كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الصورة المتقدمة لضرورة التبعيض لا غير، فإن لم يكن [بد] من تخريج المسألة الأخيرة على الخلاف فلعل الأقرب في التعليل: أن الزكاة وإن لم تتبعض في الصورة التي ذكرناها، فالغنم نامية وهي سريعة المصير إلى مبالغ يقتضي الحساب تشقيص واجبها على التفريق، وذلك يعسر ضبطه؛ فيجوز النقل لحسم هذا الإمكان.
قال: ولو كان له عروض تجارة ببلدة ومال تجارة [في] أخرى، ورأس المال دراهم – فيجب القطع بأنه يخرج زكاة كل مال حيث هون ولا يجوز النقل على منع النقل؛ فإن التبعيض لا وقع له في الدراهم بوجه؛ ولذلك لم يثبت عند الشافعي – رحمه الله – [للدراهم] وقص بعد الوجوب، وهو ظاهر لا ريب فيه، و [به] يظهر بطلان التعليل بأن له بكل بلدة علقة في الجنس الواحد الزكاتي.
ولو كان النقل إلى طائفة من أصناف الزكاة الذين فارقوا بلد المال، قال الإمام قبل باب كيف تفريق قسم الصدقات بورقة: وينبني ويتجه أن الذي ذهب إليه الأصحاب جواز ذلك: تعويلاً على الآخذين.
وهذا إذا انتقل جملة المستحقين، فأما إذا كان في المقيمين في وطن المال مقنع، والمنتقل طائفة منهم – قال: فالقياس جواز النقل إلى الذين خرجوا، وحبس بعض أصحابنا في هذه الصورة على الخصوص؛ فلم يجوز النقل، وهو فاسد لا أصل له.
نعم، اضطرب الأصحاب فيما لو خرج طائفة مسافرين، وغابوا في جميع السنة، ولم يشهدوا بلد المال –فهل يجوز إخراج حصصهم إليهم؟ منهم من جوز ذلك؛ لأنهم وإن غابوا فنهم من أهل البقعة، ومنهم من منع وشرط أن يحضروا وطن المال في سنة الزكاة.
ولو شهدوا في بعض السنة وغابوا قبل انقضائها فهذا مرتب على الصورة قبلها، وأولى بجواز الإخراج إليهم.
ولم يختلف علماؤنا أنهم لو غابوا معظم السنة، وشهدوا منقرض الحول ووقت وجوب الصدقة - جاز الصرف إليهم، ولا حكم للغيبة السابقة وإن منعنا النقل.
ولو خرجوا على قصد الانتقال قبل وجوب الصدقة وانقضاء السنة، لم يجز النقل إليهم إذا فرّعنا على منع النقل.
وقال ابن الصباغ في باب كيف تفريق قسم الصدقات: إذا كان في البلد صدقات، وفي سواه من هو من أهلها على مسافة لا تقصر فيها الصلاة- كان كالحاضر في البلد.
وهذا قول أبي الطيب في "تعليقه".
نعم، إذا كان في بلد بينها وبين الأول مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فلا تنقل الصدقة من أحداهما [إلى الأخرى؛ فإن أحداهما] لا تضاف إلى الأخرى فلا تنسب إليها، وهذا في "تعليق" أبي الطيب منسوب إلى أبي إسحاق المروزي، والله أعلم.
[قال الشيخ – رحمه الله]-: فإن نقل، أي: على قولنا بمنع النقل، إلى ما لا تقصر فيه الصلاة – فقد قيل: يجوز؛ لأنه في حكم الحضر بالنسبة إلى القصر ونحوه؛ ولهذا قال الشافعي – رحمه الله -: حاضرو المسجد الحرام: من كان داره أقرب إلى مكة من مسافة القصر، وإذا كان كذلك صار كما فرق وهو في محلة من البلد على [أهل] محلة أخرى.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه نقل إلى بلد آخر فأشبه ما لو نقل إلى مسافة القصر، [ولأن المعنى الذي لأجله منع من النقل إلى مسافة القصر] – وهو تضرر أهل السُّهمان من أهل البلد وانكسارهم – موجودٌ فيما إذا كان النقل إلى دونها؛ فكان كهي، ويخالف الرخص؛ فإنها تتعلق بالسفر للمشقة، وهذا ما صححه العراقيون، وقال الإمام تبعاً للقاضي: إنه المذهب، والأول بعيد لا اتجاه له، وهو يؤدي إلى دفع القول بمنع النقل الذي عليه نفرِّع؛ لأنا إذا جوزنا النقل إلى قرية على فراسخ فتلك القرية محل تفريق الصدقة، إذن فيجب تجويز النقل منها أيضاً إلى قرية على [مثل] تلك المسافة؛ فإن القرية الأولى التحقت بالبلدة وكونها
محل تفرقة الصدقة، وهكذا.
وما قاله فيه نظر ظاهر.
ثم على الثاني: يكون الواجب الصرف لأهل السهمان الذين أحاط بهم بنيان بلد المال، لا من خرج عنه، كذا قاله الماوردي.
ثم إن كان البلد واسعاً كالبصرة وبغداد، كان جيران المال من أهل البلد أخص به من غيرهم، وهل يكون ذلك [من طريق الأولى أو] من طريق الاستحقاق؟
قال في "الحاوي": فيه وجهان، ووجه الثاني قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36] والجار ذو القربى: الجار القريب، والجار الجنب: البعيد في نسبه، فاعتبر في القريب والبعيد الجوار.
وقال في باب كيف تفريق الصدقات: إن الأول هو الظاهر من قول البغداديين، وهو الأصح، وإن الثاني قول البصريين، وإذا قلنا به كان جيرانه: [من] أضيف إلى مكانه من البلد، وقيل: إنهم إلى أربعين داراً من داره.
وهو المذكور في غيره، فلو صرف إلى من بعد أثم، وإن كان في البلد ناقلاً للزكاة.
ولو كان البلد صغيراً فجميع أهله جيرانه.
وهذا إذا كان رب المال هو المفرّق، فإن كان الإمام أو نائبه فكل أهل البلد الكبير والصغير في ذلك سواء؛ لما في اعتبار ذلك في حق الإمام من المشقة مع كثرة الأموال في يده.
وهذا حكم أهل البلاد والقرى، وأما أهل الخيام: فإن كانوا في موضع من البادية مستقرين، وكانوا لا يبرحون منه إلا براح الحضري من الحضر ثم يعود إلى مقره فإن منعنا النقل فلهؤلاء الصرف إلى من هو منهم إلى مسافة تقصر عن مسافة القصر؛ فإنه ليس في البادية من اسم بلدة وخطة قرية؛ فكان أقرب معتبر ما ذكرناه.
قال الإمام: وذكر العراقيون هذا، وذكروا وجهاً آخر: وهو أن الحلّة إذا حلت قطراً لم يجز أن ينقلوا الصدقة من تضاعيفهم فيتميز [مخيمهم] عن مخيم الحلة الأخرى كتميز القرية يخطئها عن الخطة الأخرى.
قال: وهذا لا بأس به، والأشهر الأول.
وإن كانوا لا يقطنون بموضع بل ينتجعون الماء والكلأ، فإن كانوا متفرقين كان
موضع الصدقة من عند المال إلى قبل المكان الذي تقصر إليه الصلاة، ولا يجوز الصرف لمن في مسافة القصر، وإن كانوا في حلل مجتمعة.
فمنهم من قال: الحكم كما [لو] كانوا متفرقين، والثاني: أن كل حلة كبلدة.
وهذا إذا كان أهل السهمان ينتجعون معهم.
وللإمام احتمال في المسألة وقال: [إن] [في] كلام العراقيين إشارة إليه من قبل أن منع النقل في حكم التعبد الذي لا يستقيم فيه معنى على السير، وإنما وردت الأخبار والآثار في المقيمين، وهؤلاء مسافرون.
[قال: وإن حال الحول والمال ببادية، أي: وليس فيها فقراء، والتفريع على منع النقل أيضاً – فرَّقها على فقراء أقرب البلاد إليه؛ لأنه غاية الممكن.
والتعبير هاهنا بالفقراء عن أهل السّهمان بلا خلاف؛ إذ لا يمكن حمله على حقيقته، وإن أمكن حمله فيما تقدم عليها، أما إذا كان بها فقراء – ولو مجتازين مع المال – تعين الصرف لهم].
قال: وإن وجبت عليه زكاة الفطر، أي: عن نفسه في بلد، وماله في غيره – ففيه قولان:
أحدهما: أنها تجب لفقراء بلد المال كزكاة المال.
والثاني: تجب لفقراء موضعه، وهو الأصح؛ لأن زكاة الفطر تتعلق بعينه فأشبه المال في زكاة المال.
أما إذا وجبت عليه زكاة الفطر عن غيره، قال في "الروضة": [فالظاهر أن الاعتبار] ببلد المؤدي عنه.
وقال [في] "البيان": الذي يقتضيه المذهب: أن ينبني ذلك على الوجهين في أنها تجب على المؤدّى ابتداءً أم على المؤدي عنه؛ فتصرف ببلد من تجب عليه ابتداء، والله أعلم.
تنبيهات:
أحدها: حيث يجوز النقل أو يجب فالمؤنة على رب المال، قال الرافعي: ويمكن
أن يخرج فيه الخلاف المذكور في أجرة الكيال.
وللإمام في ذلك كلام سنذكره في آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
الثاني: هل الخلاف في جواز النقل ومنعه مخصوص بما إذا كان رب المال هو المفرق، أو يجري وإن كان المفرق الإمام؟ حكى الإمام فيه احتمالين لنفسه، وقال الرافعي: ربما اقتضى كلام الأصحاب الطرد، وهو الذي فهمته من كلام الماوردي السابق وكلام غيره.
قال: وربما دلَّ على أنه يجوز له النقل والتفرقة كيف شاء، وهذا أشبه.
الثالث: الخلاف في جواز نقل الزكاة هل يجري في نقل الوصية إذا أطلقت للفقراء أو للأصناف وفي الكفارات؟ فيه طريقان:
أحدهما: لا؛ لأن ذلك غير راتب فيطمع الفقراء فيه.
والثاني: نعم.
وهي التي أوردها الفوراني، والنذور ملحقة بالكفارات، وربما بنيت على أن النذر يسلك به مسلك جائز الشرع أو واجبه؟ والظاهر فيما عدا الزكاة جواز النقل؛ [لما ذكرناه].
وزكاة الفطر ملحقة بها إذا قلنا: يجوز صرفها إلى ثلاثة من الفقراء، قاله الإمام، والله أعلم.
قال: ولا تصح الزكاة، أي: عن المكلف، حتى ينوي – للخبر المشهور – أنها زكاة ماله، أو زكاة واجبة؛ لأنها عبادة ودعامة من دعائم الإسلام تتنوع [فرضاً ونفلاً]؛ فكان التعيين فيها شرطاً كالصلاة والصوم.
قال: وقيل: إن دفع إلى الإمام- أي المال، [وقال فرِّقه على الفقراء، كما قال أبو الطيب] – أجزأه من غير نية، [أي]: تصدر منه [أو من] الإمام، كما قال الماوردي القاضي الحسين، لأن الإمام لا يأخذ إلا الواجب فاكتفى بهذه القرينة عنها، وهذا ما صححه الماوردي وابن الصباغ، وقال البندنيجي: إنه المذهب، ولم يذكر كثير من العراقيين – كما قال الرافعي – سواه، وهو المنصوص؛ لأنه قال في
"المختصر": ولو أخذ الوالي من رجل زكاته بلا نية أجزأت عنه.
قال الشيخ- رحمه الله -: وليس بشيء؛ لأن الإمام نائب عن الفقراء؛ فكما لا يصح الدفع إليهم بغير نية رب المال فكذلك لنائبهم، وهو كما يأخذ الواجب يأخذ التطوع؛ لأنه أعرف بمواضع الحظ في الصرف.
والشيخ في ترجيح الأول، وكذا البغوي – رحمه الله – هاهنا: "يجزئه وإن لم ينو"، أراد به: إذا امتنع رب المال من أداء الزكاة، فأخذها الإمام قهراً من ماله؛ فإنه لا يحتاج فيه إلى نية، فهذا معناه.
وقال ابن الصباغ: ليس كذلك؛ لأنه قال في "الأم": إذا دفعها إلى الإمام يجزئه وإن لم ينو، طائعاً كان أو كارهاً؛ لأن أخذ الإمام كالقسم بين الشركاء فلا يحتاج [إلى نية].
[قلت: وقول القاضي: فإنه لا يحتاج فيه إلى نية]، يعني من رب المال، وإلا فقد قال قبل ذلك: إن الإمام ينوي عنه؛ للضرورة.
وقال البندنيجي: إنه لا يحتاج إلى نية، وتناول الإمام منه ذلك قهراً قائم مقام نية رب المال؛ لأنه إنما يقهره على ذلك بعد وجوبها؛ فلا يقع التناول إلا عن واجب.
والمراوزة قالوا: هل يجب على الإمام أن ينوي عنه؟ يبني على أن المأخوذ [منه] هل يجزئه أم لا؟ ولا خلاف أنه جزئه ظاهراً، بمعنى أنه لا يطالب بها ثانياً، وهل يجزئه باطناً حتى تسقط عنه في نفس الأمر؟ فيه وجهان حكاهما البندنيجي أيضاً، فإن قلنا: [لا] تسقط، لا ينوي عنه، وإن قلنا: تسقط، فهل ينوي عنه؟ فيه وجهان، ظاهر المذهب منهما: الوجوب؛ لأن الإمام فيما يليه من أمر الزكاة كولي الطفل، والممتنع مقهور كالطفل.
قال الرافعي: وهذا لفظ القفال في "شرح التلخيص".
وعكس في "البحر" ذلك فقال: إذا أخذت الزكاة كرهاً لا تجزئ في الباطن، وهل تجزئ في الظاهر؟ فيه وجهان، قاله بعض الخراسانيين، وهو كذلك في "الإبانة"، لكن
فيما إذا لم ينو الإمام، وقال فيما إذا نوى الإمام ما ذكرناه أولاً عن المراوزة: وأطلق الماوردي القول بأن الإمام إذا نوى ولم ينو رب المال أنه يجزئه، ووجهه بأن الإمام لا يأخذ من [رب] المال إلا ما وجب.
وحكى الرافعي والبندنيجي الوجهين فيه أيضاً، وقال: إن المذهب الإجزاء.
تنبيه: قول الشيخ – رحمه الله -: "حتى ينوي أنها زكاة ماله أو زكاة واجبة"، ظاهر في التصوير بالصورتين المذكورتين، ويجوز أن يكون مسبوقاً بذكر خلاف في المسألة صرح به القاضي الحسين، وهو أنه هل يكفي أن ينوي أنها زكاة ماله؛ [لأن الزكاة لا تكون إلا فريضة]، أو لا بدَّ من اقتران الفرض به؛ لقوله – عليه السلام -: "زكاة الحلي إعارتها"، وقد يفعل الشيخ مثل ذلك في حكاية الخلاف، كما ستعرفه في قوله في كتاب اللعان:"ففي المسجد عند المنبر أو على المنبر"، وهكذا عادة غيره؟
فالذي حكاه الأكثرون – كما قال الرافعي -: أن نية الزكاة كافية، والقاضي الحسين أبداه على صورة الاحتمال.
والذي حكاه الفوراني: مقابله.
وقال الإمام: إن الوجهين هاهنا كالوجهين فيما إذا نوى صلاة الظهر ولم يتعرض للفرضية، ثم قال: وهذا فيه نظر؛ فإن الظهر قد يصح نافلةً من الصبي، وممن صلى الظهر منفرداً ثم في جماعة، فإن حمل ذكر الفرضية على هذا كان متجهاً، فأما الزكاة فلا تنقسم.
وكل [هذا] تفريع على أن النية في أداء الزكاة لابد منها، وهي طريقة حكاها الشيخ أبو علي، ووراءها طريقة أخرى حاكية لوجهين أو قولين في المسألة:
أحدهما: هذا؛ أخذاً من قوله في "المختصر": إذا ولي الرجل زكاة ماله لم يجزئه إلا بنية أنه فرض، والنية هي القصد؛ فإن قضية ذلك اعتبار قصد القلب.
والثاني: أنه يكفيه أن يقول بلسانه وإن لم ينو بقلبه؛ أخذاً من قوله في موضع آخر: فإن قال بلسانه: هذا عطاء فرض، أجزأه، وقال في "الأم": سواء نوى في نفسه أو تكلم
فإن ما أعطى فرض.
فأقام الكلام مقام النية، وقال فيه: "وإنما منعني أن أجعل النية في الزكاة كنية الصلاة؛ لافتراق الصلاة والزكاة في بعض حاليهما: فتجوز لزكاة قبل وقتها، ويجوز أن يأخذها الوالي من غير طيب نفسه، وهذا لا يجوز في الصلاة".
ولأجل ذلك قال القاضي الحسين: إنه ذهب إلى هذا جماعة، واختاره [الشيخ- يعني] القفال – واحتج له أيضاً بوجهين:
أحدهما: أن إخراج الزكاة في حال الردة جائز، ومعلوم أن المرتد ليس من أهل النية التي يه قربة؛ فدل على أن لفظه كاف.
والثاني: أنه تجزئ في الزكاة النيابة وإن لم يكن النائب من أهلها، فإذا جاز أن ينوب فيها شخص عن شخص جاز أن ينوب اللسان عن القلب، ولا يلزم الحج إذا قلنا: إنه إذا تلفظ بلسانه فيه ولم ينو بقلبه، إنه لا يجزئه؛ فإن النائب فيه لابد وأن يكون من أهل الحج، أما إذا قلنا بأنه يكفي في الحج أيضاً النطق باللسان فقط – كما حكاه القاضي –استوت المسألتان.
والصحيح- وإن ثبت الخلاف – الأول، وقد قيل: إنه [من] تخريج ابن القاص، واختاره صاحب "التقريب" وقال: قول الشافعي – رحمه الله -: "فإن قال بلسانه: هذا عطاء فرض، أجزأه"، أراد [أنه] يقول ذلك مع النية بالقلب.
وأما الوجه الأول – وهو جواز إخراج الزكاة في حال الردة – فقد [حكينا عن] صاحب "التقريب" احتمالاً في أنه لا يخرجها ما دام مرتداً؛ لأجل النية، وإن سلمنا أنه يخرجها – كما هو الصحيح، وقطع [به] الأصحاب – فلا نسلم أن القصد غير معتبر في حق المرتد.
نعم، [لا يتصور منه قصد [هو] قربة، وكما لا يتصور منه ذلك] لا يتصور منه أيضاً لفظ هو قربة، وقد قال القفال: إنه لا يسقط الفرض حتى يقول المرتد: هذا عطاء فرض، فإذا جاز اعتبار اللفظ وإن لم يكن قربة [يجوز اعتبار القصد وإن لم يكن قربة]، على أنا نقول: [إن] الزكاة وإن كانت عبادة مفتقرة
[إلى النية]، لكن للآدمي بها تعلُّقٌ؛ فأشبه الذمية تحت الزوج المسلم تغتسل من الحيض؛ فيحل للزوج وطؤها، وإن كان الغسل بدون النية لا يصح، والوجه الثاني: باطل بالوضوء؛ فإنه يجوز [فيه إنابة] الأهل وغير الأهل، ومع ذلك يقوم القول فيه مقام نية القلب، ويقوم مقام نيته: هذه زكاة مالي الواجبة، بنية: هذه صدقة مالي الواجبة، أو: الصدقة المفروضة.
ولا يكفي التعرض لفرض المال بان ينوي أنه فرض، أجمع عليه أصحابنا كما قال في "البحر"، وإن كان ظاهر ما نص عليه الشافعي –رحمه الله – أنه يجوز، وقالوا: معنى النص إذا قال: صدقة مالي فريضة، وإلا فنية الفرض خاصة لا تتمحض للزكاة؛ فإن ذلك قد يكون كفارة ونذراً.
وكذا لا يكفي التعرض للصدقة في أصح الوجهين، وبه جزم المعظم؛ لأنها قد تكون نافلة، وإلى هذا يرشد قول الشيخ: "حتى ينوي أنها زكاة ماله أو زكاة واجبة".
ولا يشترط بالاتفاق تعيين المال المزكى عنه؛ فإن غرض تنقيص المال ودفع حاجة المساكين، لا يختلف، بل يزكي عن مواشيه ونقوده حتى يخرج تمام الواجب، فلو ملك أربعمائة درهم مثلاً: مائتان حاضرتان ومائتان غائبتان، فأخرج خمسة من غير تعيين – جاز، وكذلك أربعين من الغنم وخمساً من الإبل، فأخرج شاتين أو شاة – جاز.
وإذا بان له تلف أحد المالين قبل الإخراج أو تلف بعد الإخراج، فله أن يحسب المخرج عن زكاة الآخر.
نعم [لو عين المخرج عن احد المالين، فبان بقاؤه أجزأه، وإن ظهر تلفه لم يكن له أن يصرف المخرج إلى الآخر؛ كما] لو أعتق عبداً عما عليه من الكفارات يجزئه عن واحدة مبهمة.
ولو عين عن كفارة، فبان عليه غيرها عتق، ولم يجزئه عما عليه.
اللهم إلا أن ينوي أن هذا عن زكاة ماله الغائب إن كان باقياً، وإن كان تالفاً فعن الحاضر؛ فإنه إن بان باقياً وقع عنه لأن نيته اعتضدت بأصل وهو البقاء، وبهذا خالف ما لو نوى: إن كان مورثه قد مات وورث ماله فهذا زكاته، فبان ميتاً – لا يجزئه؛ لأن الأصل بقاء حياة المورث وعدم الإرث، وشبه ذلك
بما لو نوى ليلة الثلاثين من رمضان: أنه صائم غداً [من رمضان] إن كان منه، فبان منه – يجزئه؛ [لأن الأصل بقاؤه]، بخلاف ما لو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد من رمضان إن كان منه، [فبان منه] – لا يجزئه؛ لأن الأصل بقاء شعبان.
ولو بان أن المال الغائب هالك وقع المخرج عنه عند المعظم؛ كما لو نوى أن ذلك عن ماله الغائب [إن كان باقياً، وإن كان تالفاً كان صدقة؛ فإنه إذا بان تالفاً كان صدقة.
وعن صاحب "التقريب" احتمال في عدم وقوع المخرج عن الحاضر عند تلف الغائب]؛ لأن النية بالإضافة إليه مترددة غير معتضدة بأصل، بل الأصل يعكر عليها؛ فإنه إنما جعلها عن الحاضر بشرط تلف الغائب، [والأصل في الغائب: البقاء، والفرق بين ذلك وبين ما إذا نوى التطوع عند تلف الغائب]: أن النفل يتساهل فيه.
وقد ألحق [بعض] الأصحاب بهذه الصورة: ما إذا نوى أن هذا عن زكاة الغائب إن كان باقياً، فقال: نه إذا بان تالفاً كان له صرف المخرج إلى الحاضر، والأصح في "العدة" وبه جزم البندنيجي وغيره-: [لا]، وليس له أن يرجع فيه إلا إذا صرح فقال: هذا عن زكاة مالي الغائب، فإن كان تالفاً استرددته.
وقال الإمام في باب تعجيل الصدقة: إن سبيل ذلك عند تلف المال كسبيل تعجيل الزكاة إذا انخرم شرط من شرائط الإجزاء، والتفصيل المذكور ثمَّ إذا لم تقع الزكاة مجزئة [يجيء في الاسترداد؛ إذ هو بعينه هنا] من غير فصل.
ولا خلاف أنه لو نوى: أن هذا عن الغائب إن كان باقياً [أو صدقة، فبان باقياً – لا يجزئه؛ للتردد في أصل النية.
نعمن لو نوى أنه عن الغائب إن كان باقياً] أو عن الحاضر، فإنه يجزئه زكاة، سواء كان الغائب سالماً أو تالفاً، حكاه الماوردي والبندنيجي، وأبداه القاضي أبو الطيب احتمالاً لنفسه موجهاً له بأنه لو أطلق اقتضى الإطلاق أن يكون عن أحد المالين، وتعيين المال في الزكاة لا يجب؛ فتقع
هذه الزكاة عن أحدهما، وله أن يعينه من بعد.
وقال القاضي الحسين: إنه لو كان له مال بسرخس ومال ببلخ، فأخرج خمسة دراهم، وقال: هذا عن مالي ببلخ أو بسرخس –لا يقع عن واحد منهما؛ لأنه لم يجزم النية.
وهذا عين المسألة التي ذكرناها، ومن العجب أن القاضي الحسين حكى – وتبعه الإمام – فيما إذا قال: هذه عن زكاة أحد ماليّ، ولم يعين عن أيهما كان – أنه يجوز، وله التعيين، ولو تلف أحدهما انصرف إلى الباقي.
وهذا يقرب من المسألة قبلها.
ثم ما ذكرناه من الإجزاء عن المال الغائب عند بقائه صوَّره الماوردي بما إذا كان ماله [الغائب] غير مستقر ببلد وإنما هو سائر في بر أو بحر لا يعرف مكانه، ولا يعلم سلامته، فتبرع وأخرج الزكاة عنه.
وقال البندنيجي: إن الشافعي – رحمه الله – فرَّع المسألة على القول بجواز نقل الصدقة، وعلى القولين معاً إذا كانت المسافة قريبة أو بعيدة، ولم يكن أهل السُّهمان في بلد المال [وكان المالك في أقرب البلدان إلى بلد المال] وفيه أهل السهمان.
والقاضي أبو الطيب ومن تبعه قالوا: إن ذلك تفريع على جواز النقل، وعلى منعه يحمل ما إذا كان غائباً عن يد صاحبه وهو معه في البلد، أو غائباً في بلد ليس فيه من أهل السهمان أحد.
قال: ويجوز أن ينوي قبل حال الدفع، [أي: وبعد] العزل؛ لأنها عبادة يجوز تقديمها على وجوبها من غير عذر؛ فجاز تقديم نيتها عليها، ولأن الفعل غير [مقصود] فيها؛ ولذلك جازت الوكالة فيه.
وهذا ما صححه الماوردي وابن الصباغ وصاحب "البحر"، و [ادعى] البندنيجي أنه المذهب، ولم يورد القاضي الحسين في كتاب الصيام غيره، وقال القاضي أبو الطيب، وغيره: إنه خرج من نص الشافعي – رحمه الله – في الكفارات حيث قال: "لا تجزئ حتى ينوي مع التعجيل أو قبله"،
والزكاة كالكفارة بلا فرق.
وقيل: لا يجوز؛ لأنها عبادة يدخل فيها بفعله، فاشترط أن تكون النية مقرونة بها كالصلاة.
واحترزنا بقولنا: بفعله، عن الصوم، وهذا ما ادعى القاضي الطبري- كما قال في "البحر" – أنه أشبه بمذهب الشافعي – رحمه الله – في "الأم"، وهو جار في الكفارة أيضاً، صرح به البندنيجي وغيره، [ومقابله] حمل النص على ما إذا استصحب النية إلى حال التكفير.
أما إذا نوى قبل العزل فقد قال الماوردي في كتاب الأيمان: إنه لا يجزئ وجهاً واحداً؛ لأنها تجردت عن الفعل فكانت قصداً، ولم تكن نية.
لكن يخدش هذا ما حكاه الرافعي عن "فتاوي" القفال: أنه لو كانت له حنطة عند غيره وديعة، فقال للمودع: كل منها كذا لنفسك، ونوى أن يكون ذلك عن زكاته – ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأن المالك لم يكله عليه، وكيله لنفسه لا يعتبر.
ومقابله: أنه يجزئه، وإن لم تكن نية المالك قد اقترنت بالعزل.
وقد ظهر لك مما ذكرناه أن العبادات أربعة أقسام:
قسم لا يجوز تقديم النية عليها، ويشترط أن تكون مقارنة لأولها، وهي الصلاة والطهارة والحج.
وقسم يجوز تقديمها عليها، وهل تجب؟ فيه خلاف، وهو صوم الفرض.
وقسم يجوز تأخيرها عن أولها وهو صوم التطوع.
وقسم مختلف في جواز التقدم فيه، وهو الزكاة والكفارات، والتضحية ملحقة [بهما، صرح] به الإمام في كتاب الأضحية.
قال: وإن دفع إلى وكيله، ونوى وكيله، أي عند الدفع لأهل السُّهمان، ولم ينو رب المال، أي عند الدفع إلى الوكيل – لم يجزئه؛ لأن المتعبد بالزكاة رب المال ولم ينو، ومن طريق الأولى ألا يجزئه إذا لم ينو الوكيل أيضاً، قال ابن الصباغ: وذلك يتصور [بألا ينوي بها الزكاة] ويقصد الصدقة، وهذا بخلاف ما إذا دفع إلى الإمام ولم ينو رب المال ونوى الإمام أو لم ينو على أحد الوجهين كما تقدم.
نعم، قال الإمام – وتبعه الغزالي -: لو دفع إلى الوكيل وفوض إليه النية جاز.
قال: وإن نوى رب المال، أي: عند الدفع إلى الوكيل لا غير، ولم ينو الوكيل، أي عند الدفع لأهل السهمان أو نائبهم – فقد قيل: يجوز؛ لأن العبادة في إخراج المال وهو للموكل فاكتفى بنيته، وقيل: لا يجوز كما في الحج، وهذا بخلاف ما لو دفع إلى الإمام ونوى ولم ينو الإمام؛ فإنه يجزئه قولاً واحداً؛ لأن الإمام نائب أهل السهمان فأشبه ما لو اقترنت نيته بالدفع لهم.
والقائل بالأول فرق بأن العبادة في الحج تؤدي بأفعال النائب؛ فلذلك اشترط الإتيان بنيته، والنائب هنا يؤدي العبادة بمال المستنيب؛ فلذلك كانت نيته هي المعتبرة، والوجهان عند صاحب "التقريب" وغيره مخرجان على الخلاف السابق في تقديم نية رب المال على الصرف: فإن قلنا: يجوز، أجزأت هاهنا، وإلا فلا.
قال الإمام: وهذا هو القياس، ومن الأصحاب من قطع هاهنا بالإجزاء، وجعل اقتران النية بالتسليم [إلى الوكيل بمثابة اقترانها بالتسليم] لأهل السهمان، والفرق بينهما قد تقدم.
وقد أشار في "الوسيط" إلى هذه الطريقة بقوله: لو قدم النية على التسليم إلى المساكين أو نائبهم فثلاثة أوجه، ثالثها: أنه إن قدم على التنقيص ولكن اقترن بفعله
عند التسليم إلى الوكيل جاز.
وأراد بالتنقيص: الصرف إلى أهل السهمان؛ [فإن به] يحصل أداء المال [في يد الوكيل قبل الصرف على ملك رب المال]، حتى لو تلف [كان كما لو تلف] في يده قبل الدفع إلهي.
وقد سكت الشيخ عن الحالة التي لا خلاف فيها في الإجزاء، وهي ما إذا نوى الموكل [عند الدفع إلى الوكيل، والوكيل حال الدفع إلى أهل السهمان]، وكذا فيما إذا نوى [الموكل] حال دفع الوكيل [المال] لأهل السهمان، صرح به الإمام.
أما الصبي والمجنون فينوي عنهما الولي وجوباً؛ لأن المؤدَّى عنه ليس أهلاً للنية، كما [أنه] ليس أهلاً للقسم والتفريق، فينوب عنه في النية كما في القسمة، فلو دفع من غير نية لم تقع الموقع، وعليه الضمان، قاله ابن كج، ومساق التعليل يقتضي منع إلحاق السفيه بهما؛ لأنه من أهل النية، وفي الاعتداد بنيته نظر، والله أعلم.
قال: وإن حصل عند الإمام ماشية، أي زكاة أو غيرها – فالمستحب: أن يسم الإبل والبقر في أصول أفخاذها، والغنم في آذانها؛ لما روى الشافعي – رضي الله عنه – بإسناده "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسم الإبل في أفخاذها"، وروى "أن أنساً دخل
على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسم الغنم في آذانها"؛ فثبت ذلك في الإبل والغنم بالنص، وألحقنا البقر بالإبل؛ لأنها أقرب إليها في القوة والجلادة وخفة الشعر في الأفخاذ، قال الإمام: وكذا الخيل يسمها في الأفخاذ.
قال الأصحاب: فالمعنى من الوسم: أن الإمام تكون عنده إبل الجزية وإبل الصدقة والفيء، ولكل صنف جهة ينصرف إليها؛ فلابد من علامة يقع التمييز بها، ولأنه قد يند منها بعير أو تضيع منها بقرة أو شاة، فإذا كانت موسومة حفظها كل من وجدها، ولا يحبسها لقطةً، ولأنه يكره للرجل أن يشتري صدقته، فإذا لم يكن عليها وسم ربما اشتراها و [لا] يعلم أنها صدقته، فإذا كانت موسومة احترز وتجنبها؛ كي لا يقع في المكروه.
والمعنى في كونه في الإبل والبقر في الأفخاذ، والغنم في الآذان: أن ذلك موضع يقل فيه الشعر وهو صلب؛ فيخف فيه الألم.
ولا يستحب في الوجه، بل يكره؛ لنهي ورد فيه، وهو ما رواه مسلم: "لعن الله فاعله" قال الإمام: والخبر عندنا يقتضي التحريم.
وهو الموافق لما في "التهذيب" حيث قال: إنه [لا يجوز].
[قال] في "الروضة": وهو الأقوى.
ويستحب [أن تكون سمة الغنم ألطف] من سمة الإبل [والبقر، نص عليه، قال الفوراني: وتكون سمة البقر ألطف من سمة الإبل]؛ لأنها أضعف.
قال: فإن كانت من الزكاة كتب: [لله، زكاة أو صدقة]، وإن كانت من الجزية كتب: جزية أو صغاراً؛ لأن بذلك يحصل التمييز المقصود.
[وعن بعض شارحي "المختصر": أن الوسم تعذيب للحيوان، والغرض منه
التمييز]، وأنه يحصل بحرف واحد؛ فوجب أن يقنع به.
وقد يوجد في بعض نسخ "التنبيه": "وإن كانت من الزكاة كتب: لله، أو: صدقة، [أو زكاة] "، وهو ما نص عليه في "المختصر".
وقال في "الحاوي": إن كتابة "لله" أحبها الشافعي – رحمه الله تعالى- تبرُّكاً بذكر الله تعالى واقتداء بالسلف، قال أبو الطيب: ولأنها أسهل وأقل حروفاً، قال الرافعي: وقد استبعد ذلك في "شرح الوجيز"؛ لأن الدواب تتمعك في النجاسات وتضرب أفخاذها بأذنابها وهي نجسة، فلينزَّه اسم الله – تعالى- عنه.
وقد رأيت هذا الاستبعاد لبعض المتقدمين ممن شرح "المختصر" وهو القائل بالاكتفاء بحرف واحد.
قال: ويجوز أن يجاب عن الأول بأن إثبات اسم الله – تعالى – هاهنا لغرض التمييز والإعلام، لا على قصد الذكر والتبرك، ويختلف التعظيم والاحترام بحسب اختلاف المقصود؛ ألا ترى أن الجنب يحرم عليه قراءة القرآن، ولو أتى ببعض ألفاظه على غير قصد القراءة لا يحرم؟! وعن الثاني: بأن الغرض ظهور الوسم وسهولة الوقوف عليه، وذلك لا يحصل بالحرف الواحد.
وحيث جاز الوسم لما ذكرناه – وإن كان فيه تعذيب الحيوان بالنار – فهل يجوز خصيه لأجل طلب سمنه ودفع علته؟ ينظر: إن كان غير مأكول فلا، وإن كان مأكولاً، قال القاضي الحسين: فيحتمل وجهين:
أحدهما: يجوز كالوسم؛ فإن فيه تطييب اللحم وقد روي أنه – عليه السلام – ضحَّى بكبشين موجوءين.
والثاني: لا يجوز؛ لأن فيه تعذيب الحيوان لغير مأكلةٍ.
قال: وعلى هذا تجفيف الملح في الشمس حتى يموت الدود الذي فيه، يخرج على الوجهين.
وقال في "التهذيب" – وهو الذي أورده الرافعي -: يجوز خصي ما يؤكل لحمه في
حال الصغر، ولا يجوز في الكبر.
وبه يحصل في المسألة ثلاثة أوجه.
قال: [ويجب صرف] زكاة المال إلى ثمانية أصناف، أي: إن وجدت؛ للكتاب والسنة والقياس:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ الآية [التوبة: 60]، والدلالة فيها من ثلاثة أوجه قالها أبو الطيب:
أحدها: [أنه] أضاف "الصدقات" إليهم بلام التمليك، وعطف بعضهم على بعض بالواو الموضوعة للتشريك، وكل ما يصح أن يملك إذا أضيف إلى من يصح أن يملك، معيَّناً كان أو موصوفاً – اقتضت الإضافة ثبوت الملك له، أصله في المعين ما إذا قال: هذه الدار لزيد وعمرو وبكر، وفي الموصوف ما إذا قال: أوصيت بها للفقراء والمساكين [والغارمين ونحوهم.
الثاني: أنه ذكر الفقراء والمساكين،] فجمع بينهما في الذكر، وهو لو اقتصر على ذكر الفقراء لجاز الصرف [إلى الفقراء] والمساكين، وجاز الاقتصار على [الصرف] لأحدهما، [وكذا لو] اقتصر على ذكر المساكين لجاز الصرف لهم وللفقراء، وجاز الصرف لأحدهما، وإنما جمع بين الصنفين في الذكر؛ ليبين أنه لا يجوز الاقتصار على أحدهما؛ فدل على أن صرف الصدقة إلى جميع هذه الأصناف واجب؛ إذ لا قائل بالفرق.
الثالث: أنه قال: ﴿فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ﴾ والفرض في اللغة: التقدير، وفي الشرع: الإلزام، واللفظ إذا كان له موجبان: لغوي وشرعي، كان حمله على الشرعي أولى.
فإن قيل: [يجوز أن يكون أراد إضافة كل] الصدقات إلى كل الأصناف، لا أنه جعل كل صدقة لكل الأصناف؛ فيدفع صدقة زيد للفقراء، وصدقة عمرو للمساكين، وصدقة بكر للغارمين وهكذا.
قلنا: إن أراد هذا القائل بذلك إذا كان الإمام هو المفرق لها، قلنا له: الحكم عندنا كذلك؛ فإنه لا يجب عليه أن يدفع كل زكاة إلى الأصناف، بل له أن يدفع زكاة الشخص الواحد لصنف [واحد، بل لشخص واحد] إذا عمم جميع الأصناف بالصرف، لكن ليس للآية – كما ستعرفه – بل لأنه نائب أهل السهمان في القبض، فإذا حصلت الزكوات في يده صارت كزكاة الشخص الواحد فيتصرف فيها كما ذكرناه.
فإن قلت: هذه العلة تقتضي أن يساوي الساعي الإمام في ذلك، وقد قال في "الحاوي": إن الساعي إذا كان هو الصارف ليس له أن يخص بكل صدقة صنفاً كالإمام؛ لأن نظره خاص لا يستقر إلا على ما جباه، وربما صرف فلمي قبض باقي الأصناف، بخلاف الإمام.
نعم، له أن يصرف صدقة كل شخص في جميع الأصناف، وله أن يجمع جميع الصدقات ويفرقها في الأصناف.
قلت: [و] قد سوى في "البحر" في موضع منه [بينه وبين الإمام، وعلى تقدير التسليم – وهو ما ذكره في موضع آخر منه] – فقد حصل الفرق بينهما بما ذكرناه، وقد يستدل لذلك بقوله – عليه السلام – لسلمة بن صخر الأنصاري- رضي الله عنه – وقد ظاهر من امرأته وعجز عن الكفارة: "انطلق إلى صدقة بنى زريق فلتدفع إليك، فأطعم منها وسقاً ستين مسكيناً، وكل أنت وعيالك بقيَّتها".
وإن أراد بذلك: إذا كان أرباب الأموال [هم] المفرقين فهو خلاف الإجماع؛ لأن أحداً لم يصر إلى إيجاب ذلك.
وقد يجوز أن يتفق جميع أهل الصدقات على صرفها كلها في أحد الأصناف، فلا يؤخذ ما ذكر على أن حقيقة هذه الإضافة تقتضي أن تكون كل صدقة لكل من سمي؛ ألا ترى أن رجلاً لو قال: هذه [الدور الثلاثة] لزيد وعمرو وبكر، كانت كل دار بينهم أثلاثاً؟!
وأما السنة فما روى أبو داود عن زياد بن الحارث الصُّدائي قال: "كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له النبي: "إن الله لم يرض بحكم نبيّ ولا غيره في الصَّدقات حتى حكم فيها هو، فجزَّاها ثمانية أجزاء [فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقّك"، فأخبر أنها مقسومة ثمانية أجزاء] وهذا نص لا يحتمل خلافه.
وأما القياس: فلأنه مال أضيف شرعاً إلى أصناف [فلم يجز أن يختص به بعض تلك الأصناف كالخمس، أو لأنه مال أضيف إعطاؤه إلى أصناف موصوفين]؛ فلم يجز تخصيص بعضهم به مع وجود بعض كالوصية، وهذا ما عليه جمهور أصحابنا.
وقد حكي عن المزني وأبي حفص ابن الوكيل البابشامي أنه يصرف خمسها إلى من يصرف إليه خمس الفيء والغنيمة، وليس بشيء؛ لما ذكرناه.
قال أصحابنا: والأصناف الثمانية يستحقون الصدقات للحاجة؛ إلا أن أسباب حاجاتهم مختلفة: فالغزاة وبعض الغارمين والعاملين عليها نعطيهم لحاجاتنا إليهم، وغيرهم نعطيهم لحاجاتهم إلينا، وهم الفقراء والمساكين والمؤلفة قلوبهم، قال القاضي الحسين، على أحد القولين: والرقاب وأحد صنفي الغارمين الذين أدينوا في [مصالح أنفسهم]، وبنو السبيل.
فمن دفعت إليه [لحاجته لم يستحقها إلا من الفقر، ومن دفعت إليه] لحاجتنا جاز أن تدفع إليه مع الغني والفقر.
وسيأتي على ذلك كلام الشيخ، رحمه الله.
ثم ينقسم جميعهم ثلاثة أقسام:
[فمنهم] من يأخذها ويستحقها بسبب متقدم وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها؛ لان السبب الذي استحقوا به: الفقر والمسكنة والعمل، وذلك
متقدم على الأخذ، فإذا أخذوا شيئاً استقر ملكهم عليه.
ومنهم من يستحقها بسبب متأخر، وهم بنو السبيل والغزاة، فيأخذ ابن السبيل [ليبدأ بالسفر]، ويأخذ الغازي [ليبدأ جهاده، فإذا اخذوا لم يستقر ملكهم إلا بسفر ابن السبيل وجهاد الغازي]، فإن لم يوجد ذلك استرجع منهما؛ لفقد السبب الذي تعين به الأخذ والاستحقاق، وسيكون لنا عودة إلى شيء من ذلك.
ومنهم من يأخذ بسبب متقدم واستحقاق مستحدث، وهم المؤلفة قلوبهم والمكاتبون والغارمون، وهؤلاء يستقر ملكهم بتغير نيات المؤلفة، وعتق المكاتبين بأداء ما أخذوه، وقضاء ديون الغارمين بالمقبوض، وهكذا الحكم فيما إذا حصل بالمقبوض توفية بعض النجم والدين، ثم حصل العتق بعده، ولا يستقر بدون ذلك، لكنه لا يسترجع منهم ما دام تغيّر النية ورقُّ المكاتب ودين الغارم.
[نعم، لو حصل العتق بغير المال المدفوع، وكذا سقوط دين الغارم] فهل يسترجع منه ما أخذه؟ فيه وجهان في آخر "النهاية"، وادعى في "التتمة" أن الظاهر عدم الاسترجاع [والمذكور في "الحاوي" و"المهذب" وتعليق القاضي الحسين وغيرهم: الاسترجاع] وحكى الإمام [هنا] عن صاحب "التقريب" رواية الطريقين [في المكاتب، وكذا القاضي الحسين حكاهما]:
أحداهما: إن كان ما أخذه باقياً استرده قولاً واحداً، وإن كان تالفاً ففي [تغريمه البدل] وجهان.
والثانية: إن كان تالفاً فلا يغرم بدله قولاً واحداً، وإن كان باقياً ففي استرداده [وجهان] والجزم بعدم التغريم عند تلفه قبل العتق، هو المذكور في "الوسيط" و"التهذيب"، ونسب الرافعي القول بأنه يغرم في هذه الحالة إلى رواية أبي الفرج
السرخسي، والله أعلم.
قال: أحدها: العامل، أي: إذا استعمله الإمام ليأخذ من الصدقات؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60] ولقوله - عليه السلام -: "لا تحلُّ الصَّدقة لغنيّ إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغنيّ" أخرجه ابن ماجه مسنداً.
أما إذا استأجره بأجرة من بيت المال، أو جعل له جعلاً من بيت المال - فلا حق له في الصدقات، قال البندنيجي والمتولي، وقال الإمام: إن الظاهر جواز ذلك، ولا يعدم الطالب من فحوى كلام الأصحاب ما يدل على أن حرمان العاملين من الصدقات بالكلية [لا يجوز].
وإنما قدم الشيخ العامل على غيره؛ لأنه المقدم في القسمة على الأصح، وعليه نص الشافعي - رحمه الله - في "المختصر"؛ لأن ما يأخذه عوضٌ؛ فكان أقوى
ممن يأخذ مواساة، وقاله في "المهذب"، ولأن ما يفضل عن أجرة عمله من الثمن يردُّ إلى بقية الأصناف، وكذا ما ينقص عنه يؤخذ من سهامهم على قول، وفي تقديم الصرف إليه معرفة ما يتبقى لهم؛ فتسهل قسمته، ويؤمن معه الاسترجاع والزيادة.
والآية وإن بدأ فيها بالفقراء؛ لأنهم أشد الأصناف [حاجة] فلا ترتيب فيها؛ لأن الواو لا تقتضيه، بخلاف كلام الشيخ؛ [فإن مقتضٍ للترتيب؛ فإن الأول يتعقَّبه ثان وثالث، وقد أفهم كلام الشيخ] [أن هذا السهم] إنما يستحق بالعمل؛ لأنه جعل للعامل، وإنما يصدق هذا الاسم عند وجود العمل، والمراد به: قبض الصدقات من أرباب الأموال وما يتوصل به [إليه]، كما دل عليه كلام الأصحاب؛ حيث قالوا: إن رب المال إذا فرق الزكاة بنفسه سقط نصيب العامل، وقسم الزكاة على سبعة أصناف، وليس له أن يقول: اصرفوا إليَّ ما يصرف للعامل؛ لأنه يفعل ما وجب عليه.
نعم، قال الإمام: لو كان يحتاج إلى مؤنة في النقل عند مسيس الحاجة إليه فتكليفه المؤنة إثبات غرم عليه زائدٍ على وظيفة الزكاة، وليس في حكم معتدّ حتى يغلظ عليه بإلزامه المؤنة؛ فلا ينقدح إلا أمران:
أحدهما: أن يتوقف إلى أن يطرقه المستحقُّ، أو يحسب من الزكاة ما يجوز للساعي أن يحتسبه منها.
قال: وهذا يعارضه أن الساعي قابض للمساكين وغيرهم من المستحقين، [والإمام] ناظر لهم نظر الولي للمولَّى عليه، أو نظر القاضي في أموال الغيّب، أو نظر الوكيل للموكل، ولو تلف ما أخذه الساعي كان محسوباً على أهل السّهمان، والزكاة مادامت في يد ملتزمها فهي في ضمانه، هذا وجه التردد، وحيث قالوا: لو دفع رب المال الزكاة إلى الإمام الأعظم أو نائبه على القطر نيابة شاملة لقبض الزكوات وغيرها، [ففرَّقها] – سقط نصيب العامل أيضاً؛ لأن الإمام ونائبه في
القطر يأخذ كفايته من بيت المال على الإمامة والنيابة؛ فلا يجوز أن يأخذ عوضاً عن بعض ما تشتمل عليه الإمامة والنيابة.
قال في "البحر": قال القاضي أبو الطيب: سمعت الماسجرجسي يقول: وكذا القضاة إذا أخذوا أجورهم لم يكن لهم أن يدخلوا أيديهم مع كل متولٍّ [في كل وقف].
والذي يتوصل به إلى القبض.
العريف: وهوا لذي يعرف العامل أهل الصدقات.
والحاشر: وهو الذي يحشرهم إليه، أي: يستدعيهم.
والجابي: الذي يجبي الصدقات.
والكاتب: الذي يكتبها – يعطون من سهم العامل.
لكن قد قال الأصحاب: إنه يعطي من هذا السهم لمن يعرّفه حاجات الأصناف إذا دخل البلد إن كان غريباً، وقضية ذلك: ألا يسقط عند الدفع إلى الإمام والناظر في الإقليم إلا إذا كان عارفاً بحاجات الأصناف.
و [أجرة] النقال والجمال إلى أهل الصدقات من الصدقات بلا خلاف، وأجرتهما عند الأخذ من أرباب الأموال من أين تكون؟ فيه وجهان جاريان في أجرة راعيها وحافظها بعد الأخذ:
أحدهما: من الصدقات.
والثاني: من سهم العامل.
حكاهما الماوردي.
وفي أجرة الكيَّال والوزّان والعدَّاد عند الأخذ من رب المال وجهان:
أحدهما: أنها على رب المال؛ كما يجب ذلك على البائع [في البيع]؛ إذ هو من تمام التسليم، وهذا قول ابن أبي هريرة، والأصح في "الشامل" وغيره، ولم يحك القاضي أبو الطيب غيره.
والثاني: أنها على أهل السهمان؛ فتكون من الوسط كأجرة النقال، وهذا قول أبي إسحاق، حكاه البندنيجي، قال في "البحر": وهو الأصح عندي.
وقال الماوردي: عوضه أنها تكون من سهم العامل، وعزاه إلى أبي إسحاق أيضاً.
قال: ومن شرطه أن يكون حرّا فقيهاً أميناً، أما وجه اعتبار الحرية والأمانة؛ فلأن ذلك ولاية على مال الغير، والعبد والفاسق ليسا من أهلها، ووجه اعتبار الفقه فيه: أنها ولاية من جهة الشرع [فيما] يفتقر [فيه] إلى الفقه؛ فاعتبر أن يكون المولى عارفاً [به] كالقضاء، والمراد: أن يكون فقيهاً في الزكاة، فيعرف ما تجب فيه من الأموال وقدر نصبها وقدر الواجب، وأوصاف مستحقيها، ومبل استحقاقهم منها، لا أن يكون فقيهاً في غير ذلك.
وفي اعتبار الفقه تنبيه على اشتراط الإسلام فيه؛ [لأن] الفقه في الصدقات متوقف عليه؛ إذ أدلته: الكتاب والسنة، وبه صرح الأصحاب موجهين له بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118] يعني من دون المسلمين، وروي أن أبا موسى الأشعري رفع إلى عمر حساباً؛ فاستحسنه فقال: من كتب هذا؟ فقال كاتبي، قال: وأين هو؟ قال: هو على باب المسجد، قال: أجنبٌ هو؟ قال: لا، ولكن هو نصراني فقال: لا تأمنوهم وقد خوّنهم الله – تعالى- ولا تقرّبوهم وقد أبعدهم الله!
قال: ولا يكون من حرمت عليه الصدقة من ذوي القربى، أي: إذا عمل ليأخذ من الزكاة؛ لقوله – عليه السلام – للفضل بن العباس، وقد طلب منه أن يجعله عاملاً على الصدقة: "أليس في خمس الخمس ما يكفيكم ويغنيكم عن أوساخ النَّاس؟! ". وهذا ما [نص عليه كما] حكاه البندنيجي، و [قال] أبو الطيب غيره: إنه ظاهر المذهب.
[وقال القاضي الحسين والشيخ في "المهذب": إنه المهذب].
وقيل: يجوز أن يكون منهم؛ لأن ما يأخذه أجرة فلا تمنع منه القرابة كأجرة النقال والحافظ؛ فإنه يجوز صرفها لهم وفاقاً، كما يجوز صرفها لسيد العبد إذا عمل والكافر وإن لم يكونا من أهل الزكاة، كذا حكاه العراقيون، وقال في "البحر": إنه اختيار القفال، وهوا لذي صححه الإمام في ضمن فرع من الباب، وكذا أبو الحسن العبادي، كما قال الرافعي.
وقد يرج حاصل الخلاف إلى [أن] ما يأخذه العامل أجرة أو زكاة؟ وفيه خلاف حكاه الفوراني وغيره، فإن قلنا: أجرة، جاز، وألا فلا.
فإن قيل: هذا فاسد؛ لأن الصحيح أنه أجرة كما قال ابن يونس، والمذهب: أنه لا [يجوز أن] يكون من ذوي القربى كما قال هو وغيره؛ فبطل ما ذكرتم.
قلت: الصحيح أن ما يأخذه العامل زكاة وإن كان مقدراً بأجرة عمله، وتصرف إليه وإن كان غنيًّا، وهو الذي جزم به الماوردي، وحكاه عن الشافعي – رحمه الله – متمسكاً فيه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية [التوبة: 60] فشرك في تمليكها بين الفقراء والمساكين والعاملين؛ فلم يجز أن يزال عن الصدقة حكمها باختلاف المتملكين.
وقد جعل الإمام شاهد الوجه الأول في أن المأخوذ أجرة: جواز صرف أجرة العامل من سهم المصالح، وشاهد كونه زكاة: منع ذوي القربى منه.
ولا خلاف في أنه يجوز أن يكون عاملاً إذا تبرع بالعمل، ويقال: إن الرشيد ولّي الشافعي – رحمه الله – صدقات اليمن.
قال ابن الصباغ: وكذا [إذا] عمل على أن يعطي من بيت المال.
قال الرافعي: ويجري الوجهان فيما إذا جعل بعض المرتزقة عاملاً.
ثم إذا قلنا بالمذهب فعليه فرعان يمكن أخذهما من كلام الشيخ الآتي من بعد:
أحدهما: إذا عدم خمس الخمس، أو وجد، لكن منعوا حقهم منه فهل يجوز أن يكون [منهم]؟ فيه وجهان.
الثاني: موالي ذوي القربى هل يجوز أن يكونوا عمالاً؟ فيه وجهان، المذهب في "تعليق" القاضي الحسين: الجواز؛ لأن منع ذوي القربى منه لشرفهم وفضلهم، وهو مفقود في مواليهم.
ووجه مقابله: ما روى أبو داود عن أبي رافع – وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني فإنك تصيب منها، قال: حتى آتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: "مولى القوم من أنفسهم، وإنّا لا تحلُّ لنا الصّدقة"، قال الترمذي: وهو حديث حسن صحيح.
والرجل الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الرقم بن [أبي] الأرقم، وهوا لذي استخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره بمكة في أسفل الصفا حتى كملوا أربعين رجلاً آخرهم عمر بن الخطاب – رضي الله عنهم – وهي التي تعرف بالخيزران.
وقد اشترط الأصحاب في العامل أن يكون مكلفاً، وسكوت الشيخ – رحمه الله – عن ذلك؛ للعلم بوضوحه؛ فإن الصبي والمجنون مولّى عليهما، فكيف يليان على غيرهما؟!
وأفهم كلامه أنه لا يشترط فيه الذكورة حيث لم يتعرض لها، وهو ما صرح به الماوردي حيث قال: فإذا تكاملت الخصال المذكورة جاز أن يكون عاملاً عليها، سواء كان رجلاً أو امرأة، وإن كرهنا تقليد النساء لذلك؛ لما عليهن من لزوم الحرم؛ لأن المرأة لما جاز [أن تلي أموال الأيتام جاز] أن تلي أموال
الصدقات، وسنذكر عن الروياني وغيره خلافه.
وكل هذه الشروط إذا كان التفويض عاماً، فإن عين له الإمام شيئاً يأخذه فلا يعتبر أن يكون فقيهاً.
قال الماوردي: وكذا لا يعتبر الإسلام والحرية.
قال في "الروضة": [و] في عدم اشتراط الإسلام نظر.
قال: ويجعل له الثمن؛ لأن الزكاة إذا قسمت على ثمانية هذا أحدها خصه الثمن، واستغنى الشيخ – رحمه الله – بما ذكره هنا عن أن يذكر فيما بعد عند ذكر كل صنف أنه يجعل له الثمن.
ثم ما ذكره في العامل مخصوص بما إذا كان أهل باقي السهام موجودين، فلو فقد بعضهم وقلنا: يقسم سهمه على باقي [أهل] الأصناف [أدخل العامل] في القسمة، وجعل له ما يقتضيه التوزيع من السبع أو السدس أو الخمس، صرح به ابن الصباغ والبندنيجي، وأفهمه كلام الشيخ وغيره.
قال: فإن كان الثمن، أي: عند وجود [جميع] الأصناف، أكثر من أجرة عمله – [ردَّ الفاضل؛ لأنه يأخذه في مقابلة عمله فلا يعطي زائداً على ما يقابله وهو أجرة المثل.
ثم أجرة العمل] تارة تكون مقدرة في إجارة أو جعالة يقررها الإمام له من مال الزكاة، وتارة يقول له: اعمل بأجرة تأخذها من الزكاة، والكل جائز.
قال: على بقية الأصناف؛ كما لو توفر نصيب العامل بجملته.
ولو جعل له أكثر من أجرة المثل فتفسد التسمية من أصلها، أو يكون قدر أجرة المثل من الزكاة، وما زاد في خالص مال الإمام؟ فيه وجهان.
قال: وإن كان أقل، أي: الثمن أو ما خصَّ العامل من التوزيع تمّم من خمس الخمس في أحد القولين؛ كي لا ينقص كل صنف عما أعطاه الله، ويأخذ العاملون أكثر مما أعطاهم الله من الزكاة.
قال: ومن الزكاة [في الثاني، أي]: من حق الأصناف الباقية؛ لأنه يعمل لهم
فأشبه الأجير الذي ينقل المال، ولأنه لما رد عليهم الفاضل رجع عليهم بالناقص، وهذا ما صححه الفوراني والنواوي، واختاره القفال، وهذه طريقة المزني التي حكاها الماوردي لا غير، صححها في "المهذب".
وأبدل القاضي أبو الطيب القولين بوجهين، والخلاف مأخوذ من قول الشافعي [في موضع من كتابه] [في "المختصر"]: "كمل من سهم المصالح سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كمَّله من مال أهل السهمان لم أر ذلك ضيّقاً":
فمن الأصحاب من أجرى اللفظ على ظاهره، وقال الإمام: مخير: إن شاء أخرجه من سهم المصالح، وإن شاء أخرجه من بقية السهام، والخيرة تتبع الاجتهاد لا على وجه التشهّي، وهذا معزيٌّ في "الشامل" إلى أبي إسحاق، واختاره ابن أبي هريرة كما قال في "البحر"، وقال القاضي أبو الطيب: إنه ظاهر مذهب الشافعي.
ومنهم من قال: جواب الشافع محمول على حالين، هؤلاء اختلفوا في الحالين ما هما؟
فمنهم من قال: الموضع الذي قال: يتمم من خمس الخمس، إذا قسم نصيب أهل السّهمان أولا؛ فإنه يعسر الاسترداد منهم، والموضع الذي قال: يتمم من مال أهل السهمان، [إذا كانت البداية بقسمة نصيب العاملين.
ومنهم من قال: الموضع الذي قال: يكمل [من مال] أهل السهمان] إذا فضل من استحقاقهم [فضلٌ] فيكمل من الفضل، والموضع الذي قال: من سهم المصالح، إذا لم يفضل من استحقاق أهل السهمان فضل.
وهذا مجموع ما ذكره العراقيون.
ومنهم من قال: إن كان في بيت المال من سهم المصالح شيء صرف إليه، وإلا فيعطيهم من سهم الصدقات، وهذا ما أورده القاضي الحسين.
وقد أغرب صاحب "التقريب" فذكر قولاً آخر في [أصل] المسألة، وهو أنه إذا لم يف سهم العامل بأجرة مثله فليس له إلا ذلك السهم، ولا يكمل من موضع آخر.
قال الإمام: ولو صح هذا للزم على طرده أن يقول: [سهم العامل لو زاد] على أجرة المثل [فله أخذه بالغاً ما بلغ؛ ليعادل اقتصاره على ما يجد وإن نقص عن أجرة المثل].
وهذا بعيد لا يسمح به صاحب "التقريب"، ولم يصر إليه أحد من الأصحاب.
قال: والثاني: الفقراء؛ للآية.
[قال:] وهم الذين لا يقدرون على ما يقع موقعاً من كفايتهم، هكذا قاله الأصمعي، [واختاره الشافعي] في الجديد، وسنذكر لفظه.
ونقل المزني عن الشافعي أنه قال في القديم: الفقير: الزّمن الضعيف الذي لا يسأل الناس.
فمن الأصحاب من جعل في اشتراط الزّمانة [وعدم التكسب في إطلاق اسم الفقير قولين، ومنهم من قال: هل يشترط التعفف عن السؤال؟ قولان، فإن قلنا: يشترط، فهل تشترط الزمانة؟] [فيه قولان حكاهما في "البحر"، قال الإمام: وإذا قلنا باشتراط الزّمانة] ففي اشتراط العمى وجهان.
والمعتبرون قطعوا بالجديد، وأوّلوا ما نقل عن القديم، وعلى هذا جرى المصنف حيث قال: "فإن رآه قوياً وادعى أنه لا كسب له أعطاه من غير يمين وقيل: يعطي بيمين]، فجزم بإعطائه مع الصحة.
و"الفقير" مشتق من انكسار "الفقار" – وهو الظهر- الذي لا تبقى معه قدرة، وقيل: من "الفاقرة"، وهي الداهية العظمى، أو الهلاك المستأصل، أو الشر المجلّي.
ثم عدم القرة على ما يقع موقعاً من الكفاية يصدق على من لا يملك شيئاً أصلاً وعلى من يملك قدراً يسيراً لا يقع منه موقعاً، قال البندنيجي: مثل أن يكون كفايته عشرة ودخله الدرهم والدرهمان.
قال الرافعي: والثلاثة.
وعلى ذلك ينطبق قول الشافعي في الجديد.
الفقير: هو الذي لا شيء له، [أو له شيء] لا يقع منه موقعاً.
وقال الإمام: إنه الذي لا يملك سبداً ولا لبداً، ولا تالداً ولا طارفاً.
ولأجله.
قال في
"الوجيز": إنه [الذي] لا يملك شيئاً أصلاً.
قال الرافعي: وهو غير معمول بظاهره؛ بل المعنيّ به ما ذكرناه.
قلت: ولا جرم أنه قال: لو كان الشخص مالكاً لدار يسكنها وثوباً يلبسه متجملاً به لم يقدح ذلك [في استحقاقه من سهم] الفقراء.
وعزاه إلى رواية صاحب "التهذيب" وغيره، وقال: إنهم لم يتعرضوا لعبده الذي يحتاج إلى خدمته، وهو في سائر الصور ملحق بالمسكن.
وقال في "الروضة": إن ابن كج تعرض له في كتابه "التجريد" وصرح بأنه كالمسكن، وهو متعين، لكن الإمام قال: إنَّ [ملك] المسكن والخادم لا يمنع من استحقاقه من سهم المسكنة، كما سنصفه.
وأما الفقير فلا يحتمل حاله شيئاً من ذلك لا ملك المسكن ولا ملك العبد، وهذا مقوٍّ لإجراء اللفظ على ظاهره على بعد.
وكما يصدق عدم القدرة على من ذكرناه يصدق – أيضاً – على من ماله غائب عنه في مسافة القصر، وليس معه ما يقوم بكفايته؛ ولذلك قال البغوي: إنه يجوز له أن يأخذ من الزكاة من سهم الفقراء إلى أن يصل إلى ماله أو يصل ماله إليه.
وهو في "تعليق" القاضي الحسين مخرجٌ من نص الشافعي – رحمه الله – على أن من له مال ببلد يدفع إليه من سهم أبناء السبيل [إلى أن يصل إليه، وفي "البحر" أن أبا اسحاق المروزي قال: هذا يعطي من سهم [ابن السبيل]، ولا يعطي من سهم] الفقراء، [وهو ما] يفهم من كلام البندنيجي الذي سنذكره في [صنف] ابن السبيل.
وكذا يصدق على من لا شيء له إلا دين مؤجل على إنسان؛
ولأجله صرح الأصحاب بجواز أخذ ما يكفيه من سهم الفقراء إلى حلول الأجل.
قال الرافعي: وقد يتردد الناظر في [اشتراط اعتبار] حلوله بقدر مسافة القصر.
قلت: [و] لكن ما حكيناه عن نصه في الجديد يخرج من ماله غائبٌ عن اسم الفقر، وكذا من لا شيء له إلا دين مؤجل إذا قلنا: إن الدين مملوك، وإذا كان كذلك فلا ينبغي ان يصرف إليهما من سهم الفقراء، ولم أره لأحد من الأصحاب إلا ما حكيته عن "البحر"، وكذا مقتضى النص [أن] القادر على تحصيلك كفايته، [وكفاية من تلزمه كفايته] بالاكتساب اللائق بحاله، مع وجود من يستكسبه – داخل في اسم الفقر؛ فيجوز الصرف له من سهم الفقراء، ولا قائل به؛ بل جعلوه كالقادر على ذلك بمال معه أو بريع عقار موقوف عليه، وكذلك جعل كالغني من سقوط نفقته عن والديه ومولوديه، ووجوبها عليه لوالديه ومولوديه، وقد قال – عليه السلام -: "ولاحظَّ فيها لغنيّ ولا لذي مرّةٍ سويّ" وهي [القوة]،ويروي:"ولا لذي قوَّة مكتسب"، فسوّى بين الغني والمكتسب، وحينئذ فعبارة الشيخ –رحمه الله – أجمع للمقصود من غيرها.
نعم، لو كان قادراً على الاكتساب لكنه لو اكتسب لذهبت مروءته كأولاد الدهاقنة
والرؤساء وذوي المروءات، أو كان مشتغلاً بالعلوم الشرعية فلو اكتسب لتعطل عليه الاشتغال – فلا يقدح ذلك في استحقاقه، صرح به في الحالة الأولى القاضي الحسين في "تعليقه" والغزالي في "فتاويه"، وفي الحالة الثانية: الجمهور، موجّهين له بأن تحصيلها من فروض الكفايات، وفي "الروضة" أن الدارمي ذكر فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان نجيباً يرجى تفقُّهه، ونفع الناس به استحق، وإلا فلا.
وبالاتفاق لا يعطي للمعطل المعتكف في المدرسة، ولا يتأتى منه التحصيل؛ إذا كان قادراً على كسب كفايته، وكذا من أقبل على نوافل العبادات، وكان الكسب يمنعه عنها أو عن استغراق الوقت بها؛ لأن الكسب وقطع الطمع عما في أيدي الناس أولى من الإقبال على النوافل مع الطمع.
ولو لم يجد من يقدر على الاكتساب اللائق بحاله من يستكسبه حلت له الزكاة.
ثم ظاهر النص [يقتضي] أن المستغني بنفقة غيره بسبب قرابة أو زوجية، داخلٌ في اسم الفقر؛ [لأنه] لا يملك ما يأخذه إلا شيئاً فشيئاً، وقضيته أن يصرف إليه من سهم الفقراء [وقد ادعى الإمام أنه لا يصرف إليه من سهم الفقراء].
وهل يصرف إليه من سهم المساكين [أم لا]؟ فيه خلاف [سنذكره عن غيره في استحقاقه من سهم الفقراء، وقد صرح الرافعي بأنه هل يصرف [إليه] من سهم الفقراء أم لا؟ فيه خلاف] مرتب على ما إذا أوصى أو وقف على أقارب فلانٍ الفقراء، وفيهم من هو في نفقة غيره: هل يصرف إليه من الوقف أو الوصية [أم لا]؟ وفيه أربعة أوجه عن حكاية الشيخ أبي علي في "الشرح":
أحدها- وبه قال ابن الحداد -: نعم.
[والثاني]: ويحكي عن [أبي زيد والخضري]-: لا.
والثالث: - عن الأودني-: [أن من] في نفقة قريبه يستحق، دون الزوجة.
والرابع: عكسه.
فإن قلنا: لا استحقاق له في الوقف والوصية، فمن الزكاة أولى، وهذا أصح [على] ما ذكره الشيخ أبو علي وغيره.
وإن قلنا: له حق هناك، فهاهنا وجهان:
أصحهما: أن الجواب كذلك.
والثاني: المنع، وبه قال ابن الحداد.
والفرق: أن الاستحقاق في الوقف باسم الفقر، ولا يزول اسم الفقر بقيام غيره بأمره، والاستحقاق في الزكاة بالحاجة، ولا حاجة مع توجه النفقة على الغير؛ فأشبه المكتسب الذي يكتسب كل يوم قدر كفايته؛ فإنه لا تصرف له الزكاة وإن كان معدوداً في الفقراء.
قال الرافعي: ومن قال بالأول منع هذا وقال: الاستحقاقان منوطان بالفقر؛ فوجبت التسوية.
والذي أورده القاضي أبو الطيب في أثناء مسألة من الباب منع الصرف للمستغني بنفقة القريب كالمستغني بريع وقفٍ وُقِفَ عليه، وذلك في الزوجة من طريق الأولى؛ لما سنذكره، وهذا ما ينطبق عليه قول الشيخ؛ لأن هذا يقدر على كفايته أو على ما يقع موقعاً منها، وحكى في "التتمة" في القريب الوجه الآخر: أنه يصرف إليه، وفرق بين استغنائه بما يجب له على قريبه، وبما يستحقه من ريع الوقف؛ فإن استغناءه بقريبه يزول بأخذه الزكاة، ولا كذلك استغناؤه بريع الوقف؛ فإنه لا يزول بأخذها.
قلت: اللهم إلا أن يكون موقوفاً عليه بشرط أن يكون فقيراً فحينئذ لا فرق بينهما، [و] لما ذكره من الفرق كان المشهور من المذهب- كما قال-: أن الزوجة لا
يصرف لها من سهم الفقراء شيء؛ لأن استغناءها بالنفقة لا يزول بأخذها الزكاة.
نعم، قال القفال: إن كانت لا تستغني بما تأخذه من النفقة؛ بأن كان لها من تلزمها نفقته، أي من رقيق، أو كانت مريضة، وقلنا: لا تستحق المداواة على الزوج، أو كانت كثيرة الأكل لا تكتفي بالقدر المستحق لها-[فلها] أخذها.
قلت: و] ينبغي أن يكون أخذها [حينئذ] من سهم [المساكين كما] قال الإمام.
وعلى الأول لو نشزت لم يجز الصرف إليها، وإن كانت [لا] نفقة لها على الزوج؛ لأنها قادرة على إيجابها عليه بالعود إلى الطاعة، قاله القاضي الحسين وغيره، ونسبه الإمام إلى قول العراقيين، وقال الرافعي: إن به أجاب الشيخ أبو محمد.
وقال في "التهذيب": إنه يجوز أن تعطي؛ لأنه لا نفقة لها.
قال: فيدفع إليهم ما تزول به حاجتهم؛ لأنه المقصود بدفع الزكاة إليهم، والدفع يكون من الثُّمن كما تقدم، فإن كفى بعضه فذاك، وألا استوعب.
قال: من أداةٍ يكتسب بها، أي من هو ذو صنعة منهم، وكذا يعطي ما يكفيه إلى أن تحصل له الأداة.
قاله الإمام.
والأداة – بفتح الهمزة -: الآلة.
قال: أو مالٍ يتجر به، أي: من هو متعود بالجارة – و"يتجر": يقال بإسكان التاء وتشديدها – ولا مردَّ لما يدفع إليه من المال بسبب التجارة [إلا العادة، فإذا كان] البقلي يكتفي بخمسة دراهم، والباقلاني [يكتفي] بعشرة دراهم، والفاكهاني بعشرين، والخباز بخمسين، والبقال بمائة، والعطار بألف، والبزاز بألفي درهم، [والصيرفي بخمسة آلاف درهم]، والجوهري بعشرة
آلاف درهم- أعطي ذلك أو ما يتممه، كذا قاله الماوردي، ومفهومه: إذا كان واحداً ممن ذكرناهم يكتفي بأقل من ذلك أو لا يكتفي إلا بأكثر منه، كان قدر كفايته هو المعتبر، وعليه ينطبق قول غيره: إن المرجع في ذلك إلى عادته، حتى لو كان لا يحسن التجارة إلا بألف، أعطي ذلك.
وجعل في "البحر" كفاية من ذكرناهم مقدرة بالمبالغ المذكورة من غير نظر إلى العادة، وذلك يقتضي ألا يزاد عليها ولا ينقص وإن كان العرف على خلافها.
ولا جرم قال بعضهم: إن ذلك ليس بشيء، بل المحكم فيها العرف.
ومن ليس من [أهل] الصناعة والتجارة، بل من المشتغلين بالعلم، ومن يستغلُّ الضّياع والعقار – يعطي ما يشتري به من العقار والضياع ما يكفيه غلته لنفسه وعائلته على الدوام.
[و] قال أبو العباس بن القاص في "المفتاح" – كما قال في "البحر"-: يعطي الفقير والمسكين ما يتمم له قوت [سنة له] ولعياله، ولا يزاد على ذلك؛ لأن الزكاة تتكرر بتكرر الأعوام، ولأنه – عليه السلام –كان يدخر لأهله قوت عام، وبهذا قال الغزالي والبغوي، وجزم به الرافعي في "المحرر" كذا قال في "الروضة".
وقد رجع حاصل الخلاف إلى [أن]: المعتبر كفايته عاماً، أو كفايته مدة حياته؟ لأنا إذا دفعنا له الآلة ورأس مال التجارة وثمن الضيعة كفيناه مؤنة عمره؛ لأن ما يحصل من ذلك وإن كان شيئاً فشيئاً يكفيه عند حاجته إليه؛ ولذلك قلنا: من يقدر على اكتساب ما يكفيه لنفسه ولعياله يوماً فيوماً، لا يصرف إليه من سهم الفقر والمسكنة شيء، والمنصوص: اعتبار كفاية العمر [الغالب] كما قال في "البحر" و"الروضة"، وكلام الجمهور عليه.
[و] في "التتمة" إشارة إلى رفع الخلاف وتنزيل الكلامين على حالين: إن
أمكنه إعطاء ما تحصل منه كفايته أعطاه، وألا أعطاه كفاية سنة.
ورد عليه الرافعي بما لا يكاد يتجه.
وقد أبدى الإمام تردداً فيما إذا أراد أن يصرف الشخص الواحد [للفقير ما] يخرجه عن حد المسكنة دفعة واحدة: هل يجوز أم لا؟ فقال: [يحتمل أن يقال]: له ذلك، ويجوز أن يقال: لا يدفع إلى الفقير من سهم الفقراء إلا أقل القليل، والمرعيّ أن يخرج عن حد الفقر، فإذا صار إلى حد المسكنة، صرف إليه تتمة [الكفاية من سهم المسكنة، قال: وهذا الالتفات على أكل الميتة؛ فإنا قد نقول: يرعى غاية الضرورة في] الإقدام على الأكل ثم تردد الرأس] في أنه هل يزيد على سد الرمق، والأشبه عندي بالقواعد: جواز الصرف له كفايته.
نعم، لو صرف له ما أخرجه عن حد الفقر، ثم رام غيره أن يصرف له تتمة كفايته – [فلا يعطيه إلا من سهم المسكنة، ولو رام هو بعينه أن يصرف إليه تتمة كفايته] [من سهم الفقراء – والتفريع على أن له أن يعطيه] [كفايته] دفعة واحدة منه – فهل يجوز؟ قال: هذا فيه تردد فإنه؛ يجوز أن يمتنع في دفعتين لتعدد الفعل وتميز الآخر عن الأول، ويجوز أن ينظر إلى اتحاد الدافع.
قال: ولا شك أن ذلك في زكاة السنة الواحدة، فإذا تعددت السنة وفي يد الفقير بعينه مما كان أخذ ما يخرجه عن حد الفقر، فلا يعطي ذلك الشخص بعينه إلا من سهم المسكنة.
والله أعلم.
قال: فإن عرف رجل بالغنى، ثم ادعى الفقر لم يدفع إليه إلا ببينة؛ لأن الأصل بقاء غناه، وما ادعاه يمكن إقامة البينة عليه فكلف إقامتها، ثم البينة إن شهدت بتلف ماله الذي عرف غناه به كفى فيها –كما قال الماوردي – شاهدان، أو شاهد [واحد] وامرأتان، ولا يشترط أن يكونا من أهل الخبرة الباطنة، وإن شهدت البينة بفقره فلابد أن تكون من أهل الخبرة الباطنة بحاله، وفي عددها وجهان في "الحاوي":
أحدهما: اثنان ذكران.
والثاني: ثلاثة، وهو المذكور في "الإبانة" و"التتمة" كما ستعرفه في باب التفليس، وثمّ حكينا عن الإمام تزييفه، ووجهاً آخر عن رواية الشيخ أبي علي فليطلب منه.
أما إذا لم تعرف حاله، وادعى الفقر – قبل قولهن قال البندنيجي: بغير يمين؛ لأن دعواه موافقة للأصل، وقال في "التتمة": إن في قبول قوله من غير يمين، الوجهين الآتيين فيما إذا رآه قوياً وادعى أنه لا كسب له.
والفقر: بفتح الفاء، وضمها.
قال: والثالث: المساكين؛ [للآية]، وهم الذين يقدرون على ما يقع موقعاً من كفايتهم ولا يكفيهم، أي: مثل أن يحتاج الواحد منهم إلى عشرة وهو يقدر على سبعة أو ثمانية، [إما بتجارة] أو بصناعة أو من أجرة ضيعة، ونحو ذلك، هكذا فسره الأصمعي واختاره الشافعي – رحمه الله – ولا فرق عنده بين أن يكون ما يملكه من المال نصاباً من الأثمان أو أكثر منه، حال عليه الحول أو لا، فتؤخذ منه الزكاة ويصرف له من الزكاة، ولا فرق بين أن يكون ممن يسأل أو لا، وقد نقل المزني أنه قال في القديم: "المسكين: هو الذي يسأل"، فأفهم [أن] في المسألة قولين.
قلت: ويدل على ما قاله في القديم، قوله – عليه السلام- في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة – رضي الله عنه -:"ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتَّمرتان والأكلة والأكلتان؛ ولكنّ المسكين الذي لا يسأل النَّاس شيئاً، ولا يفطنون [به] [فيعطونه] "؛ لأنه لو لم يكن المسكين عندهم هو
السائل لم ينفه – عليه السلام – [ونفي رسول الله صلى الله عليه وسلم] اسم المسكنة عنه؛ لأنه بمسألته تأتيه الكفاية، وقد تأتيه زيادة عليها؛ فسقط اسم المسكنة.
والأكلة في الحديث: بالضم، وهي اللقمة، وهي بالفتح: المرة الواحدة مع الاستيفاء.
والذي عليه أكثر الأصحاب: أن المسألة ليست على قولين، بل على قول واحد وهو الأول، وقول الشافعي – رحمه الله -:"إن المسكين هو السائل"، أراد به أن الغالب ممن يسأل أنه يجد شيئاً.
وإذ [قد] عرفت حد [الفقير والمسكين] عرفت أن الفقير عند الشافعي – رحمه الله –أشد حالاً من المسكين، وعكسه أبو إسحاق المروزي فقال: المسكين أشد حالاً من الفقير، وبه قال الفراء والقتبي؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 16] أي: ألصق جلده بالتراب للعجز وغير ذلك، وحجة الشافعي – رحمه الله – قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: 79] فأثبت لهم ملكاً، وبدأ الله تعالى – في الآية بالفقراء، وعادة العرب البدأة بالأهم فالأهم؛ ولأن "الفقر" مشتق مما ذكرناه، و"المسكنة" مشتقة من التمسكن" وهو الخضوع، أو من "السكون"؛ لأن له شيئاً يسكن إليه، [وأيَّاً ما] كان فهو أخف حالاً من الأول.
قال الأصحاب: والخلاف المذكور لا تظهر له فائدة في الزكاة؛ فإنه لابد من إعطاء الصنفين، وإنما يظهر فيما إذا أوصى للفقراء [بمائة وللمساكين بخمسين، أو بالعكس، أو أوصى للفقراء] دون المساكين، أو بالعكس، أو نذر التصدق على الفقراء دون المساكين، أو بالعكس، [أو وقف على نحو ذلك]، وألا فهو لو أوصى أو وقف أو نذر التصدق على الفقراء أو المساكين [جاز أن يصرف إلى الصنفين، وجاز أن يصرف للفقراء فقط وإن ذكر المساكين،] وللمساكين فقط وإن ذكر الفقراء، كما
قدمنا حكايته عن رواية القاضي أبي الطيب.
وفي "تعليق" البندنيجي هنا: أنه إذا أوصى للفقراء أو المساكين جاز أن يصرف إليهما، والذي وقع النص عليه لا يخرج عن العطية، وقد يؤخذ ذلك من قول الشافعي – رحمه الله – الذي حكاه القاضي الحسين: هما اسمان يفترقان إذا اجتمعا، [ويجتمعان إذا افترقا]؛كما في اسم البائع والمشتري، وكما في اسم الفيء والغنيمة.
وقال القاضي الحسين بعد حكايته جواز الصرف للصنفين عند الإضافة إلى أحدهما: وفي قلبي من هذا غصة، ولم أره للشافعي – رحمه الله – وعندي أنه إذا أوصى للفقراء لا يصرف إلى المساكين، ولو أوصى للمساكين جاز أن يعطي لهما جميعاً.
وهذا قد حكاه غيره عن أبي إسحاق كما ستعرفه [في موضعه].
قال: فيدفع إليهم ما يتم به الكفاية، أي: من الثُّمن، فإن لم يحصل إلا بجميعه دفع إليهم.
فعلى هذا قال البندنيجي وغيره: يعطي من يحتاج في كل [يوم] إلى عشرة [ومتحصَّله ثمانية ما يتمم له العشرة]، فإن كان صانعاً [أعطي ما يتم له ذلك إلى نهاية عمره، وإن كان تاجراً] أعطي من المال ما يحصل له من ربحه تمام العشرة وإن كان يملك ألف دينار، وإن كان ممن يستغلّ العقار أعطي ما يشتري به عقاراً يتمم بريعه العشرة.
وإن كان الواحد منهم لا يستقل بنفسه ما لم يخدم، وكان له خادم-فقد قال الشيخ أبو محمد: إنه غير محسوب عليه إذا لم يكن نفيساً، وكذلك لا يحسب [عليه] مسكنه الذي يأويه ويأوي عائلته كما قلنا: إنه لا يباع ذلك في الكفارة المرتبة، وقال الإمام: إن ذلك ظاهر في المسكن، وكذا
الخادم الذي يحتاجه لضعف بدنه أو ضعف بصره، أما إذا كان يحتاجه لكونه مخدوماً [لمروءته] ومرتبته في النسا، بحيث لو تكلف خدمة نفسه لانخرمت مروءته- ففيه بعض النظر، ولا يمتنع [أن يفرق] الفارق بين ما نحن فيه والكفارة؛ لأن الكفارات يتطرق إليها توسعات من أدناها! أنها لا تثبت على الفور، وليس في الانتقال من أصل إلى بدل إسقاط الكفارة رأساً، والزكاة مثبتة؛ لشدة [الحاجة] في الفقير والمسكين.
ولو كان له كتب فقه [هو محتاج] إليها فقد قال في "الإحياء": إنها لا تخرجه عن المسكنة ولا تلزمه زكاة الفطر، وحكم كتابه حكم أثاث البيت؛ لأنه محتاج إليه، لكن ينبغي أن يحتاط في الحاجة إلى الكتاب؛ فالكتاب يحتاج إليه لثلاثة أغراض: التعليم، والتفرج بالمطالعة، والاستفادة:
فالتفرج لا يعد حاجة: كاقتناء كتب الشعر والتواريخ ونحوها مما لا ينفع في الآخرة ولا في الدنيا، فهذا يباع في الكفارة وزكاة الفطر ويمنع اسم المسكنة.
وأما حاجة التعليم: فإن كان للتكسُّب كالمؤدّب والمدرّس بأجرة فهذه آلته؛ فلا تباع في الفطرة كآلة الخياط، وإن كان يدرس للقيام بفرض الكفاية لم تبع ولا تسلبه اسم المسكنة؛ لأنها حاجة مهمة.
وأما حاجة الاستفادة والتعلم من الكتاب كادّخاره كتاب طب ليعالج به نفسه أو كتاب وعظ ليطالعه ويتعظ به، فإن كان في البلد طبيب وواعظ فهو مستغنٍ عن الكتاب، وإلا فهو محتاج، ثم ربما لا يحتاج إلى مطالعته إلا بعد مدة؛ فينبغي أن