كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 79-117
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الشهادات

صفحات 79-117
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الشهادة: الإخبار عما شوهد وعلم، فهي مأخوذة من ((الشهود)) والحضور.
والشاهد: حامل الشهادة، سمي بذلك، لأنه مشاهد لما غاب عن غيره.
وقيل: إنها مأخوذة من الإعلان والإعلام، قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ الآية: [آل عمران:18]، أي: أعلم وبين.
وجمع الشاهد- كما قال الجوهري- شهد، كصاحب وصحب.
قال: وبعضهم ينكره، وجمع ((الشهد)): شهود، وأشهاد.
والشهيد: الشاهد، وجمعه: شهداء، وأشهدته على كذا وبكذا، يشهد عليه وبه، أي: [صار] شاهدًا عليه وبه.
وشهد: بفتح الشين وكسر الهاء، وشد: بكسرهما، وشهد وشهد بفتح الشين وكسرهما مع إسكان الهاء فيهما- فهذه أربعة أوجه جائرة في ((شهد)).
والأصل في الشهادة قبل الإجماع من الكتاب آيات، منها قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:282]، والأمر فيها محمول على الإرشاد والاستحباب، دون الحتم والوجوب، يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:282]. والدين المؤجل لا يثبت إلا في البيوع، وقد قال ابن عباس: أشهد أن الدين إلى أجل مسمى هو السلم، والكتابة تكون للشهادة، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة:283]. ولأن الله تعالى قد جعل بدلها الرهن، وهو غير واجب، فكذلك هي.
ولأنها وثيقة في البيع، فلم تجب، كالرهن والإجارة.

قال الشافعي: وإنما ندب الله تعالى إلى الإشهاد وحرض عليه، لما في الإشهاد من منع التظالم بالجحود أو بالنسيان، وبراءة الذمم بعد الموت، لا غير.
قال القاضي الحسين: وأراد بذلك أن الإشهاد فيه حظ لصاحب الحق، وهو أن يصل إلى حقه، ولمن عليه الحق، لأنه يمتنع عن الجحود إذا كان عليه شهود، ولو نسي ذكروه، ولو اخترمته المنية، أرضي صاحب الحق من تركته بشهادتهم، ولا تبقى ذمته مرتهنة بالحق، وكل ما ندب إليه [صاحب] الشرع فهو الخير الذي لا يعتاض عنه من تركه.
ومن السنة أخبار، منها: ما روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الشهادة، فقال:)) ترى الشمس؟ فقال: نعم، فقال: على مثلها فاشهد أو دع))، وسنذكر غير هذا الخبر في الباب عند الحاجة إليه.
ولأنها نوع وثيقة، فوجب أن تصح، كالرهن والضمان.
قال الأصحاب: وهي أعم منهما، لجوازهما فيما لا يجوز فيه الرهن والضمان.


باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل

تحمل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية.
اعلم أن الشهادة وثيقة تتم بالتحمل، وتستوفى بالأداء، فصارت جامعة للتحمل في الابتداء، والأداء في الانتهاء.
والدليل على فرضيتها في الحالتين قوله تعالى ﴿وَلَا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282]، أي: للتحمل، أو الأداء، كما قاله الحسن البصري.
فإن قلت: قد قال ابن عباس وقتادة والربيع: إذا ما دعوا للتحمل، وعلى هذا فما الدليل على الأداء؟ قلت: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:2]، أي: أدوا، وقوله تعال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:283]، أي: فلا يجد حلاوة الطاعة، ومرارة المعصية، كما قيل في التفسير الذي حكاه القاضي والإمام، فلما نهى عن الكتمان وأثمه، دل على أن إظهارها واجب، وخص القلب بالإثم، لأنه محل العلم الذي لزمه إظهاره، وحرم عليه كتمانه، كمما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق:37].
فإن قلت: قد قال مجاهد وعطاء والشعبي: إذا ما دعوا لإقامتها وأدائها عند الحكام، وعلى هذا فما الدليل [على التحمل]؟ قلت: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة:282]، فإن ابن عباس قال في تفسيرها: لا يضر الكاتب والشهيد من يدعوه إلى تحملها بالامتناع من الإجابة، والاشتغال عنه بغيرها، كما نقله عنه البندنيجي.
وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: [إن] الآية تدل على ذلك على القراءة برفع الراء، أما إذا قرئت بالنصب فإنها تدل على رفع الضرر من جهة الداعي، كذلك إذا حضر يدعو الكاتب والشاهد، فلا يلح عليه في الاستحضار،

ولا يقطعه عن شغله، وعما هو أهم، ويمهله حتى يفرغ من حاجته.
ولأن الحاجة تدعو إلى تحمل الشهادة وأدائها، حتى لا تضيع الحقوق، فإذا تقرر أنها فرض كان على الكفاية، لأن المصلحة المطلوبة من الشهادة من التوثق وإظهار الحجة تحصل بفعل البعض، فكان كالجهاد ورد السلام وطلب العلم.
ولأن في شهادة الجميع مشقة عظيمة.
قال الماوردي: والفرض في الأداء أغلظ [منه] في التحمل، ويسقط الفرض بقيام شاهدين بالمطلوب.
قال البندنيجي: ومن هنا سمي فرض كفاية، لأنه كفى الباقين فعل الفاعلين، بخلاف فرض العين.
وقبل القيام بالمطلوب، أطلق البندنيجي وغيره القول بأن الكل مخاطبون، والفرض يتوجه عليهم، كما إذا مات في البلد ميت توجه الفرض على الكل، وإذا سلم رجل على جماعة توجه فرض الرد على الكل، وفي هذا يتساوى فرض الكفاية وفرض العين، واختلافهما في الانتهاء، كما ذكرنا.
وفي ((الحاوي)): أنه إذا دعي من يتحمل أو يؤدي عند الزيادة على العدد المشروط في الحكم، فالمبتدأ بدعائه إلى التحمل والأداء، ما حكم فرضه؟ اختلف فيه على وجهين حكاهما في ((البحر)) أيضًا: أحدهما: [أنه] يتعين عليه فرض الإجابة، إلا أن يعلم أن غيره يجيب، فلا يتعين عليه.
قال في ((البحر)): وهو اختيار أبي إسحاق، والصحيح من المذهب.
والثاني: أنه لا يتعين عليه فرض الإجابة، إلا أن يعلم أن غيره لا يجيب، فيتعين عليه.
فعلى الأول يكون عاصياً حتى يجيب غيره، وعلى الثاني لا يكون عاصيًا حتى يمتنع غيره، فإن امتنعوا جميعًا حرجوا أجمعين، وكان المبتدأ بالاستدعاء أغلظهم مأثمًا، لأنه صار متبوعًا [في الامتناع، كما لو بدأ بالإجابة، كان أكثرهم أجرًا، لأنه صار متبوعًا] فيها.
وفي ((البحر)): أن صاحب ((التخليص)) حكى الخلاف المذكور قولين، ولعله

أراد قولين مخرجين.
وحكى القاضي الحسين والإمام أن المدعوين للتحمل- والصورة كما ذكرنا- لا تجب عليهما الإجابة، والمدعوين للأداء في وجوب الإجابة عليهما وجهان: أحدهما: لا تجب، كما أن من دعي للتحمل لا تجب [عليه] الإجابة إذا لم يتعين، وبه أجاب الضميري.
[وأصحهما] في ((الرافعي)): أنه يجب، وإلا لأفضى إلى التواكل، ويخالف التحمل، لأن هناك يطلب منه تحمل أمانة [وها هنا يطلب منه] أداء أمانة تحملها.
وقد أطلق القاضي الحسين حكاية الوجهين، والإمام قال: إن محلهما إذا كان الباقون يرغبون في الأداء، أو لم تبن رغبتهم.
وهو راجع إلى ما ذكره الماوري، والروياني.
ثم قال الإمام: ولعل الخلاف في إحدى الصورتين يترتب على الأخرى.
قال: فإن كان، أي: من تقوم به الكفاية، في موضع ليس فيه غيره- تعين عليه، أي: التحمل والأداء عند الطلب، لانحصار المطلوب فيه، وهذا شأن فروض الكفايات، تصير بالانحصار في الشخص فرضًا عليه.
فإن قلت: لم قدرت المحذوف: من تقوم به الكفاية، ولم تقدره: المطلوب للتحمل والأداء؟ قلت: لأن الأول منطبق على كلام الأصحاب من غير تكلف في تقريره مع أن سياق اللفظ يعطيه، بخلاف ما ذكرت، فإني لو قدرته لاحتجت أن أقول: المطلوب تارة يكون نصابًا كاملًا، وهو شاهدان، وتارة يكون واحدًا، فإن كان الأول فحكمه ظاهر، وإن كان الثاني فإنما يتعين عليه في صورتين: إحداهما: أن يكون المقصود يحصل به، لكون المطلوب قد قام به واحد، ولم يتمكن من تتمة غير هذا المطلوب، وفي هذه الحالة يشمل الفرض المطلوب للتحمل أو الأداء، كما ذكرنا، ولا فرق فيه- كما قال الأصحاب- بين أن تكون الشهادة به مما لا يثبت إلا بشاهدين، أو مما يثبت بالشاهد واليمين،

لأن التورع عن اليمين من مقاصد الشهادة لدفع التهمة.
قال الإمام في حالة الطلب للأداء: [و] هذا مما لم يختلف أصحابنا فيه، وليس له أن يقول: احلف مع شاهدك، ولا تعويل على احتمال بعيد فيه مع نقلنا الوفاق على تثبت.
وطرد ذلك فيما إذا أشهد المودع على رد الوديعة شاهدين، وقالا له عند إرادة إثابته: لا نشهد، واحلف- أنه ليس لهما ذلك.
وقد اعتبر بعض المراوزة- كما حكاه الإمام- في وجوب الأداء على المتعين بحكم الوجود، وكذا في حالة كثرة العدد بالتعيين- أن يكون التحمل قد وقع منه عن قصد حتى لو وقع بصره عليه اتفاقًا، لا يجب عليه، لأنه لم يوجد منه التزام، بخلاف ما إذا تحمل، فإنه ملتزم، فجعل كضمان الأموال.
قال الرافعي: والموافق لإطلاق أكثرهم: أنه لا فرق، لأنها أمانة حصلت عنده، فعليه الخروج عنها، كما أن الأمانات المالية تارة تحصل عنده بقول الوديعة، وتارة بنظير الربح.
الثانية: أن يكون الحق مما يثبت بالشاهد واليمين، ولم يشهد به غيره، فإنه يجب عليه الأداء، لتمكن الخصم من الحلف معه.
قال في ((الحاوي)): ولا فرق أن يكون الشاهد ممن يرى جواز الحكم بالشاهد واليمين، أو لا، إذا كان الحاكم يرى الحكم بذلك.
قلت: ولا يجئ فيه الوجه الذي حكاه القاضي ابن كج في أن الشاهد لا يجوز له أن يشهد بما يعلم أن القاضي يرتب عليه ما لا يعتقده الشاهد: كالبيع الذي يترتب [عليه] الشفعة بالجوار، [والشاهد لا يعتقد الجوار] مثبتًا للشفعة، لأن الشاهد هنا يعتقد أن ما شهد به حق، فالحكم واقع بالحق في ظنه، بخلاف مسألة الشفعة.
وقد حكى القاضي الحسين مع موافقة الشاهد للقاضي في اعتقاد جواز الحكم بالشاهد واليمين- وجهًا آخر: أنه لا يجب الأداء، لأنه ربما لا يحلف، أو يتغير اجتهاد الحاكم، فلا يقضي بشاهد ويمين.
قال: والصحيح الأول، وهو الذي أورده الماوردي، والإمام، والرافعي.

نعم، لو كان القاضي حنفياً، فحث قلنا: يلزمه الأداء ثم، فهل يلزمه ها هنا؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أيضًا، والأظهر- وهو الذي أورده الماوردي-: أنه لا يجب، ووجه الوجوب: أنه ربما له شهود بعده، أو يقع له الاجتهاد في أن يقضي بشاهد ويمين.
وإذا جرى هذا الخلاف في الأداء، ففي التحمل من طريق الأولى، كما ستعرفه.
أما إذا كان الحق مما لا يثبت إلا بشاهدين، بأن كان عقداً كالنكاح، والرجعة على القديم، فلا يجب عليه الإجابة للتحمل، إذا لم يكن ثم غيره.
وكذا الأداء إذا كان قد تحمل مع شخص آخر، ومات.
وكذا إذا كان في غير عقد، وعلم انه لم يتحمل على الإنشاء غيره.
وإن جهل ذلك، أو كان الكل على الإقرار، ففي وجوب الأداء وجهان في ((تعليق)) القاضي الحسين، والظاهر المنع، وهو الذي أورده الماوردي، لأن الحكم لا يقوم به.
ووجه مقابله: أنه ربما يظهر [له] شاهد آخر.
وحكى الرافعي عن القاضي ابن كج حكاية وجه مطلق في أن الحق إذا كان مما لا يثبت بالشاهد واليمين: أنه يجب عليه الأداء، لأنها أمانة لزمته، والمدعي ينتفع بأدائها في اندفاع بعض تهمة الكذب وإن لم ينتفع به في ثبوت الحق.
فرع: لو كان في الواقعة شاهدان، وأحدهما فاسق فسقًا مجمعًا عليه فالحكم في حق العدل كما لو لم يكن في الواقعة غيره، قاله الرافعي.
تنبيهان: أحدهما: ما الشهادة التي يجب تحملها، هل هي كل شهادة على عقد أو إقرار وغيرهما، أو تختص ببعض الأمور دون بعض؟ الذي حكاه العراقيون والماوري: الأول، وكذلك قال البندنيجي وابن الصباغ: من دعي لتحمل الشهادة على نكاح أو بيع أو غيرهما من العقود والتوثيق للحقوق، وجب عليه التحمل.

ووجهه مع الآية: أن الحاجة تمس إلى ذلك، لتمهيد طريق إثبات الحقوق عند التنازع، ومصالح الخلق لا تتم إلا بها.
وجزم المراوزة بذلك في تحمل الشهادة على النكاح، لتوقف الانعقاد عليها، وكذا في الرجعة على التقديم.
وقالوا: في وجود التحمل في غيرهما وجهان، أصلهما- كما قال القاضي الحسين والإمام- اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282]. فمن حمله على التحمل أوجبه، وهو المشهور.
ومن حمله على الأداء، لم يوجب التحمل، وقال: إنه مندوب إليه، لأن تحصيل ذلك واستيفاء مقاصده لا يتوقف عليها.
وقد حكى الغزالي وغيره إجراء الخلاف في كتبه الوثيقة أيضًا، لأنه لا يستغني عنها في عصمة الحقوق.
والقاضي الحسين قال: إن أصلهما اختلاف المفسرين في أن المنهي عن المضارة: الشاهد والكاتب، أو المشهود والمكتوب له؟ ومن لم يوجبها قال: إنها مستحبة.
والوجهان شبيهان بالوجهين فيما إذا طلب الخصم من الحاكم كتابًا بما ثبت عنده أو حكم به، هل يجب أم لا؟ والصحيح- كما تقدم-: الوجوب.
لكن في ((البحر)) في أوائل باب القسمة: أن الكتبة لا تفرض على الأعيان، ولا على الكفاية، ولم يحك غيره.
قال الرافعي: ومنهم من يقتضي إيراده طرد الخلاف في النكاح أيضًا.
وخص ابن القطان الخلاف في الأصل بما إذا لم يتقابضا لتأجيل أو غيره، فأما بعد التقابض فلا يجب التحمل بحال.
وعلى المشهور، فمحل وجوبه بالاتفاق إذا حضر من يتحمل عليه الشهادة، والمتحمل مستجمعًا لشرائط العدالة.
أما إذا دعي لتحمل، فعن ابن كج: أن بعض الأصحاب قال: عليه الإجابة كما لو دعي للأداء.
وعلى هذا يظهر أن يكون الاعتبار في الموضع الذي [دعي للتحمل فيه،

كالموضع الذي] سنذكره فيما إذا دعي للأداء، وقد صرح به الماوردي.
وعن القاضي أبي حامد: أنه لا يجب، وهو ما أورده القاضي الحسين والبغوي وأبو الفرج، إلا أن يكون المتحمل عليه [معذورًا] بمرض أو حبس، فتجب الإجابة.
قال الرافعي: وكذا في المرأة المخدرة إذا أثبتنا للتخدر أثرًا، وكذا إذا دعاه القاضي ليشهد على أمر ثبت عنده، فعليه الإجابة، كي لا يحتاج إلى التردد على أبواب الشهود، فتتعطل مصالح الناس.
ولو كان المطلوب للتحمل غير مستجمع لشرائط العدالة، قال القاضي الحسين: فلا تجب عليه الإجابة وجهًا واحدًا، ولكن لو ذهب وتحمل، ثم استجمعت الشرائط فيه- أدى.
وفي كلام الماوردي الذي سنذكره خلافه.
[التنبيه الثاني:] ما الحالة التي يجب فيها الأداء مع التعيين كما ذكرنا؟ قال الأصحاب: هي الحالة التي لا يلحقه فيها بالأداء ضرر، وقد طلب منه عند ذي ولاية تصح منه استيفاء الحقوق لأهلها من الأئمة والأمراء والحكام، سواء كان من أهل العدل أو من أهل البغي.
وعن ابن القطان: أنه لا يجب الأداء إلا عند من له أهلية سماع الشهود، وهو القاضي، دون الأمراء والوزراء، [والأول هو الذي أورده الماوردي، واختاره ابن كج، وطره في الشهادة عند الوزراء]، والمحكم إن إلزمنا حكمه بدون التراضي بعده فهو كالقضاة، وإلا فلا يجب الأداء عنده، قاله الماوردي.
أما إذا دعي للأداء عند غير من ذكرناه، لم يجب عليه.
وكذا [إن] ألحق به ضرر، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة:282]، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ((لا ضرر ولا ضرار)).
ومطلوب الضرر ليس بمانع، لأن المضي إلى القاضي ضرر، وقد قال الأصحاب: إن ذلك لا يمنع إلا ما حكي عن القاضي أبي حامد: أنه لا يجب

على الشاهد الأداء [إلا إذا] اجتمع مع القاضي، والمشهور: الأول، وبه يظهر: أن مرادهم ضرر خص، وقد مثلوه بصور: منها: أن يلحقه في دينه، لمأثم يلحقه، كما إذا طلب لأن يشهد بغير الحق، أو بزيادة عليه، أو بدونه في صورة نصير، أو [طلب للأداء بحق]، وهو في نفسه فاسق فسقًا غير مجتهد فيه، فإنه لا يجب عليه أن يؤدي.
قال القاضي الحسين والرافعي: بل عليه أن يمتنع، إذ الفاسق لا حكم لشهادته.
ولا فرق بين أن يكون فسقه ظاهرًا للناس، أو حفيًا عنهم وهو عدل عندهم.
قال ابن أبي الدم: والذي فهمته من كلام الأصحاب، وتلقيته من مدارج مصنفاتهم: أنه لا يحرم عليه أداء الشهادة التي شهد بها، وهي حق- أي: إذا كان فسقه باطنًا- بل يستحب، وهو الذي أراه صحيحًا لا ريب فيه.
وممن أشار إلى ذلك الماوردي والقاضي أبو الطيب وصاحبه الشيخ أبو نصر.
قلت: وما ذكره الماوردي قد رأيته في ((الحاوي))، فإنه قال في كتاب الشهادات: إذا دعي الفاسق إلى تحمل الشهادة، فإن كان فسقه ظاهرًا لم يلزمه تحملها، وإن كان فسقه ظاهرًا لم يلزمه تحملها، وإن كان فسقه باطنًا لزمه تحملها.
وهكذا لو [دعي] إلى أداء ما يحمل من الشهادة، لم يلزمه أداؤه إن كان ظاهر الفسق، ولزمه أداؤه إن كان باطن الفسق، لأن رد شهادته بالفسق الباطن [مختلف فيه].
وقد حكى في ((البحر)) في الفروع قبيل كتاب الشهادات في جواز الشهادة له وجهين، ووجه المنع في أدائه إيقاعًا منه للحكام في الحكم بالباطل، [بل هو حمل له على أن يحكم حكمًا باطلًا، وهذا لا يجوز، لأن الحمل على الباطل] منهي [عنه] في الدين.

ولا يصح أن يقال: الحاكم قضى بالحق، فكيف يكون باطلًا، لأن السبب الذي يستند إليه القضاء إذا كان باطلًا من جهة الشرع، كان القضاء باطلًا، وإن وافق الحق عند الله تعالى، ولهذا نقول: من اعتقد التوحيد عما ظنه دليلًا، وليس بدليل في الحقيقة، فهو غير عارف بالتوحيد، كمن اعتقده لا عن دلالة أصلًا.
نعم، لو كان فسقه مجتهدًا فيه، والقاضي يتجوزه، لزمه الأداء، قاله القاضي الحسين.
قلت: وينبغي أن يجئ فيه ما ذكرناه في الشاهد الواحد، لأن القاضي قد يتغير اجتهاده، ولأجل هذه العلة قال الرافعي: لو كان الحاكم يرى رد الشهادة بذلك الفسق، يجب عليه الأداء على الأظهر، لأنه قد يتغير اجتهاده.
وحكى عن ((أمالي)) أبي الفرج السرخسي وجهًا: أنه لا يجب في الفسق المجتهد فيه إذا كان ظاهرًا، [لأن الظاهر] استمرار الحاكم على اجتهاده، وأن في كتاب القاضي ابن كج إطلاق القول بأن عليه أن يشهد إن كان فسقه خفيًأ، وإطلاق الوجهين فيما إذا كان ظاهرًا.
[و] عندي أن ذلك عين ما نقله عن أبي الفرج، إلا أن يكون ابن كج حكى الوجهين في الفسق الظاهر، سواء إن كان الحاكم يراه فسقًا، أو لا، فحينئذ يكون غيره، ويكون موافقًا لما قلت: إنه يجب تخرجيه.
ومن هذا النوع: ما إذا دعي ليشهد بالحق عند جائر في المشهود به، لا تلزمه الإجابة- كما قاله الماوردي- ووجهه: أن في ذلك إعانة على المعصية.
نعم، لو كان جائزًا متعنتًا في أداء الشهادة، فهل يجب على الشاهد الأداء؟ فيه وجهان عن رواية الشيخ أبي الفرج، ووجه المنع: أن الشاهد لا يأمن أن ترد شهادته جورًا وتعنتًا، فيتعير.
ومنها: أن يلحقه في بدنه، وذلك في صور: إحداها: خوفه من عقوبة تلحقه من سلطان جائر، أو عدم قاهر، أو فتنة عامة، فلا يجب عليه الأداء.

الثانية: أن يلحقه بسبب خروجه عن [موضعه] للأداء، كما إذا دعي له وهو مريض يعجز عن الحركة، أو [و] هو صحيح في حر شديد أو برد شديد أو مطر موجود، فلا يجب عليه المضي إليه ما دام ذلك باقيًا.
وكذا حكم المخدرة على الأصح، لا يجب عليها الخروج لأداء الشهادة.
قال الرافعي: وفيها الخلاف المذكور في الخروج للتغليظ، و [هو] قس ((تعليق)) القاضي الحسين.
نعم، لو اجتمع مع القاضي في أي مكان وقت كان، وجب عليه الأداء.
وغير المخدرة يلزمها الحضور والأداء، وعلى الزوج أن يأذن لها، ذكره ابن كج.
الثالثة: أن يلحقه بسبب خروجه عن بلده، [لكون الحاكم] خارجًا عنها.
وقد قال الماوردي: إنه لا يلزمه الإجابة، سواء قربت المسافة أو بعدت، وسواء كان ذا مركوب أو لم يكن، لأن في مفارقة وطنه مشقة يسقط معها فرض الإجابة.
نعم، لو كان الحاكم في بلده، فإن قرب لزمته الإجابة، وإن بعد: فإن جرت عادته بالمشي في جميع أقطار بلده لزمته الإجابة، وأن لم تجر عادته، لم يلزمه المشي وإن قدر عليه، لأن مفارقة العادة شاق إلا أن يكون ذا مركوب، فلا مشقة عليه في الركوب، فتلزمه الإجابة.
فإن [حمل] إليه ما يركبه، وهو غير ذي مركوب، اعتبرت حاله: فإن لم ينكر الناس ركوب مثله لزمته الإجابة، وإن أنكروه لم تلزمه، لأن ما ينكره الناس مستقبح.
وقال المراوزة: إن دعي إلى مسافة القصر، لكون القاضي فيها- لم تجب الإجابة.
وإن دعي للأداء في بلده، وجب.
وكذا إذا دعي إلى مسافة العدوى.
وإن دعي إلى ما دون مسافة القصر وفوق مسافة العدوى، فوجهان، بناء على أن الشهادة على الشهادة في مثلها هل تقبل؟ قال الرافعي: وأقربهما القبول، وعدم وجوب الإجابة، للمشقة.

قلت: وهذا منهم مصور بما إذا لم يتمكن المشهود له من نقل شهادة الشاهد بإثبات الحق عند حاكم آخر وحكمه به، ونقل ذلك إلى الحاكم المدعو إلى الشهادة عنده، أما إذا تمكن من ذلك، فيظهر أن يقال: لا يلزم الشاهد الخروج من البلد، لما ذكرته من كلام القاضي الحسين والإمام عند الكلام في موت القاضي الكاتب، فاطلبه من ثم.
وإلى ذلك يرشد تخريجهم الخلاف فيما إذا كانت المسافة فوق مسافة العدوى ودون مسافة القصر- على [الخلاف في] أن الشهادة، هل تقبل في مثل ذلك أم لا؟ ومنها: أن يلحقه في ماله، بأن يخاف عند المصير للأداء من ضياع ماله، لعدم نائب له في حفظه، أو كان يتعطل عن الاكتساب في وقته، بسبب المضي للأداء، فلا تلزمه الإجابة.
قال الماوردي: ولا فرق بين أن يضمن له الداعي حفظ ماله، أو يبذل له قدر اكتسابه في ذلك الزمن أو لا.
وفي ((الرافعي)): أن في ((تعليق)) الشيخ أبي حامد: أنه لو كان الشاهد فقيرًا يكتسب قوته يومًا بيوم، وكان في صرف الزمان إلى أداء الشهادة ما يشغله عن كسبه فلا يلزمه الأداء [إلا] إذا بذل له المشهود له قدر ما يكسبه في ذلك الوقت.
فروع: لو دعي الشاهد [للشهادة] عند قاض لا يعلم هل يقبله أم لا، لزمته الإجابة، لجواز أن يقبله، قاله في ((الحاوي)).
ولو دعي للأداء عند من لا يعتقد الشاهد انعقاد ولايته لجهل أو فسق، لزمته الإجابة.
قال الماوردي: لأنه ليس للشاهد اجتهاد في صحة التقليد وفساده.
ولو شهد عند قاض، فرد شهادته، لإعلانه بالفسق، ثم طلب المدعي منه أن يشهد عند حاكم آخر- فعليه الإجابة، دون ما إذا دعاه للأداء عند ذلك القاضي بعينه، قاله الرافعي.

وفي ((الحاوي)): أن القاضي لو توقف في قبول شهادة الشاهد، لحمه برد شهادته، لجرحه- لم يلزمه أن يشهد بها عند غيره إذا دعي إليه، لأنه لا يجوز لغيره الحكم بشهادة قد ردت بحكم، بخلاف ما لو توقف في قبول شهادته لاستبراء حاله، فإنه يلزمه أن يشهد عند غيره من الحكام إذا دعي إليه.
ولو قال المشهود له للشاهد: عفوتك عن أداء الشهادة، ثم طلبها منه- يلزمه الإجابة.
قال في ((البحر)) قبيل كتاب الشهادات: لأن أداء الشهادة عند الطلب حق الله تعالى، [وحق الله تعالى] لا يصح فيه العفو من جهة الآدمي.
ولأن الشاهد لا يخرج بهذا العفو من الشهادة.
واعلم أنه إذا كملت [شرائط وجوب] الأداء، فلا يرهق الشاهد إرهاقاً، بل لو كان في صلاة أو حمام، أو على طعام- فله التأخير إلى أن يفرغ.
وعن أبي الحسين بن القطان حكاية قولين: أنه هل يمهل إلى ثلاثة أيام؟ قال ابن كج: والظاهر المنع.
وإذا انتفت الأعذار، وامتنع بعد ذلك عن الأداء- قال القاضي: عصى، ولا يجوز للقاضي قبول شهادته في شيء أصلًا حتى يتوب.
قال الرافعي: ويوافق هذا ما قيل: إن المدعي لو قال للقاضي: لي عند فلان شهادة، وهو يمتنع من أدائها، فأحضره ليشهد- لم يجبه القاضي، لأنه بزعمه فاسق بالامتناع، فلا ينتفع بشهادته.
وفي ((الحاوي)): أنه إذا امتنع من غير عذر، أثم، وفسقه بالمأثم معتبر بدخوله في الصغائر والكبائر بحسب الحال، فإن دخل في الصغائر لم يفسق به، وإن دخل في الكبائر فسق به.
قال: ولا يجوز لمن تعين [عليه]- أي: التحمل والأداء- أن يأخذ عليه أجرة، كما لا يجوز أن يأخذ عن عبد أعتقه عن كفارته عوضًا.
وهل يجوز لمن تعين عليه كتب الوثيقة، لكونه لا أحد غيره، وقلنا بوجوبه- أخذ الأجرة؟ فيه وجهان في ((تعليق)) القاضي الحسين كالوجهين في أخذ الأجرة على تعليم الفاتحة عند التعين، ووجه الجواز- وهو الأظهر في

((الرافعي)) -: القياس على أخذ قيمة الطعام المبذول للمضطر.
وعلى هذا: فالفرق بين الكتابة [والتحمل والأداء]: أن زمن كتب الوثيقة يطول، فيستغرق [به] منفعة متقومة، بخلاف زمن التحمل والأداء.
قال: ويجوز لمن لم يتعين [عليه]، كالكاتب للوثيقة، إذا لم تتعين عليه الكتابة فإنه يجوز له أخذ الأجرة، قاله الماوردي.
وزاد القاضي الحسين فقال: وجهًا واحدًا.
وهذا إذا لم يكن للكاتب رزق من بيت المال، فإن كان لم يكن له الأخذ، قاله الرافعي.
وقيل: لا يجوز، لأن الشاهد تلحقه التهمة إذا أخذ الأجرة، فصين عنها بالحرمان، وهذا ما اختاره في ((المرشد)).
والخلاف المذكور شبيه بالخلاف الذي ذكره الماوردي فيما إذا كان الشاهد مشتغلًا بالحرفة، وفي ذهابه للتحمل أو الأداء تعطيل لها، في أنه هل يجوز له طلب أجرة مثله، لا قدر ما كان يحصل له لو عمل في ذلك الوقت، بل قد يقال: إنه هو [هو]، لأنه قال- كما حكينا من قبل-: إن المشتغل بالحرفة لا يجب عليه التحمل والأداء في وقت اشتغاله بها.
وقد حكى ثم وجهًا ثالثًا: أن له طلب الأجرة على التحمل، وليس له طلبها على الأداء، لأنه في الأداء متوهم، وفي التحمل غير متوهم، وهذا يظهر اطراده في كل صورة لا يجب فيها التحمل والأداء، إذ فلا فرق.
وقد حكى الرافعي عن الأصحاب أنهم قالوا: أخذ الأجرة على التحمل جائز إن لم يتعين، وإن تعين فوجهان، أظهرهما: الجواز، كما ذكرنا في الإجارة إذا تعين شخص لتجهيز الميت، أو تعليم الفاتحة، أو الشيخ أبا الفرج قال: هذا إذا دعي ليتحمل، فأما إذا أتاه المتحمل، فليس للتحمل- والحالة هذه- أجرة، وليس له أن يأخذ شيئًا.
وهذا الذي ذكره كله يؤخذ من قول الإمام: إن المحتمل لو كلف المشي إلى موضع، فقد ألحقه الأصحاب بالكتبة، دون ما إذا لم يمش، فإنه ليس تحمل هذه

الشهادة مما يستغرق به منفعة متقومة.
وحكى الرافعي أنهم قالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على الأداء، لأنه فرض.
وقال القاضي الحسين: لأنه التزمه لما تحمل، فلزمه إيفاؤه.
قلت: وعلى هذا إذا وقع بصره اتفاقًا على ما يشهد به، وقلنا بالتعين عليه فقد نقول: له الأخذ، لفقد العلة.
قال الرافعي: وقد يوجه بأنه كلام يسير لا أجرة لمثله.
قال القاضي الحسين في ((تعليقه)) - وحكاه الإمام عنه-: نعم، لو طلب أجرة مركوب إذا كان القاضي على مسافة يؤويه الليل، أخذها، وتكون أجرة عما يقطعه من المسافة، لا على أداء الشهادة- قال الإمام: وهو مشكل عندي، فإن المشي إذا لم يكن مستحقًا، فليس عليه أن يمشي، وإن كان مستحقًا فأخذ الأجرة على المشي بعيد.
نعم، له أن يقول: اكفني المشقة بإحضار مركوب.
وهو الذي رأيت الطرق مشيرة إليه، وفيه- أيضًا- مجال للنظر، فإنه الذي ورط نفسه في ذلك.
قال الرافعي: إن الغزالي أطلق القول بأن له طلب أجرة المركوب من غير فرق بين أن يكون القاضي معه في البلد أو لا، لكنه على [ما حكى] الإمام وصاحب ((التهذيب)) مخصوص بما إذا لم يكن معه في البلد، بل كان يأتيه من مسافة العدوى فما فوقها، فأما إذا كان معه في البلد فلا يأخذ شيئًا.
وضم في ((التهذيب)) نفقة الطريق إلى أجرة المركوب، وحكى وجهين فيما لو دفع إليه شيئًا، ليصرف في ذلك، هل له أن يصرفه إلى غرض آخر، ويمشي راجلًا، وهما كالوجهين فيما إذا دفع إلى فقير شيئًا، وقال: اشتر به لنفسك ثوبًا، هل له صرفه إلى غير الثوب؟ قال الرافعي: والأشهر: الجواز، وبه أجاب الغزالي.
وقال القاضي الحسين: إنه الظاهر من المذهب.
ثم قال الرافعي: وقضية قولنا: إنه يطلب الأجرة إذا دعي للتحمل- أن يطلب

الأجرة إذا دعي للأداء، من غير فرق بين أن يكون القاضي معه في البلد أو لا يكون، كما لا فرق في التحمل، وأن يكون النظر إلى الأجرة مطلقًا، لا إلى نفقة الطريق، وكراء المركوب خاصة، ثم هو يصرف المأخوذ إلى ما يشاء، ولا يمنع من ذلك كون الأداء فرضًا عليه كما ذكرنا في التحمل مع تعينه، على أظهر الوجهين.
انتهى.
وقد ذكرت عن القاضي الحسين والبغوي عند الكلام في موت القاضي الكاتب شيئًا يتعلق بذلك، فليطلب منه.
وهذا كله إذا كان الأخذ من المشهود له، أما أخذ الرزق من بيت المال، هل يجوز؟ قال القاضي أبو الطيب والغزالي في كتاب القسمة: إنه لا يجوز أن يجرى للشهود رزق من بيت المال.
قال القاضي: لأن الشهادة فرض، ولا يجوز أخذ العوض عليه.
وقال الغزالي: لأن الشهود لا ينحصرون وحتى لا يتهموا.
وهذا معزي في ((الإشراف)) إلى ابن القاص، وأنه طرده في المزكي والترجمان.
وقال القاضي أبو الطيب- أيضًا- في كتاب الأقضية: إن أخذ الجعل على الشهادة مبني على الحكم، فإن كان ما تعين عليه، نظر: فإن كان فقيرًا، كان له الأخذ.
وإن كان مكفيًا، فالمستحب له ألا يأخذ عليه جعلًا، وإن أخذ جاز.
وإن كان قد تعين عليه.
فإن كان فقيرًا جاز له الأخذ، وإن كان مكفيًا، لم يجز له الأخذ للتحمل والأداء، وهذا [ما] حكيته عن البندنيجي وابن الصباغ في كتاب الأقضية.
قال الرافعي: وعلى القول بالمنع إذا رزقه الإمام من ماله، أو واحد من الناس، يكون الحكم كما ذكرنا في القاضي.
قال: ولا تقبل الشهادة إلا من حر، بالغ، [عاقل] متيقظ، حسن الديانة، ظاهر المروءة.
أما قبولها ممن اجتمعت فيه هذه الأمور على الجملة، فبالاتفاق، ويدل عليه

قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2]، والعدل: من اشتمل على هذه الأمور لغة وشرعًا: أما لغة، فلأنه المتوسط الحال، مأخوذ من ((الاعتدال))، ومن اسم ((العدل)) و ((العديل))، لأنه [مأخوذ من المعادلة] لما حاذاه، والمعادلة: المساواة.
وأما شرعًا: في المتوسط في الدين والمروءة والأحكام، كما سنذكره.
ومن اتصف بما ذكرناه كان متوسطًا فيها.
واحترزنا بقولنا: ((على الجملة)) من شهادة المرأة في بعض الأمور كما سيأتي.
والمراد بالقبول- كما قال الرافعي-: الحكم بها، إما وحدها أو بضميمة أخرى، وهو الأغلب.
وأما عدم قبولها ممن لم يكمل فيه هذه الصفات، فسنذكره.
تنبيه: ((المتيقظ)) خلاف ((المغفل))، يقال: متيقظ، ويقظ، ويقظ- بكسر القاف وضمها- بمعنى.
[و] المروءة: بالهمز، قال الجوهري وغيره: ويجوز تشديد الواو وترك الهمز، وهي كما قال الجوهري: الإنسانية.
وقال ابن فارس: هي الرجولية.
وقيل: صاحب المروءة: من يصون نفسه عن الأدناس، ولا يشينها عند الناس.
وقيل: الذي يستتر بستر أمثاله في زمانه ومكانه.
قال الجوهري: قال أبو زيد: يقال منه: مرؤ الرجل، أي: صار ذا مروءة، فهو مرئ، على ((فعيل))، وتمرأ الرجل: تكلف المروءة.
قال: ولا تقبل من عبد، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2].
ووجه الدلالة: [أن الأحرار] هم المخاطبون، لأنهم هم المشهدون في حقوق أنفسهم، فقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ ينفي دخول العبيد فيهم.
ولأنه لو قطع الكلام عند قوله: ﴿ذَوَيْ﴾ لاستفدنا أن الكافر لا تقبل شهادته، لأنه لا عدالة مع الكفر، فلما قال: ﴿مِنْكُمْ﴾، وجب أن تكون له فائدة، ولا فائدة له إلا أن يكون المراد به: الأحرار، دون العبيد.

ولأنه [معنى] مبني على الكمال والتفضيل، ولا يتبعض، فوجب ألا يكون للعبيد فيه مدخل، قياسًا على الرجم.
والذي يدل على أنه مبني على التفضيل: أن شهادة المرأتين بمنزلة شهادة الرجل الواحد، ولا تقبل النساء في كل موضع، ويقبل الرجل في كل موضع.
والمكاتب، ومن [بعضه] حر وباقيه رقيق، والمدبر، وأم الولد- في ذلك كالقن.
قال: ولا صبي، ولا معتوه، لأنه إذا لم ينفذ قوله في حق نفسه إذا أقر، ففي حق غيره أولى.
وذكر الشيخ الصبي مع المعتوه، لأن المعتوه متفق على عدم قبول شهادته، فذكره ليقاس الصبي عيه، بجامع عدم التكليف، وإلا فذكره للمغفل يغني عنه، وقد استدل على منع قبول شهادة الصبي بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية [البقرة:282]، لأن الصبي ليس من الرجال، ولأنه عدل عن الرجلين إلى الرجل والمرأتين، فدل على أنه لا يعدل إلى غيرهم [من] الصبيان، ولأنهم ليسوا ممن يرضون من الشهداء.
ولا فرق في الصبي بين أن يكون مراهقًا أو لا، ولا بين أن يحكم بصحة إسلامه أو لا، ولا بين أن يشهد في الدم والجراحات الصادرة من الصبيان مع غيره [قبل التفرق أو بعده، أو في غيرهما، لما ذكرناه.
وما ذكره الخصم في تعليل قبول شهادته في الدم والجراحات الصادرة من الصبيان مع غيره قبل] التفرق، لأنه يعسر إثباتها بغيرهم، لأنا ندبنا إلى تعليم الصبيان الرمي، فإذا لم نقبل شهادة بعضهم على بعض، أدى ذلك إلى إهدار الدم والجراح، لأنه لا يحضرهم الرجال إذا اجتمعوا للرمي- يبطل بشهادتهم على تخريق الثياب، وكسر القوس والسهم، وغير ذلك من الآلات التي معهم.
وأيضًا: فإن مقتضى ما ذكره قبول شهادة النسوة في الأعراس، والمآتم، والحمامات، لأنه لا يحضرهن غيرهن، وهو باطل بإجمال المسلمين.
قال: ولا مغفل، لأن المغفل: من كثر غلطه ونسيانه، ومن هذا حاله لا يؤمن غلطه في الشهادة، فلا يوثق به.

وهذا إذا أطلق الشهادة، فلو أتى بها مفصلة، ووصف المكان والزمان، وتأنق في ذكر الأوصاف- قال الإمام: فالشافعي قد يقبلها، فإنه إذا فصلها وهو عدل، لا يظن به اعتماد الكذب، وهذا ما أورده الفوراني والمسعودي والغزالي.
وضد ما ذكره الشيخ من مبتدأ قوله: ((ولا يقبل من عبد ...)) إلى هنا، هو المعنى بالتوسط في الأحكام.
قال: ولا تقبل من صاحب كبيرة، ولا [من] مدمن على صغيرة، لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:6]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:18]، ومن اتصف بما ذكرناه فاسق، فوجب ألا يعتمد على قوله، ولا يساوي به العدل في قبول قوله، لما ذكرناه.
وإنما قلنا: إنه فاسق، لأن الفاسق في اللغة مأخوذ من الخروج عن الشيء، يقال: فسقت الرطبة، أي: خرجت من قشرها، وسمي الغراب: فاسقًا، لخروجه من مألفه، وسميت الفأرة: فويسقة، لخروجها من جحرها.
و [هو] في الشرع: حقيقة- كما قال الماودري- فيمن كان مسخوط الدين والطريقة، لخروجه عن الاعتدال.
ومن اتصف بما ذكرناه كذلك.
ولقولهصلّى الله عليه وسلّم: ((لا تقبل شهادة خائنٍ [ولا خائنة])).
قال أبو عبيدة: لم يخص الخائن في أمانات الناس، بل كل من ضيع شيئًا مما أمره الله تعالى به، أو ارتكب شيئًا مما نهاه الله تعالى عنه- لا يكون عدلًا، لأنه قد لزمه اسم الخيانة، كذا حكاه في ((البحر)) عنه عند الكلام في رد شهادة العدو.

ولأن من اتصف بذلك، أشعر حاله بالتهاون بأمر الديانة، ومثله جدير بألا يخاف وبال الكذب، وضد من اتصف بهذا هو المعني بالمتوسط في الدين.
والمراد بالإدمان على الصغيرة: أن تكون الغالب من أفعاله، لا أن يفعلها أحيانًا، ثم يقلع عنها، فإن الإنسان لا يخلو من ذلك، ولهذا أشار الشافعي بقوله: ليس أحد من الناس نعلمه- إلا أن يكون قليلًا- يمحض الطاعة والمروءة [حتى لا يخلطها بمعصية، ولا يمحض المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطها بشيء من الطاعة والمروءة]، فإذا كان الأغلب على الرجل والأظهر من أمره المعصية، وخلاف المروءة- ردت شهادته.
وقد استدل لذلك القاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهما بأن أفضل الناس الأنبياء- صلوات الله عليهم وسلامه- وقد قال تعالى: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:121]، ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾

، ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:24]، وقال تعالى- حكاية عن يونس- عليه السلام-: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:87].
وروى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم [قال:] ((ليس منا معاشر الأنبياء إلا من عصى أو هم بمعصية، إلا أخي يحيي بن زكريا)).

قال أبو علي في (الإفصاح)): أراد إبليس- لعنه الله- أن يخطئ يحيي، فطلب إناء فيه ماء يعلمه يحيي من غير أن يشعر به، ثم تصور له، وقال: ما في هذا الإناء؟ فقال: كان فيه ماء.
وإذا كان شأن الأنبياء، فما ظنك بمن دونهم؟! وقد قال تعالى ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:102]، فأناط الفلاح بالأغلب.
لكن الإدمان على الصغيرة، السالب للعدالة، هو المداومة على نوع من الصغائر، [أو الإكثار] من الصغائر، سواء كانت من نوع واحد، أو من أنواع مختلفة؟ قال الرافعي: منهم من يفهم كلامه الأول، ومنهم من يفهم كلامه الثاني، ويوافقه قول الجمهور: من تغلب معاصيه طاعاته، كان من ذوي الشهادة.
ولفظ الشافعي في ((المختصر)) قريب منه، وإذا قلنا به لم تضر المداومة على نوع واحد من الصغائر إذا غلبت الطاعات، وعلى الاحتمال الأول تضر، وهو الذي يقتضيه كلام الشيخ.
تنبيه: ما المراد بالكبيرة المؤثر فعلها في العدالة، والصغيرة المعتبر في تأثيرها [في] العدالة الإصرار أو الإدمان عليها؟ قال البغوي: الكبيرة: هي المعصية الموجبة للحد.
وقال غيره: هي المعصية التي يلحق صاحبها الوعد الشديد بنص كتاب أو سنة.
وقال الماوردي: هي ما وجب فيها الحد، أو توجه إليها الوعيد.
وقد يفهم هذا اللفظ مغايرة بينه وبين اللفظ قبله، لأن هذا يقتضي أن ما توعد عليه بالنص أو بالظاهر كبيرة، دون اللفظ الأول.
وقال القاضي أبو سعد: هي كل فعل نص الكتاب على تحريمه، وكل معصية توجب في جنسها حدًا من حبس أو غيره، وترك كل فريضة مأمور بها على الفور، والكذب في الشهادة والرواية واليمين.

وحكى القاضي الحسين [أن الحليمي] قال: حد الكبيرة: كل محرم لعينه، منهي عنه لمعنى في نفسه- فتعاطيه كبيرة، وتعاطيه على وجه يجمع وجهين أو وجوهًا من التحريم يكون فاحشة، والفاحشة أعظم من الزنى.
ومثاله: أن الزنى كبيرة، فإذا زنى بحليلة جاره، وهي قريبة له أو لا- يكون فاحشة، وهذا عدها صلّى الله عليه وسلّم من [أكبر] الكبائر.
و ((الصغيرة)): قال الحليمي: حدها: تعاطي ما ينقص رتبته عن رتبة المنصوص عليه، [أو تعاطيه على وجه دون المنصوص عليه، ولا يستوفي معنى المنصوص عليه-] يكون صغيرة، وتعاطيه على وجه يجمع وجهين أو وجوهًا من التحريم، يكون كبيرة.
مثاله: القبلة، واللمس، والمفاخذة تكون صغيرة، ولكن لو كان مع حليلة الجار القريبة له تكون كبيرة.
وقال الماوردي: هي ما قل فيها الإثم، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:31]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:32]، وغيرهما سكت عن حدها، وكأنه اكتفى بحصر الكبائر عن ذكر الصغائر، لعدم انحصارها.
وقد جمع الإمام [في ((الإرشاد))] وغيره بين ما ترد به الشهادة من المعاصي بقوله: كل جريمة [توجد] بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة، فهي مبطلة للعدالة.
وأما الكبائر المذكورة في الكتاب العزيز، قال الماوردي: فلأهل التأويل فيها أربعة أقاويل: أحدها: ما زجر عنه بالحد.
والثاني: ما لا يكفر إلا بالتوبة.
والثالث: [ما رواه] شرحبيل عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن

الكبائر، فقال: ((أن تدعوا لله ندا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك مخالفة أن يطعم معك، وأن تزني بحليلة جارك)).
والرابع: ما رواه سعيد بن جبير: أن رجلًا سأل عن ابن عباسٍ: كم الكبائر، أسبغٌ؟ فقال: هي إلى سبعمائة أقر منها إلى سبع، لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار.
فكأنه يرى كبائر الإثم: ما لم يستغفر الله تعالى منه بالتوبة.
وقد أعرض جماعة من الأصحاب عن ضبط الكبائر والصغائر بحد، واقتصروا على ذكر ما حضرهم مما اعتقدوه كبيرة وصغيرة، فقال الروياني: الكبائر سبع: قتل النفس بغير حق، والزنى، واللواط، وشرب الخمر-[أي:] قليله وكثيره- والسرقة، والقذف، واخذ المال غصبًا.
واعتبر أبو سعد في غصب المال أن يبلغ ربع دينار.
وضم في ((الشامل)) إلى السبع المذكورة: الشرك بالله تعالى، والكفر بنبي من أنبيائه صلوات الله عليهم أجمعين، وشهادة الزور.
وأضاف إليها في ((العدة)): [أكل] الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر، وأخذ الرشوة، والدياثة- يعني: الجميع بين الناس، واستماع المكروه والباطل، كما قال الشافعي: إذا كان الشخص لا يحسن الغناء، وإنما معه من يغني، ثم يمضي به [إلى] الناس، فإنه فاسق، قاله: وهذا دياثه-[و] القيادة بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، والإياس من رحمة الله تعالى، والأمن من مكر الله تعالى.

ويقال: الوقيعة في أهل العلم وحملة القرآن [مما] يعد من الكبائر، والظهار، وأكل لحم الخنزير من غير ضرورة.
قال الرافعي: وللتوقف مجال في بعض هذه الخصال: كقطع الرحم، وترك الأمر بالمعروف على إطلاقهما- ونسيان القرآن، وإحراق مطلق الحيوان بالنار.
وقد أشار الغزالي في ((الإحياء)) إل مثل هذا التوقف.
وفي ((التهذيب)) حكاية وجه: أن ترك الصلاة الواحدة إلى أن يخرج وقتها ليس بكبيرة، وإنما ترد الشهادة به إذا اعتاده.
قلت: وقد حكاه في ((الزوائد)) عن الطبري، والقاضي الحسين حكاه أيضًا، وهو المذكور في ((المهذب))، لأنه اعتبر في رد الشهادة باللعب بالشطرنج أن يتكرر منه ترك الصلاة عمدًا، والأصحاب قالوا ذلك فيما إذا اشتغل بسبب الفكر فيها [حتى] خرج وقت صلوات، أما إذا ترك الصلاة الواحدة مع الذكر كفى.
وقريب من ذلك ما قاله في ((البحر)): أن القفال قال: إذا أخرج الصلاة عن وقتها، اشتغالًا بخدمة رئيس أو كبير من الناس، أو [بإجابته إلى] ما يدعوه إليه، ووقع ذلك نادرًا- لا ترد به الشهادة، لاحتمال أنه غفل أو نسي.
وإن تكرر ذلك منه، أو عرفنا: أنه تعمد ذلك- ردت شهادته، لأن ترك الصلاة الواحدة من أكبر الكبائر.
وحكى الرافعي عن [الروياني] رواية وجه: أن التشاغل باللعب بالشطرنج إذا فات به صلاة واحدة [ترد به الشهادة].
وقد ألحق بعضهم بالكبائر الشرب من أواني الذهب والفضة، والتختم بالذهب، ولبس الحرير، والجلوس عليه، حتى [قال]: لا ينعقد النكاح بحضور الجالس على الحرير، واستبعده الأصحاب.
وعد العراقيون منها: سماع الأوتار، والمعازف، والمزمار العراقي، وما هو من شعار الشرب، وقالوا: الفعلة الواحدة من ذلك ترد بها الشهادة.
والمشهور: [أن ذلك] كله من الصغائر.

قال الغزالي- تبعًا لإمامه-: وما ذكرناه في سماع الأوتار مفروض فيما إذا لم يكن الإقدام عليه مرة يشعر بالانحلال، أما إذا كان فالمرة الواحدة ترد بها الشهادة.
وطرد الإمام ذلك فيما جانس ذلك.
واللعب بالنرد ملحق بالقسم المختلف فيه، لأن الشيخ أبا محمد قال: إنه من الصغائر مع القول بأنه محرم.
والصحيح على [هذا] أنه من الكبائر، وطرد الإمام فيه التفصيل الذي ذكرناه في المزمار.
وقد عاد القاضي الحسين من الصغائر ترك السنن الراتبة، وكذا دعاء الاستفتاح، أو تسبيحات الركوع والسجود، وتبعه في ((التهذيب)).
وعن أبي الفرج حكاية وجه في ترك غير الوتر وركعتي الفجر-[أنه لا ترد الشهادة باعتياد تركها.
قال القاضي]: ولو أبدل الوتر وركعتي الفجر بقضاء الفوائت، ردت.
وعد في ((العدة)) من الصغائر: النظر بالعين [إلى ما] لا يجوز، [و] الغيبة، والضحك من غير عجب، والكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر، والاطلاع على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، وكثرة الخصومات وإن كان الشخص محقًا، والسكوت عن الغيبة والنياحة والصياح وشق الجيب في المصائب، والتبختر في المشي، والجلوس مع الفساق متأنسًا بهم، والصلاة المكروهة في الأوقات المكروهة، والبيع والشراء في المسجد، وإدخال الصغار والمجانين والنجاسات فيه، وتخطي رقاب الناس [يوم الجمعة]، والكلام والإمام يخطب، والتغوط مستقبل القبلة، وفي طريق المسلمين، وكشف العورة في الحمام.
قال الرافعي: ولك أن تتوقف في كثرة الخصومات للمحق، وتقول: ما ينبغي أن تكون بمعصية أصلًا، إذا راعى حد الشرع.
وفي تخطي الرقاب يوم الجمعة،

فإنه معدود من المكروهات دون المحرومات، وكذلك الكلام والإمام يخطب.
قلت: وهذا منه يدل على اختصاص الصغائر بالمحرمات، وهو الأقرب، لكن سنذكر أن اللعب بالشطرنج ليس بمحرم على المذهب، و [قد] عده الغزالي من الصغائر.
وفي ((البحر)): أن من كذب عن قصد، ردت شهادته، وإن لم يكن [يقع بقوله ضرر على أحد غيره، لأن] الكذب حرام بكل حال.
قال القفال: إلا أن يقوم ذلك على مذهب الكتاب والشعر في المبالغة في الكلام، وقد عد في ((الأيام)) من الصغائر.
وقال ابن الصائغ: غشيان الدعوى بغير دعاء من غير ضرورة، وعدم استحلال صاحب الطعام، لأنه قال: إذا تتابع ذلك منه ردت شهادته، لأنه يأكل محرمًا إذا كانت الدعوة دعوة رجل بعينه، فأما إذا كانت دعوة سلطان أو شبيه به، فيدعو الناس إليه، فهذا طعام عام، فلا بأس به.
وفي ((الزوائد)): أن الطبري عد من الصغائر [من] يهازل زوجته أو جاريته بحيث يسمع غيره، فإن جاء به نادرًا لم ترد [به] الشهادة، [فإن أكثر] منه ردت به.
وقد عد الغزالي منها: شرب الحنفي النبيذ.
والمنقول عن الشافعي أنه قال: الحنفي إذا شرب النبيذ حددته، وقبلت شهادته.
وأن المزني قال: كيف يحد من شرب قليلًا من نبيذ شديد، وتجوز شهادته؟! فمن الأصحاب من قال المزني: يختار أنه لا يحد، كما لا يفسق، وهذا ما حكاه الماوردي والجمهور عنه، وجعله بعض الأصحاب وجهًا.
[ومنهم من قال: إنه يختار: أنه يفسق، كما يحد، وجعله بعض الأصحاب وجهًا]، وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أوجه: أصحها: المحكي عن النص، ولم يورد العراقيون والماوردي سواه، وفرقوا بين الحد والفسق بفروق: أحدها: أن الحد آكد من الفسق، ولذلك يسقط الفسق بالتوبة دون الحد.

الثاني: أن الغرض بالحد الزجر والردع، ويحتاج شارب القليل إلى الردع عنه، لأنه قد يدعوه إلى كثيره، وربما سكر منه، ورد الشهادة مأخذه عدم الثقة بقوله، وإذا لم يعتقد التحريم لم تسقط الثقة بقوله.
الثالث: إن الحد إلى الإمام، فاعتبر فيه اعتقاده، ورد الشهادة يعتمد عقيدة الشاهد، ولهذا لو غصب جارية، ووطئها على اعتقاده: أنه يزني، ثم تبين أنها كانت مملوكة [له]- فسق، وردت شهادته.
ولو وطئ جارية الغير عن ظن أنها جاريته، لا ترد شهادته.
وعلى هذا لو كان الشارب لما لا يسكر من النبيذ يعتقد التحريم- كالشافعي- ففي رد شهادته بذلك وجهان: أحدهما: لا ترد، لأنه اعتقد تحريمه بطريق مظنون، فالشبهة فيه قائمة، ولأن استحلال الشيء أشد من فعله، ولهذا لو استحل الزنى كفر، ولو فعله لم يكفر، وإذا لم ترد شهادة مستحل الشرب، فشهادة الشارب أولى، وهذا يحكي عن ابن أبي هريرة، ولم يحك القاضيان: أبو الطيب والحسين في ((تعليقهما)) سواه، وعيه يدل النص في ((المختصر)) حيث قال: ومن شرب سواها- أي: سوى الخمر الصرف من المنصف، أو الخليطين- فهو آثم، ولا ترد شهادته إلا أن يسكر، وإنما يؤثم من يعتقد التحريم، ولهذا رجحه ابن الصباغ والمصنف والمتأخرون من الأصحاب، كما قال في ((البحر)).
وعلى هذا فإنما يحكم بالفسق ورد الشهادة إذا ارتكب مجمعًا على تحريمه، لأن من فعل ما لا شبهة له فيه، يكون مقدمًا على مقطوع بتحريمه، فيخاف منه شهادة الزور المحرمة بالإجماع.
والثاني- ويحكى عن أبي إسحاق-: أنها ترد، لأنه [إذا] ارتكب ما يعتقده محظورًا، لم يؤمن جراءته على شهادة الزور وسائر المحظورات، وهذا ما أورده الإمام، كما قال الرافعي والماوردي، وقال ابن الصباغ: إن القاضي حكاه في ((المجرد))، وحكى في ((البحر)): أن القاضي أبا الطيب وجماعة رجحوه، وعليه ظاهر النص، فإنه قال في ((الأم)): وإذا كان الرجل المستحل [الأنبذة] يحضر مع أهل السفه الظاهر، ويترك لها حضور الصلوات، وينادم عليها- ردت

شهادته بطرحه المروءة، وإظهاره السفه، فإذا لم يكن ذلك معها، لم ترد شهادته من قبل الاستحلال، وهذا نص صريح على الفرق.
قال القفال: وعلى هذا: لو نكح بغير ولي، ووطئها، فإن اعتقد الإباحة لا ترد شهادته، وإن اعتقد فساده ردت شهادته، وعليه يدل نص الشافعي الذي حكاه في ((البحر)) بعد ذلك: أن الشافعي قال: والمستحل لنكاح المتعة، والمفتي بها، والعامل بها- لا ترد شهادته، ولا يحد.
وعلى هذا- أيضًا- لو شرب من لم يعتقد الإباحة في ذلك ولا الحظر، ما لا يسكر من النبيذ مع علمه باختلاف أهل العلم في إباحته وحظره- قال في ((الحاوي)): ففي فسقه ورد شهادته بعد وجوب الحد عليه، وجهان لأصحابنا: قال البصريون: هو فاسق مردود الشهادة، لأن ترك الاسترشاد في الشبهات تهاون بالدين، فصار فسقًا.
وقال البغداديون: هو على عدالته وقبول شهادته، لأن اعتقاد الإباحة أغلظ من الشرب كما ذكرنا، ولو اعتقد الإباحة لم يفسق.
[وحكم المقلد فيما ذكرناه حكم مقلده إذا فعل، صرح به في ((البحر)) وغيره.
ولا خلاف أنه إذا شرب من النبيذ ما أسكره: أنه يفسق]، لقيام الإجماع على أن السكر حرام، وما ألحقه الشافعي من عصير العنب بالنبيذ إذا كان مختلطًا، فهو- كما قال الماوردي- إذا خلط بالماء قبل أن يصير مسكرًا، [أما إذا خلطه بعد أن صار مسكرًا] فهو كالخمر.
وكما يفسق شارب الخمر يفسق بائعها، لأنه- عليه السلام- لعنه كالشارب، ولا يفسق عاصرها ومعتصرها وإن شملتهما اللعنة.
قال الرافعي: لأنه قد لا يتخذها خمرًا، ولهذه العلة قلنا لا يفسق أيضًا إذا باع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرًا.
ولفظ القاضي أبي الطيب يفهم خلافه، فإنه قال: إذا باع العصير من رجل، نظر: فإن كان لا يعلم أنه يعمله خمرًا، فإن ذلك لا يؤثر في عدالته، لأنه لا يعلم حقيقة ما يفعل به، لأنه ربما فعل به غير الخمر.

قال ابن الصباغ: ولا يفسق الممسك، لأنه يجوز أن يمسكها، ليخللها، والتخليل مختلف في جوازه.
[و] في ((تعليق)) البندنيجي أن الشافعي قال: لو اتخذ الخمر، لم أرد شهادته بذلك، لأنه قد يغيرها بأن يخللها، وقد يريقها.
وفي ((الحاوي)): أنه [إذا] أمسك الخمر، وقصد به أن تنقلب فتصير خلًا، جاز، [ولم] يفسق به، [لأنه] يحل بالانقلاب.
وإن قصد ادخارها على حالها، كان محظورًا يفسق به، لأن إمساكها داع إلى شربها، وما دعا إلى الحرام محظور.
فرع: حكى في ((البحر)) في الفروع المذكورة قبل كتاب الشهادات: أن العدل لو نوى أن يواقع كبيرة غدًا: كالقتل، والزنى- لم يصر به فاسقًا.
وإذا نوى المسلم أن يكفر غدًا فهل يكفر في الحال؟ فيه وجهان، والصحيح: أنه يصير كافرًا في الحال.
والفرق: أن نية الاستدامة في الإيمان شرط، والنية لا توجب في حق من لا ذنب له، فإنه ليس الأصل وجوب الفسق، والأصل فقد الإيمان، وإيجاب فعله.
واعلم أنه قد دخل فيما ذكره الشيخ الكافر، لأن الكفر- كما ذكرنا- من أكبر الكبائر.
قال الأصحاب: ولا فرق في عدم قبول شهادته بين أن تكون على مسلم أو كافر، موافق له في الاعتقاد أو مخالف.
قالوا: ولا حجة لمن سمع شهادتهم على أهل دينهم في قوله صلّى الله عليه وسلّم: ((لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم إلا المسلمين، فإنهم عدول على أنفسهم، وعلى غيرهم))، لأن هذا الخبر لو دل لهم فإنما يدل بالمفهوم، وهم لا يقولون به.
ولا يقال: أنتم تقولون [به]، فكيف خالفتموه؟ لأنا نقول: إنما نقول به في الموضع الذي لا يكون غيره أقوى منه، [وهنا ما هو أقوى منه].

وأيضًا: فإن دليل الخطاب إنما نقول به في الموضع الذي لا يئول إلى إبطال نطقه، أما إذا أدى إلى إبطال نطقه فلا نقول به، لأن النطق أقوى منه، لأنه أصله، والأصل إذا بطل طل الفرع، والأمر ها هنا كذلك، والله أعلم.
قال: ولا تقبل ممن لا مروءة له: كالكناس، والنخال، والقمام- أي: الذي يجمع القمامة- بضم القاف- وهي الكناسة، ويحملها، والفعل منه: قم، يقم- والقيم في الحمام، والذي يلعب بالحمام- أي: مثل أن يتخذها، ليطيرها، وينظر تقلبها في الجو، ويشغله ذلك عن إيقاع الصلوات في وقتها، كما ذكرناه في اللعب بالشطرنج، أو يقترن بذلك قمار، كذا صوره أبو الطيب وغيره.
والقوال، أي: المعنى للناس، سواء أتوه إلى موضعه أو أتاهم، دون ما إذا كان لا ينسب نفسه إليه، وإنما يترنم لنفسه، فإنه لا ترد شهادته.
والرقاص، أي: الذي يعتاد الرقص، يقال: رقص يرقص رقصًا.
والمشعوذ، ومن يأكل في الأسواق، أي: ينصب مائدة، وهو مما لا يعتاد مثله ذلك، دون من عادته أن يأكل القليل على باب دكانه، لشدة جوعه، كما قاله البندنيجي، أو كان ممن عادتهم أن يتغدوا في الأسواق: كالصباغين، كما قاله القاضي الحسين.
وكذا السماسرة الذين لا حشمة لهم، ولا وجاهة.
ويمد رجله عند الناس- أي: من غير مرض، كما قاله البندنيجي- ويلعب بالشطرنج على الطريق، وكذا كشف ما ليس بعورة من بدنه، والحكايات المضحكة، وذكر أهل وزوجته بالسخف، كما ذكره ابن الصباغ، ونحو ذلك.
والأصل في هذا: أن حفظ المروءة من دواعي الحياء ووفور العقل، فطرحها إما أن يكون لخبل [في العقل] ونقصان، أو لقلة حيائه ومبالاته بأمر نفسه، وعلى كلا التقديرين، فعدم الثقة بقوله حاصل: أما المخبل فظاهر، وأما الآخر، فلأن من لا حياء له، صنع ما شاء، روى أبو مسعود البدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ((مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)).

ولأن من أطرح التحفظ في حق نفسه، كان أولى أن يقل تحفظه في حق غيره.
وقد تكلم الأصحاب في ضبط المروءة، واختلفت عباراتهم مع تقاربهم: فمن قائل: حفظ المروءة: أن يصون نفسه عن الأدناس، ومما يشينها عند الناس.
ومن قائل: أن يسير بسيرة أشكاله وأمثاله، من أهل عصره في زمانه ومكانه.
ومن قائل: أن يحفظ نفسه من فعل ما يسخر به، ويضحك عليه بسببه.
والمرجع فيها إلى العرف والعادة، فقد يكون الشيء مروءة لقوم، وتركه مروءة لآخرين، فإن السوقي لو تطيلس كان تاركًا للمروءة، وهو من الفقيه مروءة، والفقيه لو تمنطق وتقلنس، يكون تاركًا للمروءة، وذلك من الشرطي مروءة.
قال الإمام: وكل هذا في ضبط ما لا يحرم في نفسه، ولو أقدم عليه المقدم لم يأثم ولم يعص، فإن حق الكلام في المروءة أن تفصل عن مقارفة الذنوب، والأقرب فيه أن يقال: كل انحلال عن انفصام المروءة يشعر بترك المبالاة والخروج عن المماثلة، فهو يسئ الظنون بالتحفظ بالشهادة.
وقال الماوردي: المروءة على ثلاثة أضرب: ضرب يكون شرطًا في العدالة، وهو مجانبة ما يسخف من الكلام المؤذي، أو الضحك، وترك ما قبح من الفعل الذي يلهو به، أو يستقبح، لمعرته أو أذيته، فمجانية ذلك من المروءة التي هي شرط [في] العدالة، وارتكابها مفض إلى الفسق، وكذلك نتف اللحية من السفه الذي ترد به الشهادة، وهكذا خضابها سفه ترد به الشهادة، لما فيها من تغيير خلق الله.
وفي ((البحر)) في الفروع المذكورة بعد كتاب الأقضية إبداء ما ذكره الماوردي في نتف اللحية احتمالًا موجهًا [له] بقوله صلّى الله عليه وسلّم: ((إذا أبغض الله عبدًا ألهمه أكل الطين ونتف اللحية))، وهذا قاله بعد أن جزم القول بأن الشهادة لا ترد به، لأنه ليس بحرام وإن كان مكروهًا، وقال ها هنا: إن رد الشهادة به أصح عندي.
وضرب لا يكون شرطًا فيها، وهو الإفضال بالمال، والطعام، والمساعدة بالنفس والجاه.
وضرب مختلف فيه، وهو على ضربين: عادات، وصنائع.
فأما العادات: فهو أن يقتدي فيها بأهل الصيانة [دون أهل البذلة في ملبسه ومأكله وتصرفه، فلا يتعرى من ثيابه في بلد يلبس فيه أهل الصيانة ثيابهم، ولا ينزع سراويله في بلد يلبس فيه أهل الصيانة] سراويلاتهم، ولا يكشف رأسه في بلد يغطي فيه أهل الصيانة رءوسهم.
وإن كان في بلد لا يتحامى أهل الصيانة ذلك فيه، كان عفوًا: كالحجاز، و ((البحر)) الذي يقتصر أهله على لبس المئرز.
وأما المأكل فلا يأكل على قوراع الطرق، ولا في مشيه، ولا يخرج عن العرف في مضغه، ولا يغالي بكثرة أكله.
وأما التصرف فلا يباشر ابتياع مأكوله ومشروبه، وحمله بنفسه [في] بلد يتجافاه أهل الصيانة إلى نظائر هذا مما فيه بذلة وترك تصون.
قال الإمام: إلا أن يتبع في ذلك رأي السلف، والتواضع، ويظهر أنه لم يفعله بخلًا ولا شحًا.
قال الماوردي: وفي اعتبار هذا الضرب من المروءة في شروط العدالة أربعة أوجه: أحدها: أنه غير معتبر فيها، لأنه قد نقل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم والصحابة ما يقاربه.
والثاني: أنه معتبر فيها وإن لم يفسق به، لأن العدالة في الشهادة للفضيلة المختصة بها، وهي تالية لفضيلة النبوة، قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ الآية [البقرة:143]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية [البقرة:143]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:33 - 35].

وما كان بهذه الفضيلة امتنع أن يكون مسترسلًا في البذلة، وليس ما فعله الصدر الأول بذلة، لأنه لم يخرج عن فعل أهله في الزهادة والانحراف عن الدنيا إلى الآخرة.
والثالث: إن كان نشأ عليها من صغره لم تقدح في عدالته، وإن استجدها في كبره، قدحت في عدالته، لأنه يصير بالمنشأ مطبوعًا بها، وبالاستحداث مختارًا لها.
والرابع: إن اختصت بالدين قدحت في عدالته: كالبول قائمًا، وفي الماء الراكد، وكشف عورته إذا خلا، وأن يتحدث بمساوي الناس.
وإن اختصت بالدنيا لم تقدح في عدالته: كالأكل في الطريق، وكشف الرأس بين الناس، والمشي حافيًا، لأن مروءة الدين مشروعة، ومروءة الدنيا مستحسنة.
واعلم أن الشيخ عد الكناس، والنخال، والقمام، والقيم في الحمام- ممن لا مروءة له، لأن تعاطيه هذه القاذورات وملازمته لها تدل على قلة مروءته، وكونها صنائع لا يمنع ذلك.
لكن القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين أدرجوا ذلك في قسم أصحاب المكاسب الدنيئة التي سنذكرها من بعد، فأجروا فيها الخلاف.
وعن أبي الفياض حكاية وجه فارق بين ما يحوج إلى مخامرة القاذورات والنجاسات، فترد به الشهادة، وبين ما لا يحوج إليه فلا ترد، فكأن الشيخ أخذ بها في ملابسه القاذورات، لكونه رآه أظهر فيها.
وحكى الخلاف فيما لا يلابس فيه القاذورات، لأنه أبعد عن الدناءة، ولهذا رجح أنه لا يمنع القبول.
وحكى القاضي [الحسين] عن الدراكي: أنه قال: لا تقبل شهادة الحمامي الذي يجلس على القبالة، لأنه ينظر إلى عورات الناس، فإن كان ممن يتورع عن ذلك قبلت شهادته.
وحيث رددنا الشهادة بما ذكر، فذاك إذا اتخذه عادة.
قال الأصحاب: ولو اتخذ الحمام للأنس أو الاستفراخ، أو لإنفاذه بالكتب لم يترد شهادته، وكذا إذا اتخذها ليطيرها وينظر تقلبها في الجو، ولم يلحقه

بسبب ذلك سهو عن صلاة، ولا قرنه بقول الهجر من القول، ولا بقمار، سواء قل ذلك منه أو كثر، كما في اللعب بالشطرنج في البيت إذا خلا عن ذلك، كذا قاله أبو الطيب وغيره، لكن ذلك مكروه، كما في اللعب بالشطرنج.
وحكى الرافعي وجهًا آخر: أنه لا كراهة في هذه الحالة، كما لا كراهة [في] الاتخاذ للاستفراخ والأنس.
والوجهان منسوبان في ((الوسيط)) للعراقيين، وأنهما مذكوران في رد الشهادة من جهة: أنه يقدح في المروءة.
وما ذكره الشيخ وغيره في اللعب بالشطرنج مفرع على أن اللعب بها مكروه، وليس بمحرم إذا لم يلحقه به سهو عن صلاة، ولا اقتران به هجر من القول، ولا قمار، وهو الذي نص عليه الشافعي، وصححه الجمهور، بخلاف اللعب بالنرد، فإنه حرام على الصحيح في ((الحاوي)) وغيره، وبه قال ابن أبي هريرة، وابن القاص، وأبو علي الطبري، وأكثر الأصحاب، كما قاله الماوردي، والقاضي أبو الطيب، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ((من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله)).
والفرق: أن الشطرنج موضوعة لصحة الفكر، وصواب التدابير، ونظام السياسة، فهي تعين على تدبير الحروب والحساب، والنرد موضوعة إلى ما تأتي به الفصوص، فهي كالأزلام.
وقد حكى عن ابن خيران وأبي إسحاق المروزي والأسفراييني: أنهم قالوا: إنه مكروه كالشطرنج، لكنه أشد كراهة، وتمسكوا في ذلك بقوله الشافعي في أدب القضاء من ((الأم)): ((وأكره من جهة الخبر اللعب بالنرد أكثر مما أكره اللعب بشيء من الملاهي، ولا أحب اللعب بالشطرنج، وهي أخف حالًا [من اللعب

بالنرد]، فإن ظاهر هذا الكلام يدل على أن اللعب [بالنرد ليس بمحرم، ولهذا قال البندنيجي: إن اللعب] به عند الشافعي كاللعب بالشطرنج، غير أنه أشد كراهة.
وقال القاضي أبو الطيب- كما حكاه في ((البحر)) عنه-: إنه المذهب، وقضية هذا ألا ترد الشهادة باللعب به وإن تكرر، كالشطرنج، وإليه يرشد قول أبي إسحاق الذي حكاه في ((البحر)): ولا يبين منع ذلك رد الشهادة إلا أن يكون قمارًا.
لكن المذكور في ((الحاوي)): أن الشهادة ترد به وإن قلنا: إنه مكروه.
وحكى عن الحليمي أنه ألحق اللعب بالشطرنج بالنرد في التحريم، وأن الروياني اختاره.
وعلى هذا لا نحتاج في رد الشهادة به إلى أن يكون على الطريق، بل [يكون] الحكم فيه كاللعب بالنرد ويقع الكلام في أنه من الصغائر أو الكبائر؟ ومقابل هذا الوجه في البعد وجه [محكي فيما] علق عن الإمام: أن اللعب بالشطرنج مباح لا كراهية فيه، وهو في ((الحاوي)) - أيضًا- لأنه قال: اختلف أصحابنا فيما تستند إليه الكراهة على وجهين.
أحدهما: إليها نفسها، لكونها جزءًا من اللعب.
والثاني: أنها تستند لما يحذر عنها من الخلاعة، وعلى هذا لو انتفت الخلاعة عند اللعب بها، كان مباحًا.
وقد اتفق الكل على أنه لو اقترن باللعب بالشطرنج تشاغل، بحيث انقطع له ليله ونهاره، ولها به عما سواه، أو خلاعة بذكر الهجر من القول، أو قمار، كما إذا أخرج كل من المتلاعبين مالًا، وشرطًا أيهما غلب أخذ المالين- ردت شهادته، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة:90]، والميسر: القمار.
وقد تقدم الكلام في أنه لو اشتغل بها عن صلاة واحدة ما حكمه؟ ولو أخرج [أحد] اللاعبين المال على أنه إن غلب عاد إليه، وإن غلب أخذه الغالب، ففي ((الحاوي)) حكاية وجهين في جواز ذلك مع اتفاقهم على جوازه في السبق والرمي، بناء على اختلافهم في قوله صلّى الله عليه وسلّم: ((لا سبق إلا في خف، أو حافرٍ، أو نصلٍ))، هل هو أصل بذاته، أو استثناء من جملة محظور؟ على وجهين: أحدهما: أنه أصل بنفسه، يجوز القياس عليه، فعلى هذا يجوز في مثله في الشطرنج، قياسًا على السبق والرمي، لجواز القياس على أصول النص، ولا يكون إخراج هذا العوض في الشطرنج محظورًا، ولا يكون به مجروحًا.
والثاني: أن الخبر في السبق والرمي استثناء من جملة محظور، فعلى هذا لا يجوز مثله في الشطرنج، ويكون إخراج هذا العوض في الشطرنج محظورًا، ويصير بإخراجه مجروحًا.
وحكي مثل هذين الوجهين فيما إذا لعب بالحمام على [مثل] هذا الوجه تخريجًا على الأصل المذكور.
[و] الذي حكاه البندنيجي والقاضي أبو الطيب في مسألة الشطرنج: أنه لا يصير واحد منهما مجروحًا، كما لو لعبا بغير عوض، فإن هذه المعاقدة فاسدة، ولا يملك الغالب العوض، وإن أخذه وجب رده.
فروع: أحدها: الغناء بغير آلة مكروه عندنا، غير محرم على المشهور.
وعن أبي الفرج الزاز رواية وجهين: أحدهما: أنه يحرم كثيره دون قليله.
والثاني: أنه حرام على الإطلاق.
وعلى المشهور: إذا اتخذ الرجل غلامًا، أو جارية تغني [له]، فإن كان يجمع عليها الناس فهذا سفه، ترد به الشهادة، وهو في الجارية آكد، لأن فيها سفهًا ودياثة.
وإن كان لا يجمع عليها الناس، وإنما يتخذ ذلك لنفسه كان مكروهًا، ولا ترد به الشهادة، قاله ابن الصباغ [وغيره].
وخص الماوردي ذلك بما إذا لم يكن مكثرًا في ذلك، ولا متجاهرًا به.
وقال فيما إذا دعا من يشركه في سماعها: فإن كان يدعوهم من أجل الغناء،

ردت شهادته، وكذا إن دعاهم لغيره، وأسمعهم إياه، وكثر حتى اشتهر، وإن قل، ولم يشتهر- فإن كان الغناء من غلام لم ترد شهادته، وإن كان من جارية فسيأتي.
الفرع الثاني: إذا كان يغشى بيوت الغناء، ويغشاه المغنون للسماع، فإن كان في خفية لم ترد شهادته، لأنه لم تسقط مروءته، وإن كان متظاهرًا، فإن كان قليلًا لا يكثر منه، فكذلك، وإن كثر منه، ردت، لأنه سفه وترك مروءة.
قال في ((الشامل)) و ((البحر)): ولم يفرق أصحابنا فيما ذكرناه بين سماع الغناء من الرجل والمرأة.
وينبغي أن يكون [سماع] الغناء من الأجنبية أشد كراهة من سماعه من الرجل، لأنه لا يؤمن الافتتان بها وإن كان صوتها ليس بعورة في الجملة، ألا ترى أو وجهها ليس بعورة، ولا يجوز أن ينظر إليه من يخاف الافتنان به؟! وفي ((الرافعي)): أن القاضي أبا الطيب قال بتحريمه من الأجنبية.
قال الرافعي: وهذا هو الخلاف الذي سبق في أن صوتها هل هو عورة؟.
فإن كان في السماع منها خوف فتنة، حرم لا محالة، وكذا السماع من صبي يخاف منه الفتنة.
وقال في ((الحاوي)): إن [كان] الغناء من الغلام لم ترد شهادته، وإن كان من جارية: فإن كان من حرة ردت شهادة مستمعها إذا اعتمد السماع، وإن كانت أمة فسماعا أخف، لنقصها في العورة، وهو أغلظ من سماع الغلام، لزيادتها عليه في العورة، فيحمل أن تلحق بالغلام، فلا ترد الشهادة بسماعها، ويجوز أن تلحق بالحرة فترد.
الفرع الثالث: إذا استمع الحداء ونشيد الأعراب، قال الشافعي: فلا بأس به.

قال الأصحاب: ووجهه في الأولى: أنه صوت لا يؤثر في القلب طربًا، فكان كسائر الكلام.
[و] وجهه في الثانية: ما روى الشافعي بسنده عن شريك أنه قال: ((أردفني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: أمعك من شعر أمية شيء؟ فقلت: نعم، فقال: هيه، فأنشدته بيتًا، فقال: هيه، فأنشدته بيتًا، فقال: هيه، فأنشدته بيتًا، فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيتٍ)).
إذا كان يغني إذا اجتمع مع إخوانه، لينشرحوا بصوته، وليس بمنقطع للغناء، ولا يأخذ عليه أجرًا- قال في ((البحر)): نظر: فإن صار مشهورًا به، يدعوه الناس من أجله، فإن كان متظاهرًا به، ومعلنًا [له]، ردت شهادته.
وإن كان مستترًا به، فلا.
قال: وأما أصحاب المكاسب الدنيئة: كالحارس، والحائك، والحجام فقد قيل: تقبل شهادتهم إذا حسنت طريقتهم في الدين، أي: بحيث كانوا يتجنبون النجاسات، ويغسلون ما أصابهم منها، لأن بالناس حاجة إلى ذلك، وهو من فروض الكفايات، فإذا ردت شهادة من يتولاه، كان ذلك طريقًا إلى تركه ولحوق الضرر بعامة الناس، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: ((اختلاف أمتي رحمة))، وفسره الحليمي باختلافهم في الحرف والصنائع، كما حكاه الإمام وغيره عنه عند الكلام في الكفارة.
وقيل: لا تقبل، لأن هذه صنائع دنيئة تذهب معها المروءة.
قال: والأول أصح، لما ذكرناه.
ومنهم من قال: تقبل شهادة الحائك وإن [لم] تقبل شهادة غيره، حكاه العراقيون، واختاره القفال، لأنه ينسج غزلًا، كما يخيط الخياط [ثوبًا] منسوجًا.
قال الإمام: وهو حسن، لكن الناس متفقون على الازدراء بالحاكة.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل