كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 158-197
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 158-197
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يضبط فيقال: ما لا يحتاج إليه في السنة فهو مستغن عنه، [وحاجته] بأثاث البيت وثياب البدن مقدرة بالسنة، ولا تباع ثياب الشتاء في الصيف، ولا ثياب الصيف في الشتاء، والكتب بالثياب أشبه، وقد يكون له من كتاب نسختان فيكتفي بالأصح منهما.
نعم، لو كان له من علم واحد كتابان: أحدهما مبسوط، والآخر وجيز: فإن كان مقصوده الاستفادة فليكتف بالبسيط، وإن كان قصده التدريس احتاج إليهما.
قال في "الروضة": وما قاله حسن إلا في كتاب الوعظ أنه يكتفي بالواعظ، فليس بمختار؛ لأنه ليس كل أحد ينتفع بالواعظ كانتفاعه في خلوته [و] على حسب إرادته.
وقد شرع الإمام بعد ذلك في بيان ما تندفع به حاجة المسكين، فقال كلاماً يختص بعضه بالفقير فاعرفه لتلحقه بموضعه، وصورته: المسكين: يأخذ بعضه إلى الاكتفاء والانتهاء إلى مبلغ يفي [فيه] دخله بخرجه، ثم لا ينظر في هذا إلى ما يكفيه مدة [عمره] أو سنةً؛ فإن الذي يملك عشرين ديناراً لو كان يتَّجر ودخله من الربح لا يفي [خرجه، فهو من المساكين في الحال، وإن كان ما في يده يكفيه لسنة فالمرعيّ أن يتموَّل مقداراً ينتظم له منه دخلٌ يفي] بخرجه على ممر الزمان، وإن كان لا يحسن تصرفاً فالأقرب في ذلك: أن يملَّك ما يكفيه في العمر الغالب.
كذا أشار إليه شيخي، وفيه يما ينبو عنه القلب؛ فإنه إذا كان [له] خمس عشرة سنة وقد يحتاج في السنة إلى عشرة، فما ذكرناه يؤدي إلى أن يجمع له مالاً جمًّا لا يليق بقواعد الكفايات في مطرد العادات؛ فالقريب من الفقه أن نقول: إن كان يحسن التجارة ملَّكناه مقداراً يرد عليه التصرف فيه ما يكفيه، ثم لا يحطه من الكفاية شيئاً، ولكن يكتفي بما يراه أدنى درجات الكفاية.

وإن كان ممن لا يتصرف ولا يتجر فقد يتمكن من نصب عامل يحسن التجارة؛ فيرجع الترتيب إلى ما تقدم، وإن عسر هذا وأمكن تصوير العسر فيه فالظاهر عندي: ألا يزاد على نفقة سنة؛ فإن للسنة اختصاصاً بالزكاة فإنها تبج في السنة مرة، وهي في كفاية المحتاجين تنزل منزلة النفقة الحاجية في كفاية من [ينفق] الإنسان عليه، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدَّخر لأهله قوت سنة.
وسنذكر في الأطعمة أو حيث يتفق: أن المجاعة إذا عظمت فلا يدخر الإنسان لنفسه وعياله إلا قوت سنة؛ فيجب التعويل على هذا، وما ذكره من اعتبار السنة قد قدمنا حكايته عن غيره، وما ادعاه من أنها في كفاية المتحاجين تنزل منزلة النفقة الحاجية أخذه من كلام القاضي الحسين؛ فإنه قال ذلك، وقال في أوائل كتاب الزكاة: إنه قيل: لو أخرج الأغنياء جميع ما يجب عليهم من حقوق الله تعالى، ولا يزيد الفقراء في السؤال على قدر الحاجة- ما بقي في الدنيا خلَّة إلا وقد انسدّت.
قال: فإن رآه قويّاً، وادعى أنه لا كسب له، أي: واتهمه - أعطاه من غير يمين، أي بعد وعظه وتخويفه، لما روي: أن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فيهما النظر وخفضه، فرآهما جلدين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولاحظ فيها لغنيّ ولا لذي قوّةٍ مكتسب"، أخرجه أبو داود، ورواه الطحاوي في "بيان المشكل".
ووجه الدلالة منه: أنه لم يعلق إعطاءه بحلفهما، وهذا أصح في "التهذيب".
وقيل: يعطي بيمين؛ لأن الظاهر أنه مكتسب وأنه لا يستحق، وهذا ما أورده العراقيون، وقال الرافعي: إن من الأصحاب من يقول: تحليفه عند التهمة واجب أو مستحب؟ فيه وجهان، قال: ويشبه أن يكون المراد منهما شيئاً واحداً، لكن الغزالي في "الوسيط" جمع بينهما، فقال – تبعاً للإمام – في تحليفه وجهين: إن حلفناه فهو

واجب أو مستحب؟ [فيه] وجهان، ثم إن أوجبنا اليمين فنكل لم يعط، وإن قلنا: إنها مستحبة، فيجوز أن يعطين وإن رآه ضعيفاً لكبر سنه أو نحافة بدنه أعطاه من غير يمين، قولاً واحداً.
قال: وإن ادعى عيالاً، أي: ولا يفي ماله بكفايته وكفايتهم – لم يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل عدم العيال، ويمكنه إقامة البينة على ذلكن وهذا ما أورده البغوي، وقال الرافعي: إنه الأظهر، وحكى القاضي أبو الطب وغيره وجهاً آخر: أنه يقبل قوله من غير بينة؛ كما يقبل قوله في أنه فقير، قال الماوردي: وعلى هذا فلابد من يمينه وجهاً واحداً؛ لأنه يستزيدها على حق نفسه، والله أعلم.
قال: والرابع: المؤلفة، أي: إن احتيج إليهم كما [قال] في "المختصر"؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: 60] [والمؤلف: تؤلِّف واستميل] بالعطاء؛ نظراً لإصلاح المسلمين، ولهذا سموا: مؤلفة.
قال: وهم ضربان، أي المؤلفة من حيث هي مؤلفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المؤلفة التي هي أحد الأصناف الثمانية ضربان؛ لأن أحد الضربين – كما قال – مؤلفَّة الكفار، وليسوا ممن يأخذون الزكاة كما ستعرفه.
والضَّرب: الصنف من الشيء.
قال: مؤلفة الكفار، ومؤلفة المسلمين، فأما مؤلفة الكفار فضربان: من يرجى إسلامهن أي لحسن نيته في الإسلام، ومن يخاف شره، أي في الإقامة أو السفر، ولا يقدر الإمام على دفعه.
قال: فيعطون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى صفوان بن أمية وعامر بن الطُّفيل، وهما من الضرب الأول، والمعنى فيه تقوية نيتهما في الإسلام حتى يسلما، وأعطى عامر ابن الطفيل وقد كان ذا غلظة على المسلمين، ولذلك [قتل] أهل بئر معونة، وكان – عليه السلام – يتألفه، فأتى المدينة وقال: يا رسول الله، شاركني في أمرك وكن أنت على المدر وأنا على الوبر فقال: "لم يجعل الله ذلك لي"، قال: والله، لأملأنّها عليك خيلاً

ورجالاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يأبي الله [ذلك، وأبناء قيلة" يعني الأنصار، فخرج من عنده بأخبث نية؛ فأخذته [غدَّةٌ مات بها].
وهذان من] الضرب الثاني، والمعنى في إعطائهم: الانكفاف عن الشر.
وإذا ثبت أنه – عليه السلام – دفع إليهم لهذا المعنى وهو موجود اتبعناه؛ لأن لنا فيه أسوةً حسنة.
قال: من خمس الخمس؛ لأنه لا سبيل إلى إعطائهما من الزكاة لكفرهم – كما ستعرفه – ولا من أربعة أخماس الفيء والغنيمة؛ لأنه للمقاتلة، وليسا منهم، فتعيّن الصرف من خمس الخمس؛ لأنه مرصدٌ للمصالح، وهذا منها.
وللشافعي – رحمه الله – قول آخر، حكاه في "المهذب" وغيره، وصححه الرافعي: أنهم لا يعطون منه أيضاً؛ لأن الله قد أعز الإسلام وأهله بما أعطاهم من قوة وزادهم من قدرة، [عن أن يتألفوا] بأموالهم شركاء، وقد روي عن عمر – رضي الله عنه – [أنه] قال حين سأله رجل من المشركين شيئاً من المال، فلم يعطه.
"إنا لا نعطي على الإسلام شيئاً، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، وفيه إشارة أن

النبي صلى الله عليه وسلم إنما دفع؛ لأن الإسلام كان ضعيفاً والشرك قويًّا.
قال الأصحاب: ولأنه يحتمل أن يكون إنما أعطى من خمس الخمس؛ لأنه كان [له أن] يصرفه [حيث] شاء.
قال الرافعي: وقد أشار بعضهم إلى رفع الخلاف، فقال: لا يعطون إلا أن ينزل [بالمسلمين] نازلة وتمس الحاجة إليهم.
قال: ومؤلفة المسلمين ضربان، أي: وكل ضرب منهما يشتمل على ضربين: فالأول - كما قال – [ضرب] لهم شرفٌ يرجى بعطيتهم إسلام نظرائهم، أي: أمثالهم؛ لأن النظير: المثل، وكذا النظر، بكسر النون وإسكان الظاء.
وقوم يرجى [حسن] إسلامهم، أي: ولهم أيضاً شرف، وإن لم يعطوا ربما أفضى بهم ضعف نياتهم إلى الردة.
قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم، أي: يعطي ضربي هذا الضرب؛ لأنه أعطى الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم، وهما من الضرب الأول منه، وأعطى صفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعينة بن حصن، كلاّ منهم مائة من الإبل، وهم من الضرب الثاني منه.

قال: وأما بعده ففيه، [أي: في هذا الضرب]، ثلاثة أقوال: أحدها: لا يعطون؛ لما ذكرناه في مؤلفة الكفار، وقد روي أن [عمر و] عثمان وعليا – رضي الله عنهم – لم يعطوه شيئاً.
وهذا ما ادعى الرافعي أن الشيخ أبا حامد في شرذمة صححوه.
والثاني: يعطون من سهم المؤلفة؛ للآية؛ واقتداء بأبي بكر – رضي الله عنه – فإنه دفع لعدي بن حاتم الطائي حين أتاه بثلاثمائة بعير من صدقات قومه، ثلاثين بعيراً ليتألف بها قومه، قال الأئمة: والظاهر: أنه أعطاه [من الزكاة، وهذا ما صححه النواوي.
والثالث: يعطون] من خمس الخمس؛ لأنه مرصدٌ للمصالح، وهذه مصلحة.
قال الماوردي: وعلى القولين يعطون [مع الغني والفقر].
وحكى الإمام عن صاحب "التقريب" أنه أجرى في إعطاء من يرجى حسن إسلامهم – إذا قلنا به – الأقوال الآتية في الضرب الآخر، ويجري القولان المذكوران في الكتاب في أنهم يعطون من سهم المؤلفة، أو من خمس الخمس – كما قال الفوراني – فيمن هو شريف في قومه غير صادق النية في القتال والجهاد.
قال: وفيه قول ثالث: أنه يجوز أن يعطي من الصدقات من سهم سبيل الله لا من سهم المؤلفة.

قال: وضربٌ في طرف بلاد الإسلام، أي وهم ضربان – كما تقدم -: قوم إن أعطوا دفعوا – أي بالقتال – الكفار أو البغاة أو المرتدين الذين بجوارهم، عن المسلمين، أي: الذين بجوارهم وضعفوا عن دفعهم.
وإن لم يعطوا لم يدفعوا: إما لفقرهم، وإما لضعف نيتهم في الإسلام – كما قاله الماوردي – [واحتاج الإمام إلى مونة ثقيلة لتجهيز جيش لهم حتى يندفعوا عنهم.
وقوم إن أعطوا جَبَوْا الصدقات ممن يليهم، أي: بالقتال كما قال الماوردي] أو بغير قتال، بل لشدتهم وخوفهم منهم كما قاله غيره، وإن لم يعطوا لم يجبوها، واحتاج الإمام إلى مؤنة ثقيلة لتجهيز من يجيبها منهم، وهذا الضرب يعطي بلا خلاف، لكن من أي شيء؟ قال الشيخ: ففيهم أربعة أقوال: أحدها: يعطون من سهم المؤلفة؛ لأنهم يتألَّفون على ذلك؛ فدخلوا في الآية.
والثاني: من خمس الخمس؛ لأنه مرصدٌ للمصالح، وهذا منها.
والثالث: من سهم سبيل الله؛ لأنهم غزاة ٌ أو يجرون مجرى الغزاة.
والرابع: من سهم المؤلفة وسهم سبيل الله؛ لأنهم جمعوا معنى الفريقين، وهذا هو المنصوص، كما قال في "المهذب" والقاضي الحسين.
وقال الماوردي: إنه معلولٌ؛ لما فيه من الجمع في دفع الصدقة بين سهمين بسببين.
واختلف أصحابنا لأجل ذلك في هذا القول على ثلاثة أوجه، حكاها البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما: أحدها: أنه جواب على القول الذي جوز الشافعي – رحمه الله – فيه إعطاء الشخص الواحد من الزكاة الواحد بسببين من سهمين إذا كانا فيه موجودين، فأما على القول الذي يمنع فيه من ذلك فلا يعطون إلا من أحد السهمين.
قلت: وهذا منهم يقتضي أن للشافعي – رحمه الله – قولين منصوصين في جواز الصرف للشخص الواحد بالسببين إذا اجتمعا فيه.

والقاضي أبو الطيب حكى عن النص المنع، وجعل الجواز قولاً مخرجاً من نصه هنا، وكذلك الإمام ادعى أن ظاهر المذهب المنع، وأن الجواز وجه حكاه صاحب "التقريب"، وعلى هذه الطريقة إذا قلنا: إنه لا يجوز أن يصرف للشخص الواحد بسببين، لا يكون في مسألة الكتاب إلا الأقوال الثلاثة الأول.
والوجه الثاني: أن هذا القول جارٍ سواء قلنا بجواز الصرف بسببين إلى شخص واحد أو لا؛ لأن السببين هاهنا لحاجتنا فكانا كالسبب الواحد، والقولان في جواز الصرف للشخص الواحد بالسببين، إذا كانا لحاجته، ولو كان أحدهما لحاجته والآخر لحاجتنا: كالمسكين غرم لإصلاح ذات البين، أعطى له بهما [كما] حكاه الإمام عن رواية صاحب "التقريب"، وعلى هذه الطريقة فهل يتعين ذلك أم الأمر [مفوَّضٌ] إلى [رأي] صاحب الأمر؟ فيه خلاف، ولعل الأصح الثاني، قاله الإمام.
والوجه الثالث: أنه منزل على حالين: فمن قاتل منهم المشركين أعطي من سهم الغزاة.
ومن قاتل منهم مانعي الزكاة أعطي من سهم المؤلفة.
قال الماوردي: والأصح عندي في هذا القول الرابع – غير هذه الأوجه الثلاثة -: أنه يجمع لهذه الأصناف كلها بين سهم المؤلفة وبين سهم سبيل الله في الجملة، إلا أن الشخص الواحد لا يجوز أن يعطي من السهمين، لكن يعطي بعضهم من سهم المؤلفة ولا يعطي من سهم سبيل الله [ويعطي بعضهم من سهم سبيل الله ولا يعطي من سهم المؤلفة]؛ فيكون الجمع بين السهمين للجنس العام، والمنع من الجمع بينهما للشخص الواحد، وهذا أصح ما يحمل عليه هذا القول.
قلت: وكلام أبي الطيب منطبق عليه؛ حيث قال: وقال بعض أصحابنا: إنما أراد الشافعي – رحمه الله –أن بعضهم يعطي من سهم سبيل الله وبعضهم [يعطي] من

سهم المؤلفة، ولم يرد أنه يجمع بينهما لشخص واحد، وعلى هذا فالخيرة [إلى الإمام].
وقد حكى الرافعي أن من الأصحاب من قال: يتخير الإمام إن شاء أعطاهم من هذا السهم، وإن شاء أعطاهم من الآخر، وربما قيل: [و] إن شاء جمع لهم بني السهمين.
وهو ما أورده في "الوجيز"، وقد حكيناه من قبل، وحكى وجه آخر في أصل المسألة: أن المتألف لقتال امنعي الزكاة وجمعها يعطي من سهم العاملين، والذي جزم به الفوراني وصححه النواوي: إعطاؤهم من سهم المؤلفة.
وقال الرافعي: إن قياس من صار إلى ترجيح منع الصرف إلى الضَّرب قبله – وهو الشيخ أبو حامد وشرذمة كما قدمناه -: [أن يرجح] [عدم إعطاء] هذا الضرب من الزكاة؛ لأن الأول أحق باسم المؤلفة وسهمهم من هذا الضرب؛ لأن فيه معنى الغزاة والعاملين.
وكذلك اختلفت الأقوال في أنهم من أين يعطون؟ وحينئذ يسقط سهم المؤلفة بالكلية، وقد أطلق القول به من متأخري الأصحاب: القاضي الروياني وجماعة، [إلا أن] الموافق لظاهر الآية ثم ليساق كلام الشافعي والأصحاب إثبات [سهم المؤلفة، وأنه [يستحقه] الصنفان الأولان اللذان جمعهما أحد ضربي مؤلفة المسلمين، وأنه يجوز] صرفه إلى الآخرين أيضاً، وبه أجاب الماوردي في "الأحكام السلطانية".
وسلك بعضهم طريقاً آخر، فقال: مما ينتبه له [أنه لا يعتقد] أن للشافعي قولاً بحرمان جميع ضربي مؤلفة المسلمين من الزكاة، وإن ذكر في كل منهما قولين؛ لأن في ذلك إبطالاً لنص الآية، ولكن متى ذهب إلى منع ضربٍ صار إلى إعطاء الضرب الآخر.
فرع: من ادعى أنه من المؤلفة فلا [يجوز أن] يعطي إلا بإقامة البينة على أنه

منهم، وأن في تأليفه مصلحة للمسلمين، كذا قاله [القاضي] أبو الطيب وغيره، وقال القاضي الحسين: إنه لايحتاج إلى بينة ولا يمين إذا ادَّعى ضعف الإسلام في قلبه، ويعطي؛ لأنه لا يقول ذلك إلا وهو ضعيف الإسلام.
وقد حكى أبو الفرج هذا عن صاحب "التلخيص"، وذكر أن من الأصحاب من أطلق الجواب بأنه يطالبه بالبينة، كما ذكرناه.
قال: والخامس: الرقاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60].
قال: وهم المكاتبون؛ لأن قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ يقتضي أن تصرف الصدقة إلى الرقاب، [كما أن قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60]، يقتضي الصرف إلى المجاهدين ويملكونها، وإنما يصح الصرف إلى الرقاب] أنفسها إذا حملت على المكاتبين أو غيرهم من الأرقاء الذين لا يملكون.
فإن قيل: "الرقاب" جمع "رقبة"، و"الرقبة" حيث أطلقت في كتاب الله أريد بها غير المكاتب من الرقيق؛ فكان الظاهر من الآية أن يشتري بالثمن من يبتدأ عتقه.
فجوابه: أن اسم "الرقاب" يقع على العبيد والمكاتبين، وحملنا مطلق "الرقبة" في الكفارة على غير المكاتب؛ لأنه قد اقترن بها ما يدل على ذلك وهو قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3]، وهنا دلت القرينة على أن المراد ما ذكرناه؛ لأن كل من أخرج صدقة لم يجز أن تعود إليه منفعتها، يدل عليه أنه لا يجوز أن يصرف صدقته لقريبه الفقير الذي تجب عليه نفقته، وإذا كان كذلك فلو قلنا هنا: إنه يشتري بالثمن رقاباً ويبتدئ عتقهم، لكانت منفعته عائدة إليه؛ لأنه يثبت له عليه الولاء ولا يرد على ذلك جواز صرفها [لمعسر] له عليه دين، وإن كان يقضيه دينه [منه] ومنفعته تعود إليه؛ لأن دينه لم يتجدد، فإذا قبض منه رجع إليه المال من وجه آخر، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الولاء إنما يثبت بالعتق؛ فالمنفعة تعود إليه بذلك المعنى، والله أعلم.
قال: فيدفع إليهم ما يؤدون في الكتابة عن لم يكن معهم ما يؤدون؛ لأن حاجتهم

المقتضية للدفع إليهم [إذ ذاك] تتحقق، وقد [أفهم كلام الشيخ أنه لا] يشترط أن يكون غير قادر على اكتساب ما يؤديه فيها بصناعته وهو وجه حكاه الرافعي، وادعى أنه الأشبه، وهو جار في الغارم في حق نفسه إذا قدر على اكتساب ما عليه.
قال: والفرق بينه وبين الفقير والمسكين، حيث لا يعطي إذا كان قادراً على تحصيل كفايته بالاكتساب: أن حاجتهما تتحقق يوماً بيوم، والكسوب يحصِّل في كل يوم ما يكفيه وإنما يقدر على اكتساب ما يقض به الدين بالتدريج.
ومقابله هو الذي أورده الماوردي فقال: لو كان قادراً على ذلك باكتسابه لم يعط كما لو كان قادراً بمال معه.
وحيث يحوز الدفع إليه فلا يتوقف على إذن السيد، ويتوقف الدفع إلى السيد على إذن المكاتب، فلو دفع إله قبل إذن المكاتب لم يعتد به عند الجمهور، وقال [في] "الحاوي": إن كان النجم قد حل جاز الدفع إلى السيد بأمر المكاتب وبغير إذنه.
قلت: وهو ظاهر النص؛ حيث قال: وإن دفع إلى سيده كان أحب إليَّ.
وقد استحب بعضهم الدفع إلى السيد لأجل هذا النص، [ولم يورد نصر المقدسي غيره]، لكن بإذن المكاتب.
وقال البندنيجي: إن في النص تفصيلاً: فإن كان الذي يعطيه كل ما [كان] عليه، فالمستحب أن يدفعه إلى سيده بإذن المكاتب؛ لأنه أعجل لعتقه، وإن كان دون ما عليه دفعه إلى المكاتب [ليتجر] فيه، ولو أراد المكاتب أن ينفقه منع منه، قاله أبو الطيب وابن الصباغ.
وفي "النهاية": أن الخيرة إلى المكاتب في توفية النجم: إن شاء وفاه مما اكتسبه، واستنفق ما قبض من الصدقة، وإن شاء سلم ما قبضه من الصدقة.

ثم ظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في الدفع إليه ليؤدي ما عليه وبين أن يكون [ما] عليه النجم الأخير أو الأول، وهو المذكور في "الحاوي"، و"تعليق" البندنيجي.
وكذا لا فرق بين أن يكون النجم قد حل أو لا، وهو الظاهر من الوجهين في غيره؛ لأنه إذا قبض قبل محل النجم أمكنه إجبار السيد على قبضه، وأمكنه الاتجار فيه، كما قاله البندنيجي، وهو ظاهر فيما إذا دفع إليه دون ما عليه، و [عليه] ينطبق قول الرافعي: للمكاتب أن يتجر فيما يأخذه طلباً للزيادة وإيفاء لتمام النجوم، كذا حكاه صاحب "الإفصاح" وآخرون.
قال: والغارم كالمكاتب، وقيل: لا يدفع إليه من النجم شيء قبل حلوله؛ لأنه غير محتاج إليه.
قال: ولا يزادون على ما يؤدون؛ لعدم الحاجة [إليه]، فإن كان يحتاج إلى ألف ومعه ثمانمائة، لم يعط أكثر من مائتين، ولو لم يكن معه من الألف شيء لم يعط غير الألف نعم، لو دفعنا إليه ذلك، فأعتقه السيد، أو أبرأه عن النجوم قبل قبضه ما دفع للمكاتب، [أو أدى] أجنبي عن المكاتب النجوم متبرعاً – فهل يسترد من المكاتب ما قبضه إن كان باقياً، وبدله إن كان تالفاً؟ فيه خلاف تقدم، ولو تلف في يده مع استمراره على الكتابة وقع الموقع، قاله في "الروضة".
ولو عاد إلى الرق بتعجيز السيد له فلا خلاف في أنه يسترد [منه] ما قبضه إن كان باقياً في يده، وكذا بدله إن كان تالفاً، على أصح الوجهين في "الرافعي"، وادعى الإمام أنه متفق عليه، وقال الماوردي: إن كان تلفه قبل إمكان دفعه إلى سيده فلا ضمان عليه ولا على سيده؛ لأنه كالمؤتمن على أدائه، وإن كان قد أتلفه ضمنه وإن

كان قد تلف بنفسه بعد إمكان دفعه إلى السيد: فإن كان بعد أن حل النجم ضمنه أيضاً ضمان المغصوب؛ لعدوانه بتأخير الأداء، وإن كان النجم لم يحل بعد فهل يضمنه؟ فيه وجهان من اختلاف الوجهين في جواز الدفع إليه قبل الحلول: فإن [قلنا يجوز، ضمنه؛ لأن جعل كالحال في جواز الدفع إليه، فإن] قلنا: لا يجوز، لم يضمنه.
وهذا كله إذا كان التلف قبل التعجيز فلو كان بعده وبعد إمكان الرد [على من دفعه إليه من رب المال أو الساعي ضمنه أيضاً، وإن كان قبل إمكان الرد] لم يضمنه المكاتب؛ لأنه ما قبضه لنفسه ما كان متعدياً في حبسه، وهل يكون مضموناً على سيده؟ فيه وجهان: حيث ضمناه قال الرافعي: فالضمان يتعلق بذمته لا برقبته، [لأن المال حصل عنده برضا صاحبه، وهذا ما صححه في "الروضة"، وقال الإمام: إنه يتعلق برقبته]، وليس كما لو اشترى العبد شيئاً فتلف في يده؛ فإن بائعه رضي بذمته فكان مؤاخذاً بحكم رضاه، والذي سلم إلى المكاتب لم يكن عوضاً، وإنما كان الأمر فيه موقوفاً على ما يتبين، وقد بان أنه لم يقع.
وقال في "الحاوي": إن تلف ضمنه ضمان المغصوب، ويقدم على ديون المعاملات، فإن ضاق ما في يده عن غرمه ضمنه في رقبته، وإن تلف بآفة سماوية؛ حيث يضمنه [ضمان] المغصوب.
لكنه إذا كان أتلفه بعد التعجيز [كان الضمان في رقبته دون ما بيده؛ لتقدم استحقاق ما بيده في معاملاته، ولو حصل التعجيز] بعد ما قبض السيد من

المكاتب ما دفع إليه من الزكاة، فهل يسترد منه إن كان باقياً، أو بدله إن كان تالفاً؟ فيه طرق: [إحداها – وهي المذكورة] في كتب العراقيين -: حكاية وجهين فيه.
والثانية – حكاها الصيدلاني -: القطع بعدم الاسترداد، [قال الإمام: وهذه الطريقة في حالة التلف أولى.
والثالثة- قالها الشيخ أبو محمد -: القطع بالاسترداد]، قال الإمام: وذلك منقاس حسن؛ لأنه إذا انقلب رقيقاً فقد خرج ما سلمناه إليه عن كونه إعانة للمكاتب في تحصيل العتاق؛ فبان أنه لم يدفع نجماً ولا جزءاً من نجم.
والرابعة – قالها الماوردي لا غير -: أنه ينظر: فإن كان قد قبض ذلك في النجم الأخير استرجع منه ما قبضه؛ لأن المقصود من العتق لم يقع، وإن كان [قد] قبضه فيما قبل النجم الأخير من النجوم المتقدمة، ففي [جواز استرجاعه] وجهان: أحدهما: نعم؛ كالمقبوض في النجم الأخير.
والثاني: [لا]؛ لأن لكل نجم حكماً.
وهذا إذا كان باقياً في يده، فإن كان تالفاً فحيث قلنا: يسترجع لو كان باقياً، ضمنه بالبدل، سواء تلف باستهلاكه أو بغيره؛ لأنه أخذه على وجه البدل عن العتق، فإذا فات العتق ضمنه بالرد إن بقي، وبالغرم إن تلف كالمبيع.
والحكم فيما لو وجد التعجيز وقد باع السيد ما قبضه الحكم فيما لو وجد بعد التلف، قاله الرافعي.
قال: ولا يقبل قوله: إنه مكاتب، إلا ببينة، أي: يشهد بها، وبالباقي عليه من النجوم – كما قال الماوردي – لإمكان ذلك مع أن الأصل عدم الكتابة، ولو ثبت عند الإمام بالتسامع أنه عبده وقد كاتبه، وقال القاضي الحسين في "تعليقه": فلا بأس

أن يعطي من غير بينة.
قال: فإن صدقه المولى [من غير بينة]، أي على ذلك – فقد قيل: يدفع إليه؛ لأنه قد صار بالتصادق مكاتباً في الظاهر؛ فإن إقراره بأنه عبد مكاتب مقبول على نفسه.
وقيل: لا يدفع إليه؛ لأنهما قد يتواطآن على ذلك اجتلاباً للنفع.
قال ابن الصباغ وغيره: والأول أصح؛ لأن الدفع يقع مراعىً في حق السيد: فإن عتق العبد، وإلا طولب بالرد.
قلت: إن كان الخلاف [السابق] في الاسترجاع من السيد بعد التعجيز مصوراً بما إذا ثبت الكتابة بالبينة دونما إذا ثبتت بالإقرار، فإنه يسترجع منه قولاً واحداً – استقام هذا الرد، وألا فلا، على أنه لو بني الخلاف في [هذه المسألة على الخلاف في] الاسترجاع، لم يبعد، فإن قلنا: يثبت الاسترجاع عند العجز قيل هاهنا، وإلا فلا؛ لأن التهمة حينئذ تتحقق.
وجميع ما ذكرناه في الكتابة الصحيحة، أما المكاتب كتابة فاسدة فلا يعطي من الصدقات بحال.
قال: والسادس: الغارمون؛ لقوله تعالى: ﴿الْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: 60]، ولقوله – عليه السلام -: "لا تحلُّ الصَّدقة لغنيٍّ إلا لخمسة ... "، وعدَّ منها الغارم، وقد تقدم.
قال: وهم ضربان: ضرب غرم لإصلاح ذات البين، والبين هاهنا، قال أهل اللغة: هو الوصل، قالوا: وتقديره: إصلاح حال الوصل، ومراد الفقهاء بـ"ذات البين": أن تكون فتنة بين طائفتين من المسلمين بسبب قتيل أو بهيمة مقتولة وجد ذلك بين قبيلتين، فادَّعى ولي القتيل أو صاحب البهيمة أنهم قتلوا ذلك؛ فأنكروا.
وإصلاح ذلك يكون بتحمل دية القتيل لوليه وقيمة البهيمة لمالكها، فإذا

فعل شخص ذلك، واستدان لأجله أو تحمل ولم يستدن، ولم يؤد ذلك من ماله بعد – فهو من الضرب الذي بدأ الشيخ به.
قال: فيدفع إليه مع الغنى، أي: بالعقار والناض وغيرهما في ظاهر المذهب – ما يقضي به الدين، أي: الذي تحمله أو الذي استدانه وأداه فيما تحمله، كما صرح به غيره، ووجهه الآية والخبر السابق، وإنما لم يشترط في المتحمل الفقر؛ لأن المقصود تسكين النائرة بالتحمل، وهي لا تسكن بتحمل الفقير.
[و] "الغني" بالمال: مقصور، ويكتب بالياء، يقال: غني يغني، فهو غني، واستغنى: بمعناه.
والغناء: ممدود، من الصوت.
ومقابل ظاهر المذهب: يجوز أن يكون ما حكاه الإمام قولاً وغيره وجهاً في مسألة تحمل الدم: أن غناه إن كان بعقار وأثاث وما لا يعسر عليه وفاء الدين منه، فالحكم كما تقدم، وإن كان بأحد النقدين فلا يدفع إليه ما يقضي به الدين؛ لأن صرف النقد في هذه الأشياء مما لا ينفك عن المتصدين للرياسة، بخلاف الوفاء من العقار والمنقولات التي تعد للتحمل؛ فإن بيعه يعد قريباً من الخروج عن منصب المروءة، وهذا وإن كان لا يرتضيه النظر في الأقيسة فهو لائق بالمعاني الكلية وهي المطلوبة.
وإذا جرى هذا القول أو الوجه في تحمل بدل الدم ففي [تحمل] بدل المال مع أنه دون الدم أولى، وعن أملي أبي الفرج السرخسي: أن هذا الوجه جار فيمن غناه بالعروض وقد تحمل بدل الدم، وهو غريب.
ويجوز أن يكون مقابل ظاهر المذهب: ما حكاه في "المهذب" والماوردي وأبو الطيب وغيرهم وجها: أن متحمل بدل الدم يقضي عنه ما تحمله مع غناه

بالنقدين، ومتحمل بدل المال يقضي عنه أيضاً [إلا] إذا كان غناه بأحد النقدين، ويجوز أن [يكون] مقابله: ما حكاه البندنيجي [وجها]: أن متحمل [بدل] الدم يقضي عنه دينه كيف كان [غناه، ومتحمل بدل المال لا يقضي عنه دينه التحمل مع غناه، كيف كان].
وقد حكى الرافعي الوجهين في متحمل بدل المال هكذا، وصحح القضاء عنه؛ لما فيه [من] المصلحة الكلية، وقال: إن المتولي بناهما على أن من قصد مال إنسان هل يباح له الدفع بالقتل؟ إن قلنا: نعم، جعلنا المال كالدم.
وإذا تأملت ما حكيناه وراء ظاهر المذهب في [متحمل بدل] المال خشية الفتنة، جاءك منه طريقة صرح بحكايتها الإمام، هي: أن غناه إن كان بالنقد منع الأداء من الصدقة، وإن كان بغير النقد فقولان.
وفي معنى تحمل دية القتيل تحمل دية ما دون النفس من الأطراف، صرح به الماوردي.
أما إذا كان المتحمل قد أدى ما تحمله من ماله الذي لم يقترضه لأجل الوفاء، لم يعط من الصدقات شيئاً؛ لأنه الآن غير غارم، قال البندنيجي: وكذا لو مات المتحمل قبل الأداء، يقضي ذلك من تركته، ولا يوفى من الصدقة؛ [لأن الذي حلت له الصدقة هو] دون وارثه.
فإن قلت: هل يلتفت ذلك على ما سبق من أن موته هل كان بعد وجوب الزكاة أم لا؟ وهل أهل السَّهمان في البلد محصورون، وقد منعنا النقل، أم لا كما قلنا في الفقير؟

قلت: لا؛ لأن الميت لو كان قد قبض لم يتم ملكه على ما قبضه، ويسترجع منه في حال – كما تقدم- بخلاف الفقير فإن ملكه بعد القبض مستقر؛ فجاز أن يثبت قبل القبض، والله أعلم.
قال: وضرب غرم لنفسه، أي: لمصلحة نفسه في [غير معصية]، مثل: أن استقرض مالاً ليحج به أو ليتصدق أو لينفقه على نفسه وعياله من غير إسراف- فيدفع إليه مع الحاجة ما يقضي به الدين؛ للآية، وما المراد بالحاجة هنا؟ قال الرافعي: الذي تقتضيه عبارة أكثرهم: كونه فقيراً لا يملك شيئاً، وربما صرحوا به.
قلت: والتصريح به منسوب في "النهاية" إلى المراوزة وأنهم قطعوا به؛ حيث قال: إنهم قالوا: يشترط في وفاء ما يستلزمه الإنسان بسبب خاصة نفسه الفقر عن كل ما يتصور صرفه إلى الدين.
قال الرافعي: وفي بعض شروح "المفتاح" أنه لا يعتبر المسكن والملبس والفراش والآنية، وكذلك الخادم والمركب إذا اقتضاهما حاله، بل يقضي دينه وإن ملك ذلك.
ويقرب منه قول بعض المتأخرين: إنا لا نعتبر الفقر والمسكنة هاهنا، بل لو ملك قدر كفايته ولو قضى دينه لنقص ماله عما يكفيه، فيقضي من دينه قدر ما ينقص عن الكفاية، والمقصود: أنه يترك معه ما يكفيه ولا يدخل في الإعسار.
وقد أبدى الإمام على ما حكاه عن المراوزة مباحثة في المسألة، فقال: في صرف دين من لا مال له نظر للقيه؛ فإن الغارم إذا كان لا يملك شيئاً، فلا يكون مطالباً من جهة غريمه، والصدقة إنما تصرف [لشدة حاجة أو كفاية أدنى، ومستحق الدين يستغني بتحصيل دين له على معسر] جبراً لخلته، فما معنى اشتراط الإعسار في قضاء الدين؟ وهذا مقام يعسر إدراكه على غير الفقيه، فنقول: لا يمتنع أن

يكون للإنسان مال يتضرر بصرفه إلى دين، ومعنى تصور تضرره بصرفه إلى الدين: أن ينتهي بصرفه إلى الدين إلى حد الضرر [الذي] يستدرك بالصدقة، فإذا فهم هذا، انقدح وراءه وجوه: أحدها: أن من كان ينتهي بأداء دينه مما معه إلى حد المسكنة، فهو الذي يؤدَّى دينه من الصدقة.
والثاني: أنه يجوز أن يقال: لا يجبر على أداء دينه وهو ذو كفاف، ولا يجوز أن يؤدي من الصدقة إلا دين مسكين.
والثالث: أنه يجوز أن يقال: إذا كان لا يملك شيئاً أصلاً يؤدي دينه أيضاً؛ فإنه لا يتهيأ بعيشه وهو يكتسب في اليوم الكفاف، وقد ينازع في قدر الكفاف، ويجر إلى المحاكمة، وأيضاً فإن دينه إذا أدِّى من الصدقة استرسل الناس في إقراض الفقراء وألا انسد عليهم باب الاستقراض ولحقهم الضرار.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه لا يصرف إليه ما غرمه لمصلحة نفسه مع الغنى، وهو أحد القولين في المسألة: المعزيُّ إلى نصه في "الأم" وأكثر كتبه، كما قال الماوردي، والصحيح عنده الجمهور وبه قطع المراوزة: كما تقدمن ووجهه: انه يأخذ لحاجته فلم يعط مع الغنى لغير الغارم.
ومقابله – محكي في القديم والصدقات من "الأم" -: أنه يعطي؛ لأنه غارم [في غير معصية فأشبه الغارم] لإصلاح ذات البين، وقد أثبته الإمام [وجها] عن رواية صاحب "التقريب" والعراقيين.
وقال الماوردي: إن محل القولين إذا كان غناه بغير النقدين، فلو كان [غناه]

بأحدهما فلا يعطى قولاً واحداً.
ثم حيث يجوز الدفع إليه يجوز الدفع إلى الغريم بإذنه، ولا يجوز بغير إذنه، وقد وافق على ذلك الماوردي، وفرق بينه وبين المكاتب حيث قال: يجوز الدفع إلى سيده بغير إذنه؛ لأن المكاتب محجور عليه في حق سيده، بخلاف الغارم.
نعم، لو كان الغارم محجوراً عليه بالفلس فدفع إلى غرمائه بالحصص – قال: جاز من غير إذنه؛ لأنه يصير بالحجر في معنى المكاتب.
قال في "البحر": وهذا غريب، والأصح عندي المنع بدون الإذن، وهل المستحب: الدفع إلى الغريم بإذن المدين أو إلى المدين؟ الحكم فيه كما تقدم عن البندنيجي في المكاتب، صرح به في "البحر" [والبندنيجي أيضاً].
وقد أفهم كلام الشيخ – رحمه الله – أنه لا يزاد على ما يقضي به الدين، وهو مما لا خلاف فيه، فإذا [صرف إليه] وجب عليه أن يصرفه في دينه، ولا يجوز أن يصرفه في غيره.
قال الماوردي: إلا أن يعدم قوت يومه؛ [فيجوز أن يأخذ منه قوت يومه] وحده؛ لأنه غير مستحق في دينه.
وفي "الرافعي": أنه يجب أن يكون الغارم كالمكاتب، وقد قدمنا أنه يجوز له أن يتجر وأن يستنفق ما أخذه، ويؤدي النجوم كسبه، وعلى الأول يجوز له أن يصرفه إلى من شاء من غرمائه إلا أن يكون غارماً في حمالة قد أعطي فيها من مال الصدقات مع غناه؛ فإن عليه أن يصرف ما أخذه في دين الحمالة دون ما عليه من دين آخر وهذا بخلاف ما لو أخذ من الصدقات شيئاً ليصرفه فيما عليه من دين المعاملة مع فقره؛ فإن له أن يصرفه إلى ما يحمله من بدل الدم ونحوه؛ لأن الشرط في دين المعاملة أغلظ؛ لأنه لا يستحق إلا مع الفقر، ودين الحمالة أخف؛ لأنه مستحق مع الغنى والفقر؛ فجاز أن يصرف [ما غلظ [شرط استحقاقه فيما خف شرطه، ولم يجز

أن يصرف] ما خف شرط استحقاقه فيما غلظ] شرطه، فإن لم يصرف ما قبضه لوفاء الدين حتى سقط عنه بإبراء أو وفاء أجنبي متبرع، ففي استرجاعه منه ما تقدم في الاسترجاع من المكاتب وقد عتق قبل أداء ما قبضه من الزكاة فإذا قلنا: يسترجع، فلو لم يسترجع حتى حدث عليه دين يقضي من الزكاة، ففي استرجاعه وجهان في "البحر" وغيره، والخلاف في أنه هل يدفع إليه وفاء ما عليه من دين مؤجل كالخلاف في الدفع إلى المكاتب النجم الذي لم يحل، صرح به الماوردي.
وحكى الإمام في آخر "النهاية" وجهاً آخر: أنه يجوز الدفع إلى [الغارم دون المكاتب]؛ فإن المكاتب مهما شاء عجز نفسه، وقال: إنه بالعكس [أولى]؛ فإن ما ذكره يتحقق في النجم الحال أيضاً؛ فالوجه أن يقول: المؤجل في حق المكاتب كالحال.
وقال الرافعي: إنه يجوز أنا يرتب ما نحن فيه على المكاتب، وهاهنا أولى بالدفع؛ لأن ما على الغارم مستقرُّ.
في المسألة وجه آخر حكاه الإمام هاهنا عن العراقيين: أن الأجل إن كان ينقضي في وسط السنة المستقبلة فيقضي، وإن كان يحل بعد سنة فصاعداً فيوقف قضاء هذا الدين إلى السنة القابلة.
قال في "الروضة": والأصح أنه [لا] يعطي، وبه قطع في "البيان".
قال: ولا [يقبل قوله: إنه] غارم، أي: لمصلحة نفسه إلا بالبينة؛ لما سبق.
أما الغارم لإصلاح ذات البين فلا يحتاج إلى إقامة البينة؛ لأن اشتهار ذلك يغني عنها، والبينة – كما تقدم -: ما يثبت الحق بها.
وقد قال بعض الأصحاب: إنه لو أخبر عن الحال واحد يقع الاعتماد على قوله لكفى، وقال الإمام: رأيت للأصحاب رمزاً إلى التردد في أنه إذا حصل الوثوق بقول من يدعي الغرم، وغلب على الظن صدقه- هل يجوز الاعتماد عليه.

وكل هذا يؤذن بأنه لا يراعي في ذلك شرائط الشهادة، وكذلك حكى بعض المتأخرين أنه لا يعتبر في البينة في هذه الصورة سماع القاضي وتقدم الدعوة والإنكار والاستشهاد، بل المراد إخبار عدلين على صفة الشهود.
قال: فإن صدقه غريمه، فعلى الوجهين، أي: في المكاتب، وقد سبق تعليلهما، وهذا ما ذكره العراقيون وصاحب "التقريب" والشيخ أبو علي، واختار النواوي وغيره منهما جواز الدفع كما في المكاتب، وقال الإمام: إن التصادق بين العبد والمكاتب في الكتابة أقوى عندنا وأولى بأن يرجع إليه؛ فإن إقرار كل منهما يصير ثابتاً لازماً في حقه، قال: ومن عول على الإقرار في الدين تردد جوابه فيه إذا أقر بالدين لغائب ولم يوجد منه قبول الإقرار.
نعمن إذا قبلنا: القول في ذلك من غير بينة ففي تحليفه ما سبق فيمن ادعى الفقر.
قال: وإن غرم في معصية وتاب دفع إليه، أي: مع الحاجة؛ لأن المعصية زالت [فدفع إليه]؛ كمن أنفق ماله في المعاصي حتى صار فقيراً، ومن هرب من بلد ظلماً ثم أراد الرجوع؛ فإن الأول يعطي من سهم الفقراء، والثاني من سهم أبناء السبيل وإن كان السبب معصيته؛ فكذا هنا، وهذا قول أبي إسحاق وهو الصحيح في تعليق القاضي أبي الطيب، وعند البغوي والروياني وأبي خلف السلمي، وهو الجواب في "الإفصاح".
قال الرافعي: ولم يتعرضوا هاهنا للاستبراء ومضي مدة يظهر فيها صلاح الحال، إلا أن الروياني لما ذكر أن هذا أصح الوجهين قال: هذا إذا غلب على الظن صدقه في توبته.
وقيل: لايدفع؛ خشية أن يستكثر من المعاصي، ولأن توبته لا يطلع على حقيقتها، ولا يمتنع فرض إظهارها مع إضمار نقيضها حتى يسلم إليه من سهم الغارمين، وهذا قول ابن أبي هريرة، والأصح عند ابن الصباغ والبغوي وبه جزم في "المحرر".

قال القاضي الحسين: والوجهان مبنيان على أن من انكسرت رجله في معصية فصلى قاعداً، فإذا برأ: هل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه خلاف: فإن قلنا: لا يقضي، دفع إليه وإلا فلا يعطي.
ومحل الخلاف إذا استدان استدانة صحيحة بنية الصرف إلى المعصية وصرف ما أخذه فيها، لا الاستدانة الفاسدة التي تملك الغرض، ولو كان قد استدان لغرض صحيح، ثم بدا له أن يصرف ما استدان إلى جهة الفساد - قال الإمام: فإن تحقق ذلك منه، فحق هذا الدين أن يقضي من سهم الغارمين، ولكنا إذا رأيناه قد استدان وصرف ذلك إلى المعصية لا نصدقه في انه ما كان نوى الفساد.
ولو انعكس الحال، فاستدان بنية الفساد، ثم عصمه الله فصرفه إلى جهة مباحة - فهذا الدين مقضي وإن النية إنما تؤثر إذا حققت بالعمل.
وقد ألحق الشيخ أبو بكر الصيدلاني والقاضي الحسين الاستدانة للصرف في جهة إسراف- وهي الخارجة عن العادة المعتادة مما لا يكسب حمداً في العاجل، ولا أجراً في الآجل - بالاستدانة لأجل المعصية؛ لأن قضاء ديون المسرفين يجر حيلا واستجراء لأهل السفه، وفيه حرمان المقتصدين.
وللإمام احتمال في ذلك، وقال: إن الأول هو الفقه.
ولو غرم [لا] لإصلاح ذات البين ولا لمصلحة نفسه، فذاك على قسمين: أحدهما: أن يكون لمصلحة عامة، كاستدانته لبناء مسجد أو جامع أو حصن أو قنطرة أو فكاك أسير، وما جرى مجرى ذلك - قال الماوردي: فهذا يجوز أن يعطي مع الفقر والغنى بالعقار، ولايجوز أن يعطى مع الغنى بالناض؛ لأنه أي النفع متردد بين مصلحة نفسه ومصلحة ذات البين؛ فاقتضى أن يكون فيه متوسطاً بين الحكمين.
وهذا ما ادعى الروياني في "الحلية" أنه الاختيار.
وعن أبي الفرج السرخسي: أنه ألحق ذلك وكذا قراء الضيف بما استدانه للنفقة

وسائر مصالح نفسه.
والثاني: أن يكون لمصلحة خاصة، كمن ضمن عن شخص ديناً في معاملة، ولا هيج ولا فتنة: فإن كان المضمون عنه موسراً، وكان الرجوع عليه ممكناً – فلا يقضي مثل هذا الدين، وقيل: يقضي مع إعسار الضامن، حكاه القاضي الحسين.
والمذهب: الأول.
وإن كان الرجوع عليه غير ممكن لضمانه بغير إذنه أو بإذنه، لكنه معسر: فإن كان المتحمل معسراً فله أن يأخذ مقدار الدين، وإن كان موسراً بالنقد وغيره فمنهم من قال: هو كمتحمل الدية في فتنة الدم، ومنهم من قال: هو كمتحمل المال خشية من الفتنة، ومنهم من قال: هو كالاستقراض لحاجة نفسه، قال الإمام: ولو قيل: إنه دون استقراض الإنسان لحاجة نفسه، لكان له وجه؛ فإن الضمان ندامة وغرامة.
وفي بعض التصانيف ما يدل على أن هذا الدين لا يقضي من الصدقة قط، وهو بعيد، وإنما ذكرته ليتنبه الفقيه للمعنى الذي أشرت إليه، وإلا فضمان الإنسان [عن أخيه] لا ينحط عن رتبة استقراضه في أمر غير محظور، ولا ينتهي إلى السفر، ولا يبلغ مبلغ الحاجة المرهقة.
ولو ضمن دية مقتول عن قاتل معين فالقياس أن يرتب على ضمان مال [المعاملة وهاهنا] أولى بأن يقضي مع الغنى، وقد قال في "الروضة": إنه لا يعطي مع الغنى، كذا حكاه في "البيان" عن الصيمري.
قال: والسابع: في سبيل الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60].
قال: وهم الغزاة؛ لأن سبيل الله متى أطلق كان محمولاً على الغزاة، قال الله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [التوبة: 20]، وقال عزَّ من قال: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [الصف: 4]، وقال – عليه السلام -: "لا تحلُّ الصدقة لغنيِّ إلاَّ لخمسةٍ: لغازٍ في سبيل الله ... ". فإن قيل: قد روى أن رجلاً جعل ناقته في سبيل الله، فأرادت امرأته أن تحج، فقال

لها النبي صلى الله عليه وسلم: "اركبيها؛ فإنَّ الحجَّ من سبيل الله"، وإذا كان كذلك، فلم لا يصرف إلى الحج؟ قلنا: حجتنا: ما تقدم، والحديث محمول على أنه جعل الناقة في سبيل الله [الذي هو الحج، ويحتمل أن يكون جعلها في جميع ما هو في سبيل الله]؛ فلهذا قال لها – عليه السلام -: "اركبيها؛ فإن الحج من سبيل الله".
قال: الذين لا حق لهم في الديوان؛ أي: ديوان أهل الفيء، وهم المسمون بالمرابطين، وهم الذين سماهم الشافعي – رحمه الله – الأعراب؛ لأن الأمر جرى في عصره – عليه السلام – كذلك؛ فكان بياناً للمراد بالآية.
ووجهه من جهة المعنى: أن من لهم حق في ديوان الفيء يعطون الكفاية من الفيء على قيامهم بالقتال؛ فلا يجوز أن يعطوا من الصدقات؛ كما قلنا في الإمام إذا تولى قبض الصدقات بنفسه: لا يأخذ من سهم العاملين في الزكاة؛ لأنه أعطي من سهم المصالح كفايته على القيام بمصالح العباد، وذلك منها.
نعم، لو عدم الفيء من بيت المال فهل يعطون؟ فيه وجهان في "النهاية"، وقولان في "الرافعي""الإبانة"، فإن قلنا: لا يعطون – وهو الأصح – قال الرافعي]: وجب على أغنياء المسلمين إعانتهم.
وعن الصيدلاني وجه ثالث: أنه يجوز أن يصرف إليهم من [سهم] سبيل الله إذا احتاجوا إلى قتال مانعي الزكاة، فيعطون مما يأخذون من الممتنعين.
قال الإمام: وهذا كلام عري عن التحصيل؛ فإن تلك الزكاة المأخوذة منهم، والزكوات المأخوذة من غيرهم- بمثابة واحدة لا تختلف مصارفها وهم مرتصدون

لارتسام رسم الإمام في كل قتال يندبهم إليه، فأي أثر لتخصيص مقاتلة مانعي الزكاة؟! وقال الإمام إذا لم يكن في يده من مال الفيء شيء، والمرتزقة مستظهرون بأموالهم، ولم يكونوا على الصفات [التي] يشترطها في [استحقاق] سهم سبيل الله من الصدقات –فلا يجوز صرف ذلك السهم إليهم، وإن كانوا غير مستظهرين، ولو لم يكفهم لضاعوا، ورأى الإمام والحالة هذه أن يصرف سهم سبيل الله من الصدقات إليهم، ورأى انتهاضهم – وهم المعدون المستعدون – أقرب من انتهاض المطوعة، فلا معترض على الإمام في ذلك.
قال: فيدفع [إليهم] ما يستعينون به في غزوهم مع الغنى؛ للخبر وعموم الآية، ولأنهم يأخذون لحاجتنا إليهم؛ فلم يعتبر في الدفع إليهم فقرهم؛ كالعامل.
والذي يستعان به في الغزو: السلاح، وكذا الفرس إن كان الشخص ممن يقاتل فارساً، وألا فلا يعطاه.
نعم، يعطى حمولة [تحمله] إن كان على مسافة القصر، دون ما إذا كان دونها؛ فإنه لا يعطاها.
قال أبو إسحاق المروزي: إلا أن يكون ضعيف البدن، أو شيخاً كبيراً، والنفقة في الطريق في حالة الذهاب والإياب؛ فإن استشهاده ليس بضربة لازب.
لكن هل المعطى جميع ذلك، أو الزائد على نفقة المقام؟ فيه وجهان ينبنيان – كما قال القاضي الحسين والفوراني- على أن عامل القراض إذا قلنا: يعطى النفقة، فهل يعطى جميع نفقة السفر أو الزائد على نفقة الحضر؟ والرافعي قرب الخلاف هنا من الخلاف [ثم] من غير بناء، وصحح الأول.
وهل يعطى نفقة المقام على القتال والمحاصرة؟ أطلق الإمام وغيره القول بإعطائه ذلك، وقال القاضي الحسين: إن ذلك على قولنا: إنه يعطى جميع النفقة، أما إذا قلنا: لا يعطى إلا ما زاد [على نفقة المقام] فلا يتصور للمقام هناك نفقة.

قلت: وفي هذا نظر؛ لأن النفقة تختلف قيمتها باختلاف [الأماكن وبالقرب والبعد، كما تختلف باختلاف] الزمان حراً وبرداً؛ فما ذكره متجه إذا تساوت قيمة ذلك موضع مقامه على القتال [وموضع مقامه في غيره، أما إذا كانت قيمة ذلك موضع مقامه على القتال] أكثر- وهو الغالب – فينبغي أن يعطى القدر الزائد على هذا القول أيضاً.
ثم على الوجهين: القياس يقتضي أن [لا] يعطي نفقة [أهله حيث يعطى] نفقة نفسه، [وقد سكت] عنه المعظم، وعن بعض شروح "المفتاح": أنه يأخذ نفقته ونفقة عياله ذهاباً ومقاماً ورجوعاً.
قال الرافعي: وذلك غير بعيد؛ لأننا ننظر في استطاعة الحاج إلى قدرته على ذلكن ولا اتجاه له على قولنا: لا يعطى إلا ما زاد على نفقة المقام.
وحكم الكسوة فيما ذكرناه حكم النفقة.
ثم المراد بما يعطاه من السلاح وغيره: قيمة ذلك لا عينه، كما قاله البندنيجي وغيره من العراقيين؛ حيث قالوا: لا يعطيهم الإمام بهيمة من خيل ولا بغل ولا حمار ولا سلاح؛ لأن ذلك لا يؤدَّى من الزكاة، ولا يجوز أن يشتري لهم ذلك من مال الصدقات، وإنما يعطي لهم مالا يشتري به الغازي ذلك لنفسه، وهذا [ما] حكاه الرافعي وجهاً عن رواية الحناطي، وقال القاضي أبو الطيب: عندي: [أنه] إذا استأذنه الإمام في شراء الفرس والسلاح، [و] اشتراه له من غير أن يدفع إليه حقه –جاز؛ لأن الإمام وكيل لمستحقي الصدقات، فإذا قبض فكأنهم قد قبضوا؛ فإذا أذنوا له في شراء ذلك مما قبض جاز.
وأطلق المراوزة القول بأن للإمام أن يشتري ذلك ويدفعه إليه عارية، أو يملكه إياه إذا رأى ذلك، وله أن يستأجر ذلك ويدفعه إليه [أو يستعيره]، وله أن يشتري ذلك

من سهم الغزاة وينفقه لهذه المصلحة، صرَّح به الفوراني وغيره.
فروع: إذا جاء شخص، وادعى أنه يريد الغزو – دفع إليه.
وهل يحلف؟ فيه وجهان في "البحر": أحدهما: نعم، وبه قال أبو إسحاق [المروزي].
والثاني: لا؛ لأنه [إن] لم يغز استرجع منه، وأيضاً: فالإمام هو الذي يعينه ويعطيه بعد التعيين عند الخروج، فإن غزا فقد استحق ما قبضه، وإن لم يغز، أطلق ابن الصباغ والبندنيجي وغيرهما القول بأنه يسترد منه [ما أخذ، وقال الماوردي: [إنه] إن لم يتصل بدار الحرب استرجع منه] وإن رجع بعد ما وصل إليها: فإن قاتل غيره [ولم يقاتل هو فكذلك الحكم، وإن لم يقاتل غيره]؛ لبعد العدو منهم؛ فرجعوا، استحق.
[و] قال الرافعي فيما إذا مات في الطريق، أو امتنع من الغزو: استرد منه [ما بقي.
وهذا يدل على أنه لا يسترد منه] جميع ما أخذ، وهو مخالف لما تقدم، وظاهرٌ في حالة موته.
وهذا كله فيما إذا خرج لأجل الغزو، فلو لم يخرج بعد ما أخذ، وكذلك ابن السبيل لو لم يخرج بعد ما اخذ – استرد منه؛ لأن جهة الاستحقاق لم تحصل، وإلى متى يحتمل تأخير الخروج؟ قال الرافعي: أهمل المعظم التعرض له.
وفي "أمالي" السرخسي: أنه يجوز تأخير الخروج يومين وثلاثة، فإن انقضت الثلاثة ولم يخرج، حينئذ يسترد، قال: ويشبه أن يكون هذا على التقريب وأن يعتبر ترصده للخروج، وكون التأخير لانتظار الرفقة أو إعداد الأهبة ونحوهما.

ولو غزا ثم [فضل مما] أخذه فضلة أطلق ابن الصباغ والبندنيجي وغيرهما القول بأنه لا يؤخذ منه؛ فإنا إذا دفعنا إليه الكفاية فالفاضل من تضييقه على نفسه.
[وقال الرافعي: الحكم كذلك فيما إذا كان الفاضل يسيراً أو كثيراً وقد قتر على نفسه]، أما إذا لم يقتر على نفسه [فيسترد منه]؛ لأنه تبين أن المعطى فوق الحاجة، وأنه أخطأ في الاجتهاد.
قال: والثامن: ابن السبيل، وهو المسافر، أي المار بنا في سفره من غير نية الإقامة عندنا؛ سمي بذلك لملازمته السبيل – وهو الطريق – كملازمة الطفل أمه، قال البندنيجي: وهو اسم جنس.
قال: أو المريد للسفر، أي من وطنه أومن بلد هو مقيم فيه – ملحق بابن السبيل، وهو الأولى؛ لشمول المعنى الذي لأجله صرف لابن السبيل؛ فإن ابن السبيل يعطي لما ينشئه من السفر [لا] لما مضى منه؛ فاستوى فيه المجتاز والمنشئ؛ لأن لكل واحد منهما مبتدأ، ولأن المسافر لو دخل بلداً ونوى إقامته خمسة عشر يوماً، صار في حكم المقيمين من أهله، ولو أراد الخروج منه لجاز الصرف له بوفاق الخصم؛ فكذلك كل مقيم منشئ.
فإن قيل: كيف يسمى من لم يسافر مسافراً؟ قيل: كما يسمى من لم يحج حاجًّا، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة:282]، وهما لم يشهدا بعد.
قال: في غير معصية، هذا التقييد ليس راجعاً إلى بيان ابن السبيل المطلق، وإنما المراد بيان لابن السبيل المراد بالآية؛ لأن القصد بما يدفع إليه من الزكاة: إعانته على سفره وبلوغه مقصده، وإذا كان سفره معصية لا يليق بحاله الدفع إليه؛ كي لا يعان على المعاصي؛ فتعين أن يكون المراد به ما عداه، وهو ينقسم إلى: سفر واجب: كالسفر للحج، والعمرة وإذا قلنا بوجوبها، والجهاد – كما قال

البندنيجي- والهجرة.
وإلى سفر هو طاعة كالتطوع بالحج والعمرة، وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والوالدين، وطلب العلم، ونحو ذلك.
وإلى سفر هو مباح: كالسفر للتجارة، والنزهة والتفرج، كما قال البندنيجي وصاحب "البحر".
وقضية ما ذكرناه: الإعطاء للجميع، وذهب بعض الأصحاب إلى اختصاص الاسم فيما نحن فيه بمن سافر سفراً واجباً أو طاعة، دون من سافر [سفراً] مباحاً؛ لأن عنه غنية.
والأصح الأول.
وذكر الرافعي الخلاف في السفر المباح ما سوى سفر النزهة، وقال: إذا قلنا: إنه كسفر الطاعة، ففي سفر النزهة خلاف؛ لأنه ضرب من الفضول، قال: والظاهر أنه ملحق بغيره من المباح، وحينئذ يكون في السفر المباح ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كان سفر نزهة لم يلحق بسفر الطاعة، وإلا ألحق به.
وسلك الماوردي في السفر المباح طريقاً آخر، فقال: إن كان لغير حاجة – كالسفر للنزهة والتفرج – فلا يجوز أن يعطى وإن أبيحت له الرخص؛ لأن مال الصدقات مصروف إلى ذوي الحاجات.
نعم، لو سافر للنزهة بماله، ثم انقطعت به النفقة لعوده- جاز أن يعطى لحاجته وضرورته.
وإن كان سفره لحاجة ماسة: كالسفر في طلب غريم هرب، أو عبد أبق، أو جمل شرد فهذا يعطى؛ لشدة حاجته.
وإن كان سفره لحاجة لكنها غير ماسة، كالسفر في تجارة – ففي جواز إعطائه وجهان حكاهما الإمام أيضاً عن رواية صاحب "التقريب" والشيخ أبي علي.
ثم قال: ولا شك أن هذا مفروض فيما إذا كان ماله غائباً وهو يبغيه ليتجر، وقد حكى عن أبي إسحاق أنه قال: يجوز أن يعطى للعاصي بسفره ما يسد الرمق في الحال، ولا يعطى ما يسافر به، إلا أن يبقى منقطعاً به؛ فيعطى إذا أراد الرجوع إلى وطنه وإن كان أصل سفره معصية.
قلت: ويجيء وجه آخر: أنه لا يعطى حتى يتوب، كما قاله الشيخ أبو محمد في

المضطر: لا تباح له الميتة، ويقال له: تب وكل.
نعم، إذا تاب التحق في بقية سفره بالمسافر سفراً مباحاً، والمنقول في "الحاوي": أنه يصرف إليه.
قال: فيدفع إليه ما يكفيه، أي: من نفقة وكسوة، على حسب ما يقتضيه الحال من شتاء وصيف، في [خروجه و] رجوعه، أي: إذا كان على قصد العود، وليس في المقصد ولا دونه مال يغنيه عن الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 177]. وقيل: لا يعطى للرجوع [شيء في ابتداء سفره؛ لأنه سفر آخر، وإنما يعطى عند ابتداء الرجوع.
وقيل: إن عزم على أن يصل الرجوع بالذهاب أعطي للرجوع]، وإن عزم على أن يقيم هناك مدة لم يعط، ولو عزم على الإقامة مطلقاً لم يعط للرجوع بالاتفاق، وقد سكت الشيخ – رحمه الله – عن كفايته في مدة مقامه وغيره.
قال: إن لم تزد مدة مقامه على مدة مقام المسافرين، وهي ما دون أربعة أيام- دفعت له، وألا فلا، وعن صاحب "التقريب": أنه [إن] أقام لحاجة يتوقع زوالها أعطي، وإن زادت إقامته على إقامة المسافرين.
قلت: وكأنه ذكر هذا تفريعاً على أن من أقام في بلد لقضاء حاجة، ولم ينو الإقامة-أنه يقصر [أبداً]، وإذا كان هذا المأخذ وجب أنا يعطى [كفايته – والصورة هذه – إلى ثمانية عشر يوماً، كما قلنا في القصر على قولٍ آخر.
ويعطى] مع الكسوة والنفقة المركوب إن كانت المسافة مسافة القصر؛ لأن ذلك من جملة الكفاية، إلا فلا يعطى إلا أن يكون [غير] قادر على المشي لكبر أو ضعف، هكذا أطلقوه، وسكتوا عن التعرض لاعتبار مسافة القصر ذهاباً أو ذهاباً وإياباً؛ اكتفاء بما ذكروه في غير هذا الموضع، ومحله باب صلاة المسافر،

وسنذكره [ثم] إن شاء الله.
وقد ذكر أبو الفرج السرخسي في "أماليه" في كيفية تهيئة المركوب: أنه إن ضاق المال فيعطى كراء المركوب، وإن اتسع فيشترى له المركوب.
فإن قلت: هل يجري ما قاله العراقيون في الغازي من منع شراء المركوب له دون إذنه هاهنا إذا كان [في] المال متسع؟ قلت: ينبغي أن ينبني ذلك على أنه إذا اشتُرِي له المركوب – كما قاله السرخسي –عند اتساع المال، وزال السفر: هل يسترد منه؟ وفيه وجهان: فإن قلنا: لا يسترد، [لم يبعد أن يلحق ابن السبيل بالغازي في ذلك.
وإن قلنا: يسترد] – كما أجاب به عامة الأصحاب – امتنع إلحاق ابن السبيل بالغازي، وجاز الشراء دون إذنه؛ لأنه مستعار معه، بخلاف الغازي؛ فإنه مالك فيبعد [تمليكه] غير المال الزكاتي عن الزكاة بدون إذنه، والله أعلم.
وقد اقتضى كلام الشيخ – رحمه الله – أن المعطى لابن السبيل الكفاية بجملتها، وهو أصح الوجهين في "الرافعي"،ومقابله: أن المعطى [ما] زاد بسبب السفر – كما تقدم مثله في الغازي –وهو بعيد لا وجه له.
ثم ما ذكره الشيخ من إعطاء المسافر والمريد للسفر هو الطريقة المشهورة [،وهي] التي لم يورد العراقيون غيرها، وذهب بعض المراوزة إلى أن المريد للسفر يعطى، وأما المسافر المتجاز ففي جواز الصرف إليه قولان؛ بناء على القولين في جواز نقل الصدقة: فإن جوزناه جاز الصرف إليه، وألا فلا، وهو ما ذكر الإمام أنه ظاهر النص، وأشار بذلك إلى ما حكاه القفال عن الشافعي – رحمه الله – أنه قال: "ابن السبيل: من شخص [من] بلده، فأما من مر به فلا"، ولأجل هذا جزم

المسعودي بالمنع، والقائلون بالجواز قالوا: معنى قول الشافعي أن حقيقة اسم ابن السبيل ما ذكر، فأما في الحكم فهو والمجتاز سواء.
قال: ولا يدفع إليه حتى تثبت حاجته.
هذا الكلام [لم] أره هكذا - فيما وقفت عليه - لأحد من الأصحاب، بل المنقول في "تعليق" البندنيجي و"الحاوي" وغيرهما: أن المسافر-[و] هو المجتاز - إن ذكر أنه لا مال له في هذا البلد، ولم يعلم له أصل مال فيه - فالقول قوله، وهل يحلف؟ فيه وجهان في "البحر" تقدم ذكرهما، ولا [يضره كونه] له مال في بلده أو في أثناء طريقه في منع صرف ما يكفيه إلى وصوله [إلى] ماله.
وإن عرف له مال فيه، أو قال: إنه كنا له فيه مال، وتلف - لا يقبل قوله في ذلك، ولا يصرف إليه شيء إلا بالبينة كما تقدم نظيره، فلعل هذا مراد الشيخ، أو إذا قلنا: إنه يحلف في الحال الأولى وجوباً.
وأما المريد للسفر فقد قالوا: هو والفقير سواء؛ لأنه لا يعطى إلا مع الفقر مطلقاً في الموضع الذي أراد السفر منه، وفي بلده، كما أفهمه كلام البندنيجي لمن وقف عليه، وعلى هذا قال الماوردي: إن أراد من اتصف بما ذكرناه أن يأخذ من سهم الفقراء أو المساكين أو أبناء السبيل، دفع إليه.
وقد تحرر مما ذكره الشيخ أن من يأخذ من الزكاة مع الفقر [دون الغنى] خمسة: الفقير، والمسكين، والمكاتب، والغارم لمصلحة نفسه، وابن السبيل المنشئ للسفر من عندنا - كما قاله البندنيجي - والذي يأخذ مع الغنى والفقر خمسة: العامل، والمؤلفة، والغارم لإصلاح ذات البين، والغازي، وابن السبيل المجتاز بنا.
فإن قلت: الأصناف ثمانية، وقد خرجوا في هذا التفصيل [عشرة].

قيل: لأن الغارم على ضربين، وابن السبيل على ضربين؛ فلهذا زاد التفصيل صنفين، والله أعلم.
قال: فإن فضل منه شيء، أي: لتقتيره على نفسه، أو لغير ذلك – استرجع منه؛ لأنه إنما أخذ لحاجته وقد زالت بتمام السفر، بخلاف الغازي؛ فإنه يأخذ لحاجتنا إليه؛ ولذلك دفعنا إليه مع الغنى، وقد حصلها.
ومنهم من ألحق ابن السبيل بالغازي في عدم الاسترجاع، وهو ما أبداه الحناطي احتمالاً، ونسبه الشيخ أبو الفرج إلى النص، وعكس هذا: لو أُعْطِي ما يكفيه إلى غاية قدرها [ثمانية فراسخ]، فسافر شطر المسافة، ثم ترك السفر وقد أنفق جميع ما قبضه في تلك المسافة – نظر: فإن كان قد فعل ذلك [لغلاء سعر أو] زيادة مؤنة، لا يسترجع منه شيء، وإن كان لسرف في شهوة، أو استكثار، استرجع منه نفقة الباقي من سفره.
قال: وإن فقد صنف من هذه الأصناف، أي: من الوجود – وفَّر نصيبه على الباقين؛ لأنه لا يجوز أن يرد إلى رب المال يتصرف فيه؛ لأن الصدقة وجبت عليه طهرة له؛ فلا يجوز تركها عليه؛ لأن ما يصرف إلى الشخص لا يكون مطهراً له؛ ولهذا لو لم توجد جميع الأصناف لا تسقط عنه الزكاة.
قال في "التتمة": وخالف ما نحن فيه ما لو أوصى لرجلين، فرد أحدهما –يكون المردود للورثة [دون الثاني؛ لأن المال للورثة] لولا الوصية، والوصية تبرع رخص فيه، فإذا لم يتم أخذ الورثة المال، ولا يجوز أن يرد إلى سائر الناس؛ لأنه لم يوجد فيهم معنى الاستحقاق؛ فتعين الصرف لباقي الأصناف؛ لأنهم [مشاركون للذين] عدموا في الصدقات فكانوا أولى.
فإن قيل: أليس قلتم: إنه إذا خلف الميت ذا فرض لا يستغرق لا عصبة له يرد الباقي إلى بيت المال؛ ولا يرد على ذوي الفروض؛ فهلا قلتم هنا كذلك؟!

قلنا: بيت المال عصبة الميت؛ لأنه لجميع المسلمين، وهم عصباته؛ فحلوا محل عصبته، وهاهنا ليس فيهم معنى الاستحقاق؛ فافترقا.
ولا فرق في الصنف المفقود بين أن يكون العامل أو المؤلفة أو المكاتبين أو غيرهم، حتى إذا كان غير [العامل فض] المأخوذ على سبعة، وقوبل السبع بأجرة العامل كما تقدم.
وإن كان المفقود العامل؛ لتفرقة رب المال الزكاة بنفسه – قسم المأخوذ على سبعة على المشهور، ووراءه، وجان: أحدهما – حكاه الحناطي عن النص -: أنه يسقط في هذه الصورة سهم المؤلفة أيضاً، وتكون القسمة على ستة أسهم، وهو هكذا في "فتاوى" القفال، ولعله أشار بذلك إلى نصه في "الأم"؛ فإن الماوردي حكى في صدقة الفطر أن الشافعي قال في "الأم": إذا تولى رب المال إخراج صدقة الفطر [فرقها في] ستة أصناف، وسقط عنه سهم العاملين والمؤلفة وادعى الإمام في أول باب كيف تفريق قسم الصدقات: أنه [الرأي] الظاهر.
والثاني – حكاه الحناطي أيضاً عن أبي سعيد الإصطخري -: أنه يجوز الصرف في هذه الحالة إلى ثلاثة من الفقراء، والمشهور نسبة هذا القول إليه في زكاة الفطر.
ولو فقد الصنف في بلد المال، ووجد في غيره: فإن كان المفقود العامل؛ فالحكم كما تقدم، وإن كان غيره: فإن كان نصيب الموجودين [قدر كفايتهم، نقل نصيب المفقودين في البلد إلى الذي وجدوا منه في غيره، قاله البندنيجي، وإن كان نصيب الموجودين] دون كفايتهم؛ ففيه ثلاث طرق: [إحداها] – حكاها الماوردي -: أنه ينظر: فإن كان المفقود الغزاة نقل سهمهم إلى الغزاة الذين يوجدون في الثغور وغيرها؛ [لأنهم يكثرون في الثغور] ويقلون في غيرها، فلم يكتفوا بسهمهم من صدقات بلادهم.
وإن كان المفقود غيرهم فهل يصرف إلى الموجودين من باقي الأصناف، أو ينقل إلى ذلك الصنف حيث كان؟ فيه وجهان.

والثانية: إجراء الوجهين في جميع الأصناف؛ بناء على القولين في جواز النقل: فإن قلنا: يجوز، جاز هاهنا، وألا فلايجوز.
وهذه طريقة أبي علي بن أبي هريرة، وقد صحح الأول منهما الغزالي والرافعي والقاضي أبو الطيب في أثناء كلامهن وصحح الثاني القاضي الحسين غيره.
والثالثة – حجاها ابن الصباغ والقاضي الحسين وغيرهما-: أنه يجوز النقل في هذه الحالة قولاً واحداً، وهذا القائل يعتبر المستحقين؛ لأن استحقاقهم ثبت بنص الكتاب، ومنع النقل ثبت بالاجتهاد؛ فإذا تعارضا كان تغليب ما ثبت بالنص أولى من تغليب ما ثبت بالاجتهاد، والقائل قبله اعتبر المكان، وتعلق بأن الاعتبار بالمكان الذي هو فيه؛ ألا ترى أن المسافر إذا عدم الماء في موضعه تيمم وإن كان موجوداً في غيره؟! وقد فرَّع الرافعي على الوجهين في هذه الصورة فقال: إن قلنا: ينقل، فينقل إلى أقرب البلاد إليه، فإن نقله إلى غيره أو لم ينقله وردَّه على الباقين، ضمن.
قلت: وفي ضمانه إذا نقل إلى غير الأقرب نظر؛ لأنا إذا قلنا: إن النقل مفرع على القول بجواز النقل – كما هي طريقة ابن أبي هريرة – فكيف يمكن تضمينه مع أنه

فعل ما هو جائز له؟! وإذا قلنا: إنه ينقل، فكذا [هذا] هنا، وإن منعنا النقل فينبغي أن يكون في ضمانه الخلاف السابق فيما إذا قلنا: لا يجوز النقل، فنقل.
قال: وإن قلنا: لا ينقل، فلو نقل، ضمن.
وابن الصباغ قال في هذه الصورة- تبعاً للقاضي أبي الطيب – في ضمانه القولين فيما إذا قلنا: لا يجوز نقل الزكاة فنقلها، وذلك يؤيد ما ذكرناه، وقد أشار الإمام إلى عدم الضمان إذا قلنا: إن النقل هاهنا مفرع على القول بجواز النقل مطلقاً، وقال: إذا قلنا: إنه جائز هاهنا فقط، فيتعين النقل إلى أقرب موضع وجد فيه الصنف إذا كان على دون مسافة القصر، [وكذلك إن كان على مسافة القصر عند الجمهور، حتى لا يجوز أن ينقل إلى أبعد منهم.
وذهب بعض الأصحاب [إلى] أنه إذا احتاج إلى النقل إلى مسافة القصر] [زال الحرج]، وينقل [إلى] حيث شاء، والأصح الأول.
قال: والمستحب أن يصرف صدقته إلى أقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم؛ لما روى الترمذي عن سلمان بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " [الصَّدقة] على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرَّحم ثنتان: صدقةٌ، وصلةٌ"،وروي أنه – عليه السلام – قال: "أفضل

الصَّدقة أن تتصدَّق على ذي الرَّحم الكاشح"، [والكاشح:] الذي يعاديك ويغتابك ويقع فيك إذا غبت، كذا حكاه القاضي الحسين في صدقة الفطر.
قال الشافعي: "ولأنه أعلم بحال قريبه منه بحال غير قريبه؛ فكان صرف الصدقة إليه أفضل"؛ ولهذه العلة استحببنا عند فقد الأقارب صرفها إلى جيرانه، وقد تقدم حكاية وجه في تعين الصرف لهم عند اتساع البلد، ومنع النقل إن كان رب المال هو المفرق.
[و] قال القاضي الحسين في صدقة الفطر: ويستحب أن يقدم ذا الرحم المحرم ثم ذا الرحم غير المحرم، [ثم المحرم] بالرضاع، ثم بالمصاهرة، ثم الجيرة بعد ذلك.
أما أقاربه الذين تلزمه نفقتهم فلا يجوز أن يعطيه من سهم الفقراء والمساكين، وكذا من سهم المؤلفة؛ لأن نفقتهم إنما تلزمه عند فقرهم، وحينئذ فدفعه يسقط النفقة عن نفسه كما يسقطها الصرف إليه من سهم الفقراء.
ولا يجوز أن يعطيهم من سهم أبناء السبيل ما يحتاج إليه سفراً وحضراً؛ فإن هذا القدر هو المستحق عليه بسبب القرابة، ويجوز أن يعطيهم منه الزائد على نفقة الحضر؛ لأن ذلك لا يلزمه بالقرابة، وكذا يجوز أن يعطيهم من سهم الغارمين والمكاتبين والغزاة، قال الرافعي: والعاملين إذا كانوا بهذه الصفات.
وقال البندنيجي بعد حكايته عن الأصحاب أنه يجوز أن يعطيهم من سهم العاملين: إن هذا غير صحيح؛ لأنه لا يتصور أن يدفع رب المال نصيب العاملين من زكاته؛ ولأجل ذلك قال ابن الصباغ: يجوز أن يعطي من سهم العاملين وإنما يكون بدفع الإمام دون دفعه.
وهذا كله إذا كان القريب حيًّا، فلو مات بعد وجوب الزكاة عليه فهل للإمام

صرفها إلى أقاربه الذين [كانت] تلزمه نفقتهم بسبب فقرهم، أو لا يجوز؟ الذي ذكره القاضي الحسين: المنع، وقال في "البحر" قبل [كتاب] زكاة الفطر: ويحتمل أن يقال: يجوز؛ لأن شبهة استحقاق النفقة غير موجودة.
ومن تلزمه نفقته بسبب الزوجية صرفه إليه كصرف الأجنبي له، صرح به الإمام، وقد تقدم حكاية وجهين في جواز صرف الأجنبي شيئاً لزوجة غيره من سهم المسكنة، ومقتضى قول الإمام جريانهما هاهنا، ونص الشافعي [على المنع، وبه جزم الماوردي] وغيره.
نعم، يجوز أن يصرف إليها من سهم المكاتبين والغارمين بلا خلاف، ولا يجوز من سهم الغزاة؛ لأنها لا تصلح لها، وهل يجوز من سهم المؤلفة؟ قال في "التتمة": يجوز.
وهو ما أبداه الإمام احتمالاً حيث قال: لو قيل: تُعطى، لكان مذهباً؛ لأن ما يقصد من حسن إسلام الرجل وترغيب قومه في الإسلام موجود في المرأة.
وقال الشيخ أبو حامد في "التعليق": لا يجوز؛ لأنها لا تكون من المؤلفة.
قال الرافعي: والأول هو المنقول.
وطرد الشيخ أبو حامد [المنع في] [صرف] سهم العامل إليها، وكذا الماوردي، وإن كان كلامه السابق بخلافه.
والصرف من سهم سبيل الله إليها يتوقف على معرفة كيفية سفرها: فإن كان وحدها بإذنه في حاجتها، فإن أوجبنا نفقتها على الزوج، أعطيت مؤنة السفر الزائدة على نفقة الحضر، وإن لم نوجب نفقتها على الزوج، قال الرافعي وغيره: أعطيت جميع كفايتها.
قلت: وهو تفريع على الصحيح في أن ابن السبيل يعطى جميع كفايته، كما تقدم.
وللإمام احتمال في جواز الصرف إليها إذا كانت قادرة على الرجوع في زمان مكثها مع قدرتها على العود، قال: والأظهر ما ذكره الأصحاب؛ فإنه إذا جاز لها

المكث، فإذا مكثت فليس العود إلى الزوج ممكناً في ذلك اليوم، وكذلك كل يوم يأتي.
قال: ويتطرق إلى أصل المسافرة احتمال آخر؛ فإنها وإن خرجت بالإذن فهي المتسببة إلى إسقاط النفقة.
وإن [كان] السفر بغير إذنه فلا تعطى من سهم أبناء السبيل؛ لأنها عاصية بسفرها، وتعطى من سهم الفقراء والمساكين، بخلاف الناشزة [وإن [كانت] عاصية بالنشوز مسقطة لنفقتها في الموضعين؛ لأن الناشز] تقدر على العود إلى الطاعة، والمسافرة لا تقدر على ذلك.
نعم، لو تركت سفرها وعزمت على أن تعود إليه أعطيت من سهم أبناء السبيل.
ويؤخذ من كلام الإمام احتمال في جواز الصرف إليها من جهة انتسابها إلى النشوز في أول الأمر، وهو يداني ما مر: أنا من لزمه الدين بسبب الاستنفاق في معصية، هل يقضي دينه من سهم الغارمين [أم لا؟ ولو كان سفرها وحدها لحاجته بإذنه، قال الماوردي: فهو كما لو سافرت معه] بإذنه، والحكم في هذه الحالة: أنها لا تعطى من سهم أبناء السبيل؛ لأنها مكفية المؤنة بالزوج، كذا قاله الرافعي وغيره.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن الحكم كذلك إذا كان سفرها معه بإذنه لحاجته، فلو كان في حاجتها جاز أن يعطيها القدر الذي يزيد على نفقتها في الحضر، وكذا مركوبها.
وإن كان سفرها معه بغير إذنه فالنفقة عليه؛ لأنها معه، قاله ابن الصباغ والرافعي، [وقال] القاضي الحسين: أنها لا تعطى مؤنة السفر؛ لأنها عاصية بالخروج.
ويجوز للزوجة أن تصرف صدقتها إلى زوجها، بل يستحب كما حكاه الماوردي في باب صدقة الفطر؛ لقوله – عليه السلام – لامرأة ابن مسعود حين سألته [عن

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل