كتاب الشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة:282] ومعناه: فليقر وليه بالحق غير زائد ولا ناقص، وهو العدل، فدلت الآية بمنطوقها على صحة إقرار الولي، وعلى جواز إقرار الرشيد من وجهين:
أحدهما: من طريق دليل الخطاب، لأنه قال: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ...﴾ [البقرة:282] إلى آخرها، فدل على أنه إذا استطاع هو فإنه يملك دون غيره.
والثاني: من طريق فحوى الخطاب، فإن الولي إذا جاز إقراره، فالرشيد أولى بذلك، فإنه يتصرف بما له فيه حظ، وبما لاحظ له فيه، ولا يصح تصرف الولي إلا بما فيه حظ للمولى عليه.
والفرق بين الفحوى وغيره- كما قال الماوردي في كتاب الأقضية-: أن الفحوى ما دل على ما هو أقوى منه، كما ذكرنا.
ولحن القول الذي هو دليل الخطاب: ما دل على مثله.
ومن السنة: ما روي أنه- عليه السلام- قال: ((قُولُوا الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)).
وقال صلّى الله عليه وسلّم: ((واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)).
وروى أنه رجم ماعزًا بإقراره، وكذا الغامدية.
ولأن الإقرار أبعد عن التهمة من الشهادة، ولذلك إن الحاكم يبدأ بالسؤال عن الإقرار قبل الشهادة، فيقول للمدعى عليه: ما تقول؟ فإن أنكر، سأل المدعي، فقال له: ألك بينة؟ وإذا كان أبعد عن التهمة، كان أقوى في الحجة.
قال القاضي أبو الطيب: ويؤيد ذلك: أنه لو شهد شاهدان للمدعي، ثم أقر المدعى عليه، بطلت الشهادة، وكان الحكم للإقرار دونها.
قال
-[رحمه الله تعالى]-
من لم يحجر عليه يجوز إقراره، أي: رجلًا
كان أو امرأة، مسلمًا كان أو كافرًا، عدلًا كان أو فاسقًا، لما ذكرناه، وهذا مما لا نزاع فيه، ولا يدخل في هذا النائم، فإنه محجور عليه كما ذكرناه في الحجر، وهو ممن لم يصح إقراره، كما صرح به أبو الطيب، وكذا السكران بمحرم لا يدخل فيه على رأي تقدم ذكره في كتاب الطلاق دون السكران بمباح، فإنه في حكم المجنون بل خلاف، فلا يدخل جزمًا.
نعم، يدخل فيه المكره، فإنه غير محجوز عليه، ولا يصح إقراره.
فإن قلت: الإكراه مانع من الصحة، والأصل في الموانع العدم، ولهذا لم يشترط بعض الجدليين الاحتراز عنها في الدعوى كما قدمناه ذكره في أول البيع، ويعضده أن المشهور سماع الشهادة على الإقرار من غير اشتراط تعرض الشهود للطواعية.
قلت: فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن المشهور- أيضًا-: عدم اشتراط تعرض الشاهد لذكر البلوغ والعقل، وإن كانا شرطين، وإنما المأخذ أن الظاهر وقوع الشهادة على الإقرار الصحيح، ولذلك استوى المانع والشرط في عدم اشتراط التصريح بذكره، على أن في مجهول الحرية والرق قولًا رواه صاحب التقريب: أنه يشترط في الشهادة عليه التعرض لذكر الحرية، وامتنع بعضهم من تخريجه في سائر الصفات المعتبرة، وبعضهم خرجه فيها.
قال الإمام: والقياس التسوية والمذهب الاكتفاء بالإطلاق، نعم للقاضي أن يسأله عن الصفات المعتبرة، فإن امتنع، قال القاضي: إن كان امتناعه لا يورث القاضي ريبة، أمضى شهادته، وإن ارتاب توقف.
وظاهر هذا- كما قال الإمام-: أن الشاهد لا يلزمه أن يفصل وإن استفصله القاضي إذا علم القاضي أنه لا يشهد إلا على بصيرة، كما لا يلزمه أن يذكر مكان الإقرار وزمانه بلا خلاف.
وقيل: يجب عليه أن يفصل إذا استفصل، والفرق بين ذلك وبين [الزمان والمكان].
أن الجهل بالمكان والزمان لا يقدح في الشهادة، والجهل بالشرائط يقدح، وقد ذكرت في باب صفة القضاء شيئًا يتعلق بذلك.
الثاني: أن السفه، والرق، والفلس، وكذا المرض- على أحد القولين في الإقرار للوارث- موانع أيضًا، وقد بين الشيخ حكمها، لكن قد يقال في الجواب: إن المتصف بمانع مما ذكرناه غير الإكراه من إقراره ما يصح، ومنه ما لا يصح، كما سيأتي، وللاجتهاد فيه مجال، فهو مما يغمض الكلام فيه، [فلذلك احتاج إلى بيان حكمه، وإقرار المكره باطل مطلقًا، مدرك ببداهة العقول]، فلذلك أغفله.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أن البالغ السفيه إذا لم يتصل به حجر وال: أنه يجوز إقراره، وهو ما صرح به الماوردي، وقال: إنه لا فرق في قبول إقراره بين المال والبدن جميعًا، وأنه في الإقرار كالرشيد، وهذا ما حكيناه في باب الحجر وجهًا عن رواية الشيخ أبي علي وغيره عن بعض الأصحاب في صحة تصرفات المهمل.
فإن قلت: هو الذي يقتضيه كلام القاضي أبي الطيب وابن الصباغ، وغيرها- أيضًا- حيث قالوا: لا فرق بين أن يكون المقر عدلًا أو فاسقًا، إذا لم يكن محجورًا عليه حتى قال أبو الطيب: إنه لا خلاف فيه.
قلت: يجوز أن يحمل كلامهم على من طرأ عليه الفسق، ولم يتصل به حجر، فإنه لا خلاف عندهم في عدم الحجر بنفسه كما تقدم.
قال: ومن حجر [عليه]، لصغر أو جنون، لا يصح إقراره، للخبر المشهور، وبه استدل أبو الطيب على عدم صحة إقرار النائم- أيضًا- لأن رفع القلم يقتضي ألا يكون لكلامهم حكم.
وفي ((تعليق)) القاضي الحسين وغيره: أنه يصح إقرار الصبي المميز بالتدبير والوصية، إذا قلنا بصحتهما منها، ولم يورد المحاملي في الباب غيره.
وقضية ذلك: أن يطرد في إقراره بالإسلام إذا صححناه منه- أيضًا- وهو مقتضى ما ذكروه من القاعدة- أيضًا-[في] أن من قدر على إنشاء شيء، قدر على الإقرار به، ومن لا فلا، وقد ذكرنا ما لعله يستثنى من ذلك في كتاب النكاح.
قال ابن يونس: واعلم أنه قد استثنى مع ذلك أيضًا ما إذا أقر بالبلوغ بالاحتلام
في مدة الإمكان، فإنه يقبل إقراره من غير يمين، وهذا أخذه- واله أعلم- من قوله في ((الوسيط)): أما الصبا والجنون فيقتضيان حجرًا مطلقًا عن سائر الأقارير.
نعم: لو أقر الصبي بالتدبير والوصية قبل، إن جعلناه من أهلهما، ولو قال: بالاحتلام صدق، فإنه يفهم أن الأمرين مستدركان مما ذكرناه، ولولا ما في ((الوجيز)) لأمكن أن يجعل قوله: ((ولو قال بلغت بالاحتلام)) كلامًا مستأنفًا، لا مستدركًا، لكنه في ((الوجيز)) لم يستدرك بـ ((نعم)) إلا قبول قوله في البلوغ، وقد استدرك ((الرافعي)) عليه ذلك، فقال: المفهوم من الإقرار الإخبار عن ثبوت حق عليه للغير، ونفس البلوغ ليس كذلك، ولهذا يطالب مدعى البلوغ بالبينة، والمقر لا [يكلف بالبينة]، ولا اليمين.
نعم من قال: أنا بالغ، فقد اعترف بثبوت الحقوق المنوطة بالبلوغ، فهو من هذا الوجه يكون متضمنًا الإقرار، لا أن نفسه إقرار، وبتقدير كونه إقرارًا فليس ذلك بإقرار صبي، لأنه إذا قال: أنا بالغ، يحكم ببلوغه سابقًا على قوله، فلا يكون إقراره إقرار صبي حتى يحتاج إلى الاستدراك.
قال: فإن أقر، ثم ادعى أنه غير بالغ- أي: في محل الإمكان- فالقول قوله، لأن الأصل عدم البلوغ.
قال: من غير يمين، لأن حلفه يثبت صباه، وإذا ثبت كونه صبيًا، لم يصح يمينه، فكان في تحليفه إبطال تحليفه، فلم يحلف.
قال: وعلى المدعي البينة- أي: إذا أراد إثبات ذلك- لأنه ادعى ما يمكن إقامة البينة عليه، والأصل عدمه، فكان عليه إقامة البينة، كما لو ادعى عليه مالًا.
وتشهد البينة- كما قال أبو الطيب- باستكمال خمسة عشر سنة، أو بمشاهدة الإنزال، أو على إقراره بالبلوغ.
قلت: أو على الإنبات، إن جعلناه بلوغًا في حقه.
نعم: لو ادعى أنه استعجل ذلك بالمعالجة، فقد قال ابن الصباغ وغيره في باب النكول ورد اليمين: إن من سبي من أولاد الكفار، وكان قد أنبت، فادعى أنه تداوى لذلك، وأنه غير بالغ- فالقول قوله معي يمينه.
وقال القاضي في ((الفتاوى)): إنه أحد قولي الشافعي، ويشبه أن يكون هنا كذلك، ويكون تحليفه لوجود ما دل على بلوغه.
وقد حكى القاضي في ((الفتاوى)) فيما إذا ادعى مالًا من جهة صبي، فقال المدعى عليه: من يدعي من جهته بالغ، فقال القيم: احلف أنك لا تعلم أنه صغير، فلم يحلف- أن الولي لا يحلف، وهل يحلف الصبي، فيقول: والله إني صغير؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الأسير.
ولو انتهى من أنكر كونه بالغًا بعد إقراره إلى حالة يتحقق بلوغه فيها، ورام خصمه تحليفه على أنه كان حين الإقرار صبيًا، فهل له ذلك؟ الذي يظهر إلحاقه بمن ادعى البلوغ بالاحتلام، فإنه لا يحلف على المشهور وإن كان في خصومة كما تقدم في باب الحجر.
وإذا انتهى إلى حالة يتحقق بلوغه فيها لا يحلف أيضًا: إنه كان بالغًا حينئذ على الظاهر، كما قاله الإمام، لأنا إذا حكمنا بموجب قوله فقد أنهينا الخصومة، فلا نعود إلى التحليف، وبهذا التعليل يحصل لك الفرق بين هذا وبين ما إذا حضر شخص الصف ثم ادعى وقت القسمة: أنه كان بالغًا وقت الحضور، وأنه يستحق السهم، فإنه يحلف ويستحق السهم، كما قاله ابن الصباغ وغيره في باب النكول ورد اليمين.
فإن قلت: قد حكى ابن الصباغ في كتاب الإقرار: أنه إذا أقر صبي بالبلوغ في سن يحتمله، فالقول قوله من غير يمين، لأنه لا يتعلق بذلك حق على غيره.
وإن باع فادعى المشتري أنه صغير، وأن البيع فاسد، فينبغي ألا يحلف، لأن المدعي مقر بأن اليمين لا تستحق عليه لصغره.
[و] إن ادعى ذلك [بعد بلوغه: أنه كان في حال البيع صغيرًا، حلف، وهذا ينبغي أن يجيء مثله هنا، بخلاف ما ذكرت.
قلت: هذا محمول على ما لم يكن قد ادعى ذلك] في حالة الشك في بلوغه، فأني أسلم مثله هنا، لفقد العلة التي أشار إليها الإمام، وقد صرح الإمام بذلك في مسالة الإقرار، وحكى في كتاب اللعان شيئًا يمس بما نحن فيه، فلنذكره، وهو أن من ادعى أنه صبي، وقبل قوله، لو عاد وادعى أنه بالغ، وأنه
كذب فيما مضى- قبل قوله أيضًا.
وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه لا يقبل ذلك منه.
ووجه القبول: أن يدعي أنه بلغ بعد هذا.
فرع: من عرف حال جنون وإفاقة، ثم ادعى أن الإقرار [منه] كان في حال جنونه، وقال المفر له: بل في حال إفاقته، فمن المقبول قوله منهما؟ فيه وجهان في ((الحاوي))، وقد حكى الغزالي مثلهما قبل كتاب الصداق فيما إذا زوج الشخص أمته، ثم قال زوجتها، وكنت صغيرًا أو مجنونًا، وقد عهد له حالة جنون:
أحدهما: أن القول قوله، لأن الأصل بقاء تلك الحالة.
والثاني: لا، لأنه اعترف بالعقد، فيحمل على الصحة، فعليه بينة الإبطال.
وقد نسب ((الرافعي)) الوجهين في مسألة النكاح إلى تخريج أبي زيد، وأن الشيخ أبا علي صحح الثاني، وكذلك غيره، وهو قضية كلام الإمام، لأنه رأى بناءهما على أن النكاح المعترف به مطلقًا يحمل على الصحيح، أم يتناول الصحيح والفاسد؟ وقضية هذا البناء أن يجزم من مسألة الإقرار بألا يقبل قوله، لأن مطلق الإقرار محمول على الصحيح، كما صرح به الإمام.
وقد جزم الإمام و ((الرافعي)) في مسألة الإقرار بالقبول، كما جزموا به في الصبي.
ولو ادعى المقر أنه كان مكرهًا على الإقرار، فإن أقام بينة بالإكراه مفصلة لا مطلقة، قبلت، وحكم ببطلان الإقرار، وإن كان كانت بينة الإقرار قد شهدت بالطواعية، لكن لماذا كان ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لأنها اشتملت على زيادة علم.
والثاني: لأن بينة الطواعية عارضتها بينة الإكراه، فتقابلا وبقي الطوع مشكلًا، وإذا ارتبنا في اختلال شرط لم نقص بالشهادة.
قال الإمام: إنما يتصور ذلك إذا اشتملت الشهادة على الإقرار والشهادة على الإخبار على تاريخ واحد.
وإن لم تقم بينة بنفس الإكراه، بل أقامها على أمارة تدل عليه من حبس أو
برسم أو قيد من جهة المقر له لا من جهة غره- ترجح بها جانب المقر في دعواه، وكان القول قوله في الإكراه مع يمينه إن لم تكن بينة الإقرار قد شهدت بالطواعية، أما إذا شهدت بها، قال الإمام: فلا تعارضها الأمارات، لأنها أبدًا مقامة على ضد الأمارات الظاهرة، ولذلك تقع في جنبة المدعي، والظاهر مع المدعى عليه.
وإن فقد ذلك، ووقعت الشهادة بالإقرار مطلقة، فالقول قول المقر [له] مع اليمين، لأن الأصل عدم الإكراه.
وفي ((الحاوي)): أن الشيخ أبا حامد قال: القول قول المقر، وليس بصحيح.
قال: ومن حجر عليه لسفه، [لا يجوز] إقراره بالمال، لأن قبوله يسقط معنى الحجر، وإتباعه به يبطل تأثيره في حفظ ماله.
وقيل: إنه يقبل إذا أسنده إلى إتلاف، أو جناية توجبه، لأنه يقدر على إنشاء ذلك وإن كان محرمًا، كذا حكاه الإمام عن رواية العراقيين في كتاب القسامة قبل باب ما ينبغي للحاكم أن يعلمه، والصحيح الأول، وعليه فرعان:
[أحدهما:] إذا أسند السبب إلى ما قبل الحجر عليه، فالمذهب عدم القبول- أيضًا- وفيه وجه أنه يقبل مخرج من قبول إقرار المفلس بدين أسنده إلى ما قبل الحجر، حتى يضارب المقر له الغرماء بدينه.
الثاني: إذا انفك [الحجر عنه]، هل يطالب به؟ الذي أطلقه الأكثرون: أنه لا يطالب، لما ذكرناه من العلة الثانية، ويجب عليه فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان عن إتلاف، أو جناية وفاة.
وقال أبو الطيب في كتاب القسامة: المذهب أنه لا يطالب به، كما لو أسند ذلك إلى معاملة.
وقال أبو إسحاق: إنه يطالب به، لأن الغرم ثبت بغير رضا من له الحق، بخلاف ثمن المبيع ونحوه إذا أقر به، وفك الحجر عنه، فإنه لا يطالب به، للزومه برضا من له الحق، فهو المسلط على الإتلاف.
قال: وهذا ليس بشيء، ولم يذكر الماوردي غيره، وقال: إن الإتلاف لو اقتضى إثبات الدين مؤجلًا، لكونه قتل خطأ، فهل يثبت ابتداء الأجل من وقت الإقرار، أو من وقت فك الحجر؟ فيه وجهان، وإن القياس أن يقال: من وقت الفعل، أو من وقت فك الحجر.
[و] قال الإمام: إن ما قاله أبو إسحاق ركيك، لأنه لو كان يؤاخذ به إذا رشد، لكان يؤاخذ به في سفهه، وقد حكيت عنه في باب الحجر مثل ذلك فيما إذا اشترى شيئًا، وأتلفه، فليطلب من ثم.
قال: ويجوز في الطلاق، والحد، والقصاص، لأنه قادر على إنشاء الطلاق، وغير متهم في الإقرار بالحد، والقصاص، لأن الإنسان مجبول على صيانة نفسه عما يؤلمها ويؤذيها مع أنه قادر على إنشاء ذلك حسًا وإن كان ممنوعًا [منه] شرعًا.
نعم، لو عاف مستحق القصاص عنه على مال، قال القاضي أبو الطيب في كتاب القسامة: أخذت الدية من مال.
وقال ((الرافعي)): الصحيح ثبوت المال، لأنه يتعلق باختيار الغير، لا بإقراره، وهذا يفهم جريان خلاف في المسألة، ويشبه أن يكون مادته ما سنذكره [فيما إذا أقر العبد بما يوجب القصاص فعفى عنه على مال كما سنذكره] ويؤيده أن الأصحاب قالوا فيما إذا أقر بسرقة مال: [إنه] يقبل في القطع، وفي المال قولان، كالعبد، حكاه ابن الصباغ وغيره، وهكذا قال الإمام وغيره: إذا قلنا: لا يقبل إقراره بدين الإتلاف، فإن قبلناه فهاهنا أولى، وسنذكر عن الإمام احتمالًا في منع القطع إذا لم يقبل قوله في المال، وقد رأيت في نسخة من ((التهذيب)) إلحاق إقرار السفيه بالنكاح بإقراره بالطلاق.
وفي ((تعليق)) القاضي الحسين: أنه لا يقبل إقراره بالنكاح، وهو الذي أبداه الإمام، والغزالي، لأنه يتضمن ثبوت مؤن مالية لا ينفك عنها، وهو لا يقدر على الاستقلال به، فكذلك لا يقدر على الإقرار به.
نعم: لو فرض الكلام في السفيهة قبل إقرارها، قال الإمام: لأن المرأة ليست محجورًا عليها في النكاح إذا كانت ثيبًا بالغة، أو بكرًا بالغة في حق غير الأب والجد، والمرأة الرشيدة لا تستقل بنكاح نفسها، ثم إقرارها بنكاحها مقبول على المذهب الظاهر، والسفيهة في معنى الرشيدة، وفي هذه احتمال ضعيف عندنا، وسببه ضعف قولها، وتطرق التهمة إليها من جهة خبل عقلها، سيما فيما يتعلق بالشهوات.
قال: ومن حجر عليه، لفلس، يجوز إقراره بالحد والقصاص، لأن ذلك يتعلق ببدنه، والحجر لا يشمله.
ولأنه غير متهم فيه.
نعم، لو كان ما أقر به سرقة بعد الحجر، قال الإمام: فإن قلنا: ما يتجدد من إتلافه، ويقام عليه بينة لا يضارب به، فهاهنا أولى، وإلا فقولان مرتبان على إقراره بإتلاف المال، وهاهنا أولى بالقبول، وقد تقدم أن مذهب العراقيين: أن الجناية، والإتلاف من المفلس بعد الحجر يضارب بها الغرماء، وأن المذهب عند المراوزة: عدم المضاربة.
ولو عفا مستحق القصاص عنه على مال، فقد قال القاضي أبو الطيب وغيره في كتاب القسامة: إن حكمه حكم السفيه إذا أقر بالقصاص وعفى عنه على مال، حرفا بحرف.
وقد حكيت في باب التفليس عن البغوى: [أنه] كما لو أقر بدين جناية، وعن غيره القطع بالقبول، وهو موافق لقول القاضي هنا: إنه يثبت المال، ويضارب الولي به، وذكرت ثم احتمالًا، فليطلب [منه].
قال: وفي المال قولان، أي: إذا أسنده إلى ما قبل الحجر:
أحدهما: يجوز، أي: ويضارب المقر له به مع الغرماء في الدين، وتسلم له العين.
والثاني: لا يجوز في الحال.
القولان في هذه الحالة منصوصان كما ذكرنا في باب التفليس في ((المختصر))، وتوجيه الأول- وهو الأصح، ومختار الشافعي، كما قال أبو الطيب، وابن الصباغ، وغيرهما ثم- القياس على ما لو ثبت ذلك بالبينة، أو أقر المريض بدين، فإن المقر له يزاحم غرماء الصحة، كما سنذكرهم.
ووجه الثاني: أن حق الغرماء تعلق بما له من المال، وفي مشاركتهم [لهم] إضرار بهم.
وأيضًا: فإنه قد يتواطأ المفلس مع المقر له، ثم يسترد منه ما يأخذه.
وقد قال في ((الحاوي)) هاهنا: إن القولين ينبنيان على اختلاف قوليه في أن حجر المفلس يجري مجرى حجر المرض، أو حجر السفه؟ فإن أجريناه مجرى حجر المرض، جاز إقراره في الحال، وشارك الغرماء، وإلا فلا يشارك، ويؤخذ به بعد فك الحجر عنه، وإلى هذه الزيادة أشار الشيخ بقوله: ((في الحال))، لكن قياس إلحاقه بالسفيه أن يكون في مطالبته بعد فك الحجر عنه الخلاف السابق في مطالبة السفيه بعد الرشد، وقد حكيت في باب التفليس عن رواية الإمام والقاضي الحسين قولين فيما إذا أقر بعين، ثم فضلت بعد فك الحجر، هل تسلم للمقر [له] أم لا؟ وقلت: إن القياس طرد ذلك في الدين أيضًا، وقد أشار إليه في ((الوسيط)) أيضًا هاهنا، أخذا من قول الإمام هناك: إن الأئمة حكوا قولين في صحة بيع المفلس عينًا من أمواله موقوفًا على التبين في الجديد، فإن كنا نرى توقف بيع المفلس، فإقراره أولى بقبول الوقف.
وإن رددنا إنشاء تصرفه ففي إقراره تردد حينئذ، والأظهر في القياس ألا نرده، بل نقفه، فإن الإقرار ليس إنشاء تصرف، وإنما هو إخبار، والمفلس من أهل الإخبار، فإن رددنا قوله في الحال، لحقوق الغرماء، فإذا زالت، فلا يبعد أن يؤاخذ المقر الآن بموجب إقراره، وهذا واضح ورد إقراره عند تقدير زوال حقوق
الغرماء مشكل في القياس جدًا.
أما إذا أسند الإقرار إلى سبب حادث بعد الحجر، فقد تقدم أنه إن أسنده إلى معاملة، فلا مضاربة.
وإن أسنده إلى إتلاف أو جناية، فأصح الطريقين: أنه كما [لو] أسند ذلك إلى ما قبل الحجر.
والثاني: أنه كما [لو] أسنده لمعاملة، وبه جزم الماوردي.
ولو أطلق الإقرار بالدين، ولم يسنده، قال ((الرافعي)): فقياس المذهب التنزيل على الأول، وجعله كما [لو] أسنده إلى ما بعد الحجر.
قلت: وقضية التنزيل على الأول: أن يجعل السبب معاملة، وحينئذ فلا يحكم له بالمضاربة.
وقد يفهم من كلام القاضي أبي الطيب وغيره حكاية القولين المذكورين في الكتاب في هذه الحالة، ولم أره، بل ابن الصباغ لم أطلق هاهنا حكاية القولين، قال: وقد ذكرناهما في كتاب التفليس، والذي ذكره ثم ما بيناه من قبل، ولذلك اتجه اعتراض ((الرافعي)) على الغزالي، فإنه قال- تبعًا لإمامه-: وقد خرج في الإقرار المرسل قوله: أنه يقبل في الحال، ويضارب الغرماء من أحد قوليه في
القديم فيما إذا أقر بعين: أنه يقبل.
قال ((الرافعي)): والقولان في هذه الحالة منصوصان في ((المختصر))، ومعلوم أن النص مغن [عن] التخريج، والله أعلم.
قال: ومن حجر عليه، لرق يجوز إقراره بالحد والقصاص والطلاق، لما ذكرناه.
وعن المزني: أنه لا يقبل إقراره بالحد والقصاص إذا كذبه السيد، لما في استيفاء ذلك من الإضراب بالسيد.
قال الإمام في كتاب السرقة: وكنت أود لو كان مذهب المزني في عدم قبول إقراره بالقطع في السرقة قولًا بالقطع في السرقة قولًا مخرجًا، ولكن لم يشر إليه أحد من الأصحاب، وتمسكوا في تقرير المذهب- كما قال الماوردي- بعموم قوله- عليه السلام-: ((فَإِنَّهُ مَنْ بُيْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ حَدَّ اللهِ)).
وبأن عليا- كرم الله وجهه- قطع عبدًا بإقراره، ولم ينكره أحد.
وبالقياس على قتله في الردة.
قال: وإن أقر بمال، اتبع به إذا عتق، أي: وأيسر، ولا يتعلق برقبته، ولا بكسبه، ولا بما يملكه في حال رقه بتمليك السيد إذا رأيناه، كما قال الماوردي، لأن الحجر عليه لحق السيد، فعمل بموجبه في متعلق حقه، وهو الرقبة، والكسب، والمال الذي في يده حالة رقه، واتبع به [بعد العتق واليسار]، إذ لا حق للسيد في ماله إذ ذاك.
فإن قلت: قد تقدم في صحة ضمان العبد بغير إذن سيده خلاف، وإن كان من صححه لا يلزمه الوفاء إلا بعد العتق، ولا حق للسيد إذا ذاك في ماله.
قلت: قد حكى ابن يونس وجهًا هاهنا: أنه لا يلزمك الوفاء بعد العتق أيضًا، فاندفع السؤال.
فإن قلت: هذا الوجه لم نره هكذا على الإطلاق في غيره، ولعله مفروض فيما إذا أقر بجناية الخطأ، بناء على وجه ذكرناه في باب العاقلة عن القياسين: أنه إذا أقر بها، وكذبه السيد، لا يطالب بالأرش بعد العتق، بناء على أن الأرش في حال
التصديق لا يتعلق بذمة العبد، وإن كان [كما] نقله على الإطلاق فالصحيح خلافه، والصحيح في مسألة الضمان المنع، وهذا يكفي في السؤال.
قلت: الفرق: أن للعبد عن الضمان غنية، وليس له عن الإقرار بما في ذمته غنية، فلذلك صححناه، والله أعلم.
ثم على المشهور: ما الذي يطالب به العبد بعد العتق؟ ينظر:
فإن كان على ما أقر به عن جناية، فقد تقدم ذكره في باب العاقلة.
وإن كان عن مبيع، قال القاضي الحسين: فهو قيمته.
ومن أصحابنا من قال: يتبع بالثمن.
والمذهب الأول.
وهذا كله إذا كان العبد غير مأذون له في التجارة، فإن كان فإقراره بديون المعاملة مقبول فيما في يده قبل العزل، سواء صدقه السيد، أو كذبه، لأنه مسلط عليها بالإذن، فإن فضل عما في يده شيء اتبع به بعد العتق، وهل يتعلق بإكسابه المتجددة قبل العتق؟ فيه خلاف سبق في بابه.
وإقراره بما في يده من الأعيان بأنها مقبوضة على جهة السوم، أو بعقده، وقد فسخه بعيب، أو إقالة أو خيار- مقبول أيضًا.
وإقراره بالإتلاف، والخطأ كإقرار غير المأذون، لأن الإذن لا يسلطه على ذلك.
ولو أطلق الإقرار بالدين، ولم يبين جهته، فهل ينزل على دين المعاملة، لأنه الغالب، أو لا، لاحتمال أنه أراد دين إتلاف، فيه وجهان:
الذي في ((الإبانة)): الأول.
وأظهرهما عند الغزالي و ((الرافعي)) الثاني.
ويشبه أن يكون أصل الخلاف ما إذا أقر لحمل بمال، ولم يبين سببه، هل يصح أو لا يصح؟ تنزيلًا للإقرار على السبب الغالب، وهي المعاملة المتعذرة من الحمل.
ولو حجر السيد عليه، فأقر بدين معاملة، وأسنده إلى حالة الإذن، ففي ((تعليق)) القاضي أبي الطيب عند الكلام في الإقرار في المرض حكاية قولين فيه كالقولين في إسناد المفلس الإقرار بالدين إلى ما قبل الحجر.
وفي ((الرافعي)) حكايتهما وجهين مخرجين من القولين في المفلس، وقال: إن الأظهر هاهنا المنع، لعجزه عن الإنشاء، وتمكن التهمة.
ومقابله ينسب إلى رواية الشيخ أبي محمد.
قال: وإن أقر بسرقة مال في يده قطع- أي: يوجب القطع- لما سبق، وفيه خلاف المزني.
وفي المال قولان:
أحدهما: يسلم [إليه]، أي: إلى المقر له، لأنه أقر بمال في ضمن إقراره بعقوبة فقبل منه، كما أو أقر بجناية عمد، فعفا الولي عنه على مال، فإنه يجب، ويتعلق برقبته.
والثاني: لا يسلم، لأن يد العبد كيد المولى، بدليل أن شخصًا لو ادعى ما في يد العبد، كان القول قول السيد، ولو كان المال الذي أقر العبد بسرقته في يد السيد، لم يسلم للمقر له، بلا خلاف، كما حكاه الإمام وغيره، فكذلك هاهنا، وهذا أصح في ((الرافعي))، واختاره في ((المرشد)).
قال الأصحاب: ويخالف الإقرار بالقصاص [لأنه إقرار] بالعقوبة، وإنما يصير مالًا بعفو الولي واختياره، وهاهنا إقراره بالمال، ألا ترى أنه لو أقام المسروق منه شاهدًأ وامرأتين، ثبت المال دون القطع، ولو أقامهم على القتل الموجب للقصاص، لم يثبت قود ولا دية، وهذه طريقة ابن سريج، كما حكاها ابن الصباغ في باب مداينة العبيد.
وما ذكر من الفرق بين مسألة الإقرار بالقصاص [والإقرار بالسرقة يقتضي تسليم الحكم في مسألة الإقرار بالقصاص].
وفي ((الشامل)) في باب العبد المأذون أن أبا علي قال في ((الإفصاح)): إنا إذا قلنا: الواجب في العمد أحد الأمرين فإذا اختار الولي المال، ففي ثبوته وجهان، بناء على القولين في المسروق.
ومفهوم هذا: أنا إذا قلنا: [إن] الواجب القود، يجب المال بلا خلاف.
وفي ((الإبانة)) عكس هذا، فقال: إن قلنا: الواجب أحد الأمرين، فلا يثبت المال
بالعفو، وإن قلنا: الواجب القود عينا، فقولان.
وقال الإمام هنا: إن الولي إذا عفا على مال- إن قلنا: إن الواجب أحد الأمرين- ترتب على ثبوت المال في الإقرار بالسرقة، والدية أولى بالثبوت، لأنها تثبت ضمن القتل، وضمان المال في السرقة ممتاز في الحقيقة عن موجب القطع، فإن سبب الضمان يثبت، والساق بعد في الحرز.
وإن قلنا: الواجب القود عينا، ففي ثبوت المال خلاف، وهو على هذا القول أولى بالثبوت منه على القول الأول، فإن المال على الأول موجب الإقرار، وعلى الثاني موجب الإقرار العقوبة، وهذه الطريقة توافق ما في ((التهذيب))، فإنه حكى في ثبت المال وجهين مطلقًا، وأن أصحهما الثبوت، وتعلقه بالرقبة.
قال: وإن أتلف المال، بيع منه بقدر المال في أحد القولين، ولا يباع في الآخر.
القولان في هذه الصورة أصلهما القولان في الصورة السابقة، فإن قلنا ثم: يسلم [المال]، فقد ألحقناه بحالة تصديق السيد، ولو صدقه السيد على السرقة، لرد المال عند بقائه، وتعلق بدله برقبته عند تلفه.
وإن قلنا ثم: لا يسلم، فقد ألحقناه بما لو أقر بمال في يده لغير سيده، لا على وجه السرقة، ولو تلف المال في مثل هذه الصورة، لم يتعلق برقبته، بل بذمته، فكذلك هاهنا، وهذا ما صححه ((الرافعي))، واختاره في ((المرشد))، وهذه طريقة أبي علي بن أبي هريرة، ولم يحك ابن الصبغ في باب العبد المأذون سواها، وقال: إنه لو رجع عن إقراره، سقط القطع، وتعلق المسروق بذمته قولًا واحدًا، لأن التهمة تلحقه الآن، ووراء ذلك طرق:
إحداها- عن أبي إسحاق-: أن المال إذا كان تالفًا لا يباع منه شيء قولًا واحدًا، لأن الرقبة في يد السيد، فأشبه المال المضاف إلى يده.
وإن كان باقيًا، كان في تسليمه القولان.
والثانية- حكاها القاضي الحسين- عوض هذه، وهي إن كان المال تالفًا، بيع منه بقدره قولًا واحدًا، وإن كان باقيًا، ففي تسليمه القولان.
والفرق: أنه إذا كان تالفًا فغاية الأمر تفويت رقبته في الضمان، والأعيان التي تفوت لو قبل إقراره بسرقتها لا تنحصر، فالضرر فيها أعظم.
والثالثة- عن الشيخ أبي حامد، وجمهور البصريين-: أن المال إن كان تالفًا، ففي تعلق بدله برقبة العبد القولان، وإن كان باقيًا لم يسلم وجهًا واحدًا، لما ذكرناه.
وفي ((المهذب)) نسبة هذه الطريقة للقاضي أبي حامد.
والرابعة- حكاها القاضي الحسين أيضًا، وغيره من الرواة-: إجراء الخلاف في الصورتين، لكن بالترتيب: فإن قلنا: يتعلق برقبته عند تلفه، فيسلم عند البقاء من طريق الأولى، وإلا فقولان، والفرق ما بيناه.
والخامسة- حكاها الماوردي هنا: أنا إن لم نقبل إقراره [في المستهلك] فأولى ألا نقبله في الباقي، وإن قبلنا إقراره في المستهلك، ففي قبوله في العين التي في يده وجهان.
وإذا اختصرت ذلك، قلت: في المسألة أربعة أقوال، كما حكاها الإمام ومن تبعه في كتاب السرقة:
القبول في حالة البقاء، والتعلق بالرقبة عند التلف.
عدم القبول في حالة البقاء، وتعلق الغرم عند التلف بذمته، دون رقبته.
القبول في حالة البقاء، وعدم التعلق بالرقبة عند التلف.
عكسه.
أما إذا أقر بسرقة ما لا قطع فيه، لم يقبل إقراره في تسليمه، ولا في تعلقه برقبته عند تلفه قولًا واحدًا، صرح به الإمام، وابن الصباغ، وغيرهما، بل يتعلق بذمته، كجناية الخطأ، ووراء ما ذكرناه أمران:
أحدهما: قال الإمام هاهنا: إنا إذا قبلنا الإقرار بالمال من العبد والسفيه، فلا شك في وجوب القطع.
وإن لم نقبل الإقرار بالمال، فقد أطلق الأصحاب وجوب القطع، [وليس الأمر كذلك عندي، بل يظهر ذكر خلاف في وجوب القطع] إذا فرعنا على رد الإقرار في المال، فإن السرقة لا تستقل بنفسها دون ارتباطها بالمال، فلابد من
تخريج وجوب القطع على خلاف ظاهر في أن الحر المطلق إذا أقر بسرقة نصاب من مال زيد، فهل يجوز قطع يده قبل مراجعة زيد، وفيه خلاف، ولعل الأظهر أنه لا قطع.
الثاني: قال [القاضي] الحسين في كتاب السرقة: إذا قبلنا إقرار العبد بما في يده، ففي معنى قبوله وجهان:
أحدهما: رد العين إلى المقر له بالغة ما بلغت، حملًا على أنه غير متهم.
والثاني: تعلق قيمة العين برقبته، والعين للسيد، لما ذكرناه من علة القول الآخر.
قال الإمام: وليس هذا بإضرار عظيم، فإن القول الأصح: أن العبد يفدى بأقل الأمرين، وأقصى ما يقر به لا يجاوز قيمته، فيكون للكلاخم توقف ينتهي إليه.
وإذا قلنا: السيد يفدي عبده بالأمر اللازم، بالغًا ما بلغ، فله مكنة أن يسلم العبد، والعبد يمكنه أن يفوت رقبته على مولاه بأن يقر بجناية توجب إهلاكه.
ثم قال بعد هذا: ولا يبعد إذا قبلنا إقرار العبد بالعين التي في يده، أن نقبل إقراره بما يضيفه إلى ما في يد مولاه، والله أعلم.
فرع: المدبر وأم الولد فيما ذكرناه كالقنن، والمكاتب يقبل إقراره في البدن، والمال كالحر ويؤديه مما في يده، ولا يعتبر فيه تصديق السيد.
نعم، إذا عجزه السيد، ولا مال معه [فديون معاملاته] يؤديها بعد عتقه، وغرم جناياته في رقبته يؤديذى من ثمنه قاله الماوردي.
ومن بعضه حر، وبعضه رقيق كالمملوك في البعض الرقيق، وكالحر في البعض الحر، قاله المارودي أيضًا.
قال: ولا يجوز إقرار المولى عليه بما يوجب الحد والقصاص، لأنه لا حق للسيد إلا في المال فقط، لا في الروح والبدن، وهذا يتعلق بهما.
قال في ((المهذب)) - وتبعه في ((المرشد)) ولهذا لو جنى عليه جناية توجب القصاص أو الحد، استقل هو بالاستيفاء والعفو دون [إذن] السيد، وهذا فيه منازعة تقدمت حكايتها في باب العفو والقصاص.
قال: ويجوز إقراره عليه بجناية الخطأ، أي: بالنسبة إلى التعلق بالرقبة لأنها ماله، فقبل إقراره فيه.
أما بالنسبة إلى التعلق بالذمة إن رأيناه فلا، وهكذا الحكم فيما إذا أقر عليه [السيد] بدين معاملة أذن فيها.
قال: ومن حجر عليه لمرض، يجوز إقراره بالحد والقصاص، أن الحجر على المريض لحق الورثة، فاختص بما يثبت لهم بعد الموت، ولا حق لهم في نفسه وبدنه، ولهذا لو أقرت المرأة بالنكاح قبل، ولم يحسب ما نقص من مهر مثلها من الثلث، لأن البضع لا يسلم لهم بعد الموت.
قال: ويجوز إقراره بالمال للأجنبي، قال الغزالي وغيره: للإجماع.
وفيه نظر، لأن للشافعي قولًا حكاه الإمام متصلًا بباب الأوصياء: أنه يعتبر ما أقر به من الثلث، والمشهور خلافه، وعليه نقول: لو أقر لشخص في الصحة ولآخر في المرض، ومات، كانا سواء عندنا، حتى تقسم التركة عند ضيقها عن الوفاء عليهما على نسبة الدينين.
وفي ((الزوائد)): أن الشيخ أبا زيد حكى عن بعض أصحابنا: أن في إقراره في المرض بعد تقدم الإقرار في الصحة قولان، كما في إقرار المفلس بعد الحجر.
والمعروف في المذهب الأول.
نعم، لو أقر في [صحته، أو مرضه] لشخص، ثم مات، فأقر وارثه [بدين لآخر]- فوجهان:
أصحهما في ((التهذيب)): أنهما سواء- أيضًا- كما لو أقر لهما الوارث، وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن الأ كثرين.
والثاني: ويعزي عن القفال، واختيار بعضهم-: أن من أقر له الميت مقدم، لأن بالموت تعلق حقه بالتركة، فليس للوارث صرفها عنه.
والوجهان جاريان فيما لو ثبت على الميت دين بالبينة، ثم أقر الوارث للآخر بدين، أو أقر الوارث لشخص بدين، ثم لآخر بدين آخر.
والمعظم- كما قال الإمام- في الأخيرة على التسوية.
قال ((الرافعي)): وهما مبنيان على القولين في أن المحجور عليه بالفلس إذا أقر بدين أسنده إلى ما قبل الحجر، [هل] يقبل إقراره في زحمة الغرماء؟ لأن التركة كمال المحجور عليه، من حيث إن الورثة ممنوعون عن التصرف فيها؟ وهذا ما أبداه الإمام احتمالًا لنفسه، وهو في ((تعليق)) القاضي الحسين أيضًا، ويوافقه قول المتولي: إنه لو ثبت على شخص دين في حياته، أو بعد موته، ثم تردت بهيمة لآخر في بئر كان قد احتفرها في محل عدوان، هل يزاحم صاحب البهيمة رب الدين القديم أم لا؟ حكمه ما سبق فيما إذا جنى المفلس بعد الحجر عليه، وقد قدمت ما فيه.
و [قد] صرح الإمام بالخلاف هنا.
ولو أقر في مرضه [لشخص بدين] ولآخر بعين، ولا مال له غيرها، فوجهان: أصحهما: أن العين تسلم للمقر له [بها] كما لو تقدم الإقرار له بها على الإقرار بالدين.
والثاني: أنهما يتزاحمان، لأن لأحد الإقرارين قوة السبق، وللآخر قوة الإضافة إلى العين، فاستويا، والله أعلم.
قال: وفي إقراره بالمال للوارث قولان.
وجه المنع: أن المريض محجور عليه في حق الوارث، بدليل منع الوصية له، فوجب ألا يصح إقراره له، كما أن الصبي لما أن كان محجورًا عليه في حق الناس كلهم، لم يصح إقراره لهم.
ولأنه متهم في ذلك، لأنه ربما قصد [أن] يزوي المال عن بعض الورثة لبعض، وإذا كان متهمًا وجب ألا يقبل إقراره.
وجه القبول وهو الصحيح: قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء:135] وقد تقدم أن شهادة المرء على نفسه إقراره عليها،
وذاك عام في كل حال للوارث وغيره.
وأيضًا: فإنه لو أقر له [في الصحة] لنفذ، فكذلك في المرض، كالأجنبي.
والجواب عما ذكر من توجيه القول الأول [أولًا] أنه يبطل بالأجنبي إذا أقر [له] بما زاد على الثلث من ماله، فإنه يقبل وإن كان محجورًا عليه فيه.
وعما ذكر ثانيًا: أنا لا نسلم أنه متهم، بل التهمة منتفية عن المريض أشد من انتفائها عن الصحيح، فإنه يكون مشرفًا على الآخرة، وقادمًا على ربه، وذلك أدعى لصدقه، روي أن أبا بكر- رضي الله عنه- قال في عهده لعمر- رضي الله عنه-: ((هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند آخر عهده بالدنيا، خارجًا منها، وأول عهده بالآخرة داخلًا فيها، في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتقي فيها الفاجر)).
[ثم] على تقدير التسليم فالتهمة موجودة فيما إذا أقر لأخيه ولا ولد له، ثم حدث له، ثم مات، وقد سلم الخصم أنه يصح الإقرار له.
ومنتفية فيما إذا أقر لأخيه وله ولد وارث، فمات، وصار الأخ وارثه، وقد قال الخصم: إن الإقرار يبطل، وذلك يبطل التعليل بالتهمة.
وأيضًا: فإن التهمة في الإقرار بالوارث أشد منها في الإقرار للوارث، وقد قال: لو تبنى ولدًا، وحرم به ابن عمه الكاشح، لقبل، فهاهنا أولى، وهذه الطريقة أخذت من قول الشافعي في ((المختصر)): ((ولو أقر لوارث، فلم يمت حتى حدث وارث يحجبه، فالإقرار لازم، وإن لم يحدث وارث فمن أجاز الإقرار للوارث أجازه، ومن أبي رده، ولو أقر لغير وارث، فصار وارثًا، بطل إقراره)) انتهى.
لأن معنى قوله: ((من أجاز الإقرار للوارث)): أجازه لوجه معتبر، [((ومن أبي رده)) لوجه معتبر،] فهو ترديد قول له، وقد قال الماوردي: إن أبا إسحاق كان يقول بهذه الطريقة في غير ((الشرح))، وأن ابن أبي هريرة كان يجعل إقراره للوارث
لازمًا قولًا، واحدًا، ويجعل ما قاله من بطلان إقراره حكاية عن مذهب الغير، وه أبو حنيفة ومالك وابن أبي ليلى، رضي الله عنهم أجمعين.
وقد حكى القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ هذه الطريقة عن أبي إسحاق، وأنه قال: إن القبول هو الذي قطع به الشافعي في كتبه، ولأجل ذلك قال الأكثرون: إن هذه الطريقة هي الصحيحة، وتبعهم الغزالي.
وعلى هذا: فيكون معنى قول الشافعي: من أجاز الإقرار للوارث، أي: في الصحة، لزمته إجازته في المرض من طريق الأولى، لأنها الحالة التي يتوب فيها الفاسق، ويصدق فيها الكاذب، ويؤمن فيها الكافر، فهي أبعد عن التهمة، كما ذكرناه.
ومن أبي، أي: الإقرار للوارث في المرض، لزمه رده في الصحة، لأن التهمة أقوى، وقد [وافق] على قبوله في الصحة، فتعين قبوله في المرض جزمًا، كذا كان بعض مشايخنا يقرره.
لكن في ((الشامل)): أن أبا حامد كان يقول: إن قول المنع منصوص عليه في الإملاء.
وقال ((الرافعي)): إن في ((تعليق)) الشيخ أبي حامد: أنه رجع إلى ذلك بعدما كان يقول بطريقة القطع بالقبول.
قلت: وقول الشافعي في ((المختصر)): ((ولو أقر لغير وارث، فصار وارثًا، بطل إقراره)) صريح في منع الإقرار للوارث.
وعن الإمام مال: إن كان المقر متهمًا لم يقبل إقراره، وإلا قبل، ويجتهد الحاكم فيه.
قال ((الرافعي)): واختاره الروياني، لفساد الزمان.
التفريع:
إن قلنا بصحة الإقرار للوارث فلا كلام، وإن قلنا بمنعه فالمعتبر- كما ذكرنا- كونه وارثًا حقيقة، وذلك إنما يتحقق بالموت، فيكون النظر إليه، وهذا ما أورده العراقيون، والماوردي، وحكاه القاضي الحسين، وتبعه الإمام، والبغوي عن الجديد.
وحكوا عن القديم: أن المعتبر أن يكون وارثًا عن الإقرار، نظرًا للتهمة.
وبعضهم يورد الخلاف المذكور وجهين، والأظهر ما جزم به العراقيون واختيار أبي إسحاق والروياني مقابله.
ولا نظر- بالاتفاق- إلى الحالة المتخللة بين الإقرار والموت، صرح به القاضي والإمام.
ولو أقرت في مرض موتها بأني أبرأت الزوج عن الصداق في حال الصحة لم يقبل على القول الذي عليه نفرع، قاله القاضي الحسين في كتاب التفليس، وهو موافق لما حكاه هنا فيما إذا أقر في المرض: أنه كان قد وهب من وارثه شيئًا في الصحة، وأقبضه إياه: أنه لا يصح على هذا القول أيضًا، دون ما إذا قلنا: إن الإقرار للوارث صحيح، فإنه يصح فيهما.
وقد حكى الإمام مع هذه الطريقة في مسألة الهبة طريقة أخرى قاطعة بالمنع، لذكره ما هو عاجز عن إنشائه في الحال، وهي التي رجحها الغزالي، ويظهر جريانها في مسألة الإبراء.
وقد حكى الإمام عن القاضي اختيار القبول في مسألة الهبة، لأنه قد يكون صادقًا، فليكن له طريق إلى إيصال الحق إلى المستحق، وهذا يوافقه ما ذكره الغزالي في طلاق المريض: أنه إذا أقر في المرض: أنه أعتق في الصحة، لا يحسب من الثلث، وعليه ينطبق قول الماوردي والمصنف والبغوي: إنه لو أقر في المرض: أنه أعتق أخاه في الصحة عتق، ولا يرثه إن منعنا الإقرار [للوارث] دون ما إذا لم نمنعه.
وقول القاضي أبي الطيب الذي حكيته في طلاق المريض: إن المريض [إذا أقر] بما فعله في الصحة، كان كما لو فعله في الصحة، ألا ترى أنه لو أقر في مرضه: أنه وهب في الصحة، وأقبض، كان من رأس المال، أي: كما هو المنصوص الذي صرح بنقله مجلي، لكن قد حكيت عن القاضي الحسين [ثم] أنه قال: لا يبعد أن يجعل من أقر بأنه طلق امرأته في حال الصحة وهو مريض فارًا، لأنه محجور عن إنشاء القطع، وهذا تباين بين.
نعم: لو أطلق الإقرار بالهبة، والإقباض، ولم يسند ذلك إلى حال الصحة،
فيشبه أن يكون كما لو أطلقت المرأة في المسألة السابقة الإقرار [بالإبراء] عن الصداق، وقد قال القاضي في التفليس فيها: إنه يحمل على الإبراء في المرض، فلا يقبل جزمًا، لأنه وصية لوارث.
ولو أقر لوارثه وأجنبي معًا، هل يصح في نصفه للأجنبي، بناء على القول الذي عليه نفرع أم لا؟ فيه قولان لابن سريج، قال ((الرافعي)): والظاهر الصحة.
وقد بقي من أنواع المحجور عليهم المرتد، وإقراره في بدنه لازم، وكذا في ماله قبل الحجر عليه وبعده، وإن قلنا: حجره كحجر المريض.
وإن قلنا: كحجر السفيه، قال الماوردي: كانت عقوده باطلة، وفي إقراره وجهان، وبهذا يتم الكلام في الشرط الأول من شروط الإقرار الأربعة، كما قال الماوردي، وهو المقر.
واعلم أن لفظ الشافعي في ضبطه: ((من لم يجز بيعه، لم يجز إقرار))، وللأصحاب فيه تأويلان:
أحدهما- عن ابن أبي هريرة-: أنه من لم يجز بيعه بحال، لم يجز إقراره.
والثاني: أنه من لم يجز بيعه في شيء، لم يجز إقراره في ذلك الشيء.
قال: ويجوز الإقرار لكل من يثبت له الحق المقر به، لأن الإقرار حينئذ يكون قد صادف محله، واحتمل صدقه، وبهذا يخرج ما إذا أقرت المرأة بصداقها، أو الزوج ببدل الخلع، أو المجني عليه بالأرش لغيره، فإنه لا يصح، كما حكي عن صاحب ((التلخيص)) وغيره، لأن الصداق وبدل الخلع لا يكون لغيره، وكذا أرش الجناية على الحر.
وألحق الماوردي بذلك ما إذا أقر بحمل بهيمته لغيره، وقال: إنه لو قال في الصور الأربع: صار ذلك لفلان، صح في الصداق، والخلع، ولم يصح في الحمل، وكان في أرش الجناية على اختلاف حالين:
إن كان دراهم صح، وإن [كان] إبلا لم يصح.
وأطلق في ((التهذيب)) الحكاية عن شيخه بسماع الإقرار في مسائل صاحب ((التلخيص))، لأنه يتصور أن يصير للغير بالحوالة، وحمل ما قاله صاحب ((التخليص)) على الإقرار بذلك حالة ثبوته، فإنه لا يتصور حينئذ ثبوته للغير.
[قلت]: ويصير كما لو أعتق العبد، فأقر في المجلس بدين لسيده، أو غيره، فإنه لا يصح، كما قال البغوي، وفيه نظر في حق السيد، إذا قلنا: إن الدين لا يسقطه الملك الطارئ عليه، وفي حق [غير السيد] إذا صححنا شراء العبد بثمن في ذمته، أو علقنا أرش الجناية بها.
وقال الإمام فيما إذا فرض الإقرار بانتقال الصداق وبدل الخلع، أو في انتقال سائر الديون إلى إنسان: أنه لا محمل لذلك إلا تقدير بيع الدين، وفي صحته قولان، فالإقرار مخرج عليهما.
قال ابن أبي الدم: وهو في ذلك متبع للجرجاني، فإنه ذكر ذلك في بعض مصنفاته.
والوجه ما قاله الماوردي:
وقد اتفق الكل على أن الإقرار بالدين الثابت لشخص، يجوز إذا أمكن ثبوت ذلك الدين لذلك الشخص ابتداء.
وألحق في ((التهذيب)) به ما إذا [جني] على عبد لشخص، أو مال له، فأقر من له العبد ظاهرًا [والمال] بأن الأرش لآخر، لاحتمال أن يكون ذلك العبد والمال للمقر له.
وقد اتفق الكل على أن الإقرار بالدين الثابت لشخص، يجوز إذا أمكن ثبوت الدين لذلك الشخص ابتداء.
وألحق في ((التهذيب)) به ما إذا [جني] على عبد لشخص، أو مال له، فأقر من له العبد ظاهرًا [والمال] بأن الأرش لآخر، لاحتمال أن يكون ذلك العبد والمال للمقر له.
ثم قد يرد على كلام الشيخ ما إذا قال شخص: لإنسان علي ألف، أو: لواحد من بني آدم، أو: من أهل القرية ألف، فإن مثل ذلك يثبت له الحق المقر به.
وقد حكي عن رواية الشيخ أبي علي في صحة هذا الإقرار وجهان مبنيان على أنه إذا أقر لمعين بشيء، فكذبه المقر [له] هل يخرج من يده؟ فإن قلنا: نعم، صح إقراره هنا، وأخرج من يده.
وإن قلنا [لا]، لم يصح هذا الإقرار.
قال ((الرافعي)): وهو الصحيح، وعليه اتجه السؤال.
وهذا هو الشرط الثاني من شرائط الإقرار.
والثالث سنذكره في أثناء الباب.
والرابع أن يكون عند من يصير الحق به محفوظًا، وهو أحد نفسين: إما حاكم
ملزم، أو شاهد متحمل، وليس له عند غير هذين تأثير.
فإن [كان] الإقرار عند حاكم، فمن شرطه: أن يكون بعد سماعه الدعوى عليه، فإن أقر [عنده] قبل السماع، أو من غير دعوى، ففي صحته لأصحابنا وجهان:
أحدهما: يصح، وحكاه ابن المنذر عن الشافعي.
والثاني: لا يصح، وهو اختيار البصريين.
قال الماوردي: ويشبه أن يكون اختلافهم في هذا مخرجًا على صحة القضاء بالعلم.
وإن كان عند شاهد، [فمن شرطه الاسترعاء للتحمل، فإن لم يسترعه، وأقر عنده، أو سمعه يقر] من غير قصد له- ففي صحة التحمل وجواز الشهادة بذلك وجهان سبق ذكرهما.
قال: وإن أقر لبعد بمال، ثبت المال لمولاه، كما أن الهبة منه والوصية له تكون لمولاه.
قال القاضي في ((الفتاوى)): وهذا إذا كان العبد مأذونًا له في التجارة، فإن كان غير مأذون له فوجهان، بناء على ما لو أقر للحمل مطلقًا.
وحكى الوجهين في ((التعليق)) - أيضًا- هكذا، وهما في ((الحاوي))، وقال: إن الأصح القبول، وهو قضية البنء المذكور، وهذا إذا قلنا: إن العبد لا يملك، أما إذا قلنا: إن العبد يملك، ففي ((المهذب)) و ((الحاوي)): أنه يصح الإقرار له، ويعتبر فيه إجازته ورده دون إجازة السيد ورده، وكذا قال في ((الحاوي)) فيما إذا كان مأذونًا، أو مكاتبًا.
واحترز الشيخ بلفظ ((المال)) عما إذا أقر له بنكاح، أو بتعزيز القذف، أو بقصاص، فإنه يكون للعبد، ويعتبر فيه قبوله ورده دون السيد، كما صرح به في ((المهذب))، وهو في القصاص ماش على أصله السابق في أنه يختص بالعبد.
قال: وإن أقر لبهيمة، لم يثبت المال لصاحبها، لأن البهيمة غير قابلة للملك في الحال والمآل، فكانت الإضافة إليها لغوًا، بخلاف العبد، فإنه قابل له على
الجملة، فصح إسناده إليه، [و] لقبوله لتعاطي سببه الغالب، وهو البيع.
وقد ألحق في ((الحاوي)) في أول الباب بذلك الإقرار لعقار زيد، أو لمسجد، أو رباط.
وحكى في الكل عند إطلاق الإقرار وجهين:
أحدهما: ما ذكرناه، وهو ما جزم به في أثناء الباب في الإقرار للدابة والدار.
والثاني: أنه يصح في الكل، وهو الذي صححه في أثناء الباب في الإقرار للمسجد والمصنع، وقال: إن الوجهين في الجميع مخرجان من اختلاف قوليه في الإقرار للحمل بإقرار [مطلق، وفي ((المهذب)) وغيره حكاية الوجهين في الإقرار] للمسجد والمصنع، بناء على الأصل المذكور.
ولا شك في أنه إذا أضاف الإقرار إلى وجه مستحيل، كإقراره لذلك بدين معاملة: أنه يكون باطلًا، كما أنه لاشك في أنه إذا أضافه إلى وجه يصح ولا يستحيل، كإقراره لماشية مسبلة بعلوفة، من وصية أو صدقة، أو لمسجد بمال من وصية، أو لرباط أو لمصنع بمال من وقف عليه- أنه يصح، كما قاله الماوردي، وإن كان لا يبعد في الحالة الأولى تخريج وجه في صحة الإقرار، وإلغاء سببه إذا قبلنا الإقرار المطلق، كما سنذكر مثله في الإقرار للحمل.
ولو قال: بسبب هذه الدابة على كذا صرف لمالكها في الحال، كما قاله الإمام، حكاية عن الأصحاب، وهو في ((الوجيز))، و ((التهذيب))، تنزيلًا على أنه استأجرها، أو جنى عليها.
وعن أبي عاصم العبادي وجه: أنه لا يصح، لأن الغالب لزوم المال بالمعاملة، ولا تتصور المعاملة معها.
قال ((الرافعي)): ومحل ذلك إذا قال: لمالكها بسببها علي كذا.
قلت: كما حكاه في ((الشامل)): أما إذا اقتصر على قله: بسببها [علي] كذا، لم يلزم أن يكون ذلك لمالك الدابة في الحال، ولكن يسأل، ويحكم بموجب بيانه.
قلت: وهذا ما أبداه الإمام احتمالًا لنفسه، ويؤكده أنه يحتمل أن يكون الغرم لغير مالك الدابة، بأن أتلفت شيئًا، وهي في يد المقر، فجعل المقر به للمالك
[مخالف لقاعدة] الإقرار في البناء على اليقين، والله أعلم.
قال: وإن أقر لحمل، وعزاه إلى إرث، أو وصية- صح الإقرار، لأنه يملك بذلك، فصح إسناده إليه.
قال: وإن أطلق، ففيه قولان:
أصحهما: أنه يصح، لأن كلام البالغ العاقل يحمل على الصحة في الأقارير ما أمكن، وهو ممكن هنا، لجواز ملكه له بطريق صحيح من وصية أو إرث، كما يصح الإقرار للطفل، وهذا ما اختاره أبو إسحاق، وقد وافق الشيخ على تصحيحه ((الرافعي)) وغيره، وهم متبعون فيه المارودي، وقال: إنه الذي نص عليه في كتاب الإقرار بالحكم بالظاهر، وإن المزني لم ينقل من هذا الكتاب شيئًا.
ومقابله: أنه لا يصح، لأن الحمل ليس من أهل المعاملة، وإيجاد سبب الاستحقاق، والظاهر من الدين في الذمة دين المعاملة، فإن الإرث والوصية أمور بعيدة الوقوع، فلا ينزل الإقرار عليها، كذا قاله الإمام، والقاضي، وهذا ما نص عيه في كتاب الإقرار والمواهب من ((الأم))، ونقله المزني.
والخلاف يجري كما قال [القاضي] الحسين فيما لو قال: له علي ألف [استدنته أو اغتصبته، ولم يقل: من أبيه، ولا: منه.
نعم، لو قال: علي ألف اقترضتها] منه، أو عن معاملة- فالذي حكاه العراقيون والماوردي والمراوزة: أنه يتفرع على الخلاف السابق، فإن رددنا الإقرار المطلق، فهاهنا أولى.
وإن [قبلنا الإقرار] المطلق، قال العراقيون والماوردي: فهاهنا قولًا تبعيض الإقرار:
أحدهما: يصح، وتلغى الإضافة المفسدة.
والثاني: يبطل الجميع.
وحكى المراوزة وراء هذه طريقة أخرى، تفريعًا على قبول الإقرار المطلق: أن
هذه الإضافة تبطل، ويلزمه ما أقر به قولًا واحدًا، وإليها أشار في ((الوسيط)) بقوله: ((وقيل: إن هذا هزل فلا يقبل قولًا واحدًا))، [أي: الإضافة هزل، فلا تقبل قولًا واحدًا]، كما لو قال: لفلان علي ألف لا يلزمني، فإن ذلك هزل لا يقدح في الإقرار، وهذه الطريقة أظهر في ((الرافعي))، ولم يحك البغوي سواها.
قال: فإن وضعته ميتًا، بطل الإقرار، أي: الذي كنا قد قبلناه للشك في حياته المصححة لملكه بالوصية والإرث، التي يسند إليهما الإقرار.
ولا فرق في ذلك بين أن تضعه لا بجناية جان أو تضعه بجناية جان على بطنها.
وسواء قلنا: إن الجنين يملك الغرة في آخر جزء من حياته، كما هو قولنا، أو قلنا: لا يملكها، كما هو قول آخر، كما قاله البندنيجي في كتاب الوصية.
ومن طريق الأولى الحكم ببطلان الإقرار، إذا لم تضع شيئًا، وتبين أن ما في بطنها ريح أو غيره، وقد صرح به الماوردي.
وفي كل من الحالين، ينظر:
فإن كان قد عزا ذلك إلى إرث، رد إلى ورثة الميت عن الحمل.
وإن كان قد عزاه إلى وصية، رد إلى ورثة الموصي.
وإن كان قد أطلق، ففي ((الحاوي)): أنه يقر في يده، لعدم مدعيه.
وقال القاضي أبو الطيب والغزالي [تبعًا] للإمام: إنه يطالب بالتفسير، فإن بين أنه إرث أو وصية، عمل بمقتضاه.
قال الغزالي: وهذه مطالبة ليس يتعين مستحقها، إذ لا ندري: أنها لمن هي؟ ولعل للقاضي ذلك بطريق الحسبة.
ولو مات قبل البيان، قال في ((التهذيب)): بطل، كما أو أقر [بحق] لرجل، فرد إقراره، يبطل.
وعن ((تعليق)) الشيخ أبي حامد: أنه يطالب ورثته بالبيان.
قال: وإن ألقت حيًا وميتًا، جعل المال للحي، لأن الميت كالمعدوم.
ثم ظاهر هذا الكلام يقتضي: أنه لا فرق في تسليم المال للحي بين أن يكون ذكرًا أو أنثى، واحدًا كان أو أكثر.
وقد قال الأصحاب فيما إذا كان واحدًا: إنه يجعل له إذا كان عن وصية ذكرًا كان أو أنثى، وإن كان عن إرث، فقد قال الماوردي: إن الأمر كذلك.
وفي ((تعليق)) القاضي الحسين: إنه كذلك إذا كان ذكرًا، وإذا كان أنثى جعل لها نصفه، والباقي يرد إلى سائر ورثة الأول.
وفي ((الرافعي)) و ((التهذيب)): أنه إن أسنده إلى إرث [من أب]، كان لها نصفه، وأن الحي لو كان اثنان ينظر:
فإن أسند الإقرار إلى وصية، كان بينهما على السواء، ذكرين كانا أو أنثيين، أو ذكرًا وأنثى.
وإن أسند إلى إرث، فإن كان ذكرين، كان لهما على السواء، وإن كان أنثيين، فالأمر كذلك عند الماوردي، والقاضي أبي الطيب، وابن الصباغ.
وفي ((تعليق)) القاضي الحسين و ((النهاية)): أن لهما الثلثين منه، والباقي يرد إلى ورثة الأول.
ثم قال القاضي وهو في ((النهاية)): فإن قيل: وجب أن يدفع الكل إليهما، ويحمل على أن التركة، قسمت وأقررنا على المقر للحمل، أخذًا بأسوأ الأحوال- فهذا غير صحيح، لأنه ما من درهم في التركة دينًا كان أو عينًا إلا وهو شركة بين الورثة كلهم، إذا لم يمكن اجتماع كل الورثة على القسمة، فلم تصح قسمتهم قبل انفصال الحمل، وهذا بناء على منع المقاسمة عن الحمل، وقد قيل بجوازها، كما هو مذكور في الفرائض.
وإن كانا وأنثى، فللذكر ثلثاه، وللأنثى ثلثه، وهذا إذا اقتضت جهة الوراثة ذلك، فإن اقتضت التسوية، بأن يكونا ولدي أم، قال ((الرافعي)): كان ثلثه بينهما بالسوية، بناء على ما نقله.
وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: إنه يكون بينهما.
ولو أطلق المقر الإقرار، قسم بينهما على السوية، كما حكاه ابن الصباغ عن ((التعليق)) ولم يورد الفوراني سواه.
ووجهه الماوردي بأن الأصل التساوي حتى يعلم سبب التفاضل.
وفي ((النهاية)) و ((الشامل)) - أيضًا- و ((الرافعي)): أنه يسأل عن الجهة، ويحكم بمقتضاها.
واعلم أن محل جعلنا المال المقر به للحمل إذا انفصل: إذا تحقق وجوده حالة الإقرار بأن وضعته لدون ستة أشهر من وقت الإقرار، فلو وضعته لأربع سنين [من حين الإقرار فما فوقها، لم يصرف له شيء، وكذا إن وضعته لأربع سنين]، فما دونها إلى ستة أشهر، وكانت فراشًا لزوج أو لسيد، أو [و] طئت بشبهة في المدة.
ولو وضعته لأربع سنين ما دونها، ولم تكن فراشًا لأحد، ولا وطئت في المدة، فقد ألحق العراقيون، والماوردي، والقاضي الحسين ذلك بما لو وضعته لدون ستة أشهر.
وحكى الإمام وغيره في ذلك قولين عن رواية الشيخ أبي علي وغيره.
والأصح منهما: الصرف له، كما يحكم بلحوق نسبه.
وفي كل حالة جعلنا المال للحمل، سلمناه إلى وصيه، لكن وجوبًا أو جوازًا؟ قال الفوراني: إن كان قد عزاه إلى إرث، كان فيه الخلاف السابق فيما إذا أقر لشخص بمال، وقال: هذا وارثه، والنص- كما تقدم-: الوجوب.
وقال القاضي أبو الطيب: محله إذا كان الوصي ثابت الوصية، فإن لم يكن من ذكر المقر أنه وصي على الحمل ثابت الوصية، فهو كما لو أقر لشخص بمال، وادعى أن هذا وكيله، لأنه لا يأمن من أن يبلغ الصبي، وينكر الوصاية، فيكون الدفع غير مبرئ كما في الوكيل، قال هذا تخريجًا على المذهب.
قال: ومن أقر [بحق] لآدمي، أي: متمحضًا كديون المعاملات [ونحوها]،
والقصاص، وحد القذف، أو غير متمحض، والمغلب فيه حق الله تعالى: كالزكوات، والكفارات، وحقوق الله تعالى التي لا تسقط بالشبهات، كما قاله في ((المهذب)) وغيره، لم يقبل رجوعه، لأنه حق ثبت لغيره فلم يملك إسقاطه، لما في إسقاطه من الإضرار به، ولأجل هذا قال ابن الصباغ وغيره في باب الشهادة على الحدود: إن الحاكم لا يعرض له بالإنكار فيها، لأن إنكاره لا ينفعه.
نعم، لو صدق صاحب الحق الراجع في رجوعه، بطل الإقرار إذا لم يتعلق بذلك حق الله تعالى وإن تعلق به حق، كما إذا أقر شخص بحرية عبده، ثم رجع عن ذلك، وصدقه العبد- لا يبطل الحكم بالحرية.
وكذلك لو ادعى ملك جارية، وحكم لها بها بيمينه، فأحبلها، فأتت بولد لحقه في ظاهر الأمر، ثم قال بعد ذلك: كذبت في دعواي، ويميني، والجارية ليست لي، وصدقته الجارية على ذلك- لا يحكم بردها على المدعى عيه، كما لا يحكم برق الولد وفاقًا.
وحكى الإمام قبل باب القافة بثلاث أوراق، وجها آخر: أنا نردها إليه، فإن الحق لا يعدو المدعي والجارية.
وقال: إنه لا أصل له، ومثله ما إذا أقر شخص بنسب بالغ عاقل، ثم رجع عنه، وصدقه هل يقبل رجوعه؟ فيه وجهان.
قال: وإن أقر بحد [من حدود] الله تعالى، وهي [حد] الزنى، والسرقة، والمحاربة، وشرب الخمر- قبل رجوعه، أي: سواء استوفى بعضه أو لا، لقوله- عليه السلام-: ((ادرءوا الحدود بالشبهات))، وهذه شبهة، لأنه يجوز أن يكون صادقًا في الرجوع، و [قد] روى أبو داود عن جابر بن سمرة [أنه] قال: رأيت ماعز بن مالكٍ حين جيء به إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم رجلًا قصيرًا أعضل، ليس عليه رداءٌ، فشهد على نفسه أربع مراتٍ: أنه قد زنى، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((فلعلك ...)) قال: لا والله، [إنه] قد زنى الأخر، قال: فرجمه، ثم خطب، فقال:
((ألا كلما نفرنا في سبيل الله، حلف أحدهم إنه ينب كنبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة، [أما]، إن الله تعالى إن أمكنني من أحدٍ منهم إلا نكلته عنهن))، وأخرجه مسلم.
وروى أبو داود بسنده عن أبي أمية المخرومي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أتي بلص قد اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاعٌ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((ما إخالك سرقت؟ قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر بقطعه، فقطع)).
وجه الدليل منهما: أن الرجوع لو لم يكن مقبولًا، لما كان للتعريض فائدة، وإذا ثبت ذلك في الزنى والسرقة، ففي المحاربة والشرب بالقياس عليهما.
وفائدة الرجوع عن الإقرار بالسرقة سقوط القطع، وعن الإقرار بالمحاربة إذا وجد القتل فيها بالحتم دون سقوط المال وأصل القتل، كما صرح به القاضي الحسين في باب حد الزنى.
ومنهم من قال: كما لا يسقط المال لا يسقط القطع في السرقة والمحاربة، لتعلقهما بحق الآدمي من حيث كونه صيانة له، ولهذا جرى الخلاف في أن المعاهد هل يقطع في سرقة مال المسلم وإن كان لا يحد في الزنى؟
قال الماوردي: وعلى هذا إذا هرب السارق يطلب.
وهذه طريقة القاضي الحسين، وقد حكى الإمام في كتاب السرقة طريقة أخرى، وهي أن القطع يسقط وهل يسقط المال؟ فيه قولان، [تشبيهًا لذلك بإقرار العبد بالسرقة، فإن إقراره في وجوب القطع مقبول، وفي المال قولان]، [والصحيح] وإليه ذهب طوائف
من المحققين: سقوط القطع، وثبوت الغرم.
قال الإمام: والذي يوضح ذلك: أن ضمان السارق المال يسبق استيجابه القطع، فإنه إذا ثبتت يده على مال الغير، ضمنه بالعدوان، ثم يستوجب القطع بالإخراج من الحرز، وليس كإقرار العبد، فإن سبب قبول إقراره عدم التهمة، ولولا ذلك لما قبلنا إقراره في القطع، وفيه إتلاف طرف مملوك للسيد.
ولو أقر رجل بأنه استكره [على] الزنى، فالمهر والحد واجب عليه بإقراره، فلو رجع عنه لم يسقط المهر، وفي سقوط [حد الزنى جوابان للقاضي:
أحدهما: يحتمل أن يكون كحد السرقة.
ويحتمل أن يقال: يسقط] الحد قولًا واحدًا، لأن وجوب الحد ينقل عن المهر، ووجوب القطع لا ينقل عن مطالبة برد عين أو غرم، فارتباط القطع بالمال أشد من ارتباط الحد بالمهر.
قال الإمام: ومن سلك الطريقة الأخرى في حد السرقة، وقال: إذا سقط الحد، ففي سقوط الغرم خلاف قد يلتزم مثل هذا هنا، فيقول بسقوط الحد، وفي سقوط المهر تردد.
قلت: ويقوي هذا أن القاضي قال في باب حد الزنى: لو قال: زنيت بفلانة، أو: بفلان، هل يحد لأجل الذي قذفه؟ فيه خلاف.
وجه المنع: أن المقصود هو الإقرار بالزنى.
وعلى مقابله: إذا رجع عن الإقرار، سقط حد الزنى، وهل يسقط حد القذف؟ فيه وجهان، بناء على ما لو أقر بالسرقة، ثم رجع يسقط القطع، وفي الغرم خلاف.
ووجه اشبه: أن المقصود هاهنا الإقرار بالزنى دون القذف، وفي السرقة المقصود حق الآدمي بالإقرار، فمتى رجع عن المقصود، ففي التابع قولان.
واعلم أن كيفية الرجوع عن الإقرار أن يقول: كذبت في إقراري، أو: لم أزن، أو: قد رجعت عن إقراري، وكذا لو قال: لا حد علي.
قال الماوردي: مع احتمال فيه.
وحكى الإمام في كتاب اللعان عن شرذمة أن قوله: ما زنيت، لا يكون رجوعًا إلا أن ينبني الرجوع بعد الاعتراف بالإقرار.
ولو قال: لا تحدوني، قال الماوردي: لم يكن رجوعًا، لأنه يحتمل أن يريد به العفو والإطلاق، أو أن ينظر لأجل قضاء دين، أو وصية، أو أداء قرض، إلا أنه يسأل عن ذلك بعد الكف عنه، فإذا بين عن مراده، حكم بموجبه.
وفي ((تعليق)) القاضي الحسين وغيره فيما إذا قال: لا تقيموا الحد علي حكاية وجهين في كونه رجوعًا، وحكاهما الإمام عن صاحب التقريب، وقال: الأظهر: [أنه] لا أثر لذلك، وأنهما جاريان فيما إذا امتنع من الاستسلام.
ولو قال بعد شهادة الشهود على إقراره، أو حكم الحاكم به: ما أقررت- ففي ((تعليق)) القاضي الحسين: أنه لا يكون رجوعًا، وهو الذي حكاه الإمام في كتاب
اللعان، وطرده فيما إذا قال: هما كاذبان.
وعن أبي إسحاق وأبي الطيب: أنه كما لو قال: رجعت، أو ما زنيت.
تنبيه: قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الأول: نكلته أي منعته عنهن.
ونبين التيس: صوته عند السفاد، يقال: نب التيس نبا، إذا صاح [وهاج] وهو بفتح النون، وتشديد الباء الموحدة.
والكثبة: اللبن القليل، وقيل: هي القليل من كل [شيء] جمعته من طعام وغيره.
والأخر في قول ماعز- بقصر الهمزة، وكسر الخاء- معناه: الأبعد، على الذم، وقيل: الأرذل، ومنه: ((المسألة أخر كسب الرجل))، أي: أرذله وأدناه.
وقوله- عليه السلام- في الحديث الآخر: ((ما إخالك))، أي: ما أظنك، وهو بالكسر، والفتح، لكن الكسر أفصح، والفتح هو القياس.
قال: ويستحب للإمام أن يلقنه الرجوع عن ذلك، أي: بالتعريض إذا رأى منه آثار الندم، كما قاله الماوردي، لما ذكرناه من الأخبار.
وقد يتمسك لظاهر قول الشيخ بقوله صلّى الله عليه وسلّم: ((أسرقت؟ قل: لا)) لكن قد قال الإمام: إن بعض أهل الحديث لا يصحح هذه الرواية.
وقد صرح في ((الشامل)) بأن الشافعي قال: لا يأمره بالرجوع صريحًا لأنه يكون أمرًا بالكذب، وهو ما حكاه البندنيجي وغيره.
وعن المحاملي أنا لا نقول: إن التلقين مستحب، بل هو بماح، وهو مخير بين فعله وتركه، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم عرض لماعز، وكان تركه لذلك أكثر، ولو كان مستحبًا لما كان تركه أكثر، وهذا ما حكاه في ((الشامل)) وغيره في باب الشهادة على الحد عن الشافعي.
ونسب في ((البحر)) ما ذكره الشيخ إلى بعض الخراسانيين، [و] قال: إنه خلاف النص.
وفي ((النهاية)) في كتاب السرقة: أن من أقر بموجب حد، فهل يشبب القاضي بالرجوع عن إقرار؟ فيه تردد، وما ذهب إليه الجمهور: أنه لا يفعل ذلك.
ومن أصحابنا من قال: له ذلك.
ومنهم من قال: إن كان المقر ممن يعلم أن الرجوع عن الإقرار يسقط الحد لم يشبب.
وإن كان ممن يجهل ذلك، فلا بأس، وهذا ما أورده ابن الصباغ وغيره عن نصه في ((المختصر)).
ثم قال الإمام في آخر الفصل: ولعل الأصح الجواز، لقوله- عليه السلام-: ((ما إخالك سرقت ...)).
وقد خص الماوردي محل الجواز بما قبل الإقرار، فأما بعده فلا، إذ الستر متخصص بما قبل الظهور، وهذا مأخوذ من قول القاضي الحسين: ويستحب للقاضي أن يعرض به حتى لا يقر بما يوجب عليه القطع، ويقر بالمال.
ثم كيفية التعريض في الزنى: أن يقول: لعلك قبلت، لعلك لمست، ونحو ذلك.
وفي السرقة: ما إخالك سرقت، أو لعلك سرقت من غير حرز.
وفي الشرب: لعلك لم تشرب مسكرًا، أو: لعلك شربت عصيرًا، أو لعلك لم تعلم ما هو.
[و] قال الإمام في كتاب السرقة: إنه يجري مسألة الرجوع بحضرته، ويذكر الحكم فيها.
واعلم أنه يستفاد من قول الشيخ: ويستحب للإمام أن يلقنه الرجوع عن ذلك استحباب الرجوع للمقر.
وقد حكى القاضي الحسين وغيره في استحبابه وجهين:
ووجه عدم الاستحباب قوله صلّى الله عليه وسلّم: ((لحد يقام في أرضٍ بحقٍ أزكى من مطر أربعين خريفًا)).
ووجه الاستحباب: القياس على الابتداء، فإن المستحب له ألا يقر، وهو ما حكيناه عن الشافعي في آخر الخمر.
وفي ((الحاوي)) في كتاب السرقة: أن الإقرار بحد الله تعالى: كالزنى، والسرقة، والشرب، هل يستحب أم لا؟ قال الشيخ أبو حامد- وهو الذي حكاه البندنيجي- إن لم يتكرر ذلك منه، و [لا] كان مشهورًا به فالمستحب له أن يكتمه ولا يقر به.
وإن تكرر منه، وكان مشهورًا به، فالمستحب له أن يقر ولا يكتمه.
قال: وليس لهذا الفرق وجه، والصحيح: أنه ينظر: فإن تاب منه، فالمستحب له أن يقر ولا يكتمه.
قال: وليس لهذا الفرق وجه، والصحيح: أنه ينظر: فإن تاب منه، فالمستحب له أن يكتمه على نفسه، ولا يقر به، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ((من أتى من هذه القاذورات شيئًا، فليستتر بستر الله ...))، وهذا الحديث متفق على صحته كما قال الإمام.
وإن لم يتب، فالأولى أن يقر [به]، لأن في إقامة الحد تكفيرًا وتطهيرًا.
قلت: وفيما ذكره نظر يظهر لك إذا تأملت ما حكيناه فيما تحصل به التوبة، ثم إن صح فيظهر مجيئه في الرجوع من طريق الأولى.
وقد أغرب الإمام، وأبدى احتمالًا في وجوب الإقرار بالحد إذا قلنا: لا يسقط بالتوبة، وهو ظاهر، لأن استيفاءه شرط في صحة التوبة كما تقدم، والتوبة واجبة على الفور، والله أعلم.
فروع:
أحدهما: إذا استحببنا التعريض للمقر بالرجوع، وأبحناه، فهل يعرض الحاكم للشهود [بالحد]، بالتوقف عن الشهادة؟ فيه وجهان في ((البحر)):
أحدهما: لا، لأنه يعود إلى قدح في شهادتهم.
والثاني: يجوز، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم، قال: ((هلا سترته بثوبك يا هزال)).
وقال عمر لزياد حين حضر لشهادته على المغيرة بالزنى: أيها يا سرح العقاب أرجو ألا يفضح الله على يديك أحدًا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قال: والأول أصح [عندي].
الفرع الثاني: إذا أقر بالزنى، لكنه قال: [إني] حددت- قال في ((البحر)) قبيل كتاب الشهادات: يحتمل أن يقال: لا يقبل قوله، لأنه يدعي استيفاء ما وجب عليه، فلا يقبل إلا ببينة، لإمكانها، بخلاف الرجوع عن الإقرار به.
ويحتمل
أن يقال: يقبل، لأنه لو لم يقبل قوله في استيفاء الحد، لم يقبل في الرجوع، كما في الأموال، ويؤكد ذلك أنه لو أقر بالزكاة، ثم رجع لا يقبل، ولو ادعى دفع الزكاة إلى ساع آخر، قبل.
الفرع الثالث: إذا أقر بالزنى، ثم قامت البينة عليه [ثم رجع]، قال القاضي: قال ابن المرزبان: سقط الحد.
وحكى القاضي ابن كج فيه وجهين عن أبي الحسين بن القطان:
أحدهما: هذا، وعزاه إلى أبي إسحاق.
والثاني: أنه يقام، لبقاء حجة البينة، وإن بطلت حجة الإقرار، كما لو شهد ثمانية فرجع أربعة.
ولو قامت البينة عليه بالزنى، فروجع، فقال: صدق الشهود، ثم رجع عن الإقرار، قال القاضي الحسين: قال أبو إسحاق: سقط الحد، لأنه ثبت عليه بإقراره، ولا حكم للبينة مع الإقرار، والدليل عليه: أنه أمكن تكذيب الشهود، والطعن فيهم، فحيث ترك، ثبت ذلك بإقراره، وهذا قضية ما حكيناه عن القاضي أبي الطيب في مقدمة هذا الباب.
وقال غيره: هذا غلط، ولا يسقط الحد، لأنه ثبت بالبينة.
وفي ((الحاوي)) أنه لو اجتمع في حدود الله تعالى الإقرار بها والشهادة، فقد اختلف أصحابنا: هل تختص إقامتها بالإقرار، أم بالشهادة؟ على وجهين:
أحدهما: بالإقرار، عليه إن رجع عن إقراره، سقط عنه الحد.
والأصح من إطلاق هذين الوجهين عندي: أن ينظر في اجتماعهما:
فإن تقدم الإقرار على الشهادة، كان وجوب الحد بالإقرار، ويسقط بالرجوع.
وإن تقدمت الشهادة، كان وجوب الحد بها، ولم يسقط بالرجوع.
الفرع الرابع: إذا قتله قاتل بعد الرجوع عن الإقرار بالزنى، ففي وجوب القصاص عليه وجهان، رواهما ابن كج، والأصح: أنه لا يجب، وبه قال أبو إسحاق، لاختلاف العلماء في أنه هل يسقط بالرجوع.
الفرع الخامس: إذا رجع بعد ما جلد [بعض الجلد] فأتم الإمام الجلد،
ومات منه، والإمام ممن يرى سقوط الحد بالرجوع- فعن أبي الحسين رواية قولين في وجوب القصاص:
فإن قلنا: لا يجب، فيجب نصف الدية، أو توزع على السياط؟ فيه قولان.
قال ابن [كج]: وعندي [أنه] لا قصاص قولًا واحدًا، لأن الزهوق حصل من مباح ومحظور.
قال: وإن أقر العربي بالعجمية، ثم ادعى أنه لم يعرف، أي: وأمكن صدقه- قبل قوله مع اليمين، لأن الظاهر معه.
وهكذا لو أقر العجمي بالعربية ثم ادعى أنه لم يعرف.
وقد أفاد ما ذكره الشيخ أن الإقرار يصح بالعجمية كما يصح بالعربية، كما صرح به غيره.
قال: وإن أقر بمال، أي: دينا في ذمته، أو عن ثمن ما باعه، أو بهبة وإقباض، ثم ادعى أنه [أقر] بالمال على وعد، ولم يقبض، أي: بفتح الياء آخر الحروف، وكسر الباء ثانية الحروف، أو وهب، ولم يقبض، أي: بضم الياء، وكسر الباء، وطلب يمين المقر له، حلف على المنصوص، لأن ما ادعاه ممكن، فإن الناس يتعاملون ويشهدون قبل التقابض، فحلف لهذا الاحتمال، فإن امتنع من اليمين، حلف المقر، وبطل الإقرار.
ومقابله: أنه لا يحلف، إلا أن يبدي المقر عذرًا في الإقرار، فيحلف.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن المنصوص التحليف في صورة الإقرار بالمال، والإقرار بالهبة والإقباض، والذي حكى الأصحاب النص فيها مسألة الهبة، وقالوا: إن ابن سريج وسائر الأصحاب عليه، وإن أبا إسحاق، وأبا علي بن أبي هريرة قالا بمقابله، وإنهما حملا النص على ما إذا أبدى عذرًا في إقراره، بأن ادعى أنه اعتمد في القبض على كتاب وكيله، فظهر أنه مزور، أو أطلق الإقرار بالقبض، لاعتقاده أن الإقباض بالقول، وهو قوله: ((أقبضتك)) كاف، فإن له في هذه الحالة التحليف.
وألحق العراقيون مسألة الإقرار بالمال بالمسألة المنصوص [عليها]، فلذلك
سوى الشيخ بينهما، واقتضى كلامهم أن الراجح في الصورتين التحليف، ويؤيده أنهم قالوا- وكذلك المراوزة: إن حكم مسألة الإقرار بالهبة والإقباض حكم الإقرار بالرهن والإقباض حرفًا بحرف.
والصحيح عندهم في مسألة الرهن- كما قال ((الرافعي)) في كتاب الرهن- التحليف وإن كان الصحيح عند المراوزة مقابله.
وقد ادعى الإمام هاهنا أن ظاهر المذهب في مسألة الإقرار بالمال على وعد- عدم التحليف، وهو مقتضى كلام القاضي الحسين أيضًا، وأن ظاهر النص في مسألة الهبة: التحليف، وقد تنخل لك مما ذكرناه: أن المقر [إن] أبدى عذرًا في إقراره فله التحليف جزمًا هنا وفي مسألة الرهن، وإن لم يبد عذرًا فوجهان.
وفي ((الوسيط)) في كتاب الرهن: أنه لو شهدت بينة على الراهن: أنه أقر بالإقباض، فقال: صدقوا، ولكني كذبت في الإقرار، ففي قبول دعواه ثلاثة أوجه، الثالث- وهو الأعدل-: إن قال: غلطت لوصول كتاب الوكيل لي، أو أشهدت على الرسم في القبالة قبل التحقيق، فيسمع حتى يحلف الخصم.
وإن قال: كذبت عمدًا، فلا يسمع، وقضية هذا أمران:
أحدهما: إجراء الوجهين مع إبداء العذر، وهو موافق لما نقله أيضًا فيما لو تكفل، ثم قال: كنت أبرأت قبل كفالتي، ولم أعرف، فهل تسمع دعواه للتحليف؟ فيه وجهان يجريان في كل دعوى محتملة يناقضها عقد سابق، وكقوله في كتاب النكاح: إذا ادعى الراهن بيعًا قبل الرهن، وزعم أنه اعتمد- أي: في الرهن- على كتاب وكيله: أنه لم يبع، ثم بان أنه مزور- تقبل دعواه في وجه.
والثاني: إجراء وجهين مع تعمده الكذب، وقد قال هاهنا: ولا خلاف أنه لو قال: كذبت من غير تأويل، لم تقبل دعواه.
وظاهر هذا التناقض إلا أن يحمل ما ادعاه من نفي الخلاف على ما إذا كان الإقرار بالرهن والإقباض في مجلس القضاء بعد توجه الدعوى عليه، وما ذكره من الخلاف على ما إذا كان الإقرار عند الشهود، ويستأنس في ذلك بما حكاه الشيخ أبو محمد عن القفال: أن محل التحليف- إذا رأيناه- إذا قامت الحجة