كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 198-224
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 198-224
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

دفع] زكاتها إلى زوجها: "لك أجران: أجر الصَّدقة، وأجر الصَّلة".
ولأنه في معنى أهلها وأقاربها الذين لاتلزمها نفقتهم.
فإن قيل: هي إذا صرفت زكاتها إليه عاد إليها النفع؛ لأنها تطالبه بنفقة الموسرين، وينبغي أن تمنع لذلك.
قلنا: قد أشار إلى المنع القاضي الحسين، حيث قال في "التعليق": يجوز أن تدفع إليه من صدقتها باسم الفقر، على الصحيح من المذهب، والمشهور الأول، كما يجوز أن يصرف زكاته لفقير أو مسكين له عليه دين، وإن كان إذا قبضها طالبه بدينه لميسرته بما قبض، كذا قاله البندنيجي وغيره.
والكل متفقون على أنه لا يجوز أن يصرف [من] سهم الرقاب إلى مكاتبه؛ لأنه قِنًّ ما بقي عليه درهم.
قال: وأن يعم كل صنف إن أمكن، أي: ويستحب أن يعم كل صنف إن أمكن التعميم في الدفع بحيث يحصل مجموع الكفاية له؛ كي لا ينكسر قلب من لم يعطه.
وقال الإمام فيما إذا كان التعميم يقربهم من الكفاف: فقد نقول: إذا صرف زكاته إلى ثلاثة من كل صنف تبرأ ذمته، ويعصي إذا لم يكن في القطر من يرعى المحاويج غيره.
والمشهور: ما ذكره الشيخ، رحمه الله.
أما إذا كان تعميم الجميع ممكناً بحيث تندفع حاجة كل منهم بما يعطيه له، بأن كانت صدقته كبيرة، والمستحقون فيهم قلة – وجب التعميم، ولا يجوز أن يخل بواحد منهم، صرح به الماوردي والبندنيجي والمتولي، وهو قضية ما حكيناه [من

إطلاق العراقيين عند الكلام في نقل الصدقة، وفي "التهذيب": أن ذلك يجب إن لم تجوز نقل الصدقة، وإن جوزناه لم يجب، لكن يستحب، وهو قضية ما حكيناه] ثم عن المراوزة، وقد حكاه الإمام في كتاب الزكاة قبل باب صدقة الخلطاء حيث قال: سمعت شيخي يقول: إذا منعنا النقل، وانحصر الفقراء، وزادوا على ثلاثة – فيجب صرف الحصة إليهم، وتجب التسوية بينهم، وإنما يجوز الاقتصار على الثلاثة وتجوز المفاضلة عند خروجهم عن الضبط الممكن؛ فإن سبب الاقتصار على الثلاثة أنهم أقل [الجمع]، ولا عدد أولى من عدد بعد ذلك، وسبب المفاضلة: أن كل من أعطي أقل فلو حرم لأمكن حرمانه بإقامة غيره مقامه فأما إذا انحصروا وامتنع النقل وثبت الاستغراق- فالوجه وجوب الصرف إليهم مع رعاية التسوية.
قال: والذي قاله حسن منقاس إذا قلنا برد اليمين عليهم، وقد ادعى في "الوسيط" في هذه الصورة أن الأولى: التعميم، ثم قال: ويحتمل أن يقال: يجب الاستيعاب عند الإمكان، والله أعلم.
قال: وأقل ما يجزئ-أي: في الحالة التي يستحب فيها التعميم – أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف منهم، أي: عند وجودهم، لأن الله تعالى ذكر كل صنف بلفظ الجمع، وأقل الجمع ثلاثة.
قال إلا العامل؛ فإنه يجوز أن يكون واحداً؛ أي: إذا حصلت [له] الكفاية؛ لفهم المقصود به.
فإن قيل: ابن السبيل لم يذكر في الآية بلفظ الجمع؛ فكان ينبغي أن [يجوز الاقتصار] على الصرف لواحد منهم.
قلنا: قد قال [به] بعض الأصحاب، والصحيح الأول؛ لان المراد به الجنس كما تقدم؛ لأن الإضافة تجري مجرى لام التعريف، والألف واللام يستغرقان الجنس، كذلك الإضافة.
وعن بعض شارحي "المختصر": أنه لو طرد الخلاف في الغزاة لم يبعد، أما إذا لم

يوجد من الصنف إلا واحد: فإن كان ثلث حصة الصنف يدفع حاجته فلا يزاد على ذلك، وباقي الحصة هل يرد على بقية أهل الأصناف، أو ينقل إلى ذلك الصنف في بلد آخر؟ فيه قولان في "تعليق" أبي الطيب كالقولين فيما إذا فقد الصنف في بلد [ذلك] المال ووجد في غيره، وهما في "الشامل" وجهان، وادعى الماوردي أن المذهب منهما الأول.
وإن كانت حاجة الموجود من الصنف لا تندفع إلا بجميع حصة الصنف، فقد قال المتولي: إن قلنا: لا يجوز نقل الصدقة، صرفنا جملة النصيب إلى الموجود، وإن قلنا: يجوز نقلها، فلا يجوز الإخلال بالعدد.
وسكت عما يصرف للموجود وما ينقل.
وقال الإمام: إن العراقيين بنوا ذلك على ما إذا عدم الصنف كله في بلد ووجد في غيره، فإن قلنا ثم: لا ينقل ويفض على الموجودين، فهاهنا يفض في مسألتنا ولا ينقل أولى.
وإن قلنا ثم: يجب النقل، ففي هذه الصورة قولان.
والذي قاله [القاضي] أبو الطيب وغيره: أن ذلك ينبني على القولين فيما إذا فقد الصنف في بلد المال ووجد في غيره، فإن قلنا: يصرف لباقي الأصناف، صرف جميع السهم هنا للموجود، وهو ما نص عليه في "المختصر" في ابن السبيل، وإن قلنا: ينقل ذلك الصنف حيث كان، فلا يجوز أن يدفع [الكل، ويجوز أن يدفع] إله الأكثر من السهم، وينقل إلى البلد الآخر ما يجوز أن يدفعه إلى الواحد [عند وجود ثلاثة منهم فأكثر؛ لأنه لا يجوز له التفضيل في الإعطاء في الصنف الواحد].
وقال الماوردي والبندنيجي على هذا: إنه لا يجوز أن يعطى الموجود إلا ثلث السهم [من غير زيادة]؛ لأن الله تعالى جعله لجمع أقله ثلاثة، وينقل باقي السهم – وهو ثلثاه – إلى ذلك الصنف بأقرب البلاد.
والخلاف هكذا هو الذي حكاه القاضي الحسين في موضع من الكتاب حيث قال: إذا لم يوجد من صنف إلا واحد دفع إليه النصيب كله إذا كان قدر حاجته، ومن

أصحابنا من قال: يدفع إليه ثلث نصيب الصنف؛ للآية، والله أعلم.
قال: والأفضل أن يفرق عليهم على قدر حاجتهم، أي إن تفاوتت، وأن يسوي بينهم، أي: ويستحب أن يسوي بينهم إن استوت حاجتهم؛ لأن الزكاة شرعت لدفع الحاجة.
ولو لم يفعل ذلك، وسوى بينهم مع تفاوت الحاجة، أو فاضل مع تساوي الحاجة - جاز؛ لما تقدمت حكايته [عن رواية] الإمام عن والده، ويأتي فيه وجه الشيخ أبي محمد السابق، وبه صرح في "الوسيط"، والمشهور: الأول، وقد قال الأصحاب تفريعاً عليه: إنه يخالف هذا ما لو أراد أن يفاضل بين الأصناف في القسمة؛ فإنه لا يجوز، [ولو] مع تفاوت الحاجة وشدتها؛ لأن الأصناف محصورة فيمكن التسوية بينها، والعدد من كل صنف غير محصور؛ فسقط اعتبار السوية.
قال في "التهذيب": وليس كما لو أوصى لفقراء بلد بعينه وهم محصورون؛ حيث يجب تعميمهم و [لا] تجب التسوية؛ لأن الحق في الوصية لهم على التعيين، [حتى لو لم يكن هناك [فقير] بطلت الوصية، وهاهنا لم يثبت الحق لهم على التعيين]؛ وإنما تعينوا لفقد غيرهم؛ ولهذا لو لم يكن في البلد مستحقون لا تسقط الزكاة؛ بل تنقل إلى بلد آخر، فمن حيث إنهم محصورون يجب التعميم، ومن حيث إنهم لم يثبت [لهم] على التعيين لاتجب التسوية.
وقد يقال: إن معنى قول الشيخ - رحمه الله -: "والأفضل أن يفرق عليهم على قدر حاجتهم"، أي: إن أمكن، مثل: أن تكون حاجة ثلاثة من الصنف ستمائة درهم، يحتاج أحدهم إلى مائة، والآخر إلى مائتين، والثالث إلى ثلاثمائة، وحصة الصنف من زكاته ستمائة، فيستحب أن يصرفها لهم، ولو صرفها لهم ولغيرهم جاز؛ لما تقدم، لكنه خلاف الأفضل.
وقوله: "وأن يسوي بينهم"، أي: إن لم يمكنه دفع حاجة [ثلاثة من] الصنف؛

لأنه ربما وجب عليه النصف، مثل: أن تكون حصة الصنف ثلاثمائة – والصورة كما ذكرنا – فيستحب أن يدفع إلى الأول خمسين، وإلى الثاني مائة، إلى الثالث مثلهما؛ لأنه بذلك تحصل التسوية؛ ولهذا قال الأصحاب: إنه يجب على الإمام إذا قسم، ولم يمكنه تعميم الصنف [من جميع] الزكوات – أن يقسم على هذا النحو؛ إذ تعميم الصنف واجب عليه؛ ولو لم يفعل رب المال ذلك، بل سوى في الدفع إليهم من غير نظر إلى قدر الحاجة – جاز، لكنه خلاف الأفضل والله أعلم.
قال: فإن دفع جميع السهم إلى اثنين، أي: وحصة الصنف من الزكاة لا تفي بحاجات أهل الصنف ولو قسم عليهم – غرم للثالث الثلث في أحد القولين؛ لأنا جعلنا إليه الاجتهاد في [ذلك] القدر بشرط ألا يخل بالعدد، فإذا ظهر منه الإخلال بالعدد بان أنه ليس من أهل الاجتهاد؛ فألزمناه القسمة، قال: على ما اقتضاه ظاهر الآية؛ فإنه يقتضي التسوية، وهذا ما نص عليه في قسم الصدقات.
قال: وأقل جزء في القول الآخر؛ لأنه لو اقتصر عليه ابتداء أجزأه، وهذا ما ادعى ابن الصباغ [وغيره] أنه القياس؛ وصححه الإمام في كتاب الأضحية والنووي.
وقد قرب المتولي هذا الخلاف من الخلاف فيما إذا باع الوكيل [بدون] ما يتغابن بمثله وهلك المال: فهل يضمن ما نقص عن القدر الذي يتغابن به، أو يضمن جميع النقص؟ وفيه قولان، وقال المحاملي: إن الخلاف في مسألتنا وفي مسألة الأضحية مخرج من مسألة الوكيل، وقد ذكرت ذلك عنه في الأضحية.
ولو صرف جميع السهم إلى واحد فعلى الأول يضمن الثلثين، وعلى الثاني: أقل ما يجوز صرفه لاثنين.
أما إذا صرف جميع السهم إلى اثنين، وحصة الصنف بقدر حاجات أهل الصنف؛ لكونهم ثلاثة – فالمغروم للثالث قدر حاجته، صرح به الماوردي.
وهذا كله فيما إذا فرق رب المال زكاته بنفسه، أما إذا فرقها الإمام فعليه استيعاب

آحاد كل صنف، ولا يجوز له الاقتصار على بعضه؛ فإن الاستيعاب لا يتعذر عليه، بخلاف رب المال، هكذا قاله ابن الصباغ والمتولي والبدنيجي والماوردي، وقال القاضي الحسين: إن عليه أن يول الصدقة إلى [كل] من يقدر عليه.
قال الرافعي: وليس المراد أنه يستوعب في زكاة كل شخص الآحاد؛ ولكن يستوعبهم بالزكوات الحاصلة في يده.
وإلى ذلك يرشد ما ذكره الماوردي من الفرق بين رب المال والإمام فيما نحن فيه، وهو أن الإمام يقسم جميع الصدقات؛ [فلزمه أن يعم بها جميع أهل السهمان، ورب المال يقسم بعض الصدقات] فجاز أن يقتصر على بعض أهل السهمان، قال الأصحاب: وللإمام وضع صدقة رجل واحد كلها في فقير واحد وفي صنف واحد، لكن لا يجوز أن يحرم من جملة الصدقات صنفاً أو يفضله على صنف آخر، صرح به الفوراني والبندنيجي.
وله – كما قال المتولي، وتبعه الرافعي – أن يخص الصنف بنوع من المال، [وآخرني بنوع] آخر، لكن بالقيمة؛ لأن في تكليفه قسمة كل نوع مشقة، يوجب عليه التسوية في العطاء لأهل الصنف الواحد؛ فلا يفضل بعضهم على بعض، حكاه المتولي أيضاً.
ومعنى التسوية: أن يعطي كل واحد من الصنف قدر حاجته إن اتسع سهمهم لذلك، صرح به ابن الصباغ وغيره، [وإن لم يتسع وزعه على قدر الحاجة كما توزع التركة على الديوان عند ضيق التركة عن الوفاء، صرح به البندنيجي وغيره].
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن قول الشيخ – رحمه الله -:"وأقل ما يجزئ أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف إلا العامل؛ فإنه يجوز أن يكون واحداً" – غير منتظم؛ لأنه إن أراد بذلك إذا كان المفرق هو رب المال-كما ذكرناه، وصرح به غيره من الأصحاب-[لم يحتج] إلى استثناء العامل؛ لأن العامل يسقط إذا كان المفرق رب المال، وإن أراد به إذا كان [المفرق هو الإمام]: فإن كان في صورة دفع

أرباب [الأموال] الزكوات فيها إلى الإمام بأنفسهم، فقد ذكرنا عن الأصحاب أن نصيب العامل يسقط أيضاً؛ فهو كما لو فرقها رب المال- وفيه ما تقدم – وإن كان في صورة لا يسقط فيها سهم العامل، وهي إذا حصل السعاة الزكوات من أرباب الأموال، وأحضروها إلى الإمام؛ لكونه لم يفوض إليهم إلا القبض دون الصرف – وهو جائز – فالإمام يجب عليه [تعميم] آحاد الصنف إذا فرق كما تقدم، وحينئذ لا يكون قوله: "وأقل ما يجزئ أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف" موافقاً لما قاله الأصحاب، وقد يجاب عن ذلك بوجهين ضعيفين: أحدهما: أن مراده الحالة الأخيرة، وقولكم: إن الإمام إذا فرق يجب عليه الاستيعاب، ممنوع؛ لان الغزالي – رحمه الله – في "الوجيز" أطلق القول بأنه لا يجب استيعاب آحاد الأصناف، بل يجوز الاقتصار على ثلاثة؛ فإنه أقل الجمع، ولم يفصل بين أن يكون المفرق رب المال أو الإمام، وبه صرح الفوراني حيث قال: الإمام في قسمة جميع الصدقات كرب المال في [قسمة] صدقة نفسه خصوصاً، والمستحب: أن يوصل سهم كل صنف إلى جميع أهل ذلك الصنف وإن كانوا ألفاً، وإن أوصل من كل صنف إلى ثلاثة فصاعداً أجزأ ذلك، وعلى هذا: إذا فرق الإمام إلى اثنين يكون كرب المال.
الثاني: سلمنا أن الإمام إذا فرق وجب عليه الاستيعاب، لكن نفرض الكلام فيما إذا كان المفرق هوا لساعي حيث جعل له الإمام الصرف ونقول له الاقتصار على ثلاثة من كل صنف؛ لأن المعنى الذي لأجله فرقنا بين الإمام ورب المال في ذلك- وهو ما ذكرناه عن الماوردي – مفقود فيه؛ لأنه لا يقبض كل الصدقات، بل صدقات أقوام مخصوصين؛ ولهذا [المعنى] حكينا عن الماوردي عند قول الشيخ: "ويجب صرف [زكاة] المال إلى ثمانية أصناف"، أن الساعي إذا كان هو الصارف ليس له أن يخص بكل صدقة صنفاً كالإمام؛ لأن نظره خاص لا يستقر إلا على ما جباه،

[وربما صرف] فلم يقض باقي الأصناف، بخلاف الإمام.
فإن قلت: ضعف الأول ظاهر؛ لأن الشيخ – رحمه الله – عراقي، ومذهب العراقيين ما ذكرناه، فما وجه ضعف الثاني؟ قلت: لأن [الظاهر من كلام] الماوردي وغيره في الفرق بين رب المال والإمام: أن للإمام قبض كل الصدقات؛ فوجب عليه الاستيعاب بخلاف رب المال.
وإنما أرادوا بقبض [كل الصدقات: [كل] صدقات] بلد المال، لا [كل] صدقات البلاد؛ لأن كون له قبض صدقات [جميع البلاد] لا يظهر له أثر في وجوب استيعاب أهل أصناف بلد المال بالصرف إليهم، على القول بمنع النقل كما هو الصحيح، نعم، أثر قبضه لكل صدقات بلد المال يظهر [في وجوب استيعاب أهل الأصناف فيها؛ لأنهم المستحقون للجميع، وإن كان كذلك فالساعي مشارك للإمام في تسلطه على قبض كل صدقات بلد المال]؛ فوجب مشاركته له في وجوب استيعاب الصرف لجميع أهل السهمان في البلد؛ ولذلك أطلق البندنيجي القول بأن الكلام في الساعي نفسه، والإمام واحد، وهو ما حكيناه عن موضع من "البحر" فيما تقدم.
وهذا قلته؛ بناء على أن الإمام في منع النقل كرب المال، كما هو مقتضى كلام الماوردي وغيره كما سبق، أما إذا قلنا: إن له النقل وإن منعنا رب المال منه – كما اقتضاه كلام بعضهم – فيظهر أن يكون لتسلط الإمام على قبض صدقات غير بلد المال أثر في استيعاب أهل السهمان في كل بلد، وحينئذ لا يلتحق به الساعي؛ فيصح الجواب، والله أعلم.
واعلم أنه إذا كان المفرق ماشية: فإن كان في المال متسع بحيث يخص كل شخص من صنف حيوان كامل، سلم إليه وإن كان لا يقدر أن يعطي [كل]

واحد رأساً، جمع جماعة من المستحقين، وملكهم رأساً من ذلك، وبين حصة كل واحد منهم.
ولا يبيع رب المال النعم ويفرق ثمنها، وكذا الإمام، إلا أن يتعذر عليه الصرف كذلك؛ لتعذر اجتماع المستحقين، أو بسبب آخر: كتعذر السوق – كما قاله الماوردي وغيره – فحينئذ يبيع ويفرق الثمن [على الفقراء، وعن "التهذيب": أن الإمام إن رأى فعل ذلك فعله، ون رأى أن يبيع باع، وفرق الثمن] عليهم.
قال: وإن فضل عن بعض الأصناف شيء، وكنا نصيب الباقين وفق كفايتهم، أي: قدرها من غير زيادة – وهو بفتح الواو – نقل ما فضل إلى ذلك الصنف بأقرب البلاد إليه؛ لأن المنع من النقل إنما كان [لدفع حاجة] أهل البلد، فإذا عدمت الحاجة زال المانع فحل النقل، بل وجب كما لو لم يوجد شيء من الأصناف في بلد المال؛ فإنه يجب نقله إلى أقرب البلاد إليه، ويجيء فيه الوجه السابق المفرق بين أن يحتاج إلى مسافة القصر أو لا، ووجه آخر: أن الفاضل يقسم على جميع أهل السهمان في البلد المنقول إليه، ويجعل [كالصدقة] المبتدأة لهم، حكاه الماوردي وقال: إنه مفرع على أن المغلب حكم الأصناف، أما إذا قلنا: المغلب حكم البلد، فالأمر كما ذكر الشيخ، ثم ما ذكرناه من التعليل يقتضي جواز النقل مطلقاً، وكذا قولهم: إن أطماع أهل السهمان في البلد تتعلق بالمال فيه، لا يقتضي إيجاب النقل لأقرب البلاد؛ لأن أهل السهمان فيه لا تتعلق أطماعهم بمال في غيره، خصوصاً إذا كان حول بلد المال الذي فقد فيه الصنف أو كل الأصناف بلاد متساوية.
ثم على ما قاله الأصحاب من وجوب النقل إلى [ذلك الصنف] بأقرب البلاد، لو نقل إلى أبعد منه مع تمكنه من النقل إليه، خرج على القولين في النقل.
قال: وإن فضل عن بعضهم ونقص عن كفاية البعض، أي: بقدر ما فضل، مثل: أن فضل عن بعضهم مائة، وعجز عن كفاية بعض مائة – نقل الفاضل، أي: جعل الفاضل إلى الذين نقص سهمهم عن الكفاية [في أحد القولين، وينقل إلى الصنف

الذي فضل عنهم بأقرب البلاد إليه في القول الآخر.
هذا الخلاف حكاه القاضي أبو الطيب قولين كالشيخ، والماوردي والبندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين حكوه وجهين، وهما مبنيان على أن المغلب حكم البلد، أو حكم الأصناف – كما تقدم -: فإن غلبنا حكم البلد، جعل للبعض الذين نقص سهمهم عن الكفاية]، قال الرافعي: ويُرَدُّ عليهم بالسوية، فإن اكتفى بعضهم ببعض المردود، قسم الباقي بين الآخرين بالسوية، [وهذا ما صححه الفوراني].
وإن غلبنا حكم الأصناف، نقل إلى [ذلك] الصنف الذي فضل عنهم بأقرب البلاد إليه، ويجيء [تفريعاً عليه] الوجه الآخر: أنه يقسم الفاضل على جميع أهل السهمان بالبلد المنقول إليه كالصدقة المبتدأة، كما تقدم نظيره في المسألة قبلها.
واعلم أن ظاهر قول الشيخ في هذه المسألة والتي قبلها: "نقل إلى أقرب البلاد إليه"، يفهم أن مؤنة النقل عليه، وقد قال الإمام: إنه إذا كان يحتاج في النقل إلى مؤنة فهذا مما تردد فيه الأئمة: ففي كلام بعضهم ما يدل على أنه يجب تكليف النقل وإن عظمت المؤنة؛ فإن تأدية الزكاة محتومة.
قال: وهذا بعيد، والأصح: أن ذلك لا يجب، فيوقف إلى أن يجد المستحقين.
قال: وأما زكاة الفطر فالمذهب أنها – كزكاة المال – تصرف إلى الأصناف، أي: الثمانية إن قسمها الإمام ووجدت، أو السبعة إن قسمها رب المال؛ لأن الأدلة الواردة في زكاة المال شاملة لها، وهذا ما نص عليه في "المختصر" في كتاب زكاة الفطر.
وقيل: يجزئ أن تصرف إلى ثلاثة من الفقراء، أي: [أو] المساكين؛ لقول ابن عباس:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة

للمساكين"، [فخص [المساكين] بالذكر؛ فدل على أنه إذا صرف إليهم سقط الفرض، وقد تقرر أن المساكين متى خصوا بالذكر جاز الصرف إليهم وللفقراء ولأحد الصنفين، وكذلك إذا خص الفقراء بالذكر جاز الصرف لهم وللمساكين ولأحد الصنفين].
ولأن زكاة الفطر قليلة في الغالب؛ فإذا وزعت على الأصناف لم تقع من كل واحد موقعاً من كفايته.
وهذا ما نقله العراقيون والمراوزة فيما وقفت عليه عن الإصطخري، وعن أبي عبد الله الحناطي أنه قول غيره، والذي قاله الإصطخري: جواز صرف زكاة المال كما تقدم، وقال في "البحر": إنه كان يفتي به كثير من أصحابنا، والجمهور غلطوه وقالوا: المشقة لا ترخص في ذلك؛ ألا ترى أن [من] وجب عليه جزء من بعير يلزمه التصدق به على الأصناف، وإن كان [فيه] مشقة؟ وأيضاً فمحل خلافه –كما قال الماوردي وغيره – إذا كان المفرق رب المال دون الإمام، وإذا كان كذلك فهو يمكنه الدفع إلى الإمام؛ حتى يجمعها مع صدقة غيره، ويصرفها إلى الأصناف، وإلى ذلك أشار أبو إسحاق في ["الشرح"] حيث قال: لو عمل فيها ما عمله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجمع في موضع واحد، ثم تفرق لم يضق.
وقد أفهم كلام الشيخ أن القائل بخلاف ظاهر المذهب لا يجوز الصرف إلى غير الفقراء والمساكين فقط، وفي "التتمة": أنه لو صرف إلى العاملين أو إلى أبناء السبيل؛ لا يجوز إن قلنا: إن سقوط الفرض بالصرف إلى المساكين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم خصهم بالذكر.
قلت: وكلامه يفهم أنا إذا جعلنا علة الإجزاء في الصرف للمساكين فقط: المشقة، جواز الصرف للعاملين أو أبناء السبيل فقط، وفيه نظر؛ لأن سهم العاملين يسقط إذا فرق رب المال وهو محل الخلاف، ولا يقال: إنه يجوز أن يصرف من

زكاته لمن جبي مال غيره، وابن الصباغ قال في حكاية هذا الوجه: إنه يجوز الصرف إلى ثلاثة أنفس.
وقريب منه قول الفوراني: إنه يجوز الصرف إلى صنف واحد.
وذلك يحتمل أن يكون المراد صنفاً معيناً، وهو ما تقدم، ويحتمل أن يكون المراد أي صنف كان غير العامل، وبالثاني صرح الماوردي – حكاية عن الإصطخري – حيث قال: إنه يجوز الدفع إلى ثلاثة من أي صنف شاء، ولا يجوز أن يصرفها إلى أقل من ذلك.
وصاحب "البحر" حكى هذه الطريقة وطريقة المتولي، وقد رأيت في شرح "التنبيه" لابن يونس: أن الخراسانيين نقلوا عن الإصطخري أنه جوز الصرف إلى واحد، وهو المحكي في "البحر" عن أبي حنيفة، ثم قال: وأنا أفتي به.
قال: ولا تدفع الزكاة إلى كافر؛ لقوله – عليه السلام –لمعاذ: "فأعلمهم أنَّ عليهم صدقةً تؤخذ من أغنياهم، [فتردُّ على] فقرائهم"، فجعل من تدفع إليه الصدقة فقيراً، ومن تؤخذ منه الصدقة غنياً؛ فلما لم يجز أخذ الصدقة إلا من [غني] مسلم وجب ألا تدفع الصدقة إلا إلى فقير مسلم.
ولا فرق في ذلك بين زكاة المال والفطر عندنا؛ لعموم الخبر، وأيضاً: فقد وافق الخصم – وهو أبو حنيفة – على زكاة المال، فنقول له: حق وجب إخراجه للطهرة؛ فلم يجز دفعه إلى أهل الذمة؛ كزكاة المال.
ولا يستثنى من ذلك إلا ما تقدم عند الكلام في العامل.
قال: ولا إلى بني هاشم؛ لقوله – عليه السلام -:"إنَّ هذه الصَّدقة أوساخ النَّاس، إنها لا تحلُّ لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ"، وروى أبو هريرة أن الحسن بن علي أخذ تمرة من [تمر] الصدقة، فجعلها في فيه، فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيه [بلعابه] وقال: "كخ كخ" وقال: "إنا – آل محمد – لا تحل لنا الصدقات".

قال: وبني المطلب؛ لأنه – عليه السلام – قال: "نحن وبني المطَّلب شيء واحدٌ.
وشبَّك بين أصًابعه، ولا يستثني من ذلك إلا ما ذكرناه عند الكلام في العامل وفاقاً وخلافاً.
وقيل: إن منعوا حقهم من خمس الخمس دفع إليهم؛ لأنه – عليه السلام – علل حرمانهم الزكاة بأن في خمس الخمس ما يكفيهم، فإذا منعوه زال المانع، وهذا قول الإصطخري – كما قال البندنيجي – وهو جارٍ فيما ذا عدم خمس الخمس من طريق الأولى، وبه صرح الأصحاب.
[قال: وليس] بشيء؛ لأن العلة كونها أوساخ الناس، فلا يليق بشرفهم تناولها، وذلك لا يزول بمنع الخمس عنهم أو فقده.
وهل يجوز أن تدفع إليهم صدقة التطوع والمنذورة؟ فيه شيء سنذكره في الباب بعده، إن شاء الله تعالى.
قال: ويجوز الدفع إلى موالي بني هاشم، وبني المطلب، وقيل: لا يجوز؛ لما قدمته من التوجيه عند الكلام في العامل.
ولا يجوز الدفع للرقيق على أنه يملكه نفسه بحالٍ كما تقدم.
وإذا عرفت من يجو الصرف لهم ومن لا يجوز، تفرع عليه ما إذا صرف إلى من ظنه من أهل الصدقة، فظهر خلافه: هل يجزئه أم لا؟ وقد قال الأصحاب: إن ذلك يختلف بحسب اختلاف المدفوع إليه: فإن كان ممن يحتاج إلى إقامة البينة على حاجته كالمكاتب والغارم: فإن كان الدفع إليه بمجرد قوله، وغلب على الظن صدقه – ضمن الدافع، سواء فيه الإمام

ورب المال ثم إن أمكنه الاسترجاع من المدفوع إليه استرجع العين أو البدل عند تلفها لنفسه لا لأهل السهمان، وإن كان ببينة ظهرت مزورة أو مخطئة كانت البينة [ضامنة.
ثم] إن كان الدافع هو الإمام ضمنت لأهل السهمان، وإن كانت لرب المال ضنت له، وكانت الزكاة عليه، كذا قاله الماوردي وغيره، وفي "النهاية": أن [في] سقوط الفرض عنه قولين، كما إذا دفع إلى فقير فظهر غنيا.
قلت: ولو كان الدفع إليهما بالإقرار وتصديق السيد والغريم، فينبغي أن يكون في تضمين المصدق قولاً الغرور؛ إذ تصديقه هوا لمقتضي للدفع.
وإن كان المدفوع إليه ممن [يستحق] بسبب متأخر: كالغازي، وابن السبيل، ولم يغز الغازي ولم يسافر ابن السبيل- فلا ضمان على الدافع إماماً كان أو غيره، لكن عليه مطالبته.
ثم إن كان عام الزكاة باقياً، خيره في المطالبة بين رد ما أخذه وبين أن ستأنف غزوا أو سفراً، وإن كان عام الزكاة قد انقضى، طالبه بالرد من غير تخيير؛ لأن زكاة كل عام مستحقة لأهلها في ذلك العام لا في غيره، كذا قاله الماوردي، ثم قال: فإن لم يسترجع منه حتى سافر وغزا في العام الثاني نظر: فإن كان قد أخذ في العام الثاني من زكاة ثانية استرجع منه ما أخذ في [العام الأول، وإن كان لم يأخذ في العام الثاني من زكاة ثانية، لم يسترجع منه ما أخذه في العام الأول].
ولو مات المدفوع إليه قبل [إمكان الاسترجاع كان تالفاً على أهل السهمان، وإن كان المدفوع إليه] متصفاً بصفة الفقر أو المسكنة، فظهر غنياً، أو رقيقاً، أو كافراً، أو من ذوي القربى – فإن [كان] الدفع إليه بغير اجتهاد، ضمن الدافع إماماً كان أو غيره، وإن كان باجتهاد، ففي حالة ظهور غناه لا يضمن الإمام، وله الاسترجاع، سواء شرط عند الدفع أنها زكاة أو لم يشترط.
ويجيء فيه ما تقدم عند دفعه الزكاة المعجلة، ثم استغنى المدفوع إليه: فإن كان الدافع رب المال، ففي ضمانه قولان:

أحدهما: [أنه] لا يضمن كالإمام.
والثاني: أنه يضمن، وهو الذي صححه الرافعي.
والفرق من ثلاثة أوجه قالها الماوردي: أحدها: أن للإمام عليها ولاية ليست لرب المال؛ فلم يضمنها إلا بالعدوان.
والثاني: أن الإمام برئ من ضمانها قبل الدفع؛ فلم يضمنها إلا بتفريط ظاهر، ورب المال مرتهن الذمة بضمانها قبل الدفع فلم يبرأ منها إلا باستحقاق ظاهر.
والثالث: أن الإمام لا يقدر على دفعها إلى مستحقيها] بيقين بخلاف الإمام؛ فضمن إذا دفعها باجتهاد وظهر خلافه.
ثم إذا قلنا بهذا فإن كان قد شرط عند الدفع أنها زكاة، كان له استرجاعها، وإن لم يشترط وصدقه القابض على أنها زكاة، [استرجع أيضاً، وإلا فلا.
وهل له إحلافه على عدم العلم بأن ما أخذه زكاة]؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وفي حالة ظهور عبداً، أو كافراً، أو من ذوي القربى: هل يضمن الدافع؟ فيه طريقان: أحداهما – وهي طريقة كثير من المتقدمين، وهي التي نص عليها في "الأم"، كما قال ابن الصباغ وغيره-: أن الحكم كما لو ظهر غنياً.
والثانية: إن كان الدافع رب المال ضن قولا واحداً، وإن كان الإمام ففي ضمانه قولان، أصحهما في "الرافعي": لا.
وهذه طريقة ابن أبي هريرة وطائفة من المتأخرين، ولم يورد الماوردي في كتاب الأيمان غيرها.
وعن الحناطي حكاية طريقة أخرى قاطعة بضمان الإمام أيضاً.
والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها: أن يقين الفقر لا يعلم قطعاً؛ فجاز أن يعمل فهي على الظاهر، والحرية والإسلام وعدم القرابة تعلم يقيناً؛ فلم يجز أن يعمل فيه على الظاهر؛ ألا ترى أنه ذا صلى خلف شخص ثم ظهر كافراً يعيد، بخلاف ما لو صلى خلف محدث؛ لما ذكرناه؟! ولأن الكافر العبد وذا القرابة لا يُعطَى بحال من

الزكاة، والغني يعطى في حالة منها: وهي حالة الغزو ونحوها.
وقد نجز شرح مسائل الباب لنختمه بشيء يتعلق به: الإمام إذا تمكن من قسم الصدقات، وجب عليه المبادرة؛ فإن لم يفعل عند عدم العذر ضمن، والعذر قد سبق بيانه عند الكلام في التعجيل، ووجه الأصحاب ذلك بأن المستحق غير متعين حتى يتمكن من المطالبة بحقه؛ ولأجل هذه [العلة] قالوا: [إن] الحكم كذلك فيما لو أوصى بتفريق ثلثه على الفقراء ومات الموصي، وتمكن من التفرقة فلم يفعل حتى تلف، وهذا بخلاف ما لو سلم [مالا إلى وكيله] ليفرقه أو يسلمه لشخص، فلم يسلمه حتى تلف – لا يضمنه كما قال الرافعي، وهو أحد الوجهين في "البحر" قبل باب صدقة البقر، واختيار كثير من الأصحاب، والفرق: أنه لا يلزمه امتثال أمره، بخلاف أمر الشرع.
قال الروياني: والصحيح عندي: الضمان؛ لأنه التزمه باختياره؛ فلزمه الوفاء به.
ثم حيث قلنا بضمان الإمام، [أو لم] نضمنه وقد قبض الحق بعد وجوبه؛ فذمة رب المال بريئة منه؛ لأن الشرع نصبه نائباً عن المستحقين، فإذا قبضها فقد وقعت الموقع.
قال الإمام قبيل باب زكاة البقر: وهذا يتضح إذا قلنا: لابد من دفع الزكاة في الأموال الظاهرة إلى الساعي، فأما إذا قلنا: لرب المال أن يفرقها بنفسه، فلو دفعها إلى الساعي مختاراً من غير قهر، فتلفت في يد الساعي –ففيه اختلاف بين أئمتنا: منهم من قال: إن الأمر كما تقدم.
ومنهم من قال: يد الساعي كيد الوكيل للمالك، ولو تلفت في يد وكيله لكانت ذمته مشغولة؛ فكذا هنا.
وهذا الخلاف قد حكاه القاضي الحسين أيضاً في الموضع المذكور.

ثم إذا أراد الإمام القسمة فبمن يبدأ؟ قال الأصحاب: يبدأ بالساعي؛ لما تقدم.
وفي "الحاوي": أن بعض الأصناف إن تعجل حضوره وتأخر الباقون بدأ به، وإن حضروا جميعاً، فقد قيل: يبدأ بأشدهم حاجة وأمسهم ضرورة.
وقيل: يبدأ بمن إذا فض عليهم سهمهم بقيت منه بقية لتفض على الباقين قبل القسمة، ولا يحتاج فضها إلى استئناف قسمتها.
وقيل: يبدأ بمن بدأ الله – تعالى – به في آية الصدقات على ترتيبهم [فيها].
إذا تمكن رب المال من أداء نصيب الفقراء دون سائر الأصناف، [فلم يؤد حتى تلف المال – فعليه ضمان حصة الفقراء، قال في "البحر": ويحتمل تخصيص الفقراء بها دون سائر الأصناف]؛ لأن وجودهم الذي قرر الوجوب فيها إذا دفع الزكاة إلى مسكين وهو غير عارف بالمدفوع، بأن كان مشدوداً في خرقة، أو كان عدلاً يعرف جنسه وقدره، وتلف في يد المسكين – ففي سقوط الزكاة احتمالان في "البحر"؛ لأن معرفة القابض لا تشترط؛ فكذلك معرفة الدافع إذا تصدق بجميع ما وجبت فيه الزكاة [ولم ينو الزكاة]، فظاهر المذهب: أنها لا تسقط، وقال ابن سريج: الأمر كذلك إذا كان له مال سواه، وإن لم يكن [له] غيره فوجهان: [أحدهما] ما تقدم.
والثاني: يقع قدر الواجب عن الفرض والباقي تطوع.
قال الروياني: ويشبه أن يكونا لوجهان بناء على القولين في بيع مال الزكاة بعد الوجوب: فإن قلنا: ينفذ في الكل، فقدر الصدقة في ذمته، وإن قلنا: يصح فيما عدا قدر الواجب، كانت الزكاة منها واقعة موقعها، وقد تقدم أنه يجوز صرف زكاته إلى من له عليه دين خلا مكاتبه، فلو كان حال الدفع قال: على أن تردها عليَّ من

ديني؛ فإنه لا يجزئه عن زكاته، ولو قضاها إياه من دينه لم يصح القضاء، ذكره القفال في "فتاويه"، والبغوي في باب الشرط في المهر، والقاضي الحسين في قسم الصدقات، ومن طريق الأولى ألا يجزئه عن الزكاة إذا أبرأ المدين مما له عليه من الدين بنسبة الزكاة.
وبه صرح الإمام حي قال في باب الدين مع الصدقة: إنه لاشك في أنه لا يقع عن الزكاة؛ فإن تأدية الزكاة من ضرورتها: أن تتضمن تمليكاً محققاً، وكذا قاله القاضي الحسين قبيل باب قسم الصدقة، وزاد فيه، والإبراء محض إسقاط.
ولو قال المديون: ادفع إلي ديناراً من الزكاة حتى أقضي به دينك، ففعل – جاز عن الزكاة، وهو بالخيار في أداء الدين منه.
ولو دفع الزكاة إلى شخص وواعده أن يردها إليه بالبيع أو الهبة، أو ليصرفها المزكي في كسوة المسكين ومصالحه – ففي كونه قبضاً صحيحاً احتمالان ذكرهما في "البحر"، والله أعلم.

باب صدقة التطوع

وتستحب الصدقة في جميع الأوقات؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: 245]، وقوله - عليه السلام -: "ما تصدَّق أحدٌ بصدقةٍ من طيِّبٍ - ولا يقبل الله إلاَّ الطَّيِّب -إلا أخذها الرَّحمن بيمينه وإن كانت تمرةً، فتربو في كفِّ الرَّحمن حتَّى تكون عند الله أعظم من الجبل، كما يُربي أحدكم فَلُوَّه أو فَصِيله"، أخرجه مسلم.
قال: ويستحب الإكثار منها في شهر رمضان؛ لما روى الشافعي بسنده عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود ما يكون في شهر رمضان، كان كالريح المرسلة؟ ما سئل شيئاً إلا أعطاه"، ولفظ الإمام في رواية ذلك: "كان أجود الناس، فإذا جاء شهر رمضان، كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، كان كالريح المرسلة؟ ما سئل شيئاً إلا أعطاه"، ولفظ الإمام في رواية ذلك: "كان أجود الناس، فإذا جاء شهر رمضان، كان أجود بالخير من الريح المرسلة"، وفي ذلك معنيان: أحدهما: أنه أسرع إلى الخير من الريح تهب.
والثاني: أنه أعم بالخير من غيره؛ فخيره يعم البر والفاجر وكل أحد، كالريح تهب على كل صعود وهبوط، وخبيث وطيب، ورطب ويابس.

والمعنى فيه: أن الناس في رمضان يكونون أشغل بالطاعات منهم في غير رمضان؛ فلا يتفرغون لمكاسبهم ومعايشهم على حسب ما يتفرغون في غيره من الأيام، وهذه العلة ترشد إلى أنه يستحب الإكثار منها في الأماكن الشريفة المقصودة بالعبادة كمكة والمدينة، وفي الغزو والحج؛ للاشتغال بالعبادة، وبذلك صرح في "الروضة"، وقال: إنه يستحب الإكثار أيضاً في الأوقات الفاضلة: كعشر ذي الحجة، وأيام العيد.
قال الماوردي: ويستحب أن يوسع في رمضان على عياله، ويحسن لذي رحمه وقرابته، لا سيما في العشر الأواخر [منه].
قال: وأمام الحاجات، أي: قدامها بين يديها؛ لأنه أرجى لقضائها – وهو بفتح الهمزة – قال في "الروضة": وكذا يستحب الإكثار منها عند الكسوف والسفر والمرض.
قال: ولا يحل ذلك لمن هو محتاج إلى ما يتصدق به في كفايته، وكفاية من تلزمه كفايته؛ لقوله – عليه السلام -: "كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يعول".
قال: أوفي قضاء دينه؛ لأنه حق واجب عليه؛ فلا يجوز تركه بصدقة التطوع، قال في "الروضة": [وهذه عبارة أبي الطيب] وابن الصباغ والشيخ في "المهذب" و"التهذيب" والدارمي والروياني في "الحلية" وآخرين.
وعبارة الرافعي: أنه لا يستحب له التصدق، وربما قيل: يكره.
قال في "الروضة": وهذه العبارة موافقة لعبارة الماوردي والغزالي والمتولي وآخرين، وهذا أصح في نفقة نفسه، والأول أصح في نفقة عياله، وأما الدين فالمختار: أنه إن غلب على ظنه حصول وفائه من جهة أخرى فلا بأس بالتصدق، وإلا فلا يحل.
انتهى.

قلت: والأولى عندي في ذلك الجمع بين النقلين بالتنزيل على حالين: فما قاله الشيخ وغيره محمول على كفايته وكفاية من تلزمه كفايته في الحالة الراهنة، وقضاء الدين الذي تعين وفاؤه على الفور إما بطلب رب الدين أو بدونه، كما نبهنا على ذلك في أول باب التفليس.
وما قاله الماوردي وغيره محمول على كفاية الأبد – وكلام بعضهم يرشد إليه – والدين الذي لم يجب أداؤه على الفور.
ثم إذا قلنا بالتحريم فهل يملكه المتصدق عليه؟ ينبغي أن يكون فيه خلاف كالخلاف فيما إذا وهب الشخص ما معه من الماء بعد دخول الوقت، ومثل هذا جارٍ في تصدقه بجميع ماله تطوعاً بعد وجوب الزكاة وتمكنه من أدائها والله أعلم.
قال: وتكره، أي: الصدقة بالفاضل عن الكفاية في الحال لمن لا يصبر على الإضافة؛ لما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه قبل ركنه الأيمن، فقال مثل ذلك؛ فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر؛ فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقةٌ، ثمَّ يقعد يستكُّف النَّاس، خير الصَّدقة ما كان عن ظهر غنى"، [وفي رواية]: "خذ [عنَّا] مالك لا حاجة لنا به"، فلما فهم – عليه السلام – منه أنه لا يصبر على الإضافة لم يقبلها

منه، والإضافة: الحاجة والضيق.
قال الماوردي: وفي قوله – عليه السلام -:"عن ظهر غنّى" تأويلان: أحدهما: بعد استغناء نفسه عن تتبع ما يخرجه عن يده.
والثاني: بعد استغنائه عن [أداء] الواجبات.
قال القاضي الحسين: معناه: وراء الغنى، يعنيك ما فضل عن حاجته، وقيل: إن المصدق لا ينتظر من المصدق عليه المكافأة.
أما من يصبر على الإضافة فيستحب له ذلك؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: "جُهْدُ المُقِلِّ وابْدَا بِمَنْ تَعُولُ"، وعن مر بن الخطاب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق، فوافق ذلك ما لا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ["ما أبقيت لأهلك؟ "]، [قلت: مثله]، قال: وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أبقيت لأهلك؟ "، قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً.
وأخرجه الترمذي وقال: صحيح.
وجه الدلالة من ذلك: أنه لما علم أن أبا بكر – رضي الله عنه - ممن يصبر على الإضافة ولا يتضجر، قبل ذلك منه.
قال القاضي الحسين: وهذا الفعل كان منهما حين نزل قوله تعالى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [المزمل: 20].
وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل على بلال، فوجد عنده كسرة خبز على رأس كوز، فقال: "ما هذا يا بلال؟ " فقال: هذا فضل عن فطري البارحة، فأعددته لأفطر به الليلة،

فقال – عليه السلام -: "أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً".
وهذه التفرقة بني الصابر وغيره هي التي أوردها البندنيجي والإمام الغزالي وغيرهم، متمسكين بحمل الأحاديث المختلفة – ما ذكرناه وما لم نذكره – عليها بقوله – عليه السلام -:"إنَّ لله عباداً لا يصلحهم إلا الغني؛ فلو أفقرهم لأطغاهم، وإنَّ لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر فلو أغناهم لأطغاهم".
وقد حكى المتولي ذلك وجهاً في المسألة وصححه، وحكى وراءه وجهين: أحدهما: الكراهة مطلقاً؛ لظاهر الخبر الأول.
والثاني: أنه يستحب مطلقاً؛ لقصة أبي بكر وبلال، رضي الله عنهما.
وهما مذكوران في "تعليق" القاضي الحسين.

وهذا حكم المتصدق، وبقي الكلام في المتصدق عليه والمتصدق به، وكيفية التصدق: فأما المتصدق عليه؛ فقد كانت صدقة التطوع حراماً علىرسول الله صلى الله عليه وسلم كالزكاة؛ صيانة له ولمنصبه عن أوساخ الأموال التي تعطى على سبيل التَّرَحُّم، وتنبئ عن ذل الآخذ، وأبدل الفيء المأخوذ على سبيل القهر والغلبة، المنبئ عن عز الآخذ وذل المأخوذ منه، كذا حاكه الإمام في قسم الصدقات والغزالي في مقدمة كتاب النكاح، وقال الإمام فيها: إن القاضي [أبا بكر] ذكر عن بعض الأصحاب أن صدقة التطوع ما كانت محرمة عليه؛ ولكنه كان يأنف من أخذها تعففاً، وقد حكى الغزالي الخلاف في قسم الصدقات، وغيره حكى فيه قولين.
وقال الماوردي في كتاب الوقف: إنهما منصوصان في "الأم"، وأصحهما – وهو اختيار البصريين -: التحريم.
وأما بنو هاشم وبنو المطلب فهل تحرم عليهم إذا قلنا بتحريمها عليهم، عليه السلام؟ فيه خلاف حكاه الإمام في قسم الصدقات [والمتولي قولين،] والغزالي في مقدمة النكاح وجهين، واقتضى إيراد الغزالي ترجيح التحريم؛ كما تحرم عليهم الزكاة، مع أنه جزم في قسم الصدقات بمقابله، وكذا الماوردي في كتاب الوقف، وهو المشهور؛ لأنه روى جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، فقيل له: أتشرب من مال الصدقة؟ فقال: إنما حرم الله علينا الصدقة المفروضة.
والقائل بالتحريم [ثم] تمسك بعموم قوله – عليه السلام -:"لا تحلُّ لنا الصَّدقة"، وهي تشمل الواجبة والمتطوع بها.
والصدقة المنذورة هل تلحق بالصدقة الواجبة أو بصدقة التطوع؟ فيه اختلاف

للأصحاب حكاه الإمام في قسم الصدقات، ويمكن بناؤه على أن النذر يسلك به مسلك واجب الشرع أو جائزه.
ويحرم على الغني أخذ صدقة التطوع مظهراً للفاقة كما قاله في "البيان"، وعليه يحمل قوله – عليه السلام – في الذي مات من أهل الصفة، فوجدوا له دينارين، فقال: "ديناران من نار"،ومن طريق الأولى إذا سألها، وبه صرح الماوردي وغيره فقالوا: إذا كان غنياً فسؤاله حرام، وما يأخذه حرام عليه، وهذا إذا كان غناه بالمال، فلو كان [غناه] بسبب قدرته على الاكتساب فقد قال الغزالي في كتاب النفقات: إن في حل المسألة له خلافاً للأصحاب، وظاهر الأخبار يدل على تحريمه؛ فقد وردت فيه تشديدات، وهذا ما أورده الماوردي.
قال الغزالي: وإذا سأل فلا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول ولا يذل نفسه وتجوز الصدقة عليه وإن كان [غنياً] بالمال إذا لم يظهر الفاقة، لكن الأولى له ألا يقبلن ويكره له التعرض لها، وكذا تجوز على الكافر والفاسق من طريق الأولى، لكن المستحب والأفضل التصدق على أهل الخير والمحتاجين وتستحب الصدقة على ذوي القرابة الفقراء، والمحرم آكد من غيره كما تقدم، ويقدم الأقرب فالأقرب، ثم الزوج والزوجة، ثم المحرم بالرضاع، ثم بالمصاهرة، ثم المولى من أعلى وأسفل، ثم الجار.
وقد استحب أبو علي – كما قال في "الروضة" -: التصدق على أشد قرابته عداوة له؛ ليتألف قلبه، ولما فيه من سقوط الرياء وكسر النفس، وقد ورد فيه خبر ذكرته في باب قسم الصدقات.
وهل الأولى للمحتاج أن يأخذ من الزكاة، أو [من] صدقة التطوع؟

قال في "الإحياء": اختلف فيه السلف، وكان الجنيد والخوَّاص وجماعة يقولون: الأخذ من الصدقة أفضل كي لا يضيق على الأصناف، وكي لا يخل بشرط من شروطها، وقال آخرون: الزكاة أفضل؛ لأنها إعانة على واجب، ولو ترك أهل الزكاة أخذها أثموا، ولأن الزكاة لا منَّة فيها.
قال الغزالي: والصواب أنه يختلف بالأشخاص، فإن عرض له شبهة في استحقاقه لم يأخذ الزكاة، وإن قطع باستحقاقها، نظر: فإن كان المتصدق إن لم يأخذها هذا لا يتصدق فليأخذ [حد] الصدقة؛ فإن إخراج الزكاة لابد منه.
وإن كان لابد من إخراج تلك الصدقة، ولم تضيق الزكاة، تخير، وأخذ الزكاة أشد في كسر النفس.
وأما المتصدق به فينبغي أن يكون من أطيب ما عنده؛ للخبر السابق، و [مما يحبه]؛ لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، فلو تصدق بالرديء، وما فيه شبهة، كره.
ولا ينبغي أن يمتنع من الصدقة بالقليل احتقاراً له؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه﴾ [الزلزلة: 7]، وفي الحديث الصحيح: "اتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ"، قال في "الروضة": وقد جاءت أحاديث كثيرة بالحث على الصدقة الماء.
وأما كيفية التصدق، فقد قال في "الإحياء": إن الناس اختلفوا في إخفاء الصدقة وإظهارها أيهما أفضل، وفي كل واحد فضيلة ومفسدة، ثم قال: وعلى الجملة الأخذ في الملأ وترك الأخذ في الخلاء أحسن.
وقال القاضي الحسين في باب الاختيار في صدقة التطوع: إن الأفضل في التطوع: الإخفاء، وفي الصدقة المفروضة: الإظهار أولى من الإخفاء؛ كي يرغب الناس في أداء صدقاتهم إذا نظروا إليه، ولقوله – عليه السلام -:"لن يتقرَّب إليَّ المتقرِّبون بمثل

أداء فرائضهم".
ولا يزول ملك الشخص عما أرسله إلى فقير على يد ولده أو غلامه قبل إعطائه، [وإذا قبضه الفقير، قال في "الروضة": ملكه].
وقد ذكرت خلافاً في احتياج صدقة التطوع إلى إيجاب وقبول في باب الهبة؛ فليطلب منه.
وإذا لم يدفعه غلامه أو ولده إلى الفقير فيستحب له ألا يعود فيه، بل يتصدق به، ومن تصدق بشيء كره له أن يتملكه من [جهته بمعاوضة] أو هبة، والكراهة فيما إذا تولى مباشرة ذلك بنفسه أو بوكيله – وهو عالم بأنه وكيل عن المتصدق – أشد مما إذا كان جاهلاً به كما قال الإمام في كتاب الزكاة.
ولا بأس بتملك ذلك بالإرث من غيره.
وينبغي أن يدفع الصدقة بطيب [نفس وبشاشة وجه]، قال النووي – رحمه الله – في"الروضة": ويحرم المن بها، وإذا من بطل ثوابها؛ لقوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: 264]، والله أعلم.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل