كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أنس- ما روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
قال القاضي الحسين: وهو مما لا خلاف فيه بين الأئمة.
قال: فتجب فيه شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، الأصل في ذلك عند الشافعي: رواية أنس وابن عمر رضي الله عنهما:
فرواية أنس أن أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين، التي أمر الله بها رسوله، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعط في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها ابنة لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
ومن لم يكن عنده إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمساً من الإبل ففيها شاة" أخرجه البخاري مقطعاً في
مواضع من كتابه مع زيادة فيه نذكرها في مواضع الحاجة إليها- إن شاء الله تعالى- وأخرجه أبو داود بكماله وإن اختلفت بعض ألفاظه ووجدت فيه زيادة سنذكرها.
ورواية ابن عمر كما قال الشافعي في "الأم": أخبرنا أنس بن عياض عن موسى بن عتبة عن نافع عن عبد الله بن عمر: "إن هذا كتاب الصدقة" فذكر نحوه وزاد فيه: "فقال في آخره: هذه نسخة كتاب عمر بن الخطاب" وحكى المعنى من أوله إلى قوله: "ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة"، وهذا نص في المدعى.
قال أصحابنا: وإنما أخذ الشافعي برواية المذكورين دون رواية علي وعمرو بن حزم، وإن كان قد روياها مستوفاة أيضاً؛ لثلاثة أمور:
أحدها: أنهما أصح إسناداً.
والثاني: أن كليهما ذكر من طريقين ثابتين، بخلاف ما عداهما.
والثالث: أنهما معمول بهما بخلاف ما رواه غيرهما؛ فإن فيه ما اتفق على ترك العمل به، وهو أن الواجب في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه.
فإن قيل: حديث أبي سعيد الخدري السابق يقتضي نفي الوجوب في الخمس والعشر من الإبل؛ لأنه أضاف "الخمس" إلى "الذود"، والذود- بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وبعدها دال مهملة: هو ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقيل: ما بين الثلاث والعشر، والخمس منه أقلها على التفسير الأول: خمسة عشر، فدونها دون الخمسة عشر، وإذا كان كذلك فقد عارض حديث أنس وابن عمر.
فجوابه: أن منهم من [رواه] "خمس ذود" بالتنوين على البدل لا على الإضافة، وعلى هذا اندفع السؤال.
ومن رواه على الإضافة قال: الحديث دال على جواز استعماله في الواحد، أو هو دال على الجمع، والجمع إذا وقع مميزاً لا يقتضي زيادة على العدد المذكور ويشهد لذلك قوله: "وعلى خمسة دراهم" فإن دراهم جمع ولا يقتضي لفظه أكثر من خمسة منها، والله أعلم.
وقد تكلم أصحابنا في تفسير بعض ألفاظ الخبر، فقالوا:
قوله: "هذه فريضة الصدقة" أي هذه نسخة فريضة الصدقة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كتبها في نسخة ووضعها في قراب سيفه، فلما توفي وعاد الأمر لأبي بكر أخذها من قراب سيفه، وكان يعمل عليها مدة حياته، ثم مات فعمل بها عمر بعده مدة حياته، كذا نقله الماوردي، ونقل القاضي الحسين أن أبا بكر كان قد استنسخ كتاب أنس من كتاب كتبه له النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه خاتمه وكان في صدره مكتوباً: "هذه الصدقة" فهذه ترجمة الكتاب وعنوانه مثل أن يكتب على ظهر محضر أو سجل: هذا محضر فلان.
وقوله: التي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قيل: يحتمل أن يكون المراد: التي قدرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما يقال في "فرض القاضي النفقة": أي قدرها.
وهذا ما جزم به الصيدلاني، ولم يورد الماوردي غيره.
وقيل: يحتمل أن يكون المراد: التي أوجبها، وهو قول المسعودي.
والاحتمالان أوردهما ابن الصباغ.
وقوله: التي أمر الله بها رسوله إشارة إلى قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية [التوبة: 103].
وقوله: "فمن سأل فوقها فلا يعط" قيل: معناه: فلا يعط شيئاً؛ لأنه إذا طلب ما لا يستحق بطلت أمانته قال الماوردي: وعلى هذا لا يجب الدفع إليه.
وقيل: فلا يعط الزائد، وهو الأصح في "الشامل"، وفي "تعليق" القاضي الحسين وقال: إن مقابله مذهب المعتزلة في أن الولي ينعزل بالجور، ومذهب أهل الحق: أنه لا ينعزل، قال الماوردي: وهذا إذا طلب الزائد بغير تأويل، فإن كان يتأول مثل أن طلب الكبيرة عن الصغار تعين الثاني.
تنبيه: قول الشيخ: "وفي عشر شاتان" إلى قوله: "وفي عشرين أربع شياه" يظهر أنه ليس على معنى أن الشاتين في العشر والشاة في الخمسة عشر والعشرين وجب مجموعها في مقابلة المجموع والجزء في مقابلة الجزء حتى لو تلفت واحدة من العشر بعد الحول وقبل التمكن، وقلنا: إن التمكن شرط الضمان،
يسقط ما في مقابلها من الشاتين أو الشاة، حتى لو كان المال عشراً سسقط عشر الشاتين، ويكون الواجب تسعة أعشارها، بل بمعنى أن في كل خمس [من ذلك] شاة، حتى لو تلفت من العشر كما ذكرت واحدة نقول: سقط عنه خمس شاة، ووجب عليه شاة وأربعة أخماس شاة، ويدل عليه من قول الأصحاب ما قاله الإمام من بعد: أن المشايخ قالوا: إذا ملك نصابين فواجب كل نصاب منحصر فيه، وزعموا أن هذا متفق عليه، ويشهد له من السنة ما تقدم ذكره من رواية أنس عن كتاب أبي بكر، وأصرح منه ما رواه أبو داود في الخبر المذكور وهو قوله: "فيما دون خمس وعشرين من الإبل في كل خمس ذود شاة".
ويجيء في المسألة وجه آخر من قول الإصطخري، فيما إذا ملك أربعمائة من الإبل: أنه لا يجزئه إلا ثمان حقاق أو عشر بنات لبون؛ لأنه جعل المجموع شيئاً واحداً، وجعل الواجب في مقابلته؛ إذ لو كان لكل شيء منه حكم عنده لقال بما قال به أئمة المذهب كما سنذكره-: إنه يجزئه أربع حقاق وخمس بنات لبون، وهذا لا يتجه غيره فيما إذا وجب عليه بنتا لبون وحقتان.
ثم اعلم أن الأصحاب قالوا: إيجاب الشرع الشاة في الخمس على خلاف قاعدة الزكاة شرعها رفقاً بأرباب الأموال؛ لأنه لو أوجب فيها بعيراً لأضر بهم، ولو أوجب فيها خمساً- كما هو القياس حيث أوجب في خمس وعشرين- لأضر بالفريقين لعسر المشاركة والتشقيص فجمع بإيجاب الشاة فيها بين المصلحتين، ونفي كلا من الضررين.
نعم، هل أوجبها أصلاً بنفسها أو بدلاً عن خمس البعير المجزئ في خمس وعشرين؟ فيه وجهان لأصحابنا، وادعى الإمام أن الثاني منهما لا يناسب مذهب الشافعي، وقد غلط من ظن ذلك من قول بعض الأصحاب إنه يشترط ألا تنقص قيمة البعير المخرج مكان الشاة عن قيمة شاة مجزئة، ولهذا الاختلاف أثر يظهر لك من بعد.
قال: فإن أخرج منها بعيراً قبل منه؛ لأنه إذا أجزأ عن خمس وعشرين فما
دونها وهو بعضها أولى، وهذه الدلالة تسمى دلالة فحوى الخطاب ومنها قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23] فكان النهي عن الضرر من طريق الأولى.
ثم ظاهر كلام الشيخ أن الضمير في قوله "منها" يعود إلى العشرين، وبه صرح في "المهذب"، وإذا كان كذلك كان مقتضاه قبوله فيما دون ذلك من طريق الأولى؛ عملاً بما ذكرناه، وقد حكى الأصحاب من الطريقين وجهاً آخر: أنه لا يجزئه من العشرين إلا أربعة أبعرة، أو ثلاثة أبعرة وشاة، أو بعيران وشاتان، أو بعير وثلاث شياه، وكذا لا يجزئه في الخمسة عشر إلا ثلاثة أبعرة، أو بعيران وشاة، أو بعير وشاتان [وفي العشر بعيران أو بعير وشاة].
وبعضهم بناه على أصل مقصود في نفسه، وهو أنه إذا أخرجه عن الخمس أجزأه بلا خلاف، لكن ما الواجب فيه: هل كله أو خمسه؟ وفيه قولان أو وجهان مذكوران في الطريقين، قال القاضي الحسين- وتبعه البغوي-: إنهما مبنيان على أن الشاة وجبت أصلاً [أو بدلاً عن خمس؟ يعني: وفيه الخلاف السابق: فإن قلنا: وجبت أصلاً] فالواجب كله، وإلا فخمسه فإن قلنا إن الواجب كله لم يجزئه البعير الواحد عن العشرين ولا عن [العشرة؛ بل لا بد معه مما ذكرناه، وإن قلنا: إن الواجب خمسه، أجزأه عن] العشرين فما دونها.
وهذا البناء يقتضي أن يكون الراجح عند أئمة المذهب: عدم الإجزاء؛ لأن الراجح عندهم أن الواجب كله كما ذكره ابن الصباغ والبغوي وصاحب "المرشد" وإن كان الإمام قد قال: إنه غير مرضي عندي، والراجح بالاتفاق: الإجزاء ومن ذكره وأشعر إيراده بأنه لا خلاف فيه، وقال الإمام: الوجه القطع به، ومن حاد عن اعتبار الأولى من طريق الفحوى فقد ضل عن سواء طريقه ضلالاً بعيداً.
قال الرافعي: [من وجوه] الإشكال في البناء أن يقال: لم يلزم من كون كله فرضاً إذا أخرجه [عن هذا، إن أخرج] عن خمس ألا يكتفي به عن العشر؛ بل يجوز أن يكون كله فرضاً إذا أخرج عن هذا، وفرضاً إذا أخرج عن ذلك؛ ألا
ترى أنه يقع فرضاً يكتفى به عن الخمس والعشرين، مع الحكم بأن كله فرض إذا أخرج عن الخمس، وكذا البدنة ضحية واحدة إذا ضحى بها وهي بعينها ضحية سبع إذا اشتركوا فيها.
ثم الوجهان في أن الواجب من البعير عند إخراجه موضع الشاة كله أو خمسه مشبهان عند العراقيين والماوردي بما لو نذر التضحية بشاة، فضحى ببدنة أو بقرة، أو أخرج المتمتع بدنة أو بقرة، فالبدنة تقع فرضاً، أو الفرض مقدار السبع والباقي تطوع؟ وفيه خلاف وقال الإمام: إن هذا ذلك؛ فإن من أراد الاقتصار على سبع بدنة بدلاً من الشاة في الأضحية ونحوها جاز له ذلك، ولو أراد المزكي إخراج خمس البعير فقط لم يجزئه بلا خلاف، بل الشرط عند من قال إن الواجب خمسه التبرع بالباقي؛ لزوال عيب التشقيص على الفقراء؛ فالوجه: القطع بأن الزيادة على السبع تطوع في الضحايا، وإن ثبت فيه خلاف فهو شبيه بما تقدم ذكره من أن من استوعب الرأس بالمسح فهل يقع بالكل فرضاً أم لا؟ والأصح أن الفرض قدر الاسم، إذ يجوز الاقتصار عليه كما في السبع من البدنة في التضحية.
والمراد بالبعير هنا: ما يجزئ في الخمس والعشرين، وإن كان لغة يطلق على الذكر والأنثى؛ لأنه اسم جنس؛ فيكون الشيخ قد أتى بمطلق وأراد به مقيداً، وذلك جائز ويقال في جمعه: أبعرة، وأباعر، وبعران، وقد اقتضى كلام الشيخ أنه إذا أخرجه عن الخمس أجزأه، سواء كانت قيمته أكثر من قيمة الشاة أو مثلها أو دونها، وهو ما ادعى في "التهذيب" أنه المذهب، سواء كان النقص بسبب عيب فيها أو لرداءة جنسها، وهو ما ادعى الإمام قطع الأئمة به إذا كان سبب التفاوت عزة الغنم؛ إذ علمنا أن سبب العدول إلى جنس الغنم الترفه والتخفيف، [فلا التفات إلى] سبق على ندور.
وفي "الإبانة" أن القفال روى عن الشافعي أنه لا يجزئه في حال النقص، وأن سائر الأصحاب أنكروه عليه، وقالوا: لا يجوز.
ولم يوجد للشافعي هذا؛ لأن ما يجوز أداؤه في الزكاة لا تراعى قيمته بحال، وقال الإمام: إن شيخه رواه ولم يعزه إلى القفال، والمحكي في "تعليق" القاضي الحسين: أن إبله إن كانت مراضا أو
قليلة القيمة لعيب فيها، فأعطى واحدة منها مكان شاة، وقيمتها أقل من قيمة الشاة - فالذي نص عليه أي في "المختصر": أنه يجوز، وهو الذي أورده ابن الصباغ وصاحب "البحر"، وزاد محكياً عن نصه في "الأم": أنها لو كانت متباينة في المرض، فأعطى أردأها وأدونها قبل منه، قال القاضي: والذي نص عليه فيما إذا كانت له خمسة صحاح رديئة الجنس، فأعطى واحدة منها مكان شاة، لا يقبل إلا أن تساوي شاة فمن أصحابنا من فرق بين النصين بأنه: إذا أعطى واحدة من الصحاح فهو يعتقد التطوع، وأقل ما في التطوع ألا ينقص ما أدى عن الأصل وهو الشاة، وفي المراض هو غير متطوع؛ وإنما يعطي البعير مكان أداء شاة للضرورة على اعتقاد أن الواجب عليه ذلك؛ فلا حاجة إلى اعتبار القيمة، وهذا الفرق هو قول القفال كما قاله في "البحر" قال القاضي: والصحيح أن في المسألتين قولين بالنقل والتخريج، والقولان مبنيان على أصل مستنبط من هذا الفرع، وهو أن الواجب في الأصل شاة أو خمس بعير فعلى الأولى يجزئ، وعلى الثاني: لا، وقد قال في "التتمة" إن القول بعدم الإجزاء فيما إذا كانت معينة قد قال به ابن سريج، وإنه قيل: إنه منصوص عليه في "الكبير".
وإذا اختصرت ما ذكرناه جاءك في المسألة ثلاثة أقوال، ثالثها: إن كانت إبله صحاحاً فلا يجزئ، وإلا أجزأ.
ولو أخرج قيمة الشاة حيث لم يجد جنس الشاة أصلاً، فقد حكى الإمام عند الكلام فيما إذا اجتمع فرضان في نصاب عن صاحب "التقريب" أنه يؤخذ منه ذلك، وأنه حكى الوفاق في ذلك، والسبب فيه: أن الشاة في وضعها خارجة عن جنس المال؛ فاحتمل في ذلك قيمة الشاة عند الضرورة، والله أعلم.
قال: ويجزئ في شاتها الجذع من الضأن وهو ماله ستة أشهر، والثني من المعز، وهو الذي له سنة.
هذا الفصل نظم أمرين:
أحدهما: إجزاء الجذع من الضأن والثني من المعز فيها، ذكراً كان أو أنثى.
الثاني: بيان سن ذلك.
فالأول: الإجزاء.
والدليل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "في كل خمس شاة" وهي تطلق لغة على الواحد من الضأن أو المعز ذكراً كان أو أنثى ومختصة في عرف الشرع من الأضاحي ودماء الجبرانات بالجذع من الضأن والثني من المعز؛ فنزلت عليه كما نزلناها على ما يجزئ في الأضاحي، وإن أبعد بعض أصحابنا فقال: يجزئ فيها كل ما يطلق عليه اسم "شاة" وإن لم يجزئ في الأضاحي.
وقيل: لا يجزئ فيها إلا الجذعة أو الثنية، لما روى سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "نهينا عن أخذ المراضع وأمرنا أن نأخذ جذعة من الضأن أو الثنية من المعز"، ولأنه عليه السلام أطلق الشاة هنا، وقيدها في الأربعين من الغنم، فحملنا المطلقة على المقيدة، ولو انتفي هذا لأثبتنا هذا الحكم بالقياس عليها.
وهذا الخلاف مذكور في كتب الأصحاب وجهين، ونسبوا الأول منهما إلى أبي إسحاق، وادعى البندنيجي أنه المذهب، وقد اختلف في محلهما على طريقين حكاهما المتولي:
أشهرهما- وهي المذكورة في "التهذيب" و"تعليق" البندنيجي-: جريانهما فيما إذا كانت الإبل ذكوراً أو إناثاً.
والثانية: إن كانت إبله أو بعضها إناثاً لا يجزئ إخراج الذكر.
والوجهان مخصوصان بما إذا كانت كلها ذكوراً، أو إنهما مبنيان على أن الشاة
المخرجة أصل بنفسها أم بدل عن الإبل؟ فإن قلنا: بدل جاز إخراج الذكر؛ كما لو أخرج عنها بعيراً ذكراً يجزئه وإن قلنا: أصل لم يجز؛ جرياً على الأصل المعتبر في الزكوات، وهو كون المخرج أنثى.
قلت: وهذا البناء يقتضي أنه لا فرق في جريان الوجهين بين أن تكون الإبل كلها ذكورا أو ذكورا وإناثاً، لأن إخراج الذكر منها بدلاً جائز كما ستعرفه، وقد حكى الماوردي الوجهين مطلقين ثم قال: وذهب بعض متأخري أصحابنا البصريين إلى أن الإبل إن كانت إناثاً لم يجزئ فيها إلا الأنثى، وإن كانت ذكوراً أجزأ الذكر والأنثى؛ اعتباراً بوصف المال كما يؤخذ من الكرام كريم، ومن اللئام لئيم.
ثم ظاهر كلام الشيخ والخبر إجزاء الجذع من الضأن والثنية من المعز كيف كان الحال ولأنه أطلق ذكر الإجزاء ولم يخصه بحال، والإطلاق يصدق عليهما لغة وشرعاً بدليل الأضحية ودماء الجبرانات، وإذا كان كذلك اقتضى التخيير فيهما، وهو الذي حكاه البندنيجي والماوردي وابن الصباغ والمتولي، وقال ابن الصباغ: وهذا بخلاف الشاة المخرجة عن الأربعين؛ فإنه عليه السلام عينها منهما.
ولا فرق عند هؤلاء بين أن يكون النوعان في البلد مستويين.
أو أحدهما أغلب، نعم لو كان الغالب في البلد نوعاً من المخرج، كما إذا كان فيها غنم مكية وشامية وبغدادية- تعين الأغلب كما في زكاة الفطر قاله ابن الصباغ والبندنيجي والماوردي، فلو أخرج غير الأغلب لم يجزئه إلا أن يكون مثل الأغلب أو خيراً منه، وعلى ذلك ينطبق قول الشافعي في "الأم": إن كان في بلده جنس من الغنم، فجاء بجنس آخر فإن كان مثله في القيمة أو خيراً منه أجزأه، وإن كان دونه لم يجزئه.
وحكى في "التتمة" في هذه الصورة وجهين:
[أحدهما: نعم، وكما لا يعتبر غالب غنم البلد ضأناً ومعزاً؛ فكذلك لا يعتبر نوعها مكية وشامية.
والثاني: لا يجزئه، قال: وليس بصحيح].
والذي حكاه في "المهذب": أن الواجب عليه من غنم البلد إن كان ضأناً فمن الضأن، وإن كان معزاً فمن المعز، وإن كان منهما فمن الغالب كما في زكاة الفطر [منه] وإن كانا سواء جاز من أيهما شاء، وهو في ذلك متبع للقاضي أبي الطيب.
وإذا جمعت ذلك جاءك في المسألة وجهان أو وجه وقول، والذي نسبه الإمام إلى العراقيين منهما الثاني، وإن صاحب التقريب ذكر نصاً عن الشافعي موافقاً له، ونسب نقله إلى المزني وغلطه في النقل [وأنه نقل] نصوصاً مخالفة لذلك، متضمنها: أنه يخرج شاة من أي نوع كان جذعة من الضأن أو ثنية من المعز، ولا نظر إلى غنم البلد.
قال: والذي ذكره صاحب "التقريب" في نهاية الحسن، لأن الشاة وجبت فيه مطلقة في الذمة؛ فاعتبر اسم الشاة، ولا يتخصص لفظ الشارع بالعرف على مذهب المحققين في الأصول، ودليله الشاة في الأضحية، وبذلك يتحقق في المسألة قولان.
قال الإمام: وقد ذكر بعض الضعفة وجها: أنه يخرج الشاة من نوع غنمه إن كان يملك غنماً، اعتباراً بإبل العاقلة؛ فإنا في طريقه نقول: يخرج كل غارم من العاقلة من إبله إذا كان يملك إبلاً، وهذا لا يعد من المذهب؛ بل هو هفوة.
قلت: وهذا الوجه ظاهر لفظه في "المختصر" يدل عليه؛ فإنه قال فيه: فإن كانت غنمه معزاً فثنية أو ضأناً فجذعة ولا نظر إلى الأغلب في البلد.
فرع: قد ذكرنا أن إبله إذا كانت كراماً وجب من الغنم كريم، وإن كانت لئاماً فلئيم، وأنه لا يجزئ فيها إخراج المعيب، على المذهب في حال سلامة الإبل، ولو كانت معيبة أو مراضاً فلا يجزئ فيها المعيب والمريض أيضاً، وماذا يجب عليه؟ [فيه وجهان]:
أحدهما: ما يجب لو كانت صحاحاً سليمة، وهو المنصوص في "المختصر"،
وظاهر المذهب في "المهذب" و"البحر" والمختار في "المرشد" وادعى القاضي الحسين: أنه لا خلاف فيه.
والثاني- قاله ابن خيران، وهو الذي أورده كثيرون كما قال الرافعي: أنه تجب شاة صحيحة بالقسط؛ فيقوم الأصل صحاحاً، فإذا قيل: قيمته ألف، قومت الشاة التي تجزئ فيه، فإذا قيل: قيمتها عشرون، قومنا المراض فإذا قيل: قيمتها خمسمائة أوجبنا عليه ما تجزئ فيها الأضحية قيمتها عشرة، فإن تعذر تحصيلها بذلك تصدق بالدراهم، قال ابن الصباغ وغيره: وعكس المتولي هذا الترتيب فقال: الواجب عليه شاة بالقسط كما ذكرناه، فإن لم يمكن تحصيلها بما اقتضاه التوزيع فوجهان:
أحدهما: يخرج شاة تجزئ في الأضاحي.
والثاني: يتصدق بالدراهم.
والثاني من الأمرين اللذين قلنا: إن الفصل يتضمنهما بيان سن ما يجزئ.
وما ذكره الشيخ في بيان الجذع هو الذي اختاره الروياني في "الحلية" كما قال الرافعي، وقد حكى عن ابن الأعرابي أنه قال: المتولد بين شاتين [يجذع] لستة أشهر إلى تسعة، وبين هرمين يجذع لثمانية أشهر، [وهو ما أورده ابن الصباغ في باب الأضحية، وقيل: هو ما أتى عليه ثمانية أشهر]، وهو اختيار الروياني في "الحلية"، والأصمعي: هو ما له ثمانية أشهر أو تسعة.
وسنذكر في باب
الأضحية غير ذلك، ومن أراد استيفاء ما قيل في ذلك، فليطالع هنا وثم.
وما ذكره في الثني من المعز هو المنقول في "الحاوي" والمختار في الحلية كما قال الرافعي، والمشهور في الكتب: أنه الذي له سنتان ودخل في الثالثة، وقد جمع الماوردي بين النقلين بما سنذكره في الأضحية.
قال: وفي خمس وعشرين بنت مخاض؛ للخبر، وهي التي لها سنة ودخلت في الثانية، سميت بذلك؛ لأن أمها قد آن لها أن تكون ماخضاً، أي حاملاً، وقولنا: آن لها أي: دخل وقت قبول أمها للحمل، لا أنه لا يشترط في صدق الاسم أن تكون أمها حائلاً، وكذا في اللبون لا يشترط أن تكون أمه ذات لبن، و"الماخض": اسم جنس لا واحد له من لفظه، والواحدة: خلفة، والذكر من ولدها يسمى: ابن مخاض، إذا كان له سنة، وقيل: إن الواحد من الإبل إلى تمام السنة تختلف أسماؤه فالذي قاله الماوردي أنه يقال لولد الناقة [إذا وضعته لدون وقته ناقص الخلق: خديج] وإن وضعته لوقته ناقص الخلق: مخدوج، وإن وضعته لوقته كامل الخلق قيل له: هبع وربع، ثم فصيل، ثم سليل، ثم حوار ثم حاسر فإذا تمت سنته قيل فيه ما ذكرناه.
وقال القاضي الحسين: إنه تسمى الأنثى من ولد الناقة حين وضعه: ربعة وهبعة، وفي الذكر: ربعا وهبعا، إذا كان ربيعياً، ثم بعد ذلك يسمى حواراً، وقيل: تمام السنة يسمى فصيلاً.
وقال البندنيجي: الفصيل اسمه من حين يفصل عن أمه إلى انتهاء سنة من عمره، ويقال له حوار.
قال: فإن لم يكن في إبله أي حالة الإخراج بنت مخاض، أي كيف كانت- قبل منه ابن لبون، أي ذكر، وإن كان قادراً على شراء ابنة مخاض؛ لأنه جاء في رواية أبي داود عن أنس في كتاب أبي بكر: "فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن
لبون ذكر" ولفظ البخاري في سياق تتمة حديث أنس السابق: "ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه، ويعطه المتصدق عشرين درهماً أو شاتين، فإن لم يكن عنده ابنة مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء".
قال: وهو الذي له سنتان، ودخل في الثالثة، سمي بذلك، لأن أمه قد آن لها أن تكون لبونا على غيره.
فإن قيل: قد قلتم: إنه إذا قدر في الكفارة على شراء [الرقبة] وعادم الماء إذا قدر على شرائه- لا يجوز أن ينتقل إلى البدل فهلا كان هاهنا مثله.
قيل: للنص والمعنى:
أما النص فإن الله تعالى يقول: [﴿فمن لم يجد فصيام﴾] ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: 43] فاعتبر عدمهما وهما قادران عليه بالبدل وقال عليه السلام في مسألتنا: "فإن لم يكن في إبله" فاعتبر الوجود في ماله.
وأما المعنى فمن وجهين:
أحدهما: أن الزكاة مبنية على التخفيف؛ لأنها مواساة من ماله؛ ولهذا جوز له الصعود [إلى] فرض أعلى وأخذ الجبران وعكسه، بخلاف الكفارة والطهارة.
والثاني: أن ابن اللبون يساوي بنت المخاض؛ لأنه أفضل منها بالسن فيمتنع من صغار السباع ويرعى بنفسه، وهي أفضل منه بالأنوثة، وكان القياس يقتضي إجزاءه عند وجودها لولا الخبر، فإنه شرط في إجزائه عدمها.
وإذا عرفت أنه يجزئ عنها ابن اللبون عرفت أن إجزاء الحق والجذع عنها من طريق الأولى وهو ما جزم به الأصحاب عند فقد ابن اللبون من ماله، وكذا معظمهم مع وجوده، وحكى الماوردي وتبعه الروياني وجهاً ضعيفاً: أنه لا يجزئ لأنه لا مدخل له في الزكاة، وقد اتفق الكل على إجزاء الحقة والجذعة
عنها ولو مع وجودها، أما إذا كانت في إبله ابنة مخاض نظر: فإن كانت بحيث تجزئ عنه ويجب عليه إخراجها، فلا يقبل منه ابن اللبون بلا خلاف، وإن كانت مما لا تجزئ لكونها معيبة فقد أطلق الغزالي وإمامه- وتبعهما الروياني والرافعي- قبوله منه، وفي تعليق القاضي أبي الطيب: أن إبله لو كانت كراماً، وفيها بنت مخاض لئيمة أو نجيبة مهزولة لم يجز إخراجها في زكاته، فهل يجزئه ابن لبون أو يجب عليه شراء بنت مخاض؟ فيه وجهان.
وإن كانت لا يجب إخراجها؛ لكونها كريمة فهل يجوز له الانتقال إلى ابن لبون؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنها إذا لم يجب إخراجها صارت كالمعدومة، وهذا ما حكاه الإمام عن العراقيين وقال: إنه متجه وإليه ميل كلام صاحبي "المهذب" و"التهذيب"، وفي "البحر" أن أكثر أهل العراق حكوه عن النص لا أنه في خصوص المسألة، بل لأنه نص على أنه يجوز لمن عليه حقة، وفي جماله حقة ماخض: أن ينزل إلى بنت لبون، أو يصعد إلى الجذعة مع الجبران، فجعل ما لا يلزم إخراجه كالمعدوم؛ فكذا هنا، وهذا الوجه قد صدر به في"الوسيط" كلامه، ثم قال: وقال القفال: يلزمه شراء بنت مخاض؛ لأنها موجودة في ماله، وإنما
تركت نظراً له فلا يؤخذ ابن لبون، وهذا هو الوجه الثاني، وقال الإمام: إن إليه ميل كلام أصحاب القفال، وإنه ظاهر المذهب، وكذلك قاله في "التتمة" وفي "البحر" أنه المذهب، ولم يورد القاضي أبو الطيب غيره، وادعى مجلي أنه قول أكثر الأصحاب.
ولو كانت ابنة المخاض حال الوجوب معدومة من ملكه، لكنها تجددت في ملكه قبل الإخراج: فهل يجزئه ابن اللبون أم لا؟ فيه وجهان، أصحهما في "البحر": لا.
وقد اقتضى كلام الشيخ أمرين:
أحدهما: قبول ابن اللبون منه عند فقد بنت المخاض من ماله، سواء كان ابن اللبون في ملكه أو لا، وهو وجه حكاه القاضي الحسين، وصدر به في "الوسيط" كلامه، وقال في "التتمة": إنه الصحيح من المذهب [فيه]؛ لأنه مهما اشترى ابن اللبون أو اتهبه فقد صار موجوداً في ملكه دون بنت مخاض، ولم يحك القاضي أبو الطيب والبندنيجي والماوردي- وتبعهم في "المهذب"- غيره، وحكاه الإمام عن نقل الأئمة عن النص.
وعن صاحب "التقريب": أنه يجب عليه [شراء بنت مخاض؛ لأنها الأصل، وهذا ما قال القاضي الحسين في "تعليقه": إنه نص عليه].
والوجهان فيما إذا لم يرد [العدول] إلى فرض أعلى [من بنت المخاض] ويأخذ الجبران، فإن أراد ذلك فهو له.
نعم، لو كان في ملكه ابن لبون فأراد أن يخرج بنت لبون، ويأخذ الجبران فهل يجوز؟ فيه وجهان في "الحاوي" و"البحر".
أحدهما: يجبره في تحصيلهما.
والثاني: يطالبه ببنت مخاض؛ لأنه الأصل.
ثم إن جاء بابن لبون أخذ منه.
الأمر الثاني عدم إجزاء الخنثى مكان بنت المخاض عند فقدها كما اقتضاه نصه في "المختصر" وظاهر الخبر؛ لأنه اشترط في إجزاء المخرج بدلاً عن بنت المخاض أن يكون ذكراً، والخنثى لم تتحقق ذكورته، وهو ما حكاه الأصحاب وجهاً نسبه الإمام إلى بعض الضعفة، وقال: إن القول به هوس؛ بل الصحيح الإجزاء، وهو ما جزم في "الوجيز" و"التتمة"، وصدر به في "الوسيط" كلامه؛ لأنه إن كان ذكراً فقد حصل المقصود، وإن كان أنثى فقد زاد خيراً، والخبر محمول على إرادة التأكيد لدفع احتمال توهم الغلط؛ فإن الأسنان المنصوص عليها إناث، وقد جاء التأكيد في كلامه عليه السلام بنحو ذلك، وهو في قوله: "فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة رجل ذكر" وكما يقال: رأيته بعيني، وسمعته بأذني هاتين.
وقد قيل: إن ابن اللبون يطلق على الذكر والأنثى، والذي أورده القاضي الحسين في "تعليقه" الأول موجه بأنه اتصف بالنقص؛ لأنه ليس له قوة الذكر ولا نسل الإناث، ولا خلاف أن الخنثى إذا كانت أمه ماخضا لا يجزئ؛ لأن الأنوثة لم تتحقق.
قال: وفي ست وثلاثين بنت لبون للخبر، فإن لم تكن في إبله فله شراؤها، فإن لم يفعل كان للساعي الصعود إلى الحقة، والنزول إلى بنت مخاض مع الجبران كما سيأتي، وهل لرب المال إخراج حق عنها؛ جبراً لفائت الأنوثة بزيادة
السن كابن اللبون عن بنت المخاض؟ حكى الإمام عن صاحب "التقريب" أنه تردد جوابه فيه، وقال: إن ما ذكره من طريق الاحتمال متجه، ولكن اللائق بمذهب الشافعي اتباع النص، وتخصيص ما ذكره الشارع من إقامة ابن اللبون مقام بنت المخاض، وقد صرح الماوردي والحناطي في المسألة بوجهين، وأن الصحيح المنع كما قال الإمام: إنه اللائق بالمذهب، وبه جزم القاضي أبو الطيب والحسين والمتولي وغيرهم من العراقيين، وفرقوا بين [ابن] اللبون والحق بوجهين:
أحدهما: أن زيادة سن ابن اللبون تمنع من صغار السباع، وترعى الشجر وترد الماء، وذلك لا يوجد في بنت المخاض؛ فكان ذلك مقابلا لأنوثتها، وليس كذلك بنت اللبون مع الحق؛ فإنهما يشتركان في ذلك، وإنما فضلها بمجرد السن، وذلك لا يقابل الأنوثة؛ فلم يستويا.
والثاني- قاله في "البحر"-: أن للمصدق في ابنة اللبون خيارين بالنزول وبالصعود، فلا يجوز إثبات خيار ثالث له بإخراج الحق، وفي ابنة المخاض ليس له إلا خيار واحد وهو الصعود؛ لأنه ليس له النزول بإخراج ما دون بنت مخاض فجعل له إخراج ابن لبون مكان بنت مخاض؛ ليحصل له خياران قياساً على ذلك.
فإن قيل: لو وجبت عليه جذعة ولم يملكها، وملك تيسا، لا يجوز له إخراجه بلا خلاف، وإن كان لا خيار له على وجه [يأتي ذكره] إلا في النزول فقط، وكان قياس هذا الفرق: أن يجزئه إخراج التيس على هذا الوجه.
فجوابه: أنا لا نسلم أنه لا خيار له إلا من جهة النزول؛ بل له الخيار من جهة الصعود بلا خلاف أيضاً، لكن الخلاف في أنه يأخذ مع ذلك الجبران أم لا؟ وما دون بنت المخاض لا يجزئ بحال.
وقد عكس في "الوسيط" ذلك فصدر كلامه بجواز إخراج الحق عن بنت اللبون عند فقدها، ولم يورد في"الوجيز" غيره، ثم قال: وقال صاحب التقريب: يحتمل ألا يجوز؛ لأنه بدل غير منصوص عليه، ولو أراد أن يخرج ابن لبون عند
فقدها ويعطي الجبران، فهل تقبل منه؟ فيه وجهان في "الحاوي" وتبعه في "البحر"، ووجه الجواز بأن الشرع أقامه مقام بنت مخاض.
قال: وفي ست وأربعين حقة؛ للخبر، ولفظ أبي داود: "حقة طروقة الفحل".
قال: وهي التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، سميت بذلك؛ لأنها استحقت أن يطرقها الفحل وقد أشار عليه السلام إليه بقوله: "طروقة الفحل"، وقيل: لأنها تستحق أن يحمل على ظهرها وتركب وهو ما ذكره ابن الصباغ، وإليه يرشد قوله عليه السلام في الرواية الأخرى: "طروقة الجمل".
فرع: لو أخرج بدل الحقة بنتي لبون، قال في "الروضة": جاز على الصحيح؛ لأنهما تجزئان عما زاد.
قال: وفي إحدى وستين جذعة للخبر، وهي التي لها أربع سنين، ودخلت في الخامسة، سميت بذلك؛ لأنها تجذع سنها، أي: تسقطه، وقال البندنيجي: لتكامل أسنانها.
ويقرب منه قول الماوردي: إذا بلغت خمساً خرج جميع أسنانها.
وكأنهما أخذا بقول أبي حاتم: الجذوعة وقت من الزمن.
وعن الأصمعي: أنها إنما سميت جذعة؛ لأن أسنانها لا تسقط فتدل عليها.
وهذا السن هو آخر ما أوجبه الشرع من أسنان الإبل في الزكاة، وإن أجزأ منها ما عداه كالثنية، وهي التي طعنت في السادسة، والذكر يسمى ثنيا، والجمع: ثنايا، وسميت بذلك؛ لأنها تثني ثنياتها، وهذا السن هو أول ما يجزئ من الأسنان في الأضحية، وبعده: الرباعية، وهي التي طعنت في السابعة، والذكر: رباع، والجمع: رباعيات، ثم يليها: السدس والسديس للذكر والأنثى، وهو الطاعن في السنة الثامنة سمي بذلك؛ لإلقائه السن السديس الذي بعد الرباعية، ثم يلي ذلك، البازل: وهو الطاعن في التاسعة: ذكراً كان أو أنثى؛ لأنه بزل نابه أي: ظهر، ثم المخلف وهو الطاعن في العاشرة ذكراً أو أنثى، وبعد ذلك يقال: مخلف عام، ومخلف عامين، وبازل عام وبازل عامين وقال البندنيجي وغيره: بعد التسع يقال له: بازل عام، وبازل عامين، وإن البازل والمخلف عبارة عن شيء واحد.
قال الماوردي: ونهاية الحسن في الإبل: الجذع، من حيث الدر والنسل والقوة،
وما زاد عليه رجوع كالكبر والهرم.
قلت: وإن صح ذلك فقياسه ألا يجزئ ما بعده، والله أعلم.
فرع: لو أخرج بدل الجذعة حقتين أو بنتي لبون، قال في "الروضة": جاز على الصحيح؛ لأنهما تجزئان عما زاد، وفي "التتمة" وجه: أنه لا يجوز.
وهو [جار في] الفرع قبله.
قال: وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان؛ للخبر، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، لقوله في كتاب أبي بكر "فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة"، وظاهر هذا أن الثلاث البنات وجبت في المائة والعشرين، ولا شيء في مقابلة الزائدة عليها؛ لأنه لو قابلها شيء لكان في مقابلة كل أربعين وثلث واحدة، وقد قال به أبو العباس وأبو سعيد الإصطخري كما قاله في "التتمة" وغيره من الفريقين أطلق حكاية ذلك وجهاً ولم ينسبه لأحد، وإن قائله قال: يجوز أن يكون الشيء مغيراً للفرض ولاحظ له من الفرض؛ كالأخوين من الأبوين يردان الأم من الثلث إلى السدس، ولا يأخذان شيئاً، والصحيح أنه يقابل الزائدة قسط منها؛ لقوله عليه السلام: "إذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون".
وقوله: "فيها"، يرجع إلى الكل، وفائدة الخلاف تظهر فيما لو تلفت واحدة بعد الحول وقبل التمكن، وقلنا: إن التمكن شرط في الضمان، فإن قلنا بالأول لم يسقط من الفرض شيء، وإلا سقط ما يقابل التالفة قال في"الوسيط": وعلى الأول يبنى ما لو زاد نصف بعير على مائة وعشرين يجب فيها ثلاث بنات
لبون، وهو بعيد.
وما استبعده هو المنقول عن الإصطخري، وأنه تمسك فيه بما ذكرناه من كتاب أبي بكر؛ فإنها إذا زادت نصف بعير أو أقل منه صدق أنها زادت على عشرين ومائة، والصحيح خلافه؛ لأنه جاء في الخبر المروي عن ابن عمر: "فإذا زادت الإبل على المائة والعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون".
قال: ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة؛ للخبر، فيجب في مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين بنت لبون وحقتان، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين بنتا لبون وحقتان، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون فإذا بلغت مائتين فما يجب فيها؟ يأتي الكلام فيه.
قال: وفي الأوقاص التي بين النصب، أي: كالأربعة بين نصب الإبل التي يجب فيها الغنم، والعشرة بين الخمس وعشرين والست وثلاثين، وغير ذلك، والسبعة بين الثلاثين والأربعين من البقر، والسبعة عشر بين الأربعين والستين منها، وغير ذلك، والثمانين بين الأربعين والمائة وإحدى وعشرين من الغنم، والسبعة والتسعين بين المائة وإحدى وعشرين والمائتين وواحدة وغير ذلك.
قال: قولان:
أحدهما: أنها عفو لقوله عليه السلام: "في كل خمس شاة" ولو وجبت في الوقص لكانت في تسع، ولأنه عدد ناقص عن نصاب إذا بلغه وجبت فيه الزكاة، فلم تتعلق به كالأربعة الأول، وهذا ما نص عليه في كتبه القديمة والجديدة، كما قاله ابن الصباغ تبعاً لأبي الطيب، وقال البندنيجي: إنه الذي نص عليه في "البويطي" والجديد، وهو الذي صححه النواوي وغيره [تبعاً لـ"الحاوي"]، وقال في "البحر": إنه اختيار ابن سريج، واقتصر القاضي الحسين على نسبته [إلى الجديد] واستدل له بقوله عليه السلام: "في خمس وعشرين بنت مخاض، ولا شيء في زيادتها إلى خمس وثلاثين".
والثاني: أن فرض النصاب يتعلق بالجميع؛ لقوله في كتاب أبي بكر: "فإذا
بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض" ولأنه حق يتعلق بنصاب مقدر؛ فوجب أن يتعلق به وبما زاد عليه إذا وجد معه ولم ينفرد بحكم؛ كالقطع في السرقة، وهذا ما نص عليه في "الإملاء"، قال في "الحاوي" و"المهذب" و"البحر": وكذلك في "البويطي"، قال البندنيجي والقاضي الحسين وفي القديم، واختاره ابن سريج كما قاله الرافعي وغيره وصاحب "المرشد" اختاره أيضاً، واقتضى إيراد ابن الصباغ والقاضي أبي الطيب ترجيحه.
وإذا عرفت مجموع ما ذكرناه عرفت أن القولين مذكوران في كل من الجديد والقديم، وفائدتهما تظهر مع ملاحظة ما تقدم من أن التمكن شرط الضمان أو الوجوب، في فرعين هما كالأصلين والقاعدتين في الباب:
أحدهما: إذا ملك تسعاً من الإبل، فهلك منها أربع بعد الحول وقبل التمكن فإن قلنا: التمكن شرط في الوجوب، وجبت شاة [واحدة] وإن قلنا: شرط في الضمان، فإن قلنا: إن الزائد على النصاب عفو، وجبت شاة أيضاً، وإن قلنا: يتعلق بالجميع، وجب عليه خمسة أسباع شاة؛ لأنها وجبت في مقابلة تسعة فخص كل منها تسعاً، وحكى القاضي أبو الطيب عن أبي إسحاق أنه قال: يجب عليه شاة كاملة على هذا، قال ابن الصباغ: ولم يذكر وجهه، ووجهه عندي أن الزيادة لما لم تكن شرطاً في وجوب الشاة لم يسقط شيء منها بتلفها وإن كانت متعلقة بها، وهذا كما قلنا في ثمانية شهود شهدوا على شخص بالزنى فحكم الحاكم بشهادتهم وقبلهم ثم رجع أربعة منهم عن الشهادة فإنه لا يجب عليهم شيء فلو رجع منهم خمسة وجب عليهم الضمان؛ لنقصان ما بقي عن العدد المشروط كذلك هذا.
الثاني: المسألة بحالها لكن التالف خمس بعد الحول وقبل التمكن فإن قلنا: إن الإمكان شرط الوجوب، لم يجب عليه والحالة هذه شيء وإن قلنا: إنه شرط الضمان، فإن قلنا: إن الوقص عفو، وجب عليه أربعة أخماس شاة، وإن قلنا: إن فرض النصاب يتعلق بالجميع، وجب عليه أربعة أتساع شاة، قال ابن الصباغ: ولا يجيء وجه أبي إسحاق هاهنا؛ لنقصان العدد [كما ذكرت في
الشهادة].
قلت: لكن وجه أبي إسحاق وإن كان مأخذه ما ذكره ابن الصباغ من التوجيه فمقتضاه أن يجب عليه في هذه الحالة- والتفريع على ما ذكراه- أربعة أخماس شاة؛ لأن ذلك نظير ما إذا رجع خمسة من شهود الزنى، فإنه يجب عليهم ربع الدية، لأن الباقي من النصاب ثلاثة أرباعه، وهاهنا الباقي منه أربعة أخماسه.
وقد سلك الإمام طريقاً آخر في حكاية القولين في الكتاب بعد حكايتهما عن الأصحاب كما ذكرنا، فقال: لو رددت إلى ما يظهر لقلت: إن الزكاة تتعلق بالتسع، فإن النصاب والوقص من جنس واحد، وإنما القولان في أنا هل نجعل الوقص [في حكم الوقاية للنصاب، كما يجعل الربح في القراض] وقاية لرأس المال؟ فكنا نقول في يقول: هو وقاية، وإن كانت الزكاة تتعلق بالجميع؛ فإن الزكاة إذا لم تزد به لم تنقص بتلفه، وفي قول يقول: ليس الوقص وقاية؛ بل تتعلق الزكاة على قضية واحدة بالكل، وإذا تلف البعض سقطت حصته من الزكاة.
قال: ومن تمام الشأن في ذلك أن المشايخ قالوا: إذا ملك نصابين فواجب كل نصاب منحصر فيه، وزعموا أن هذا متفق عليه وإنما القولان في النصاب والوقص، وتحقيق القول في ذلك: أن من ملك نصابين فالوجه أن يقال: واجب النصابين متعلق بجميع المال من غير انحصار واختصاص، والدليل عليه: أن بنت المخاض واجب نصيب وهي الأخماس، ثم لا وجه إلا إضافة بنت المخاض إلى جميع الخمس والعشرين من غير حصر وتخصيص، ثم إذا وضح هذا في الأسنان فلا شك في اطراد قياسه حيث تكون الزيادة بالعدد والدليل عليه: أنه إذا زاد بعير بزيادة عشرة عند استقرار الحساب فلا يعتقد عاقل أن البعير وجب في العشر، ولكن الوجه إضافة الكل إلى الكل، ويوضحه الراجح في الخلطة وتفريعاتها؛ فإذا خرج من هذا أن حقيقة المذهب: أن من ملك نصابين فواجبهما متعلق بجميع المال بلا خلاف، وليس أحد النصابين وقاية للثاني، وإذا ملك نصاباً ووقصاً فالوجه انبساط الواجب على الكل، ولكن هل يسقط واجب
النصاب بتلف الوقص، أو الوقص وقاية للنصاب، والتلف محسوب من الوقص كما نقول في الربح في القراض؟ فيه القولان، وعلى ذلك جرى في "الوسيط" والله أعلم.
تنبيه: الأوقاص: جمع "وقص" بفتح القاف وإسكانها والمشهور في استعمال الفقهاء إسكانها، وقد عده ابن بري من لحن الفقهاء في الجزء الذي جمعه في اللحن والتصحيف.
ونقل ابن الصباغ وشيخه أبو الطيب أن أكثر أهل اللغة قالوا بالإسكان، ورداً على من غلط الفقهاء في ذلك، قال النواوي: وفي نقلهما نظر؛ لأنه مخالف للموجود في كتب اللغة المشهورة المعتمدة، ثم قيل: إن "الوقص" مشتق من قولهم: رجل أوقص، إذا كان قصير العنق لم تبلغ عنقه حد أعناق الناس؛ فسمي وقص الزكاة لنقصانه عن النصاب.
قلت: وهذا يقوي صحة إطلاق الوقص على الأربعة من الإبل قبل النصاب ونحوها، ومنه قول الشافعي في "البويطي": و"ليس في الأوقاص من شيء، وهو ما لم يبلغ ما تجب فيه الزكاة"؛ ولأجله قال الشيخ: "وفي الأوقاص التي بين النصب"؛ ليخرج ما قبل النصاب، فإن القولين ليسا فيه، والموجود في أكثر كتب المذهب أن الوقص: ما بين الفرضين.
وفي "تعليق" البندنيجي أن أول النصاب يقال له: وقص.
وما بين النصابين، قال [في] "البويطي": يقال له: شنق، والفقهاء كلهم يقولون: وقص.
وغيره قال: الشنق- بالشين المعجمة والنون المفتوحتين والقاف- كالوقص، سواء عند أهل اللغة.
وقال القاضي أبو الطيب: إنه قول أكثر أهل اللغة، وعن الأصمعي أنه قال: الشنق مختص بأوقاص الإبل، والوقص يختص بالبقر والغنم.
قال: ومن وجب عليه سن أي مما ذكره ولم يكن عنده أخذ منه سن أعلى منه، ورد عليه شاتان أو عشرون درهماً، أو سن أسفل منه [ودفع معه] شاتين أو عشرين درهماً.
الأصل في ذلك: ما روى البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر الذي تقدم بعضه، قال: "ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه [الجذعة] ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت [عنده صدقة الجذعة وليست عنده إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطي شاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت صدقته] بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده [وعنده] بنت لبون، فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين" فقد اشتمل الحديث على حكم الصعود والنزول وتقدير الجبران، وادعى الإمام الاتفاق على أصل الجبران.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أنه لو وجب عليه جذعة وليست عنده، أنه تقبل منه الثنية ويعطى الجبران إذا طلبه، أو الحقة ويأخذ معها الجبران، وهو ظاهر النص، والأصح في "تعليق" أبي الطيب و"الروضة"، والراجح عند العراقيين.
ومن الأصحاب من قال: إن بذله بغير جبران قبل منه، وإن طلب الجبران فلا يقبل؛ لأنها تساوي الجذعة في القوة والمنفعة؛ فلا معنى لدفع الجبران، وهذا ما ادعى القاضي الحسين أنه الظاهر، ورجحه البغوي والغزالي، وقال في "التتمة": إنه المذهب.
وإذا أردنا أن نحترز عن هذه الصورة لأجل هذا الوجه قدرنا في كلام الشيخ عند قوله "ومن وجب عليه سن ولم يكن عنده أخذ منه سن أعلى منه"، أي: فيما يجب في الزكاة، وقد يقال: يتعين هذا حتى يخرج ما دون بنت مخاض؛ فإنا لو جرينا على ظاهر اللفظ لاقتضى إجزاءه مع الجبران، ولا قائل به.
الثاني: أنه لا فرق في الصعود وأخذ الجبران بين أن يكون المأخوذ صحيحاً أو مريضاً، ولا خلاف فيه إذا كان صحيحاً، وأما إذا كان مريضاً فقد أطلق في"المهذب" وغيره القول بأنه لا يجوز، وهو المحكي في "الحاوي" عن نصه في "الأم"؛ لأن قدر التفاوت بين الصحيحين فوق قدر التفاوت بين المريضين، وما دفع بين أعلى التفاوتين كيف يدفع لأدناهما، ولا جابر إلى إيجاب ما دون ذلك؛ [لأن ذلك] يكون نظراً إلى القيمة، ولا مدخل لها في الزكوات عندنا، وقال الإمام: هذا عندي فيما إذا قلنا: الخيرة لرب المال في الصعود والنزول عند التشاحح كما سنذكره، [وهو مراد الأصحاب] أما إذا قلنا: إنه للساعي، وكانت المصلحة للفقراء في أخذ الأعلى ودفع الجبران، فالوجه القطع بجواز ذلك، وهذا ما أورده الرافعي، ولا خلاف في أنه لو أراد النزول وأخذ الجبران- والحالة هذه- جاز إذا رضي رب المال؛ لأن ذلك أحظ للفقراء.
الثالث: إذا كان واجبه بنت لبون، وليست عنده، فأخرج جذعة- أنها تقبل منه، ويأخذ الجبران المذكور، وكذا لو كان واجبه حقة، فأخرج بنت مخاض مع الجبران المذكور تقبل منه، وليس كذلك؛ لأن ماله إن كان كله جذاعاً في الصورة الأولى، و [كله بنات مخاض] في الصورة الثانية: [فهل يجوز له إخراج الجذعة في الصورة الأولى وبنت المخاض في الصورة الثانية]؟ بلا خلاف [إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب] وابن الصباغ والمتولي عن [ابن] المنذر من أصحابنا: أنه لا يجوز الصعود والنزول إلا إلى سنة واحدة، وهذا لا التفات إليه ولا تعويل عليه، وإذا كان كذلك كان الجبران فيهما أربع شياه أو أربعين درهماً، والشيخ قد قال: إن الجبران يكون شاتين أو عشرين درهماً، وفي هذه الحالة قال الأصحاب: لمعطي الجبران أن يخرج شاتين وعشرين درهماً، كما لو كان عليه كفارتا يمين؛ فإنه يجوز له أن يطعم عشرة ويكسو عشرة، وهذا بخلاف ما لو كان الجبران شاتين أو عشرين درهماً: لا يجوز للمالك إذا كان معطيه أن يخرج شاة وعشرة دراهم؛ كما لا يجوز أن يخرج عن كفارة يمين إطعام خمسة وكسوة
خمسة.
نعم، إن كان المخرج لذلك الساعي ورضي رب المال جاز؛ لأنه لو رضي بأخذ الشاة فقد كفى، وأشار في "التتمة" إلى خلاف في هذه الحالة [بقوله]: جاز على الصحيح من المذهب.
وإن كان في ماله الحقاق والجذاع، وفرضه بنت لبون، أو في ماله بنت مخاض وبنات اللبون، وفرضه الحقة- فقد حكى العراقيون والمراوزة في جواز إخراج الجذعة في الصورة الأولى إذا أراد أخذ الجبران لسنتين، وبنت المخاض في الصورة الثانية، ودفع جبران سنتين- وجهين:
أحدهما: الجواز وهو ما نسبه [الإمام] إلى القفال، وقال: إنه منقاس حسن.
وأصحهما في "المهذب" و"الشامل" و"الحاوي": المنع، وإليه صار معظم الأصحاب كما قال الإمام؛ لأنه يكثر الجبران من غير حاجة، وهذا ما حكاه القاضي الحسين، وعلى هذا لو رقي من بنت لبون إلى جذعة مع وجود بنت مخاض فوجهان حكاهما القاضي الحسين وغيره من المراوزة، والفرق: أن الموجود القريب ليس في جهة الترقي، أما إذا أراد الترقي من بنت لبون إلى جذعة، وفي ماله حقة، وطلب جبراناً واحداً- أجيب إليه بلا خلاف، قاله الإمام ومن بعده.
الرابع: [أنه] لو كان في ملكه الفرض، لكنه معيب بحيث لا يجزئ في الزكاة، أن له الانتقال والنزول؛ لأن تقدير كلامه: ومن وجب عليه سن ولم يكن عنده سن بحيث يجزئ.
وقد حكى القاضي أبو الطيب فيما إذا كان ماله صحيحاً إلا الفرض فهل يجوز له الصعود [أو النزول أو يتعين عليه شراء الفرض] بقيمة فرض صحيح وقيمة فرض مريض على قدر المالين؟ فيه وجهان جاريان فيما لو كان ماله مريضاً إلا الفرض.
قلت: وهما كالوجهين اللذين حكيناهما عنه فيما إذا كان في ماله بنت مخاض لا يجوز إخراجها: هل [له] إخراج ابن لبون عنها أم لا يجوز؟
والصحيح [منها] الذي جزم به جماعة كما تقدم، الجواز، ونظيره هنا الجواز أيضاً، كما اقتضاه كلام الشيخ.
فرع: لو ملك إحدى وستين بنت مخاض، فأخرج واحدة منها، قال في "الروضة": فالصحيح الذي قاله الجمهور، أنه يجب معها ثلاث جبرانات، وفي "الحاوي" وجه آخر: أنها تكفيه وحدها، حذارا من الإجحاف.
وليس بشيء.
قال: والاختيار في الصعود والنزول أي: إذا أمكنا إلى المصدق.
المصدق بتخفيف الصاد وتشديد الدال، هو الساعي وبتشديدهما هو رب المال، قال النواوي: والذي ضبطناه عن نسخة المصنف الأول.
وعلى هذا فوجه كون الخيار له: أنه الناظر للفقراء؛ فجعلت الخيرة له ليأخذ ما هو الأحظ للمساكين، كما إذا كان ماله مائتين من الإبل، وفيها أربع حقاق وخمس بنات لبون، وهذا ما ادعى في "المهذب" أنه المنصوص أي في "الأم" كما قاله في "البحر" وقال البندنيجي: إنه المذهب، والماوردي: إنه ظاهر المذهب مع حكاية وجه آخر: أن الاختيار في ذلك لرب المال؛ لأن الصعود والنزول أثبت رفقاً بالمالك، كي لا يحتاج إلى الشراء، فلا يليق به إلا التخيير، وهذا ما ادعى في "التتمة" أنه المذهب، واختاره النواوي تبعاً للرافعي وصاحب "المرشد"، قال البندنيجي: وهذا هو الأشبه بمذهب ابن سريج، وفي "البحر" أن ابن سريج قال به كما قال في الفرضين، وأن من أصحابنا من قال به هاهنا بخلاف الفرضين، والفرق: أن له تركهما وتحصيل الواجب، بخلاف الفرضين في المائتين، وهذا الوجه هو الذي فرع عليه القاضي أبو الطيب وغيره من بعد كما سنذكره، وصدر به في الوسيط كلامه، ثم أشار إلى الأول بقوله: ومن أصحابنا من نقل نصاً عن "الإملاء" أن المتبع: الأغبط للمساكين كما في اجتماع الحقاق وبنات لبون.
وهو بعيد، ووجه الإشارة من ذلك تتوقف معرفتها على معرفة أمرين ذكرهما الإمام:
أحدهما: أن محل الخلاف في المسألة إذا عين رب المال شيئاً، وعين الساعي غيره، وكان الحظ للفقراء فيما عينه الساعي، أما إذا كان الحظ فيما عينه رب
المال فلا خلاف في اتباعه؛ لأن الساعي إن وافقه فلا كلام، وإن خالفه فرأيه غير متبع على خلاف النظر، وإن استوى ما يريدانه في المصلحة قال: فالأظهر عندي اتباع رأي رب المال.
والثاني: نذكره من بعد، وحينئذ ننبه على ما يحصل به المقصود، إن شاء الله تعالى.
قال: وفي الشاتين أو العشرين درهماً إلى الذي يعطي ذلك للخبر، وهذا ما نص عليه في "المختصر" ولفظه لفظه؛ فعلى هذا: لو كان المعطي هو الساعي تعين عليه رعاية الأحظ لأهل السهمان منهما، فإن كان في دفع الدراهم ولم تكن عنده باع من مال الزكاة وأداها، قاله الرافعي وغيره.
وإن كان المعطي هو رب المال أخرج ما شاء، قال في "الأم": والاحتياط له أن يعطي الأحظ لأهل السهمان منهما، فإن لم يفعل ذلك بل أخرج ما هو الأحظ لنفسه جاز وإن نازعه الساعي.
وحكى الإمام عن نصه في "الإملاء" أن الخيرة إلى الساعي، أي: فيتعين إخراج الأحظ لأهل السهمان وأن من الأصحاب من قال لأجل نصه في "المختصر" ونصه في "الإملاء": في المسألة قولان.
والذي ذهب إليه الجمهور وقطع به الصيدلاني: أن المسألة على قول واحد، وهو ما نقله المزني وحمل ما حكى عن "الإملاء" على ما إذا كان الساعي هو المعطي، وهذا هو الأمر الثاني الذي تقدمت الإشارة إليه، وقد قال الإمام عقيبه: إن الاختلاف في الصعود والنزول بين الساعي ورب المال مخرج على هذا الخلاف يقول الغزالي: ومن أصحابنا من نقل نصا عن "الإملاء" أن المتبع الأغبط للمساكين.
أشار به إلى ما حكاه الإمام أن يتخرج مثله فيما نحن فيه، لا أنه منصوص عليه فيه، والله أعلم.
تنبيه: الشاة المأخوذة في الجبران كالشاة المأخوذة عن خمس من الإبل في اعتبار الذكورة والأنوثة والسن إن كان المخرج هو رب المال، حتى يأتي الخلاف السابق فيها، وإن كان المخرج هو الساعي فالاعتبار بما يرضى به رب المال إن كان دون ذلك، وإن حصل تنازع فالمعتبر فيها ما تقدم، قاله المتولي.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنا إن قلنا: [إنه] يؤخذ الذكر في الشاة عن الخمس من الإبل، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، والفرق: أن الشاة ثم وجبت أصلاً، وهنا بدلاً والمعتبر في الدراهم المخرجة جبراناً أن تكون بقرة قال الإمام: بلا خلاف، وكذلك تكون دراهم الشريعة حيث وردت.
قال: وإن اتفق فرضان في نصاب أي: وهما موجودان فيه بحيث يجزئ [كل] منهما لو انفرد، كالمائتين فيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون؛ لأنه قد اجتمع فيها أربع خمسينات وخمس أربعينات، فشملهما قوله في كتاب أبي بكر: "في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة".
قال: اختار الساعي أنفعهما للمساكين، إذ لا مزية لأحد الفرضين على الآخر فتعين الأنفع للمساكين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] ومعناه: لا تقصدوا المال الدون، وليس المراد [به] غيره؛ لقوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 267].
وقال ابن سريج: يخرج المالك ما شاء منهما، وإن كان الأحظ خلافه، وجاء
[تخريجاً] من نصه في "المختصر" أن الخيرة إليه عند إخراجه الشاتين أو الدراهم جبراناً وأيده بقوله- عليه السلام- لمعاذ: "إياك وكرائم أموالهم" [والأنفع: من الكرائم] وقد ادعى الإمام أن قياس هذا المذهب ظاهر، ويعتضد بظاهر الخبر [لأن الخبر] كما تضمن إخراج [الحقاق لمكان] حساب الخمسين تضمن إخراج بنات اللبون لمكان إجزاء [حساب] الأربعينات، وعلى هذا فالأولى لرب المال إذا كان رشيداً: أن يخرج الأحظ للمساكين، أما إذا كان مولى عليه فلا يجوز لوليه إخراجه؛ بل يجب إخراج ما الأحظ فيه لرب المال، قاله أبو الطيب وغيره، والصحيح الأول؛ لما ذكرناه، وهو المنصوص عليه في "الأم" وكذا في "المختصر" حيث قال: فإذا بلغت مائتين فإن كانت أربع حقاق منها خيراً من خمس بنات لبون أخذها المصدق، وإن كانت خمس بنات لبون خيراً لا يحل له غير ذلك.
والمنتصرون لهذا قالوا: حديث معاذ مخصوص بغير الفرضين إذا اجتمعا، فأما إذا اجتمعا فلا، والفرق بين ما نحن فيه والجبران من وجهين:
أحدهما: أن العشرين درهماً والشاتين متعلقة بذمة رب المال دون ماله، ومن لزمه في الذمة أحد حقين كان مخيراً في دفع أيهما شاء، والفرض في الحقاق أو بنات اللبون متعلق بالمال لا بالذمة؛ فكان الخيار في المال إلى مستحقه.
فإن قلت: هذا فرق على قولنا: إن الزكاة تتعلق بالعين، فما هو على قولنا: إنها تتعلق بالذمة؟
قلت: إذا قلت بهذا لم يحتج إلى فرق؛ لأن قوله في القديم، والقديم أنه تتعين الحقاق، وما وقع التفريع عليه هو الجديد، والجديد أنها تتعلق بالعين.
والفرق الثاني: أنه لما جاز لرب المال العدول عن العشرين والشاتين إلى [جواز ابتياع] الفريضة الواجبة عليه كان مخيراً بين الدراهم والشاتين، ولما لم يجز لرب المال العدول عن هذين الفرضين إلى غيرهما لم يكن مخيراً بينهما، وعلى هذا إذا أخذ الساعي الأدنى فقد قال في "المختصر": كان حقاً على رب
المال أن يخرج الفضل فيعطيه أهل السهمان.
واختلف الأصحاب [فيه] على طرق:
إحداها: أن ذلك فيما إذا كان قد أخذه باجتهاده، ولا تفريط من رب المال؛ بأن يكون قد أحضر الفرضين معاً، ثم ظهر بعد الأخذ أن الأحظ خلافه، فأما إذا أخذه بغير اجتهاد أو وجد تفريط من رب المال؛ بأن أحضر الصنف الأدنى وحده فلا يحتسب وينظر: فإن كان ذلك الصنف قائماً في يد الساعي أخذه رب المال وأخرج [الصنف] الأعلى، [وإن كان قد تلف ردت القيمة إليه، وأخرج الصنف الأعلى].
والثانية- وبها قال أبو إسحاق-: إجراء اللفظ على ظاهره، وأنه يجزئه بكل حال، ويخرج الفضل، قال في "الحاوي": لأن أخذ الأفضل وجب من طريق الاجتهاد؛ فلم يجز أن يبطل حكماً ثبت بالنص.
قال الرافعي: وهذا رجوع إلى قول ابن سريج.
قلت: ليس كذلك؛ لأن هذا القائل لا يجوز الإقدام على أخذ غير الأغبط، بخلاف ابن سريج؛ فإنه يجوز ذلك إذا دفعه رب المال.
وهاتان الطريقان لم يورد البندنيجي غيرهما.
والثالثة- حكاها القاضي أبو الطيب وابن الصباغ مع الأوليين-: أنه ينظر: فإن كان المأخوذ باقياً رده، وإن كان قد فرق على أربابه أجزأ، وأخرج رب المال الفضل.
وسلك الإمام في حكاية الطرق مسلكاً آخر، فقال: إن أخذ الأدنى بغير اجتهاد فلا يقع الموقع بلا خلاف، وإن أخذه باجتهاد ثم ظهر أن الأحظ خلافه فثلاثة أوجه، اثنان ذكرهما صاحب "التقريب":
أحدهما: وقوعه الموقع.
والثاني: لا.
والثالث: ذكره العراقيون معهما، وهو إن كان المأخوذ باقياً رده، وإن فرقه وقع الموقع.
وإذا جمعت بين ذلك و [بين] ما تقدم واختصرت قلت: في المسألة أربعة أوجه:
أحدها: لا يقع الموقع بكل حال.
والثاني: وقوعه بكل حال.
وهما بعيدان.
والثالث: إن كان باجتهاد ولا تقصير من رب المال وقع الموقع، وإن كان بغير اجتهاد أو تقصير من رب المال فلا يقع الموقع.
والرابع: إن كان باقياً أخذه ولم يقع الموقع، وإن كان قد فرق وقع الموقع لعسر الاسترجاع.
وعن رواية أبي الحسين بن القطان وجه خامس يكاد أن يدخل في الثالث، وهو: إن دفع المالك ذلك مع العلم بأنه الأدون لم يجزئه وإن كان الساعي هو الذي أخذه جاز، قال الرافعي: ويقرب منه عند صاحب "التهذيب" مجرد علم المالك بحاله تقصيراً مانعاً من الإجزاء، وإن لم يوجد إخفاء وتدليس.
ثم حيث قلنا بوقوعه الموقع، فهل يجب عليه إخراج قدر التفاوت إذا كان الأحظ بحسب زيادة القيمة أو يستحب فرق فيه وجهان في الطريقين أصحهما: الوجوب، وكيفية معرفته: أن يقوم المخرج ويقوم الفرض الآخر، وما بينهما هو التفاوت والفضل الذي أراده الشافعي، وعلى الوجهين [ينظر] في الفضل:
فإن كان مقداره يسيرا بحيث لا يمكن أن يشتري به جزءاً من الفرض فرَّق الدراهم، كذا قاله الأصحاب، وهو محمول على ما إذا كانت بالنقد، فلو كان "النقد ذهبا قوم به وأخرج [التفاوت] ذهبا، ففرقه والحالة هذه، وعن صاحب "التقريب" أنه تردد في انتظار إمكان الشراء، قال الإمام: وهو بعيد غير معتد به.
قلت: ولعله على بعده فيما إذا كان الشراء ممكناً [عادة] لكنه تعذر في ذلك الوقت للعسرة.
وإن أمكن أن يشتري به جزءاً من الفرض، فهل يتعين أن يفرق الدراهم، أي:
أو الذهب إذا كان هو النقد؟ فيه وجهان في "تعليق" أبي الطيب وغيره، وقال ابن الصباغ وغيره: إن الثاني أصح.
وعلى هذا: لو أخرج شقصاً جاز، قال الإمام: وفيه أدنى نظر؛ لما فيه من العسر على أهل السهمان، وإذا قلنا بشراء الشقص، فهل يكون من جنس الأعلى أو الأدنى الذي أخذه؟ فيه وجهان عند المراوزة قال الإمام: والذي مال إليه الكافة: الثاني، وأظهرهما عند الصيدلاني: مقابله قال الإمام: ولا يبعد عندي في مثل هذا المقام أن يخير المالك حتى يقال إن شاء أخرج من نوع المأخوذ، وإن شاء أخرج من النوع الآخر بعد تحقق جبران النقصان، وقد أشار إليه بعض المصنفين، وهو متجه؛ فيحصل إذا ثلاثة أوجه فيما يشتريه ثم هل له أن يفرق الفاضل بنفسه؟ ظاهر النص في "المختصر" الذي حكيناه: أن له ذلك؛ لأنه قال: فيعطيه أهل السهمان.
وقد بنى القاضي الحسين ذلك على أن رب المال هل له تفرقة زكاة الأموال الظاهرة أم لا؟ فإن قلنا بالثاني، وقلنا يخرجه جزءاً من حيوان، فكذلك، وإن قلنا: يخرجه نقداً، قال: يحتمل وجهين- صرح بهما غيره-:
أحدهما: يفرقه كالأموال الباطنة؛ لأنه من جنسها.
والثاني: يجب دفعه إلى الإمام؛ لأنه بدل حيوان.
وقال على الأول-: إن قوله: فيعطيه إلى أهل السهمان، إنما ذكره؛ لأنه لو دفعه إلى الساعي ربما سخط ذلك؛ لأنه يحتاج إلى أن يقول: أخطأت في الاجتهاد، ولا يعجبه ذلك، وربما [لا] يأخذه.
قال: وقيل: [فيه] قولان:
أحدهما: ما ذكرت، ووجهه وتفريعه سلف.
والثاني: [أنه يتعين] الحقاق، أي: كيف كانت؛ لأن تغير الفرض بالسن أكثر من تغيره بالعدد؛ فكان الاعتبار بالسن أولى، ولأن الإبل قبل أن تبلغ مائتين كلما زادت عشرة جعلت بنت اللبون حقة من غير تخير فكذلك إذا كان في مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون، وجب إذا بلغت مائتين أن تجعل بنت لبون
حقة؛ فتصير أربع حقاق من غير تخيير، وهذا ما نص عليه في القديم.
والقائل بالطريقة الأولى الجازمة بالتخيير [قال: تركه] في القديم القول بالتخيير؛ إنما كان لأن الغالب أن الحقاق خير من بنات لبون، فلهذا لم يذكر أن الساعي مخير بينهما.
وقال صاحب "التقريب": إنه محمول على ما إذا لم يكن في ماله إلا الحقاق، أما إذا لم يكن في ماله إلا أحد الفرضين، والآخر معدوم أو كالمعدوم وهو المعيب أو ناقص، [مع سلامة بقية النصاب]- فقد قال الغزالي في الحالة الأولى: إن الفرض هو الموجود قولاً واحداً.
وهو في ذلك متبع للإمام؛ فإنه قال: لا خلاف [في] أن الساعي يأخذه ويكتفي به، قال الرافعي: وهكذا زعم ابن كج والعراقيون كأبي الطيب وابن الصباغ والبندنيجي، وقالوا: إن قلنا بالقديم، وكان الموجود الحقاق فلا إشكال وإن كان الموجود غيرها فهو مخير بين أن يشتري الحقاق وبين أن يصعد بسن ويأخذ الجبران، أو ينزل بسن ويعطي الجبران.
وهذا منهم تفريع على [أن] الخيار في الصعود والنزول [لرب المال، كما أشرت إليه من قبل، وإلا فقياس ما تقدم من أن المنصوص في أن الخيار في الصعود والنزول] إلى الساعي [أن يكون له ها هنا إن لم يشتر رب المال الحقاق.
وإن قلنا بالجديد، وهو أن الخيار للساعي] في تعيين بنات لبون أو الحقاق، وهو الذي عليه نذكر بقية الفروع الآتية من بعد- أخذ الموجود ولا يكلفه غيره.
وصرح البندنيجي وغيره بأن الحكم في الحالة الثانية كهو في الأولى، وكذا في الحالة الثالثة؛ فإذا كان في ملكه أربع حقاق وثلاث بنات لبون، أو خمس بنات لبون، أو ثلاث حقاق- تعين الكامل على الجديد، حتى لو أراد العدول إلى الناقص ويكمله من الكامل مع الجبران لم يجد إليه سبيلاً، وعلى ذلك يدل قوله في "المختصر": فإن وجد أحد الصنفين أخذ الذي وجد، ولا يفرق
الفريضة.
قيل: ومعناه ما ذكرناه فقد قيل: إن الربيع قال: ولا يفارق الفريضة، ومعناه: لا يترك الفريضة.
واختلف الأصحاب في ذلك:
فمنهم من قال: الذي نقله الربيع هو الصحيح، فإن تفريق الفريضة جائز، وهو أن يأخذ أربع بنات لبون وحقة موضع [بنت لبون بلا جبران.
ومنهم من قال: الذي نقلاه صحيح، والمراد مما نقله المزني أنه لا يقبل ذلك مع الجبران.
نعم، لو كانا ناقصين في ملكه: بأن كان في ملكه ثلاث حقاق وأربع بنات لبون، فإن أعطى الحقاق وبنت لبون مع الجبران جاز، وكذلك إن أعطى بنات اللبون وحقة وطلب] جبرانها جاز أيضاً، ولو قال: خذوا مني حقة وثلاث بنات لبون وجبرانها، ففي القبول وجهان، قال البندنيجي: المذهب منهما: المنع، وقد أجراهما الإمام فيما لو كان في ماله حقة وأربع بنات لبون، وأراد إخراج الحقة وثلاث بنات لبون وجبرانها، لكنه قال: المذهب منهما: الجواز، ومقابله زيف لا أصل له.
ولو كان سن الفرضين معدوماً في ماله، قال العراقيون وفي "الوجيز": إن له أن يشتري أيهما شاء؛ لأن بالشراء يصير موجوداً في ملكه، وهذا ما رجحه في "النهاية"، وصححه في "الوسيط"، وحكى وجهاً آخر: أنه يجب شراء الأحظ، وقد نظره.
ثم هذا إذا لم يرد اتخاذ ما دون الفرض أو أعلى منه أصلاً، ويعطي الجبران أو يأخذه، فإن أراد ذلك: بأن اتخذ بنات لبون أصلاً، ونزل منها إلى بنات مخاض، فأخرج خمس بنات مخاض وخمس جبرانات جاز.
وكذا لو اتخذ الحقاق أصلاً، وصعد إلى الجذاع وطلب الجبران جاز ولو اتخذ الحقاق أصلاً ونزل إلى بنات مخاض، أو اتخذ بنات اللبون أصلاً، ورقي إلى الجذاع قال الإمام: فلا يجوز وجهاً واحداً، وإن أجرينا في مثله خلافاً فيما تقدم، والفرق أنه في نزوله وصعوده هاهنا يتخطى واجباً، وهو بنات لبون أو الحقاق، ولا كذلك؛ ثم؛ فإن الحقاق وبنات اللبون ليست واجب ماله، وإن كانت على طريق ترقيه ونزوله.
وحكى الرافعي أن الشيخ أبا محمد حكى في الفرق وجهاً: أنه يجوز النزول والصعود فيهما.
كما لو وجب عليه حقة، فلم يجدها، ولا بنت لبون في ماله؛ فنزل إلى بنت مخاض.
فرع: لو كانت إبله أربعمائة، فقد اجتمع فيها ثماني حقاق، وعشر بنات لبون؛ فإن أخذ خمس بنات لبون وأربع حقاق، جاز، ونظيره ما تقدم في الجبرانين، وقال الإصطخري: لا يجوز إلا أن يأخذ ثماني حقاق، أو عشر بنات لبون؛ لأن الشافعي قال: "لا تفرق الفريضة" وفي هذا تفريق الفريضة.
وقد حكى الإمام الوجهين من غير نسبة شيء منهما لأحد، وقال: إنهما يجريان مهما بلغ المال مبلغاً يشتمل على أربعينات وخمسينات.
فإن قيل: قد ذكرتم أن الساعي لا يأخذ إلا الأغبط على المذهب، ويلزم من ذلك أن يكون كل من الصنفين أغبط إذا جوزتم أحدهما له في هذه الحالة، وذلك لا يمكن.
قال ابن الصباغ: يجوز أن يكون لهم حظ ومصلحة من اجتماع النوعين؛ قال الرافعي: وهذا يفيد معرفة شيء آخر، وهو أن جهة الغبطة غير منحصرة في زيادة القيمة، لكن إذا كان التفاوت لا من جهة القيمة يتعذر إخراج الفضل وقدر التفاوت.
قال: وأول نصاب البقر ثلاثون؛ فيجب فيه تبيع.
تمسك الشافعي في ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه أمر معاذاً أن يأخذ من كل ثلاثين تبيعاً، ومن أربعين مسنة" وبروايته عن مالك بن أنس، عن حميد بن قيسن عن طاوس: "أن معاذاً أخذ من ثلاثين بقرة تبيعاً، ومن كل أربعين مسنة" فكان عمل معاذ موافقاً لما أمر به.
فإن قيل: هذا مرسل؛ لأن طاوسا ولد في زمان عمر، وكان له سنة حين مات معاذ، والشافعي لا يقول بالمراسيل، فكيف يحتج بها؟
قيل: الجواب عن ذلك من أوجه:
أحدها: أن هذا وإن كان مرسلاً؛ فطريقه السيرة والقصة، وهذه قضية مشهورة في اليمن خصوصاً، وفي سائر الناس عموماً، وطاوس يمان؛ فكان الأخذ به من طريق اشتهاره، لا من طريق إرساله، ويدل على ذلك أن الشافعي حين قال ما قاله عقبه بقوله في "المختصر": وهذا لا أعلم فيه بين أحد من أهل العلم لقيته خلافاً.
والثاني: أن الشافعي يمنع من الأخذ بالمراسيل إذا كان هناك مسند يعارضه، وإن كان مرسل لا يعارضه مسند فالأخذ به واجب.
والثالث: أن هذا وإن أرسله الشافعي فقد أسنده غيره؛ فكان الأخذ به من طريق الإسناد، روى أبو داود عن معاذ- وهو ابن جبل- أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة" وأخرجه
الترمذي، وقال: حديث حسن.
وروى أبو بكر البزار من حديث ابن عباس قال: لما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذاً إلى اليمن "أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً، أو تبيعة جذعاً أو جذعة، ومن كل أربعين بقرة مسنة قالوا: فالأوقاص؟ قال: ما أمرت فيها بشيء وسأسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قدمت عليه؛ فلما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأله فقال: "ليس فيها شيء".
وفي "موطأ مالك": فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يقدم معاذ بن جبل.
قيل: وهذا هو الصحيح أن معاذاً قدم بعدما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وذكر الدارقطني عن الشعبي عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "في كل أربعين من البقر مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة" وقد ادعى في "البحر" أن
ذلك مجمع عليه؛ لما ذكره الشافعي، ولا يسلم من النزاع.
قال: وهو الذي له سنة، أي: ودخل في الثانية؛ لأنه لا يتحقق استكمال السنة إلا بالدخول في غيره، وهذا ما حكاه الأزهري كما قال في "البحر"، وقال القاضي الحسين ما ذكره الشيخ، ثم نقل عن أهل اللغة أنهم قالوا: إنه ليس بسن، ولكنه سمي تبيعاًلأنه يتبع أمه في المسرح، كما يقال: فصيل إذا فصل عن أمه، وقيل: لأن قرنه يتبع أذنه، وقيل: لأن قرنه يتبع ترقوته؛ فتساويا، والمذكور في "الحاوي": أن التبيع: ما له ستة أشهر فصاعدا؛ لأن قد قوي على اتباع أمه، وإليه أشار في "الإبانة" بعد حكاية الأول بقوله: وقيل: التبيع اسم للعجل الذي يتبع أمه وإن لم يستكمل سنة، وقد حكاه الإمام، وقال: إن حظ الفقيه مما ذكرناه أن يعلم أن التبيع هو الجذع، يعني كما ورد في الخبر، والجذع من البقر كالجذع من الضأن، وقد تقدم تردد في سن الجذعة من الضأن، قال: وظاهر المذهب: أنها التي طعنت في السنة الثانية.
ومن أصحابنا من قال: إذا استكملت ستة أشهر فهي الجذعة، وهذا على بعده يجري في التبيع، والمذهب الذي عليه التعويل: أنه الذي استكمل سنة، وتقوم مقام التبيع فيما ذكرناه التبيعة، بل هي أولى؛ لفضلها بالأنوثة، كذا قاله الأصحاب كافة.
فإن قيل: خبر معاذ قد دل على أن الواجب في الثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، فلم اقتصر الأصحاب على أن واجبه التبيع، وأنه إذا أخرج التبيعة كان أولى وأسقط الواجب، ويكون متطوعاً بالزيادة، كما قاله في "المختصر"، ولا يقال: إن ما وجب على التخيير، إذا كان أحد خصاله أكمل كان الأدون منها هو الواجب؛ فإن فعل الأكمل سقط به؛ لأن ذلك موجود في خصال كفارة اليمين، وقد اتفق الكل على أن واجبها أحد الخصال الثلاث.