحيث قلنا: يجبر الزوج، فذاك إذا كنت مهيأة للاستمتاع، فلو كانت محبوسة، أو ممنوعة بعذر آخر، لم يجبر، وإن كانت صغيرة، فقولان.
وكذا لو سلمت الصغيرة إلى الزوج، فهل عليه [تسليم] المهر؟ فيه قولان؛ كما في النفقة.
وقيل: لا يجب تسليم الصداق قولاً واحداً؛ لأن النفقة تجب لكونها محبوسة له، ممكنة له بحسب الإمكان، وقد تحقق هذا المعنى، والمهر عوض الاستمتاع، وهو متعذر.
وقيل: يجب تسليم الصداق قولاً واحداً؛ لأنه يجب في مقابلة البضع، وقد ملكه بالعقد، والنفقة [في] مقابلة التمكين من الاستمتاع، والتمكين يستدعي إمكان الاستمتاع، وهو متعذر.
والأمة إذا سلمت ليلاً ونهاراً، وجب تسليم مهرها، [وإن سلمت ليلاً، ولم تسلم نهاراً]، فعن الشيخ أبي حامد: أنه لا يجب تسليمه؛ كالنفقة.
وذكر القاضي أبو الطيب: أنه يجب.
قال ابن الصباغ: وهذا أصح؛ لأن التسليم الذي يتمكن معه من الوطء قد
حصل، وليس كالنفقة، فإنها لا تجب بتسليم واحد.
واعلم أن هذه المسألة فيها بحثان:
أحدهما: أن القول الأول عبر عنه الأصحاب بأنهما يجبران، وصوروا الإجبار بما ذكره الشيخ، وفي ذلك نظر؛ لأن العدل إما أن يكون نائباً عن المرأة في القبض شرعاً، أو لا يكون، فإن كان نائباً عنها شرعاً- كما قاله الجيلي- فقد رجع حقيقة هذا القول إلى أن الزوج يجبر أولاً، فإذا أسلم أجبرت ثانياً، وهذا حقيقة القول الثالث؛ [إذ لا] فرق بين التسليم إلى المرأة أو [إلى] نائبها.
وإن لم يكن نائباً عنها، فقد أجبرت المرأة على التسليم أولاً، وهو وزان القول الرابع في البيع الذي لم يجر هنا.
الثاني: أن قول الشيخ: ولها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تقبض يوافقه القول الثالث، وهو البداية بالزوج، ويخالفه القولان الآخران:
أما وجه المخالفة على قول إجبارها، فظاهر.
وأما على قول عدم الإجبار: أن مقتضى الكلام الأول: أن امتناعها يكون بحق؛ فتستحق النفقة؛ لأن الامتناع بالحق لا يسقطها؛ كما تقدم على قول [إجبارها] ومقتضى الكلام الثاني- على ما صرح به الشيخ وغيره- أنها لا تستحق ما لم [تسلم نفسها]؛ وهذا يدل على أن الامتناع بغير حق؛ فالجمع بين الكلامين متعذر، وكلام الرافعي- رضي الله عنه- موافق لكلام الشيخ أولاً وآخراً.
ويمكن أن يجاب عن الأول بأن نقول: هو نائب عنها- كما صرح به الجيلي- إذ هو مقتضى ما قاله الأصحاب فيما إذا أخذ السلطان الدين من الممتنع، فإن المأخوذ يملكه الغريم بمجرد الأخذ، وتبرأ ذمة المأخوذ منه، وقد صرح بذلك [الرافعي] في [أواخر] كتاب الطلاق؛ نقلاً عن كتب العراقيين.
ووجه الإلحاق أن العدل إنما يسلم إليه بإذن السلطان، فهو نائب عنه في
ذلك، والنائب كالمستنيب في هذا المعنى، وإذا كان نائباً عنها فهو ممنوع من التسليم إليها، وهي ممنوعة من التصرف فيه قبل التمكن، فكان ذلك فائدة الإجبار، بخلاف القول الثالث؛ فإنا إذا أجبرنا الزوج، أطلقنا تصرفها فيما تقبضه بمجرد القبض، والله أعلم.
قال: فإن تبرعت، وسلمت نفسها حتى وطئها، سقط حقها من الامتناع؛ لأنه تسليم استقر به المسمى، فأسقط حق المنع؛ كالبائع إذا سلم المبيع قبل قبض الثمن.
وحكى أبو حامد وجهاً: أن لها العود على الامتناع.
قلت: ويمكن بناء الخلاف على أن المهر في مقابلة أول وطأة، أو في مقابلة جميع الوطآت؟ كما بنى الأصحاب جواز الفسخ بالإعسار بالمهر بعد الدخول عليه.
فإن قلنا: إنه في مقابلة أول وطأة واحدة- وهو الصحيح-[لم يكن] لها الامتناع.
[وإن قلنا: إنه في مقابلة جميع الوطآت فلها الامتناع]؛ لأنه لم يستوف بقية المعقود عليه؛ فأشبه ما إذا سلم بعض المبيع، فإنه لا يسقط حق الحبس في الباقي.
ولو تبرعت، وسلمت نفسها، ولم يطأها، فلها طلب المهر على الأقوال كلها، ولها العود إلى الامتناع، وحبس النفس؛ [لاستيفاء الصداق].
ولو وطئها مكرهة، فهل يبقى لها حق الامتناع؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ كما لو غصب المشتري المبيع قبل تسليم الثمن؛ فإنه يجوز للبائع رده إلى حبسه.
ويجري الوجهان فيما لو سلم الولي الصبية، أو المجنونة قبل قبض الصداق، فبلغت، أو أفاقت، ولم تقبض بعد، هل لها حبس نفسها؟ هكذا حكاه الرافعي،
ومقتضاه: أن الصحيح أن لها ذلك؛ وهذا الإطلاق فيه نظر، بل ينبغي أن ينظر: إما أن يكون الولي سلمها لمصلحة اقتضاها نظره، أو لا:
فإن كان الثاني، فالحكم [كما ذكره].
وإن كان الأول، فينبغي أن يكون الصحيح: أنه ليس لها ذلك؛ كما لو ترك الولي طلب الشفعة؛ لمصلحة اقتضاها نظره، ثم بلغ المولى عليه؛ فإنه لا يثبت له الأخذ بها على الأصح.
ولو بادر الزوج، وسلم الصداق، فعليها التمكين، وتسليم النفس بشرطه؛ كما تقدم في كتاب النكاح، فإن امتنعت من غير عذر، فهل له الاسترداد؟ ينبني ذلك على أن الزوج هل يجبر أم لا؟ إن قلنا: نعم، فله الاسترداد، وإن قلنا: لا، فوجهان:
اظهرهما: أنه لا يسترد.
وعن القاضي: إن كانت المرأة معذورة حين سلم، فزال العذر، وامتنعت- يسترد.
فرع: لو سلم مهر الصغيرة التي لا تصلح للجماع: إما عالماً، أو جاهلاً، وقلنا بالصحيح، وهو أنه لا يجب تسليم مهرها، هل له الاسترداد؟ فيه وجهان في "التهذيب".
قال: وإن هلك الصداق قبل القبض، أو خرج مستحقّاً، أو كان عبداً فخرج حرّاً، أو وجدت به عيباً- أي: مقارناً أو حادثاً- فردته، رجعت إلى مهر المثل في أصح القولين؛ لأن تلف العوض قبل القبض، ورده بالعيب، وخروجه مستحقّاً يقتضي رد المعوض، فإذا تعذر، وجب رد بدله؛ كما لو باع عبداً بثوب، وتلف الثوب بعد قبضه، فإنه يرجع عليه بقيمة الثوب.
قال: وإلى قيمة العين- أي: إن كانت من ذوات القيم- في القول الآخر، وهو القديم، وادعى ابن الصباغ أنه الصحيح فيما إذا هلك؛ [لأن هلاك] العوض إذا لم يوجب فسخ العقد يوجب الرجوع إلى القيمة؛ كالبائع إذا غصب
المبيع من يد المشتري بعد التسليم، وتلف في يده.
ولأنهما إذا ذكرا عوضاً كان مقصدهما ذلك العوض دون قيمة البضع، ولذلك المذكور خصوص: وهو عينه، وعموم: وهو ماليته، فإذا لم يمكن اعتبار عينه يعتبر الذكر في المالية؛ فلا يلغي التقدير، وإن لغا التعيين.
والقولان مبنيان على أن الصداق مضمون [في يد الزوج] ضمان عقد أو ضمان يد؟ وفيه قولان تقدما بتوجيههما:
فإن قلنا: ضمان عقد، كان الرجوع إلى مهر المثل، وإن قلنا: ضمان يد، فالرجوع إلى القيمة أو المثل، وأي قيمة تعتبر عند الهلاك؟ فيه قولان:
أصحهما: أقصى القيم من يوم الإصداق إلى يوم التلف.
والثاني: قيمة يوم التلف.
وفي التتمة وجه: أن المعتبر قيمة يوم الإصداق.
وروي وجه آخر: أن الواجب أقل القيم من يوم الإصداق إلى يوم التلف.
فرع: لو أصدقها تعليم سورة، فتعلمتها من غيره، أو لم تتعلمها؛ لسوء فهمها- فالحكم كما لو تلف الصداق.
واعلم أن قول الشيخ: فردته دال على أن لها الخيار في الرد والإمساك، وذلك ظاهر على قول ضمان العقد، وأما على قول ضمان اليد، فيتجه ألا يثبت لها الخيار، بل ترجع بالأرش كما لو تعيب المستعار في يد المستعير، وقد ذهب إلى ذلك أبو حفص بن الوكيل في العيب الحادث.
قال الإمام: وهذا وإن كان متجهاً في القياس، فهو بعيد في الحكاية، وإن صح هذا مذهباً، فهو في العيب المتجدد في يد الزوج، فأما إذا فرض إطلاع على عيب قديم، فتغريم الزوج أرش العيب بعيد، وإلزام المرأة الرضا بالظلامة بعيد أيضاً، ولا اعتداد على الجملة كما ذكره.
ولو ذكرا خمراً، أو خنزيراً، أو ميتة، فطريقان:
أحدهما: القطع بوجوب مهر المثل، وهو ما حكاه في الشامل.
والثاني: أنه على القولين في الحر، واختلف الأصحاب في محل القولين في الحر:
فعن الشيخ أبي حامد، والصيدلاني، والقاضي الحسين: أن محلهما ما إذا قال: أصدقتك هذا العبد إما على ظن أنه عبد، وإما مع العلم بأنه حر، أما إذا قال: أصدقتك [هذا] الحر، فالعبارة فاسدة، ويجب مهر المثل قولاً واحداً؛ وعلى هذا جرى صاحب التهذيب، والشيخ في آخر الباب؛ حيث قال: وإن تزوجها على مهر فاسد، فإنه جزم بوجوب مهر المثل، وإن حكى الخلاف هنا.
وفي التتمة طريقة أخرى: أنه لا فرق بين اللفظين في جريان القولين ويتجه جريان هذا الخلاف فيما لو خرج مستحقّاً.
وإذا قلنا بالرجوع [لها ببدل] العين، فالحر يقدر عبداً وتجب قيمته، والخمر عصيراً، ويجب مثله.
قال الرافعي: وقد حكي فيما إذا أسلم الزوجان، وقد جرى القبض في بعض المهر الفاسد- وجهاً: أنه يقدر الخمر خلاًّ، والوجه: التسوية.
وذكرنا وجهاً: أنه تعتبر قيمة الخمر عند من يرى لها قيمة، ولا يبعد مجيئه هنا.
وأما الخنزير، فيقدر شاة؛ قاله الغزالي.
والمذكور في نكاح المشركات: أنه يقدر بقرة، وهو الذي أورده الإمام، وصاحب التهذيب.
وفي الميتة تقدر مذكاة، ثم الواجب فيها وفي الخنزير القيمة.
فروع:
أحدها: إذا تلف الصداق، فإن كان أتلفته الزوجة، فهو كما لو قبضته على الأصح.
وفيه وجه: أنه يجب عليها قيمته، وترجع عليه بمهر المثل، وهذا الوجه إنما يتجه على قول ضمان العقد، أما [على] قول ضمان اليد، فلا.
وإن كان المتلف أجنبيّاً، فإن قلنا: إتلاف الأجنبي المبيع قبل القبض كتلفه بنفسه، فالحكم كما تقدم.
وإن قلنا بوجوب الخيار للمشتري- وهو الأصح- فللمرأة الخيار في
الصداق، سواء قلنا: هو مضمون ضمان عقد، أو يد، فإن فسخت [فماذا ترجع] به على الزوج؟ فيه القولان.
وإن لم يفسخ، أخذت من المتلف البدل، ولها أن تطالب به الزوج؛ إن قلنا بضمان اليد، وإلا فلا.
قال الرافعي: وكان يجوز أن يقال: لا يثبت الخيار على قول ضمان اليد، وليس لها [إلا طلب] البدل؛ كما إذا أتلف أجنبي المستعار في يد المستعير.
وإن كان المتلف الزوج، فذلك ينبني على أن إتلاف البائع كالآفة السماوية، أو كإتلاف الأجنبي، وقد تبين حكم الصداق على التقديرين.
فإذا ثبت الخيار، وقلنا بضمان اليد، وان الزوج يضمن ضمان الغصوب؛ فلا فائدة للفسخ، وكذلك إن قلنا: يضمن يوم الإصداق، وجعلنا إتلافه كالآفة السماوية.
وإن جعلناه كالأجنبي؛ فإن كانت قيمته يوم الإصداق أكثر؛ فلها في الفسخ فائدة، وإن كانت أقل فلا.
وإذا طالبت المرأة بالصداق، وامتنع الزوج متعدياً، ثم تلف في يده؛ فهذا التلف نازل منزلة إتلاف البائع؛ فيجيء فيه الخلاف.
[الفرع] الثاني: إذا أجازت عند إطلاعها على عيب في الصداق، إن قلنا: يضمن ضمان العقود، فلا أرش لها، وإن قلنا: ضمان يد، فلها أرش النقصان في الحادث، وفي المقارن تردد القاضي الحسين من حيث إن يد الزوج لم تشتمل يوم الإصداق إلا على معيب، والظاهر: أن لها الأرش.
[الفرع] الثالث: إذا انتفع الزوج بالصداق في الخدمة وغيرها قبل القبض؛ فعليه الأجرة على قول ضمان اليد، وإلا فوجهان؛ كالبائع إذا انتفع بالمبيع قبل القبض.
والزوائد الحاصلة في يد الزوج قبل القبض والتلف أو الرد؛ إن قلنا بضمان اليد فلها، وإن قلنا بضمان العقود فكما في البيع.
قال: وإن وردت فرقة من جهتها قبل الدخول؛ بأن أسلمت أو ارتدت، سقط مهرها؛ وكذا لو أرضعت من ينفسخ النكاح برضاعه؛ لأنها أتلفت العوض قبل التسليم؛ فسقط بدله؛ كالبائع إذا أتلف المبيع قبل القبض.
وعن الشافعي في سنن الواقدي ما يشعر بوجوب نصف المهر إذا أسلمت، وأقامه بعض الأصحاب قولاً، ووجهه بأنها محسنة بالإسلام؛ فكان من حقه أن يوافقها، فإذا امتنع، انتسب الفراق إلى تخلفه؛ كذا ذكره الرافعي في نكاح المشركات، وقد حكيناه ثم.
ولو زوج الكتابي ابنته الصغيرة من كتابي، ثم أسلم أحد أبويها قبل الدخول، صارت مسلمة، ووقعت الفرقة.
[و] هل يسقط المهر؟ قال ابن الحداد: يسقط، وخالفه بعض الأصحاب، وقال: يجب [لها] نصف المهر؛ لأنه لم يكن من جهتها صنع فهو كما لو أرضعت، حكاه العمراني في الزوائد، والإمام في الفروع المذكورة قبل كتاب الصداق.
فرع: فسخ النكاح بسبب إعسار الزوج بالصداق [هل يشطر الصداق؟
قال في الجيلي في كتاب النفقات]: إن قلنا: إنه فسخ، سقط جميعه.
وقال في التتمة في ضمن فرع، وهو إذا كانت الزوجة صغيرة، فأعسر زوجها بصداقها لا يفسخ الولي؛ لأنه إنْ كان قبل الدخول يُشطر المهر، [وإن كان بعده- فهو باق في ذمته، فلا فائدة في الفسخ؛ وهذا يشعر بأن الفسخ بالإعسار يشطر المهر؛] فإن فسخ الولي ينزل منزلة [فسخ] المولى عليه؛ بدليل ما تقدم.
ويمكن أن يقال في هذه الصورة: يتشطر؛ إذ لا منع من جهتها؛ بخلاف ما إذا فسخت هي، ويمكن أن يكون بناءً على أنه طلاق.
قال: وإن قتلت نفسها، فقد قيل: فيها قولان، أي: بالنقل والتخريج؛ لأن الشافعي- رضي الله عنه- نص على أن السيد إذا قتل الأمة، أو قتلت نفسها: أنه يسقط المهر، وعلى أن الحرة إذا قتلت نفسها، لا يسقط؛ فقيل قولان بالنقل والتخريج:
أحدهما: أنه يسقط مهرها؛ لحصول الفرقة من جهتها؛ كما لو ارتدت.
والثاني: لا يسقط، وهو الأصح؛ لأنها فرقة حصلت بانتهاء النكاح؛ فأشبهت الموت.
قال: وقيل: إن كانت حرة، لم يسقط، وإن كانت أمة، سقط؛ لأن الحرة كالمسلمة إلى الزوج بالعقد؛ ولهذا يملك منعها مِن السفر، بخلاف الأمة؛ فإن للسيد أن يسافر بها.
ولأن المقصود الأصلي من نكاح الأمة الاستمتاع؛ ولهذا لا يجوز إلا عند الحاجة، وفي نكاح الحرة الوصلةُ وتناسل العشائر؛ ولهذا يجوز عقده على من لا يمكن وطؤها من الرتقاء والقرناء.
وأيضاً: فإن الحرة إذا قتلت نفسها، غنم زوجها ميراثها؛ فجاز أن يغرم
مهرها، وفي الأمة لا ميراث له، والطريق الأول أصح؛ لضعف الفروق؛ قال أبو إسحاق لا يتبين الفرق بينهما، ويجب أن يسقط مهر الحرة والأمة جميعاً بالقتل؛ هذه طريقة العراق.
والخراسانيون حكوا الطريقين فيما إذا قتل السيد الأمة، والحرةُ نفسَها، والأصح عندهم: الثاني، وهو تقرير النصين.
وأما إذا قتلت الأمة نفسها، فهو مبني على أن علة السقوط فيما إذا قتلها السيد ماذا؟
فمِنْ قائلٍ: العلة: أن المقصود بالعقد الوارد على المال، قد فات قبل التسليم؛ فأشبه فوات المبيع قبل القبض.
قال الرافعي: وهذا أظهر؛ إن قلنا: السيد يزوج بحكم الملك؛ وعلى هذا التعليل يسقط أيضاً.
ومِنْ قائلٍ: إن المستحق هو الذي فوت المقصود عليه، فكان تفويته رضاً منه بالسقوط؛ فعلى هذا لا يسقط؛ وهذا هو الأظهر.
ويخرج على العلتين موتها قبل الدخول، وقتل الأجنبي.
ولو قتل الزوج زوجته الأمة، فالحكم ببقاء المهر أظهر وفيه وجه: أنه يسقط أيضاً.
وقيل: الزوج لا يتضمن القبض؛ كالمستأجر إذا قتل العبد المستأجر.
فرعان:
[أحدهما:] قال في التهذيب: إذا قلنا: إن السيد إذا قتل أمته، سقط المهر، فلو تزوج رجل أمة أبيه، فوطئها الأب قبل أن يدخل بها الابن، وجب أن يسقط المهر.
الثاني: إذا قلنا باستقرار المهر بقتل الأجنبي، هل يرجع به الزوج عليه؟ حكى الحناطي أن عبد الجبار المصري حكى في شرح المزني: أنه يرجع عليه؛ كالرضاع.
قال: وهو بعيد، لم يذكره غيره.
قال: وإن وردت الفرقة من جهته بأن أسلم، أو ارتد، أو طلق؛ وجب نصف المهر: أما في الطلاق فللآية، ولأنا لو أسقطنا صداقها احتجنا إلى أن نوجب لها المتعة- فكان إبقاء بعض ما وجب أقرب من إسقاط الجميع، وإيجاب مال آخر.
وأيضاً: فإن المرأة كالمسلمة إلى الزوج بنفس العقد؛ لأن التصرفات التي يملكها الزوج تنتقل من وقت النكاح، وطلاقه ليس فسخاً للنكاح، فنظر الشرع إلى تصرفه والقدرة عليه، ثم إلى عود البضع إليها قبل استيفاء المعقود عليه منه، فانقسم النظر إلى شعبتين؛ فأوجب تشطر المهر.
وأما في الباقي؛ فبالقياس عليه.
وكذا الحكم فيما لو فوض إليها الطلاق، فطلقت نفسها، أو علق طلاقها على [دخول دار]، فدخلت، أو طلقها بعد انقضاء مدة الإيلاء بطلبها.
ولو حكم بإسلامه تبعاً [لأحد] أبويه، فهل يتشطر المهر، أم يسقط؟ فيه وجهان في النهاية عن الشيخ أبي علي، والأولى التشطر؛ حكاه في الفروع المذكورة قبل كتاب الصداق.
ولو ارتدا معاً، ففيه- أيضاً- وجهان.
والخلع مع الزوجة حكمه حكم الطلاق في التشطر؛ لأنه وإن كان تم بالزوجة، فالمغلب فيه جانب الزوج؛ لأن المقصود منه الأصلي الفراق، وهو مستقل به؛ [ولذلك يتمكن] من الخلع مع الأجنبي.
وقال الجيلي في كتاب الخلع: إذا خالع قبل الدخول على غير المهر، إن كان مع غيرها؛ لم يسقط الجميع، بل يتشطر، وإن كان معها، فقولان؛ بناءً على أن المغلب جانبها؛ حتى يسقط الكل، أو جانبه؛ حتى يتشطر.
وفي النهاية عند الكلام في المتعة: أنا إذا جعلنا الخلع فسخاً، فمن أصحابنا
من يتمارى في التشطر.
وفرقة اللعان هل تشطر الصداق؟ فيها خلاف ذكره [في] الوسيط في كتاب النفقات.
وكل فرقة حصلت قبل الدخول [بلا سبب] من جهة المرأة تشطر المهر.
واعلم أن القول بأن إسلامه يشطر المهر مفرع على القول بصحة أنكحة الكفار.
قال: وإن اشترت زوجها- أي: بغير الصداق- وهي حرة، فقد قيل: يسقط النصف- أي: الذي يسلم لها لو كانت الفرقة من جهة الزوج- لأن الفرقة حصلت بالزوجة والسيد، ولا اختيار للزوج فيها.
ولأن الزوجة هي المتملكة، والملك هو الذي ينافي الزوجية ويقطعها؛ فصار كما لو ارتدت؛ وهذا هو الأصح، ولم يحك في التتمة سواه.
قال: وقيل: لا يسقط لأن الانفساخ حصل بالعقد الجاري بين البائع والزوجة، والبائع قائم مقام الزوج من حيث إنه سيده، والفراق إذا حصل بصنع الزوجين، غلب جانب الزوج؛ كالخلع.
واعلم أن بعض الشارحين أضاف لقول الشيخ: وقيل: لا يسقط: أي: النصف، بل [يسقط] الكل، واعتقد بأن الشيخ أراد بالقول الأول سقوط نصف الصداق، وبقاء النصف لها، وليس كذلك؛ فإن الفرقة الحاصلة قبل الدخول تسقط نصف الصداق قولاً واحداً بأي جهة كان الفراق، إلا ما ذكرته في العنة؛ فلا يحتاج إلى دليل عليه، وإنما الكلام في النصف الآخر، هل يسقط؟ ومثار الخلاف: أن الفرقة الحاصلة بالبيع- والصورة هذه- تحال على جانبه أو جانبها؟ ثم على الوجه الثاني: إذا كان الصداق ديناً، ولم تقبضه، فقد ملكت عبداً [لها] في ذمته دين وفيه وجهان:
أحدهما: يسقط؛ كمالا يثبت لها عليه دين ابتداء.
وأصحهما: أنه يبقى كما كان.
أما إذا اشترته بعين الصداق؛ بأن يكون السيد قد ضمنه في ذمته، أو قلنا بالقول القديم، أو دفع إليه السيد عيناً؛ ليصدقها لزوجته، فأصدقها إياها، ثم اشترته بها، فإن قلنا: يسقط الجميع، لم يصح البيع، ويستمر النكاح؛ لأنه لو صح لملكته، وانفسخ النكاح، وإذا انفسخ سقط المهر، وعرى البيع عن العوض، وإذا عرى البيع عن العوض- بطل، فتصحيحه يجر إلى بطلانه.
وقال الشيخ أبو عليك عندي أنه يصح [البيع] ويبطل النكاح؛ لأن البيع وفسخ النكاح لا يقعان معاً، بل يقع الفسخ بعد البيع وحصول الملك؛ حتى لا يحكم بانفساخ النكاح ما داما في المجلس إن قلنا: إن الخيار يمنع حصول الملك، وإذا كان الانفساخ عقيب الملك؛ فيكون ملكها عين الصداق زائلاً مع حصول ملكها للرقبة، فلا يبطل بالانفساخ، بل أثر الانفساخ الرجوع إلى بدل الصداق؛ وهذا الذي ذكره الشيخ أقامه صاحب التتمة وجهاً.
وإن فرعنا على التشطير، وكان ديناً؛ فينبني على أن من ملك عبداً وله عليه دين، هل يسقط؟ فإن قلنا: يسقط، لم يصح البيع أيضاً؛ لما قررناه.
وإن قلنا: لا يسقط، بطل البيع في النصف وفي الباقي [قولاً] تفريق الصفقة؛ كذا قاله الغزالي.
والذي أجاب به الشيخ أبو حامد، وهو الأظهر: أنه يصح البيع؛ لأنا إذا حكمنا بانتقال الملك في رقبة العبد إلى الزوجة، لزمن منه الحكم ببراءة ذمة العبد عن الصداق حالة الحكم بانتقال الملك إليها، وإذا كان كذلك، فما ملكت عبداً لها عليه دين؛ فيتجه صحة البيع قطعاً.
ويؤيد ذلك أن العبد الجاني إذا اشتراه المجني عليه بالأرش؛ فإنه يصح الشراء، وقد صرح بذلك الغزالي في كتاب الجنايات، وكان مقتضى ما ذكره هنا
من البيان: ألا يصح، والله أعلم.
والأمة إذا اشترت زوجها بإذن سيدها، أو كانت مأذوناً لها في التجارة، فيصح البيع، ويتم النكاح؛ لأن الملك للسيد.
قال: وإن اشترى زوجته سقط كله؛ لأن السيد هو المختار للفرقة؛ حيث عين الزوج للبيع منه [مع] إمكان جواز البيع من غيره، وهو كما غلبنا جانب الزوج في المخالعة.
لإمكانها مع غير الزوجة.
وقيل: يسقط النصف، وهو المنصوص؛ على ما حكاه أبو الفرج السرخسي، والمذهب في النهاية على ما حكاه في المتعة؛ لأن الفرقة إنما تحصل بالملك، وحصول الملك يعتمد قبوله، ويخالف الخلع؛ فإن الخلع مع غيرها يوجب الفرقة، وهنا البيع من غير الزوج لا يوجب الفرقة.
وعلل في المهذب هذا الوجه في كتاب المتعة بأنه لا مزية لأحدهما على الآخر في العقد؛ فسقط حكمهما، وصار كما لو حصلت الفرقة من جهة أجنبي.
قال: وقيل: إن استدعى الزوج بيعها، وجب النصف، وإن استدعى السيد لم يجب؛ لأنهما استويا في أن الموجود من كل واحد [منهما] شق العقد؛ فرجح بالاستدعاء، وإنما لم يجيء هذا القول في المسألة الأولى؛ لأن الزوج لا صنع له، ولا فعل من جهته حتى نقول: عارض فعله فعلها؛ حتى رجح بالاستدعاء، وهنا الزوج ومن يستحق الصداق صدر منهما العقد، ولا مزية لأحدهما على الآخر؛ فرجح بما ذكرناه.
فرع: لو وَرِثَ زوجته، أو ورثت زوجها، قبل الدخول، فهل ينشطر الصداق، أو يسقط جميعه؟ مذهب ابن الحداد: السقوط؛ لأنه لا صنع منه، [وهو ما أورده الإمام في كتاب الإجارة في ضمن فصل، أوله: لا تنفسخ الإجارة بموت أحدهما]، والأصح خلافه؛ إذ لا صنع منها أيضاً، وهذا يكفي لبقاء
التشطير كما لو أرضعت، وانفسخ النكاح به.
ومن الأصحاب من رأي السقوط فيما إذا ورثت زوجها أولى؛ لأن سببه منها؛ قاله في الذخائر في نكاح الأمة.
قال: ومتى ثبت له الرجوع بالنصف، فإن كان باقياً على جهته، رجع في نصفه؛ للآية، وهل يفتقر إلى اختيار التمليك، أو يرجع إليه بنفس الطلاق؟ فيه وجهان:
أصحهما: الثاني، ويروي أنه المنصوص.
والأول اختيار أبي إسحاق وفي بعض الشروح نسبته إلى ابن سريج.
ولو كان الصداق ديناً، سقط نصفه من ذمة الزوج بالطلاق على الأصح، وعند الاختيار على الوجه الثاني.
فإن كانت قبضته، فهل يتعين حقه في المقبوض، أو لها أن تؤدي حقه من موضع آخر؟ فيه وجهان، أقربهما: الأول.
ولا يشترط لرجوع النصف قضاء القاضي بأنه له على ظاهر المذهب.
وحكي قول على القديم: أنه يشترط.
ومنهم من حكى الاشتراط وجهاً، وامتنع المعظم من إثباته قولاً أو وجهاً.
فرع: على قولنا: لا يعود الشطر إلا باختيار التملك، لو طلقها على أن يسلم لها كل الصداق، فيسلم لها جميعه.
ولو طلق، ثم قال: أسقطت خياري، أشار الغزالي فيه إلى احتمالين:
أرجحهما: أنه لا يسقط؛ كما لو أسقط الواهب خيار الرجوع.
ثم قال الرافعي: ويجوز أن يسوي بين هذه الصورة والتي قبلها.
ولو حصلت زيادة منفصلة، فهي للمرأة، وإن كانت متصلة، فهل يمنع الزوج إلا برضا المرأة؛ كالزيادة الحادثة قبل الطلاق؟ فيه وجهان:
أشبههما أن له أن يرجع [من غير] رضاها؛ لأنها حصلت بعد تعلق الحق، فصار ككبر الأشجار في الشقص المشفوع بعد البيع، وقبل علم الشفيع.
وهل تملك المرأة التصرف فيه قبل الاختيار؟ فيه وجهان:
قال الإمام: القياس أنها تملكه؛ كما قبل الطلاق.
فرع: وإذا قلنا: تملكه بنفس الطلاق، فهل هو في يدها مضمون أو أمانة؟ مذهب العراقيين: الأول.
وقال المراوزة: إنه أمانة، وتظهر فائدة الخلاف في أن الواجب عليها التسليم أو التمكين؟ وفيما إذا تلف قبل الطلب من غير تعدٍّ تعيب.
ولو اختلفا على قول الضمان، هل حصل العيب بعد الطلاق أو قبله، فمن المصدق؟ فيه وجهان في التتمة.
قال: وإن كان فائتاً- أي: إما بتلفه، أو لخروجه عن ملكه- أو مستحقّاً بدين- أي: مرهوناً به- أو أفلست، وحجر عليها قبل الطلاق أو بشفعة، رجع [إلى] نصف قيمته أقل ما كانت من يوم العقد إلى يوم القبض، أي: إذا كان من ذوات القيم، وإلا فالمثل؛ لأنها إن كانت يوم العقد أقل، فالزيادة حصلت في ملكها؛ فلم يرجع في نصفها، وإن كانت يوم [العقد] أكثر، ثم نقصت، كان النقصان في يده؛ فلا يرجع به.
وفيه وجه: أنه يقدم الزوج عند مزاحمة الشفيع إياه، فلو أخذ الزوج الشطر، ثم جاء الشفيع طالباً، فهل يستقر أخذه؟ فيه وجهان على قولنا: إن الشفيع يقدم عند التزاحم.
وفي [تقديم] الزوج بالشطر على الغرماء عند الفلس [وجه] محكي في النهاية [عند الكلام] فيما إذا كان الصداق زائداً.
ولو طلقها وقد كاتبت [عبد] الصداق، ففي التهذيب وغيره: أنه لا يرجع فيه.
ويتجه أن يكون في رجوعه قولان؛ كما في رجوع الأب فيه إذا كاتبه الابن الموهوب له، وهما في الهبة مبنيان على جواز بيعه، وإذا جوزنا الرجوع، فالكتابة لا تبطل على الأصح؛ كما في البيع.
ويمكن أن يفرق بينهما بأن الواهب لو لم يجز له الرجوع فيه، لبطل حقه من الرجوع، ولا بدل يجبره، وهنا إذا تعذر عليه الرجوع، رجع إلى القيمة، وهي جابرة لحقه؛ فلا يبطل تعلق حقها السابق، وحكم التعلق بكل حق لازم حكم الرهن، أما إذا تعلق به حق غير لازم: كالوصية، والهبة، والرهن قبل القبض، فللزوج أن يرجع في نصفه.
وفي الشامل والتتمة حكاية قول: أنه يرجع في نصف الموهوب.
ولو باعته بشرط الخيار، وطلقها في مدة الخيار، فإن جعلنا الملك للبائع، فهو كالهبة قبل القبض، وإن قلنا: للمشتري، فلا رجوع له إلى العين؛ كذا قاله ابن الصباغ، والمتولي.
ولو كان الصداق عبداً، فدبرته، فهل يمتنع الرجوع؟ فيه ثلاثة طرق:
أحدها: أن في تمكينه من الرجوع قولين؛ بناءً على أنه وصية أو تعليق عتق بصفة.
فإن قلنا بالأول، فله الرجوع، وإلا فلا.
والطريق الثاني- وهو قضية نصه في الأم-: القطع بأنه لا يرجع، وإن قلنا: إنه وصية؛ لأن التدبير قربة؛ فليس للزوج تفويتها؛ كالزيادة المتصلة.
والثالث: القطع بأنه يرجع: أما إذا قلنا: [بأنه وصية] فظاهر، [وأما إذا قلنا:
تعليق عتق بصفة]؛ فلأنه يرتفع بإزالة الملك، والطلاق يتضمن إزالة الملك، وأيضاً: فهو لا يمنع إزالة [الملك] اختياراً، فأولى ألَّا يمنع الرجوع القهري.
قال في الشامل: وهذا أقيس، ومتى قال بهذه الطريقة، حمل قوله: لا يرجع على أنه لا يتعين الرجوع إلى نصف العبد بل له أن يعدل إلى نصف القيمة؛ لأن التدبير يبقى في النصف الآخر؛ وذلك مما يوجب نقصان القيمة؛ وبهذا أجاب في التتمة.
وحكى أبو عبد الله الحناطي وجهاً: أنه يرجع في النصف وينتقص التدبير في الكل.
وسواء ثبت الخلاف، أو لم يثبت، فالظاهر أن التدبير يمنع الرجوع.
ثم الحكاية عن شرح أبي إسحاق: أن الخلاف فيما إذا كانت المرأة موسرة، فإن لم تكن، فله الرجوع إلى نصف العبد لا محالة.
ولو علقت عتق العبد على صفة، ففيه [خلاف مرتب على التدبير، وأولى بأن يمنع الرجوع.
وقيل: أولى بألا يمنع.
ولو أوصت بعتقه فهو كالتدبير في منع الرجوع، فيه] وجهان، أظهرهما- وبه أجاب الشيخ أبو حامد-: أنه لا يمنع؛ لأن الإيصاء ليس عقد قربة.
فرع: إذا كان الصداق حين الطلاق مرهوناً، فقال: أصبر إلى انفكاك الرهن، فإن قال: أتسلم ثم أسلم إلى المرتهن، فليس لها الامتناع منه.
وإن قال: لا أتسلم وأصبر فلها ألَّا ترضى به، وتدفع إليه نصف القيمة؛ لما عليها من خطر الضمان.
فلو أبرأها عن الضمان، وصححنا الإبراء، أو قلنا: إنه غير مضمون عليها؛ كما ذهب إليه المراوزة- فوجهان:
أحدهما: أنه لا يجب عليها الإجابة- أيضاً- لأنه قد يبدو له؛ فيطالبها