كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 286-325
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحدود

صفحات 286-325
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مسائل الباب صورا أخر، إن شاء الله تعالى.
قال: فإن سرق الثياب والجواهر دونها أقفال في العمران؛ وجب القطع؛ لأن ذلك حرز مثله في العرف، سواء كان في البيت حافظ أو لم يكن، وفي معنى ذلك: الذهب والفضة والطيب، وهذا في النهار في حالة الأمن، ولا فرق [فيه] بين الحانوت والمنزل، وأما في الليل فقد أطلق في "التهذيب" أنه إذا كان فيها أحد [مع وجود الأقفال قطع، وإلا] فلا قطع.
وهكذا الحكم عنده في النهار في حالة الخوف.
وقال الماوردي: في حوانيت الصيارف والبزازين إن كان ذلك في زمان عدل السلطان وأمن الزمان، كانت حرزا لأموالهم من الدراهم والدنانير والبز في الليل، إذا كان بناؤها محكما، وأبوابها وثيقة، وأقفالها مكملة، ويكون على أسواقها دروب، ويكون فيها حراس.
وإن كان الزمان منتشر الفساد [و] قليل الأمن، لم تكن حوانيت الصيارف والبزازين حرزا لذلك، وينقل بالليل إلى منازلهم أو [إلى] حاناتهم.
أما إذا كان الباب مفتوحا والموضع في العمران فقد أطلق الرافعي في موضع حكاية عن الأصحاب: بأن النقدين والجواهر والثياب لا تكون محرزة إلا بإغلاق الباب عليها، وقال في موضع آخر: إن لم يكن في [الموضع أحد] فليس بحرز، [وإن كان فيه أحد، فإن كان نائما لم يكن حرزا بالليل]، وكذا بالنهار في حالة الخوف، وفي حالة [الأمن] وجهان، أصحهما: لا؛ كما لو لم يكن فيها أحد.
وإن كان مستيقظا، فإن لم تتم ملاحظته بأن كان يتردد في الدار، فيغفله السارق ويسرق – فعن حكاية الشيخ أبي علي: فيه وجهان، ويقال: إن القفال جعلهما جوابين في درسين، أشبههما – ويحكى عن النص-: أنه لا يجب القطع، ولا يجعل ما في الدار والحالة هذه

محرزا؛ للتقصير بإهمال المراقبة مع فتح الباب.
ولو كان يبالغ في الملاحظة؛ بحيث يحصل الإحراز بمثله في الصحراء فلا خلاف في وجوب القطع، ولو كانت الأقفال في برية، أو في [طرف خراب] من البلد، أو في بستان – لم يكن ذلك حرزا عند عدم الملاحظة وإن تناهت حصانة الدار المقفلة، وكذلك القلعة المحكمة؛ فإنها في هذه الحالة يسهل الوصول إلى ما فيها بالنقب والتسليق من غير خطر، وإن كانت ملاحظة كانت [حرزا، ولا يشترط عند حصانة الموضع – والحالة هذه – دوام المراقبة] في النهار، وأما في الليل: فإن لم يكن فيها أحد فليست [بحرز لما] فيها، وإن كان – لكنه نام – فعن "البيان" حكاية وجهين عن رواية المسعودي: الذي أجاب به منهما الشيخ أبو حامد ومن تابعه: أنها حرز.
قال الرافعي: والموافق لما أطلقه الإمام والبغوي خلافه.
وإن كان من فيها مستيقظا فهي حرز.
نعم، لو كان ممن لا يبالي به وهو بعيد عن الغوث فهو خائف في نفسه وماله.
فرع: الخيمة والفسطاط إذا ضربا في برية، وشدت أطنابهما، [وأسبلت أذيالهما]- فحرزهما وما فيهما من الأمتعة: أن يكون صاحبهما فيهما، سواء كان مستيقظا أو نائما، كما قاله البندنيجي وأبو الطيب.
وكذا إذا كان على بابهما كما نقله القاضي أبو الطيب عن حكاية القاضي أبي حامد في "الجامع"؛ لأن عادة الناس في إحراز أمتعتهم في الخيام هكذا.
وفي "الكافي": أن الحافظ لو كان نائما فلا قطع على السارق على الأصح، وعلى مقابله هو يشترط إسبال [باب] الخيمة؟ فيه وجهان عن رواية [الشيخ] ابن كج، ورأي الأظهر: أنه لا يشترط.

ولو لم يكن فيها ولا على بابها أحد فليست بمحرزة ولا ما فيها.
[وفي "الرافعي" [حكاية] وجه: أنها تكون محرزة في نفسها دون ما فيها].
قال الأئمة: والشرط أن يكون هنالك عند كون صاحبها فيها وجعلها محرزة به، وما فيها أن يكون هنالك من يتقوى به، فأما إذا كان في مفازة بعيد [عن الغوث] وهو ممن لا يبالى به، فلا إحراز.
ولو لم يشتد أطناب الخيمة ولم يرسل أذيالها، فهي وما فيها كالمتاع الموضوع في الصحراء، وحكمه إن نام دونه أو ولاه ظهره أو ذهل عنه بتشاغل لم يكن محرزا، وإن كان [متيقظا] يلاحظه فتغفله السارق وأخذ المال – قطع، وعن كتاب ابن كج [حكاية وجه آخر: أنه لا قطع عليه].
وهل يشترط ألا يكون في الموضع ازدحام الطارقين؟ فيه وجهان يأتي مثلهما، ومحل كونه محرزا بالملاحظة: إذا كان الملاحظ بحيث يقدر على المنع لو اطلع على أخذ السارق، إما بنفسه أو [بالاستغاثة] بالاستنجاد، فلو كان ضعيفا لا يبالى به السارق والموضع بعيد عن الغوث فالملاحظ ضائع مع المال.
وحكم المسجد حكم الصحراء.
ولو نام على المتاع، [أو جعله] تحت رأسه، [أو اتكأ] أو نام والعمامة على رأسه والخاتم في إصبعه والمدارس في رجله – فهو حرز.
روى أبو داود عن صفوان بن أمية، قال: كنت نائما في المسجد [على] خميصة لي بثمن ثلاثين درهما، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع، فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهما؟!

أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، فقال: "هلا كان] هذا [قبل أن تأتيني به".
ولو شد الخيمة بالأوتاد ولم يرسل أذيالها، وكان يمكن الدخول إليها من كل جانب – فهي محرزة، وما فيها ليس بمحرز.
قال الرافعي: وقد يفهم منه أن الأمتعة [والأحمال] إذا شد بعضها ببعض تكون محرزة بعض الإحراز، وإن لم يكن هناك خيمة، ولو أن السارق نحى النائم [أولا عن الخيمة] ثم سرق فلا قطع؛ لأنها لم تكن حرزا حين سرق.
وهكذا لو رفع السارق النائم عن الثواب [ثم أخذ الثواب، أو زالت رأس المتوسد النائم عما توسده] [ثم أخذ، أو انقلب في النوم] أولا [ثم أخذه] السارق – فلا قطع عليه.
قال: وإن سرق المتاع من الدكاكين، أي: في الليل، وفي السوق حارس، أو سرق الثياب من الحمام وهناك حافظ، [أو الجمال] من المرعى ومعها راع، أو السفن من الشط وهي مشدودة، أو الكفن من القبر – وجب القطع.
هذا الفصل ينظم خمس مسائل في الحكم لعد أهل العرف ذلك حرزا لما [ذكر:].
فالأولى إذا سرق المتاع من الدكاكين في الليل وفي السوق حارس قطع؛ لما ذكرنا.
وقد اشترط الماوردي في متاع الصيارف والبزازين ما ذكرناه من قبل، وقال: إنه لا يشترط أن يبت في الحوانيت أربابها؛ لخروجه عن العرف.
وفي "المهذب": عدم اشتراط الحارس في سوق الصيادلة والبقالين عن وجود الأمن الظاهر، واشتراطه في حالة قلة الأمن، أما إذا كان في النهار فمجرد إغلاق

الحانوت كاف، وكذا فتحه وملاحظة المالك وما فيه من المتاع أو جلوسه على بابه كما قال الماوردي، فإن انصرف عنه أو نام صار ما فيه غير محرز، وهذا إذا انتفت الزحمة [من] على الحانوت، فلو وجدت ففي القطع وجهان جاريان فيما لو كان المتاع مطروحا في الشارع ملاحظا والزحام موجود.
قال الإمام: فلو كان المتاع الذي في الشارع ملحوظا بملاحظة جمع فيصير عدد اللاحظين في معارضة عدد الطارقين كاللحاظ في الصحراء في معارضة طارق واحد.
ويشترط أن [يكون الملاحظ] [بحيث] يقدر على المنع كما تقدم.
واعتبر الماوردي فيما إذا كان المتاع في أفنية الأسواق وطرقاتها في الحرز ثلاثة شروط: أن يكون بين يديه؛ فإن كان وراءه فليس بحرز.
وأن يرى جميعه؛ فإن لم ير منه شيئا فليس ما لم [يره] محرزا.
[وأن يكون] مجتمعا لا يمشي بينه مارة الطريق؛ فإن تفرق لم يكن ما حال بينه وبين المارة محرزا.
والثانية: إذا سرق الثياب من الحمام وهناك حافظ، قطع، لما ذكرناه.
والمراد [بالحافظ]: من استحفظه [صاحب الثياب المسروق، سواء كان حافظ الحمام] أو غيره، فلو نزع ثيابه والحمامي أو الحارس حاضر، ولم يسلمها إليه، ولا استحفظه إياها، بل دخل على العادة، فسرقت – فلا قطع، ولا ضمان على الحمامي والحارس على أي وجه سرقت، قاله البندنيجي والبغوي وغيرهما.
وفي "فتاوى" القاضي: أنه يضمن للعادة، قال مؤلفها: وهو أصح.

ثم في قول الشيخ: وهناك حافظ، ما يعرفك أن شرطه [أن] يكون مستيقظا مراقبا؛ لأنه إذا نام أو أعرض فليس بحافظ حقيقة، وبه صرح الأصحاب، لكنه في هذه الحالة إذا كان قد استحفظ الثياب فسرقت ضمنها، وإن لم يقطع السارق.
وقد اعتبر القاضي الحسين وصاحب "الكافي" والرافعي في وجوب القطع: أن يكون [قد] دخل ليسرق لا لغرض آخر، فإن كان الحمامي قد أذن للناس في الدخول، فدخل [الحمام] واغتسل وسرق عند خروجه [منه –] فلا قطع.
قال القاضي: كما لو أذن للناس بالدخول في حانوته، فدخل إنسان، وسرق منه [لا قطع عليه].
والرافعي قال بعدم القطع إذا دخل مشتريا، وبوجوبه إذا دخل سارقا، وحكى قبل ذلك فيما إذا فتح صاحب الدار بابها، وأذن للناس في الدخول عليه لشراء متاعه كما يفعله الذي يخبز في داره – وجهين في وجوب القطع من غير تفصيل، ووجه المنع بأن الزحمة قد تشغل الحس.
وفي "الحاوي" حكاية وجهين في أنه هل يعتبر [في القطع] خروجه من الحمام، أو لا [كما لا] يعتبر خروج السارق من المسجد إذا سرق منه؟ والأول هو الذي أجاب به الغزالي في "الفتاوى".
والثالثة: إذا سرق الجمال من الرعي ومعها راع، أي: ينظر إلى جميعها ويبلغها صوته؛ كما قاله في "المهذب" و"الحاوي" وغيرهما – قطع؛ لما ذكرناه.
وأطلق القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ القول بأن الراعي إذا كان ينظر إلى جميعها قطع [السارق]، وسكتوا هم وغيرهم عن اعتبار بلوغ الصوت،

وكأنهم اكتفوا بالنظر، اعتمادا على أنه إذا قصد ما يراه أمكنه أن يعدو إليه، فيدفع.
ولو لم ير بعضها؛ لكونه في وهدة أو خلف جبل أو حائط أو شجرة – فلا قطع على الشارق، وكذا لو نام أو تشاغل.
[ولو بعد] بعضها بحيث لا يبلغها صوته، فلا قطع عند المصنف والماوردي على من سرقه.
واعتبر الماوردي وراء ما حكيناه عنه في القطع: أن تكون الجمال على ماء واحد ومسرح واحد لا يختلف بها مسرح ولا ماء، وألا يبعد [ما] بين أوائلها وأواخرها؛ حتى لا يخرج عن العرف في المسرح.
والحكم في الخيل والبغال والحمير إذا كانت ترعى على ما ذكرناه، وكذا الغنم إذا كان الراعي على نشز من الأرض يراها جميعها، فهي محرزة، وإن كانت متفرقة إذا بلغها صوته، قاله الرافعي وغيره.
أما إذا لم تكن الإبل ترعى، فإن كانت باركة، قال القاضي أبو الطيب: فحرزها بشيئين: أحدهما: أن تكون معقلة.
والثاني: أن يكون صاحبها معها، مستيقظا كان أو نائما؛ لأن عادة الرعاة إذا أرادوا النوم أبركوا إبلهم وعقلوها.
وهذا يدل على اعتبار عقلها في حالة النوم خاصة، وهو ما صرح به ابن الصباغ وغيره، واعتبروا في حال عدم عقلها ونقيضه أن ينظر إليها ويلاحظها.
واعتبر الماوردي في حال النوم أن يضم بعضها إلى بعض، وأن يربطها إلى حبل قد مدة لجميعها، فإن فقد شيء من ذلك لم تكن محرزة.
وحكم الخيل والبغال والحمير كذلك إلا في اعتبار إناختها، ويكون شكلها عوضا عن العقل، قاله الماوردي.
وإن كانت الإبل سائرة، فإن كانت مقطرة كان الرجل الواحد في القطار حرزا لما يراه منه ويقدر على زجره [في مسيره]، قال الماوردي: فتصير بهذين

الشرطين – الرؤية والزجر – حرزا، دون أحدهما، والأغلب: أنه يكون في ثلاثة من الإبل، فإن تجاوزت فإلى أربعة، وغايته خمسة إن كان في الجمال [فضل شهامة وجلد]، وسواء كان قائدا أو سائقا، فإن سرق شيء منها، وأبعد به عن نظر جماله وموضع حرزه – وجب القطع.
وفي "تعليق" أبي الطيب: أن حرزها إذا كان يسوقها مقطرة نظره إلى جميعها بحيث لا يخفى عليه شيء منها، وإن كان يقودها فحرزها يكون أمامها بحيث يشاهد جميعها كلما التفت إليها، ويكثر تعاهدها بالنظر والالتفات كالمراعي لها، فإن لم ير البعض لحائل – جبل أو بناء – أو كانت تسير في العمران، فذلك البعض [ليس بمحرز].
وفي كتاب ابن كج [وجه آخر]: أنه لا يعتبر انتهاء النظر إلى آخرها، ويكفي النظر إحرازا.
قال الرافعي: وليجئ هذا في سوقها أيضا.
واعتبر الفوراني ألا يزيد على القطار، وهو تسعة جمال، وعليه جرى الغزالي.
[وقال الرافعي]: ينبغي ألا يزيد القطار الواحد على تسعة للعادة الغالبة، فإن زادت فهي كغير المقطرة.
قال: ومنهم من أطلق ذكر التقدير، ولم يقيده بعدد.
والأحسن توسط أورده أبو الفرج في "الأمالي"، فقال: في الصحراء لا يتقيد القطار بعدد، و [في] العمران يعتبر ما جرت العادة بأن يجعلها قطارا واحدا، وهو ما بين سبعة إلى عشرة، فإن زاد لم تكن الزيادة محرزة.
وهذا هو الذي أورده القاضي الحسين في "التعليق".

وإن لم تكن مقطرة، بل كانت تساق، فمنهم من أطلق القول بأنها غير محرزة؛ لأن الإبل لا تسير هكذا في الغالب،] وعلى هذا جرى صاحب "التهذيب".
وعن الإيضاح: أنه لا فرق بين أن تكون مقطرة أو لا؛ وبهذا أخذ القاضي الروياني، وقال: المعتبر أن يقرب منه ويقع نظره عليها، ولا تعتبر صورة التقطير.
وفي "الحاوي": أن الواحد في هذه الحالة حرز لما يناله سوطه [منها؛ لأنه بالسوط يسوقها ويزجرها، ولا يكون حرزا لما لا يناله سوطه] وإن كان يراه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن التقطير ليس بشرط في الحرز إن كان يسوقها، بل المعتبرة نظره إليها، وإن كان يقودها فالتقطير شرط.
والخيل والبغال والحمير والغنم السائرة، كالإبل السائرة إذا لم تكن مقطرة.
قال الرافعي: ولم يعتبروا التقطير فيها؛ لكنه معتاد في [البغال].
وعدد الغنم المحرزة بالواحد يختلف بالبلد والصحراء.
وعن المسعودي: أن الغنم المرسلة في سكة تشرع إليها أبواب الدور، لا تكون محرزة حتى [تأوي إلى] الموضع.
قال الرافعي: وليكن هذا فيما إذا كثرت وتعذرت الملاحظة.
قلت: وإذا كان كذلك، لم يختص الفرض بهذه الصورة.
واعلم أن ما جعلناه محرزا من الإبل ونحوها، فما على ظهره محرز أيضا، حتى إذا سرق منه ما قيمته نصاب قطع، [وكذلك لو سرق البعير وما عليه، إلا أن يكون صاحبا راكبا عليه؛ فلا قطع] كما جزم به أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
وحكى القاضي الحسين في هذه الصورة، إذا كان الراكب نائما، في وجوب القطع وجهين: أحدهما: نعم؛ لأنه محرز على طريق الحقيقة.
والثاني: لا يقطع.
ثم قال: وقال ابن أبي هريرة: إن كان قويا وعلم السارق أنه لو انتبه منعه من

ذلك، لم يقطع، وإلا يجب القطع.
رأيته على الحاشية.
انتهى.
وحكى الفوراني الوجه الأول، ووجها ثانيا: وهو إن كان الراكب قويا؛ بحيث لو انتبه لم يقو اللص عليه، لم يقطع، وإلا قطع.
والفرق بينه وبين ما حكاه القاضي عن ابن أبي هريرة: [أن ابن أبي هريرة اشترط] علم اللص بقوته، وهذا لم يشترطه.
قال الفوراني: وقد قيل: إن كان الحارس عبد فعلى السارق القطع؛ لأنه بمنزلة المتاع المملوك، وإن كان جرا فلا قطع.
وهذا ما أورده البندنيجي، قال الرافعي: وكثيرون، وهو الصحيح، وقال: إن العبد لو كان نائما على مال فأخذ والمال معا؛ ففيه القطع.
فرع: إذا كانت الماشية من غير الإبل والخيل والبغال والحمير [في] حظيرة دير أو مراح أو إصطبل، قال البندنيجي: نظرت: فإن كانت في بادية فليس بحرز، سواء أغلق الباب أو لم يغلق، ما لم يكن معها في المكان حارس، فإن [كان] وكان الباب] مغلقا، فهو حرز، [نائما كان الحارس] أو مستيقظا، وإن كان الباب] مفتوحا: فإن كان مستيقظا يراها فهي حرز، وإن كان نائما فليست في حرز.
قال الرافعي: ويكفي أن يكون المراح من حطب أو حشيش إذا كان صاحبها فيها.
وإن [كان] ذلك في الأبنية المتصلة بالعمارات والأبواب مغلقة، قال ابن الصباغ والرافعي وغيرهما: فهي محرزة، سواء كان صاحبها فيها أو لم يكن، وإن [كانت] [الأبواب] مفتوحة، فهي حرز إن كان صاحبها فيها مستيقظا، وإلا فليست بحرز.
ولو دخل المراح المحرز، وحلب من ألبان الغنم، أو جز من أصوافها ما قيمته نصاب – قال الرافعي وابن الصباغ: قطع.
وفي "الحاوي": إن كان المحلوب

من البهيمة الواحدة يبلغ نصابا، قطع، وإن لم يبلغ إلا باحتلاب غيرها، ففي القطع وجهان، وجه المنع، أن كل ضرع حرز للبنه.
والرابعة: إذا سرق السفن من الشط وهي مشدودة، قطع؛ لما ذكرناه، فلو لم تكن مشدودة فلا قطع؛ لأنه ليس بحرز في العادة.
والسفن: المراكب الكبار، والشط، جانب البر والوادي، جمعه: شطوط.
والخامسة: إذا سرق الكفن من القبر، قطع، لأنه سارق، وإن اختص باسم آخر وهو النباش؛ فاندرج في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38]، وإنما قلنا: إنه سارق؛ لقول عائشة – رضي الله عنهما -: "سارق أمواتنا كسارق أحيائنا".
وروي عن عمر بن عبد العزيز مثله.
وقد روى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من غرق غرقناه، ومن حرق حرقناه، ومن نبش قطعناه".
وروي أنه – عليه السلام – أمر بقطع المختفي.
قال الأصمعي: أهل الحجاز يسمون النباش: المختفي.
ولأن الحرز إنما شرط في وجوب القطع؛ لأن المحرز يحتشم الناس من تناوله ومد الأيدي إليه، وهذا المعنى موجود في الكفن في القبر: فإن [في] الطباع نفرة عن تناوله؛ فحل القبر محل الحرز بالبيوت المغلقة والأبواب المقفلة.
فإن قيل: هذا ينتقض بمن سرق حبا مبذورا؛ فإن الأرض حرز مثله، ومع ذلك لا قطع عليه.
قال [القاضي] أبو الطيب والماوردي: الجواب أن من أصحابنا من قال: يجب عليه القطع؛ فسقط السؤال، ومنهم من قال: لا قطع، والفرق: أن الذي سرق الحب لم يخرج من الحرز ما [لم] يبلغ [نصابا؛ لأنه يخرجه حبة حبة،

وهي لا تبلغ نصابا، [بخلاف النباش، فإنه يخرج] [من الحرز ما يبلغ] نصابا]؛ فلذلك قطع.
فإن قيل: الكفن لا مالك له، فلم يجب القطع بسرقته كسائر الأشياء المباحة.
قال أبو الطيب والماوردي: لأصحابنا في الكفن إذا كان من تركة الميت، ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ملك للميت، فإذا أكله سبع أو أخذه سيل، انتقل إلى ملك الورثة على رأي، وعلى رأي الأكثرين: يكون بيت المال، وبه جزم ابن الصباغ.
والثاني: أنه ملك للورثة، والميت أحق به ما دام باقيا، فإذا بلي تصرفوا فيه بالفريضة، وهذا هو الأصح في "الرافعي".
وعلى هذين الوجهين يندفع السؤال.
والثالث: أنه لا مالك له، أي: معين؛ فيكون لله – تعالى – كما قاله الرافعي؛ لأن الوارث لا يتمكن من التصرف فيه، والميت لا يملك شيئا، فإذا بلي الميت؛ كان لبيت المال.
وجزم القاضي الحسين بأنه يكون ملكا للوارث على هذا الوجه أيضا؛ كما جزم به إذا قيل بغيره.
والمشهور الأول، وعلى هذا لا يمتنع أن يقطع فيه؛ كما أن ستارة الكعبة لا مالك لها، ويقطع سارقها، وكذلك أبواب المساجد.
على أن ابن خيران روى قولا آخر: أنه لا يجب القطع بسرقة الكفن بحال؛ لأنه موضوع للبلى، ويذكر أن أبا حفص ابن الوكيل نسب ذلك إلى القول القديم، والصحيح – وبه [قطع أكثر الأصحاب] الأول.
وحيث تكلمنا في ملك الكفن، فلننه الكلام فيه: فإذا كان الكفن من بيت المال أو من مال أجنبي، فلمن هو؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على الخلاف المذكور فيما إذا كفن من تركته.
والثاني: القطع بأنه يبقى على ملك الأجنبي أو حكم بيت المال؛ لأن نقل

الملك إلى غير مالك لا يمكن، والميت لا يملك ابتداء، وغير الميت لم يملك؛ فكان الأجنبي معيرا للكفن إعارة لا رجوع فيها كالإعارة للدفن، ويرجع إليه وإلى بيت المال بعد بلى الميت، وهذا أصح في "الكافي"؛ حيث قال: يرد إليه بعد بلى الميت على الأصح.
ولو كان الميت عبدا، وقد كفنه السيد، فالملك في الكفن للسيد، أو لا يملكه أحد؟ فيه وجهان في "تعليق" البندنيجي وغيره، قال: ولا يجيء فيه أنه على حكم ملكه.
قال الرافعي: لأن العبد لا يملك إلا بتمليك السيد على القول القديم، والسيد لم يملكه.
ثم قال: ولمنازع أن ينازع فيه، ويجعل التكفين تمليكا، كما جعل تكفين الأجنبي تمليكا على رأي، وحكم بأن الكفن ملك للميت.
قلت: ويجيء هذا – أيضا – على قولنا: إن العبد لا] يملك بتمليك [السيد؛ لأن هذا التمليك جرى بعد الموت، وبالموت زال الرق عنه، فصار كالحر المعسر؛ كما أشار إليه الغزالي في كفارة اليمين، والله أعلم.
واعلم أن ما ذكرناه، في الكفن المشروع وهو خمسة أبواب؛ كما قاله أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
وقال القاضي الحسين: إنه ثلاثة، فأما إذا كفن في الزائد على المشروع، [فالزائد] ليس بمحرز، وقيل: يقطع سارقه، وقد أجرى هذا الوجه فيما إذا وضع في القبر مضربة أو وسادة للميت، ويجري في سرقة التابوت الذي دفن فيه الميت، وعن بعضهم إجراؤه فيما إذا دفن معه [دراهم أو دنانير.
وعن "الرقم" للعبادي: أن القاضي الحسين حكى عن القفال وجوب القطع فيما إذا دفن معه] مال تبعد المهم والأوهام عن دفنه فيه، ومحل ذلك إذا لم يكن القبر في بيت محرز، أما إذا كان، وجب القطع جزما؛ كما قاله الإمام، وإن كان ذلك المالك متعرضا للبلى.
والطيب الزائد على ما يستحب تطييب الميت به، كسائر الأموال؛ فلا قطع فيه

على المشهور.
وبه أجاب الماسرجسي، وقال بالقطع فيما إذا سرق القدر المستحب، وبلغت قيمته نصابا؛ لأن تطييبه من السنة؛ فجرى مجرى الأكفان.
قال ابن الصباغ: وعندي أنه لا يجتمع الطيب [المستحب؛ فإن] المستحب التبخير بالعود، وأن يطرح في الحنوط كافور، وذلك مما لا يجتمع، فإن كان مجتمعا فلا قطع فيه.
يعني: لأنه زائد.
وقد حكى الماوردي وجها أنه لا قطع في الطيب بحال؛ لأنه يستهلك، بخلاف الأكفان.
ثم ما أطلقناه من وجوب القطع بسرقة الكفن محله – كما قال الأصحاب – إذا أخرج من جميع القبر مجردا عن الميت، أما إذا أخرج من اللحد إلى فضاء القبر وتركه هنالك لخوف أو غيره، لم يقطع على المنصوص المشهور.
قال الرافعي: ويجوز أن يخرج ذلك على الإخراج من البيت إلى صحن الدار، يعني: وقد فتح اللص بابها؛ كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ولو أخرجه على الميت ولم يجرده عنه، ففي قطعة وجهان [في "الحاوي"]: [أحدهما]- وينسب إلى المروزي -: أنه لا قطع؛ لاستبقائه على الميت.
والثاني – وهو قياس [قول] ابن أبي هريرة -: أنه يقطع.
وقد أطلق الشيخ هنا ذكر القبر، ولم يفصل فيه بين أن يكون في مفازة أو في مقابر المسلمين في الصحراء، أو [في] العمران.
وهو متبع في الإطلاق للقاضي أبي الطيب والبندنيجي، و [عليه جرى] ابن الصباغ أيضا.
وقضيته: أن القبر حرز على الإطلاق، كما حكى ذلك وجها، ويعزى إلى اختيار الشيخ أبي حامد والقفال والقاضي الحسين وأبي الحسن العبادي؛ لأن النفوس تهاب الموتى.
وفي "المهذب": إن كان القبر في برية، لم يقطع، وإن كان في مقبرة تلي العمران، قطع.
وهو منطبق على قول الماوردي: إن كان القبر منفردا في الفلوات، فلا قطع في السرقة منه، وإن كان في مقابر البلد الأنيسة [قطع]، سواء كان

في وسط البلد أو ظاهرها؛ بشرط أن يكون القبر عميقا؛ فلو كان قريبا من وجه الأرض، فلا قطع.
انتهى.
وعن "فتاوى" الفراء: أنه لو وضع الميت [قريبا] على وجه الأرض، ونضدت الحجارة عليه – كان ذلك كالدفن حتى يجب القطع بسرقة الكفن، خصوصا إذا كان ذلك حيث لا يمكن الحفر.
وقد انتظم من مجموع ذلك وجوب القطع إذا كان في المقبرة المتصلة بالعمران، [و] من طريق الأولى إذا كان محرزا في بيت، وسرق الخارج عن البيت الكفن منه، وإن كان في مفازة فوجهان، وكذلك أورده صاحب "الكافي"، والوجهان يجريان فيما إذا كان القبر في بيت، وسرق من في البيت الكفن؛ كما حكاه في "التهذيب".
وقال القاضي الحسين [وغيره]: إن كان القبر محرزا في بيت أو في المقابر العامة التي بقرب العمران، وهناك حارس – قطع، وكذلك إذا كانت المقبرة محفوفة بالعمارات؛ بحيث يندر تخلف الطارقين عنها زمنا يتأتى فيه النبش؛ كما قاله الإمام.
وإن كان في المقابر العامرة التي بقرب البلد، ولم يكن ثم حارس – فوجهان، والمذهب في "تعليق" القاضي الحسين وجوبه، وإن كان في المقابر التي لا يعلم أن الناس يبلغون إليها، فإن كان بعيدا من البلد، لا قطع.
قال القاضي: والذي عندي أنه يقطع؛ لأنه إذا مات في صحراء أو في مفازة، يجب دفنه هناك، ولا يجوز نقله إلى موضع آخر، فإذا فعل الواجب استحال أن ينسب إلى تضييع.
فرع: إذا طرح الميت في الماء، فأخذ أحد كفنه فلا قطع؛ لأنه ظاهر، وهو كما لو وضع الميت على شفير القبر فأخذ سارق كفنه.
ولو غيبه الماء، فغاص سارق وأخذ كفنه لم يقطع؛ لأن طرحه في الماء لا يعد إحرازا، وهذا كما لو وضعه] على وجه [الأرض فغيبه الريح بالتراب، قاله الفراء في "فتاويه".

قال الرافعي.
وقد يتوقف في هذا.
قال: وإن كان [المال] محرزا [في بيت]؛ يعني: لكون باب البيت مغلقا، [فأخرجه منه إلى الدار وهي مشتركة بين سكان – قطع، أي:] سواء كان الباب مغلقا أو مفتوحا؛ كما قاله البندنيجي وابن الصباغ والقاضي [الحسين]؛ لأنه أخرجه من الحرز [إلى ما ليس بحرز، فقطع كما لو أخرجه من دار] إلى زقاق غير نافذ وإن كان موثقا بالدرب، وهكذا الحكم في المدرسة والرباط والخان إذا أخرج من مخزن منه شيئا، وطرحه في وسطه، وفيه سكان.
وفي "الإبانة" وغيرها من كتب المراوزة: أنه إذا أخرج المال من بعض البيوت المغلقة إلى الخان ونحوه من لا بين له فيه، والخان مغلق – فهل يقطع؟ فيه وجهان.
قال الرافعي: ويقرب من هذا ما حكى عن "المنهاج" للشيخ أبي حامد: أنه إن كان بالليل لم يقطع؛ لأن الباب يكون مغلقا بالليل، وإن كان بالنهار يقطع.
ولو كان المخرج من البيت المحرز إلى صحن الخان بعض سكان الخان ونحوه، فعليه القطع، سواء كان باب الخان مغلقا أو مفتوحا؛ لأن الصحن في حق السكان كالسكة المسندة بالإضافة إلى الدور، وهذا بخلاف ما لو سرق من [في] الخان شيئا من عرضه الخان، فإنه لا قطع عليه؛ لأنها مشتركة بينهم وما فيها فير محرز عنه.
قال الإمام: هذا إذا [كان] فتح الباب هينا على من يخرج [من] العرصة بأن [كان] موثقا بالسلاسل ونحوها، فأما إذا كان موثقا بالمغاليق، وله مفاتيح بيد حارس؛ وكان يحتاج [مخرج المتاع] إلى معاناة ما يحتاج إليه [من يحاول] الدخول من خارج – فهذا فيه تردد.
وذكر احتمالا في عدم

وجوب القطع بالإخراج من الدار إلى السكة المسندة الأسفل الموثقة بالدروب – إيقاف عرصة الخان؛ لأنها مملوكة لأصحاب الدور، وهي من مرافقهم، فتشبه عرصة الدار.
وقال: [إن] الذي رآه الأصحاب الأول.
قال الرافعي: وقد يفرق على هذا بأن الأمتعة قد توضع في العرصة؛ اعتمادا على ملاحظة سكان الحجر والبيوت، بخلاف السكة.
قال: وإن كان الجميع لواحد وباب الدار مفتوح، أي: لم يغلقه المالك – قطع؛ لأن ما في الدار ليس بمحرز مع فتح بابها؛ فأشبه ما لو أخرجه إلى الزقاق.
قال: وإن كان مغلقا فقد قيل: يقطع؛ لأن [باب] البيت حرز لما فيه من المال، فإذا أخرج منه فقد أخرجه من حرزه؛ فوجب عليه القطع كما لو كان باب الدار مفتوحا، وهذا أصح في "الجيلي".
وقيل: لا يقطع؛ لأن الدار حرز لما فيها، والبيت حرز لما فيه؛ فلم يجب القطع بهتك أحد الحرزين [وإخراج المال منه] دون الآخر؛ كما لو كان المال في صندوق وهو مقفل، وذلك الصندوق في بيت مقفل، فأخرج السارق المال من الصندوق إلى البيت؛ فإنه لا قطع عليه، وهذا ظاهر النص في "المختصر"، وأصح في "الحاوي" وعند النواوي وصاحب "المرشد".
وما ذكره الشيخ في الحالين هو ما أورده الأكثرون، وحكى الإمام الخلاف في الحالة الثانية فيما إذا كان المخرج من البيت تصلح الدار حرزا له، وقال فيما إذا لم تكن الدار حرزا له: وجهان مرتبان على الوجهين في الحالة السابقة، وهاهنا أولى بوجوب القطع، والفرق أن الدار مضيعة [بالإضافة إلى المخرج]، بخلافها في الحالة السابقة، ووجه عدم وجوب القطع في هذه الحالة بأن باب الدار إذا كان مغلقا فهو مزيد إيثاق المال الذي في البيت، فهي تتمة الحرز، فاعتبر قائله في القطع الإخراج من تمام الحرز.
قال: وإذا جمعت بين المسألتين انتظم فيها ثلاثة أجه، ثالثها – وينسب إلى [ابن] القطان -: الفرق بين أن يكون المخرج

إلى الدار مما يحرز بها، فلا قطع، وإلا فيقطع.
وعلى ذلك جرى الغزالي، وقد حرر الإمام هاهنا بحثا في تصوير المسألة فقال: لا شك في جريان ما ذكر فيما إذا تسلق اللص الجدار وتدلى إلى العرصة أخرج المتاع من البيت، فلو فتح باب الدار [ثم أخرج] المتاع [أو الدراهم] من البيت إلى العرصة فهذا فيه نظر؛ لأن الحرز إذا هتكه السارق فهو في حكم الحرز الدائم، ولولا ذلك لما أوجبنا عليه القطع بدخوله بعد النقب والأخذ منه، وقد نجيز هذا تخفيفا على السارق إذا قيل: أخرج من حرز إلى حرز، ولو حكمنا بانتهاك الحرز [في العرصة] لقطع، ونحن فإنما جعلنا الحرز بعد النقب في حكم الباقي تغليظا عليه، فقياس هذا الفقه: أن تجعل العرصة مضيعة؛ ليلزم الداخل بالإخراج [من البيت] إليها القطع، والمسألة محتملة؛ لأنه ليس مبنى الباب على التغليظ، وإنما جعلنا الناقب إذا سرق سارقا؛ لأن صورة السرقة في الغالب تكون كذا.
قلت: والذي يظهر صحته الأول؛ لأن بمجرد فتح الباب أو نقب الدار لم يبق حرزا، وكذلك لو سرق منها سارق لم يقطع، وكذا لو لم يكن في الحرز حالة النقب [إلا] دون النصاب، فدخل المالك ووضع فيه شيئا، ولم يدر بهتك الحرز وكون اللص فيه، فأخذه اللص - فلا قطع عليه؛ كما حكاه القاضي الحسين عن الأصحاب؛ لأنه وضعه في حرز مهتوك، وإذا كان [ذلك] كذلك فما أخرجه إليها فهو مخرج إلى غير حرز؛ فأشبه ما لو أخرجه إلى الزقاق، لكن الذي يظهر موافقة الأصحاب عليه الثاني؛ حيث قالوا: لو أخرج الكفن من اللحد إلى فضاء القبر، وتركه هنالك لخوف أو غيره - لم يقطع على النص.
ولم يحكموا سواه مع أنه قد صيره في غير حرز، والله أعلم.
فرع: إذا رفع اللص المال من البيت إلى السطح، قال الماوردي: إن كان على السطح ممرق يغلق] على السفل قطع، لأن خروجه من الممرق كخروجه

من باب الدار، وإن لم يكن [عليه] ممرق يغلق]: فإن كان السطح عاليا أو عليه سترة مبنية تمنع من الوصول إليه لم يقطع؛ كما لو صعد بالمال من سفل الدار إلى غرفها، وإن كان بخلاف ذلك قطع.
قال: وإن نقب رجلان، فدخل أحدهما وأخرج المتاع، ووضعه في وسط النقب، أي: وقيمته نصابان فأكثر، فأخذه الخارج – ففيه قولان: أحدهما: يقطعان؛ لأنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراج المال؛ فوجب عليهما القطع؛ كما لو حملاه جميعا من الحرز وأخرجاه، ولأنا لو لم نوجب القطع عليهما صار ذلك طريقا إلى إسقاط القطع.
وهذا ما نقله الحارث بن سريج النقال عن الشافعي – رضي الله عنه – كما قاله القاضيان أبو الطيب والحسين.
وقال الماوردي: إنه رواه ابن شبرمة عن الشافعي – رضي الله عنه – في القديم.
والثاني: لا يقطعان؛ لأن كل واحد منهما لم يخرج المال من كمال الحرز؛ لأن الحرز هو الحائط، وهذا ما رواه المزني والربيع، وهو الصحيح في الطرق، وبه قطع الصيدلاني؛ لأن فعل كل واحد منهما منفرد عن الآخر فلم يبن عليه؛ كما لو نقب واحد فجاء آخر فأخرج [المال]، وما ذكر من أنا لو لم نوجب القطع لصار طريقا لنفي القطع، يلزم عليه أن يقال: إذا ادعى السارق أن المسروق ملكه، يقطع لهذا المعنى، وقد نسب ابن الصباغ القولين إلى رواية الحارث بن سريج النقال، وقال القاضي أبو حامد: إنهما في كتبه القديمة.
وعلى هذا يكون في المسألة طريقان، وقد جزم البندنيجي وغيره بأن أحدهما والصورة هذه لو قرب المتاع من النقب، فأخذه الخارج، كان القطع على المخرج دون المقرب، ومن طريق الأولى إذا نقبا ودخل أحدهما وأخرج المتاع، في اختصاصه بالقطع.
قال الإمام: ورأيت في بعض التعاليق عن شيخي حكاية وجهين في وجوب القطع على المخرج.

وإذا جرى الخلاف في هذه الصورة ففي التي قبلها أولى، ثم ما المراد بالاشتراك في النقب؟ فيه وجهان: أحدهما – وينسب إلى رواية الفوراني -: أن يأخذا آلة واحدة فينقبان بها على النعت الذي يجب به القصاص عند الاشتراك في قطع الطرف، أما إذا كان بيد كل [واحد] منهما آلة [ينفرد بها] فلا شركة، قال في "الإبانة": ولا قطع عليهما.
والثاني – وهو الصحيح، وبه جزم في "الوجيز"-: أنهما مشتركان في الصورتين.
فرع: لو أن أعمى ومقعدا اجتمعا ونقبا، فركب [المقعد] الأعمى والمقعد يهديه، فأخذ المقعد وركب الأعمى – ففي "تعليق" القاضي الحسين وجهان: أحدهما: لا قطع على واحد منهما.
والثاني: عليهما.
وقيل: يجب على الزمن دون الأعمى، حكاه الرافعي وهو في "الزوائد" للعمراني معزي إلى "العدة" للطبري.
ولو أخذ الأعمى المال بدلالة الزمن، وخرج به، فعن "البيان" أنه] هل [يجب القطع عليهما، أو لا يجب إلا على الأعمى؟ فيه وجهان، أصحهما: الثاني.
ولو كانا بصيرين سالمين، فأخذ المال أحدهما، وحمله الآخر فأخرجه والمال في يده – وجب القطع على المحمول، وفي الحامل وجهان، الذي أورده الروياني منهما المنع.
آخر: إذا سرق جذعا، فلحقه الراعي قبل أن يخرج جميعه، وكان المخرج يساوي نصابا – حكى القاضي أبو الطيب عن الماسرجسي: أنه لا يقطع، وكذلك إذا أخرج بعض عمامة ثم تركها، لأن بعضها لا ينفرد عن بعض؛ كما إذا كان في بعضها نجاسة والباقي على رأسه، لا تجوز صلاته.

قال القاضي: وكذلك إذا أخذ الغاصب طرفا والطرف الآخر في يد صاحبها، لم يضمنها؛ فكذلك في السرقة، قاله ابن الصباغ.
قال: وإن نقب أحدهما، فدخل الآخر وأخرج المتاع – لم يقطع واحد منهما؛ لأن الناقب لم يسرق، والآخذ أخذ من غير حرز؛ فعلى هذا: على الأول ضمان ما نقبه من الجدار، وعلى الثاني ضمان ما أخذ، وهذه طريقة ابن أبي هريرة وطائفة.
وقيل: فيه قولان كالمسألة قبلها، ووجه القطع: خشية جعل المواطأة على ذلك ذريعة للسرقة، وهذه الطريقة – كما حكاه الماوردي – قال بها كثير من أصحابنا، وقد حكاها الشيخ القاضي أبو الطيب وغيره، وظاهر اللفظ في إيرادها يقتضي أنهما يقطعان على قول، وهو ما صرح به الماوردي والبندنيجي والقاضي الحسين.
وفي "النهاية" أنه يختص قول القطع فيها بالآخذ، وعليه جرى الجيلي، وهو الأقرب؛ لأن الأصحاب مطبقون على أن ثلاثة لو [نقبوا، ثم] دخلوا الحرز بعد نقبهم وكوروا المتاع، وحمله واحد [منهم] فأخرجه – لا قطع [إلا] عليه، وحكوه عن النص، ولو كان القطع في مسألة الكتاب على الناقب [على قول]، لكان جريانه في مسألة التكوير أولى، ويجوز أن يكون ما حكوه فيها بناء على الصحيح.
وعن [ابن القاص] في مسألة الكتاب أن صاحب الدار إن لم يكن فيها فلا قطع، وإن كان فيها وجب على المخرج القطع؛ لأنها محرزة به فيكون قد أخرجه من حرز.
قال ابن الصباغ: وعلى هذا ينبغي أن يقال: إن كان صاحب المتاع منتبها يراعي ما فيها، فالأمر كذلك.
وإن كان نائما فإنما حرزها بالغلق وقد زال

بالنقب، وهذا ما فهمه القاضي أبو الطيب من كلام ابن القاص؛ لأنه قال بعد حكاية ما ذكرناه عنه: وهو كما قال؛ لأن صاحب الدار إذا كان فيها فما فيها محرز] به [، والوجهان إذا لم يكن صاحبها فيها أو كان نائما.
وفي "الرافعي": الجزم بأن صاحبها إن كان يلاحظ المتاع [فهو محرز] به؛ فيجب القطع على الآخذ، وإن كان نائما فلا يكون المال محفوظا به في أصح الوجهين؛ كما ذكرناه فيمن نام في الدار وبابها مفتوح، وهذا منه إشارة إلى كون السرقة بالنهار؛ لأنه محل الوجهين كما ذكر، أما إذا كانت بالليل فقد جزم بأن ما في الدار لا يكون محرزا إذا كان نائما.
وحينئذ يتلخص من مجموع ما ذكرنا: أن المالك إن كان مراعيا للمال قطع الآخذ بلا خلاف، وفي قطع الناقب الطريقان، وإن كان نائما: فإن كان في الليل ففي قطعهما الطريقان، وإن كان [في النهار]، فإن قلنا بالقطع في الليل ففي النهار أولى، ولا فلا قطع على الناقب.
وفي قطع الآخذ وجهان، أصحهما: المنع.
قال: وإن نقب أحدهما وانصرف، وجاء الآخر، [أي]: الذي لم يشهد النقب؛ كما قال الماوردي، وسرق – لم يقطع واحد منهما؛ لما ذكرناه، ومن طريق الأولى إذا أخذ الآخر من وسط النقب؛ كما قاله البندنيجي، ولا يجيء الطريق الثاني في المسألة قبلها؛ لأنه لا تواطؤ بينهما، كذا أطلقه الجمهور.
وفي "الحاوي": أنه لا قطع [في مسألة الكتاب] على الذي نقب، وأما الآخر فلا قطع عليه إن اشتهر خراب الحرز، وإن لم يشتهر ولم يظهر ففي القطع وجهان جاريا فيما لو عاد الذي نقب بعد هربه في ليلة أخرى وأخرج السرقة، وجعل أظهرهما وجوب القطع.
وقد حكى الوجهين في الصورة الأخيرة القاضي الحسين أيضا.

فرع: لو نقب سارقان حرزا واحدا: [أحدهما من جانب، والآخر من جانب]، وأخذ كل منهما نصابا، وأحدهما لا يعلم بصنع صاحبه – قال القاضي الحسين: فالقطع إنما يجب على السارق الذي نقب أولا، ولا قطع على الثاني؛ لأن الحرز صار مهتوكا، وإن وقع النقبان معا فعليهما القطع، وإن أخرج كل منهما ما سرقه من نقيب صاحبه، كما لو نقب واحد وأخرج المال من الباب.
قال: وإن نقب الحرز [واحد] وأخذ دون النصاب وانصرف، ثم عاد وأخذ تمام النصاب، أي: لا غير، كما قال القاضي الحسين، وإن كان في كلام القاضي أبي الطيب خلافه – فقد قيل: يقطع؛ لأنه أخذ المال من حرز مثله فصار كما لو أخرجه دفعة واحدة، أو كان المسروق حبلا فأخرجه شيئا فشيئا.
وهذا ما حكاه المصنف وغيره عن ابن سريج، والرافعي عنه وعن القاضي أبي حامد، وهو الأصح عند الجمهور.
وقيل: لا يقطع؛ لأن المأخوذ أولا دون النصاب فلا قطع فيه، [والمأخوذ ثانيا] غير محرز فلا قطع فيه، وهذا قول أبي إسحاق.
[وقيل]: إن اشتهر خراب الحرز، أي: بأن علم بالنقب المالك أو الناس – لم يقطع؛ لأنه أخذه من حرز مهتوك وإن لم يشتهر، أي: بأن ردم السارق النقب، أو نضد لبنه من غير بناء – قطع؛ لأنه أخذه من حرز هتكه هو بنفسه فقطع؛ كما لو نقب ودخل وسرق، وهذا قول ابن خيران كما حكاه المصنف وغيره، وهو المختار في "المرشد"، وفي "تعليق" القاضي الحسين أنه حكي عن ابن سريج.
وهذه الأوجه، قال البغوي: إنها تجري، سواء عاد في تلك الليلة أو في [الليلة] الثانية، وقيل: إن عاد في الليلة الثانية لم يقطع وجها واحدا.
وفي "تعليق" البندنيجي و"الشامل" حكاية الأوجه فيما إذا كان [العود في ليلة أخرى، واقتصر فيما إذا] عاد في وقته أو [في] ليلته على حكاية الوجهين الأولين.
وهذا هو المحكي في "الزوائد" عن أبي حامد، وهو يفهم تخصيص

الوجه الثالث بالحالة الأولى، وكلام أبي الطيب كالمصرح به؛ لأنه حكى الوجهين فيما إذا عاد في ليلته، ثم قال: ولو عاد في الليلة الثانية، [وأخذ ما يساوي ربع دينار]، [أو ما يتم به ربع دينار]- فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: حكمه حكم المسألة السابقة، وقال أبو علي من خيران .. وساق مذهبه الذي ذكرناه، وفي "الحاوي" ما يقتضي خلافه؛ فإنه حكى الوجهين السابقين فيما إذا كان عوده من وقته أو من غده، وحكى الثالث، ونسبه إلى ابن خيران وأنه قال: إن عاد لوقته فاستكمل النصاب قبل اشتهار هتكه – قطع، وإن عاد من غده بعد اشتهار هتكه لم يقطع؛ لاستقرار هتك الحرز بالاشتهار، وهذا أصح.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية الوجهين الأولين فيما إذا عاد السارق قبل أن يعود إلى منزله، أما إذا عاد بعد رجوعه إلى منزله ففي القطع وجهان مرتبان على الوجهين في الحالة الأولى، وأولى بعدم القطع؛ لأنه كالمبتدئ لهذا الأمر، وغيره بانية على الأول، وعند اختصار ما ذكره يرجع حاصله إلى ثلاثة أوجه، ثالثها: إن لم يعد لمنزله قطع، وإلا فلا، وكذا حكاها الفوراني والطبري في "العدة".
وكلام الإمام قريب من ذلك؛ فإنه حكى في المسألة ثلاثة أوجه عند عدم علم المالك بخراب الحرز، ثالثها: إن تواصل الفعلان من غير تخلل فصل يجب القطع، وإن انفصل أحدهما عن الثاني بزمان طويل فلا قطع.
وحكى [أن شيخه] كان يقول: لو أخرج مقدارا وانطلق به وعاد، فهذا فصل بين الفعلين [وإن قرب الزمان وأسرع الكرة.
وهذا حسن في إفصاح معنى الفصل بين الفعلين] على هذا الوجه، وجزم بأن المالك لو اطلع على خراب الحرز فلم يسده، أو سده فعاد السارق واستكمل بما أخذه ثانيا تمام النصاب – أنه لا قطع.

وحكم فتح الباب أو كسره أو فتح غلقه فيما ذكرناه، حكم النقب.
قال: وإن ترك المال على بهيمة، فلم يسقها، فخرجت البهيمة بالمال، أو تركه في ماء راكد فتفجر [وجرى]، أي: تحرك إما بزيادة ماء آخر بسبب سيل، أو لانفتاح ما يمسكه عن الجريان بنفسه، وجرى، أي: المال، مع الماء إلى خارج الحرز – فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع.
هذا الفصل ينظم مسألتين: إحداهما: إذا ترك المال على بهيمة ولم يسقها فخرجت بالمال، وفيها وجهان: أحدهما: يقطع؛ لأن وضع المال على الدابة تسبب إلى خروجه؛ فإن الدابة إذا استقلت بالحمل سارت، فصار كما لو وضعه على دابة سائرة أو واقفة وساقها، فإنه يقطع وجها واحدا.
والثاني: لا يقطع؛ لأن للبهيمة اختيارا، فإذا لم يسقها وسارت، فقد سارت بنفسها لا باختيار السارق؛ فلم يقطع، قال القاضي أبو الطيب: وهذا كما قال الشافعي – رضي الله عنه – فيمن فتح قفصا عن طائر لإنسان ولم يزعجه، فوقف ساعة، ثم طار-: لم يضمنه؛ لأن للطائر اختيارا صحيحا، فحين طار طار باختياره.
وهذا أصح في "الرافعي" وعند النواوي وصاحب "المرشد"، وبه جزم الفوراني، قال الرافعي: ويحكى عن القاضي أبي الطيب القطع به.
وقد قيل به فيما لو وضعه على دابة واقفة وساقها، وينسب إلى "الفروع" كما قال في "الزوائد"، ورأى الإمام تخريجه في الوضع على الدابة السائرة مما سنذكره في منع [القطع] عند انثيال الصبرة.
وقد اختلف الأصحاب في محل الوجهين المذكورين في مسألة الكتاب: فمنهم من قال: محلهما إذا وقف ثم سارت،] أما إذا سارت [عقيب الوضع قطع وجها واحدا؛ لإشعار الحال بأنها سارت بفعله.
وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي هذا؛ حيث استدل بوجه عدم [القطع بنص

الشافعي – رضي الله عنه – في مسألة الطير إذا وقف ثم طار.
ومنهم من قال: محلها إذا مشت عقيب الوضع]، أما إذا وقفت ثم سارت فلا قطع.
وهذا ما حكاه الإمام عن العراقيين، وهو اختيار الشيخ أبي علي وغيره، ولم يورد البغوي سواه، وحكى العمراني إن الشيخ ابا علي طرد ذلك فيما إذا ربط لؤلؤا على جناح طائر، وقال إن مكث [من غير] طيران ساعة، ثم طار فلا قطع، وإن طار عقيب الربط من غير تهييج، ففيه وجهان.
ومنهم من أطلق الوجهين، قال الرافعي: وهو الأظهر.
ومقتضاه جريانهما في الحالين.
وعند الاختصار يجيء في المسألة ثلاثة أوجه؛ كما حكاها الماوردي، ثالثها: إن وقفت ثم سارت، فلا قطع، [وإلا قطع]، وهذا ما قال به ابن أبي هريرة، وحكى القاضي الحسين ذلك طريقة مستقلة، وطردها فيما لو شد لؤلؤة على جناح طائر.
وهكذا فيما لو كان في الحرز غنم، فنقب: فإن خرجت في الحال قطع، وبعد ساعة لا قطع، والأقوال في المسألة تشابه الأقوال التي حكاها الإمام وغيره في مسألة فتح القفص عن الطائر.
قال الإمام: ومن أصحابنا من قطع فيما نحن فيه بنفي السرقة، وإن تردد القول في مسألة الطائر [في الضمان]، والسبب فيه: أن السبب مضمن في الغصوب، والسرقة بتعاطي الإخراج بالنفس، وهذا المعنى لا يتحقق مع اختيار البهيمة، ولو فصل مفصل بين بهيمة مطمئنة لا نفار بها وبين بهيمة ذات نفار، لكان هذا وجهاً في الاحتمال، وهذا الاحتمال يمكن إجراؤه في فتح القفص عن الطائر، وحل الرباط [عن الطائر].
انتهى.
فرع: لو أخرج هادي الغنم أو أم السلخة، فتبعه الغنم أو السلخة، ولم تكن الأولى وحدها [تساوي] نصابا - قال الرافعي: ففيه الخلاف، والذي

أورده القاضي الحسين: أنه إن علم أنه يخرج ذلك على أثرها، قطع، وإلا فلا، وهذا ما اختاره الطبري في "العدة"، وعن الشيخ أبي علي: القطع بالوجوب؛ لأن طبيعتها الاتباع.
قال الرافعي: والظاهر: الأول، وبالمنع أجاب في "التهذيب"، وفي دخول السلخة في ضمانه وجهان.
المسألة الثانية: إذا وضع المال في الماء الراكد، فتفجر وجرى مع الماء إلى خارج [الحرز - ففيه الوجهان].
وجه القطع: أنه تسبب إلى خروجه بتركه في الماء؛ فأشبه ما لو وضعه في ماء جارٍ أو راكد وحركه حتى خرج؛ فإنه يجب القطع وجهاً واحداً.
ووجه مقابله – وهو الأصح في "الرافعي" و"المرشد"، وعند النواوي-: أن الماء الموضوع فيه لم يكن آلة لإخراجه، وإنما خرج بسبب حدث، وقد قيل بطرده فيما إذا وضع المال في الماء الجاري، وينسب إلى رواية الشيخ أبي حامد، وهو مذكور في "أدب القضاء" للزبيلي – أيضا – قال الرافعي: ورأيته في "تعليق" إبراهيم المروزي، ورأى الإمام تخريجه مما سنذكره من منع القطع عند انثيال الصبرة وهو جار فيما إذا حرك الواضع الماء، لكن الصحيح: القطع.
والوجهان في مسألة الكتاب جاريان – كما حكاه المصنف وغيره – فيما إذا نقب وأخرج المال فوضعه في النقب، فحدثت ريح فأخرجته إلى ظاهر الحرز، واختار في "المرشد" عدم القطع، ولو كان ذلك في وقت هبوب الريح قطع، ويظهر مجيء وجه الشيخ أبي حامد فيه.
فرع: لو كان في البستان أترج، والماء يدخل من أحد طرفيه ويخرج من الآخر، فجمع النار والوقود في طرف، ووضعه على الماء حتى دخل وعلا الدخان، فأسقط الأترج في الماء، وخرج من الطرف الآخر، فأخذه، أو رمى بالأحجار إلى الأشجار حتى تناثرت الثمار في الماء وخرجت من الجانب الآخر – فعن إبراهيم المروروذي: أن القاضي الحسين قال في كرة: لا قطع، وهو المذهب، وقال في أخرى: يجب؛ كما لو أخذ الثوب من خارج الحرز

بمحجن، [وهذا مذكور] في "فتاوى" القاضي.
قال: وإن نقب الحرز، وقال لصبي لا يعقل: أخرج المال، فأخرجه، أو طر جيبه فوقع منه المال – وجب القطع.
هذا الفصل – أيضاً – ينظم مسألتين: الأولى: إذا قال لصبي لا يعقل: أخرج المال، فأخرجه – قطع؛ لأن الصغير الذي لا يعقل كالآلة؛ ولهذا يوجب على آمره بالقتل – إذا قتل- القصاص، وإذا كان كذلك وجب عليه القطع؛ كما [لو] أخرج المال بمحجن – وهو: السوط المعوج الرأس – أو نحوه.
وقد زاد القاضي أبو الطيب في تصوير المسألة: أن يناول الصبي المال للآمر، وغيره سكت عن ذلك.
وهكذا حكم المجنون والبالغ الأعجمي الذي لا تمييز له، كما ذكرناه من قبل.
وفي "الزوائد": أن صاحب "الفروع" حكى وجهين فيما إذا دفع المال لصبي لا [تمييز له] فخرج به، كالدابة إذا خرجت عن سوق، ويظهر جريانهما في المجنون والبالغ الذي لا تمييز له أيضا.
ولو دفع المال لصبي أو مجنون، ولم يأمره بإخراج ولا أشار إليه به – قال الماوردي: فقد اختلف قول الشافعي – رضي الله عنه – في جناية الصبي والمجنون، هل يجري عليهما حكم العمد أم الخطأ؟ فعلى الأول لا يقطع السارق؛ كما لو دفعها لبالغ عاقل، وعلى الثاني يكون كوضعها على الدابة؛ فيكون في قطع السارق وجهان، أما إذا كان للصبي تمييز فلا قطع عليهما في مسألة الكتاب.
وفي "فتاوى" القفال: أنه لو علم قرداً النزول إلى الدار وإخراج المتاع، فنقب وأرسل القرد، فأخرج المتاع – ينبغي ألا يجب القطع؛ لأن للحيوان اختيارا، والحد يسقط بالشبهة.

الثانية: إذا طر جيبه، أي: شقه [في خفية؛] فوقع منه المال – قطع؛ لأنه خرج بفعله متصلاً فقطع به، كما لو جر من الحرز عمامة فأخرجها، وهكذا الحكم عند القاضي أبي الطيب وابن الصباغ والمصنف وغيرهم فيما إذا نقب غرفة؛ فانثال منها طعام قيمته نصاب.
وهو في "الحاوي" كذلك إذا أخرج من الطعام ما قيمته نصاب [دفعة واحدة، وحكي فيما إذا أخرج شيئا فشيئا وجهين في وجوب القطع، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين] وقال: إن الأصح الوجوب.
قال القاضي الحسين: ومن قال بمقابله فرق بينه وبين العمامة: بأن العمامة يتصل بعضها ببعض؛ فكان خروج الجميع بيده وفعله، وأما الحنطة فما خرجت في الدفعة الثانية بفعله.
وفي "الوسيط" و"النهاية" و"الزوائد" و"الرافعي": أن الوجهين في هذه الحالة مفرعان على قولنا: إنه لو أخرج نصابا بفعلين متواصلين من غير فصل لا يقطع، أما إذا قلنا بوجوبه ثم فهاهنا أولى.
قلت: ومن هذا البناء يظهر أن يقال: لو انثال من الطعام ما قيمته [دون] نصاب، ثم وقف، ثم انثال بعد ذلك ما يكمل به النصاب – أن يجري الخلاف من غير ترتيب.
وقد ادعى الزبيلي في "أدب القضاء" له أنه لا خلاف في عدم القطع في هذه [الصورة، وإن حكى الوجهين في الصورة السابقة، والصحيح – وإن ثبت الخلاف – ما قاله العراقيون، وهو جار في مسألة طر الجيب – أيضا – كما حكاه الرافعي [وحكى] في الصورتين وجها – وينسب إلى رواية أبي إسحاق-: أنه لا يقطع فيهما بحال؛ لأن الخروج حصل بتسببه لا بمباشرة الإخراج، والسبب ضعيف لا ينبغي أن يتعلق به قطع، وقد أشار إليه في "الكافي" بقوله: ولو نقب جدارا؛ فانثالت منه الحنطة، فأخذها، أو طر جيبه أو كمه؛ فسقطت منه الدراهم والدنانير – فعليه القطع في أصح الوجهين.

تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي إيجاب القطع عند طر الجيب ووقوع المال وإن لم يأخذ الطرار، وهو على وزان ما قاله أصحابنا فيما إذا رمي الناقب بالمتاع من من داخل الحرز إلى خارجه ولم يأخذه: أن عليه القطع، سواء أخذه سارق آخر أو لم يأخذه، لكن حكى الإمام في هذه الصورة وجها عن بعض المصنفين: [أنه] إن لم يأخذه فلا قطع عليه؛ لأن الموجود حينئذ إتلاف لا سرقة، وهذا ما جزم به الزبيلي في "أدب القضاء" له إذا كان الوقوع مهلكة أو أخذه آخذ.
قال الإمام: وعلى هذا لو أخذه [معينه و] صاحبه فالوجه: ألا يحب القطع على الملقي، ويجوز أن يقال بوجوبه؛ لأخذه بإذنه.
والذي رأيته في "الإبانة" و"الزوائد" و ["تعليق"] القاضي الحسين: أنه [إذا خرج] وأخذ ما رماه قطع، وإن أخذه سارق آخر، فمنهم من قال: فيه الوجهان المذكوران فيما إذا نقب الحرز، فدخل أحدهما [وأخرج المتاع ووضعه] [في وسط النقب، وأخذه الخارج، ووجه الشبه: أن الرافعي لم يتناول] المسروق بعد إخراجه إياه من الحرز؛ كما أن من أخرج المتاع إلى نصف النقب لم يتناوله مخرجا من الحرز، ومنهم من قال بوجوب القطع على الرامي وحده وجهاً واحداً، كما ذكرناه أولا، قال القاضي الحسين: وهو الصحيح؛ لأن الإخراج وجد منه هاهنا تاما، بخلاف ما إذا وضعه في بعض النقب.
قلت: والذي يظهر من قوة كلامهم: أن التردد محله ما إذا اشترك الرامي والآخذ في النقب؛ لأنه نظير المسألة المخرج منها الخلاف، أما إذا لم يكن الآخذ شريك الرامي في النقب فيجيء فيه الطريقان السابقان فيما إذا نقب واحد وسرق آخر: فإن قلنا بطريقة القولين فيها، اتجه جريان ما حكاه الفوراني وغيره من

الخلاف فيها – أيضا – وعلى هذا يتجه أن يجيء [مثله] [في مسألة] طر الجيب؛ إذ لا فرق يظهر بين المسألتين.
وإن قلنا بطريقة القطع بعدم القطع على الناقب والمخرج، اتجه القطع في مسألة الرامي بعدم القطع على الآخذ وإجراء الخلاف في [الناقب الرامي؛ ولأجل ذلك أعرض الإمام عن الترتيب، وحكى الخلاف في] وجوب القطع على الرامي إذا لم يأخذ، وعليه جرى الغزالي، ويتجه جريان مثل ذلك في مسألة طر الجيب – أيضا – والله أعلم.
وقد بالغ النواوي في ذلك، فجعل أخذه المال بعد طر الجيب من تمام تفسير الطر، قال: يقال: طره يطره طرا، [إذا] شقه وقطعه؛ فهو طرار.
قال: وإن ابتلع جوهرة في الحرز، وخرج من الحرز – فقد قيل: يقطع؛ كما لو تركها في جيبه و [خرج بها]، وهذا أصح عند الإمام والروياني.
وقيل: لا يقطع؛ لأن ما بلعه الإنسان لا يدري إلى ماذا يئول، فلا يتحقق خروجها من الحرز؛ ولهذا المعنى وجب عليه قيمتها، قال أبو الطيب وغيره: ولأنه كالمكره على الخروج بها؛ لأنه يلزمه الخروج ولا يمكنه إخراجها من جوفه.
وهذا ما اختاره [في "المرشد" وصححه المحاملي وطائفة، وقال القاضي الحسين:] إنه المذهب.
والوجهان عند الشيخ أبي حامد مخصوصان بما إذا خرجت منه الجوهرة، أما إذا لم تخرج فلا قطع جزما، وعلى هذا جرى البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين وصاحب "الكافي"، وأطلق مطلقون – ومنهم القاضي أبو الطيب والمصنف – الوجهين ولم يقيدوهما بحالة.
قال الرافعي: فنزل بعضهم المطلق على المقيد، ورأى الإمام إثبات ذلك وجها فارقا بين أن تخرج [منه بعد خروجه من الحرز فيجعل سارقا، وبين ألا تخرج] فيتبين أنها فسدت وانمحقت فلا يجعل سارقا، وهذا ما اختاره النواوي.

وروى الماوردي الوجه الثالث على غير هذا النحو عن أبي الفياض: أنها إن خرجت بعلاج ودواء لم يقطع، وإن خرجت بغير علاج ولا دواء قطع، وبه يحصل في المسألة أربعة أوجه.
وأورده الغزالي على غير هذين الوجهين، فقال: والثالث: إن أخذها بعد الانفصال عنه قطع، وإلا فلا.
قال الرافعي: ولم أره لغيره.
قلت: ومادة هذا الوجه يمكن أن تكون مأخوذة من الوجه المنقول فيما إذا نقب ورمي المال إلى خارج الحرز، فإن أخذ المال قطع، وإلا فلا، ووجه الشبه: أنه برمي المال إلى خارج الحرز كالمضيع له قبل أن يصل إلى يده، فإذا أخذه تمت السرقة، وإذا لم يأخذه كان إتلافا لا سرقة، كذلك إذا بلع الجوهرة؛ فكأنه عرضها للإتلاف، فإذا خرجت منه ولم يأخذها فهي معرضة للضياع أيضا؛ فكان بلعها وخروجها بمنزلة رمي المتاع، فإن أخذه فقد تحققت السرقة، وإلا فهو إتلاف لا سرقة، والله أعلم.
وبهذا الوجه يحصل في المسألة خمسة أوجه.
فرع: لو تطيب في الحرز [بطيب وخرج]، فإن لم يمكن أن يجمع منه بعد الخروج ما قيمته نصاب كالماورد ونحوه، ولم يقطع، وإن أمكن كالمسك والغالية، فوجهان، أصحهما في "تعليق" القاضي الحسين: الوجوب، وهو المختار في "المرشد"، والأشبه في "الرافعي".
قال: وإن سرق حرا صغيرا وعليه حلي، [أي: يليق به]، يساوي نصابا – قطع؛ لأنه قصد سرقة ما عليه من المال، وهو نصاب؛ فأشبه ما لو أخذه منفردا، وهذا قول ابن أبي هريرة كما حكاه الماوردي وغيره، وأبي علي الطبري كما حكاه القاضي أبو الطيب وكذا ابن الصباغ، ونسبه إلى "التلقين"، وبه جزم القاضي الحسين.
وقيل: لا يقطع؛ لأن يده ثابتة عليه؛ ولهذا لو وجد اللقيط وعليه مال، كان له،

وإذا كان كذلك لم يقطع؛ كما لو سرق جملا وعليه صاحبه، وهذا هو الصحيح عند الجمهور، وقال أبو الطيب: إنه الذي قال به الباقون، يعني: من الأصحاب غير الطبري.
وخص الزبيلي من أصحابنا في "أدب القضاء" له محل الوجهين بما إذا نزع الحلي من الصبي، وقال إذا لم ينزعه: لا قطع عليه قولا واحدا.
وصور الإمام المسألة بما إذا كان الصغير نائما أو مربوطا عند الحمل، وقال: إن الوجهين يجريان في أن ثيابه في غير صورة السرقة، هل تدخل تحت يد غاصبه وحامله أم لا؟ وهذا يقتضي إجراء الخلاف في القطع وإن لم يقلع الحلي من عليه.
ثم على الثاني منهما، قال الماوردي: لو أخذ الحلي من الصبي أخذ مستخف قطع؛ لأنه أخذه من حرزه، وأشار القاضي الحسين إلى خلاف في هذه الحالة؛ حيث قال: وقيل إن أخرجه من الحرز، ثم سرق الحلي منه – لا قطع عليه على أحد الوجهين، وإن أخذ الحلي منه مجاهرا، فإن [كان] للصبي تمييز يمكن [به] أخذ ذلك منه [لم يقطع؛ لأنه يصير كالغاصب، وإن لم يكن له تمييز يمكن به أخذه منه] قطع.
أما إذا كان الحلي غير لائق بالصبي: فإن أخذ الصبي من حرز الحلي قطع، وإن أخذه من [حرز] الصبي دون [حرز الحلي] لم يقطع، وعلى هذا يحمل جزم القاضي الحسين بأن الحلي إذا كان طوقاً فسرقه لا قطع [عليه].
فرع: لو كان الحر كبيرا عاقلا، فسرقه في حال نومه وعليه ثياب – فحاصل ما ذكره الإمام: بناء ذلك على أن الحر إذا نام على بعير وعليه أمتعة، فجاء سارق فأخذ بزمامه، وأخرجه عن القافلة وجعله في مضيعة – فهل يقطع؟

وفيه ثلاثة أوجه تقدمت، ثالثها: إن كان الراكب قويا لا يقاومه السارق لو انتبه فلا يجب القطع، وإن كان ضعيفا لا يبالي به السارق فعليه القطع، ولا اعتبار بيد الضعيف.
[فإن قلنا: لا يقطع في مسألة البعير ففي مسألتنا أولى؛ لأن الثياب التي على الإنسان أبعد عن يد آخذها من الجمل الذي تحته والبعير؛ فإن ثياب الإنسان في حكم جزء منه].
وإن قلنا بوجوب القطع ثم، انبنى على ما لو حمل حرا أو حبسه، فتلفت عليه ثيابه، والمذهب: أنه لا ضمان.
وأبعد بعض نقلة المذهب، فحكى وجها أن يد الغاصب ثبتت على الثياب، فعلى الأول: لا قطع، وعلى الثاني: إن كان المحمول ضعيفا ثبتت السرقة ووجب القطع، وإن كان قويا ففي السرقة وجهان، والظاهر – وإن ثبت الخلاف – عدم القطع.
آخر: لو سرق عبدا نظر: فإن كان نائما قطع، صغيرا كان أو كبيرا؛ كما قاله القاضيان أبو الطيب والحسين وابن الصباغ.
وأبدى الإمام فيما إذا كان [النائم] قويا بحيث لا يقاومه السارق لو انتبه نظرا في عدم القطع، مع جزمه بدخوله في ضمانه بذلك، ووجهه بأن مثل هذا العبد محرز بيد نفسه، فإذا احتمله ضعيف باحتيال فليس منتهيا من صون إلى ضياع.
وعلى ذلك جرى الغزالي في "الوسيط"، وجزم في "الوجيز" بعدم القطع، ثم قال الإمام: وينشأ من هذا أن من جلس ببرية حيث لا مستغاث يجاب إليه، ومتاعه مخلوط، فاستغله ضعيف وأخذ المال، ولو شعر به صاحب المتاع لطره – فهل نقول: يعد هذا المال ضائعا بالنسبة إلى القوي؛ فلا قطع [على آخذه] وإن كان ضعيفا، أم نقول: يختلف الحكم بحسب اختلاف الآخذين؟ والرأي الظاهر عندنا: الثاني؛ كما أن أصل الإحراز يختلف باختلاف أصناف الأموال.
ولو كان العبد مستيقظا، فإن كان صغيرا لا تمييز له قطع، ولا فرق بين أن يحمله أو يدعوه فيتبعه؛ لأنه لا تمييز له فهو كالبهيمة تساق أو تقاد.

قال الرافعي: ويجيء فيه الخلاف الذي ذكرناه في تسيير البهيمة، وحرزه دار سيده أو فناؤها، سواء كان وحده أو كان يلعب مع الصبيان، ولو بعد عن ذلك ودخل سكة أخرى، فهو مضيع إن لم يكن معه حافظ.
والمجنون والأعجمي الذي لا تمييز له كالصغير الذي لا تمييز له.
وإن كان العبد صغيرا مميزا، فإن سرقه سكران أو مضبوطا محمولا فهو كغير المميز، وإن أكرهه بالسيف حتى خرج من الحرز؛ ففيه وجهان: أحدهما: لا قطع؛ لأنه فارق الحرز بفعله؛ فأشبه ما لو خدعه حتى فارقه؛ فإنه لا قطع عليه.
والثاني: يجب؛ كما لو ساق البهيمة بالضرب، وهذا ما أورده البغوي.
وإن كان بالغا عاقلا له تمييز فلا قطع إن كان قويا؛ لأن حرزه قوته، وهي معه.
قال: وإن سرق المعير مال المستعير من الحرز المعار، فالمنصوص، أي: في المختصر، أنه يقطع؛ لأنه أحرز ماله بحرز بحق فقطع السارق منه وإن كان الحرز له؛ كما لو سرق الآجر مال المستأجر من الدار المستأجرة؛ فإنه [يجب عليه القطع] وجها واحدا.
وقيل: لا يقطع؛ فإن المستأجر ملك منفعة الدار، والمستعير لم يملكها، بل استباحها، وللمعير حق الرجوع في العارية متى شاء، وكان ذلك شبهة في درء القطع، وقد أطلق البندنيجي حكاية هذا الوجه كما أطلقها الشيخ، وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والفوراني وتبعه صاحب "العدة": هذا إذا نوى الرجوع عند النقب، فأما إذا [لم] ينو، قطع وجها واحدا.
قال [ابن الصباغ: وحمل قائله – وهو المروزي كما قال] الماوردي – النص على هذه الحالة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية" وما أخذ منهما: حكاية الوجهين مع المنصوص، فجعلوا في المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: إن قضد الاسترجاع، قال القاضي: بأن دخل بالنهار – لم يقطع، وإن لم يقصد الاسترجاع بأن دخل بالليل

ونقب الجدار قطع، ويجوز أن يختلف الحكم بالقصد وعدمه؛ كالمسلم إذا دخل دار الحرب متلصصا، فوطئ حربية: إن قصد به قهرها وتملكها لو يكن زنى، وإن أحبلها صارت أم ولد [له]، ويثبت النسب، وإن لم يقصد به تملكها وقهرها كان زانيا، ولو أحبلها [لا تصير] أم ولد [له].
ونسب الإمام هذا إلى القفال، والصحيح عند الأصحاب – منهم القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب "الكافي"-: القول المنصوص، وبه قال ابن أبي هريرة.
قال القاضي الحسين: ومن قال به يزيف التفصيل؛ [فإن المستعير] وإن جاز له الرجوع في العارية فبعد الرجوع فيها لا يلزمه أن يمكث ريثما يفرغ المستعير الدار من أمتعته.
ويجري الوجهان الأولان فيما لو سرق الآجر مال المستأجر من الدار المستأجرة بعد انقضاء مدة الإجارة، أو المشتري مال البائع من الدار المبيعة قبل القبض وقبل إمكان تفريغها وبعد توفير الثمن، وأصحهما في هذه الحالة في "التهذيب" و"الكافي": عدم القطع، أما إذا كانت السرقة قبل توفير الثمن، قطع وجها واحدا.
تنبيه: عدول الشيخ عن قوله: وإن سرق المعير مال المستعير المحرز بما استعاره، إلى [ما] ذكر؛ لأن هذا اللفظ يدخل ما إذا أعاره قميصا فلبسه المستعير، فطر المعير جيبه وأخذ المال؛ فإنه يجب القطع.
قال الرافعي: ولا يكاد يجيء فيه الخلاف، وكذا يدخل ما إذا أعاره عبدا للحفظ أو لرعي الغنم، ثم سرق مما يحفظه غلامه نصابا، وللأصحاب في هذه الصورة طريقان حكاهما الإمام: أحدهما: طرد الخلاف السابق.
والثاني: القطع بوجوب القطع؛ لأن الإحراز هاهنا بملاحظة العبد لا بنفس

العبد المملوك، فلعل الشيخ رأى هذه الطريقة.
قال: وإن سرق المغصوب منه مال الغاصب من الحرز المغصوب، فقد قيل: يقطع؛ لأنه سرق ما لا شبهة له فيه من حرز مثله.
وقيل: لا يقطع؛ لأن هذا [ليس بحرز] بالنسبة إليه، [فإنه يجوز له دخوله؛ لأنه محض حقه لا حق للغاصب فيه،] وهذا ما أورده الماوردي والقاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ، وكذا الفوراني والإمام وصاحب "الكافي" والرافعي، وادعى الإمام أنه مما لا شك فيه.
انتهى.
ولم أر ما يخالفه [في شيء] مما وقفت عليه، بل جزم بعضهم بعدم القطع – أيضا – فيما لو كان السارق من الحرز المغصوب أجنبيا، ومنهم القاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ، ووجهوه بأن يد الغاصب ثابتة على هذا الحرز بغير حق؛ فلم يكن لها حكم، فكان وجود هذا الحرز وعدمه سواء، وبعضهم حكى الخلاف في قطع الأجنبي، وجعل القاضي الحسين وجوبه هو الظاهر، وحكى الرافعي عن بعضهم أنه نسبه إلى النص، لكنه صحح المنع لما ذكرناه [أولا].
ولأجل ما ذكرناه صور الجيلي مسألة الكتاب بما إذا غصب إنسان حرزا من شخص ومالا من آخر، ووضعه في الحرز المغصوب [مع مال نفسه، فسرق المغصوب منه المال مال الغاصب من الحرز المغصوب،] ولا شك في جريان الخلاف في هذه الصورة، لكن بطريق البناء على أصلين: أحدهما: أن الأجنبي إذا سرق مال الغاصب من الحرز المغصوب، هل يقطع أم لا؟ والثاني: أنه إذا غصب من شخص مالا ووضعه مع ماله في حرز نفسه، فنقب صاحب المال الحرز، وسرق ماله المغصوب منه ومال الغاصب، وهو نصاب – فهل يقطع؟ وفيه ثلاثة أوجه حكاها في "المهذب"، ثالثها: إن كان ما سرقه من

مال الغاصب يتميز عن ماله قطع، وإن [كان] مختلطا به لم يقطع.
وفي "تعليق" البندنيجي والقاضيين أبي الطيب والحسين و"الشامل": الجزم بعدم القطع عند الاختلاط، وحكاية وجهين في حالة التمييز: أحدهما: لا قطع، وهو الأصح في "تعليق" أبي الطيب و"الكافي"، والمختار في "المرشد"؛ لأن له هتك الحرز لأخذ مال نفسه، فلم يجب عليه بما اخذه من مال الغاصب قطع، لكونه أخذه من حرز مهتوك، وهذا قول أبي إسحاق.
والثاني – وهو قول ابن أبي هريرة-: أنه يقطع؛ لأنه لما أخذ مال [الغاصب، علمنا أنه هتك الحرز لذلك، لا لأجل أخذ مال] نفسه؛ فلزمه القطع، كما لو أخذ مال الغاصب دون مال نفسه؛ كذا قاله ابن الصباغ.
وفي "النهاية": أن الوجهين جاريان فيما لو أخذ مال الغاصب، ولم يأخذ مال نفسه.
إذا تقرر ذلك، فإن قلنا: إن الأجنبي إذا سرق مال الغاصب من الحرز المغصوب لا قطع عليه، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يقطع، فهاهنا وجهان إن أجرينا الخلاف فيما إذا أخذ مال الغاصب خاصة، وإلا قطع، وعلى كل حال فقد تحقق الخلاف فيها، لكن هذه الصورة ليست بظاهرة من كلام الشيخ.
فروع: إذا نقب المودع الحرز الذي فيه الوديعة وأخذها فلا قطع عليه، وكذا لو أخذ من مال المودع نصابا وهو مانع للوديعة، وإن كان غير مانع لها فالذي أطلقه الجمهور: وجوب القطع، وفي "الحاوي" حكاية وجهين فيه: أحدهما – [وهو قياس قول أبي إسحاق، كما قال -: لا يقطع؛ لأن اقترانها بوديعته شبهة.
والثاني] – وهو قياس قول ابن أبي هريرة -: يقطع؛ لأنه متعد بهتك الحرز وأخذه منه ما لا يستحقه.
إذا سرق من له دين على إنسان من مال المديون نصاباً، فظاهر النص في

"المختصر": أنه لا يقطع، وبهذا الظاهر أخذ بعض الأصحاب كما حكاه ابن كج.
والأظهر – وبه قال الجمهور-: أنه ينظر: فإن لم يكن المديون مماطلا، بل كان باذلا قطع، وإن كان غير باذل لما عليه وعجز [عن] استيفائه وأخذ قدر دينه فلا قطع [عليه] إذا قصد بالأخذ استيفاء دينه؛ كما صرح به في "الكافي" و"الرافعي"، وعليه حمل نص الشافعي رضي الله عنه.
ولا فرق بين ان يكون المال من جنس دينه أو لا، كما هو أحد الطريقين، وهو الأظهر في "النهاية".
وقيل: إذا أخذ قدر دينه من غير جنسه قطع، بناء على منع أخذه عند الظفر، كما سيأتي.
ولو قصد السرقة دون أخذه في دينه قطع، قاله في "الكافي".
وإن أخذ أكثر من دينه، قال ابن الصباغ: فهو كما ذكرنا في المغصوب منه إذا سرق أكثر من المغصوب.
ولو كان مماطلا، لكن رب الدين يقدر على أخذه بالمطالبة – [ففي القطع وجهان في "الحاوي"]، والمذكور في "تعليق" القاضي الحسين: القطع [بالقطع] إذا سرق مستحق الزكاة [نصابا] من مال من عليه الزكاة، إن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، فلا قطع، وإن قلنا: [تتعلق] بالذمة، فهو كما لو سرق من مال المديون.
قاله في "الكافي".
إذا وهب منه شيئا ولم يقبضه له بعد، فنقب وسرقه – لم يقطع على الأصح في "الكافي"، بخلاف ما لو أوصى له بشيء فسرقه قبل موت الموصي، فإنه يقطع، لأن تمام الوصية بالقبول ولو يوجد، وتمام الهبة بالقبول وقد وجد.
نعم، لو سرقه بعد موت الموصي وقبل القبول، فالأصح أنه لا يقطع.
قال: وإن سرق الأجنبي المال المغصوب من الغاصب أو المسروق من السارق، فقد قيل: يقطع؛ لأنه أخذ المال من حرز مثله، وهذا ما أفهم من كلام ابن

الصباغ ترجيحه، وصححه الجيلي.
وعلى هذا فالخصم في قطع هذا السارق: [المالك]، دون الغاصب والسارق الأول.
وقال الماوردي: عندي أن كل واحد من المالك والسارق والعاصب حتم.
وقيل: لا يقطع؛ لأنه أخذه من حرز لم يرضه المالك، وهو في يده بغير حق، وهذا أصح في "البيان" وعند النواوي، والظاهر في "تعليق" القاضي الحسين.
والوجهان جاريان – كما قال في "التهذيب" و"الكافي" – سواء علم السارق بأنه مغصوب أو لا، وقد أشار الغزالي وإمامه إلى بناء الخلاف المذكور على أن غير المغصوب منه من الأجانب، هل له انتزاع المال من العاصب بطريق الحسبة [لمالكه] أم لا؟ وفيه خلاف تقدم، فإن قلنا: نعم، لم يقطع، [وإلا قطع.
وفي "الكافي": أنه لو أخذه ليرده إلى مالكه لم يقطع] قولا واحدا.
ويجري الوجهان – أيضا، كما حكاه الزبيلي في "أدب القضاء" له – فيما إذا اشترى طعاما شراء فاسدا وقبضه، فسرقه منه سارق.
قال: وإن سرق ما له فيه شبهة كمال بيت المال، أي: إذا سرقه مسلم قبل إفرازه لطائفة كما سيأتي، سواء كان غنيا أو فقيرا، والعبد إذا سرق من [مال] مولاه، والأب إذا سرق من ابنه، [والابن إذا سرق من أبيه، والغازي، أي: من المسلمين أو الكفار إذا كان له رضخ، أو من الأحرار أو العبيد إذا سرق من الغنيمة قبل القسمة، والشريك إذا سرق من المال المشترك، أي: [المحرز عنه]- لم يقطع.
جمع الشيخ – رضي الله عنه – بين هذه المسائل في الحكم؛ لاشتراكها في علته وهي الشبهة.
روى الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان [له] مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل