كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بينه وبين مالك – رحمه الله – فسأل أبو يوسف مالكاً عن الصاع، فقال: خمسة أرطال وثلث، فأنكر أبو يوسف ذلك؛ لأن أبا حنيفة يعتقد أنه ثمانية أرطال؛ فاستدعى مالك – رحمه الله – أهل المدينة، وسأل كل واحد منهم أن يحضر صاعه معه، فاجتمعوا ومع كل واحد منهم صاعه يقول: هذا ورثته عن أبي، وحدثني [أبي] أنه ورثه عن جدي، وأنه كان يخرج به زكاة الفطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسل، فوزنه الرشيد فإذا هو خمسة أرطال وثلث؛ فرجع أبو يوسف إلى هذا؛ لظهوره في الصحابة، واشتهاره في المدينة، وتواتر نقل الخلف عن السلف، وليس هذا لأنه عمل بقول أهل المدينة؛ [بل] لأنه خبر منهم، فرجع إليهم فهي كما رجع إليهم في [الأخبار في القبر] والمسجد وسائر ما نقلوه من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وما تمسك به أبو حنيفة – رحمه الله – من أنه ثمانية أرطال هو رواية أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم "يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد" والمُدُّ: رطلان، [وهو] ضعيف.
ولو صح [هذا] لم يكن فيه حجة؛ لأنه وارد في صاع الماء، وخلافنا في صاع الزكاة، وقد كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم آصعٌ مختلفة، وقال: أصغر الصيعان صاعنا.
وقال القاضي أبو الطيب- رحمه الله -: ولنا طريق آخر في [أن] الواجب ما ذكرناه، وهو أنه أقل ما قيل فيه، وهو مجمع على وجوبه، وما زاد [عليه] مختلف فيه: بعضهم يثبته، وبعضهم ينفيه؛ فتعارض القول فيه فلم يجب، ووجب ما أجمع عليه، [أو نقول]: الأقل ثابت بالإجماع، وما زاد متنازع فيه، والأصل براءة الذمة منه فلا يزاد بغير دليل.
[و] إذا تقرر ذلك فجملة وزنه – كما قال الرافعي -: ستمائة درهم وثلاثة
وتسعون درهماً وثلث درهم.
قلت: و [هذا] بناء على أن الرطل البغدادي مائة وثلاثون درهماً، وقد تقدم أن الصحيح خلافه، والأصل فيه – كما قال ابن الصباغ -: الكيل، وإنما قدره العلماء بالوزن استهاراً.
[قلت]: وعليه يدل قول الشافعي – رحمه الله –في [أوائل] كتاب الزكاة من القديم: والصاع خمسة أرطال وثلث، زيادة شيء أو نقصانه.
قال البندنيجي وغيره: عنى به أنه يختلف باختلاف الكيل بحسب خفته وثقله، فلو كان الاعتبار بالميزان لما وجبت الزيادة، ولما جاز الننقصان، فلو أخرج خمسة أرطال وثلثاً، وهو لا يعلم أنه صاع – لم [يجزئه.
انتهى].
وقال في "البحر": إن جماعة من أصحابنا غلطوا حيث قالوا: يعتبر الوزن.
وما غلَّطهم فيه هو الذي أورده الإمام في باب زكاة الثمار حيث قال: ثم الذي لا نستريب فيه أن الصاع والمد لا يعني بهما ما يحوي المد وغيره، وإنما هو مقدار موزون مضاف إلى الصاع والمد؛ فإن الصيعان يبعد ضبط أجوافها على وتيرة حتى لا تتفاوت؛ فقد تكون متسعة الأسافل متضايقة الأعالي على تخريط؛ فيعسر تساوي صاعين.
ثم تفاوت الأوزان في الأنواع ليس من النادر الذي تسامح فيه، وكنت بمكة أرى ملء صاع من الحنطة المجلوبة من سراة تزن خمسة أمناء، ومثل ذلك بعينه من الحنطة المضرية أربعة أو أقل، فإذا اتفق الأئمة على مقدار موزون دل على أنهم عنوا بالصاع هذا المقدار، فالصاع في الفطرة: خمسة أرطال وثلث، ولا ينبغي للفقيه في هذا المقام أن يلاحظ التساوي [المرعي] في الربويات.
قال الرافعي في كتاب الظهار: اعلم أن في قدر الفطرة ونحوها نوع إشكال؛ لأن الصيدلاني وغيره من الأئمة ذكروا أن الاعتبار في ذلك بالكيل دون الوزن، وأرادوا به أن المقدار [الذي] يحويه الصاع يختلف وزنه باختلاف جنس المكيل ثقلاً وخفة، والواجب الذي يحويه المكيال بالغاً ما بلغ، وذكر بعضهم [أن] الذي نقل في وزن الصاع كأنه اعتبر فيه البر والتمر، وقضية هذا الكلام: أن يجزئ من الشعير مادون ذلك المقدار في الوزن إذا ملأ الصاع، لكن اشتهر عن القاسم بن سلام [ثم] عن ابن
سريج: أن درهم الشريعة خمسون حبة وخمساً حبة، ويسمى ذلك: درهم الكيل؛ لأن الرطل الشرعي منه يُرَكَّب، ويركب من الرطل المد، ومن المد الصاع.
وذكر الفقيه عبد الحق بن أبي بكر بن عطية أن الحبة التي يتركب منها الدرهم هي حبة الشعير المتوسطة التي [لم] تقشر، وقطع من طرفيها ما امتد.
وقضية هذا: أن يحوي الصاع هذا المقدار من الشعير، وحينئذ فإن اعتبر ما يملأ الصاع من البر بهذا الوزن لم ينتظم القول: إن الواجب ما يحويه الصاع، وإن اعتبر بالكيل كان ما يحويه من البر أكثر مما يحويه من الشعير، وقد ذكرت في كتاب الظهار شيئاً من ذلك، فليطلب منه.
قال: ويجب ذلك من الأقوات التي تجب فيها الزكاة، وهي التمر والزبيب والبر والشعير وما أشبهها.
أما في التمر؛ فلخبر أبي سعيد وغيره، وأما في الباقي فبالقياس بجامع الاقتيات، وعن صاحب "الإفصاح" حكاية قول عن القديم: أنه لا يجزئ إخراج العدس والحمص [في الفطرة] لأنهما أدمان، قال الرافعي في كتاب الظهار: وقد نقل السرخسي – رحمه الله – وجهاً في الأرز: أنه لا يجزئ في الكفارة، وعن ابن كج: أنه [لا] يجزئ إلا إذا نحيت عنه القشرة العليا، قال: ولم يَجْرِ في الفطرة [ذكر] هذا الخلاف، ويشبه أن يجيء في كل باب ما نقل في الآخر، والمذهب: الأول.
وقد أفهم كلام الشافعي – رحمه الله – إجراء الخلاف في الباقلاء، حيث قال: لا أحسبه يقتات، فإن كان قوتاً أجزأه إذا أدى منه صاعاً.
قال في "البحر" وغيره: وأجمع أصحابنا على أنه قوت تجب فيه الزكاة وتخرج منه زكاة الفطر.
قال: وأما الأقط فقد قيل يجوز؛ لما ذكرناه من حديث أبي سعيد الخدري؛
فإنه ثابت في "الصحيحين" فوجب العمل به لقول الشافعي – رحمه الله -: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
وقد روى كثير بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عن جده قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، [أو صاعاً من زبيب]، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من طعام"، وهذا نص في المسألة، وهذه طريقة أبي إسحاق، وعليها نص في القديم و"الأم"، قال ابن الصباغ: [و] قال بعض أصحابنا: إنه علق [القول] فيه في "الأم"، وهو المذكور في "تعليق" البندنيجي.
وقيل: فيه قولان:
وجه الجواز: أنه مقتات مدخر يستند إلى أثر؛ فجاز إخراجه كالتمر، أو مقتات يتولد مما تجب فيه الزكاة ويجزئ فيه الصاع؛ فجاز إخراجه في زكاة الفطر كالحب.
ووجه المنع: أنه [مقتات] لاتجب الزكاة فيه؛ فلا يجوز إخراجه في زكاة الفطر كالفَثِّ وحب الحنظل والبَلُّوط.
وهذه الطريقة حكاها القاضي أبو حامد في "جامعه، وقال هو والمتولي وغيرهما: إن أصح القولين الجواز، وبه أجاب منصور التميمي في "المستعمل"، وهذه الطريقة أظهر عند الرافعي، ولم يورد الإمام ومن تبعه غيرها، وقال الإمام: إن مثار التردد أن الخبر ليس على الحد المرضي في الصحة عند الشافعي – رحمه الله – وليس هو على حد التزييف عنده؛ فلذلك تردد قوله.
وقال الماوردي: إن صح الخبر أن أبا سعيد كان يخرج الأقط بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعلمه أجزأ قولاً واحداً، وإن لم يثبت أن أبا سعيد كان يخرج الأقط بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعلمه، ولا صح الخبر الآخر في إسناده – ففيه القولان، والقديم منهما: الجواز، والجديد: المنع؛ لما ذكرناه.
ثم إذا قلنا بالجواز – إما جزماً أو على قولٍ – فهل يقوم اللبن مقامه؟ فيه وجهان في "الحاوي" و"تعليق" القاضي الحسين "والإبانة" "والتتمة":
أحدهما: نعم، وهو الذي أورده الإمام والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ؛ فإنه أولى [معتبراً فيما يعتمد] الاقتيات، والجبن ملحق به أيضاً، لكن هل يجوز اللبن مع وجود الأقط؟ أو يجوز عند عدمه فقط؟ فيه وجهان: الذي قاله أبو الطيب: الأول، والذي أفهمه كلام الشيخ أبي حامد: الثاني، وقال البندنيجي: إنه نص عليه في القديم.
والوجه الثاني: أنه لا يجوز اللبن مطلقاً، وهو ما ادعى الماوردي أنه الأصح، [و] الفرق بينه وبين الأقط: وثبت الأثر في الأقط وعدمه في اللبن، ولأن الأقط له حالة ادخار فجاز كالتمر، واللبن بخلافه فلم يجز كالرطب.
قلت: والفرق الأول يقتضي إلحاق الجبن باللبن في المنع، وهو ما حكاه في "البحر" عن بعض المراوزة، والفرق الثاني يقتضي إلحاقه بالأقط في الجواز؛ لأنه يدخر، قال في "البحر": وهو الأصح.
ولا خلاف أنه لا يجزئ السمن؛ لأنه ليس قوتاً، وكذا المصل والكشك، وهل يجزئ اللحم على قولنا بإجزاء اللبن؟ حكى الإمام عن رواية العراقيين فيه قولين، قال: وهو بعيد؛ فإن إلحاق الأقط بما قدمَّناه يقرب من إلحاق الشيء بالشيء إذا كان في معناه أو يتصل بالشبه الظاهر، واللحم بعيد عنه، ولكنهم اعتقدوا الأقط أصلاً للنص فيه، وترقوا منه إلى اللبن؛ لأنه قوت، [ثم] قالوا: إنما يقوت من حيث إنه عصارة اللحم، فارتقوا منه إلى اللحم، والذي جزم به القاضيان أبو الطيب والحسين والماوردي: [المنع، وعنه احترزنا في دليل قول إجزاء الأقط بقولنا: وهو مما يجزئ فيه الكيل.
وكل هذا في أهل البادية إذا كان ذلك قوتهم لا غير، لو كان لهم قوت غيره لم يجزئهم بلا خلاف، وكذا لو كان قوت أهل الحاضرة لا غير؛ لأن ذلك نادر.
قاله الماوردي]، وقد حكى الرافعي في كتاب الظهار فيما إذ قلنا: يجزئ في كفارته الأقط، هل يختص بأهل البادية، أو يعم الحاضر والبادي؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج، ولا بعد في مجيئهما هاهنا، وقد أورد الماوردي على ما حكاه سؤالاً
فقال: فإن قيل: قد قال أبو سعيد: "كنا نخرج الأقط"، وهو من أهل الحضر.
قلنا: قد كان أبو سعيد يسكن البادية كثيراً؛ ألا ترى إلى قوله – عليه السلام – له: "إذا كانت في باديتك فارفع صوتك بالأذان"، على أن [قوله]: "كنا نخرج"، كناية عنه وعن غيره ممن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان كثير منهم أهل بادية.
فإن قلنا بعدم الإجزاء وإن كان قوتهم، قال أبو الطيب والماوردي: أخرجوا من قوت أقرب البلاد إليهم، فإن استوى بلدان في القرب وكان قوتهما مختلفاً قال أبو الطيب: تخيروا، والأفضل أن يخرج أغلاهما.
و [قال] في "التتمة": إن هكذا الحكم فيما إذا قلنا: الواجب في الفطرة على التعيين، لا على التخيير، فإن قلنا: إنه على التخيير – كما سيأتي – تخيروا من أي الأجناس شاءوا.
والأقط: بفتح الهمزة وكسر القاف، ويجوز إسكان القاف مع فتح الهمزة وكسرها، وهو لبن يابس غير منزوع الزبد.
قال: وتجب الفطرة مما يقتات به من هذه الأجناس؛ لأنها تابعة للمؤنة وواجبة في الفاضل عنها؛ فوجب أن تكون منها، وكما تعتبر في الزكاة ماشيته، وهذا ظاهر [نصه في "المختصر" و"الأم"] كما قال أبو الطيب والماوردي، وبه قال الإصطخري وأبو عبيد بن حربويه من أصحابنا، وقال ابن عبدان: إنه الصحيح عندي.
فعلى هذا لو كان يقتات من نوعين، [و] أحدهما الأغلب أخرج منه، فإن استويا أدى من أيهما شاء، والأفضل أن يؤدي من خيرهما، قاله القاضي الحسين، وفي "البحر".
وقيل: من غالب قوت البلد، أي: من وقت وجوب الفطرة، لا في جميع السنة،
كما قاله في "الوسيط" قال الرافعي: ولم أظفر بهذا التقييد في كلام غيره، ووجه هذا الوجه: قوله- عليه السلام -: "أغنوهم عن الطَّلب في هذا اليوم"، والإغناء إنما يحصل لهم بغالب قوتهم؛ لأنه إذا دفع إليهم ذرة أو شعيراً، وهم يأكلون الحنطة لم يحصل لهم بذلك غناء، واحتاجوا إلى صرفه فيما يقتاتون به حتى يستغنوا، وبالقياس على الكفارة.
وهذا قول ابن سريج وأبي إسحاق كما قال الماوردي والبندنجي، وقال القاضي أبو الطيب: إنه قول أكثر الأصحاب، وقالوا: قول الشافعي – رضي الله عنه -: " [من] غالب قوته"، إنما أراد به: [من] غالب قوت البلد؛ لأن غالب قوت [أهل] البلد غالب قوته، وهذا ما صححه في "الرافعي" و"البحر" وغيره.
فعلى هذا: إن كان [في الحجاز] أخرج التمر، وإن كان ببلاد العراق وخراسان ومصر فالحنطة، وإن كان بطبرستان أو جيلان فالأرز، ولو كان ببلد فيها أقوات مختلفة لا يفضل بعضها بعضاً أخرج من أيها شاء، والأفضل أن يخرج [من] أغلاها ثمناً، قاله البندنيجي.
قلت: ويتجه أن يقال: الأفضل أن يخرج الأعلى وإن كان قليل الثمن – كما سنذكره – وعليه ينطبق قوله في "المهذب": والأفضل أن يخرج من أفضلها.
قال: فن عدل عن القوت الواجب، أي: على قولنا إن الاعتبار بقوته أو بغالب قوت البلد، وفيها قوت غالب، إلى قوت أعلى منه - أجزأه؛ لأنه زاد خيراً فأِبه ما لو وجبت عليه بنت مخاض، فأخرج بنت لبون، وهذا ما أورده الجمهور، وحكاه الماوردي عن النص مع وجه آخر: أنه لا يجزئه؛ لأنه غير ما وجب عليه؛ فأشبه ما لو أخرج عن زكاة الشعير قمحاً، وعن زكاة الدراهم ذهباً.
والفرق على الأول ما قاله القاضي الحسين – رحمه الله – في "تعليقه": إن زكاة الفطر تتعلق بالقوت، والأعلى مما يقتات، وأما زكاة المال فإنها تتعلق بجنس ذلك النصاب الذي وجبت فيه الزكاة؛ فوجب أن يكون المخرج من جنسه.
وأورد الرافعي لنفسه قريباً منه فقال: الزكوات المالية متعلقة بالمال؛ [فأمر أن] يواسي الفقير مما واساه الله تعالى، والفطرة زكاة البدن؛ [فوقع] النظر فيها إلى ما هو غذاء البدن وبه قوامه، والأقوات متشاركة في هذا الغرض، وتعيُّن شيء منها رفقٌ، فإذا عدل [إلى الأعلى] كان في غرض هذه الزكاة؛ كما لو أخرج كرائم ماشيته.
قال: وإن عدل إلى ما دونه ففيه قولان:
أحدهما: لا يجزئه؛ لما فيه من الإضرار بالمستحقين، وهذا ما أورده الماوردي لا غير، سواء قلنا: إن الواجب من قوته أو غالب قوت البلد، وادعى بعض الشارحين أنه لم ير في الكتب المشهورة تفريعاً على اعتبار قوته غيره، وفيه ما ستعرفه.
فعلى هذا: هل يسترد ما دفعه إن كان باقياً، وصرح بأنه غير زكاته أو صدقة المدفوع إليه؟ يظهر أن يكون الحكم فيه كما لو أخرج الرديء من النقد عن الجيد منهن وقد ذكرته في باب زكاة الناض، والجامع: أن المقصود القوت، وهو اسم جامع؛ ولذلك جاز إخراج الأعلى [منهما] عن الأدنى، كما أن الذهب والفضة اسم جامع
لأنواعهما، ويجوز إخراج الأعلى منهما من الأدنى.
والثاني: يجزئه؛ لأن ظاهر الخبر يقتضي التخيير، فإذا أخرج بمقتضاه وجب أن يعتد به.
قلت: ويشهد لذلك ما تقدم فيما إذا أخرج الرديء من الذهب أو الفضة عن الجيد: أنه يجزئه على رأي، والجامع ما تقدم.
وقد روى القولين هكذا ابن الصباغ وغيره، والقاضي أبو الطيب قال: إن أبا إسحاق المروزي رواهما في الشرح هكذا، وإنه صحح الثاني.
وقال في "البحر": إن القاضي هو الذي صححه.
فلعله رآه في غير "تعليقه".
قال القاضي: ومن قال بالأول أجاب عن الخبر بأنه ليس بتخيير؛ وإنما معناه: صاعاً من تمر إن كان ذلك غالب القوت، يدل عليه: أن أبا سعيد – رحمه الله – ذكر التمر والزبيب، ولم يكن الزبيب قوتاً لأهل المدينة، وإنما كان قوت أهل الطائف، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: 33] فإنها على الترتيب، وإن كان ظاهرها التخيير.
وقد حكى البندنيجي القولين هكذا فيما إذا قلنا: إن الواجب من غالب قوت البلد، فأخرج من الأدنى منه، وقال: إنا إذا قلنا بعدم الإجزاء رجع حاصله إلى [أنه مخير بني قوت البلد وأعلى منه، وإذا قلنا] بالإجزاء رجع [حاصله] أن الأقوات التي يجب فيها [العشر] – وهو مخير فيها – يخرج منها ما شاء ويجزئه.
قلت: ويجوز أن نقول بالإجزاء وإن لم يكن مخيراً في الأصل كما تقدم نظيره، ويشهد له – أيضاً – أن من وجبت عليه الجمعة لو أوقع الظهر قبل فوات الجمعة وفاتته الجمعة، يجزئه ما أوقعه من الظهر عن فرضه على قولٍ، وإن لم يكن مخيراً بين الظهر والجمعة.
نعم، في أصل المسألة قول حكاه الماوردي عن نص الشافعي – رحمه الله – في بعض كتبه: أن الواجب صاع من الأقوات التي تجب فيها الزكاة على التخيير، واستدل له بالخبر، وبان الزكاة مواساة، والتخيير فيها أيسر، والتسوية بين جميعها أرفق، وقد أثبته في
"المهذب" وغيره وجهاً، وقال الإمام: إنه غير سديد، والخبر محمول على التنويع كما تقدم، والذي نص عليه في المختصر وأكثر كتبه – كما قال الماوردي – عدم التخيير، والواجب من غالب القوت، لكن قوته أو قوت بلده؟ [فيه ما] سبق] ".
وقد أفهم كلام الشيخ أن الواجب عله على القول الأول جنس ما يقتاته، سواء كان يليق بحاله أو كان أعلى منه أو دونه، وقد حكى ابن يونس – رحمه الله – فيما إذا كان يليق به البر وهو يأكل الشعير بخلاص [، فأخرج الشعير]: هل يجزئه أم لا؟ قولين أو وجهين، مأخذهما: أن النظر إلى ما يليق به أو إلى [ما يأكله]، وأن الصحيح: النظر إلى ما يليق بحاله.
وهذا لم أره فيما وقفت عليه، بل الذي رأيته فيها عدم الإجزاء مع قطع النظر عما ذكرناه من الخلاف السابق، وحكوا الخلاف فيما إذا كان يليق بحاله الشعير فاقتات البر ترقّعاً: هل يجزئه إخراج الشعير، أو يتعين البر؛ بناء على المأخذ المذكور؟ وصححوا الأول.
وقال الرافعي: يشبه أن يرجع الخلاف إلى اختلاف عبارتين للأصحاب في حكاية وجه ابن حربويه؛ فإن بعضهم حكى عنه أن المعتبر فيه قوت الشخص نفسه، وهو ما ذكره في ["الحاوي" و] "التهذيب"، وبعضهم حكى عنه أن المعتبر القوت اللائق بأمثاله، وهو ما حكاه الصيدلاني كما قال، وقال في "البحر": إن القائل بهذا هو القفال.
وإليه يرشد قوله في "التهذيب": ولم يورد الإمام غيره.
ثم قال الرافعي: وإن جرينا على الرواية الأولى لم يجزئه إخراج الشعير، وإن جرينا على الرواية الثانية أجزأه.
قلت: وهذا الذي قاله يرجع حاصله إلى نفي الخلاف في المسألة، وإنما يتم لو لم يقل بأن الاعتبار بقوت الشخص نفسه إلا ابن حربويه، وقد ذكرناه عن غيره.
ثم أعلى الأجناس المخرجة في الفطرة عند الماوردي وصاحب "البحر": البر والتمر، وهو نصه في "البويطي" كما قال في "البحر"، لكن أيهما أعلى من الآخر؟ فيه وجهان، أمثلهما بكلام الشافعي – رحمه الله – أنه البر؛ لأنه قال في "الأم":
"وإذا كان الرجل يقتات حبوباً مختلفة: شعيراً وحنطة وتمرا ًوزبيباً فالاختيار له أن يخرج زكاة الفطر من الحنطة، ومن أيها أخرج أجزأه، إن شاء الله تعالى"، وهذا يدل على أن الحنطة أعلى الأقوات عنده، وقد حكاه ابن المنذر عن الشافعي – رحمه الله – ولأجل ذلك صححه بعضهم، ووجهه بأنه أزيد في غرض الاقتيات، ولأنه قد اختلف في إجزاء مدين منه، ولم يختلف في أن الواجب من التمر صاع.
قال الماوردي: ولو قيل: إن أولاهما يختلف باختلاف البلاد، لكان مذهباً له في الاعتبار وجه.
والأمر [كما قال] كما ستعرفه.
وكما ادعى في "الوسيط" أن البر أشرف من التمر في غرض الاقتيات، [ولا نظر إلى القيمة والتمر أشرف من الزبيب في غرض الاقتيات]، وفي الزبيب مع الشعير تردد، وهذا التردد حكاه الإمام عن شيخه، وأنه كان يتردد في التمر والزبيب وأيهما يقدم على الآخر، وأنه كان يقدم التمر على الشعير.
قلت: وتقديمه التمر على الشعير مع تردده في الزبيب والشعير لا يستقيم معه التردد في التمر والزبيب، بل يتعين بمقتضى ذلك تقديم التمر على الزبيب كما أورده الغزالي، وقال الإمام: إنه الأولى.
وقد حكى القاضي أبو الطيب وغيره وجهاً: أن النظر في الأعلى إلى القيمة؛ فما كان أكثر قيمة فهو المعتبر، واستدل له بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [آل عمران: 92] وبقوله – عليه السلام – وقد سئل عن أفضل الرقاب: "أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها"، وهذا الوجه قد حكيت جزم البندنيجي به من قبل.
قال الرافعي: وعلى هذا تختلف الأحوال باختلاف [البلاد ولأوقات] إلا أن يعتبر زيادة القيمة في الأكثر.
قلت: وإلى اعتبار زيادة القيمة في الأكثر نظر البغوي حيث قال: لو أخرج التمر
عن القمح أو الشعير، لا يجزئه على الأصح وإنه يجوز إخراجهما عن التمر على الأصح؛ فإن الوجه [إجزاء التمر عن] القمح، وعدم إجزاء القمح عن التمر، وهو [الوجه] الصائر إلى أن النظر إلى القيمة لا إلى الأغلب في الاقتيات؛ فإن الغالب أن قيمة التمر أكثر، ولو كان ناظراً إلى القيمة في كل زمان لم يطلق القول بأنه يجزئ على وجه مطلقاً؛ بل كان يقيده بما إذا لم تنقص قيمته عن القمح، لكن القاضي الحسين قطع بعدم الإجزاء فيما إذا كانت قيمة التمر أقل، والله أعلم.
قال: ولا يجزئ صاع، أي: عن شخص واحد، من جنسين؛ كما لا يجزئ في كفارة اليمين أن يطعم خمسة ويكسو خمسة بلا خلاف عندنا، وحكى الإمام عن بعض الأصحاب وجهاً- قال: إنه غير معدود من المذهب- أنه لو أخرج نصف صاع من شعير حيث يجزئه؛ لكونه غالب قوت البلد، فنصف صاع من بر يجزئه؛ لأنه لو أخرج بقية الصاع شعيراً قبلناه فإذا أخرجه من الأعلى كان أولى بالقبول.
وقد نسبه الرافعي إلى رواية بعض المتأخرين، قال الإمام: وهو لا يجزئ بالاتفاق فيما لو استوى الجنسان، وقد أطلق ابن يونس حكاية وجه في الإجزاء من غير تفصيل.
قال: وإن كان [عبد بين] نفسين مختلفي القوت، أي: وفرعنا على أن الاعتبار بقوت الشخص نفسه، كما هو ظاهر المذهب كما قال البندنيجي- فقد قيل: يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته؛ لأنه لم ينتقص ما عليه.
وهذا ما اختاره ابن الحداد، وصححه الرافعي والمتولي، [والنووي] وشبهه بما إذا قتل ثلاثة من المحرمين ظبية، فأخرج أحدهم ثلث شاة، وأطعم الثاني بقيمة ثلث شاة، وصام الثالث عدل ذلك – فإنه يجزئ اتفاقاً، ولو كان القاتل لها واحداً لم يجزئه ذلك على أحد الوجهين.
وقيل: يخرجان من أدنى القوتين، حذارا من ضرر التبعيض اللاحق بالمستحقين والإجحاف بالمخرج؛ فإن من قوته الأعلى يقدر على إخراج الأدنى، ومن قوته الأدنى لا يقدر على إخراج الأعلى؛ فلو كلفناه أن يخرج من الأعلى لأجحفنا به.
وهذان الوجهان [هكذا] منسوبان إلى ابن سريج وأبي إسحاق كما قال [الجمهور، وقال] البندنيجي: وهما فرعا ذلك على ظاهر المذهب [في أن] الاعتبار بقوت، لا على مذهبهما في أن الاعتبار بغالب قوت البلد، وينبنيان كما قال الشيخ أبو علي على أن فطرة العبد تجب على السيد ابتداء أو تحملاً فالأول علىقولنا: إنها تجب على السيد ابتداء، والثاني على أنها تجب عليه تحملاً؛ لأن الصاع واجب عن واحد، والشيء لا يتحمل ضماناً إلا كما وجب، لكن ما المنسوب إلى ابن سريج منهما، وإلى أبي إسحاق؟ الجمهور على نسبة الأول إلى أبي إسحاق، والثاني إلى ابن سريج، وعكس الفوراني والبغوي ذلك: فنسبا الأول إلى ابن سرجي، والثاني إلى أبي إسحاق، ونسب الإمام إلى ابن سريج عدم إجزائه من جنسين، لكنه قال: إنا إذا قلنا به لم نقل لمن قوته البر أن يخرج الشعير موافقة لمن قوته الشعير؛ بل على من قوته الشعير أن يخرج نصف صاع من بر، لا وجه غيره وإن كان يجر إجحافاً، وبهذا يتجه ما اختاره ابن الحداد.
وقيل: يخرجان من قوت البلد الذي فيه العبد [بناء] على أنها وجبت على العبد ويتحملها السيد عنه، وأن الاعتبار بغالب قوت البلد كما هو مذهب ابن سريج وأبي إسحاق.
وإن قلنا بظاهر المذهب، وهو [أن] الاعتبار بقوت الشخص نفسه – أخرجا من قوت العبد.
وقال البندنيجي: إنا إذا قلنا باعتبار قوت الشخص نفسه فمذهب أبي إسحاق أنه يجزئ أيضاً صاع من جنسين، وقال ابن سريج: لا يجزئ.
وقال الرافعي: يشبه أن يخرج على الوجهين فيما إذا اعتبرنا قوتهما وكانا مختلفي القوت، والأب إذا كان في نفقة ولدين فالقول في إخراج الفطرة عنه كالقول في السيدين، وكذا العبد [الذي] بعضه حر وبعضه رقيق، وقوت العبد والمولى مختلف قاله الرافعي وغيره.
والوجه الآخر في الكتاب: يجزئ فيما لو كان [العبد] كله لشخص وهو في
بلدة وسيده في أخرى، وقوت البلدين مختلف – فيجب على السيد أن يخرج من قوت البلد الذي فيه العبد؛ بناء على أنه متحمل، ذكره في "التهذيب".
وعليه يخرج – أيضاً – ما حكاه القاضي الحسين وصاحب "البحر" فيما إذا كان له نصف عبدين وقوتهما الشعير، فأراد أن يخرج عن أحدهما نصف صاع شعير وعن الآخر نصف صاع بر – أنه يجوز.
ويجيء على قولنا: إن الواجب يتلقاه السيد ابتداء، أنه لا يجوز؛ لأنه وجب عليه صاع فلا يجزئ من جنسين، كما لو أخرجه عن نفسه، وقد حكاه القاضي أبو الطيب أيضاً.
ولو كان له من تلزمه نفقتهم فأراد أن يخرج عن كل واحد صاعاً من جنس – فقد أطلق القاضي الحسين وصاحب "البحر" القول بالإجزاء، وقال البندنيجي: إنا إذا قلنا بالتخيير جاز، وإن قلنا: بتعيين غالب قوت البلد أو قوته، فأخرج منه أو من الأعلى أجزأه، وإن أخرج من الأدنى لم يجزئه.
قال: وإن كانوا في بادية لا قوت لهم فيها أخرجوا من قوت أقرب البلاد إليهم، [كما لو لم يكن نقد غالب يقوم به؛ فإنه يعدل إلى غالب نقد أقرب البلاد إليهم].
فلو استوى بلدان في القرب، واختلف الغالب من أقواتهما [تخير]، والأفضل أن يخرج [من] الأعلى كما تقدم.
والبادية: من البدو، بمعنى: مأخوذ من البدو، وهو الظهور.
قال: ولا يؤخذ في الفطرة دقيق ولا سويق؛ لأنه بدل، ولا مدخل للأبدال في الزكوات، ولأنه أنقص من الحق؛ ففي أخذه إضرار بمستحقه، والسويق نوع متخذ من القمح على ما سنذكره في كتاب الأيمان لا ما يفهم عرفاً.
وهذا ما حكاه القاضي الحسين لا غير.
وذهب أبو القاسم بن بشار الأنماطي من أصحابنا إلى أن الدقيق أصل وكذا السويق لأنه جاء في خبر أبي سعيد الخدري- كما رواه سفيان بن عيينة: "أو صاعاً من دقيق"، وقد حكاه الإمام قولاً عن رواية العراقيين؛ أخذاً من الأقط المضاف إلى
اللبن، وقال: إنه مزيف لا أصل له.
وغيره قال: إنه ليس بشيء؛ لان هذه الزيادة لم تثبت، وقد قال أبو داود: "إن سفيان بن عيينة وهم فيها ثم رجع عنها"، وإذا رجع الراوي عما رواه سقط الاحتجاج به، ولأنه أزيل عن كونه حبّاً فنقصت منفعته؛ فوجب ألا يكون أصلاً في زكاة الفطر كالخبز.
وقد قال ابن عبدان: [إن] قول الأنماطي يقتضي قياسه إجزاء الخبر أيضاً: وقال: إن قوله هو الصحيح؛ لان المقصود إشباع المساكين في هذا اليوم، والله أعلم.
قال: ولا حب معيب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267]، ولأنها تجب من القوت الغالب، والغالب السلامة، قال القاضي الحسين في "تعليقه": وهذا فيما إذا كان له غيره، أما إذا لم يكن له سوى المسوس والمعيب وهو يقتات منه، جاز له أن يخرج منه.
قلت: وعلى هذا ينبغي أن يخرج من المسوس قدراً يتحقق أنه يملأ الصاع من اللب بقشره لو أخرجه، كما ستعرفه [في الأقط.
والعيب تارة يكون بسبب تسوسه، وتارة بسبب دود فيه]، أو نتنته، أو تغير لونه كما قال الماوردي، وكل ما ينقص قيمته كما قال غيره.
ويجزئ فيه العتيق الصحيح الحب كما نص عليه، لكن المستحب إخراج الجديد [الحديث].
وحيث جوزنا إخراج الأقط، قال الإمام: فلا يجزئ المملح كثيراً؛ لأنه عيب فيه، ولو كان ملحه على الوجه المعتاد فلا يجزئ- أيضاً- لأن الملح [غير مجزئ] وهو ينقص من مكيلة الأقط، فإن أخرج منه مقداراً زائداً أو كانت الزيادة تقابل وزن الملح جاز، والمرجع في ذلك إلى أهله، والله أعلم.
باب قسم الصدقات
القَسْم - بفتح القاف-: مصدر بمعنى: القسمة، وبكسر القاف: النصيب: والصدقات: جمع "صدقة"، وهي تطلق على الواجب وعلى التطوع، والمراد بها [في الباب]: زكوات الأموال، كما ستعرفه.
وجمع "الصدقة" لاختلاف أنواعها: فإنها تارة تكون من الماشية، [وتارة من الحَبِّ، وتارة من التمر]، وتارة من جوهر النقد، واسم "الصدقة" يقع عليها، وكذا اسم "الزكاة"، وإن غلب على أفواه العوام - كما قال الشافعي رحمه الله في القديم - أن الواجب من الماشية: صدقة، ومن الحب والتمر: عشر، ومن الذهب والورق: زكاة، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] وهي عامة في جميع المأخوذ من الأموال كما تقدم، وقال - عليه السلام -:"ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة"، "وفي الكرم يخرص كما تخرص النخل، أو تؤدَّى زكاته زبيباً كما تؤدَّى زكاة النخل تمراً".
قال: ومن وجبت عليه الزكاة وقدر على إخراجها لم يجز له تأخيرها؛ لأنه حق وجب عليه، وقدر على أدائه مع قيام القرينة الدالة على طلبه، [وهي] تنجز حاجات الأصناف؛ فتعين عليه أداؤه على الفور؛ كما لو كان عليه دين حالٌّ وعنده عين، طلب ذلك ربه أو وكيله، ولا عذر في تأخيره.
أو نقول: الزكاة فرض يتكرر وجوبه في كل عام مرة؛ فوجب أن يكون عند التمكن من أدائه على الفور كالصيام.
وهذا في زكاة الأموال، أما زكاة الفطر فقد تقدم أن وجوبها موسع بليلة الفطر ويومه على الصحيح، وبيومه فقط على مقابله.
ثم قول الشيخ: "وقدر على إخراجها" إنما يحتاج إليه إذا قلنا إن التمكن شرط [في] الضمان كما هو الصحيح، وعليه فرع الشيخ - رحمه الله - أما إذا قلنا: إنه
شرط في الوجوب، فلا يحتاج إلى ذكره.
وقد تقدم في باب صدقة المواشي تسير القدرة فليطلب منه.
ومؤنة إيصال الزكاة إلى الساعي أو أهل الأصناف على المؤدي، حتى لو كان المخرج بعيراً جموحاً كان عليه العقال، وعلى هذه الحالة حمل أصحابنا قول أبي بكر – رضي الله عنه – في حق مانعي الزكاة: "لو منعوني عقالاً مما أعطوا رسول الله صل الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه"، كذا حكاه القاضي الحسين في باب عفو المجني عليه، لكنه قال في أول كتاب الزكاة: إن البعير إذا كان شارداً لا يمكن تسليمه إلا بالعقال؛ فعليه تسليمه بالعقال ثم يسترد العقال.
وقد حكيته من قبل.
والمذكور في "التتمة" قبل الفصل الرابع فيما يحصل به التمكين: الأول، وقد قيل: إنه – عليه السلام – أراد بالعقال: صدقة عام؛ فإن العقال – بفتح العين -: صدقة العام.
قال: فإن آخَّرها أثم؛ لترك ما تعيَّن عليه فعله على الفور مع القدرة.
قال: وضمن – أي الزكاة إن أتلف المال أو بعضه، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب كما تقدمن لأنه بالامتناع خرج عن أن تكون الزكاة أمانة في يده فضمنها كالغاصب إذا تلفت العين في يده، كذا قاله أبو الطيب.
لكن الغاصب إذا تلفت العين
في يده وكانت من ذوات القيم ضمنها بالقيمة، وهنا يضمنها بالمثل الصوري، وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين تلعق شركة؛ لأنه لو فعل ذلك مع بقاء المال لأجزأه فتعيَن عند عدمه، وقد قدمت حكاية ذلك عن الأصحاب في أواخر باب زكاة النبات.
نعم، لو تلف النصاب بعد التمكن وعسر الوصول إلى الشاة، ومسَّت حاجة المساكين – قال الإمام قبل باب ما يسقط الزكاة عن الماشية: فالظاهر عندي أنه يخرج القيمة للضرورة.
ولعل هذا يناظر ما لو أتلف الرجل مثليًّا وألزم المثل، ثم أعوزه، وتوجهت المطالبة – فالرجوع إلى القيمة، فلو وجد المثل بعد أخذ القيمة فهل يجب المثل وتسترد القيمة؟ [فيه خلاف، وقد يتجه مثله في الزكاة، والأشبه فيها أخذ القيمة] وانقطاع الطلابة بالكلية، وهذا فيما إذا كانت الشاة من جنس الأصل، فلو كانت عن الإبل فقد تقدم حكمها.
قال: وإن منعها جاحداً لوجوبها – أي: وهو قديم العهد بالإسلام، ناشئٌ بين المسلمين – كفر، وأخذت منه، [وقتل بكفره]:
أما الحكم بكفره وقتله به فوجهه: أن الزكاة مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها؛ فمن جحدها فقد كذبه فيما جاء به، ومن كذبه كفر، ويجب قتاله وقتله.
قال القاضي أبو الطيب: فإن قيل: هذا مخالف لمذهب الشافعي – رحمه الله – لأن عنده أن مانعي الزكاة على عهد أبي بكر – رضي الله عنه – لم يكونوا كفاراً؛ لأنهم قالوا: ما كفرنا بعد إيماننا، لكنا شححنا على أموالنا، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ زكاتنا، وأما أبو بكر فلا حق له فيها؛ فهلا أوجب الشافعي – رحمه الله – قتال جاحديها، ولم يحكم بكفرهم كهؤلاء.
قلنا: إنما لم يحكم بكفرهم؛ لأن الإجماع لم يكن استقر على وجوب الزكاة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يظنون أن وجوبها متعلق بدفعها إليه – صلوات الله عليه – خاصة، فلما استقر إجماع الصحابة ومن بعدهم على وجوبها كفر جاحدوها؛ ألا ترى أن عمرو بن معد يكرب وقدامة بن مظعون كانا يعتقدان إباحة الخمر [بعد تحريمها، ويتأولان قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا
اتَّقَوْا} الآية [المائدة: 93] ويقولون: نحن قد اتقينا وعملنا الصالحات، ولا يقال: إنهما كفرا بذلك؛ لأن الإجماع على تحريم الخمر] لم يكن قد استقر، [والآن قد] استقر، ونقل عنهما أنهما رجعا عن ذلك لما قيل لهما: إن الآية نزلت فيما طعموا قبل الإسلام وقبل نزول التحريم لا في المستقبل؛ فمن أباحها الآن فقد كفر.
قلت: وما ذكره القاضي يفهم إفهاماً ظاهراً أن مانعيها في زمن أبي بكر – رضي الله عنه – خالفوا في بقاء الوجوب، [وفي ذلك تعريض] بمخالفة غيرهم من الصحابة فيه أيضاً، وعبارة الماوردي دالة عليه؛ [فإنه قال بعد حكاية مناظرة عمر أبا بكر –رضي الله عنهما – في مقاتلة مانعي الزكاة ورده عليه]: فأجمعت الصحابة معه على وجوبها بعد مخالفتهم له، وأطاعوه على قتال مانعيها بعد إنكارهم عليه؛ فثبت وجوبها بالكتاب والسنة والإجماع.
أما إذا كان قريب عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية [بعيدة] عن بلاد الإسلام – فيعذر إلى أن يعرف وجوب ذلك.
وأما أخذها منه؛ فلأنها حق مالي تعلق بذمته أو بماله فلم يسقط بكفره كديون الآدميين.
قال: فإن منعها بخلاً بها، أي: وهو في قبضة الإمام – أخذت منه، أي: سواء كان ماله ظاهرا ً أو باطناً، لما تقدم.
وقال القاضي الحسين في قسم الصدقات، وتبعه المتولي: لأي معنى أخذت منه؟ فيه معنيان:
أحدهما: أن زكاة الأموال الباطنة والظاهرة كانت تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى خلفائه إلا أن عثمان – رضي الله عنه – فوض [صرف زكاة] المال الباطن إلى ربه باجتهاده، فإذا ظهر منه التقصير كان للإمام المطالبة، وعلى هذا لو وجب على شخص نذر أو كفارة لا يطالبه الإمام بإخراجها.
والثاني: أن الزكاة من حقوق الله – تعالى – والإمام نائب عنه، فإذا علم من قوم التقصير فيه استوفاه؛ كما إذا علم من قوم ترك الصلاة أمرهم بها، وعلى هذا يطالب بالنذور والكفارات، وسيأتي في ذلك كلام من بعد.
وهل ينوي الإمام عنه
في هذه الحالة؟ سنذكره.
قال: وعزر [على ذلك]، أي: إن علم التحريم؛ لأنه أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة.
وحكى القاضي أبو الطيب في أول كتاب الزكاة عن القديم: أنه يؤخذ مع الزكاة شطر ماله عقوبة له؛ لقوله-عليه السلام-: "في كلِّ أربعين من الإبل السَّائمة بنت لبون، من أعطاها مؤتجراً بها فله أجرها، ومن منعها بخلاً بها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمةً من عزمات ربنا، ليس لآل محمَّدٍ منها شيء".
وحينئذ يكون في المسألة قولان، القديم: هذا، والجديد: الأول، وهو وجوب التعزير دون شطر المال، وبعضهم [قطع] به، وحجته قوله – عليه السلام -: "ليس في المال حقٌّ سوى الزَّكاة"؛ ولأنه لو دفعها ثم أخذها ومنعها لم يجب عليه شطر ماله، مع أن ملك أهل السُّهمان لها بعد القبض مستقر؛ فعدم وجوبه بالمنع قبل الاستقرار أولى، والحديث قد ضعَّفه الشافعي – رحمه الله – قال الأصحاب: وإن صح فجوابه: أنه كان في صدر الإسلام حين كانت العقوبات في
الأموال: فكان الزاني يؤخذ جميع ماله، والسارق يغرم مثلي ما سرق، وعليه جَلَداتٌ نكالاً، ومانع الزكاة يؤخذ شطر ماله، ثم نسخ ذلك، قال في "الروضة": وهذا ضعيف؛ لأن النسخ يحتاج إلى دليل، [وهو غير ظاهر هنا].
أما إذا كان خارجاً عن طاعة الإمام، وهو في منعةٍ لا يقدر عليه – كان للإمام قتاله، وعلى الرعية معاونته حتى يؤديها، قاله في "البحر" [هنا، وقد تعرض له الشيخ] في باب قتال أهل البغي.
قال: فإن غلَّها أخذت منه وعزر، أي: إن علم تحريم ذلك، وكان الإمام عادلاً كما نص عليه، ووجهه: ما تقدم.
ويجيء فيه القول القديم السابق، وهو مذهب أحمد، واستدل له برواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من غلَّ صدقته فإنَّا آخذوها وشطر ماله، عزمةً من عزمات ربِّنا، ليس لآل محمد فيها نصيب"، وحجتنا عليه: ما تقدم.
وقد أفهم كلام القاضي أبي الطيب وغيره أن القول القديم لا يجزئ فيه؛ لأنهم قالوا: والخبر [قد] قال الشافعي – رحمه الله -:إن صح [إسناده] قلت به.
قال الماوردي: واختلف أصحابنا فيه:
فقال بعضهم: [عني: إن صح إسناده وثبت نقله [قلت به وعملت]؛ لأن رواية بهز بن حكيم ضعيفة.
وقال أبو العباس: بل معناه: إن صح ثبوت حكمه، وأنه [غير منسوخ]، ولم يكن أصلٌ يدفعه ولا إجماع يخالفه –قلت به.
وأصول الشرع تدفعه، وإجماع الصحابة على ترك العمل به يخالفه بالتحريم؛ فلم يكن [فيه مع صحة إسناده حجة].
أما إذا كان [غير عالم] بالتحريم؛ لقرب عهده بالإسلام ونحوه، أو كان الإمام جائراً – قال البندنيجي: [يعني] كالخارجي والمتغلب – فلا يعزر؛ لأنه ربما غلها ليفرقها بنفسه خوفاً من ألا يضعها الإمام موضعها؛ فهو عذر في حقه، كذا قاله الماوردي وابن الصباغ وغيرهما، قوال الفوراني: إن ادعى شبهة لنفسه مثل أن قال: أخفيتها عنك؛ لأنك جائر، فأحببت أن أتولى الدف بنفسي – لم يعزَّر وإن لم يدع شبهة عزر.
وغلها: إخفاؤها [بإخفاء ماله] أو بعضه؛ حتى لا يراه الساعي، وقال القاضي الحسين: الغلول: أن يخفي بعض ماله لينقص [ما ظهر] من زكاته، قال الأزهري: وأصله من غلول الغنيمة وهي الخيانة فيها، قال: والإغلال: الخيانة في شيء يؤتمن عليه، وقال أبو عبيد: الغلول من المغنم خاصة، ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد، [ومما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة]: أغلَّ يغلُّ، ومن الحقد: غلَّ يغلُّ – بكسر العين- ومن الغلول: غلَّ يَغُلُّ، بالضم.
قال: وإن قال: بعته، ثم اشتريته، ولم يحل عليه الحول [بعد] وما أشبه ذلك مما يخالف الظاهر، [أي]: كما إذا قال: أديت زكاتها لساع آخر قريباً، أو: ليست لي وإنما هي وديعة [ثم اشتريتها،] وليس عندي حساب حولان [حولها] أو تفصيل أمرها، أو: هي وديعة لذميّ، أو كانت عندي ودية ثم اشتريتها، ولم يمض الحول من حين الشراء – حلف عليه، أي: إيجاباً؛ لأن دعواه تخالف الظاهر فحلف، وإن كان أميناً كالمودع إذا ادعى تلف الوديعة، وقيل: يحلف استحباباً؛ لأنها لو وجبت إذا كانت دعواه تخالف الظاهر لوجبت إذا وافقت الظاهر كالمودع، وهي لا تجب؛ لما سنذكره، فكذا هنا، وهذا ما صححه النواوي – رحمه الله –واقتضى إيراد القاضي أبي الطيب ترجيحه، واختيار الإمام كما ستعرفه.
والوجهان متوافقان على تحليفه، ومحلهما: إذا اتهمه فيما قاله، أما إذا لم يتهمه فلا يحلفه، قاله
الماوردي، وسنذكر عن الإمام ما يوافقه.
وقد حكى القاضي الحسين – وتبعه الإمام – وجهاً: أنه لا يحلف أصلاً، وستعرفه من كلامهما الآتي من بعد وادعى الإمام أن هذه [الصورة تفرع] لا محالة على أنه يتعين دفع الأموال الظاهرة إلى السلطان.
قال: وإن قال: لم يحل عليه الحول بعد، وما أشبه ذلك مما لا يخالف [الظاهر]، أي: مثل أن قال: هذه السَّخال نتجت بعد الحول، ولا ظاهر يكذبه، أو قال: ما كانت الأمهات نصاباً، وإنما كمل النصاب بالسخال؛ فالحول من حين كمل النصاب ولم يمض بعد، أو قال: هذه السخال من غير الأمهات؛ فلا تعد معها – كما قاله البندنيجي وغيره – حلف استحبابا؛ لأن دعواه لا تخالف الظاهر، والزكاة مبنية على الرِّفق والمواساة؛ فلو أوجبنا اليمين خرجت عن حد الرفق والمواساة.
وهذا الذي ذكره الشيخ في المسألتين، هو الذي أورده العراقيون، وحكى الماوردي وجهين في قوله: بعته ثم اشتريته، ولم يحل عليه الحول – هل هو [من المخالف] للظاهر حتى يكون في وجوب اليمين الخلاف السابق، أو من الموافق للظاهر حتى تكون مستحبة قولاً واحداً؟ والصحيح الأول.
وقد جمع القاضي الحسين والفوراني بين صور الدعوى المخالفة للظاهر والموافقة له، وقالا: على الساعي أن يصدقه؛ لأنه أمين، فإن اتهمه أحلفه، وهذا نصه في "المختصر" فيما إذا ادعى الدفع لساع آخر.
قالا: وهذا الاستحلاف على معنى الاستحباب [أو على معنى الإيجاب]؟ فيه وجهان، المنسوب منهما في "تعليق" القاضي الحسين إلى ابن سريج: الثاني، وسلك الإمام طريقاً آخر ملخصه في جميع الصور: أن الساعي إذا لم يتهم رب المال فيما ادعاه، ودعواه لا تخالف الظاهر فلا يحلف، [وإن اتهمه] ودعواه تخالف الظاهر حلف.
وإن خالفت دعواه الظاهر، لكنه عدل غير متهم، وإن كان الظاهر لا يكذبه واتهمه الساعي: فهل
يحلف؟ فيه وجهان.
ثم إذا قلنا: يحلف، فهل هو مستحب أو مستحق؟ فيه اختلاف للأئمة:
فإن قلنا: إنها مستحبة، قال الإمام: فالذي أراه أنه يعرف ذلك، ولا يحرم عليه القول بالحلف؛ فإن أمر الإمام إرهاق، فإن امتنع أن يحلف لم يؤخذ منه شيء.
وإن قلنا: إنها واجبة، فالذي حكاه العراقيون هاهنا: أنها تؤخذ منه؛ حيث قالوا: [إن الحلف واجب.
وهو ما إذا كانت دعواه تخالف الظاهر وإنهم قالوا]: وليس ذلك قضاء بالنكول عن اليمين لكن بالوجوب الذي اقتضاه الظاهر الذي [لم يسقطه بيمينه]؛ كما أن الزوجة إذا لم تلاعن يجب عليها حدُّ القذف الذي وجب بلعان الزوج، ولم يسقط بيمينها.
وقال ابن القاص: إن أخذ الزكاة منه في هذه الحالة حكم بالنكول.
قال القاضي أبو الطيب هنا: وهو وهم منه، وليس على مذهب الشافعي حكم بالنكول بحال.
وقال القاضي أبو الطيب في موضع آخر ما يقتضي مساعدة ابن القاص، وقد حكيته في باب اليمين في الدعاوى فليطلب منه.
وقال أبو العباس بن سريج: لا يجوز أن يأخذ الزكاة منه [بنكوله، لكن يحبس حتى يحلف أو يؤدي؛ لأن في أخذ الزكاة منه] حكماً عليه بالنكول، ولا يجوز ذلك على مذهب الشافعي.
قال الماوردي: وهذا الذي قاله غلط على الشافعي وعلى نفسه:
فأما غلطه على الشافعي فمن وجهين:
أحدهما: أنه خالف نص مذهبه.
والثاني: أنه جهل تعليل قوله؛ لأن العلة في أخذ الزكاة منه: الظاهر المتقدم، لا النكول الطارئ.
وأما غلطه على نفسه فهو أنه أوجب حبس رب المال بنكوله، والنكول لا يوجب الحبس كما لا يوجب الحكم بالحق؛ فكان مثل ما ارتكبه مساوياً لمثل ما أنكره.
وقال المراوزة: حيث قلنا: اليمين مستحقة كما تقدم، فامتنع منها: فهل نقضي
عليه بالنكول؟ ينظر:
فإن كان في موضع أهل السُّهمان فيه محصورون، وقلنا: لا يجوز نقل الصدقة عنهم – فلا نقضي عليه به، بل المستحقون يحلفون إن أرادوا فإن لم يحلفوا ترك قال القاضي الحسين: وإنما قلنا ذلك؛ لأن الشافعي – رحمه الله – قال: ولو وجبت عليه الزكاة وهناك ساكنون محصورون، فلم يدفع الزكاة إليهم حتى ماتوا - قال: تعطى الزكاة [إلى] ورثتهم، وكذا لو صاروا أغنياء تعطى إليهم.
فجعلهم بمنزلة أرباب الديون، وهذا ما حكاه الإمام عن كثير من أئمتنا، وأنه الذي ذكره الصيدلاني، ثم: قال إن من أئمتنا من قال: لا تردُّ اليمين عليهم وإن تعينوا بسبب الانحصار ومنع النقل، وإنه الذي ذكره العراقيون، وهو في بعض تصانيف المراوزة؛ لأنهم وإن تعيَّنوا فسببه انحصارهم، وإلا فالزكاة تتعلق في قاعدة الشرع [الصفات لا بالأعيان].
ثم من يرى الرد عليهم فإنما ذاك فيه إذا ادعوا، قال: والقول في أن دعواهم هل تسمع وهل لها وقع، يخرج عندي على أن اليمين هل ترد عليهم لو نكل رب المال أم لا؟ وسنذكر- إن شاء الله تعالى – في الباب ما أبداه من البحث في تتمة ذلك في موضعه.
وإن كان أهل السُّهمان غير محصورين أو محصورين لكنا لم نمنع النقل، أو منعناه، وقلنا: لا يحلفون عند نكول رب المال – فهل نقضي عليه بالنكول؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا؛ عملاً بقاعدة الشافعي – رحمه الله – المستقرة، وعلى هذا قال الإمام: فهل نخلي سبيله أو يحبس حتى يحلف أو يعترف؟ اختلف فيه أصحابنا وظاهر المذهب: الأول، وقائل الثاني يعلله بأنا إذا كنا نخليه فلا فائدة للحكم بوجوب اليمين عليه والقضاء بأن استحلافه مستحق؛ فتعين حبسه حتى يحلف أو يعترف، قال الإمام: والحبس ليحلف، خروجٌ عن قاعدة الشافعي – رحمه الله – وانسلال عن الضبط بالكلية، ولكن يجب القطع بإنه إذا كنا لا نقضي عليه بالنكول ولا يحبس؛ فلا يجب استحلافه، ولا يتفرع هذا قطعاً على رأي من يوجب الاستحلاف، ويجب رد الكلام إلى أنا إذا لم نقض بنكوله فلا يجب استحلافه، ومن تخيل خلاف ذلك فقد عاند، ويخرج من مضمون ذلك أن من الوجه نفي إيجاب الاستحلاف.
قلت: وقد يظن ظان أن القول بحبسه قد ذكره الشيخ حيث قال في باب اليمين في الدعاوي: فإن نكل عن اليمين فإن كان الحق لغير معين [كالمسلمين والفقراء حبس] المدعى عليه حتى يحلف أو يدفع الحق.
وليس الأمر كذلك؛ لأن الشيخ ذكر هذا حيث تكون اليمين واجبة وهاهنا إنما تكون [اليمين] واجبة عند العراقيين فيما إذا كانت دعواه تخالف الظاهر واتهم، وهو إذا امتنع عنها في هذه الحالة أخذت منه الزكاة؛ لما ذكرناه؛ فلا حبس.
والوجه الثاني: أنه يقضي عليه بالنكول للضرورة، وإنما لا يقضي به في حق الآدميين؛ لإمكان حلفهم.
وعلى هذا إذا: قضى به، قال مجلي: فهل يأخذها من ماله أو يحبسه حتى يؤديها؟ فيه وجهان.
وقال القاضي الحسين هل تؤخذ من ماله أو يحبس [إلى أن] يقر أو يؤدي؟ فيه وجهان لابن سريج، وكذا حكاهما في "الإبانة".
والوجه الثالث- وهو الذي صححه الفوراني، وقال الإمام: إنه أعدل الوجوه – أن رب المال إن تصور بصورة مدعى عليه فلا يقضي عليه به طرداً للقياس، وإن تصور في صورة مدعٍ قضي عليه به؛ فإنه لو حلف لكان على صورة مدعٍ مثبت، فإذا احتمل ذلك في تحليفه فليجر في نكوله على قياس نكول المدعي، ولو نكل المدعي عن اليمين المردودة عليه [لقضي عليه بنكوله].
قال الإمام: ومع هذا فيه شيء؛ فإن المودع إذا [ما] دعى رد الوديعة فاليمين فيها معروضة عليه، وهو على صورة المدعين، ولو نكل لم يقض عليه بنكوله، ولكن سبب منع القضاء عليه إمكان الرد على الخصم الذي هو مالك الوديعة، والرد غير ممكن في الزكاة وانضم إليه تصور من عليه الزكاة بصورة المدَّعين فقيل إنه [يقضي عليه مثل تصوُّره بصورة] المدعي عليه بما إذا قال: لم يحل [عليه] الحول، أو: ليس المال لي وإنما هو وديعة عندي، وتصوره بصورة المدعى بما إذا قال: قد
أديت الزكاة إلى ساع آخر، أو: بعت المال ثم اشريته.
وجعل الفوراني قوله: لم يحل عليه الحول، من القسم الثاني.
والذي ذكره القاضي [الحسين] في حكاية الوجه [الثالث]، وعزاه إلى ابن سريج: أنه إن تصور بصورة المدعي عليه ونكل عن اليمين فلا يقضي عليه بالزكاة، وإن تصور بصورة المدعين، فإذا نكل قضي عليه لا بنكوله، لكن بالسبب السابق الذي أوجب الزكاة، ولم يأت بحجة يسقطها عنه، ومثل الصورتين بما ذكره الإمام، وحقيقة هذا الوجه ترجع إلى ما قاله العراقيون لولا أنه قاض بأنه إذا قال: ليس المال لي، بعدم الأخذ منه، فتأمله.
والله أعلم.
قال: وإن بذل الزكاة قبلت منه؛ لتبرأ ذمته، وتصل إلى مستحقيها.
قال: والمستحب أن يدعي له؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أي: ادع لهم كما قاله الأكثرون، وبه أخذ الشافعي، وإن [كان] ابن عباس قال: "إن المراد بالصلاة الاستغفار"،ولأن في العداء له ترغيباً في الخير وتطييباً لقلبه.
فإن قيل: ظاهر الأمر الوجوب، فلم عدلتم عنه، وهذا ظاهر قوله في "المختصر": "فحق على الوالي إذا أخذ صدقة امرئ أن يدعو له]، يقتضي الوجوب، فلم عدلتم عنه؟
قلنا: قد قال بظاهر هذا النص بعضهم؛ فأوجب على الإمام إذا أخذها الدعاء [له]، حكاه الحناطي، [وكذا الماوردي] وقال: إنه إذا أخذها الفقراء لم يجب عند هذا القائل.
وقيل عكسه: إن الدعاء يلزم الفقير دون الإمام؛ لأنا دفعها إلى الإمام متعين، [وإلى الفقير غير متعين]، وقيل: إن سأل رب المال الدعاء وجب؛ لما روى عبدالله بن أبي أوفى عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقات قومي، فقلت: يا رسول الله، صل علي، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى"، وليقع
الفرق بين الجزية المأخوذة صغاراً وبين الزكاة المأخوذة تطهيراً، وهذا ما ادعى في "البحر" أن الماوردي صححه.
والذي رأيته في "الحاوي" في كتاب الزكاة: تصحيح مقابله، وهو عدم الوجوب، وهو الذي صححه غيره، ولم يورد الشيخ في "المهذب" وأبو الطيب والقاضي الحسين غيره؛ لأنه – عليه السالم – لم يأمر معاذاً حين بعثه وأمره أن يأخذ الزكاة [به و] لأنه لم ينقل أنه – عليه السلام – دعا لغير أبي أوفى مع أن الصدقات كانت تحمل إليه، وذلك دليل على عدم الوجوب، كذا قاله القاضي الحسين، ورواية البخاري ومسلم وغيرهما ترد عليه؛ فإنهم رووا عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل على آل فلان"، قال: فأتاه أب بصدقته، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى"، وأصحاب الشجرة هم الذين بايعوه بالحديبية تحت الشجرة سنة ست من الهجرة، وآل أبي أوفى قيل: المراد به أبو أوفى، و"الآل" تقع على ذات الشيء، وكذلك قوله – عليه السلام -:"من مزامير آل داود"، وقيل: أراد به داود.
وقد ادعى الماوردي في كتاب الزكاة أنه لم يختلف أصحابنا في أنه إذا لم يسأل رب المال الدعاء، فليس على الوالي أن يدعو له؛ لأن رب المال بدفع الزكاة مؤد لعبادة واجبة، وذلك لا يوجب على غيره الدعاء كسائر العبادات، وقال في قسم الصدقات ما حكيناه أولاً من قبل، [وقيل:] وعليه جرى في "البحر".
الأمر، وهو اللائق بالحال.
والمحكي في "المختصر" في كتاب الزكاة، وهوا لذي أورده ابن الصباغ والغزالي وغيرهما في ترتيب هذا الدعاء - أنه يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورا، وبارك لك فيما أبقيت.
قال النواوي: وهذا أحسن وأشبه مما قاله المصنف.
وفي "آجرك الله" لغتان مشهورتان:
أجره الله - بالقصر - يأجره - بضم الجيم، وكسرها - أجراً.
وآجره - بالمد - إيجاراً، كأكرمه إكراماً.
والأجر: الثواب.
وقد ادعى في "المذهب" [أن المستحب] أن يقول: اللهم صل على آل فلان؛ للخبر.
وقال القاضي الحسين في "تعليقه": إنه لا يجوز لأحد أن يصلي على أحد غير الأنبياء ابتداء، مثل أن يقول: أبو بكر أو عمر [أو عثمان] أو علي، [صلى الله عليه]، وإنما يجوز على سبيل التبعية كما يقال: اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأزواجه.
وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مخصوص به؛ لأن الصلاة منصبه فكان له أن يخص بها من شاء؛ كما أن صاحب الدار والمجلس يرفع من أراد إلى مجلسه وصدره، وليس لغيره في داره ومجلسه أن يرفع أحداً دون إذنه.
وهذا ما حكاه الإمام عن الأئمة، لكنه أبدل لفظة "لا يجوز ذلك" بأنه: "لا ينبغي ذلك"، وأن الذي كان عليه الناس في الأعصار السالفة قبل ظهور الأهواء ترك ذلك؛ فلم يكن أحد من الأولين يقول: أبو بكر، رضي الله تعالى عنه.
وهو كما أن قول القائل: الله - عز وجل - فإنه لا يسوغ استعماله في حق غير الله، وإن كان "الجليل" من "الجلال" و"العزيز" من "العزة".
وقال: [إن] الشيخ أبا محمد كان يقول: السلام بمنزلة الصلاة فيما ذكرناه.
[قال الرافعي] لأن الله - تعالى - جمع بينهما فقال: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: 56] فلا يقول: أبو بكر وعلي عليهما السلام، وكذا غيرهما لا يفرد به في حال الغيبة.
قال الرافعي: ولا بأس به في معرض المخاطبة، فيقال للأحياء وللأموات من المؤمنين: سلام عليكم.
قال في "الروضة": وقول الرافعي: "لا بأس [به] "، ليس بجيد؛ فنه مسنون للأحياء والأموات بلا شك، وهذه الصيغة لا تستعمل في المسنون؛ فكأنه أراد: لا منع منه في المخاطبة بخلاف الغيبة، وأما استحبابه في المخاطبة فمعروف.
ثم قال الإمام: [وظاهر] ما ذكره الصيدلاني: أن الصلاة على غير الرسل في حكم ترك الأولى والأدب، وهذا لا يبلغ مبلغ ما يوصف بالكراهة.
وفي هذا أدنى نظر؛ فإن المكروه يتميز عندنا عن ترك الأولى؛ فإنما يفرض فيه نهي مقصود كالنهي عن الاستنجاء باليمين، وقد ثبت نهي مقصود في التشبه بأهل البدع وإظهار شعارهم؛ وذكر الصلاة والسلام مما اشتهر بالفئة الملقبة بالرفض، وينضم إليه تقوي السلف عن إطلاق ذلك مقصوداً في غير الأنبياء، عليهم السلام.
وحاصل ما ذكره الإمام: أن فعل ذلك ترك للأولى أو مكروه؟ فيه خلاف، الراجح عنده: الثاني، وهو الذي حكاه الرافعي عن القاضي الحسين، وعن صاحب "العدة" التصريح بنفي الكراهة؛ فإنه قال: إنما "الصلاة" بمعنى "الدعاء"؛ فتجوز على كل أحد أما بمعنى التعظيم والتكريم فيختص بها الأنبياء، عليهم السلام.
وأنت إذا أجريت ما حكيته من لفظ القاضي الحسين على ظاهره جاءك في المسألة أوجه:
أحدها: أن ذلك لا يجوز.
والثاني: أنه مكروه.
والثالث: أن فاله تارك للأولى غير مرتكب لمكروه.
والرابع: أنه مباح إذا كان بمعنى الدعاء، ممتنع إذا كان بمعنى التعظيم.
والخامس: [أنه] مستحب في حق مؤدِّي الزكاة كما قال في "المهذب"، ولم أقف عليه لغيره، بل المذكور فيها ما حكيناه عن النص، وأنه بأي دعاء دعا إذا كان
يليق بأخذ الصدقة – كان حسناً، وحكوه عن نصه في "الأم".
وإذ قد عرفت ما ذكره الشيخ من أول الباب [إلى هنا] عرفت أن الناس في أمر الزكاة على ثلاثة أقسام- كما صرح بها غيره في [أول] كتاب الزكاة، وهو في "المهذب": قسم جحدها، وقسم اعترف بها ومنعها، وقسم بذلها؛ فاستحب الدعاء له، وأهل هذا القسم هم الذين مدحهم الله تعالى في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:4] وفي قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103]، وقد حمل بعض الشارحين قول الشيخ: "فإن بذل الزكاة قبلت منه"، على ما إذا بذلها بعد دعواه ما يسقطها، ووجهه بأنه أقر بحق عليه، وغفل عن أن مراده الاقتداء بالأصحاب في استيعاب الأقسام.
والله أعلم.
قال: وإن مات بعد وجوب الزكاة قضى ذلك، [أي أُدِّي]، من تركته؛ لأنه حق تدخله النيابةوتصح الوصية به، لزم وجوبه في حال الحياة؛ فلم يسقط بالموت كديون الآدميين، ويخالف الصلاة والصوم حيث لا تقضي عنه على المذهب؛ لأن ذلك لا تدخله النيابة وإن وصى به من هو عليه، لكنه هل يثاب على ذلك؟ قال القاضي أبو الطيب: إن كان قد امتنع من أدائها لما وجبت عليه، ولم يكن له في ذلك عذر حتى مات فلا ثواب له، ويكون [ذلك] بمثابة أن يطالبه الإمام بها، فيمتنع من أدائها؛ فيحبسه حتى يؤديها؛ فإنه لا يكون له ثواب في ذلك.
وإن كان له عذر في التأخير أثيب، ولو أدى ذلك عنه الوارث من ماله جاز، وإن أخرجه عنه أجنبي، قال البندنيجي قبيل كتاب الصيام: فظاهر المذهب أنه يجوز، كما قال في الحج إذا حج عنه بعد وفاته أجنبي: جاز ذلك.
ولو كان موته قبل إمكان الأداء، وقلنا: إنه شرط في الوجوب – فقد مات قبل وجوبها عليه، فما الذي يصنع الوارث: هل يبني أو يستأنف؟ فيه ما تقدم، قاله البندنيجي، والله أعلم.
قال: [وإن كان هناك دين لآدمي، أي وقد سبق وجوب الزكاة الدين، وقلنا]:
إن الدين لا يمنع الزكاة، وضاقت التركة عنهما- ففيه ثلاثة أقاول:
أحدها: يقدم الدين؛ لأنه حق آدمي، وهو مبني على المضايقة والمشاححة؛ فقدِّم على حق الله المبني على المساهلة والمسامحة؛ كما يقدم القصاص على القتل في الردة، والقطع في السرقة.
والثاني: يقدم الزكاة؛ لقوله - عليه السلام - في الخبر الذي سنذكره [في الحج]: "فدين الله أحق بالقضاء"، ولأن مصرفها الآدميون؛ فكأنها حقوق لهم، وهي معتضدة بحق الله - سبحانه وتعالى - فرجحت على محض حق الآدمي، وتخالف القصاص والقتل في الردة والقطع في السرقة؛ فإنها عقوبة محضة لا تعلق لها بالآدمي، وهي مما يسقط بالشبهات، بخلاف حق الآدمي، وهذا أظهر في "الرافعي" وأصح عند النواوي.
والثالث: يقسم بينهما، أي: على النسبة؛ كما يفعل في الدينين إذا ضاقت التركة عنهما لتساويهما في الوجوب، وهذا أقيس في "تعليق" القاضي الحسين.
ثم محل الأقوال بالاتفاق عند عدم المال [الذي] وجبت فيه الزكاة، والدين مرسل في الذمة [لا يتعلق] بشيء من التركة في الحياة، وبذلك صور البندنيجي في باب زكاة الفطر محلها حيث قال: اختلف قول الشافعي في حق الله تعالى وحق الآدمي إذا اجتمعا وتعلقا بمحل واحد، مثل أن تعلقا معا بالذمة، أو تعلقا بالعين [ففيها] ثلاثة أقوال.
أما إذا كان موجوداً وهو نفس التركة؛ ففيه طريقان:
أحداهما: القطع بتقديم الزكاة، وهي التي ذكرها في "التهذيب" في كتاب الجنائز، [وهو] الذي تقتضيه طريقة العراقيين أيضاً؛ لأن الزكاة تعلقت بالعين في حال الحياة عندهم قولاً واحداً إما تعلق شركة أو تعلق رهن، وكل منهما يقدم على الدين الذي لا تعلق له بالعين في حال الحياة أصلاً.
نعم لو كان ما وجبت فيه الزكاة مرتهناً بدين
وهو كل التركة، جاءت الأقوال على خلاف سبق ذكره في أول كتاب الزكاة.
وهذه الطريقة حكاها الإمام في باب الدين مع الصدقة، وأن شيخه قال بها، وه التي صححها في باب زكاة الفطر، ولم يورد القاضي الحسين فيه غيرها، [ووجهها الإمام] بأن الزكاة متعلقة بعين المال في الحياة في الجملة، وأراد بذلك أنها جارية وإن [قلنا: إن] الزكاة تجب في الذمة ولا تعلق لها بالعين أصلاً؛ لأنا على هذا القول نجوز لرب المال بيعه قبل أداء الزكاة، ويمضيه إذا أدى الزكاة من غيره، وإن لم يؤدها سلطنا الساعي على أخذها من المال وإن كان في يد المشتري.
والثانية: إجراء الأقوال في هذه الحالة أيضاً واختلفت [أيضاً] عبارة الإمام في حكايتها: فأطلق في باب الدين مع الصدقة القول بها مصدراً بها كلامه، ثم ذكر الطريقة الأخرى وقال إن من قال بالإجزاء بنى ما قاله على أن الغالب في الزكاة التعلق بالذمة، وقال في باب زكاة الفطر: إن بعض أئمتنا قال: إذا قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، جرت الأقوال الثلاثة في التقديم والتأخير، وهذا ضعيف مزيف.
وهذه الطريقة هي المذكورة في "الإبانة" لا غير؛ بناء على هذا القول، والمراد إذا قلنا: إنه لا تعلق لها بالعين أصلاً، كما هو محكي في طريقتهم، وعلى ذلك جرى الماوردي فقال: إن قلنا: [إن] الزكاة تجب في العين أو في الذمة، فتتعلق بالعين تعلق رهن قدمت قولاً واحداً، وإن قلنا: تجب في الذمة، ولا تعلق لها بالعين - جرت الأقوال، والله أعلم.
وهذا كله في زكاة الأموال أما زكاة الفطر إذا اجتمعت مع الدين، وضاقت التركة عنهما - فقد جزم الفوراني والبغوي بإجراء الأقوال، ومنهم من قال: إن كانت التركة عبداً والفطرة عنه، قدمت الفطرة قولاً واحداً؛ لأنها متعلقة بالعبد واجبة بسببه فصارت كأرش الجناية.
وهذه الطريقة هي التي نص عليها في "المختصر" حيث قال: ولو مات بعد أن أهل شوال وله رقيق فزكاة الفطر عنه وعنهم في ماله مبدأة على الديون.
وقال البندنيجي: إنها ليس بشيء، والشافعي ذكر أحد الأقوال.
وفي "الرافعي" أن الروياني حكى طريقة قاطعة بتقديم زكاة [فطر] نفسه لقلتها في الغالب، والذي رأيته في "البحر" و"الحاوي" أن أبا الطيب بن سلمة قال: إن زكاة الفطر تقدم على الدين قولاً واحداً لقلتها في الغالب، وتعلقها بالرقبة.
زاد الماوردي: فاستحقت كأرش الجناية.
وهذا هو عين الطريق السابق، وكذلك الماوردي لم يحك مع الطريقة الطاردة للأقوال فيها غيره، لكن الروياني حكى الطريقة الأولى، ثم حكى عن أبي الطيب بن سلمة ما ذكرناه؛ فظن أنه غيرها.
وتجري الأقوال الثلاثة فيما إذا مات وعليه كفارات وديون آدميين بلا خلاف، وإن كان العبد والمسكن يباعان [في ديون الآدمي وفاقاً، ولا يبعان] في الكفارات، وهو يدل على قوة الديون عليها، وهل تجري فيما إذا اجتمعت ديون وكفارات على محجور عليه؟ حكى الإمام في باب زكاة الفطر تردداً فيه، موجهاً لعدم الجريان وتقدم الديون بأن الكفارات على التراخي، وأداء الدين على التضييق؛ فقدم.
وموجِّها للجريان: بأن المدعي حق من عليه الكفارة؛ فإنه قد يحاول تبرئة ذمته منها والتخلص من عذر الفوات.
قال: وهذا التردد عندي قريب من اختلاف القول [في أن] الديون المؤجلة هل تحل بالحجر حلولها بالموت أم لا؟
قال: .... تجب الزكاة لما بالحول، والنصاب جاز تقديمها على الحول؛ لرواية مسلم أن النبي صلى الله عليها وسلم استسلف من رجل بكراً، فجاءته إبل [من إبل] الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضيه إياه، فقال: ما أجد فيها إلا رباعياً خياراً فقال: "اقضه منها؛ فإن خير الناس أحسنهم قضاء".
وجه الدلالة منه، كما قال الشافعي – رحمه الله -: أن العلم محيط بأنه لا يقضي من إبل الصدقة – والصدقة لا تحل له – إلا وقد تسلف لأهلها ما يقضيه من مالهم.
انتهى.
وإذا جاز أن يستقرض لهم [على إبل الصدقة ممن ليس عليه صدقة، فبأن يستقرض لهم] من الصدقة أولى، وقد ادعى بعض أصحابنا أن معنى استسلف: استعجل؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم استعجل الزكاة من واحد، فلما حال الحول كان قد هلك مال ذلك الرجل المعجل، فقضاه النبي صلى الله ليه وسلم من إبل الصدقة.
قال القاضي الحسين: وهذا غير صحيح؛ بل الصحيح الأول، وكونه – عليه السلام – رد من مال
المستقرض لهم أكثر مما أخذ يحتمل وجوهاً:
أحدها: أنه رآه من أهل الصدقة.
والثاني: أنه رأى المصلحة في ذلك ترغيباً للناس في الاستقراض، وللإمام فعل مثل ذلك.
والثالث: أن المدفوع أكبر سناً وأقل في الجودة، فجعل زائد السن في مقابلة الفائت من الجودة.
ثم الاستدلال بما ذكرناه من جهة القياس لا من جهة النص، وقد عضده الشافعي- رحمه الله – بالقياس على المتعة، فإنا أجمعنا على أنها تجب بالطلاق، وأنه لو أعطاها قبل الطلاق ثم طلق وقعت الموقع؛ فكذا الزكاة، وبأنها حق مالي يتعلق وجوبه بسببين يختصان بهن وهما: النصاب، والحول؛ فجاز تقيمه على أحدهما كالتكفير قبل الحنث وبعد العقد؛ فإن المخالف – وهو مالك – وافق فيها، وقال المزني: الأولى أن يجعل في هذا الموضع – أي من الدليل – ما هو أولى به من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلف صدقة العباس قبل حولها.
[وازد] ما رواه أبو داود وأخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب على الصدقة، فمنع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله، وأما خالد بن الوليد فإنكم تظلمون خالداً؛ فقد احتبس أدراعه [وأَعْتُدَهُ] في سبيل الله عز وجل، وأما العباس عم رسول الله صلى الله ليه وسلم فهي عليَّ ومثلها"، و [في] رواية الدارقطني: "هي علي ومثلها معها له".
ووجه الدلالة منه: أنه – عليه السلام – كان قد استسلف منه صدقة عامين قبل أن يأتيه عمر لأخذ الصدقة، فلما جاءه عمر منعه، ولم يعلمه أنه أداها، فلما شكاه قال – عليه السلام -: "هي علي ومثلها [معها] "، يعني صدقة هذا العام وعام آخر، ولا
يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ضمنها عنه؛ لرواية الدارقطني، ولأنه لا يصح ضمان ما لم يجب وهي زكاة السنة الثانية، ولا ضمان الزكاة بغير إذن من هي عليهن والعباس لم يكن حاضراً القصة حتى يأذن.
وإنما لم يحتج بما رواه أبو داود وأخرجه الترمذي والنسائي عن حُجَيَّة – وهو ابن عدي – عن علي: "أن العباس سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص في ذلك"، وقال مرة: "فأذن له"؛ لأن حجية شيخ لا
يحتج بحديثه، [كما قال أبو حاتم] الرازي وغيره.
وقد ذهب أبو عبيد بن حربويه من أصحابنا إلى أنه لا يجوز التعجيل قبل الوجوب بحال، حكاه البندنيجي والماوردي وغيرهما، وليس بشيء؛ لما ذكرناه.
وقد أفهم كلام الشيخ أمرين:
أحدهما: عدم جواز تقديمها على ملك النصاب، كما إذا ملك دون الأربعين من الغنم، فعجل شاةً رجاء أن تنتج أخرى ويكمل الحول عليهما فيجزئه المخرج، وبه صرح الأصحاب؛ لأنه يؤدي إلى التقديم على السببين، وهو لايجوز؛ كما لا يجوز تقديم الكفارة على اليمين والحنث، [وهكذا] لو ملك أربعين معلوفة، فعجل على تقدير أن يسيمها ثم ينقضي حولها: لا يجوز؛ لأن المعلوفة ليست مالاً زكاتياً فهي كالمال الناقص عن النصاب، وهكذا الحكم في الزكوات العينية كلها.
وأما زكاة التجارة فيجوز التعجيل فيها على النصاب، مثل: أن يشتري عرضاً قيمته مائة، ويخرج زكاة مائتي درهم معجلة، وتبلغ القيمة في آخر الحول مائتين فإنه يجزئه على ظاهر المذهب في أن النصاب إنما يعتبر في آخر الحول، أما إذا قلنا بمذهب ابن سريج في اعتباره في جميع الحول فلا يجوز التعجيل كسائر الزكوات، صرح به في "البحر" [وغيره].
الثاني: أنه لا يجوز تقديمها [بحولين]، وهو كذلك على المشهور فيما إذا لم يملك سوى نصاب؛ لأنه يؤدي إلى تعجيل زكاة العام الثاني والمال دون النصاب، وفيه وجه: أنه يجوز كما لو عجل زكاة عام عن نصاب، والذي أورده ابن الصباغ الأول.
نعم، لو كان يملك أكثر من النصاب بحيث لا ينقصه المخرج عن النصاب، مثل: أن ملك من الغنم اثنتين وأربعين، فأراد إخراج شاتين عن سنتين- فهل يجوز؟ فيه وجهان جاريان في جواز تعجيل أكثر من ذلك بالشرط المذكور:
أحدهما- وهو اختيار أبي إسحاق -: الجواز؛ لحديث العباس.
والثاني: المنع؛ لأن ذلك يؤدي إلى التقديم على السببين معاً، وهذا ما ادعى
الرافعي أن الأكثرين على ترجيحه، ومنهم معظم العراقيين والبغوي، والقائلون به اختلفوا في المراد بالحديث:
فقيل: معناه: أن العباس كان له مالان أحدهما متقدم على الآخر بأيام يسيرة، فسلف صدقتهما في وقت واحد.
وقيل: معناه.
أنه سلف صدقة عامين [من عامين].
لكن الصحيح في "الوسيط" و"الشامل": الأول، قال أبو الطيب: وهو قياس مذهبنا.
وقال البندنيجي: إنه المذهب، والتأويلان السنة تطبلهما:
[أما الأول]؛ فلأنه جاء في لفظ آخر: سلفني عمي عن زكاة ماله لعامين لعامه والعام المقبل.
وأما الثاني؛ فلأنه جاء في لفظ آخر سلفني عن زكاة ماله في عام.
وعلى هذا هل يجوز أن ينوي تقديم زكاة السنة الثانية على الأولى؟ فيه وجهان كالوجهين في تقديم الصلاة الثانية على الأولى في الجمع، والوجهان جاريان عند القاضي الحسين والعراقيين فيما لو ملك نصاباً؛ فعجل صدقة نصابين حيث يرجو بلوغ النصاب الثاني بالنتاج في آخر الحول، مثل أن كان معه مائة وعشرون من الغنم، فعجل شاتين زكاة مائة وإحدى وعشرين، لكن الذي صححه العراقيون منهما والبغوي وصاحب "البحر": المنع، وصحح في "الوجيز" و"التتمة" مقابله، وإله يرشد كلام الفوراني والإمام حيث قالا: إنا إن قلنا بجواز تعجيل زكاة سنتين فهاهنا أولى، وألا فوجهان، والفرق: أن هاهنا انعقد الحول على نصابين لأنها إذا [حدثت] انبنى حولها على حول الأمهات، وثَمَّ لم ينعقد الحولان جميعاً، أما إذا كان لا يرجو حصول النصاب الثاني بأن يكون سخالاً، أو كان في ملكه ما تجب الزكاة في عينه كمائتين، فأخرج زكاة أربعمائة على توقع اكتساب مائتين، واكتسبها – فقد حكى البندنيجي فيه الوجهين المذكورين في الماشية، وقال غيره: لا يجزئه ما أخرجه عن المائتين الحادثتين بلا خلاف.
نعم، لو كان ذلك في مال التجارة مثل: أن اشترى بمائتي درهم عرضاً قيمته مائتا
درهم، فأخرج زكاة أربعمائة، وبلغتها قيمة العرض: فهل يجزئ؟ فيه طريقان، المشهور: الإجزاء، وعن ابن عبدان حكاية الوجهين فيه.
واحترز بقوله: بالحول والنصاب، عن زكاة المعدن والركاز؛ فإن ابن عبدان قال: لا يجوز تقديمها على الحول، وهو ما حكاه في "المهذب".
وعما تجب الزكاة فيه ببدو الصلاح والانعقاد - وهي المعشرات - فإنه لا يجوز تعجيل الزكاة عنها قبل بروز الطلع - ونبات الزرع بلا خلاف، وكذا بعد بروز الطلع ونبات الزرع إلى أن يدرك عند أبي إسحاق، كما قال الروياني وغيره، وبه قال الشيخ أبو حامد، كما قال الفوراني والمسعودي، وقال البندنيجي: إنه المذهب، وقال الرافعي: إنه الأظهر [عند أكثر العراقيين، وتبعهم البغوي.
فإذا أدرك فقد وجبت؛ فلا تعجيل، وخالف سائر] الزكوات حيث يجوز تعجيلها قبل الوجوب؛ لأنه لم يظهر ما يمكن معرفة مقداره تحقيقاً، ولا خرصاً تخميناً ولا كذلك غيره من أموال الزكاة، ولأن سائر الأموال وجوبها تعلق بسببين فجاز تقديمها على أحدهما، وهاهنا تعلق بسبب واحد وهو الإدراك؛ فلم يجز تقديمها عليه كما لا يجوز تقديم غيرها على السببين.
قال الشيخ أبو حامد: ولا يجوز التقديم على السبب الواحد إلا في مسألة واحدة، وهي: إذا اضطر المحرم إلى صيد فقدم الجزاء؛ فإن الشافعي - رحمه الله - جوّزه، قيل: فكأنه جعل الإحرام أحد سببيه فلذلك جوزه.
وفيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك لجوزه قبل الحرج إذا لم يضطر إليه، وهو لا يجوز، قال في "الحاوي" في كتاب الأيمان: وقد وهم أبو حامد الإسفراييني فخرجه على وجهين، وهما شبيهان بوجهين حكاهما الحناطي في جواز تقديم كفارة الوقاع في رمضان عليه، والأصح: المنع، وهو الذي أورده الجمهور.
وقد حكى الإمام وجهاً آخر: أنه لا يجوز الإخراج بعد الإدراك وقبل الجفاف في الثمار والتصفية في الحبوب؛ لأن وجوب الإخراج بعد ذلك يكون كالتعجيل قبله،